نجيب القرنقبل عامين

أصدر مجلس هذا الشعب القائم وحده بالأعمال

قانون مقاطعة الألعاب النارية للأطفال

كي لا يخدش وجه السلم

وحفظا لنقاء الأجواء

وتخيلت للحظة

كيف ستبدو أيدي الأطفال بحارتنا

دون أصابع تلك الشيطنة المرغوبة

عند دخول العيدين

وبراءتهم تلهث عطشاً للنار

بحثا عن فرقعةِ

ودويِّ يطفئ شوق الأُذنين

وجاري الطاعن في السن

يصرخ ويولول:

هي ابتعدوا يا أشرار

جاء العيد

 ومضى (الشهبندر) في تسليح جميع التجار

 يا الله

 كل (قوارح) هذا العالم تغزونا

 تخصِّب تربة وطني بالبارود

 لتبقى (لعب الكبار)

 ***

نجيب القرن

اليمن ـ تعز

 

 

عبد الجبار الحمديوقف كثيرا ينتظر التغيير على أرض بدلت معالمها الخارجية، وحين نظر إلى قَدَميه أدرك أنها قد تيبست من كثرة انتظار، لم يشعر حتى بلغ جفاف الثقة بالآخرين إلى وجهه أحس أن الحمى تأتي من الرجلين، فنحن أمة فطمت على الويلات بعد أن رضعت الآه من صدر الجوع، وعندما كبرت مزقت ثيابها لتبرر فقرها حتى تستجدي الحرمان دينا جديد..

تلك هي فاتحة حديثه في كل مرة يلقي بيان خطبته الى تلك المجاميع في مستشفى الطب النفسي بعد أن غطاه طوفان من مياه آسنه على أيدي سلطة همها إغراق نقاط الضوء الضعيفة بين أحراش مليئة بالثعابين..

غالبا ما ينصت له من ناله الآسن وَحلا، فتحلى بنزعة يتلطخ فيها بعنوان مجنون مع سبق الإصرار ثم عاد ليكمل... لا تستغربوا تكالبنا!!! فنحن لم نحظى بالانتباه من قبل لذا تجدونا ننكب على التصريحات بما نعلم أو بما لا نعلم، كما أننا لا نتعرض إلى اللوم لأننا من صنف البهائم وأظنها لا تفرق عن المجانين... هنيئا لكل الأصوات ذات النهيق والخوار العالي للانضمام معنا كوننا أصحاب تصريحات غير مسئولة، وأقول لكل من يسمع لا ترمي بأسرارك في المياه العكرة، فلابد أن هناك من يتصيدها ويشربها، ثم يخرجها فضائح يتقيأها بعفونة ما يحمل من حقد وكراهية لك، فعندما تكثر نفايات الولائم يكثر حولها الكلاب وفي اتون الحرب يزداد عهر الداعرات، يأتي من يمسك الكيس على ابوابها ساسة عرب و نصف عرب يمدحون الخراب في نشرة الاخبار، تظهر فضائحهم مثل ديوثي الفرص مرتادي سوح الوغى لكن عبر اعلام مزيف مفبرك تراهم رجال الصعاب لا جرم فنحن بتنا ساحات وغى يغنى على جراحنا (جلاب الهوى جلاب)، لا زلنا نرثي انفسنا دون كلل دون ان نطرد اصحاب الولائم ومن بعدهم تلكم الكلاب.

هكذا أستحوذ عباس على كل من يعرفه، بات رمزا لعقلاء للمجانين، اختاط لنفسه جلباب أكبر من حجمه، فتق جوانبه ليجعلها جيوب أكبر يخبيء كل حياته فيها مع تأريخه، يجوب الشوارع بسرعة البرق، منتعلا نصف نعل، فأصابع اقدامه يخرج نصفها عن مقدمته كشخص تمرد على فم لُجِمَ عنوة فأخرج لسانه يلوط أرض شكت من كثرة المخصيين فيها، لم يكتري يوم لقمة عيش فجيبه الواسع هو خزانه ففيه الخبز والفلافل وحبات من الطماطم ولا يخلو من فحل بصل الذي يشمه بعد كسره كوردة الجوري، يدعو كل من حوله الى رغيف الخبز بعد ان يطويه عدة مرات ثم يُقطعه قطعا ليدسها الى جيوبه الأخرى ساعة جوع، كان يرقب مقرات السلطة التي تمتلئ بالحراسات رغم زوالها، تحولت نفسها مقرات بمسميات جديدة، حراسات كثيرة على صور جدارية نادرا ما ترى كلاب سائبة او قطط تتبول عليها فالخوف من عيون السلطة دعى الحيوانات ان تخاف سياط الجلاد فما بالك بالبشر!؟ عباس يردد بصوت عال كم أنت عفن وبائس يا وطني، هكذا في كل يوم لا يمل ولا يكل، واجبه حارسا مثل البقية حتى استشهد أخوته الثلاثة في حرب ضروس لم يوافق عليها لا عباس ولا أخوته، لكن نفوذ السلطة وتقارير رجل أمن مدسوس أنصاعوا للأمر خوفا من إبادة جماعية، في ذلك الصباح كان عباس في الواجب عندما نودي عليه من قبل مسئول الشعبة كي يخبره استشهاد أخوته، جن جنونه وهو يسمع المسئول يقول: لقد استشهد اخوتك يا عباس من اجل الوطن من أجل القائد ثم أخذ يسترسل بنفاقه حتى صرخ عباس فأمسك بالمسئول ضربا حتى أدماه وأطار عينه، لم يخلصه من بين يديه إلا الضرب المبرح الذي تلقاه من بقية منافقين السلطة، أطاحوا به سجينا سنين طوال، عَوَت عليه كالكلاب وهو في زنزانة موحشة تنهش به أيدي خفية في فترة ما أمسكت الحراسة معه لحماية صورة الجلاد الاكبر، فقد عباس عقله هكذا كتبوا في آخر تقرير بعد أن أخذ عباس يلقي بيانه على جميع من في المعتقل لا يعلم هل يسمعون أم لا؟ إلا أنه يلقيه، يضحك ويقول: أنا رب الصور الأعلى، أنا الواحد الاوحد، أنا القائد الفرد الصمد فهل من منازع...

خرج عباس وما زال يلقي بيانه في احدى المناسبات بعد ان صنف مجنون بكتاب رسمي لا يؤخذ عليه، هرعت الأيام تجر أذيال الانتصار خيبة، دخل الغزاة عبر بوابة الديمقراطية، شرعوا في وضع اسس جديدة، حلقوا شعر رأس الاوحد، فتقوا اللباس الذي كان يتبختر فيه وزبانية الزمن الأشتراكي، تبولوا على الصور، لطخوها بالبراز، صارت الكلاب والقطط تتجمع حول تلك الصورة تحديا مع عباس، هاهو الآن حتى بعد ان طار صاحب الصورة وملئت الشوارع بألاف الصور، طار الأوحد وجاءت التعددية، أختيط لباس الديموقراطية بعدد من الخيوط الملونة أهمها الخيط الأسود الذي يتسيد على العباد اما الاحمر والاخضر فذاك ما لا يمكن ان تخيط به سوى الرقع الكبيرة التي لا يمسها إلا المتطهرون،  صعد كعادته رافعا يده بعد ان مسح وجهه بقطعة متهرئة... أيها الناس تغير عالمنا الى ألاسوأ بعد ان كان سيئا، ركبوا موجة الله أكبر رايتها السواد، سكبنا الأتراح مواقيت صلاة، أطلقنا الموت كلاب مسعورة، شئنا أم ابينا لا زال الأوحد يعيش في كل واحد فيهم بعد أن أغتسل بِذل بماءهم المقدس الذي جاء به الحاكم السامي، شرط توقيع وثيقة بيع شرف، سادتي حتى الآن حظيرتنا تسرح فيها الثعالب اما الجرذان فاتخذت من حظيرة الدواجن مورد غذاء... لا زال دجاجنا يبيض خوفا، أما الديكة أظنها غيرت صنفها بعمليات التغيير تلك التي اباحوها حتى تتساوى الديكة مع الدجاج، فعالمنا يا سادتي صوم وصلاة نباح ونكاح، فكلهم راع ونحن الرعية بتعددية وطائفية، هيا هلموا لتتعالى اصواتكم هيهات منا الذلة واللعنة على المنافقين.

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي  

 

 

طارق الحلفيالى ناصر الثعالبي

تتمدد الأيام وتتضرج الذكرى

باللهب كدليل على شجرة الكلام

 قبل ان تبيض غصونها المفرطة بالأمل

**

ساهماً كنتَ وتبقى ساهمًا

بين عينيَ وثوب المرحلة

*

يا صديقي

هزنا الجنُ وغصنُ المقبرةْ

وهوى نجمٌ وطارت قبَّرهْ

وسقى حلمُ الطفولةْ

صوت حزنٍ

وابتسامات غريقْ

وتساءلنا على دربِ الهوى

ايّ حب قد مضى..؟

ايّ يجيء..؟

واتفقنا

ان نشلّ الصمت في فعل الكلام

*

يا صديقي كان في بستاننا نخل وتينْ

واغاني الياسمينْ

ودروبًا كان يأتيها الرصاصْ

حينما ينتفض الموتى

بظل العرش

تأتينا السفينةْ

مطر يأتي الينا..

النخل يهتز

وتهتز الغصون

*

يا صديقي

انها حدّ السَّكينةْ

هكذا ابصرت في الدنيا السَّكينةْ

البدايات الرقيقة

والنهايات العميقة

وتدور الدنيا في ناعور عيني

وتغور للنهايةْ

*

اتَّذَكّر يا صديقي

مرةً في موقف الأَمن التقينا

وتحدثنا عن الحزب.. الرفاقْ

وعن الشارع والملح والوان النهارْ

وغرِقنا

بين تحليل المياسمْ

وانبعاث العاصفاتْ

وغرسنا نبتة الحبّ السجيني

في المجاري الشائباتْ

اتفقنا واختلفنا

وعلى الودّ تناغينا

وغنينا سويةْ

وافترقنا..

نزن الغيب بخيط من رخام

*

والتقينا عند تمثال "الرصافي"

وتواعدنا على مقهى تسمى "الملكيةْ"

كان يرتاد اليها المارقون

ـ هكذا كنا نُسمّى ـ

وكبارُ السّنّ.. عشاق الكرهْ

وكثير عاطلونْ

كانت المقهى تضجُّ..

بالنقاشات عن الثائر والناثر في صمت الضحيةْ

وبأسرار "تراحيل" الرفاق الشفويةْ

انتَ تذكرْ..

العيون الخزفية والمواعيد النديةْ

في بيوت الاصدقاء

ودكاكين الرفاقِ

ومسامات الفنادقْ

في النوادي

في مناشير الجريدةْ

واشتقاقات العزيمةْ

نمنح اللقيا وصالاً.. ونخططْ

اين نبدأْ

أَبتزوير الجوازات واوراق المرورْ

ام على كفّ مهربْ

وافترقنا..

بين تزوير الجوازات واوراق العبورْ

*

يا صديقي

والتقينا في دمشقْ

كانت الأوراق تذروها الرياحْ

كانت الساعات في الصمت مجاهيل اجتياحْ

انتَ تذكرْ..

يومها كنا سويةْ

يوم أنْ قالوا إلينا يا رفاقْ!

نهب قلبينا وميض الهذيان

الضحى كان خفيفًا

وتدلت سيرة الذاهل فينا

نحن كالنرد تدحرجنا سوية

وانتشرنا كزرازير الحقول

في (الحميدية) بعنا ورق النقد سخيا

وانتشينا

زمنًا تحت الندى

وزمانًا في المدى نكشف اثداء الغيابْ

انها الساعة وقت للرحيلْ

لم يكن صوت الرياح

انه صوت النواحْ

*

يا صديقي

ازف الموعد والساعة دقّتْ

ازف الموعد في صوت البنادقْ

صوت وصل وانعطافات نديةْ

انه الوصل.. البدايةْ

وانطلقنا نحو شلالٍ من الضوءِ نغني

رغم حزن الزهرِ في اعيننا كما نغني

" نحنُ في العالم نحيا ساهمين

نحن لو يدري قطار الشوقِ

أعتى ساهمين

ما تراءى لحظة في قطرة الماء الينا

ما توانى ان يقل: هيا تواروا

افرنقعوا عني.. دعوني

قبل انْ يوقظ يعسوب الفراقْ

ورق الشوق وأنفاق المصير

*

يا صديقي

كنتَ ساهم

في الأغاني

في الحضور الشجري

في شرابِ الخمرِ حتى في الفنون

....

....

في الأغاني

زادنا الاصرار تجوالاً على مرّ العصورْ

زادنا الصمت امتدادًا للسنين

زادنا الليل جراحا لنغني

يقظة فوق نصال من تمنّي

*

وتلحفنا الفنادقْ

وانتظرنا

لم نكن ندري اشتراطات السواقي

وعبور النهر يطوينا سنينا

ونغني

في كتابين ودفترْ

في.. ويأتينا الصباحْ

في الخنادقْ

في ميادين الفدائيين شمسًا ونعانقْ

حلمنا الاخضر في المنفى.. نباركْ

نقرع الاجراس لحنًا في سماوات المعاركْ

جذلينْ

اننا نغرق.. انا

قد بدأْنا

وعلى ابواب بغداد سنلقي راحتينا

وضحكنا فرحينْ

فالبدايات اتساع في القطافْ

في شراب الخمر امطرنا عذوق النخل دهرًا

وسهرنا

في الاقاصيص الصغيرةْ

والمخاضات المثيرةْ

في صهيل السجن والصبح العجول

في اقتحام المستحيل

عبر آلاف الدروب المستفزةْ

والى بغداد نبغي ان نعود

*

في الغوايات استظلّ البرعم الموجع فينا

كدليل من مهبات المديحْ

فنثرنا طلع بركان الفضولُ

بين اقدام السكونْ

ونشرنا ابجديات القلوع

في قدود الضحواتِ

وشراك القزّ.. اسرار الحنين

*

يا صديقي

كانت الساعات تبطئ

مثل من يمضغ بالصمت حصى

 

فضحكنا

وسخرنا

وتمازحنا كأعتا ساهمين

في التغربْ

في التشردْ

في بطاقات البريدْ

في مقاهي (المَرجَهْ)

حتى في التمني

وغفونا ساعةً او ساعتينْ

قبل ان ينمو هواءَ الزلزلةْ

قبل ان تصخب فينا السنبلةْ

والندى فوقَ العيونْ

*

يا صديقي

وبكينا دون ان نعلنَ ذلك

وبكينا دون ان نلعنَ ذلك

بينما العالمُ غافلْ

بينما العالمُ سافل

وبكينا..

ما تعودنا التغربْ

ما تعودنا التشردْ

ما تعودنا لنبكي

انما نبكي الهزيمةْ

*

يا صديقي

عبرت كفي المدينةْ

بين آهاتِ حنيني

وارتعاشاتِ يقيني

وبقينا

نكتبُ النخلَ ونرسمْ

عند (معلولةَ) شهرًا

في الخنادق

قد توسدنا البنادقْ

نحتسي الخمرة حينًا

ونغني وطنا ـ يحكمه الشرطيُ ـ حينًا

*

يا صديقي

بين (معلولةَ) كانت صلوات الفجر طيرًا

والتواءات الرفاقِ العائدينْ

حجرٌ يحفرُ قلبًا 

يسمع الصوت الحزينْ

صوت بغداد تغني.

" انت يا طيرًا مسافرْ

طالت الفرقة حتى مَ تهاجرْ

ان تعد لي.. فلتكن بين البنادقْ

غزلاً تلمس كفي وشفاهي

وعلى جفنيك جمرًا.. فلتضعني

ادْنِ مني.. ادْنِ مني

انني أبغي وصالًا

لتصلني

*

يا صديقي

وتحدثنا طويلا

عن مليكٍ حاصرته الريح في رقعة شطرنجٍ كبيرهْ

بين خيلٍ وبيادقْ..

وانحناءات الرفاق العائدينْ

من بيوتِ الوادعينْ

وتلاوينِ القضيةْ

وامور شيعت نعش التمني

وامور بين (معلولةَ) كانتْ

صحوة الموت.. صرخنا بالبنادق

انتِ يا معلولةَ الطير أعتقيني

بين كفي وسمائي

نخلنا الاخضر يبكي

بين عينيّ وآلاف الشفاهِ

اسمع الصوت الحزينْ

في الجرائدْ

في القصائدْ

أهلنا دون التفاتٍ سربوا

من بين أيدينا زكاة للرماةْ

ونعال البدو داست ورقاتي

وشرور الحقد قصّت سعفاتي

فاعتقيني

انني أبغض سجني

وانحناءات التمني

انني أبغض في بيتي ارتعاشات الصغارْ

وصراخ النسوة الثكلى

واهات الفراقْ

...

...

ارضنا عطشى.. وإنا

لم نكن نهوى التغربْ

ما تعودناهُ طبعاً

ما تعودناه.. إنا

قدْ رجعنا

انت في بيروت تدمي ساعديك

وانا بين الصخورْ

فأس فلاح عجولْ

ينفض الثلج المعلقْ

فوق اغصان الرفاق القادمين

من ينابيع شمال الاقحوانْ

علّ صوتًا او لقاء او جوابْ

يصل الشوق اليكْ

*

يا صديقي

والتقينا

ورجعنا مثلما كنا بدأنا

نحفر الصخر وندمي ساعدينا

انها الأرض صديقي

انها الامُّ صديقي

انها..

لم تكن الا البدايةْ

*

يا صديقي

احتملني

مرة أخرى احتملني

واحتملني يا رفيقي

فالبدايات جسورًا للصباح

***

طارق الحلفي

***

* مع هجوم البعث على القوى السياسية العام 1987 زج بي في سراديب معتقل مديرية امن البصرة الذي كان يحوي من بين ما يحويه شيوعيين واسلاميين من حزب الدعوة.. وسواهم من معتقلين لأسباب غير سياسية. وكان ان نشب خلاف بين الشيوعين والاسلامين مما حدي بناصر الثعالبي ان يحسم الامر بالقول باننا نعيش في ظروف تتطلب وحدتنا كسجناء.

* الصحيح هي مقهى الجمهورية / بغداد

* الحميدية ـ سوق الحميدية / دمشق

* المرجة ـ ساحة المرجة / دمشق

* معلولة ـ قرية معلولة المسيحية في ضواحي دمشق

 

 

حسين فاعور الساعديإلى الشاعر الدكتور

قدور رحماني شفاه الله

أمير الجزائرْ!

نحبكَ يا ابنَ الحرائرْ

لماذا تغيبُ

وكيف تغيبُ؟

وفي كل أعراسنا ومواكبنا

أنت حاضرْ

 

أمير الجزائر!

لماذا تغيبُ

وكل القصائد تسألُ عنكَ

وتسألُ عنك "الرسائلْ"

أما زلتَ تحتَ العلاجِ،

طريح السريرِ؟

أما زالَ جرحكَ حياً

وتهفو عليك الحمائم؟

 

أمير الجزائرِ!

طمئن فؤادي!

فخوفي عليكَ

جحيمٌ يهد العزائم

أيوجعكَ الجرحُ؟

يوجعني الجرحُ

جرحُكَ جرحيَ

يا ليتني كنتُ دونكَ فالعمرُ ولّى

وأنتَ الفتيُّ البهيُّ وخيرك قادم

 

دعوتُ لك الله هذا الصباحِ النديِّ

وكل صباحٍ

تماماً كما قلتَ لي

فهبّتْ تفتشُ عنك النسائمْ

وقبّرةٌ  طمأنتنيَ:

"قدورُ" بين الجزائر والقدس هائمْ

ستلقاه في صفحات "المثقف" يغزو

بكيتُ!

وأبكيتُ حولي العصافيرَ:

قدورُ حيٌّ

معافى

وسالمْ.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

عبد الناصر الجوهريوما جفَّتْ دُميْعاتي

ولم أفرحْ كما الأطفال في عُمْري

ولم أهْنأْ بأوقاتي

فذاك القصْفُ لم يتركْ لنا شيئًا

فقد أفنى عناويني،

ولم يرحمْ مدافن أدْمُعي الثَّكلى،

وأمواتي

ولم يرأفْ بألواني ،

وفُرْشاتي

إذا انتفضتْ على التَّهجير لوحاتي

ولم يتركْ على الأوراق قافيتي،

وأبياتي

وهدَّمَ غلَّه حتى بناياتي

 هُنا تلك الدُّمى سبقتْ دُمَى

مُسْتوطِني تلك العصاباتِ

 

عشقْتُ الأرضَ مِنْ صفحات تاريخي ؛

فتكْتبني

أنا المأساةُ مأساتي

ولنْ أرتاحَ في ذاتي

ألوِّنُ من أسى الحلْوى جراحاتي

وأرسمُ فوق الأرض - يوم الأرض -

مقْلاعًا ،

وطائرةً لنا ورقيَّةً

تكفي لغاياتي

فمُذْ لوَّنتُ خارطتي،

تودِّعني مَسِيراتي

وما كفَّتْ نداءاتي

أنا أحكي إلى الزَّيتون

أحلامى،

وأوجاعي،

حضاراتي

أنا الأعرابُ تتركني لمُحتلٍّ

 

يُهجِّرنا ويقتلُ حُلْمنا الآتي

أنا في العيْدِ يا جَدِّي

تحاصِرُني هُنا الأسْلاكُ،

 والـتَّهويدُ،

والتَّجويعُ،

رُعْبُ الإنفجاراتِ

وتفْزُعني مِنَ الأحلامِ محْرقةٌ لداناتِ

فقد دفنوا بداوتنا

تواريخي،

فُتوحاتي

وما اخترعوا سوى فتْوى مذاهبنا؛

ليشغلنا قتالٌ بيننا

في الأشْهر الحُرُم المُميتاتِ

هُنا في العيْدِ يا جَدِّي

حُطامٌ فارشٌ حولي بـــخيْماتي

 

 وبارودٌ،

وبارجةٌ لإحراقي ،

وإسْكاتي

وسجنٌ يغلقُ الأبواب؛

لو غنَّت يماماتي

أنا طفلٌ تُشرِّدني قذائفُهمْ

يُجرِّدني تفاوضُهمْ

ولا أدري مساراتي

إلام العِيْدُ ينسانى

إذا فتَّحْتُ عند لقائنا يومًا ذراعاتي

إلام الحرْبُ تُرْسلني لحتْفي في الممرَّاتِ

وتسْلبني صحابي،

 بيْدري،

زند الرِّجالاتِ

فها صوتي كسرْبٍ من عصافيري،

يردِّدُ رجْع أنَّاتي

 متى الأعْيادُ يا جَدِّي

 

ستأتيني بأحلامٍ جديداتِ؟

متى تأتي بثوبٍ فيه تشْريقٌ

وإبْصارٌ لغاياتي؟

فكم أشْتاقُ بيدرنا،

وزيتوني،

وأحبابي،

وداراتي

متى الأقْرانُ والصبيانُ تحت الدَّار تأتيني؟

وتصحبني لجيراني،

وجاراتي

متى تأتي تبادلني أراجيحي،

صفافيري

وبالونات آهاتي؟

متى تأتي تُمازحني بهنَّاتي؟

تذكَّرني بأيَّامٍ حبيباتِ

 

وهل مددٌ سيأتيني جحافلهُ؛

لينقذني

يُعيدُ إليَّ إسْراءَ النُّبوَّاتِ

يباركني؛

لتحريرَ انكساراتِ. 

***

شعر: عبدالناصر الجوهري - مصر

 

يقظان الحسينيسَل ْ دَمعة َ الله

هَل نَزَلَت!!

أم تنتظر قمرا ً، يأتي

 

حنجرة ٌ

أنت ِ الآن َ يا ضفة ُ المنايا

أزَفَت ْ

تعزف ُ على أوتار ِ حُرياتِها

 

هنا لا ذنب َ للشعراء ِ

يهرعون إلى منابعِهم

1524 انتفاضةيَهتدون إلى أدلّتهم

في أودية ِ البلاد ْ

أمّا الذئاب ُ هُمْ يهيمون

لا يقرأون غدا ً في العيون ِ

يأتي

 

وبين المسافة ِ والسارية

إطلاقتان

وثالثة ٌ أعتى

الكلام ُ أطبَق َ على الكلام

ذهولا ً

ساح َ ليل ٌ من محاجره ِ

بألم ٍ أدمى

-تَوَقّف ْ يا أخي في البلاد

فتعثرت الخطى

بذاك البعيد أكثر عتوا ً

قريب ٌ من الوعد ِ

من شُرفات آذار ٍ وتشرين

أتعرف ُ أن َّ المسافة َ طاحونة ٌ

بيني وبينك َ؟

تَوَقّف ْ قليلا ً

دعه ُ يكتمل ُ شريط ُ المشاهد ِ

إذ تتوارد ُ أطراف ُ الحديث

كان لوركا قد أمهلوه ُ

فَردّد َ أشعاره ُ على مُهل ٍ

لكن فاهم فاجأه ُ الرصاص

فَرَدَّد َ النبض ُ الهُتاف ْ

***

يقظان الحسيني

 

 

 

 

 

 

حسين علي خضيرضحك الشيب برأسي

ونقش الزمن حروفهُ

في ذاكرتي

منذُ ان عرفت ان الحزن

أمسى وطناً في ذاكرتي

ومنذُ ان امنت ان الموت –

 هو المشهد الاخير

 آنذاك، ادركت معنى الحياة.

***

حسين علي خضير

بكر السباتين(1) أقدام العابرين

بدا الجو قائظاً، وكان الطفل غانم ابن الثامنة من عمره، يعاون أخاه في جر عربة الخردوات القذرة وسط البلد وفي زحام المدينة وضجيجها وقد تلوثت ملابسه المرقعة بالقذارة والسّخام، فانبعثت منه روائح النتانة وأكسدة المعادن.. وكانت عيونهما تنقبان عن علب المشروبات الغازية الفارغة.. فيلتقط غانم واحدة منها كانت مركونة جانباً، ثم يدوس عليها بنعل حذائه المثقوب، بعد ذلك يدسها خلف حقيبته البالية المركونة في زاوية العربة من الداخل.. أثناء ذلك، يتذكر غانم وهو يتفحصها باهتمام كيف أنه حل واجباته المدرسية، ويؤكد على نفسه متمتماً والدموع تترقرق في عينيه اليقظتين رغم ذبولهما:

"يجب أن أحصل على أعلى الدرجات كي تستريح أمي في قبرها"

ثم يتذكر وعده لها ذات يوم:

"سوف أصبح مهندساً أو طبيباً كما تريدين يا أماه"

ورغم أن الرياح حذفت غانم إلى طريق الشقاء، إلا أنه ظل مصمّماً على استرداد حلم والدته؛ لذلك استمر في تفوقه .. صحيح أنه الآن يستهلك من وقته الكثير ليساعد شقيقة الأكبر في بيع الخردوات من أجل مساعدة الأسرة بالمصاريف؛ لكنه أيضاً احتفظ بوعده الذي قطعه على نفسه، وراح يتصرف بمسؤولية كالكبار.

وفجأة.. بينما كان غانم ينقب عن رزقه في الطرقات الممتدة كالشريان وسط البلد، لاحظ قطعة شوكولاتة تسقط من يد طفل غرير كان محمولاً على صدر أمه، فترك ما بيده من نفايات، ثم هرول ناحيتهما.. والتقطها على الفور، وراح ينده السيدة الأنيقة وهي تنقر الأرض بكعب حذائها المفصص بحبيبات الخرز.

 زكمت رائحةُ غانمِ القذرةِ أنفَ السيدة، فاستدارت وقد اشمأزت من هيئته الرثة والدهشة تأكل رأسها! فصرخت حابسةً أنفاسها وهي تضغط على أرنبة أنفها بالسبابة والإبهام.. ثم أخذت توبخ غانم الذي بدا أمامها كمن خرج لتوه من مكب النفايات:

ما هذه القذارة! هيا أغرب عن وجهي! أين أمهاتكم يا حثالة الأطفال! ألا يوجد من يحاسبهن على إهمالهن لكم وأنت تجوبون الطرقات دون حسيب و رقيب! إذهب حتى لا أبلغ عنك رجال البلدية!

خرجت السيدة عن طورها، ثم انشغلت في البحث عن علبة المعقم داخل حقيبة يدها، واستدارت بعد ذلك كأنها تراقص ظلها في حفلة راقصة، وخصرها يتمايل بطفلها المحمول الذي استقرت مؤخرته على ردفِها الأيمنِ البارز.. ثم سارعت الخطا مبتعدة عن الطفل غانم وقد بدا لها كأنه جيفة لا تطاق.

حاصرت الأسئلة البريئة رأس غانم.. وقد ترك قطعة الشوكولاته تتدلى من يده رويداً رويداً.. فالتقطتها عينا الطفل الغرير المحمول على صدر أمه.. ثم تبادلا النظرات.. وابتسما.. فسقطت حبة الشوكولاتة من يد غانم على الأرض فأحدثت في قلبه البريء زلزالاً هز كيانه، حتى فاضت دموع الكبرياء من عينيه! وقد شعر بأنه فعل حسناً.. فلم يكترث وقد غمره إحساس مباغت برضا والدته، فأخذ يخاطبها في سره:

" لم أخطئ يا أماه.. "

.. ثم استجاب لنداء شقيقه فانضم إليه.. وراح يتفحص بعض المخلفات البلاستيكية في ركن مجاور لإحدى البقالات، متناسياً قطعة الشوكولاته التي داستها أقدام العابرين.

***

(2) الفاجرة والأوغاد

جلست رباب على الكرسي الواطئ إلى جوار بعض قواوير الزهور الفخارية المركونة على سور الشرفة الرخامي، المطلة على حديقة البيت.. حيث كان زوجها الطاعن بالسن يمرن قدميه على المشي، فبدا وهو يمشي متكئاً بيديه على الجدار كأنه طفل غرير يتدرج في المشي.. تتذكر رباب كيف أن الظروف أجبرت أهلها على تزويجها من هذا الزوج العاجز المستهلك الذي لا يشبع شبقها.. فيبدو لها كسلحفاة بليدة، ورغم ذلك كانت تبرر لنفسها هذا الخيار وخاصة أنه كتب لها نصف ثروته.. فما دام الأمر كذلك فلتحترق في فراش الشهوة غيظاً ما دام المستقبل سيشرق عليها ذات يوم فتظفر بالثروة التي وهبت لها بموجب وصية زوجها كما أسر لها عشيقها نادر، محامي العائلة.. وكان يوصيها بالصبر فزوجها متهالك وأيامه معدودة.

ولكن ماذا لو ماتت قبله! وقد قضت حياتها في خدمته، كأنها ممرضة كتب عليها الشقاء! فتردد في أعماقها: "أليست لي رغبات كباقي نساء الأرض! تباً لها من حياة غير عادلة"

من هنا كان الخيال الجامح يأخذها في ليالي الوحدة إلى مواخير الخطيئة فتتقلب في أحضان الرجال دون حساب، تستمني غير آبهة بكرامة زوجها المتهالك كالجثة إلى جوارها في الفراش وقد تعالا شخيره الذي خالطه أنين التعب المزمن، حتى تلجم رغباتها المكبوتة، ثم ترمقة بنظرات متشفية كأنها تنتقم من جسده العليل، فتسحب الغطاء لتستر عريها وتلف به جسدها البض الذي أطفأ ناره الخيال، ثم تذهب إلى الحمام؛ كي تغتسل، فلا تبّرد المياهُ المنثالةُ على رأسِها أفكارَها الشيطانية المتأججة..

إذا ماذا تنتظر! لتقتله إذاً وتستريح!

وها هي في الشرفة تتربص بزوجها المغبون.. تنتظر الصدفة كي تنفذ خطتها.

أخذ الشيطان يعربد في رأسها.. يحرضها على تحرير مستقبلها من هذا العبء الثقيل الذي يُحتسب عليها زوجاً.. وها هي تراقبه بنظرات الحقد الأعمى.. شهوة الانتقام تخرج من رأسها كالبركان، لا تطيق مشاهدته وهو يتحرك ببطئ في الممر تحت الشرفة الحجرية المظللة بالمعلقات النباتية.. ارتشفت رحاب قهوتها وأركنت الفنجان جانباً.. ثم لامست أناملها زهرة القرنفل في القوار الواسع المجاور.. فلا تدري ماذا يحدث له وهو يقترب من الحافة كأنها لم تنتبه لكوعها الذي جعل يباغت صمتها ويدفع به رويداً رويداً.. وفي اللحظة التي دخل فيها المحامي الفناء حتى صار قبالة زوجها.. كان القدر قد أكمل دورته واستقر الحدث في نقطة الصفر، فيسقط القوار الفخاري مباشرة على رأس زوجها المغبون الذي قضى نحبه على الفور.. وتصاعدت أنّاته إلى السماء كفراشات بيض استلبتها زهرة النور.. وكان المحامي آخر من استمع إلى خوار أنفاسه التي لفظها جسده الواهن المرتعش.. حتى فغر فاهه وهو مسجى بين يديه.

أما رحاب فقد شدت انتباه المحامي الذي همس في سره:

" قتلته الفاجرة!"

في غضون أيام كان ملف التحقيق في الحادثة قد بوشر العمل به، وكان المحققون يراعون ظروف رحاب التي حامت حولها الشكوك، ورغم ذلك كانت تلك الزوجة اللعوب تراهن على ثقتها بعشيقها المحامي، الذي طالما سقته من خمر أنفاسها وهما يتقلبان على جمر اللقاء الحميم في فراش الزوجية أثناء مبيت زوجها في المستشفى، كلما اشتعلت الشهوة في جسدها البض باحثة عمّن يطفئها من فرسان المواخير، حتى أمسى كالخاتم في أصبعها.. وكانت تلك اللعوب تعده بالمستقبل الوضاء حينما يباغت الموت زوجها، هامسة في أذنه:

"السلحفاة أجلها قريب، والمستقبل لنا يا حبيبي"

كانت دوامة الشكوك بعد الحادثة تحاصر رحاب، لذلك أخذت تتصنع الحزن العميق، فكلما كانت تباغتها الغيبوبة؛ تجتاحها الكوابيس الهستيرية، حتى وهي في قفص الاتهام حتى ضاق القضاة بها ذرعاً فلم تلجمها إلا مطرقة القاضي وهو يدينها بناءً على شهادة المحامي العشيق نادر الذي خانها وشهد بالحقيقة بعدما أوهمها بغير ذلك، حينها قال مهزوماً كمن خرج من حلبة المصارعة مضعضعاً، بينما المتهمة تشد بيديها القضبان كنمرة مهيضة الجناح:

" يا سيدي.. هي الفاعلة وأشهد الله على ما أقول!"

وأثناء ذلك كان يتذكر تفاصيل الموقف، وكيف أن عينيها الشبقتين التهمتا كل شيء حتى انتابه شعور بالخوف من المجهول وقال في سره:

" لا شك سأكون ضحيتها المقبلة"..

وأردف أمام القاضي قائلاً:

"السيدة رحاب التي تقف أمامي في قفص الاتهام هي من دفعت بكوعها قوار القرنفل الفخاري عن قصد، حتى سقط على رأس زوجها فتسبب بموته فوراً.. لقد هبط الرجل على الأرض مدرجاً بدمائه فتداعى الناس إلى موقع الحادث على صراخ الزوجة رحاب.. نعم يا سيادة القاضي كل ذلك حصل أمامي وقد حلفت يمين الله على ذلك ".

وأخيراً أدينت الظنينة رحاب بجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وأحيلت أوراقها إلى المفتي بموجب المادة 328 /1 من قانون العقوبات.

في هذه الأثناء اقتربت صغرى بنات الزوج المغدور من المحامي وتأبطت ذراعه وهي تنظر شزراً إلى زوجة أبيها التي انهارت وهي تبكي مودعة عالم "الذئاب" وكأنها ظلمت وصوتها المتعب يردد بوهن شديد:

"بريئة يا سيادة القاضي.. أما أنت أيها العاشق الخائن فقد أحسنت الصيد هذه المرة لكنك ستقتفي أثري ذات يوم قريب.. هذا مصير الأوغاد".

***

قصتان قصيرتان

بقلم بكر السباتين

 

 

سردار محمد سعيدكما شئت

عجلات الهدوء بدأت بالدوران

تحمل انفاسك

قبائل اللذة زحفت ترفع رايات الوجد

خلف الجوانح

في عالم خال من الحياة

لاينبوع لا نهر

كواد غير ذي زرع

يازفرات الأرض

تسللت القفارسرّا

ماجدوى التسكع في كثيب الخرافة

والحبيب الذي تسكنينه

قبيل انتشار رائحة الفراش الرطب

 يلبس القميص

ما اقساك على نفسك

عيناي تقتحمان المسرح القديم

مسرح الرقصة الأولى

تكتشفان .............

رغم خفوت الفوانيس

والفتائل العمياء

وأوار الأنيس

حملت حملاً ثقيلاً

لاغيوم تبشر بالمطر

والعاصفة سادرة في طغيانها

تساقط حجراً بعد حجر

أطاحت بشجرة الحب الوارفة

التي اطعمتنا معا

آمنتنا معا

شممناها معا

طوبى حواء خصفت من ورقها

ياأم العراجين، كائني الأحلى

أتنكرين

لمّا حاولت الضباع نهشك

لكن رطبك كان عالياً

عالياً

فاشرأبت رؤوسهم يعوون

كل يمنّي النفس بتمرة جنية

فيذهب فائزاً

يدرجها بقائمة الإنتصارات

لفظوك بعد أن مضغوك

ماذا جنيت؟

حدثيني

بل حدثي نفسك واصديقها

أما حدثتك يوماً الذات

أنى تقلب وجهك وأيان  يقف

ترينني ارتجف

كبراعم الخريف

أتعتقدين أنسى بساتينا

رهيبة

حبيبة

كثيفة

يانعة

لكن الشجرة الباسقة يسار بستانك نقرت الطيور

وظلّت جائعة

أغلقت الجدران الجفون

بكت الحور حين نأيت

هبطت غيمة سوداء أمطرت أحجاراً

الفكر يستدير يستدير كاستدارة نهديك

كأنهما رحيان يطحنان صدري *

و زفيرك يذريني

هل كنتُ آخر العشاق فما يدريني

أم آخر الفرسان

وجوادي قد كبا وسيفي انثُلم

وبقيت مثقلاً بدموعي

أسائل نفسي كيف جئتك مستسلماً

وماء ينابعي يفيض

صدى أناشيدي همس الفراشات

وخرير السواقي

شربة لي وشربة للغريب

وانت تمرحين ولا ترحمين

طننتِ أنك الفارسة ترفع راية النصر

أصحيح قد خُلقت لهذه الغاية

 نخلت العبارة حرفاً بعد  حرف

قف لحظة أيها المطر

قف

قف  ألا تسمع

تشتت الأعشاش واهتزت الأغصان

وتمايل النخل والشجر

قلعت الجذور

يبس العشب واصفر

لم تعد البراعم ندية

هذا الذي يتبختر يسارك مرة ويمينك أخرى

ذبحني في ثوان

ولم أبرح دنياك الموجعة

وقعت الواقعة

خيبة سكنت روحي

جاءت من تقول

أنت ولجت كثيف الظلام

حسبتَه ضياء

والسراب ماء

فتعال، تعال، تمرغ بأرادتي

كيفما شئت

تلتف

وإذا بللك مطري أكون لك سقفاً

ألا تراني مددت لك الكف

فهل عندها  ماهو أشف

نور أمامك ونور وراءك

يبدد عتمتك

بين خيبتك وخيبتها يمتد

وسفينتي مبحرة

تحمل سلال التوت والرمان

تحمل الزمان

طال شحوبك

نضر الله وجهك

لتسكنك الحكمة والصفاء

كل الذكريات إلى فناء

لديك الرغبة في الحياة

فكن طفلاً

وخذني أماً

أضم أحزانك

استيقظ منتصف الليل  اقبل أجفانك

أكبّر ثلاثاً

كن مبتغاي

الحرس نائمون

والجيران

بقينا ثلاثة

 أنا اعيش على أمل

انت تعيش في خيال

التي لم يستقر بها النوى محض محال

فلا تعش في كذبة لن تطال

أنت لي وانا لك

وما تريد طوع امرك

سألفك كمخلوق ضعيف

ولن تسمع فحيحاً

إفتح أبواب قصرك الطيني

وترجل عن جوادك الورقي

آن لك أن تتأمل

تتنفس

تراود

تضطرب

تعرق

تتشهى

تمسك بالأصابع

وقد تخجل

ستدور تدور

دمك المقرور يفور

تزيح الستور

ينطلق الشعور

تتوالد الرغبة

تبّاً لأنثى تزدري رجولتك

 كف عن عنادك

وتشبث بعنادي اللذيذ

واتبع رحلتي القدسية

على السفوح شديدة الإنحدار

تلقاء الذروة أوالواد

يسرك نشيد القبرات

والحان العصافير

تذوق فاكهة لم تعرف

تشبث بما ينمو ويضمحل في سمائي

عواصفي، برقي، مطري

إن ساعة الحائط تقول

لا مفر من نبض القلوب

لامفرلا مفر لا مفر

لا مفرلا مفر

لا مفر

 

سردار محمد سعيد - اربيل

..........................

* رحيان مونث رحا وهو حجر الطحن .

 

 

جبار عودة الخطاط(نسخٌ مقتولةٌ منكَ)

قمصانكَ

على حبل الغسيل

هي جثثٌ مشنوقة

جثثٌ مقطوعةُ الرأس

لنسخٍ مقتولةٍ منك

بارعٌ أنتَ

ومجيدٌ في ساديتك

تعذبُك

تعذبُ قتلى ذاتك

حرقاً…..

بالمكواة

***

2 - (نكايةً بالصياد)

نكايةً بالصيادِ سأَنصُبُ لي فخاً

وأصطادُني

سأنتفُ ريشي

واطبَخُني مُتَبّلاً

على نارٍ هادئة

ثم اَطعُمُني لقطةٍ مُشَرّدةٍ

تشبعُ بي

وتَتغَوطَني في اليومِ التالي

أجمعُ مني فتافيتي المهروسةَ

لاعيد تشكيلي بزغبٍ جديد

عصفوراً يُحَلِّق مغرّداً

يحطُّ على غِصنٍ بعيدٍ

ويمدُ لسانه تشفياً

بِعنجِهيتِكَ الفارغة

أيها الصيادَ

الآدمي المجرم

***

جبار عودة الخطاط

 

 

مالكة عسالمن مملكة العتمات 

أقبل بنداه الحريري

 و في جرحي

تدلى غيمةً ساحرة

  وفي دمقس النقاء  لَفّني

زفني إلى الفردوس 

 شحرورة صداحة

كان حد الحلم بهيا

لينا حد الرخاوة

حدّ الحق صاحيا

هو الحرف في مملكة العتمات

يزهر

 متسللا من هلاليات التباريح

أغلقَ ثغر العزلة

 واقتحم بيوت الأحزان

ليدهس حدائق  العتمات

 وفي كهْفي يشعل شمعة

والفراشات تحُفّ قلبي بالبياض 

في عنق الروح تعلق قلادة  البهاء

وكناري المحبوس في أقفاص التيه

يشدو فيروز الأغنيات

بعبير الكلمات ينطلق نحو الانعتاق ..

ونبيذ الألم المختمَرُ منذ أعوام

 يذروه في المهب قشات

والكيان المثقل  بالغياب

 يتنصل من قيوده

ليعبُر فسحة الانطواء

 يرمم الزوايا المحترَقة

 ويعيد قلاعي المسلوبة

أعوام.. وأعوام  انسربت قحطا

تُسامر فيها الروح الجفاف

والذات المتهبَةُ بورم الجور

 في معتقل  الإبهام تقارع الدجى

ومساءات الانشطار

 تنقر صدري بدبوس الاحتراق

وحدث... وحد ث

أن زُلزلت الأرض زلزالها

فأخرجت النفس أثقالها

حين ربُّك أوحى لها

أن تمسك الحرف القزحي

وترحل في عروق الكون

 إلى أبراجها الشاهقة

تداعب حلمة الضياء

مبشورة الطوى

 مملوءة المحتوى

 وهناك        

 تصلي في معبدها البهي

***

مالكة عسال

10/10/2010

 

صحيفة المثقف (قطعة مسرحية)

- الشخصيات: "وِصال الروح". "سِراج". "نائِلة".

- المكان: (يَتِمّ تَقديره حسب خصوصية اللحظة المصيرية).

- الزمن: (بين تَفَتُّح وَرد الهوى وذبوله).

الرشفة الأولى: (فوق سرير الواقع)

- سِراج: (مرتجفا يجتذب نائلة من يدها بلوعة المحروم تحت ضوء إنارة برتقالية وهو يُدَنْدِن على إيقاع عزف العود الشجيّ الذي ينبعث منه صوت الموسيقار محمد عبد الوهاب) إلى أين تَفِرِّين مني يا نائلة؟!

- نائلة: (بنفاد صبر) أوووووووف! أما تَكُفُّ عن هذا التصابي يا رَجُل!

- سِراج: ولكنكِ حَلالِي؟!

- نائلة: (بازدراء) دعني يا كهلُ، ألا تَرى أنني أتأخر عن أشغالي بسبب تصرفاتك البلهاء هذه؟!

- سِراج: (بلهفة المنتظِر) ألا تُراعين حاجتي إليكِ؟! ألا ترحمين إحساسي بالحرمان منكِ؟!

- نائلة: (مشمئزَّة) اِحْتَرِمْ شَيْبَكَ يا رَجُل.. ضِقتُ من حماقاتك.. (تنصرف مبتعدة) دَعْنِي لعملي الآن..

- سراج: (يحاول استعادتها) أَلْسْتُ أساعدكِ في كل شيء؟! بل ألا ترين أنني أَحلّ محلَّكِ في كل أعباء البيت؟! فلماذا تَصُدِّينَني؟ (يحاول أن يتحسس يدها بعد أن يُعيدها إليه بقوة)

- نائلة: (باستفزاز) ألا ترى أننا كبرنا عن هذه الوقاحة؟!

- سراج: أَتُسَمِّينَ حقي فيكِ وقاحة؟!

- نائلة: (بنظرة شزراء) أوَما أستوعبْتَ بعدُ أن لدينا أحفادا؟!

- سِراج: (مستاءً) أونَسيتِ أن في داخلي مارد الرغبة الذي لا تَهدأ ثورتُه؟!

- نائلة: (بنبرة صارمة) نَمْ، نَمْ يا رَجُل، وتَذَكَّرْ أننا هَرِمْنَا..

- سراج: (شاعرا بالنفور منها) كلما أردتُ أن أداعبكِ أراكِ تقتلين في أعماقي رجولتي..

- نائلة: لا أصدِّقُ أنك مازلتَ في حاجة إلى أن تُثْبِتَ لي رجولتك!

- سراج: (بانكسار) ستدركين يوما أنكِ تَقتلين الطفلَ الذي يتمدَّد في صدري ولا تأذنين له باختلاس شيء من الأنفاس.. (يتقلب في سريره بعد أن يوقِفَ الجهاز الذي تنبعث منه الموسيقى الخافتة).

الرشفة الثانية: (تحت سرير الحُلم)

- وِصال الروح: (بمرحِ وبراءةِ طفلةٍ عشرينية تَكتب في كُرَّاسَتِها على المقعد القريب من النافذة في مقصورة القطار) ما أَوْسَعَ صَدْرَ الليل، وما أَضْيَقَ شارعَ الأيام وأنا أبحث لحُلمي الهارب عن سماء تَكْفِيه (تنظر من النافذة التي يتسلل منها ضوء خافت للنجوم بين الفينة والأخرى)!

- سِراج: (يجرّ حقيبته) أتسمحين لي آنستي بأن أُفْسِدَ عليكِ خلوتكِ وأشارككِ المقصورة؟!

- وصال الروح: (تواصل التفكير وهي تَسرح بعينيها خارج النافذة لتَرُدّ دون أن تنظر إليه) وهل كنتُ مالكة المقصورة لأسمح أو لا أسمح؟! لستَ، كما ليس سِواكَ، في حاجة إلى إذن مني (تَعود إلى الكتابة)..

- سراج: (بشيء من الارتباك يَقِفُ قُبالَتَها) عُذرا آنستي، كأنني عَكَّرْتُ مُناخك النفسي وأفسدتُ الأجواء لاسيما وأنكِ تَبدين كما لو الْتَقَطْتِ فكرة هاربة منكِ! (يتأملها بعينين ثاقبتين، يَرمقها بخُبث رجُلٍ يَشتهيها).

- وصال الروح (تَرفع رأسَها شيئا فشيئا بانتباه) يُخَيَّلُ إلىَّ كأنني في حضرة كاتبٍ مُلْهَم، (تتفاجأ به) بل هو كذلك (سحابة خَجَل تَبْتَلِعُها) معذرة يا شاعرَنا الرقيق (تفرك عينيها) أحقا هذا أنتَ؟! لا أُصَدِّقُ!

- سراج: بل صَدِّقِي، صَدِّقِي صغيرتي، يُخَيَّلُ إلىَّ أنك لا تمانعين الآن إن جلستُ!

- وصال الروح: بِرَبِّك يا شاعرنا، أَوَأَقْوَى أنا على ذاك؟! تَفَضَّلْ بالجلوس لو سمحتَ، فهذا لي شرفٌ..

- سراج: (بلهفة) لطفٌ منكِ هذا صغيرتي..

- وصال الروح: (في ضوء إنارة زرقاء خافتة) أَخْجَلْتَنِي.. أهذا كُلُّه تواضُع منكَ يا شاعرنا (ابتسامة خفية)؟!

- سراج: (بعينين حالمتين) بل الشِّعْرُ يَنحني لأُنْثى مُلْهَمَة..

- وصال الروح: بين الأنوثة والإلهام لا حِجاب..

- سراج: لا حِجابَ إلا حجاب الهوى (نظرة ماكرة)..

- وصال الروح: وحِجاب الهوى أَصْدَقُ الحُجُب وأَشَفُّها وأَخَفُّها..

- سراج: ما السَّيِّدُ إلا من كان فارغا من سواه..

- وصال الروح: أَوَسَيِّداً يَكون مَنْ يَتْبَع هواه؟!

- سراج: في ميزان الهوى كُلُّ سَيِّدٍ تابِعٌ..

- وصال الروح: فَلْيَكُن التابع من لا سَيِّدَ على قلبه..

- سراج: والقلبُ مكان الشاعر..

- وصال الروح: أوشاعِرٌ أنتَ يا شاعرَنا بِرَبَّة الشِّعْرِ أو رَبَّةِ القلب؟!

- سراج: بَلْ قولي: أويَكون للشاعر قلب لا رَبَّةَ له؟!

- وصال الروح: بين القلب ورَبَّتِه ما بين الجسد والروح!

- سراج: فأيّهما بالتالي أَسْبَق: الجسد أم الروح؟!

- وصال الروح: لكل روح جسد تَسكن إليه..

- سراج: والروح ما كان غيرها لجسدِها ساكن..

- وصال الروح: إنما الجسد قصيدة موسيقاها الروحُ..

- سراج: إنما الروح ضوء محمول على هودَج الجسد..

- وصال الروح: إلى الجسد تُزَفُّ الروحُ بأنامل قلبٍ شاعرٍ بقَدَرِه..

- سراج: ما كل شاعرٍ بقلبِه شاعرٌ..

- وصال الروح: أوليس الشِّعرُ لغة القلب؟!

- سراج: أوليس القلب مِحْراب الشاعر؟!

- وصال الروح: مملوك من شَعَرَ بقلبه ينحني لقلبٍ شاعرٍ..

- سراج: وأراكِ أَشْعَرَ من همسة نسيمٍ تهادَت على موجِ شاعرٍ..

- وصال الروح: أَقُلْتَ إنكَ تراني؟!

- سراج: بل أراكِ موجةً تُهَدِّدُ الشاعرَ ومملكةَ الشاعر إن الموجةُ زالتْ..

- وصال الروح: (بحَياء) قُلْ له يا مَوْجَهُ..

- سراج: (في لحظة اعتراف) قولي لهُ يا مَلِكَة..

- وصال الروح: أُجَاريكَ أنا أَمْ أراكَ تُجارِيني؟!

- سراج: بل قولي: أُحِبُّكِ.. صغيرتي..

- وصال الروح: (فاغرة فاها) أنا؟! (بدهشةِ حيرةٍ)..

- سراج: (مستسلما) أُحِبُّكِ.. أحبُّكِ يا أُنْثى ما كانَتْ إلا لِتَشْعُرَ بقلبي شاعرا بها..

- وصال الروح: (بحمرة الخجل) واااااااه!..

- سراج: أُحِبُّكِ صغيرتي، أُحِبُّكِ صغيرتي الشاعرة بعَظَمَةِ شاعرٍ أَحَبَّ.. مجنون من لا يَركع عند قَدَمَيْكِ (صوت عُبور القطار بانفلات يَتَصاعَدُ)..

الرشفة الأخيرة:

(على حبل هوىً هَوَى)

- وصال الروح: (تحتبس أنفاسها، تمسح بالمناديل الورقية تباعا والدموع تفرّ من عينيها موازاةً مع نغمٍ حزين ينبعث من الكمان، إنارة صفراء) أأنتَ؟! أأَنْتَ هذا الذي جاءني الآن يعتذر عن استحالة عقد القران؟!

- سراج: وأعشقكِ حتى النخاع، لكنه الحُبّ المعلَّق يا صغيرتي..

- وِصال الروح: مِن أينَ لك بهذه القسوة لتَكفُرَ بحبي لك؟! (يلتصق حوض جسدها بالمصطبة الوحيدة قُبالَةَ التّلّ)..

- سراج: صغيرتي، مَن قال إنني أكفرُ؟!

- وصال الروح: ما معنى ألا تعترف بحبي؟!

- سراج: بل أنا أعترف وأُقِرُّ..

- وصال الروح: أنسيتَ، أنَسِيتَ يا شاعِرَهُم يا كبيرُ أننا في مجتمع عربي محافظ لا يعترف بالحُبّ إلا تحت قُبَّةِ الزواج؟!

- سراج: أبعد كل هذه السنين وأنا في هذه المرحلة العمرية الحرجة أُقْبِلُ على الزواج مجددا؟! سأصبح أضحوكة المجتمع الساخر لو فعلْتُها..

- وصال الروح: أَكُنْتَ تتسلى بحُبِّي إذن؟! ذبحتَني، ذبحتَني حتى العظم!..

- سراج: أُقْسِمُ أنَّني هويتُكِ..

- وصال الروح: ولأنكَ هَوَيْتَنِي ها أنتَ تكافئني مكافأة نهاية الخدمة.. تَذْبَحني..

- سراج: وماذا أقول لنائلة؟! وبأيّ وجهٍ أعترف لها بحبي لكِ؟!

- وصال الروح: لا أصدق أنكَ تخشى نائلة والمجتمع، ومولاكَ لا (تسترسل في البكاء بندَم)..

- سراج: (مرتبكا يَمُدُّ إليها يَدَه) صغيرتي..

- وصال الروح: (تَشهق بكاءً وهي تتحاشى يَدَهُ) ما كنتُ إلا لأومِنَ بأن ما يولَد في الظلام يَموتُ في الظلام..

- سراج: أنتِ شمسي، صَدِّقِي..

- وصال الروح: لا شمسَ تُشرق عند مُنْتَصَف الليل..

- سراج: بل ضَوْؤُكِ تَسْتَحِي منه النجومُ صغيرتي..

- وصال الروح: (بحُرقة) والنجوم لا تضيء نهارا يا شاعِرَهُم..

- سراج: (يُبَلِّلُ شفَتَيْه الزرقاويْنِ) بل ترنوهي الى القمرَ الْمُضِيءَ بها..

- وصال الروح: (تمسح على عُنقها بأمَلٍ مَيِّت) أرأيتَ؟ إنكَ تقول القمر، فكيف للقمر والشمس أن يَجْتَمِعا تحت مظلَّةِ زمن واحد؟!

- سراج: أنتِ الشمس تُداوين وجعَ الغياب في أزمة العمر الضائع..

- وصال الروح: ليلُكَ البهيم لا يَعترف بلُغَة الشمس..

- سراج: صغيرتي، حاولتُ أن أجِدَ لكِ مكانا..

- وصال الروح: في قلبِكَ لا في دنياكَ.. (بنبرةِ نَدَمٍ) كم كُنْتَ جبانا!

- سراج: ليس في الحُبّ جُبْن..

- وصال الروح: بل في مدينة الحُبّ الكسيح يَكْثُر الجُبَناء..

- سراج: أتُسَمِّينَ حُبِّي جُبْناً؟!

- وصال الروح: وأُسَمِّي حُبَّكَ ليلة..

- سراج: كيف لِحُبِّي أن يَكون ليلة وأنا أهيم بك؟!

- وصال الروح: بل تهيم بأنانيتكَ أنتَ..

- سراج: أنتِ الشمس تَمُدِّينَني بالحرارة التي تَشفع لِتَدْفِئَةِ عروقي..

- وصال الروح: في مدينتك الميِّتة لا وُجُودَ لِمَنْ يَعترف بالشمس..

- سراج: أنا أعترفُ بالشمس..

- وصال الروح: كيف بربِّكَ والقمرُ نائلة..

- سراج: نائلة أصغر وأبعد من أنْ تُذْكَرَ في حُضوركِ..

- وصال الروح: إلى متى سأمضي في نُكران ذاتي في الوقت الذي تَعترف فيه أنتَ بنائلة التي لا تَعترفُ بكَ إلا كرَجُل مع وقف التنفيذ؟!

- سراج: لِنَتْرُكْ نائلة جانبا.. لِتَكُنْ نائلة للناس، ولْتَكُوني أنتِ لي؟

- وصال الروح: أَمَدِينَتُكَ تَعترف بحُبٍّ لا تَعترف به أنتَ؟!

- سراج: أحتاج إليكِ وكَفَى..

- وصال الروح: تَجْرُؤُ على أن تُرضي الناسَ ولا تخشى إلا على نفسك من الناس ومن نائلة فتَصْلُبني على عَمُودِ جُبْنِكَ..

- سِراج: كيف أَعترفُ بكِ أمام الناس في مدينةٍ تَكفرُ بالحُبّ؟!

- وصال الروح: أَوَكَانَ يُصَوِّرُ لكَ عقلُكَ أنني سأُسَلِّمُكَ مفاتيحَ أبوابي في جنح الظلام؟!

- سراج: لكنني أُحِبُّكِ أكثر مما قد تَتَصَوَّرِين صغيرتي..

- وصال الروح: تُحِبُّ نَفسَك، تقصدُ، أما حُبِّي بريء منكَ..

- سراج: أَوَكَيفَ أقوى أنا على أن أعيش بعيدا عن تغريدة عينيكِ؟! لا أقوى، لا أقوى..

- وصال الروح: لكنَّكَ تَقْوَى على أن تَسْتَغْفِلَنِي بحُبِّكَ لي خلف قضبان الظلام..

- سراج: لن تسمح لي نائلة بأن أُخْرِجَكِ إلى الضوء، ولا الناسُ..

- وصال الروح: فلماذا لم تَحْسَبْ حسابَ نائلة (والناس) عندما وَرَّطْتَنِي في حُبِّكَ؟!

- سراج: ضربةُ سهمِ الحُبّ كانت أَسْرَع من أن أَتَمَهَّلَ..

- وصال الروح: (مرهَقة العينين) لا مكانَ للجُبَناء في خيمةِ الحُبّ..

- سراج: تَقْصِدينَ أنكِ سَتَغْرُبِينَ؟! (يُناديها وهي تَتَأَهَّبُ للانصراف)

- وصال الروح: (تَنهض، تجرّ قدَمَيْها لتُغادر المكان): كَمْ كُنْتَ جَبانا!

- سراج: (باستجداء) شمسِي، صغيرتي، لا.. لا.. لا تَغْرُبي، أَتَوَسَّلُ إليكِ..

- وصال الروح: (تَسبقها الدموع) بل تَوَسَّلْ أن يُسامحكَ مولاكَ، ونائلة.. أما أنا، فلا، لن أسامحكَ، لن أسامحكَ، إن لم أُشْرِقْ في صُبح الرحلة الأخيرة إلى الكأس فما كنتُ لأَرْضَى بأن أُضِيءَ في منتَصَف ليلِ تجربة الآخَرين..

صَدِّقْ أن الكأسَ أَبْعَد من اشتهاءاتِكَ.. (تمضي باكية وهي تتجاهل نداءَه مُسْتَجِدِيا عطفَها إلى أن تَغيبَ، يَركع هو على الخشبة بحسرةٍ دافنا وجهَه بين يدَيْه، يرتفع صوتُ نَغَم الكمان الحزين، تَشْتَدُّ الإضاءةُ اصْفِرارا).

(النهاية).

***

بقلم الدكتورة سعاد درير

 

 

عبد الجبار الحمديعمود إعتاد أن يكون على الجانب الأيسر في صفحة من جريدة ربع سنوية، ينتظر ولادة ظهوره ليس فرحا بنشرة إنما ليرى تأثيره على من خاطت السلطة أفواههم بأسلاك ذات فولتية عالية.. فباتوا لا ينبسون بحرف ولا يكتبون، كأن أصابعهم صارت حكاية لكل من يراها، يُفهم أنها كانت في يوم تعزف على عيوب السلطة فالبسوها العوق كي تواكب الرتم الجنائزي لنعوش من ساروا على سطور مستقيمة، دون علمهم عندما اصطدموا بعلامة إستفهام على السطر تجبرهم أن يتوقفوا عنوة، غالبا ما يردد مع صَحب له بقوله:

رغم قلة من يحب قراءة الوجع الاجتماعي ومعاناتنا من الحكومات خوفا من رقيب يشذب رأس قلمة في كتابة تقرير سري، فيرتد بعيدا بعد أن يتلفت عدة مرات ثم يلقي بالصحيفة على الطاولة المجاورة او إن استطاع دسها كي يختلي في الخلاء وحيدا حين يقرأها، ربما لأنها توزع سرا! او لأنها الصحيفة الوحيدة المعارضة للسلطة الجائرة تلك التي يقول عنها من يشارك فيها بسطر او بتقرير او خبر، إننا بتنا كالكلاب ننبح في الكتابة ونلهث لكشف الحقيقة، لكن قافلة السلطة تسير على رقاب إنسانية، تلقي بروثها على قيم وعادات وتقاليد كان محمد الخاتم قد ألزم البشرية بأن يحتذوها...

غير أن حفاة زمن أصلع راموا رقص التانغو العربي بأحذية مستوردة من خلال موشحات دينية وأندلسية.. فبرغم صعوبة معاناة الكتابة والحذر من سياف أمرد يجوب بين خبايا غيوم سوداء تحوم في سماء وطني، إلا أني وبعض الأقلام نكتب كي نبقي فسحة للأمل الأسير والمكبل في بطن حوت منذ القدم، فهو الملام لذا نسمعه وهو ينادي سبحانك إني كنت من الظالمين، لا أدري واقعا يا سادة!؟ أأبتلع الحوت أملنا كي يخلص نفسه من ذنوب اقترفناها فجزع ومل فخرج هاربا غضبا؟ ام أننا فرحين كي نلوذ بحجة غيابه لنمارس اللواط في كل شيء؟ نرسم العالم بمخطوطة العُقد النفسية، نكسر الحلال والحرام في جعل مرآتهما تتشظى، نلوغ بين أفخاذ النساء بماء أسود، نعيد عهد الجاهلية براية أن الحق كل الحق أن نمارس البغاء والفساد كي نجري العقاب على الناس، نوقد بهم النار ومن ثم نأتي بربهم الأنسي شبيه الحجارة فتلك تعاليم الله فهو يقول النار وقودها الناس والحجارة..

مالنا عَقِدنا عقدة ثم عوقبنا بأن حلها يحتاج الى خابور في الفن الدرامي كي يجد لها حلا، ام ترانا نستوحي عقدة أوديب؟! تلك التي مهرت بفتوى النكاح في طلب الجهاد مشرع فالإسلام يَجُب عما قبله وبعده، هكذا هي تعاليم الدين الجديد، نغمس في عسل الملذات ذكورنا ثم لبس الواقي والواعز الإسلامي، فالذبح بات حلال ما دام على الطريقة الإسلامية.

لقد بتنا نبحث عن مفردات تجمل صور الحياة الملونة ونحزن على ماض كانت تعكس البساطة والرقي في الأبيض والأسود.. قواميس من القوافي معلقات من البيوت التي سترت جدران الكعبة غير أن سوق عكاظ لا زال يبيع غير الشعر عبيد وجواري، يا سادة إننا في سباق مع نهيق الحمير الذي اصطفوا كي يشكلوا سربا موسيقيا لا يجيد سوى لون واحد من الجاز العربي، أو لنقل إنهم الحداثة بعناوين سيادية، هي الحقيقة التي لا يمكن ان يحجبها أي غربال مثقوب الأست كما أشيع أنه ليس من المحرمات..

كان أحدهم ينصت له وعصارة هضمة يكاد يخرجها عليه، فما أن رآه يجر أنفاسه حتى طلب منه ان يتوقف، فرد على ما سمعه... ندرك جيدا أننا دُجِنا او دعني اقولها بصراحة و وضوح بتنا مخانيث ديوثين، ندعي الرجولة على فراش تحت دثار، إننا الفاتحين الجدد من خلال الشعور أنا ومن بعدي أيا كان... المهم أن أبيح لنفسي ان تتيمم بعهر الساسة ثم تصلي تحت قبة الراقصات، سواء كن بحجاب ام من غيره، يا هذا إننا نخاف رجال تمترسوا خلف من كان حقيقة ساطعة وبات وهما خلف ضباب، خلف من كان يدعوه بقاب قوسين او أدنى، خلف من جاء يخرج الناس من الظلمات الى النور، فتصومعوا بعد تمترسهم وعمدوا الى صياغة جديدة خلال اجتهاد لصون سيادة سقاية ورفادة،  حرفوا مسيرته، جعلوها بعبارة يخرجون الناس من النور الى الظلمات، كيف لنا ان أن نغير ما لا يمكن تغييره؟ عبثا تحاول انت بما تكتبه وعمودك المنزوي، أتمنى أن لا يكون الخازوق الذي سيجلسونك عليه وأنت تصرخ إن القادم من الاجيال ستتذكر صاحب العمود المخوزق، أم يجعلونك مثل عمود الشيطان، حينما يجمعون لك من حجيجهم فيرجومنك كونك زاني بحرمة الوطن، خل عنك ترهات ما تكتب، فلا أنت ولا الصراع النفسي الذي نشاركك فيه يمكن ان يحيد بهم عن جادة الفساد، إنهم بإختصار بقايا تغوطات زمن، إننا نحن كسرنا عهدنا بأن نحفظ دين الله ورسوله، غير أننا حفظنا اللات والعزة، فشرعوا لنا قوانين كأرباب جدد، جمعونا لنصلي ونسجد بأجر، لا زلنا نتقرب بهم الى الرب الأعلى زلفة بقرابين ودماء الابرياء، لا زلنا نقدس من يدفع أكثر، لا زلنا نركع وأعيننا الى الخلف خوفا ممن ينظر لنيل أست أحدنا بحجة شرعية مفبركة، صدقني وأظن الصحب يوافقوني... إنك تعبث بركام نار هفتت رغبة أن تعيدها كي تتقد وتنسى ان تلك الحمير تبولت عليها بعد ان رقصت رقصة النصر، فالجحيم قادم ولا أراه بعيدا أوغريبا، لقد نال منا من قبل بطاغوت حتى بتنا نحن الوقود وهم الحجارة، ألجم لسانك يا صاحبي وأحصنه فلا يقرم الفأر شيء إلا حين تفوح منه رائحة الدهن، فأسكن ونفسك في حيز رأسك ولا تدع بنان افكارك تخرج حتى لا تُغتصب وإياك بشكل ديمقراطي.

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

 

حسن حصاريوَخَلفَ النافِذةِ،

أتَحَسَّسُني كشبَحٍ وَحيدٍ 

فهُنالِكَ ما وَراءَ القُضبانِ

خُطوَاتي كانَتْ لا تَجْثو،

وَلا حَدَّ لأنْفاسِي

حِينَ تَتمَدَّدُ عَلى صَمتِ الرِّيحِ.

 

ثمَّةَ بُقَعُ ضَوءِ تَنبُثُ بِدَاخلِي،

أقطِفهَا بِنَهَمْ شدِيدْ

الشمْسُ هُنا،

صَامِدَة فِي إثارَةِ الدِّفْءِ

الدِّفْءُ فِي عَينِي،

سَريعا مَا يَتحَوَّلُ ثلجَ قَلقٍ بِلا لَوْنٍ

تَتَمَلكنِي بَغْتةً،

كوَابِيسَ نَخْوةِ " دُون كيشوتْ "

عَلى مَدارِ وَقتٍ لا وَقتَ لهُ

عَلى نَقرِ سَاعَةٍ،

أبْطأت نَبْضَ عَقارِبَها عَنِ السَّيرِ

فأتمَنْطقُ سَيفَ حَذَرِي المُستَورَدِ

كآخِرِ فارِسٍ مُنقرِضٍ

وَعَلى مُنزَلقِ سَرْجِ الرَّهْبةِ،

أحَارِبُ طوَاحِينَ وَسَاوِسَ

 تَتسَللُ بِصَمتٍ فِي أحشائِي.

 

يَعْترِيني شَكٌ أبَدي،

أنَّهُ السِّحْرُ الأسودُ الطويلُ

المُنبَعِث مِنْ خَارِجِ الزمَنِ

يُصَادِرُني نِصْفَ جَسدٍ بِدائِي

وَنِصْفَهُ الآخَرَ،

 انْسَانا مَجهُولاً يَترَقبُ

انْسِدَادَ ثقَبَ أوزُونٍ مُسْتجَدٍّ

يَكشِفُ عَوْرَةَ العَالمِ  

فَلمْ يَعُدْ يُلازِمُنِي ظِلي،

أوْ رُبَّمَا لا ظِلَّ لِي،

فِي عَتْمَةِ نَهَارٍ

فَقدَ بِجُنونٍ

ضَوْءَهْ.

***

حسن حصاري / المغرب

 

 

عبد اللطيف الصافيأنَا الْآنَ

سَجِينُ عُزْلَتِي

رَفِيقُ وَحْدَتي

أَحْتَاجُ نَجْمَةً بَيْضاءَ

تَنْزِلُ مِنْ عَلْيَائِها

لِتُنِيرَ ظُلْمَتي

تَسْقِي بِضِيَائِها

سَنَابِلَ مُهْجَتِي

وَ لَوْعَةً تَتَأَجَّجُ

بَيْنَ جَوَانِحِي

يَا نَجْمَةً تُذْكِي شَرارَ سَوَانِحِي

يَا رَفِيقَةَ حُلْمِي

هَذَا الَّليْلُ يَغْمُرُنِي

يُذْكِي صَبَابَةَ رُوحِي

فتَعَالَيْ..

أَفْرِغِي أسْرَارَ عُيُونِكَ

فِي كَفِّي

بَلْسَماً لانْتِظَارِي

وَ انْشُر ِي أَصَابِعَكِ

عَلَى كَتِفِي

جِسْراً لِنَوْبَاتِ انْكِسَارِي

واكْتُبِي بِدَمِي

سِيرةَ هَوَايَ

وَ لَمْعَةَ الْوَجَعِ الَّذِي سَارَ فِي نَبْضِي

واسْتَوَى عَلَى عَرْشِ مُنَايَ

يَا أنَايَ

كَمْ أَنَا مَشْحُونٌ بِأَنْفَاسِكِ

تَصْرُخُ فِي دُنْيَايَ

كَالرُّعُودِ

مُقَيَّدٌ بِأَجْرَاسِكِ

تَرِنُّ بالْوُعُودِ

وَقَلَقُ الْعَاشِقِ

وَطَيْفُكِ

وَبَسْمَةٌ تَفِرُّ مِنْ ثَغْرِكِ

تُخَاطِبُنِي

بِلُغَةِ الْوُرُودِ

يَا نُبُوؤةَ عِشْقِي

فُكِّي قُيُودِي

اشْفِينِي مِنْ دَاءِ الصُّدُودِ

وانْثُرِي شَذَى الْوَصْلِ الْمَوْعُودِ

وَبَرِيقَ الْخُدُودِ

بَيْنَ ظِلَالِ قَلْبَيْنَا

وَتَعَالَيْ

يَا حُباًّ يَعْلُو فَوْقَ كُلِّ الْمَعَانِي

والأَمَانِي

يَا أَسْمَى مَا فِي وُجُودِي

تَعَالَيْ نَرْسُمُ

وَطَناً بِلَا حُدُودِ

***

عبد اللطيف الصافي /كلميم-المغرب

 

محسن الاكرمينحين وطأت رجلا إيثري رمال شاطئ العودة من إبحار الهرب الفاشل عند حدود بحر الوطن، تذكر كلام والده حرفيا حين كان يردد وهو في ضيق من سوء النفس، ونوازل القدر، حين يقول"علمني الزمن الماكر أن كل خياراتي مهما توقعت بحلم التفاؤل لن تحدث لماما بالمرة"، هذا قدر يجب أن تؤمن به ، وقد يظل مكتوبا على الجبين، ويمكن أن يكون القدر نفسه يسيرنا في أعراض أعمالنا، لا في أسباب اختياراتنا. لحظتها حين استفاق بلذة هواء الوطن، وأمّن بثقة موضع قدمه، أدرك إيثري أن كل الخيارات التي أبحر بها بعيدا وهربا نحو الضفة الأخرى أصبحت صعبة ولن تتكرر مرة ثانية. أدرك أن البرنامج الحياتي الذي ابتكر أهدافه نقطة، نقطة وظن أنه لن ينمحي، أصبح زبدا أبيضا رابيا عند صخر بحر العودة بعلو الموج، وتؤمن بأن الحظ يدير نصف أعمالنا

لم تكن تيللي لتصدق دوافع الهرب من الوطن كجبن مقيت، وتساءلت وهي تتشيّط غيظا: كيف تتوقع مني أن أصدق من أحببته يهرب من الوطن؟ تخاطبه دون أن تنظر إلى مكتمل قامته، إن هذا إيثري غباء، فإن أردت قتل نفسك ففاعل هذا بذاتك دون أن تورط فيه غيرك من الضحايا، وكذا من أحبتك بصدق. لكن، بعد أن استرجع إيثري أنفاسه المتبقية من فشل تجربة الهروب من أرض الوطن دون أن يخترق حدود مياهه الإقليمية. وجد ذات تفكيره لا تمتلك الأجوبة الصحيحة عن كل أسئلة أسباب الهروب غير المكتمل، وجد حتى تلك الأجوبة الغبية وإن تنوعت فلن تقنع تيللي بصدق دوافعه الداخلية والخارجية.

تنحى إيثري جانبا بالبعد عن عيونها التي تكاد تمطر دمعا، وهو لا يقدر تحمل مزيدا من الألم والإخفاق. وجد صعوبة في استجداء رفق العلاقة التي تقتضيها ظرفية الكلمات المختارة بالتنميق العاطفي، والتي يمكن أن تنفّس من الحنق المشتعل عند مشاعرها. يقول إيثري: أنا آسف، أنا آسف للغاية، فلست مضطرا لأخبرك عن أي شيء بالتفصيل الممل. أنا من قررت الهرب حين اشتدت المشاكل الخانقة على ذاتي بلا موعد ولا تخطيط، حين تيقنت أن حبنا فقط لن ينقذ حياتنا في المستقبل يا تيللي. حينها قاطعته و تساءلت: أو لا تؤمن بأن الحب يا إيثري سينتصر على كل شيء؟ لم يفكك قصد كلامها بل قال:حين تخلصت من الضعف وانتظار قانون الصدفة والحظ الذي يأتي أو لا يأتي، حين أصبحت معطلا ومثيرا للشفقة في ذلك الحي غير البعيد عن دوشة المدينة، عندها قررت الهرب من سوء قهر الحياة وظلم الوطن. أنا تيللي انعكاس لك ولمتمنياتك بحق عيش كريم.

تململت الأرجل بعدا عن الرمال الساحبة للأرواح، وقال إيثري: كان يفترض بي بأن أكون ضمن أعداد الموتى، لكني لم أكن مستعدا لذلك حين نجوت بأعجوبة من القدر، و يبدوا أن القدر يلعب دوره بامتياز في التحكم في اختياراتنا. آسف يا تيللي للمرة الألف، لأننا استغرقنا وقتا طويلا في علاقة حب مفتوحة، وأضحى الوقت يداهمنا قدما، فأردت إحداث التغيير بفعل الفرار أم الردى الوضيع، كنت أريد عبور الثقب الأسود للهروب بدون أن يلاحظوا حتى ظلي، لكن الأمر بات بدون جدوى، وقد تتدمر السفن بحرا، وتسبب موت كل الرجالات و بالاستثناء الأقل.

تنظر تيللي في الأفق الغائم بتموج حركة الريح الخفيفة، وتقول: أنا خائفة، قد لا يحميك القدر والحظ مرة أخرى، وقد يكون المستقبل بين يديك إن أحسنت اختياراتك بإرادة لا تنطفئ جذوتها، قد يكون القدر قد أخلف وعده معك ومنحك فرصة ثانية للحياة. وتورد كذلك: القدر يتابعنا، يتبعنا بخطى متوازنة، وقد تكون بعض من اختياراتنا مقيد ومربوطة بالحظ. لا أحد إطلاقا يمتلك خيارات تامة حتى وإن قل حجمها، فأنت اخترت خيار الهروب من الوطن، وهو الأسوأ !!! كل شعاراتك الحياتية بهروبك الفاشل عبرت عن نقيض النضال فينا. أحس إيثري بضغط موجع النقد وقال بصوت خافت: كل من له بداية له نهاية يا تيللي، هي فلسفة حياة وليس بلعب ولهو وتعريض النفس للموت، حقيقة أجريت محاكاة الهروب فكريا وعمليا، فوجدت أن كل من يهرب يتعرض في البحر للغرق. لكن تيللي تساءلت باستنكار إضافي، لما تأخر قطار التنمية، وتأخر حتى وصول عامل القطار، وبات "الحريك" يستهوي الجميع؟.

ابتسم إيثري قليلا من سوء الوضعية، ثم قال: قد يكون الهروب مثل ذكاء العرافة العظيمة القوية التي أعدت الحلوى وجهزت المائدة، ولم تدر من توقعاتها الموسعة أنها ستموت قبل تناول ما فوق المائدة الباذخة. فحين أحسست بقدر الموت قريبا من حبل الوريد، استسلمت وقلت لملك الموت: افعل ما جئت لأجله. الكل تيللي يريد الذهاب إلى جنة الغرب والملائكة، ولكن لا أحد يريد أن يموت في منتصف الطريق غرقا، من أشد المعادلات غير المتوازية أن الحياة أحببنا أم كرهنا فنحن من ندفع تذكرتها قبل ولوج ملعبها غير المعشوشب، وأنا حتما لم أكن ضمن الذين دفعوا الثمن الوافر لنمو مراكب الفساد التي توفر لنا ركوب الموت، وتبحر فوق الجثث.

***

(فصل من رواية: ويلات ذاكرة حالمة).

محسن الأكرمين.

 

 

عبد الرزاق اسطيطوكان يحمل بين يديه علبة كرتون صغيرة مغلقة، وهويخرج متخفيا.. حذرا محدثا خشخشة من فتحة ضيقة مابين القصب الطويل، الذي تمتد من فوقه كظلال مترفة أغصان الأشجار المخضرة المطلة على نهر اللوكس ... نظر إلينا باستغراب غيرمتوقع وجودنا بهذا المكان ... كان الوقت مساء، وكنا في بداية الصيف والجو عليل منعش .. نستظل تحت أشجارالشفرجل والتين مأخوذين بانسياب ماء الوادي وخريره في انتظار آذان المغرب ... وأشاح بوجهه عنا، وأكمل المسيربين الأشجار، والأعشاب إلى أن غاب عن أعيننا تحت نباح الكلاب ....

كان شابا يافعا أسمر اللون، طويل القامة، مفتول العضلات بلحية كوبية خفيفة... فسألت صديقي عن ما يمكن أن يحمله هذا الشاب في تلك العلبة قائلا: "لا أظن أن بالعلبة ثمارا مسروقة كالبرقوق أوالمشمش.. فالعلبة صغيرة ووزنها يبدو من حملها خفيفا، وحذره يشي بأن مايحمله أهم من الثمار، وأغلى. فما السر الذي يخفيه في هذه العلبة، ويحرص عليه، ويغامرمن أجله بهذا الشكل؟! فأجاب صديقي، وهويشير إليه قائلا:" إنه أبو الكلاب .ألم تعرفه؟  .. وأضاف إنه متخصص في سرقة جراء كلاب  الحراسة الغالية الثمن، والنادرة منها على الخصوص.. فذهلت للأمر.كيف يستطيع الدخول إلى الحقول والفيلات المحروسة، ومجالسة كلاب شرسة بهذا الشكل ويقترب من جرائها؟.

أوقف علي صديقي شرودي، وتفكيري، وهويكمل حكايته  قائلا :"أبو الكلاب هذا يتقصى كالمخبرين كل يوم من بستان لبستان، ومن بيت لبيت أخبار الكلاب  خاصة الحوامل  منها .حتى إذا حان موعد ولادة واحدة منها ربط علاقة صداقة مع أهل البيت، أو حارس البستان. وحمل للكلبة ماتشتهيه من اللحم والفراش، ولازمها كالقابلة حتى تلد، فيأخذ أجمل جرائها. فيعتني به، ويربيه، ويدربه ..وبعدها يبيعه بثمن غال لأصحاب الفيلات، والبساتين .

ومن نوادره يضيف صديقي أنه باع مرة كلبا شرسا بثمن باهض لأسرة ثرية بمدينة القصبة، وعاد منها الكلب إلى البيت بعد شهرين فباعه مرة أخرى لصاحب بستان آخر بثمن أغلى من الأول..فقدعلم كلابه كيف تهرب بعد البيعة وتعود إليه سالمة. وواصل صديقي أما لماذا سمي ب"أبو الكلاب" فتلك قصة أخرى. فقد أوصته مرة كلبة جميلة كان يحبها ويدللها حد الجنون وهي تلد بأن يعتني بجروها الوحيد بعد موتها ...حتى أن الذين حضروا الوصية من رفاقه، أقسموا بأغلظ الأيمان بأن الكلبة الفاتنة الشقراء ذات العيون الخضر، والجسد المنحوت كانت تنظر إليه بعيون دامعة وهي تنزف، وتودع، وتوصيه على جروها .."لم تكن تئن والله.. منظرها وهي تلد، وتتوجع، وتودع وتنظر إليه يقطع القلب... لم يكن منظرها منظر كلبة تموت وهي تلد ...وإنما كان منظر امرأة جميلة رقيقة المشاعر توصي زوجها، وهي تفارق الحياة على ابنها الوحيد ...ماتت الجراء الأخرى تحت نظراتها، وهي تلعقها بأسى وماتت هي بلحظات بعدها وظل المسكين لوحده يتيما... كان يشبهها في كل شيء في جمالها، وفي وفائها، وفي دلالها ...لذلك تعلق به، واعتنى به أيما اعتناء، ورفض بيعه بأي ثمن، قائلا لكل من عرض عليه الأمرأو حاول إغراءه: "أبيعك أي كلب آخر إلا جاك .. فهذا ابني، ابن حبيبتي لويزة ..وهل يوجد في  الدنيا من يبيع فلذة كبده إلا إذا كانت أمه.... ويصمت  ثم يكمل بحزن لويزة كانت عندي أفضل من بعض الرجال خاصة في مواقف الشدة ضد أولاد... فلا يخون الخبز والعشرة إلا ابن الحرام .... ومنذ ذلك الوقت عرف في البلدة، والبلدات المجاورة ب "أبو الكلاب".

***

قصة قصيرة

عبدالرزاق اسطيطو

.............................

"أي تطابق بين أسماء شخصية القصة وأحداثها والواقع هو من قبيل الخيال لا من قبيل الواقع"

 

 

احمد بلقاسمبعدما ضاق صدره ذرعا من سخرية زملائه في العمل اللاذعة، اشتد إحساسه بالدونية أمامهم، وبعدما استنفد آخر ذرة  في أحشائه من المداراة لما تلوك الألسن عنه، وامتلأت رئتاه حنقا خانقا، ولم يبق في قوس الصبر منزع.

- قال الذيل للبهيمة متذمرا: أنا يا سيدتي غير راض بتاتا عن موقعي في جسدك، أنا أحسد باقي زملائي من أعضائك عن مكانتهم المرموقة  التي تبوئينهم إياها خدمة لك، كما أنني أشعر بالإهانة الشديدة كلما أمعنت النظر في الوظيفة الموكلة إلي.

- ردّت البهيمة بما حباها الله من دهاء وحنكة: ذيلي العزير أنت أفضل عضو من أعضائي، أنت أغلى عندي من رموش عيني، لا تستهن بالوظيفة المنوطة بك، إنك تضطلع بأشرف وأعظم وأسمى عمل في مملكة جسدي، يا عزيزي..

- قاطعها الذيل وهو يبحلق فيها وفكره يتأرجح بين الاستغراب والدهشة، وبين الإعجاب والحيرة: كيف تقولين هذا الكلام، وأنت تعرفين مقامي و درجتي بين مقام و درجات سائر الأعضاء الآخرين!

- أجابته بعد ترو بتبصر وبهدوء البهائم المعهود: اسمع يا ذيلي العزيز الأرضى، سأبوح إليك بسر من أسراري، وإن شئت حقيقة من الحقائق، ربما تعذر عنك معرفتها، وأرجو أن تعض عليه بنواجذك، ألا وهي أن لولا وجودك في مكانك المعلوم من جسدي، لكنت أنا أضحوكة الأضاحيك..

- قاطعها الذيل بحركة خفيفة متلهفا لمعرفة كامل الحقيقة التي تود سيدته أن تسربها إليه: هلا كشفت لي مولاتي عن جوهر هذه الحقيقة، التي ربما أعمتني الغيرة عن معرفتها؟

- ببساطة عزيزي الذيل وخادمي الأوفى: لو لم تكن أنت في مكانك هذا من جسدي، ولم تكن مخلصا في واجبك، لظلت عورتي مكشوفة للقاصي والداني، فأنت التي تسترها وتذود عنها دون سائر الأعضاء، ألا تشرفك هذه المنزلة مني؟

اقتنع الذيل بما أسرت إليه سيدته فخمدت ثورته، و فرح أيما فرح بالوظيفة التي قلدته، فصار من يومها يتباهى بها أمام باقي الأعضاء نافخا صدره حتى الانفجار، لا يلقي بالا لنظراتهم الجارحة، وطفق يرقص طربا بفعل سحر السر المكنون الثاوي بين حنايا صدره، ولم يكف عن الرقص على مدار الساعة طرفة عين، مزهوا بنشاطه في الذود عن عورة سيدته.

 

أحمد بلقاسم

13 /5/20

 

جمال مصطفىإدريـس:

مِـنْ قـبْـلِـهِ حُـرّةٌ

 بـيْـنَ الأبـالـيـس ِ

إدريـسُ أودَعـهـا

 سِـجْـنَ الـقـراطـيـسِ

 

شـمْـطـاءُ لـكـنَّـهـا بِـكْـرٌ

 وطـلْـسَـمُـهـا

سـاقٍ يُـمـالِـىءُ

 أكـوابَ الـكـوابـيـس

 

مخـطـوطـة ٌ

حِـبْـرُهـا الـسريُّ يَـفـضحُهـا:

كَـأنَّ

 أقـلامَـهـا ريـشُ الـطـواويـس ِ

 

لَـيلاً تَـمُـرُّ (إذا مَـرّتْ)

 بـهـودجـهـا

 لا تَـنـطـلي

 وانـطـلَـتْ يا حـاديَ الـعِــيـسِ

 

 وهـكـذا

 دَيْـدَنُ الـنـاعـورِ أمْـسِ غَــداً

إذ يَـجْـمـعُ الـنِـيـرُ

 أعـنـاقَ الـجـوامـيـسِ

 

ولا غـضـاضـةَ في مـا بَـعْــدُ

 إنْ جَـنَـحَـتْ

صَـوْبَ الـمــآذنِ

 أو صَـوْبَ الـنـواقـيـسِ

 

مـيـزانُـهُ:

 كِـفَّـةٌ لا غـيْـرَ قــد رَجَـحَـتْ

فـصـارَ نـامـوسُـهُ

 فـوقَ الـنـواميـس

**

الـخَـضِـر:

مـوسى مُـصادفَـة ً،

 لَـيستْ مُـصادفـةً

بَـعْـدي تَـلَـثَّـمَ بالأسـرار

 وارتبَـطـا

 

الـحـائِـطُ، الـطــفـلُ، رُكّـابُ الـسـفـينةِ

 أو

مـا رُحْـتُ أفـعَــلُـهُ

 لأراهُ قـد سَـخـطـا

 

سـرْعـانَ مـا قـال لي: مَـن أنتَ؟

 قـلْـتُ أنـا ـ ـ

وعــادَ مِـن بَـعْــدِهـا لِـلـقــومِ

 مُـغْــتَـبِـطــا

 

كُـنتُ الـوسـيـطَ الـذي

 يُـبْــقـــيـهِ مُـعْــتَــمِـداً

عـلى الـوسيـطِ

 ولـكـنْ لَــمْ أكُــنْ وسَـطـا

 

ولَــمْ يَـكُـنْ راضـيـاً إلاّ عـلى

 مَـضَـضٍ:

 كـانتْ

 هــواجِـسُـهُ تَـجْـتـاحُـهُ شَـطَــطــا

 

يَـدري بـأنَّ الـذي ـ ـ لـيـسَ الـذي

 ويَـرى

نـوراً عـلى جَـبَـلٍ مـا مَــرّةً

 هَـبـطـا

 

يُحِـبُّ أبْـخـرَةً (يَـهْــوا)

 وقـد شُــويَـتْ

لَــهُ الـعــجـولُ

 ولــكـنْ يَـكْــرَهُ اللـغَـــطـا

**

يـونـس:

في وصـف الحـوت

مِـن بـابِ مُـقـلَـتِـهِ كـانَ الـدخـولُ

 إلى

مـا يُـشْبِـهُ العَـرْشَ

 بـيـن الـمـاءِ والـمـاءِ

 

عـلى آرائِـكَ شـاهَـدْتُ الـذيـن

 ولَـمْ

أسـمعْ سِـوى الـصـمْـتِ

 مَـصحـوباً بإيـمـاءِ

 

كـان الـدُوارُ

 أنـا وحـدي ضَـحـيّـتَـهُ

سـرْعـانَ مـا هـرعـوا

 صاروا أطـبّـائي

 

مـزاغِـلُ الحـوتِ كُـثْـرٌ

مِـن هُـنـا وَ هُـنـا

يَـرى بهـا كُـلَّ مـا مِـن حـولِـهِ

 الـرائي

 

آمَـنـتُ بـالحـوت

حـتى أنهـمْ فـرحـوا

وأرجَـعــوني كَـراءٍ

 بَـعْــدَ إسْـراءِ

 

في فُـلْـكِ آلِـهَـةٍ لا يَـغـرقـونَ

ولَــوْ

حـاقَـتْ بِهـمْ لُجَـجٌ

 في جـوْفِ ظـلْـمـاءِ

 

ما كُـنتُ ذا الـنـونِ

 إنَّ الـنـونَ نُـونُهُـمُ

أنـا غـريـقُ تَـدابـيـرٍ

 وإخـفــاءِ

**

هـذا الـسُـلـيْـمـانُ

الـسِـرُّ في السحْـر حتى الآنَ

 يَـخـتَـبـىءُ

والـسِـرُ لا غـالـبٌ إلاّهُ

 يا سَـبَـأُ

 

لا سـاقُ بـلـقـيـسَ

 لا بـلـقـيـسَ تَـغْـلـبُـهُ

ولا رَجـاحـةُ رأيٍ

 أيّـهـا الـمَـلأ ُ

 

هـذا الـسلـيْـمـانُ مـأمـورٌ

 كَـهُـدْهُــدِهِ

أربـابُـهُ

 مَـن عـلـيهـمْ راحَ يَـتّـكيءُ

 

قـد خطّـطـوا

 فـسرى الـنامـوسُ بعـدَئـذٍ

والحـوضُ لَـمّـا يَـزلْ

 بالـمـاءِ يَـمْـتـلىءُ

 

الـعِـلْـمُ للـنـاسِ

 أمّـا الـسحـرُ فهْـو لِـمَـنْ

كـادوا

 لِـيُـفـتَـحَ جـرْحٌ كُـلّـمـا نَـكـأوا

 

 هَـداهـدٌ عـنـدَهُـمْ

 في كـلِّ حـاضـرةٍ

إنَّ الـهـداهـدَ (يَـهْـويـّـونَ)

 مُـذ نَـشـأوا

 

الـسحـرُ قـد

 غَـطْـرَسَ الأربـابَ غـطْـرسـةً

حـديـدَهـمْ وحـدَهُ

 لَـمْ يَعـتـرِ الـصـدأُ

**

صـيـارفـة

صَـيـارِفَـةٌ

مِـن العـهْــدِ الـقـديـمِ

لِـتَـمْـويـلِ الـجـحـيـمِ

 مِـن الجحـيـمِ

 

وتَـذهـيـب ِ الـكـتـابِ

 بـمـاءِ نـارٍ

 وتَـغـلـيـبِ الـرجـيـمِ

 عـلـى الـرحـيـم ِ

 

بـمـيـثـاقٍ ومـيـعــادٍ ورؤيـا

سـبـيـكـةِ صـاحـبِ الـكـنـزِ

 الـعـظـيـم ِ

 

يَـراهُ،

 ولا نَـرى إلاّ نُـجـومـاً

مُـرَصّـعَــةً

عـلى اللـيـل ِ الـبَـهـيـمِ

 

مَـزاغِـلُ

 خَـلْـفَـهـا وُكَـلاءُ مَـكْـرٍ

لأمـكـر مـاكـرٍ، طـاغٍ،

 عـلـيـم ِ

 

يـنـامُ،

 ويَـسهـرُ الـوكَـلاءُ عـيْـنـاً

عـلى

 فـرْض الـصـراطِ الـمـسـتـقـيـمِ

 

عـلى الـقُـطْـعـان ِ:

أيـن مـتى وأنّـى

تُـسـاقُ،

 وحِـصّـةِ الـذئـبِ الـخـصـيـمِ

**

يـا هــــود

أنتَ إذنْ عـربيٌّ ونبيٌّ

 مِـثْـلُ شُعَــيْـبَ وإسـماعـيـلَ وصالحْ

 

لا ذكْــرَ لَـكَـمْ في الـتـوراةِ

إسـمـاعـيل؟

:ابـنُ الـجارية الـمـطـرودهْ

 

يا هـودُ

الـتـوراةُ لِـنـاحـومَ ومِـيـخـا

 الـتـوراةُ لِـحَــبْــقــوقْ

 

 أمّـا أنـتـمْ فـانتـظــروا

 حـتى يُـبْـعَــثَ خـامـسُــكُــمْ

 

آه ٍ لَـو كـان لَـديـكُــمْ كُـتُـبٌ

 بـالــفُــصحى يـاهــودْ

 

آهٍ لَــوْ كـانْ

آهٍ لَــوْ نَـزلَــتْ أربـعــةٌ قـبْـلَ الـقـرآنْ

 

لـكـنْ

 مـاذا عَـمّـنْ لـيـسـوا

 عِـبْـرانِـيـيـنَ ولا عَـرَبـا؟

***

جـمـال مـصـطـفـى

 

 

فتحي مهذبلأن جوادك مكسور الخاطر.

يشتم القباطنة في المبغى.

يجلب الغيمة من ذقن الزبون.

ويحمحم في الصلاة.

لأن جوادك بعين واحدة.

وقوائم من الجبس .

خسر الحروب كلها.

خسر التاج وفصوص الحكمة.

قمر الغابة الأسمر.

مفاتيح القلعة البهية.

القنديل في الشرفة.

الأميرة في ألبوم العائلة.

لذلك ستقف على تفاحة الوقت بساق  واحدة.

في انتظار خاتم سليمان.

**

دخلت الكنيسة

بمخالب فهد متربص.

حاملا قارب التوبة بأسناني الهشة.

وفي دمي يلهث التنين.

آلاف السنين من النكران والجحود.

من الصديد واللامعنى.

البركات هنا والجوقة ترتق البراهين.

أعلى البرج.

**

أنهارك مظلمة جدا.

المراكب ترصع أعشاشها باللازورد.

أنا السمكة التي تقرص المياه.

لتؤمن وجبتها من النور.

بأسنانك مزقت المسافة الحلوة.

وفي القبو الداكن

قتلت الفهد الذي يلعق متناقضاتنا

بشراهة باذخة.

صنعت مني مسيحا أرعن.

تغسلين صلبانه بدم الحيض.

وضحكت على ذقن السرير.

أف, النميمة ليس البرد الذي يهشم العظام.

وفي الحانة يشنق أتباعي الواحد تلو الآخر. 

بعت وجهي لمطاردي العواصف.

آزرك البرابرة في الجنازة.

بين أصابعك تخفين تابوتي الأزرق.

**

لأن خيول المطر جائعة. .

تهشم النوافذ وكثبان النوستاليا.

لأن الباص سيسقط في التجربة.

وتغرد الهاوية بغزارة.

يتلاشى المغنون ويطير شلال الدم.

لأن العدم ينظف البندقية.

لشن سهرة عائلية في الجحيم.

لأني منذور للخسران.

خانني الجسر. 

خذلتني طبائع الأشياء.

لأن العالم سرد عدمي خالص

والروائي معلق في خرم الإبرة.

لأن الله قلق جدا.

والملائكة ذابوا في المحيط.

لأن الآخرين هم الموت والقيامة.

لذلك قلت للمعنى وداعا

وارتديت قناع المهرج.

**

أف, الأقزام يصعدون المنصة. العربات تكبو في مضائق الشريان.

الصولجان بيد العراف.

أيها الغراب لا تمزح معي.

السفينة تثغو في المغارة

الوحوش تتقاسم الغنيمة.

لتسليتي أقفز من الباص في حنجرة القرش.

كان عرقي ذهبا خالصا.

الإوزة جائزتي في الهاوية.

**

بكينا مع الأسد في الخلوة

قذفتنا الثعالب بالقش والحجارة.

لم نجد أما ولا شجرة

لترويض الهواجس.

ذهب الرعاة إلى المستشفى.

القطيع في غرفة الإنعاش.

طاردوا خبزنا اليومي. 

لم نر الضوء آخر النفق.

لم تصدق نبوءة الخوري.

والهواء هو الصديق الأبدي.

***

 فتحي مهذبي/ تونس

.......................

(أمازيغي)

Xateṛ tuqqit tessazdeg lmukḥlt..!

***

Xateṛ zzimel-nnek d ameṛṛẓu n lbel

Yethawec "Iqabṭanen" di tefawwaḥet..

Yetkuṛṛed tejnut si tmaret n beb-nnes..

Di teẓalliṭ yetḥamḥem..!

Xateṛ jaduṛ-nnek s tict n tiṭ..

ʷiḍaṛṛen n uluḍ

Timanɣayyin kul twabdelen-t fell-as

Tif yeǧa.. D iqalmen n temriret

Yur n tejmut abeṛbac

Ixellaṣen n teqliεet yeḥlan

Kenki di teskajet..!

Tegallit gi zzmem n tewacult

F sin ax trbadded f yeḍaffut n ʷakud.. F y-ict n uḍaṛ..

Ad teṛjid txatemt n "Suliman"..!!

**

Udfeɣ tefacka n iṛumayyen

S ʷaccaren n ʷaksel yetṛaja

Tefluket n utubi.. S tiɣmas-inu refdeɣ

U deg idammen-inu yessalhet ubatrur..!

Metta d ilan n ʷaṣṣaddef d lmajḥud..!?

N uzanẓeṛ.. D cṛa ma yellan

Lbeṛaket dey.. D lḥelqet hgenni lbuṛhen..

F y-ixef n yuman..!

**

Isaffen-nnek sellsen lhul

Tiflak tεaccen-t s uẓawrut

Neč aslem y-inakkcen amen

Mank tfawet ad-tef

S lecḍaf-nnek sɣaṛṣeɣ amacwaṛ yeḥlan..

U di ddamus isallsen 

Aksel yettallɣen amεaṛeḍ-nneɣ s laẓ amuqṛan.. Nɣiɣ

Ssi-y tiga aṛumi amaxbuḍ

Isiglen-nnes s idammen n usired tessared..

F ccireb n ubayaṣ teḍṣa..

Uʷf.. Tutlayet n tiwa ur telli d lguṛṛ ag ṛaẓẓen iɣsen..!!

U d temaswayet tucennaḍen imaddukel-inu.. ʷay s ʷay..

Udem-inu zzenzeɣ-t i y-imalḥeq n legrari

Ak εawn-en "Ibeṛbṛayyen" di leεza..

Jer n ideuḍan-nnem tezdurid tesanduqet-inu tenilit..!

**

Xateṛ ijudaṛ n ʷanẓaṛ slaẓen

Ṭṭiqan ṛaẓen.. D iεaṛṛamen n tucta..

Xateṛ tṛuli g ujeṛṛab ad-yaḍu

U lexla ad yeccarɣet seg ubuḍ

Icannayen ad ddurin.. Aceṛcaṛbn idammen ad-yafeg

Xateṛ tuqqit tessazdeg lmukḥelt..

Mank ad-thalkeq twacult gi lεafifet..

Xateṛ texaṣṣaṛet i neč

Ṣaɣer ixun-ay..!!

Ṭbeε n leḥwayej izerra iss-i

ʷamaḍal yenna f lqallt-inu ṭul

ʷamanney yetwacbeḍ gi tiṭ n tissagnit

Xateṛ akuc yennazgem lhul

ʷinniren fsin di telawin

Xateṛ heyyin d nehni d temattent.. D tematnit..!

F sin nniɣ unamek ǧiɣ-c

ʷudel n ubujaḍ iṛḍeɣ..!

**

Uʷf.. Tijalet temεint ulin

Tikeṛṛaṣ terrakmlen-t g ixannaqen n iẓewṛan..

Amur g ufus n umusnaw

A jaref id-i ur-tqajjem

Tefluket hjugga g uxanju

Laɣwel beṭṭan zzufet

Mank ad-nfukkeɣ ad-neggzeɣ g iri n umačey n ilel

Tidi-inu d uṛeɣ yexleṣ tella..

Tebṛaket d azaglul-inu gi lexret..!!

**

Id n ʷarr nila beṛṛa

Ikaεben ḥeǧrinaneɣ-d s ʷahdir d ukarfel..

Ur nufi temamet.. Nniɣ d tesaṭṭut

Ad nessaṛkeḥ imurrej

Γer umasgenfi-inilten uguren

Adrim gi tegruret n usaki

F ʷaɣṛum-nneɣ n ʷass nettuḥawez

Anaggaru n y-ifri tefawet ur neẓṛi

Ur nemmin temazen-t n "Lxuri"..

Tenaffut d nettet d temaddukelt ad yeqqimen..!

 

-Asafru n Utunsi: Fathi Mhadhbi

-Temaziɣet n: Mazigh Yedder