جمعة عبد اللهالقصص القصيرة جداً، جنس ادبي يعتمد على اسلوبية خاصة ومتميزة، في الكمية والكيفية. الاولى تلتزم في الصياغة المركزة بالتركيز والتكثيف في لغة السرد المركزة. والثانية الكيفية تعتمد في ابراز الحدث والفكرة في الرؤية التعبيرية الدالة في الايحاء والرمز في البنية النص في المنظور السردي وافاقه المتعددة الاغراض. والاديب حميد الحريزي، بارع في التقنية الاسلوبية والتعبيرية في هذا الفن، ويحشر رؤيته الاجتماعية والسياسية في النص. وفي تناول مفردات الواقع، والغوص في اعماقها لكشف شفراتها في الايحاء والرمز الدال، ويكشف من خلال النص تناول ثيمات الواقع، التي تزاحمت عليه العيوب والزيف والفساد والنفاق والرذيلة والجشع الاناني. ويكشف من خلال الرؤية الفكرية افرازات الواقع، التي قادته الى التأزم والخناق الحياتي، لذلك يحاول كشف عورات وعيوب هذه الافرازات السلبية، التي فرضت نفسها بقوة على الواقع، ورمته الى أتون المعاناة والجحيم. وان الاديب ينشغل في ابراز التساؤل في دهشة النص المأزوم، واظهار التنافر والتناقض والازدواجية في التعاطي، لكي يأخذ النص المعنى الدال في المضامين الاجتماعية والسياسية والدينية. في الرصد الوعي، في التشخيص والتجسيد والتفسير. ان يبرز هذه العيوب على الملاء، بالفضح والاستهجان، بصيغة السخرية التراجيدية، او في المأساة السوداء، التي تعمل على الانهزام والاحباط والتأزم. حقاً غزت الواقع خصائل او مظاهرة غريبة وهجينة، في الفساد والنفاق في الدين والتدين. يعني انه يكشف هذا الانحراف الذي يخنق الانسان الذي بشر به المحتل في بيوضه التي تفقست ثعابين وافاعي، وجعلت الحياة ارهاق حياتي، وخاصة على الشرائح الشعبية والفقيرة، يكشف المناخ السياسي المتلوث والموبؤ، بالنفاق والتلون الانتهازي كالافعى الحرباء، التي تغير جلودها. حسب المناخ والحاجة في العرض والطلب، في التصرف والسلوك الذي ينتقل من ضفة الى ضفة اخرى، بالسخرية التراجيدية. هذه الرؤية الفكرية والتعبيرية في نصوص المجموعة (المصابيح العمياء) والاديب يتخذ الموقف الواعي والناضج في الانحياز الى الانسان ومظالمه وجحيمه. شجب الزيف والنفاق اسلوب ساخر ومستهجن. يحاول ايصال شفرة النص الدالة الى القارئ. في الرؤية الفكرية. لذلك ان القصص القصيرة جداً. تحمل ابداع ورؤية. لذلك نتمعن في بعض ابرز النصوص في المجموعة، التي احتوت على اكثر من 50 نصاً من القصص القصيرة جداً. ويمكن اجمالها في هذه العناوين البارزة :

1 - التجاة في الدين والتدين : ابراز مكامن النفاق والزيف واللصوصية. هذه السلوكية الجديدة التي جلبتها البيوض الاسلامية التي تفقست الى افاعي وثعابين جشعة وانانية. وانتهجت اسلوب التتعاطي بالازدواجية، في مظهرها المخادع، في الامتثال الى التدين والتقوى والتمسك في فروض الدين والصلاة في الظاهر. وفي الباطن الوجه الشيطان والثعلب الماكر، في الفساد والرذيلة والجشع الاناني، واشباع النزوات الشاذة والغريبة. هذه الافاعي التي جاءت مع المحتل، واستلمت السلطة والحكم، يحكمها نهج وعقلية الترهيب والترهيب، كأنها تفقست من عقلية النظام الساقط. وكذلك في شراء النفوس الضعيفة، والذمم الرخيصة من الاقلام المأجورة. لكي يتصاعد الجحيم والفقر في الحياة الى الاعلى. متل اقصوصات (جلد الافعى) و(عطر الحياة) و(خارج الحساب) و(التفئير) التي يدل نصها على عميات الفساد والاختلاس والاحتيال، محملة بالحقائب الدولارية. وكذلك في (الفوز) عن عفونة الديموقراطية عن استبدال احشاء صناديق الانتخابات، بصناديق أخرى لكي تضمن الفوز الكامل لها. وكذلك في القصة القصيرة جداً التي تحمل عنوان المجموعة (المصابيح العمياء) عن السخرية التراجيدية السوداء. في الابهار المخادع في المظهر الخارجي، والانجراف اليه بشهوة واشتياق، لكنه يعرف اخيراً انها زوجته التي يلاحقها ويطاردها بنزواته، لذلك لابد من تغيير مصابيح غرفة نومة. وكذلك (اللهم أني صائم) يكنزون المال بجشع ويتابهون به، الىشقاء على الاخرين، او على حساب دموع الثكالى والفقراء والايتام. وكلك في (القناع) يفرح بزهو وتباهي وهو يحمل قرار المحكمة، بتخلي المؤجرين الدكاكين المحيطة بجامعه، بطردهم، لعدم قدرتهم على دفع الزيادة في الايجار. وكذلك اقصوصة (المحاضر) يتحدثون في وسائل الاعلام والفضائيات والمحاضرات الجماهيرية. عن حق المرأة وحريتها ومكانتها في المجتمع. ولكن حين يستلم الجوائز من هذه الانشطة الاعلامية، يعرج على سوق الحريم ليشتري المزيد والمزيد من (الحاجبات). او مثل قصة (التفتت) تغيير الجلود وانتقال من ضفة الاخرى. يعني من ازلام النظام السابق، الذين مارسوا الوحشية والاغتصاب، تحضر ابنة الشهيد الحزب، لتجد الرفيق المسؤول الذي يقدمها الى رفاق الحزب، هو نفسه الذي قتل والدها واغتصب امها، فتصرخ بجزع واستنكار، وكذلك في (صلاة الثعالب) وبقية القصص القصيرة في هذا العنوان البارز.

2 - عن الجحيم الحياتي في الحيف والظلم والانسحاق. في الايحاءات التعبيرية في المعنى والترميز البليغ. في عدم القدرة في توفير الخبز العيش المر، ضمن الجحيم الحياتي، وهذه الضائقة الشاقة تدفع الانسان الى الانتحار او الحرق، احتجاجاً على الواقع الظالم واللاعادل، في صورة (بوعزيزي) الدالة على رفض الظلم الحياتي، التي تؤدي الى انهزام الانسان، مثل القصص القصيرة جداً (الشيب المكهرب) و(الرأس المفجوع) و(فواتير) تتزاحم الفواتير عليه، ويجد نفسه في حالة العجز في تسديدها، ضمن الضائقة المعيشية، لم يستطع توفير رغيف الخبز لعائلته. لذا يتطلع الى صورة (بوعزيزي) مستلهماً اشارة قبول منه، ليتخلص من احمال الحياة الثقيلة في الشقاء والمعاناة. وكذلك اقصوصة (أمنية) بعدم قدرته مواكبة الحياة، بعدما سدت الابواب في وجهه، ان يطلق الحياة بجورها القاسي، وان تكون محطته الاخيرة في دار العجزة، بتكبير عمره من 60 عاماً، الى 65 عاماً، وكذلك شقاء المواطن في وطن الجحيم، تبقى هويته (هوية الاحوال المدنية) عديمة الفعل والقيمة والاثر، ولا تستحق ان يحملها المواطن، ويحرقها احتجاجاً على الوطن الجحيم الذي لايحترم ابناءه، كما في النص (الهوية). وكذلك اقصوصة (التفتت) الذي يعجز في توفير المال المطلوب للعملية الجراحية بالتخلص من حصواته، ويقتنع بمصيره المحتوم بعدم اجرى العملية، لانه غير قادر على الدفع المالي. وكذلك (قصة المعاناة) و(الرغيف) من اعباء الحياة في الحيف والظلم، حتى الحب يشهد زمن الكوليرا، في اقصوصة (الضرة)، في زمن العولمة في الجوع والعسف والظلم والانتهاك لللانسان.

3 - الحب المزيف والمخادع : مثل النصوص (عطر الحياة) و(باقة ورد) و(غرام الورد) و(قبلات النهر) و(رقصة الانا) في كلام عسل على عسل في الحب، يفيديها بروحه وحياته، وبالفعل الحقيقي، يرقص على انغام الانا، حين يفترس القرش حبيبته. يعني هذه الاثار السلبية على على الحياة التي دلفت الى التلوث في اخلاق الفساد والسلوك، حتى الغش دخل في الحب. وكذلك في النصوص الاخرى مثل (النجوم) و(قبلة في الفنجان). حينما انتهت مراسيم شهر العسل وظهر التباين في جدول القبل، سلمها ورقة الطلاق.

4 - صنع القلم المأجور والمرتزق والمزيف.. كيف يكون القلم الاصفر الذي يتقيء بقاذوراته العفنة والكريهة، وعندما يداس على ضميره وشرفه، يصبح طبالاً وراقصاً في حضرة الامير او السلطان، أو صاحب المقام الكبير،، أويعرض بضاعته الصفراء من يملك المال والنفوذ، ان يكون خادماً ذليلاً في التمجيد والتعظيم، ويخرس اما الزيف والدجل الحياتي، بل يكون بوقاً للزيف والدجل، في (الجائزة) احسن جائزة في حضرة الامير والسلطان. و(موت المؤلف) و(هبة السلطان) يغدق المال على جوقة القلم المرتزق، لكي يجددوا البيعة. وفي (أوهام). وكذلك اقصوصة (المصادرة) حين يصادر الضمير والشرف للكاتب بالمال، ويكون مرتزقاً، حتى يتعلثم لسانه، ويصيبه الصمم والبكم من اهوال الحياة وجحيمها، من حبات الذهب المخلوطة بحبات الرز، في خلق قلماً مأجوراً ومطيعاً لمن يدفع من المال، وان يكون حاضراً في عرس الواوية في التمجيد والتعظيم،لكي يساهموا في دفع الحياة الى الجحيم والفساد. مثلما نجد في الاعلام المضلل والمزيف بالمنحرف عن الحقيقة، وامام هذه الصورة السوداء للقلم المرتزق والمأجور، هناك صورة مشرقة للقلم الذي يحافظ على شرف القلم ونزاهته بالضمير، الحي المنصف للحق والعدل، ولا يمكن ان يساوم او يداهن، او يقايض بالمال. لان للقلم قدسية يجب احترامها، وخاصة الاقلام الشريفة الذين يقفون الى جانب معاناة الوطن، ويدافعون عن المحرومين والمسحوقين، ينشدون العدل والحقيقة، كما في اقصوصة (الندم) الذي يجد الكاتب الخداع والزيف والرياء والفساد والرذيلة، ويخرج حتى لا يدنس قلمه بهذا بالوحل العفن.

 

 جمعة عبد الله

 

عبد الجبار نوريتعتبر الرواية من أرقى أشكال التعبير اللغوي في تجسيد تجليات ما يجيش في أعماق اللاوعي من المشاعر والأحاسيس الوجدانية وتناقضاتها وربما إرهاصاتها من حب وكراهية وحركة وسبات ورفض وأستكانة وقبح وجمال للإنسان الذي أعتبر أثمن رأس مال في قائمة الأحياء في فضاءات هذا الكون الشاسع .

أن رواية " الكنزة الزرقاء " للروائي فريد الطائي تركيبة وجدانية وترجمة (واقعية) لمستلبات الأنظمة الشمولية في التسلط ومصادرة الحريات للشعب العراقي المقهور، ولمست  الواقعية) بأجمل صورها في رواية الكنزة الزرقاء ولآن الروائي فريد الطائي عايش المأساة التراجيدية بأبشع زمكنة مرعبة ابتداء من 1963 وعبر الأسلاك الشائكة المكهربة والملغومة لسنة الأحتلال الأمريكي البغيض 2003، أجاد الروائي البارع الطائي أن يترجم تلك المعاناة بواقعية تقدمية وكـأنهُ تقارب –حسب قناعتي – مع مؤلف رواية " المدرعة بوتيميكين " (نينا أغادزنوفا) الروسي الذي أرّخ للثورة العمالية في مدينة سان بطرس بيرغ 1905، وأعتبرت روايتهُ هذه من أعظم الروايات المحرضة على الثورة، وترجمت حينها إلى فيلم صامت قصير بأخراج (سيرغي أيزينشتاين) .

فكانت المحطة الأولى لفصول روايتهِ الحرب الأيرانية العراقية، أبدى أولى ومضاته الوطنية في سرد لسيرورة هذه الحرب العبثية مبيناً ببراعة حسيّة عقم الحروب وأستلاباتها المرعبة، فقد أعتنى بالمعارك الشرسة التي خاضها الطرفان في ثمانينات القرن الماضي  والتي دامت ثمان سنوات، وهي أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وغطت مآسيها أبادة أكثر من مليون وأكثر من واحد مليون معوّق وأسير ومفقود من العراقيين، وأكثر من مليوني فرد من أيران بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، كما تمّ استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وكشفت مأساة رحيل الجيل الذي أشترك في الحرب من كبار المسؤولين والقادة والضباط والساسة والمشاركين من أطباء ومهندسين وأعلاميين، وطرح الروائي ببراعته وشجاعته سؤالاً ملحاً مطلوب الأجابة عليه من قبل الشعب : هل كانت تلك الحرب ضرورية؟ في عالمٍ بدأت متغيراته ِمن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، هل أستبقتْ الحرب زمنها ؟ وتجيب الرواية " الكنزة الزرقاء " بسلاسة كاتب الرواية بوطنيته اليسارية التقدمية : لقد أفرزت تلك الحرب حالات تأريخية أذ أحرقت الثقة والتي كانت عميقة الجذور بين الطوائف العراقية وأقلياتها فقد أنتجت تلك الحرب صراعات مستمرة وكادت أن تغيّر مسار وحدة الشعب العراقي إلى حربٍ أهلية خصوصا في عامي 2006 و2014 وللأسف الشديد لا زالت الصراعات والمناكفات مستمرة تطفح على الواجهة السياسية بأشكال مختلفة ربما كطائفية أوأثنية أو مناطقية وربما كلها معاً .

وكاتبنا عايش حرائق الغربة تحت خيمة وطنهِ المتهرئة، وأفرز روايةً بزمكنة واقعية لأنهُ عايش جميع الأنظمة معلناً راية الكفاح والتصدي وكسر حاجز الخوف بموصول غرائبي تحت وابل زخات الأوجاع والأستلابات الروحية والجسدية المرعبة وتلك هي مولد الأرادة الجماهيرية في طلب التغيير بانسياقيه نحو الواقعية والأنطلوجية الرقميىة لهندسة أفكاره الثورية ببرمجيات معلوماتية ذات فائدة جمة للجمهور المكتوي بعذابات الشمولية الساحقة لآدمية الأنسانية .

وينقلنا الروائي بسردية نصيّة متقنة إلى الفصل الثاني الأكثر أيلاماً ووجعاً بشكل موجات بربرية متوحشة للنظام الشمولي والديني الراديكالي في أكله للحم البشري الحي كمثل غزوات قندهار وتوروبورو في تغييب الكلمة الحرة في أغتيال الروائي والكاتب اليساري التقدمي كامل شياع مستشار وزير الثقافة العراقية في 23 آب 2008، وأجاد الروائي اليساري الطائي في روايته الكنزة الزرقاء بدوره الأعلامي في التعامل الأنساني في فجيعة أغتيال الكلمة الحرة، يقول: وفُجع كل ضمير حي تنبض شراينهُ بحب الحياة وكل مناضل في العالم بالجريمة الأرهابية المبيتة التي خطفت حياة الشهيد الشيوعي والمناضل اليساري " كامل شياع " وهو صاحب القلم الحر الشجاع الذي أقتحم المشاريع الأمبريالية والظلامية المشبوهة مدافعاً صلباً عن حقوق الأنسان العراقي والعالمي، وكان من أبرز المطالبين ببناء حركة ثقافية جديدة في العراق وفق رؤى علمانية منفتحة حاول أن يغيّرْ المشهد الثقافي بيد أن بعض العقول الفاسدة لا يروق لها ذلك.

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي / ستوكهولم

 

 

كريم مرزة الاسدي1 - قال المنخل اليشكري، وهو: عمر بن مسعود اليشكري،

ولد المنخل في الشعيبة غرب مكة المكرمة، عاش بين (584 - 607م)، أي قتله النعمان بن المنذر، وعمره 23 سنة، وكان من أجمل فتيان العرب، وهذه الأبيات من قصيدته (فتاة الغدر)، كتبت عنه مفصلًا في كتابي (شعراء الواحدة، وشعراء اشتهروا بواحدة):

ان كنت عاذلتي فسيري*** نحو العراق ولا تحوري

لا تسألي عن جل مالي*** وانظري كرمـي وخــيري

ولقد دخلت على الفتا **** ة الخدر في اليوم المطيرِ

الكاعب الحسنــــاء تر***فلُ في الدمقس وفي الحريرِ

فدفعتها فتــــدافعتْ *** مشي القطـــــــــاة الى الغديـر

ولثمتها فتنفـّــــستْ **** كتنفــــــس الظبـــــــي الغريرِ

فدنت وقالت يا منخـــْ*** ـــل مـــــــا بجسمك من حرورِ

ما شفّ جسمي غير وجد **** كِ فاهدأي عنـّــــي وسيري

واحبّــــها وتحبّـــــــني ***** ويحبُّ نــــــــــاقتها بعيري

ولقد شربتّ من المدا ***** مةِ بالقليـــــــلِ وبالكثيـــــــــر

فاذا انتشــــــــيتُ فانّـني ***** ربّ الخورنقِ والســــــــــديرِ

واذا صحوتُ فانـّــــــني****** ربُّ الشـــــــويهةِ والبعيــــرِ

2 - وقال قيس بن الملوح، والملقب بمجنون ليلى (24 هـ / 645م - 68 هـ / 688)، شاعر غزل عربي، من المتيمين، من أهل نجد.

عاش في فترة خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، لم يكن مجنوناً؛ وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها، يقول:

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ *** *فياليتني كنت الطبيب المداويا

وله:

يقولون ليلى بالعراق مريضة ٌ ****فمالك لا تضني وانت صديقُ

سقى الله مرضى بالعراق فأنني**على كلِّ مرضى بالعراق شفيقُ

فأن تك ليلى بالعراق مريضة **** فأني في بحر الحتوف غريقُ

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا *** * ومالي إلى ليلى الغداة طريـقُ

3 - قال عمر بن أبي ربيعة، وهو من مخزوم، قرشي النسب،؛ بل لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل؛ بسبب نشأته في أحضان أمه، التي كانت تشرف على أملاك أبيه الواسعة، فترعرع بين النساء والجواري، ويخاطبهن دون تحرج!! يقول:

بينما يذكرنني أبصرنني **** دون قيد الميل، يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أتعرفن الفتي ؟ ***قالت الوسطي: نعم، هذا عمرْ

قالت الصغرى وقد تيمتها ****** قد عرفناه وهل يخفي القمر

ذا حبيب لم يعرج دوننــــا **** ســـــــــاقه الحين إلينا والقدر

ليت هنداً أنجزتنا ما تَعدْ ****وشَفَتْ أنفسنا مما تَجِدْ

واستبدتْ مــرة ً واحدة ً****إنما العاجز من لا يستبدْ

زَعَموها سَــأَلَت جاراتِها**** وَتَعَرَّت ذاتَ يَومٍ تَبـتَرِدْ

أَكَما يَنعَتُني تُبصِـــرنَني**** عَمرَكُنَّ اللَهَ أَم لا يَقتَـصِدْ

فَتَضاحَكنَ وَقَد قُلنَ لَها ***حَسَنٌ في كُلِّ عَينٍ مَن تَوَد

وَلَها عَينانِ في طَرفَيهِما***حَوَرٌ مِنها وَفي الجيدِ غَيَد

وَلَقَد أَذكُرُ إِذ قُـــلتَ لَها****وَدُموعي فَوقَ خَدّي تَطَّرِد

قُلتُ مَن أَنتِ فَقالَت أَنا مَن ***شَفَّهُ الوَجدُ وَأَبلاهُ الكَمَد

نَحنُ أَهلُ الخَيفِ مِن أَهلِ مِنىً*** ما لِمَقتولٍ قَتَلناهُ قَوَد

قُلــــتُ أَهلاً أَنتُـــمُ بُغيَتُنا ****فَتَسَمَّينَ، فَقالَــت أَنا هِندْ

إِنَّما خُبِّــلَ قَلبي فَاِجتَوى *****صَعدَةً فــي سابِرِيٍّ تَطَّرِدْ

إِنَّما أَهلُكِ جيرانٌ لَنا إِنَّما**** نَحنُ وَهُـــم شَــيءٌ أَحَـــدْ

حَدَّثوني أَنَّها لـــي نَفَثَــت *****عُقَداً يا حَبَّذا تِلكَ العُقَــدْ

كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا***** ضَحِكَت هِندٌ، وَقالَت بَعدَ غَدْ

4 - جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي أبو حزرة، من تميم (653 - 733 م/ 33 - 114هـ).

أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل.

كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.

عاش حوالي ثمانين سنة

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وفاة جرير، على أنه في الأغلب توفي سنة 733م/114هـ وذلك بعد وفاة الفرزدق بنحو أربعين يومًا، وبعد وفاة الأخطل بنحو ثلاث وعشرين سنة.

لم يكن غزل جرير فنا مستقلا في شعره، فقد مزج فيه أسلوب الغزل الجاهلي بأسلوب الغزل العذري. فيقول:

بَانَ الخَليطُ، وَلَوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا *** وقطعوا منْ حبالِ الوصلِ أقرانا

حَيِّ المَنَـــازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَــدَلاً*** بِالدارِ داراً، وَلا الجِيــرَانِ جِيرَانَا

كصاحبِ المــوجِ إذْ مالتْ سفينتهُ****يدعو إلى اللهِ إســراراً وإعلانا

تُهدي السّلامَ لأهلِ الغَوْرِ من مَلَحٍ ***هَيْهَاتَ مِنْ مَلَحٍ بالغَوْرِ مُهْدانَا

أحببْ إلى َّ بذاكَ الجزعِ منزلــة ****بالطلحِ طلحاً وبالأعطانِ أعطانا

يا ليتَ ذا القلبَ لاقى منْ يعللـــهُ ****أو ســاقياً فسقاهُ اليومَ سلوانا

أوْ لَيْتَهَا لــــمْ تُعَلِّقْنَا عُلاقَتَـــهَا****وَلَمْ يَكُنْ داخَــــلَ الحُبّ الذي كانا

قالَتْ: ألِمّ بِنا إنْ كنتَ مُنْطَلِقـــــاً*****وَلا إخالُكَ، بَعــــدَ اليَوْمِ، تَلقانَا

يا أمَّ عمرو جـــزاكَ اللهُ مغفرة ******رُدّي عَلَيّ فُؤادي كالّذي كانَـا

ألستِ أحسنَ منْ يمشي على قدمٍ ***يا أملحَ الناسِ كلَّ الناسِ إنساناً

يلقى غريمكمُ منْ غيرِ عســرتكمْ ****بالبَذْلِ بُخْلاً وَبالإحْسَانِ حِرْمانَا

قد خنتِ منْ لمْ يكنْ يخشى خيانتكْ *****ما كنتِ أولَ موثوقٍ به خانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتى تهيمنــــى ****لا أستطيعُ لهــذا الحـــبَّ كتمانا

لا بَارَكَ الله في الدّنْيَا إذا انقَطَعَتْ *****أسبابُ دنياكِ منْ أسبابِ دنيانا

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَــــوَرٌ****قتلننا ثــمَّ لـــــمْ يحيـــينَ قتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ بـــهِ*****و هنَّ أضعفُ خلقْ اللهِ أركانا

يا حبذا جبلُ الريــــانِ منْ جبلٍ *****وَحَبّذا ســـاكِنُ الرّيّانِ مَــــنْ كَانَا

وَحَبّذا نَفَحَاتٌ مِــــــنْ يَمَانِية ******تأتيكَ مــــن قبــــلَ الريــانِ أحيانا

هبتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمْ ******عندَ الصفـاة ِ التي شرقيَّ حورانا

أزْمانَ يَدعُونَني الشّيطانَ من غزَلي****و كنَّ يهوينني إذْ كنتُ شيطانا

5 - عروة بن أذينة، فقيه المدينة شيخ الإمام الإمام مالك بن أنس (ت 130 هـ / 748م)

يا عصرنا كيف عاشوا عصرهم ؟؟!!، لو تجرأ شاعر في أيامنا هذه وقالها بالرغم من عفّة فائلها، لحكم عليه بالزنا رجماً، بحجّة أنّه اعتراف ضمني، و إقرار على النفس علني...!! إليك قصيدته الغزلية بادئاً، تمتع به، والله كريم ...!!

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لهـا *******لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

ولعمرها لو كان حبّــك فوقها **** يومـــاً وقد ضحيت إذاً لأظلّهـا

وإِذا وَجَدْتَ لها وَساوِسَ سَلْوَة ٍ ** شَفَعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها

بَيْضاءُ باكَرها النعيـمُ فَصاغَها ******بلباقَــــــة ٍ فأَدَقَّــــها وأَجَلَّها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ٌ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلت لصـاحبي: ******** ماكان اكثرها لنا... وأقلّـها

فدنا، وقال: لعـلها معذورةٌ ***** فـي بعض رقبتها... فقلت: لعلّـها

6 - أبو نؤاس هو الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن وهيب ويقال الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح أبو علي الحكمي المعروف بأبي نواس الشاعر مولى الجراح بن عبد الله الحكمي.

عاش بين أواخر (139 هـ - 199 هـ / 757 م - 815 م)

تهافت على اقتناص اللذائذ الجنسية والجسدية قبل فواتها ! فتطلع إلى الجواري، يراسلهن، ويتوسل إليهن، ناصبا الشراك لجذبهن: أين الجواب ,وأين رد رسائلي *** قالت ستنظر ردها من قابلِفمددت كفي ثم قلت تصدقوا ****** قالت نعم بحجارة وجنادلِان كنت مسكينا فجاوز بابنا **** وارجع فمالك عندنا من نائلِيا ناهر المسكين عند سؤاله **** الله عاتب في انتهار الســائل

ولكن أبا نواس لم يتمتع بمؤانسة حبيبته الجارية  (جنان)، ولا حتى رؤيتها إلاّ بلمحات خاطفة، ومن هذه المصادفات الصعبة، رآها تلطم بمأتم، فقال فيها هذه الأبيات الرائعة:

يا قمراً أيصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بين أترابٍ

يبكي فيذري الدرّ من نرجسٍ *** ويلطم الوردَ بعنّابِ

لا تبكِ ميتاً حلَّ في حفرةٍ **** وابكِ قتيلاً لكِ بالبابِ

إليك مقاطع من قصيدته الرائية الأولى بروعة مطلعها، وحسن ختامها، وما بينهما من حسن التخلص، والتشبيه البليغ، وقبل هذا وذاك عبقرية القصيد في بحرها الطويل :

أجارة َ بَيْتَيْنَا أبوكِ غَيورُ،**** وميْسُـــورُ ما يُرْجَى لديْكِ عسِيرُو إن كنتِ لا خِلماً ولا أنتِ زوْجة ٌ** فلا برحَتْ دوني عليكِ ستُورُوجاوَرْتُ قوْماً لا تزاوُرَ بينهمْ ****ولا وَصْلَ إلاّ أن يكونَ نُشُورُفما أنا بالمشْغُوفِ شَرْبَة َ لازِبٍ ****ولا كلّ ســــلطانٍ عليّ قَديرُوإنّي لِطَرْفِ العينِ بالعينِ زَاجِرٌ*** فقد كدْتُ لا يخْفى عليّ ضميرُتقولُ التي عن بيتها خفّ مرْكبي:****عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟ ***** بلى إنّ أسْبـــاب الغِنَى لكثيرُفقلتُ لها: واستعجلَتْها بَوَادِرٌ ***جرتْ، فجرى فــي جرْيهِنّ عبيرُذريني أكَثّرْ حاسديكِ برِحْلَةٍ ****** إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ

إذا لم تَـزُرْ أرْضَ الخصِيبِ ركابُنا ** فـأيّ فتـى،بعـدَ الخصيبِ، تَزُورُ

7 - ابن زيدون وولّادته:

ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور، ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ)، وتوفي (1071م/463هـ ).

والولادة بنت الخليفة المستكفي، ولدت في مدينة قرطبة، عاشت بين (994 م - 1091م)، وكانت بارعة الجمال، ولم تتزوج، شاعرة وأديبة.

كانت الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاًأمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

وفي أول لقاء ابن زيدون بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ويودّعها عند الانصراف بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعكيقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْيا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْإن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

8 - البحتري (205 هجري - 284 هجري): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي.

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب في سوريا، له في الحب:

حبيبي حبيبٌ يكتم الناس أنّه *** لنا حيـن تلقانا العيـون حبيبُ

يباعدني في الملتقى وفؤاده *** وإن هـو أبدى لي العباد قريبُ

ويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ * إذا خاف عينًا أو أشار رقيب

فتنطق منا أعينٌ حيــن نلتقي *****وتخرس منــا ألسنٌ وقلــوبُ

وقال:

ويا مُدرِكَ عينيه ليقتلني *** إنّي أخاف عليكَ العين من عيني

ليت ما بين من أحب وبيني ***** مثل ما بين حاجبي وعيني

وقال في حبيبته:

سَلامُ اللهِ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ **** عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَاماً*** بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا ***** أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي **** بِنَا الهِجرانُ عاماً بَعْدَ عامِ

أَأَتَّخِذُ العِراقَ هويً وداراً **** ومَن أَهواهُ في أَرضِ الشآم؟

9 - أبو الفضل العباس بن الأحنف الحنفي اليمامي النجدي (103 - 189 هـ)، شاعر عربي عباسي وُلِد في اليمامة بِنجد وعِندما مات والده انتقل من نجد إلى بغداد ونشأ بِها وعاش مُتنقلاً ما بين بغداد وخراسان.

أحب فتاة سماها فوز لأنها كانت كثيرة الفوز بالسباقات والمنافسات لكي لا يصرح باسمها الحقيقي.

خالف الشعراء في طريقتهم فلم يتكسب بالشعر، وكان أكثر شعره بالغزل (شعر) والنسيب والوصف، وهذه أبيات مختارة من قصيدته عن فوز: ....

يا دارَ فوزٍ لقَد أورَثتِني دَنَفا ****وزادَني بُعدُ داري عنكُمُ شغَفَا

حتى متى أنا مكروبٌ بذكرِكُمُ ***أُمسِي وأُصبحُ صَبّاً هائماً دَنِفا

لا أستريحُ ولا أنساكمُ أبداً ****ولا أرى كرْبَ هذا الحبِّ مُنكشِفا

ما ذُقتُ بعَدَكمُ عيشاً سُرِرْتُ به ***ولا رأيتُ لكم عِدْلاً ولا خلفا

إنّي لأعجبُ مــــن قلبٍ يحبُّكُمُ ****وما رأى منكُمُ بِــرّاً ولا لَطَـفا

لوْلا شَقاوَة ُ جَدّي ما عرَفتُكُمُ **إنّ الشّقيَّ الذي يشقى بمن عرفا

ما زِلتُ بَعدَكُـــمُ أهذي بذكركـمُ****كأنَّ ذكرَكمُ بالقلبِ قـــد رُصــفا

لوكانَ ينساهمُ قلبـــــي نسيتهمُ ****لكنّ قَلـبي لَهُمْ والله قـــــد ألِفَا

أشكو إليكِ الذي بي يا مُعَذِّبَتي **وَما أُقاسِي وما أسطيعُ أن أصِفَا

طافَ الهَوَى بعِبـــــادِ الله كُلّهِمُ ****إذا مرَّ بي مـــــن بينهم وقـــفا

إذا جحدتُ الهوى يوماً لأدفنهُ ***في الصّدر نمَّ عليّ الدّمعُ معترفا

10 - بشار بن برد:

بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ - 168 هـ)، أبو معاذ، شاعر مطبوع. إمام الشعراء المولدين، ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى، وكان من فحولة الشعراء، له في الغزل:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ**** وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيـانا

قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم** الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا

هَل مِن دَواءٍ لِمَشغُوفٍ بِجارِيَـــةٍ**** يَلقَى بِلُقيانِها رَوحـــاً وَرَيحـــانا

وكتب هذا البشار بن برد البصير الخبيث إلى قينة كان يهواها:

هَل تَعلَمينَ وَراءَ الحُبِّ مَنزِلَــــةً*** تُدنــي إِلَيكِ فَإِنَّ الحُـــبَّ أَقصانـــي

يا رِئمُ قولي لِمِثلِ الرِئمِ قَد هَجَرَت** يَقظى فَما بالُها في النَومِ تَغشاني

لَهفي عَلَيها وَلَهفي مِن تَذَكُّرِهـــــا **** يَدنــــو تَذَكُّرُها مِنّـي وَتَنـــآني

إِذ لا يَزالُ لها طَيــــفٌ يُؤَرِّقُنـــي**** نَشوانَ مِن حُبِّها أَو غَيرَ نَشوانِ

فكتبت إليه، الأخبث منه، لأنها ما وجدت فيه وسامة:

نعم أقول وراء الحب منزلة *** حب الدراهم يدني كـــــــل إنسانِ

من زاد في النقد زدنا في مودته*** لا نبتغي الدهر إلا كل رجحانِ

11 - الشريف الرضي:

أبو الحسن، السيد محمد بن الحسين بن موسى، ويلقب بالشريف الرضي (359 هـ - 406 هـ / 969 - 1015م)، شاعر وفقيه ولد في بغداد وتوفي فيها. عمل نقيباً للطالبيين حتى وفاته، من غزله هذه المقطوعة الرائعة:

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ *** وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي البـــاكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ *** بَــــعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَــــرَبٌ *** عَلى الرِحـــــالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ *** سهم أصاب وراميه بذي سلم

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ **** يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ* * يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

12 - ابن الرومي:

هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، وقيل جورجيس، ولد ومات مسمومًا في بغداد، بإيعاز من الوزير القاسم بن عبيد الله، (221 - 283 هـ)، من عباقرة الشعر الخالدين، وهذه أبيات من قصيدته المطولة عن (وحيدة المغنية):

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَــتْني وَحيــــدُ *** ففؤادي بـــها معنَّى عميدُ

غادة ٌ زانها من الغصن قـــدٌّ **ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

أوقد الحسْنُ نارَه من وحيـــدٍ ***فوق خدٍّ ما شَانَهُ تخْدِيدُ

فَهْيَ برْدٌ بخدِّها وســــلامٌ ****وهي للعاشقين جُهْدٌ جهيدُ

لم تَضِرْ قَطُّ وجهها وهْو ماءٌ **وتُذيبُ القلوبَ وهْيَ حديدُ

وغَريرٍ بحسنها قــــال صِفْها ***قلـت أمْران هَيِّنٌ وشديدُ

يسهل القول إنها أحسن الأشْـ ***ياءِ طُرّاً ويعْسرُ التحديدُ

لِيَ حيْث انصرَفتُ عنها رفيقٌ *من هواها وحيث حَلَّتْ قَعِيدُ

عن يميني وعن شمالي وقُدّا **مي وخلفي، فأين عنه أحيدُ

13 - أبو فراس الحمداني:

هو أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الرَّبَعي،(320 - 357 هـ / 932 - 968 م). شاعر وقائد عسكري، له في الحب والغزل:

أساء فزادته الإساءة حظوة *** حبيب على ما ما كان منه حبيب

يعد علي الواشيان ذنوبه *******ومن أين للوجه الجميل ذنوب

وهذه القصيدة الخالدة، تبدو قصيدة عشق ولوعة، ولكنها قصيدة فخر وحماسة، ينوّه فيها ببطولاته وشجاعته أمام سيف الدولة الحمداني، غنّتها كوكب الشرق، أم كلثوم:

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ ***أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعـــــة ٌ***ولكنََّ مثلي لا يــــذاعُ لـهُ سرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ** وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بـــينَ جَوَانِحِي ****إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونــــهُ ****إذا مِــتّ ظَمْآناً فَلا نَـزَل القَطْرُ

14 -المتنبي:

أبو الطيب، أحمد بن الحسين الجعفي الكندي (303 - 354 هـ/ 915 - 965م)، الرائد الأول للشعر العربي:

لعَيْنَيْكِ مــا يَلقَـى الفُؤادُ وَمَـــا لَقــي*** وللحُبّ ما لـــم يَبــقَ منّي وما بَقــي

وَما كنــــتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَـــه***وَلكِنّ مَــــن يُبصِرْ جفونَـــكِ يَعــشَقِ

وَبينَ الرّضَى وَالسُّخطِ وَالقُرْبِ وَالنَّــــوَى** مَجَــــالٌ لِدَمْــعِ المُقْلَةِ المُتَرَقرِقِ

وَأحلى الهَوَى ما شكّ في الوَصْلِ رَبُّهُ** وَفي الهجرِ فهوَ الدّهرَ يَرْجو وَيَتّقي

وله:

فإن قليل الحب بالعقل صالح ****. وإن كثير الحب بالجهل فاسد

وله:

وفي الأحباب مختص بوجد ***وآخر يدعي معها شتراكا

إذا اشتبكت دموع في خدود **تبن م***ن بكى ممن تباكا

وله في الأميرة خولة أخت سيف الدولة الحمداني:

ﻛﺘﻤﺖُ ﺣـﺒّﻚ ﺣﺘﻰ ﻣﻨْﻚِ ﺗﻜﺮﻣــﺔً**** ﺛﻢَّ ﺍﺳﺘﻮﻯ ﻓﻴﻪِ ﺇﺳﺮﺍﺭﻱ ﻭﺇﻋﻼﻧﻲ

ﻛﺄﻧَّﻪ ﺯﺍﺩَ ﺣﺘّﻰ ﻓﺎﺽَ ﻋﻦْ ﺟﺴﺪﻱ** ﻓﺼﺎﺭَ ﺳﻘﻤﻲ ﺑﻪِ ﻓﻲ ﺟﺴﻢِ ﻛﺘﻤﺎﻧﻲ

15 - ابن الدمينة:

ابن الدمينة الخثعمي، شاعر أموي توفي سنة 747م

وهو عبد الله بن عبيد الله ابن الدمينة، وينادى تلقيبا بأمه الدمينة بنت حذيفة من بني سلول)، وكنيته (أبا السري). كان جميل الخلقة، فصيح اللسان، شديد الغيَرة، من شعراء الغزل العفيف العذري، من أشهر قصائده:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد***لقد زادني مسراك وجدا على وجد

إذاهتفت ورقاء في رونق الضحى**على غصن بان او غصون من الرند

بكيت كما يبكي الوليد ولم أكــــن***جليدا وأبديـــت الذي لم أكـــن أبـــدي

وله، وقيل لقيس بن ذريح الكناني (صاحب لبنى) كما في - توفي 680م:

هل الحب إلا عبرة بعد زفرة ***وحر على الأحشاء ليس له برد

وفيض دموع تستهل إذا بدا *** لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو

16 - حازم القرطاجي:

وهو أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني (1211 - 1284م)، كان شاعرًا وأديبًا أخذ عن أبي علي الشلوبين وعنه.، له - وتروى لزيادة بن زيد شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام-:

وإذا هويت فلا تكن متهالكا *** في الحب بل متماسكا كي تنتجي

فالحب مثل البحر يأمن من مشى *** في شطه ويخاف كل ملجج

فاسلك سبيل توسط فيه تصب***** وإلى التبسط فيه لا تستدرج

17 - زيادة بن زيد:

شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام، ينتمي إلى بيت شعر فأخوه عبد الرحمن شاعر، وابنه المسور شاعر أيضاً.

كان زيادة يميل إلى شعر المطولات، قتل على يد هدبة بن خشرم سنة 54هـ. يروي ابن عساكر في تاريخه (ج 34 ص 375)، الأبيات التالية له:

إن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ***** تقلب عصريه لغيـر لبيـب

فلا تيئسن الدهر من وصل كاشح ** ولا تأمنن الدهر صرم حبيب

وليس بعيدا كل آت فواقعٌ****** ولا ماضياً مـن مفـرحٍ بقـــريب

وكل الذي يأتي فأنت نسيبهُ*** ولســـت لشيء قـد مضى بنسيب

18 - ابن الفارض:

بن الفارض، هو أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، أحد أشهر الشعراء المتصوفين، وكانت أشعاره غالبها في العشق الإلهي حتى أنه لقب بـ "سلطان العاشقين". والده من حماة في سوريا، وهاجر لاحقاً إلى مصر.

ولد بمصر سنة 576 هـ الموافق 1181م، وتوفي   سنة 632هـ / 1235م، له:

قلْبـــي يُحدّثُني بـــأنّكَ مُتلِــــفي ***روحي فداكَ عرفتَ أمْ لــــمْ تــعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي*** لم أقضِ فيهِ أسى، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ****في حبِّ مـــنْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فــــقد أسْعَفْتَني****يا خيبـة َ المســعى إذا لـــمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنــــامِ، ومانحي ****ثوبَ السِّـــقامِ بهِ ووجدي المتلفِ

عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي ***منْ جِسميَ المُضْنى، وقلبي المُدنَفِ

وبما جرى في موقفِ التَّوديعِ منْ ****ألمِ النّــــوى، شاهَدتُ هَولَ المَوقِفِ

إن لم يكُنْ وَصْلٌ لَدَيكَ، فَعِدْ بــــهِ ******أملي وماطلْ إنْ وعــــدتَ ولاتفي

19 - السيد جعفر الحلي مات أواخر القرن التاسع عشر (1897 م / 1315 هـ )، وعمر 36 سنة، أي مواليد 1861م جيراننا ومن مدح أجداننا بالعديد من القصائد الرائعة ما بين مطوّلات ومقطوعات ونتف، يقول هذا في أوج عصور الطلام

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منـــك لموضع التقبيـل ِ

رشأ اطل دمي وفي وجناته***** وبشأنه اثـــــر الدم المطلـول

يا قاتلي باللحظ اول مـــــرةٍ ***** اجهــز بثانيـة على المقتول

ولأن أحاسيسها صادقة مؤثرة !!،غناها يوسف عمر وناظم الغزالي وسعدون جابر وكاظم الساهر،،لذا غناها كمقام، يوسف عمر، وناظم الغزالي، وسعدون جابر، وكاظم الساهر.

20 - بدر شاكر السياب ولد في محافظة البصرة في جنوب العراق، عاش بين (25 ديسمبر 1926 - 24 ديسمبر 1964)، شاعر عراقي يعد واحداً من الشعراء المشهورين في الوطن العربي في القرن العشرين، كما يعتبر أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي. أبياته (عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحرْ) من قصيدته (إنشودة المطر)، تُعد أجمل وصف للعيون في تاريخ الأدب العربي بجميع عصوره:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكرومْ

وترقصُ الأضواءُ، كالأقمارِ في نهَرْ

يَرُجُّهُ المجذافُ وهْنًا ساعة السَّحَرْ

كأنَّما تنبضُ في غوريهما، النّجومْ

وتغرقانِ في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقَهُ المساءْ

دفءُ الشتاء فيه وارتعاشةُ الخريفْ

والموت، والميلادُ، والظلامُ، والضياءْ

فتستفيقُ ملءَ روحيْ، رعشةُ البُكاءْ

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانقُ السَّـــــماء

كنشوة الطفل إِذا خافَ منَ القمرْ!

كأنَّ أقواسَ السَّحابِ تَشَربُ الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوبُ فــــــي المطرْ

21 - براهيم ناجي:

شاعر مصري ولد في 31 ديسمبر 1898م في حي شبرا في القاهرة، وتوفي عام 1953م، عندما كان في الخامسة والخمسين من العمر.[2] كان طبيبا وكان والده مثقفاً، مما ساعده على النجاح في عالم الشعر والأدب. هذه مقاطع من قصيدته (الأطلال) الشهيرة، التي غنّتها أم كلثوم كوكب الشرق.

يا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى **** كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ ** وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً ***** وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى

وَبِسَاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ ******** هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى

***

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني ** بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ

وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ ** مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْقْ

آهِ يَا قِيْلَةَ أَقْدَامي إِذَا **شَكَتِ الأَقْدَامُ أَشْوَاكَ الطَّرِيْقْ

وبريقاً يظمأ الساري له** أين في عينيك ذياك البريق ؟

***

كُنْتِ تِمْثَالَ خَيَالي فَهَوَى ******* المَقَادِيْرُ أَرَادَتْ لاَ يَدِي

وَيْحَهَا لَمْ تَدْرِ مَاذا حَطَّمَتْ ** حَطَّمَتْ تَاجي وَهَدَّتْ مَعْبَدِي

يَا حَيَاةَ اليَائِسِ المُنْفَرِد ِ ********* يَا يَبَاباً مَا بِهِ مِنْ أَحَدِ

يَا قَفَاراً لافِحَاتٍ مَا بِهَا ********* مِنْ نَجِيٍّ يَا سُكُونَ الأَبَدِ

***

أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ **** فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ

وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً ** ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ

عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى**سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ

مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ ***** لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ

22 - نزار قباني:

ديبلوماسيّ، وشاعر، وناشر سوريّ، ولد في 21 مارس/آذار 1923 في دمشق، وتوفّي في 30 أبريل/نيسان 1998 في لندن، ودفن في دمشق، ويعدّ أحد أبرز وأشهر الشّعراء العرب، وأكثرهم جدلاً في العصر الحديث.

الحبُّ يا حبيبتي:

الحبُّ يا حبيبتي قصيدةٌ جميلةٌ مكتوبةٌ على القمرْ

الحبُّ مرسومٌ على جميع أوراق الشجرْ

الحبُّ منقوشٌ على ريش العصافير وحبات المطرْ

لكن أيّ امرأةٍ في بلدي إذا أحبتْ رجلاً تُرمى بخمسين حجر.

........................

اختاري

إني خيرتُك فاختاري

ما بين الموت على صدري

أو فوق دفاتر أشعاري

اِختاري الحبَّ أو اللاحبَّ

فجُبنٌ ألا تختاري

لا توجدُ منطقة وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنارِ

اِرمي أوراقكِ كاملة

وسأرضى عن أيِّ قرارِ

قولي. اِنفعلي. اِنفجري

لا تقفي مثلَ المسمارِ

لا يمكنُ أن أبقى أبدا

كالقشّةِ تحتَ الأمطارِ

غوصي في البحرِ أو ابتعدي

لا بحرٌ من غيرِ دوارِ

الحبُّ مواجهةٌ كبرى

إبحارٌ ضدَّ التيارِ

صَلبٌ.. وعذابٌ.. ودموعٌ

ورحيلٌ بينَ الأقمارِ

23 - محمد مهدي الجواهري:

هو محمد مهدي بن عبد الحسين الجواهري، شاعر عراقي يعتبر من بين أهم شعراء العرب في العصر الحديث، ويلقب شاعر العرب الأكبر. ولد في النجف الأشرف 26 تموز 1899م، وتوفي بدمشق  27 تموز 1997م.، في  أواخر عشرينات القرن المنصرم، نظم قصائد خليعة، مثل (عريانة)، و(جربيني)، وغيرهما، وهذه أبيات من (جربيني):

جرّبيني منْ قبلِ انْ تزدَريني ***وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني

ويَقيناً ستندمينَ علـــــى أنَّكِ ****من قبلُ كنتِ لــمْ تعرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *****وتقاطيعِه جميعَ شؤوني

أنا لي في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزين

قبلكِ اغترَّ معشرٌ قرأونــــي *****مــن جبينٍ مكَّللٍ بالغُصونٍ

وفريقٌ من وجنتينِ شَحوبين *****وقدْ فاتتِ الجميعَ عُيوني

إقرأيني منها ففيها مطاوي النفسِ******طُراً وكلُّ سرٍّ دَفين

فيهما شهوةٌ تثورُ . وعقلٌ *****خاذِلي تارةً وطوراً مُعيـــني

فيهما دافعُ الغريزةِ يُغريـــــني *****وعدوى وراثـــةٍ تَزويني

أنا ضدُّ الجمهور في العيشِ**والتفكيرِ طُرّاً . وضدُّه في الدِّين

التقاليدُ والمداجاةُ في الناسِ *******عدوٌّ لكلِّ حُــــرٍّ فطيـــــن

وأنا ابن العشرين مَنْ مرجِعٌ لي ****إنْ تقضَّتْ لذاذةَ العشرين

أخذتني الهمــــــومُ إلّا قليلاً *****أدركيني ومــن يديها خذيني

وأنا في جهــــــنَّمٍ معَ أشياخٍ *******غــــواةٍ بِغيَّهــمْ غمروني

ودعيني مُستعرضاً فــــي جحيمي ******كلَّ وجهٍ مُذمَّمٍ ملعون

عن يساري أعمى المعرَّةِ و(الشيخُ) *الزهاويُّ مقعداً عن يميني

إنزليني إلى(الحضيضِ) إذا ما شئتِ ****أو فوقَ ربوةٍ فضعيني

كلُّ مافي الوجودِ من عقباتٍ * ** * عن وصولي إليكِ لا يَثنيني

إحمليني كالطفلِ بين ذِراعيــكِ * ****احتضاناً ومثلَــــــه دَّلليني

وإذا ما سُئلتِ عني فقولـــــي ****ليسَ بِدعاً إغاثـــــةُ المسكين

لستُ أُمّاً لكـــنْ بأمثالِ (هذا) *******شاءتِ الأُمهات أنْ تبتليني

اِلطمِيني (إذا مَجُنتُ فعمداً) ******أتحرَّى المجونَ كي تَلْطمِيني

وإذا ما يدي استطالتْ فمِنْ شَعركِ *******لُطفاً بخُصلةٍ قيِّديني

ما أشدَّ احتياجةِ الشاعر الحسَّاسِ ******يوماً لساعةٍ مِن جنون

 

كريم مرزة الأسدي

 

1068 talal2مما يميز التجربة الشعرية طلال الغوار في المجموعات الشعرية التي أصدرها من قبل تفاعله مع المكان والزمان معا، وإحساسه العالي بتجلياتهما من خلال الأحداث التي حفرت في الذاكرة ولم تغادرها، ليترجمها الشاعر إلى صور حيوية وفاعلة تعبر بصدق عن واقع مؤلم، إذ يتمظهر الوجود في شعره في صورة سـؤال تارة وتأمل ونقـد وبحث عن الحقيقة والجمال، فهو يحلم بقلب يتسع لعشق كل ما هو جميل، لتنساب الكلمات والعبارات والصور المحملة بالحب، وما تمتلكه من قدرة في إحداث الدهشة، فالشاعر يتحسس الخراب ويبادر في ترميم الروح وبناء الامل لما يمتلكه من حساسية الطفل الذي لم يغادره .

وفي كتابه الأخير (انثيالات) يكسر الشاعر طلال الغوار المألوف ليقدم مجموعة من القصائد و المقالات أدبية والثقافية التي يحاول فيها طرح آرائه في بعض القضايا التي تثير الجدل في الساحة الثقافية، فضلا عما يحمله الواقع من أحداث، وقد أضاف الشاعر العنوان الرئيس (انثيالات) إلى (الشعر، الطفولة، الحياة) دلالة على ان هـذه الانثيالات التي يقدمها الشاعر هي حسرات وآلام وآمال وأفكار، أراد الشاعـر التصريح بها بعـد أن كان يلمح بها في ثنايا قصائده، فجاء الكتاب على شكل مقاربات في الشعر والتلقي، إيمانا منه على حد رأي أرسطو بأن الغرض من الفن هو تجسيد الجوهر السري للأشياء وليس استنساخ أشكالها، ومن هنا جاءت القصائد التي تضمنها الكتاب لتلامس هواجس الشـاعر، وارتباطه بجوهـر الحـب والطبيعة والطفولة مـن خـلال البحث في الذاكرة عـن صور لهذه الثيمات لتشكل معادلا موضوعيا لما يتطلع إليه الآن، وهـذا ما نجده في قصائد (انا عندي حنين ما بعرف لمين، قصيدتان، بوح، قصائد، لصوص، الأقاصي، حلم، الليل، قصائد ) اذ تشـكل الحياة بمفرداتها وتفاصيلها ركيزة واضحة في هـذه القصائد، فضلا عـن المكان متمثـلا بالطبيعـة التي يسـقط عليها الشاعر مشاعره وانفعالاته، ولا ننسى الطفولة التي لم تغادر أحلام الشاعر وتطلعاته، اذ طالما اتخذها فضاءً يهرع إليه تحت وطأة الواقع بقسوته وعنفه، اذ يقول في قصيدة (انا عندي حنين ما بعرف لمين ...) التي يقول فيها :

ما أغربك أيها الحنين

لا أعرف إلى أين تمضي بي

وتحط رحالك

ربما نحو صبي كنته يوما

يجلس عند نهر

وهو يتصفح موجاته

ليقرأ وصاياه

ثم يقول في آخر القصيدة:

هل كنت ابحث عن ذات

أرهقها سفرٌ

في الحب

وفي الشعر

سفر في الحرب

أم كنت استشرف اللامرئي

من الآتي

فالشاعر يتعجب من ذلك الحنين الذي يأخذه عبر الذاكرة إلى الطفولة يحث الأمل (يقرأ وصاياه) ليعود في آخـر القصيدة ليصور رحلة المنفى للبحث عـن الحب، عبـر الشـعر ثم الحرب التي بعثرت الأحلام والآمـال لتتلاشى الرؤية في الأفق، ويأتي الاستفهام ليعكس حيرة الشاعر في رحلة بحثه عن ذاته فهل أرهقها سفر في الحب والشعر أم سفر في الحرب ؟ وهـذه الحيرة يؤكدها قوله (كنت استشرف اللامرئي مـن الآتي) فالصور التي تحققت بفعل الانزياح شـحنت المفردات بطاقة شـعرية عالية، حققها الشاعر مـن خلال استثمار السياق وما يمنحه للمفردات من دلالات جديدة، فضلا عـن التناص الموجود في عنوان القصيدة الذي يحيل الى اغنية المطربة فيروز، وهذا التوظيف قصد فيه الشاعر الحنين الى الماضي .

الوطن ... الطفولة .. الحلم.. الحياة قصائد بطعم الحزن

تشكل هـذه الثيمات هاجسا يؤرق الشاعر طلال الغوار أينما حل في وطنه أم في غربته، فتراه يعود إليها بين قصيدة وأخرى، وتكاد لا تخلو قصيـدة منها، ففي قصيدة عنونها بــ (قصائد) جعلها في تسـعة عشـر مقطعا خصص بعضا منها لهذه الثيمات فجاءت عبارة عن قصائد ومضة مكثفة ومؤثرة إذ يقول في بعضها:

2

أيتها البلاد

أية ظلمة ستندحر غدا

بخطوات أحلامنا

5

كن طفلا

كي ترى

ما لا يراه الآخرون

6

لم يعد لي مكان

أقيم فيه

أنا سفر دائم

في الكلمات

9

أفقٌ ضيق

ولحلمي

ترانيمه الواسعة

19

أحبابي أصحابي

بعد أن اختطفتهم أجنحة الغياب

ما زال قلبي يمتلئ بهم

لكنهم جميعا موتى

ها انا

احمل مقبرة في صدري

فهذه المقاطع عبارة عن قصائد ومضة نستطيع ان نضع لها عنوانات قصدها الشاعر واتضحت من خلال اللغة فالقصيدة رقم (2) الوطن: إذ يعبر فيها الشاعر عن خوفه على مستقبل الوطن الذي عبر عنه بالأحلام، والقصيدة رقم (5) الطفولة: فالشـاعر يرى أن الطفولة تمثل البراءة والنقاء والصدق، لذلك نرى مـن خلالها مـا لا يراه الآخرون، والقصيدة رقم (6) الغربة: التي التي جعلت من الشاعر بغياب الوطن سفراً دائما في الكلمات إذ يبحـر في القصيدة هربا من الواقع، والقصيدة رقم (9) الحلم: الذي لا يتسع الواقع لمفرداته، ويؤدي التضاد هنا وظيفة المفاجأة من خلال ما ينتج عنه من فجوة تخلق مسافة للتوتر، وفي القصيدة (19) الذكرى التي يختم بها الشاعر انطباعاته عـن الواقع في مكان وزمان محددين، إذ يمزج بين خسـائر الوطن بغياب الأحبـة والأصحاب وبين حضور الذاكرة التي يصور فيها استمرارية الحزن والألم، إلا انه يمزج أحيانا ذكرياته الشخصية برؤاه الذاتية ليرسم يوتوبيا خاصة في قصائده .

ورغبة منه في تعزيز ما يطرحه في النصوص الشعرية في هذا الكتاب، يقدم الشاعر طلال بعض المقالات التي تأتي أحيانا بعد النصوص الشعرية التي يعالج فيها الثيمات نفسها التي عالجها شعرا، مثل (حزن الصورة، وداعا أيها الشاعر الرائع، ثقافة الذاكرة، غرائب، غياب، سفر، دائما اعلق وجهي على الأشجار، بيت الطفولة صباح دمشق لا تقرأه إلا شعرا، بغداد بعد 2003 شارع المتنبي، لا بغداد في بغداد 2005) ففي هذه المقالات يعـود الشاعر ليعبر عن تلك الموضوعات التي طالما أرقته مثل : الوطـن والموت والذاكـرة والغربـة والسـفر والطبيعة والطفولة وبغداد، فهو يرى أن (الصورة القديمة تبعث فينا إحساسا بالانتماء الى الزمن المتصل في حقيقته بنا لأنه يشكل جزءا من تكويننا الممتد إلى ذلك الزمن) وفي وداع الشاعر وليد دحام الذي غيبه الموت يعبر الشاعر عـن عدم مفاجأته بالخبر لأن الموت اقترن بالعراق ويستحضر موت مئات الآلاف من العراقيين لكنه سرعان ما يعود الى مستودع ذاكرته، ليسترجع ذكرياته مع صديقه الفقيد بما تضمنته من مواقف وأحداث، ويتكرر هذا الأمر في مقالة (سفر)، التي يستحضر فيها الطفولة بما تمثله له مـن يتوبيا يحلم بها، ومما تتميز به هذه المقالات هيمنة اللغة الشعرية تارة، والحوار الذاتي والسرد تارة اخرى، وقد حاول من خلالها التعبير عن رأيه في الواقع الذي مر به الوطن، وما حل به مـن خراب خلفه الاحتلال، فضلا عـن واقع الثقافة التي عرج عليه في أكثر مـن مقال مثل (غرائب، غياب) مؤكدا أن دور الثقافة يجب أن يكون فاعلا في الارتقاء بواقع المجتمع، ولا يكون ذلك إلا من خلال المثقف الحقيقي الذي يأخذ على عاتقه انتشال الثقافة الى مستويات الرقي والتقدم .

الشعر والتلقي بين المفهوم والرؤية:

ومن الانثيالات التي أطلق الشاعر طلال الغوار لها العنان في هـذا الكتاب مقالات في القضايا التي تتصل بالشعر والتلقي، التي تثير جدلا واسعا بين الشعراء والنقاد، مثل ما يسمى بقصيدة النثر والتلقي ومفهوم الشعر، واللغة الشعرية، وقد حاول الشاعر ان يغادر موقع الشعر الى موقع التلقي، ليعبر عن انطباع الشاعر المتلقي للشـعر، وتارة نراه يفسر عملية ولادة القصيدة وطبيعة بنائها، ومـن هـذه المقالات (كتابة، البحث عن التكامل، الخروج، التعبير السامي، تناص، خفايا، لا منطق للشعر، جدل، قصيدة نثر، الشعر، المتلقي، شعرية النص) ، فتارة يصف ارهاصات القصيدة عنده كما في مقالة (كتابة ) إذ (تبدأ بعبارة، فكرة، صورة، وإحساس مبعثه مفردة طارئة من حياتنا اليومية اسمعها ) وفي مقالة (البحث عن التكامل) يفسـر كيف يتناول موضوعـة الحب اذ يتخذه رؤيا تكشـف علاقة الحضور والغياب، وهنا يأخذ الشاعر دور المتلقي (الناقد) لأن الشاعر ليس مـن وظيفته التفسير والتحليل لنصوصه، والشعر عند الشاعر طلال في مقالته (الخروج) هـو خروج عـن جاهزية اللغة مثلما الحب هـو خروج عن جاهزية الحياة، وهـنا يقدم مفهوما للشـعر يتفق فيه الشـاعر والمتلقي، وهـذا الامر في مقالة (التعبير السامي) الذي يشير فيه للشعر الذي وحده من يستطيع اقتحام الأعماق والمناطق السرية بحسب رأي الشاعر طلال، الذي يعود لموقع الشاعر ليقرر أن الإحاطة الكاملة بالتجربة الشعرية للشاعر غير ممكنة، الا ان الشعر لا يعبر عـن حقيقة ثابتة، فالخطاب الشعري يحتمل قراءات متعددة بحسب ثقافة المتلقي وتأويلاته.

ومن القضايا التي يطرحها الشاعر في هذا الكتاب الأشكال الشعرية وبشكل خاص ما يسمى بـقصيدة النثر، وذلك في مقالتين (قصيدة النثر، الشعر ) ولما كان الشاعر قد كتب في جميع أشكال القصيدة، فانه يطرح رأيه في هذه القضية، فالشعر عنده هو الشعر -على حد قوله- بأي شكل من الأشكال الكتابية كتب، ويـؤيد الشاعر الإشكالية التي يحملها مصطلح قصيدة النثر، إذ يراه وافدا من الغرب، وفيـه تناقض لأنه يخرجها مـن دائرة الشعر، وفي هذا المجال يحذر الشاعر من بعض الطارئين الذين يكتبون باسم هذا الفن، فهم ولا يمثلونه وتتسـم كتاباتهم بالسطحية والضعف على مستوى اللغة، وما يكتبونه هو أقرب إلى الخاطرة منه إلى الشعر، ولم يهمل الشـاعر مصطلحات مـثل التناص والمتلقي، إذ خصص لهما مقالتين وضـح فيهما وظيفة المتلقي في العمليـة الإبداعية، إذ يمثل ركيزة مكملة لا يمكن ان يغفل عنها الشاعر، وفي كلامه عن التناص يقر الشاعر أن (ليس ثمة نص صاف يكتبه الشاعر فهو مجموعة أصوات يصهرها بنبرات صوته) وعلى حد قول فاليري أن الأسد عبارة عن مجموعة كباش مهضومة، وتؤكد جوليا كرستيفا أن النص هو عبارة عن فيسفساء من الترسبات الراسخة في ذهن المبدع .

في الأخير فان الكتاب وان تنوعت أشكال الكتابة فيه من شعر ونثر إلا أن الموضوعات المحركة كانت ثابتة في جميع النصوص، وقـد نجح الشاعر في الربط بين النصوص الشـعرية بما تحمله مـن ثيمات ومواقف مـن جهـة، والمقالات التي عالجت في معظمها مـوضوعات الثقافة والمثقف، والوطن ومشكلاته، والشعر وتقنياتـه واشكالياته، والمتلقي ودوره من جهة أخرى .

 

بقلم: د. سعد التميمي

 

1065 talalبدءاً، كانت النية في الكتابة أولاً عن إحدى مجاميعهِ الشعرية ؛ ألا وهي "حرريًني من قبضتكِ" ووقع اختياري على قصيدة "حرائق الكلمات"، التي رأيتها البؤرة التي أنطلق منها إلى فضاءاتهِ المُحلقة في سماء الحب المتكامل، لما فيها من شمول حياتي بمقاطعها " 4+1 " القصة وإجمالها، خلاصة السبب والمسبب" تحصيل الحاصل "، لكن حين أطلعت على بقية المجاميع التي استدرجتني عناوينها، لذا عدلتُ عن رأيي وتراني تركتُ مقصدي وتوقفتُ لحظتها، لملمتُ نفسي وشددَتُ عزمي من أن سأمرُ عليها كُلًها كي أتناول ما يساير رغبتي في التقاط الفضاءات الموحية التي توازي وتساوي لوعتهِ في التوظيف من حُب مسكون بأعماقهِ وقدْ استقر منتشياً، لذا لا يستطيع الخلاص منهُ حتى أضحى كمتلازمة حياتية وهووس لا انفكاك منهُ .

إن الولوج لأي مكان ما ؛ بصرياً، أو فضاء ما ؛ تخيلاً، لابد وأن يكونِ عِبر " العتبة " التي هي في الأساس المثابة التي ترشدك إلى الجهة التي تنوي الوصول إليها، وعلى الأكثر نلاحظ علامة " رأس السهم الحمراء " تقبع هناك عند مداخل الأمكنة كدليل تعريفي، وهذا هو المدخل الرئيسي للدخول " الشرعي " لذا نطبقهُ بشكل عام في حياتنا اليومية المعاصرة والتي تتطلب منا الدليل في ظِل زحمة العناوين وكثافة أسطرتها، أما في الأجناس الأدبية، فيمكن الحال نفسهُ أيضاً، ونرى هُنا في " الشعر " هي المرآة العاكسة أولاً لجسد النَص، ثم تأتي بقية الهيكلية تباعاً .. فاستخدامها يكون على وفق ملكات وأدوات الشاعر التي يحيطُ بها، وقدْ يحسبها تختتم ربما بـ أُحادية تفي بالغرض، يطوي قصيدته أو مجموعتهِ، ويكتفي بها، لكن يلاحظ من أن عتبات " الغوار " على الأغلب جعلها " ثلاثية ورباعية " على الأرجح، كما يبدو لي بأنهُ ينوي الإحاطة الكاملة لتغطية جسد النص تماماً، خذ مثلاً من عنونة مجاميعه : الخروج من الأسماء، الأشجار تُحلق عالياً، السماء تتفتح في أصابعي، حرريًني من قبضتكِ، احتفاء بصباحات شاغرة، أول الحُب ... آخر المعنى .. هذا البناء المعماري الذي وظفهُ في العنونة جاء طبقاً للمناخات التي يواكبها وفق الحدث القائم حينها، وربما من الطراز الذي يؤسس فضاؤهُ الشعري والنثري معاً ؛ لهذا كانت نهاياتها قصوى وحادَة معمارياً للمفردة التي تتحمل ثقل نفسيتهِ في متاهات بعيدة منها " التحليق – تتفتح – الخروج – احتفاء- إنثيالات – الخروج – أول المعنى " هي اسطرة عن واقعهِ على أقل تقدير . ربما يستدل المتلقي بأن سيرتهِ وفق المفهوم السيكولوجي بأنها تحملت مصائب وتصدَعات حياتية قد مرِت بهِ فتنفسها وشهق بهذهِ النصوص كتنفيس ليس إلا، وكما قلنا بأن مراحل حياتهِ وعوالمها قد داهمها التوجس والتشتت، لذا أثرت على مسيرتهِ بكل هذا الكم من الويلات التي رصدناها بتروي وجلَ ما نطقت به نصوصهِ بالتصدع القهري الذي لازمهُ طيلة الفترة التي عانى منها .

هذا الزخم الحاصل بكثافة العنونات ربما ينوي بها توضيح الإشارية قبل الولوج في " المتن كي يسهل للمتلقي التمهيد الأولي " فهي تشكل باعتبارها سيميائية متجلية تسهل للمتلقي بعض الغموض " علامات وإشارات دلالية تفتح أبواب النص أمام المتلقي \ القارئ، وتزودهُ بطاقات يكتسح من خلالها ميادين النص، وهي شفرات تفك رموز النصوص، وتجذب القارئ نحو القراءة والولع والعشق بالكتاب، فالتعبات وظائفها السياقية والدلالية والإشارية " 1

كان هذا الولوج في عوالم الشاعر طلال الغوار كعرض تعريفي أكثر مما هو نقدي بتحليلهِ وتأويلهِ، لأن الاسم " طلال الغوار " بحد ذاتهِ " عتبة قرائية " فـ " طلال " يعني " الجمال والحسن " و" الغوار " الذي يسبر أعماق الأشياء " متعمق النظر " لذا لمحتهُ يغور في متنهِ عُمقاً وخاصة في نصوص " الحُب " الذي أذهلني توظيفه بحق، كل شيء لديهِ هو " حُب " يا تُرى كم يمتلك هذا القلب من نصاعة روحية ؟!... من المستحيل أن يضم القلب كل هذا الحُب ويجعل للبغض حيزاً فيهِ. لكن يمكننا إستدارك حقيقة كلما تعمقنا في الغوص أكثر، نرى من أنهُ لا يعني بالضرورة ذلك الحب الذي هو متعارف عليهِ بين جنسين، بل هو تآلف روحي بين الأشياء من شجر وحجر وسماء وارض وغيرها من ماديات مهملة وهامشية، وأيضاً هو مع البشر ضد الطغيان والظلم لاستمرار الحياة ضد الموت، الاخضرار ضد اليباس، الجمال ضد القُبح، السلم ضد الحرب، وهكذا جرياً برؤاهُ .. لذا جاءت أنسنتهِ لكل ركن يمر به يصبغهُ أخضراً بالتوظيف الجمالي، كي يكون الأقرب لقلبهِ المخضل بنماء الحُب .. فالحب المُطلق لكل ما يراهُ يستحق ذلك فهو " الوطن، المرأة، الناس " هذهِ العوالم جعلتهُ أن يوظف حياتهِ لأجل ذلك، فالحالة التي مرَ بها من الضيق والعُسر والاغتراب أراد لها أن تكون على مرمى قلمهِ، فجاء ذلك الأتساع بالسمو والرفعة.

فـ الحُب هو ذلك الاحتراق الشعوري ناتجٌ عن نبض قلب ورهافة ضمير، احتكاك القلب بدفقة هو الأقرب لمعرفة ما يغور وما يتجلى، فالحب هو جمرة ذلك الاتقاد، الاحتراق في الاشتغال الروحي، من هذا الاسترسال فيهِ أي " الحُب " يتوالد منهُ عدة تعاريف يمكن إجمالها وحسب قوة الميل العاطفي بنشوتهِ : الأيروس الخاص بالحب ألإغرائي \ وفيليا حُب الإنسان \ أجابا الحب الروحي بين الخالق والمخلوق، عرفانياً .. ومكملاتهِ حُب الذات \ النرجسية \ وغيرها الكثير، هذا كله نتاج من تقلب القلب خلال دفقاتهِ، فالحب كما عرفهُ " أرسطو " : مادة روحية ترفع من شأن البشر وترفعهم إلى مستوى الإلوهية في عين المُحب "2

ويمكن ذكر قول الكاتب الشهير " برنادشو " أيضا: الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فأنهُ يقتحم قلبهُ دون استئذان، وهذهِ هي مصيبتنا!.. "3

كذلك أكملها " أفلاطون " بحبه الخارق لطبيعة الجنس البشري : " ذلك الحُب الذي ينشأ بين العُشاق الذين يسمون بأنفسهم فوق رغبات الجسد وشطحات الجنس، وهو القائل : ما في العاشقين أحسنُ مني ...أنا اكتفي بنظرةٍ من بعيدِ" 4

هذا المهووس بتعقل للحب الأخضر وظفهُ ليس ترفاً جمالياً حسب، وإنما هو مكنون يخالج شعوره أبداً، بدءا من فضاء السِحل وحتى تخوم الشام، ومن عنونة قصائدهِ " أيها الحب، حُب، حُب، حُب " هذا التكرار التأكيدي في العنونة جعلهُ يرسو بحقيقة واضحة من كُثر ما ذكرها أي مفردة " الحُب " ويعلنها جهاراً، حتى أفرد لها اسم مجموعتهِ الأخيرة " أول الحُب ... آخر المعنى " تضامناً مع مكنوناتهِ، يلاحظ للمتلقي من أنهُ مهووس بمتلازمة الحُب، وكما أسلفنا ليس الحب المتعارف بين جنسين، وإنما حُب عالمي تأكيدي، حياتي، تكاملي، فلسفي، من الواضح أن نتعرف لتجلياتهِ قبل إطلاق المفردة على عواهنها المعهودة، لكن بتبصر مجازي وتورية واستعارة وغيرها، للسبب والمُسبب معاً، قبل أطلاقها بشكل جزمي متعارف . " فإن عنوان المجموعة يكشف عن ثيمة مهيمنة تتمثل في تدوين سيرة البلاد في صورة المرأة الحبيبة، مما جعل مفردة " الحُب " تهيمن على معظم القصائد، فالمرأة التي غالباً ما يخاطبها هي البلاد التي تناءت وتداعت على يد المخادعين " 5

ولكي نعرضُ ما أعلناهُ في مستهل دراستنا، نذكر الآن بعضاً من المقاطع الشعرية التي تخص اختيارنا، وهي أساساً عرضاً، لا نقداً، تعريفاً وليس سرداً أو تأويلاً، ونقتطف من واحتهِ الخضراء المخضلة بعضاً منها، وها هو مقطعاً من قصيدة " الغياب " ومجموعة " الخروج من الأسماء " 6:

" أقف في الطرف الآخر

من صحرائي

واسأل نجم صباي

عن ضفاف اختفت "

كمن هو يراقب الحدث على حافة الضجر، فالصحراء بامتدادها الخرافي تمثل لهُ حياة متوقفة، موت عياني، انهيار بعد قتل الاخضرار الذي كان سائداً قبل وقوع الكارثة، فما جرى لها غير أنها امتدت زاحفة بتسارع كي تمحو ما كنا نتفاخر بهِ فأضحت زحفاً من الرمال التي تلهث بسرابها، ومثابتها أنها كانت " الطرف الآخر " كتحديد للمكان وهو " الوطن المستباح " الذي كان ينظرُ لهُ من أعلى قمة جبل قاسيون .

ومن مجموعة " الأشجار تُحلقُ عالياً "، وقصيدة " أحلام في غيمة ." 7

" ما الذي سأفعله

من أجلك يا طفلتي

وليس لي غير الكلمات

خذيها

اقتضي جلدها

تجدي طفلا

يحزم أحلاما في غيمه "

أسئلة حيرى صارح بها الطفلة، لكن ما جدوى ذلك !..، تبدو استحالة " مُطلقة " غير ممكنة، وحين نستنطق النَص يبدو لنا أنها ممكنة رغم استحالتها، فالكلمات هي خير تعبير ونتائجها ملموسة جذرياً، ربما هي أحلامها الوردية، ملائمة ومواءمة عمرياً، فالحلم الإشراقة التي ننتظرها بترجي وصبر، فهناك بارقة أمل توحي بذلك، ويمكن رصد ذلك من خلال مفردة " الأحلام" التي وظفها لمراتٍ عدة وكأنها أحلام عصيَة لا يمكن تفسيرها البتة وكأنها " الاستحالة"، أي من الممكن استحالة ذلك وفق المنظور التفسيري، إلا أن البحث عن دليل يرشدنا باستقراء تتابعي عيني كي يثبت صحة رؤاهُ، إن لم نقُل إدعاؤه على شكل شكوى أو استغاثة مرجوة، حيث يستدرك القارئ بأن الغربة تشكل هاجساً مرَاً في نفسيتهِ وكبؤرة أو مثابة ينطلق منها لبث همومهِ ورصفها بترتيب أدواتهِ القاسية مثل : الحزن، الشتات، القهر، الاغتراب وغيرها من مكملات اللَوعة، ويظل هذا التوظيف متصاعداً طبقاً للحدث، الماضي، الآني، اللاحق، ومرافقاً لشهقة النفس الحادَة .

ومجموعة " السماء تتفتح في أصابعي " والقصيدة المُختارة " 8

كي أكون صالحاً للحُب

آخيتُ روحي بالينابيع

وكلماتي بالعشب

كلماتي التي سأحزمها يوما في حنجرتي

وأمضي بها تحت غيمة

لأترك اخضرارها ينمو على راحتكِ .

وعودة ثانية وثالثة للحب الذي أخذه هوساً في الاستذكار والتوظيف الذي وجدهُ بضوابط قلبية يستحقها عن جدارة قلب ينبض باخضرار رغم عوادي الزمن المتسرع بخبثهِ وقلقهِ، كُنَا قد سردنا القول بـ انسنتهِ للأشياء، وها هو يتآخى مع الينابيع كونها دفقات خير لأدامه الحياة التي يستحقها كما يتمنى، فالعشب ديمومة " النماء " التي تتشكل حياتياً مع الاستمرارية التي ينشدها،

أما مجموعة " حرريًني من قبضتكِ " وقصيدة " عُشبة الانتظار " 9

مذ تماهت معي

عشبة الانتظار

وتآخت بروحي

صرت أشعل بين يدي

هشيم الغياب

وأحمل نافذتي للمطرْ

فكأن السماء

تتفتح زنبقة في الأصابع

والأقاصي

على رميةٍ من حجرْ.

التماهي مع الشيء هو نوع من التماثل والتعانق الروحي، فـ عشبة الانتظار تشكل مع بقية العوالم بذرة حياتية تنمو وفق مسايرة مأخوذة بتعاطف، هي الصبر الذي لازم الشاعر منذ المستهل الأول، ومازال يقتحم صعوبات الواقع الراهن. التنبؤ الذي حصل وسيحصل لاحقاً، هو نتاج عقلي طرحهُ في مكنونات رؤاهُ وكأنهُ على دراية ما يحل بنا من أزمات عصيبة نمر بها، هذا الكشف والإستبصار ملكة شعرية تلازمهُ كل لحظة حين يلتفتُ للجهات التي يُحدق بها عن بعد، التجلي الذي بثهُ في استبطان كان يدخرهُ، هو من مسلمات الصبر التي وفرها لهذهِ الفترة .

والمجموعة " احتفاء بصباحات شاغرة " وقصيدة " حُب " 10.

لمْ يعدْ لي من الغناء

ما يكفي يا حبيبتي

حتى أوقظ الطرقات

احتفاء بك

أو أرتًل الشجر

كي تواكب خضرة َ أحلامك .

في هذه الفقرة أراهُ يُمهد للاعتذار المُسبق بأن الغناء لا يكفي للاحتفاء المُنظر، لأن أحلام الطفولة شبه استحالة بالتطبيق على مقياس الطفولة الباذخة بالتمني التي قد لا تستوعبها حتى الطرقات والدروب، يلاحظ نهاية النَص أضفى لهُ " خضرة " النماء الروحي الذي يتعش النفس الإنسانية ن فكيف للقلب أن يتسع كل هذا الفرح وإلا يُصاب بذبحة حٌب الوطن، كما هو حب " السَاموراي " الياباني الذي يُعالج قضية مصيرية باتة في الإخلاص لوطنهِ .

والمجموعة " أوَل الحب ... أوَل المعنى " وقصيدة " أوَل الحب " 11

التفاحةُ التي أغوت بها حواء

أبانا آدم

قضمتها

هي أول العصيان

لكنها كانت أول الحُب

ولأنهُ أراد من الحُب أن يكون أول منزلٍ للقلب، أستهل بالإغواء الذي إنطلق منهُ وهي " التفاحة " التي مثلت دلالة الاستدراج وأتخذها مثابة الولوج رغم أنها تمثل \ القضم + اللَذة = العصيان، هذا الاستبيان يعاضدهُ تناصاً من النسق القرآني، لكن على ما يبدو أنهُ تماشياً مع القرآن بأن \ آدم = الأب، والأم لم يذكرها بالاسم = حواء، مثلت فعلتها التي تبرقع بها الرجل دون المرأة .

إجمالاً وعن يقين راسخ بأن الغوار لهُ ملكة شعرية فائقة في الرصد والتقاط من اليومي المعاصر استنباطا، استقراءاً للأحداث التي ستحصل، لذا نلاحظهُ يضع احتمالاتهِ التخمينية، ثم يقيس على أثرها تلك الرؤى، فكان تكرار الحب ذخيرة ذلك المكمن وقد أصبغهُ ورصعهُ من عندياتهِ الوفيرة ملائمة للوضع الراهن، فجاءت مفرداتهِ المخملية الوضاءة، المشرقة بالإبتهاج الذي يُفتح النفش شهية للذي بعدها منها " الصباحات، السماء، النهار، الكلمات، النهر، الأشجار، الغيم، الحُلم، الأغاني، الانتظار " وكأنها بنسب تعويضية لإكمال الحُلم .

فالحب هو الحاجز الروحي الذي يبعدك عن الموت لوهلة تطبيقهِ أو استذكارهِ في حياتنا اليومية، هو ديمومة العيش الفاعل وأسمى شعور أنساني عرفتهُ البشرية وطبيعته في تلاقي القلوب جذباً . لقد وظف مجاميعه من الألفاظ التي تهيمن على تجربته الشعرية الوجدانية تارة، وأخرى إرهاصات حلم يراهُ منتجاً رغم رمزية وبمعناها البعيد عن التداول بدلالاتها وصورها وحسب موازنة ذلك القياس الإيحائي من تناص وتضمين واقتباس يتمحور حول المعنى، لكن ببعد فلسفي وصوفي وعرفاني كي يدرك كهنة الموضوع بمعالجة رصينة توحي للمتلقي استدراك ما فاته لحظتها . وكما قرأتُ لهُ في أغلب نصوصهِ من أنه تصطبغ عنده الأشياء بلونية الأخضر من سهل وجبل ونهر وشجر " وقد وردت لفظة الأخضر ثماني مرات في القرآن الكريم، واستخدمت كلمة أخضر لبيان ماهية وجمال ثياب أهل الجنة " 12. فهذا اللون من مغريات العباد كجزاء ومنحة للفوز بالجنة ن لما لهُ من راحة ودفء وابتهاج دنيوي لتأثيره الواضح والملموس فيزيولوجياً ونفسياً على حياة الإنسان، فكيف سيكون آخروياً !.. .

فكان " السِحل " وفق الصيغة التي أوردناها، هو المكان الشمالي للمدينة مهبط الصبا ومرتع الفتوة والشباب، البقعة الخضراء التي إستبطن لونيتها، وقد تجمع بطبيعتها الخلابة كل الفصول لحظة الاختلاء الحُر، هو المكان الأثيري الذي أصبح مرتعاً للشعراء الشعراء وأرباب الأدب كي يستلهمون منهُ الإلهام في خلوتهم الروحية، الصفاء والنقاء والحب، فتنمو الملكة الشعرية إيحاءً بخضرة يانعة، هو مثابة الإنطاق إلى الأقاصي البعيدة، فكانت للطبيعة الدور الأهم في تشكيل معظم قصائدهُ الخضراء التي تنمو من أديمهِ بإخصاب حياتي من روح وحياة عجنها بالحب والعُشق، كونهُ منفتحاً ببراءة يافعة عليها منذ نعومة أضفارهِ، وصولاً إلى كهولتهِ الناضجة معرفياً . وكما متعارف عليهِ بأن اللون " الأخضر " موروث شعبي مقدس، لهُ ميزة في نفسية أصحاب الطرق الصوفية والعرفانية، لما لهُ من حدس النقاء والصفاء والطُهر حتى نهاية الحب المنشود .

 

بقلم : عدنان أبو أندلس

...............

الهوامش :

1- د. ماجد قائد، جمالية التلقي في الكتابة الشعرية العربية، من العتبات إلى النص، مقاربة للنشر والصناعات الثقافية، فأس، المغرب، ط1، 2018، ص 60 .

2- قول الفيلسوف اليوناني أرسطو – فلسفة الطبيعة .

3- = الكاتب الإنكليزي جورج برنادشو .

4- = الفيلسوف اليوناني أفلاطون .

5- د. سعد التميمي، فضاءات المعنى، مقاربة دلالية في تجربة الشاعر طلال الغوار، مجموعة مقالات، دار الينابيع، دمشق، 2018، ط1، ص 22 .

6- طلال الغوار، المجموعة الشعرية 1، الخروج من الأسماء، دار الشؤون الثقافية ؛ بغداد، 1996، ط1 .

7- المؤلف نفسهُ، المجموعة الشعرية 2، الأشجار تُحلق عالياً، الدار نفسها، 1998، ط1.

8- =، المجموعة الشعرية 3، السماء تتفتح في أصابعي، الدار نفسها، 2003، ط1 .

9- =، المجموعة الشعرية 4، حرريًني من قبضتكِ، دار تموز، ط1، دار الينابيع، 2017، ط2، دار ا ‘ دمشق .

10_= ‘ المجموعة الشعرية 5، احتفاء بصباحات شاغرة، دار بعل، دمشق، ط1 و2 ‘ 2014 و2017 .

11_ =، المجموعة الشعرية 6، أوَل الحُب ... أوَل المعنى، دار بعل، دمشق ‘ 2016، ط1 .

12 _ د. علاء الجوادي، موقع النَور الإلكتروني، 23-5-2018 .

 

عبد الله الفيفيألَّفَ (أبو العباس أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلَّبي، 644هـ= 1246م) كتابه «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»، وهو كتابٌ مهمٌّ في بابه، وفي دراسة تلقِّي شِعر أبي الطيِّب وفهمه عبر العصور.  غير أن مَن يقرأ مآخِذَ ابن معقل لا يلبث أن يلحظ مآخِذَ عليه هو في مآخِذه نفسها. ولعلَّ (الواحديَّ) كان، في بعض شرحه شِعر المتنبِّي، أقرب إلى استقراء السياق من زميلَيه (ابن جِنِّي) و(ابن معقل).  شاهدُ ذلك أن (ابن معقل) خطَّأَ (ابن جِنِّي) و(الواحدي)، وهو المخطئ؛ لأنه لا يلتفت إلى سياق الأبيات، وإلَّا لوافق الواحدي.  قال ابن معقل(1):

«وقوله:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

قالَ [ابن جِنِّي]: قولُهُ: «كَثْرَةَ قِلَّةٍ»: يقولُ: إنَّما تكثرُ الأمواتُ إذا قَلَّ الأحياءُ، فكَثْرَتُهُمْ كأنَّها، في الحقيقة، قِلَّة.

وقوله: «شَقِيَتْ بكَ» أي: شَقِيَتْ بِفَقْدِكَ، فحذفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَهُ، وهذا كقوله تعالى: «ولكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بالله».  وقَوَّى ذلك بما حكاهُ عن أبي عمرو السُّلَمِيِّ، قال: عُدْتُ أبا عليٍّ في عِلَّتِهِ التي ماتَ فيها، فاستنشدني:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

فلم أَزَلْ أُنشِده وهو يستعيده، إلى أن ماتَ!

قالَ الواحديُّ: وهذا فاسدٌ من وجهَين:

أحدهما: أنه إذا مات واحدٌ لا يكونُ ذلك كثرةَ قِلَّة.

والآخَر: أنه لا يخاطَبُ الممدوحُ بمثل هذا. قال: ولكنَّ المعنَى أنه أرادَ بالأموات القتلَى، لا اللذين ماتوا قَبل الممدوح. ومعنَى «شَقِيَتْ بكَ» أي: بغَضبك عليهم، وقتْلك إيَّاهم. يقول: لا تكثُر القتلَى إلَّا إذا قاتلتَ الأحياءَ، وشَقُوا بغَضبك، فإذا غضبتَ عليهم وقاتلتَهم قَتَلْتَهم كلَّهم.

وأقول [ابن معقل]: إن قوله: إنه أرادَ بالأموات القتلَى لا الذين ماتوا بغير قتلٍ خطأ؛ لأنَّ في ذلك صَرْفَ الكلام عن ظاهره، وحَمْلَه على المجاز من غير عِلَّة مُحْوِجَة.

والمعنى: لا تكثُر الأمواتُ الذين في القبور إلَّا إذا غَضِبْتَ على الأحياء وقتلْتهم، فحينئذٍ تكثُر الأمواتُ بمن قتلْته لإضافتهم إليهم، وتلك الكثرةُ قِلَّةٌ؛ لأنه لا فائدةَ لهم فيها ولا انتفاعَ بها.»

  والبيت الذي بعد البيت المختلَف على معناه بين الشُّرَّاح الثلاثة- (ابن جني) و(الواحدي) و(ابن معقل)- يفسِّر معناه، ويؤكِّد قراءة الواحدي، على الرغم من أنه لم يحتجَّ بذلك البيت.  فالمتنبي يقول:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

        والقَلبُ لا يَنشَقُّ عَمَّا تَحتَهُ      

حَتّى تَحُلَّ بِهِ لَكَ الشَّحناءُ

فـ«الأموات» يقصد بهم: القتلَى، الذين إذا حلَّت بقلوبهم الشحناء، انشقَّت عمَّا تحتها من مضمرات، فكان ذلك سببَ هلاكهم، رُعبًا من الممدوح، أو قتلًا على يديه. 

وبذا فإن الواحدي على صواب.  على أن لقراءة ابن جني وجاهتها أيضًا، غير المتعارضة مع السياق. 

أمَّا فهْم ابن معقل، فلا تفسير له، ولا لقوله إن تفسير الواحدي صرفٌ للمعنى عن ظاهره، وأن الشاعر يقصد كثرة الأموات الذين في القبور، إلَّا انصراف ابن معقل إلى البيت وحده، مقطوعًا عن البيت بعده.  إضافة إلى نزوعه الغالب لإظهار مخالفة الشُّرَّاح، بحقٍّ أو بباطل.

وهذا نموذج من نماذج ما كان يُحْدثه إهمال السياق في تراثنا النقدي العربي من اختلافٍ في فهم النصوص ومِراءٍ بعدئذٍ لا طائل من ورائه.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  (2003)، المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي، تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 17- 18.

 

1058 سعد ياسينكثيرة تلك البواعث التي تدفعنا بصورة عامة إلى البحث عما يناهض ما تألفه النفس؛ وأي نفس إذا ما رافقها واقع مرفوض، يقوم على القلق وتشظّي الذات اللاهثة وراء الخلاص المنوط بالتجديد؛ لعلّه، يمضي بنا نحوالأفضل. فهي ثورة على سبيل الهروب بكلّ مضاد لقوى الشدّ المعاكس لقضبان الاغتراب؛ إنها في شقوق الواقع غير المتوافق معها:

"وبحُزنِ غيمةٍ عاقرٍ

تدورُ قطرة ُماءٍ يتيمة ٌ

على شقوقِ الأرض ِالّتي اشرأبّت منها أفاعٍ ...."

إنها ذائقة الشعراء؛ أوّل الثائرين على هذا الواقع؛ فهم الأكثر ارتباطاً بقيمة الفرد وحياته؛ ليجسّده شاعرنا بعناوين دواوينه السابقة: "شجر بعمر الأرض" و"شجر الأنبياء" و"الأشجار التي لا تغادر أعشاشها" و"أشجار خريف موحش" و "أشجار لاهثة في العراء" الذي نحن بصدد قراءته وسأختصرظواهر لفتتني في هذا الديوان والذي من حقه علينا أن أذكرها . فقد لمست ُالشعر والشعرية كاملة بجلِّ عناصرها من رمز،وإيحاء،وتكثيف، وصورٍ شعرية معمقة، إضافة إلى ما هو الأهم وهو البعد عن التقريرية . وكلّ سمة من هذه السمات يحتاج إلى قراءة نقدية معمقة لنفيها حقها، وكلّنا على حدّ قوله: "أشجارٌ لاهثةٌ في عراءِ الأسئلة"، لماذا، وكيف، وهل، وإلى متى؟ وما هذا بجديد إذا ما التفتنا إلى الشنفرى، وأبي نواس وأبي تمام، والمتنبي، والدادائيين، والمحدثين في الغرب والشرق... وليس من همي الوقوف على الأسباب وحلّها، فكل هذا ألوان للاغتراب وشدائد المعاناة التي جعلت من ذائقة الشعراء حُبلى بجنين الشعر، يكرس لنا الانخراط مع واقع اجتماعي، يؤمن بأن الأدب موسوعة اجتماعية أداته لغة من خلقه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ثراء مسيرة شاعرنا الأدبية د. سعد ياسين يوسف، يبثّ لنا معاناة اغترابه بينه وأهله ووطنه، وهو ينوء بحضارةٍ تحدّر عنها الأمن والسلام صوراً إشارية تلميحية بإبداع فني وفق انحرافات لغوية زاغت عن المعتاد القياسي؛ ما أثرى ديوانه وفعّل شعرية النظم الباعث على عصف ذهن المتلقي لإثارته على سبيل الفنتازيا المُمنطَقة والسريالية المُمّنهجة جدلية الصامت الصائت كما في قوله:

" الدَّمعُ صفيرُ الرّيحِ ... ونشيجُ الرّملِ ...

إذْ ينهمرُ على جدارِ لحمِنا الحيّ عارياً

تحتَ غيمةٍ ... تُمزُّقُها أنيابُ الظّهيرةِ "

نظم عذب مسبوك بلُحمة النسيج، وبديع التصوير الذي يخاطب عقولَنا قبل وجداننا - الفائق في أنماطه وتشكيله الفني المشرق بصورة الشجر الخريفي للواقع، الفارع بسماء الحرية؛ سماء لم تكد تغيب قداستها الخاصة في جلّ قصائدة؛ فهي ربّة الحرية ومعراج الانطلاق ودرب انعتاق حالم عربي عراقي أبي أشم، رسم لنا لوحة مجد لمستقبل زاهر وإن بدت فيها "عيون الصبار" و"عشبة السماء"؛ فهي "ليست مجرد خيال" أو "تلويح"، بل "ارتقاء" ثمّ "تحليق" "بين زرقة وأفول" و"مكابدات خيمة"؛ لأنها "شجرة الانتظار" و"هديل الوردة العالية" التي أخرجت شاعرنا من دائرة (الأنا ) تلك القيمة الفردية إلى معترك (النحن)؛ دائرة القيمة الجمعية.

إن المتتبع لهذه العناوين؛ ليجد بأنها أثرت هذا التقديم الذي يفسّر -بإيجاز لا يتفق والتبسيطَ - مؤدى شاعرنا/ الصائت لتلك الأشجار/الصامت: المغتربون المتجذرون الذين يتناوشون عنان السماء بعد أن عرّتهم المكائد،ولوّحتهم فصول الخريف المتآمر، وألهبتهم فصول الصيف الخائن، وأسقمتهم فصول الربيع الخائن، وهزتهم ريح الشتاء المتخاذل؛ وهذا بيت القصيد لدي، أما لدى شاعرنا؛ فقد جسّده بـ: (شَجرة القصيدة)

"تلكَ المُتواريةُ

وسطَ كثافةِ أشجاري

تلوِّحُ لي من نافذةِ الرّوحِ

وتهربُ......

تُوقِظني مَلسوعاً

خلفَ خطوطِ الزّمنِ،

بحثاً عن قدمي، كفّي ،

عن عيني المأخوذةِ برَهبتِها"

إنها مرآة الوطن التي نفسر انعكاساتها بموضوعية (ماكس بلاك) عندما جعل من التعبير الاستعاري استخداماً تعبيرياً حرفياً معادلاً له بميسم "النظرة الإبدالية" التي نراها تتواءم ما بين الدالّ/ الشجر، والمدلول/ المجتمع القائم على إلحاح باطن الذهن ومُعَامله الذي يكرر ألفاظ الأشجار والسماء وأدوات الحرب بشكل لافت لما يشي بأهمية ما يكرره المبدع بغية الوصول إلى مقاصد شاعرنا الذي تجاوزنا معه النقد الموضوعي المسطح؛ فقد تخطّاه بكل فاعلية واقتدار.

لقد جاء عنوان الديوان وفق صياغة فلسفية ذات تأثير كبير في بنائه الفني والشعري - تعاملتْ مع النصّ ببعد دلالي رمزي مكّن المتلقي من استقبال النصّ داخل مساره الذهني نتيجةً مقروئية لسيميائية خطاب إبداعي، ينطوي بنائياً لـ: "أشجارٌ لاهثةٌ في العراء" مكونات اسمية لا فعلية، تدلل على ثبات الواقع وجمود الحال بمعجم ألفاظ الشقاء في تصميم، يؤكد بأن الوطن إنسان عارٍ، وما زال ينشد السموَّ والحرية شجرةَ خلد، تعرج به جور شقوق الأرض إلى عدل السماء خلافاً لشجرة آدم؛ فمن نعيم السماء إلى شقاء الأرض، ليتفقا معاً على أن الغواية هي السبب... ولكنْ أنّى له الخلاص؟ وليس ثمّة إجابة وهو القائل في هذه المقاطع:

" عابراً

بحرَّ اشتعالِ أشجاري

بأسئلةٍ  ثقالٍ ..."

"على كتفِ زورقي

ألفُ حجارةٍ من سؤالٍ ينوء بها تارةً "

وهي تبحثُ عن شمسِ إجاباتِها ... "

..........

"وتارةً يشمُّ ما تبقى من قميصِ السَّماءِ

قبلَ انكسارِ الضَّوء ِ "

وما مرجعية هذا البوح إلا معاناة وشقاء تسعى إلى الخلاص من واقع مأزوم بالتقتيل والتشرد والخوف واليأس، سبيلاً تنكب رمزية الحبيبة مرة والحالم الباحث عن أشجار الربيع ولو بعشبة السماء مراتٍ كثر،ليبحثَ في المكانِ عن "عشبةِ الإجابةِ" "بعد أنْ غمرَهُ ثلجُ السُّؤالِ ..."

"وهيَ تتفقدُ كلَّ يوم سِلالَ زهورِها البيضاء

المحدّقةِ في شجرة ِالسَّماء ..."

باختناقِ الحروف ِ

.....   ......

"وهم يسرقونَ فضاءاتِ الضِّياء ِ بملابسِ الحجرِ المقدَّسِ

ويسحقونَ عشبةَ السَّماءِ !!!"

عشبةٌ حبيبةٌ بحجم الوطن أو لنقل وطن بحجم حبيبة، تعمر الأرض ببوح شاعر فحل واكب النهوض بكلماته الجزلة الرائعة ليسمو بصاحبة الضياء والحرية لكل ما يقرّبه منّا على سبيل جدلية، تُريه منها جانب الحرية المنشودة عندما يتوحّد معها بإدراك حقيقي وشخصي، يتنفس الذات معها والموضوعَ معاً في اتحاد مطلق؛ ولا غرو في هذا فهي(شجرةالابتسامة):

" تلكَ الَّتي أشرقتْ ذات َمساءٍ

ملوّحةً بغُصنِها المُبلَّلِ

عابرةً آلافَ المدنِ ...

وكلّما رأيتُها ..

عمَّدتُ وجهي بزهورِ يَديها

فتشرق فيها في أقصى الأرض ِ

شمسٌ أخرى ... "

تأتي بأكبر معاني السمو والعلياء، نعم؛ إن وراء كلّ شاعر عظيم شجرة ...، بات فيها جميل القول جميلا، وتبتل صمته في محراب جمالها جمالاً وهو القائل:

" كانت فراشاتُ المساءِ

على رمشِ السّؤالِ

تصبغُ جبهتي بحفيفِ أجنحةِ الأسى

وتغورُ في صمتي

وتفرُّ من جرحٍ لجرحِ ... "

- كما ويقول :

"حملتُ لآليءَ صمتي على كفَّي رملِ الشّاطئِ"

فمن هنا تحديداً، يتسلل إليه فرط من الجوى وكومة من تفشيّ الهمة؛ فلا خيار إلا الانتظار الذي عنون به قصيدته المرجعية (شجرةُ الانتظار) بقوله:

"وجهيَ لم يعدْ ...

على الإمساكِ بالضَّوءِ فأنكرَني،

حينَها لم تعدْ لي أيُّ سماءٍ,

أو فراشةٍ.

لم تَعُدْ أجنحتي تَبسطُ الأفق َتحليقاً ولا ....

كانتِ الوردة ُ ترنو .....

فوقَ غصنِ الطُّرقاتِ"

إنه الردّ بالإحساس الذي يفوق مدارات الإدراك، ... إنها السريالية بعينها...، لغة الكبار الذين يعصفون بأذهان من خيّم عليهم الكدُّ والحزن؛ لينأوا بهم عن شقائهم هذا ولو قليلا بمثل هذا البوح الرائع الرائق الجميل كما الخمر تجلي هموم الشاربين ولو للحظات...، وفي الحقّ فإن هذا البوح من ضمن جماليات ما قرأت من أشعار وأصدقه؛ فتعجّ قصائده بجمال هدوء التراكيب وسكينة معاني البيان "لأشجار لاهثة في العراء" خلخلت سكون الديوان أجمع؛ ما خلق لديه تباين كبير في السلم الموسيقي انعكاسا لقلق ذاته وبالتالي الإيقاع الداخلي على مستوى "الفونيم" الواحد مع الآخر ليشكّل مقطعا كاملا بين القرار والصدى، يتواءم مع بقية المقاطع الداخلية وفقاً للتراكيب البنائية للنصّ؛ ما يشكل بدوره إيقاعاً خارجياً على مستوى النصّ الواحد، بل الديوان أجمع، ويعاضده في ذلك تباين عناوين تلك القصائد القائمة على ما يشي بالهدوء والسكينة مرة، والغضب والثورة ومرة أخرى، لهذا عمد شاعرنا إلى معاجم عديدةٍ، كان من أبرزها الحرب وأدواتها، والأديان، والحب، والطبيعة، والحياة اليومية، والأسطورة، والشقاء، إلى جانب الهبوط والانكسار الذي ما برح يطاول النهوض والعلياء؛ فإن دلّ هذا على شيء؛ فإنما يدلّ على قيمة عمله الأدبي بمحتوىً فني، عزز لدينا منظومة الوعي الحياتي عامة والديني خاصة، لأنه إدراك حقيقي لمعنى الحياة، ويدرك شاعرنا هذا، بل يدرك أهمية تعالقه ومجتمعه، ما ينعكس على عناصر الطبيعة التي تأزمت بسلبيات تباين العادات والقيم والأديان والطوائف والأعراق - حتمية نفسية أحادية الاعتماد في المتحوَل؛ لأننا نراه يقحم كلٌّ منهما الأخرَ على نفسه - تبادلية التعالق في الثابت لأننا أيضاً ألفينا واحدهم، يجسّد الأخر في غير موضعه، فمن هنا جاء الضجيج من أروقة الطبيعة/الصائت وعالم الذات/الصامت، وللاستدلال على كلّ ما سبق ذكره بإيجاز بالغ؛ فنستشهد مثالاً لا حصراً بقوله:

(بينَ مَوجٍ... ومَوج ... وهوّةٍ ...طاعنةٍ بالزُّرقةِ ...)  و(... وتارةً يشمُّ ما تبقى من قميصِ السَّماءِ") (قبلَ انكسارِ الضَّوء)،(تعاويذَ قديمة، ورقَ الآياتِ المتساقطةِ من شجرِ اللهِ)،( يوم أنشدوكِ لحنَهم السَّومريَّ ..)،( غضبَ الآلهةِ)،( أمنحُكِ نذوري)، (لن تصلَ إلى الآلهةِ الَّتي لا شغلَ لها سوى تكسيرِ ما تبقّى من أغصان ِلوعتِنا الَّتي يَبُست ْ)

وفي الحق إنه جمال حقيقي في هذه الصور وحسنها وهو هنا يُخطّيء مَن عالج فصل النتاج الأدبي عن أصله في حياة الشاعر، فقد تفرّد شاعرنا ببراعته وإلهامه ودقته في التصوير، فضلاً عن جرأته إلى جانب خياله الخلّاق الذي لا يخفى عليكم إذا ما التفتنا إلى الاستغلال الجيد لمثل هذه الصور الحية التي جاءت ترجمتها كلماتٍ دالَّةً  بصورها الذهنية من حيث دلالتها على ما هو خارج الذهن، تعصف بنا في ظلّ ما تُقرّب لنا المعنى وتحمل الإحساس...، كما في قوله:

" أحلامُنا البسيطةُ

الَّتي تراودُ أصابعَ الكفِّ

هي كأسُنا الفارغةُ المرفوعةُ إلى السَّماء ِ

تشيرُ لأفقٍ لا وجهَ له ..."

وقوله :

" الشَّجرةُ الَّتي غادرَها الحطّابون شتاءً

بعد أنْ أسالوا دمَها الأخضرَ

وقطّعوا جذعَها مقاعدَ لجلوسهم

وأحرقوا غصونَها لدفءِ مَلذّاتهم

في حفلِ شواءٍ لم تشهدْهُ الغابةُ من قبلُ ..."

فهذا غيضٌ من فيضِ أشجارٍ لاهثةٍ متعريةٍ في عراء التشظّي, فكيف لو كانت أشجاره خضراء، تنعم بالدفء والسكون؟ غيض اجتاح أفئدة القراء بكلّ ما يكتنز من تجربة إبداعية بعفوية وسلاسة بكلّ سهولة ويسر، نقش في ثورة النفس التوّاقة إلى الحبّ مرةً، والحرية مرةً أُخرى بحروف يعتصرها التوجّد بطاقة جماليات المعاني الرقيقة الهادئة الحالمة، كما في قوله:

"أضاعتْ مفاتيحَ الغناءِ

ورمَتْنا بانتهاكاتِ الظّنونِ

من بعد ما ألِفَتِ السَّنابلُ

انحناءةَ عودِها على يدِ المناجلِ

وأنتِ العتْمةُ القاتلةُ الَّتي أمطرتْ ثَكلَ النَّهاراتِ

ومازالتْ..."

إنها انتفاضة الذهن المتطلعة بإشراقة لقاء حميم بالحبيبة الوطن المستقل؛ لهذا جاءت سعايتهُ جادة من أجل تحقيق عدلية الحياة القائمة على المحبة والسلام وفق ريح منهجية أشرع لها مشاعره وأحلامه وتطلعاته انتزاعاً صورياً، قام على تداعي ما ذهب إليه (أرسطو) من تشابه وتضاد واقتران زمكاني كما في قول شاعرنا:

"زهرةُ الموسيقى تعلو مع الضوءِ

إلى لانهائيةِ الدهشة ِ

وأنا أتوضَّأ بخيوط ِحريرها

لأشهدَ ..... تَفتْحَ أوراقِها

يوم منحتْ هذا الفضاء مُوسيقاها  ..

تمنحُ هذا الكونَ

سرَّ وجودهِ ...

تاركةً حقلَ نجومِها ... ماسةً فوقَ الرَّمادِ .."

إنها الرمزية التي جسّد بها أشواقه وبثث من خلالها نوازعه همساتٍ تؤدي تراتيله بوحاً عذباً ونجواه ويكأنها شظايا روحه المعذبة ونزف قلبه المكلوم، وهو القائل:

"الدّيكُ يعجزُ أنْ يصيحَ

التَّراتيلُ التي كنّا نرتّلُها ما عادتْ تضيءُ

تهدلتْ أرحامُها بلا حملٍ تنوءُ

على أبوابِ عتمتِها اتَّكأتْ

ونزَّ الملحُ من جبينِها راسماً

حروفَها المُبعثرةَ .... "

وقوله :

" لا أحدَ يمرُّ، سوى أعمى

أضاءَ الدَّربَ بتكتكةِ العصا

استدلَّ على الفجيعةِ بالفجيعةِ

ومضى يُوَلوِلُ صوبَ الأفقِ

ملوّحاً بِعَصا التهجّد ِ

باحثاً ....

عن مَسلّتهِ التي انشطرت ْ

وأنجبته؛

علَّها تعيده ...."

ولا يخفى على المتلقي هبوط همّة شاعرنا بحرارة الوجد وتيه الفكر ووخز الانكسار إلا أنه يعاود النهوض حراً عفوياً جزلاً يتألق دونما تشظّي، كما في قوله:

"منذُ أنْ توضَّأ التراب ُبدمكَ الأخضر

قامت قيامتُها الأرضُ

وكُلَّما جفّت ينابيعُ صوتِ اللهِ

صاح بها صوتُك أنْ تكونَ

فتضيءُ السَّماءُ وجهَهَا المُحمَرَّ

بالخجلِ المعفَّرِ بالتّرابِ

معانقاَ طيورَكَ البيضاءَ

وهي تصعد... تصعدُ ... تصعدُ

وسيوفُهم تنزلُ في الصَّلاة عميقا ً

تنزلُ... تنزلُ ..."

نعم إنها السلاسة في التركيب والانسياب في المعنى إلى جانب التعقيد، وهذا يُحسب لشاعرنا لا عليه، بل يؤكد قدرته الفائقة على مسك زمام الشعر؛ قصيدة النثر بكل فاعلية واقتدار:

"أجولُ به مرتَعباً

مُمْسكاً بشمعتِها الأزليّةِ

بحثاً عن سرِّكَ ..

في الظُّلْمَةِ ،

في النّورِ في الأفقِ المحمرِّ بدمِ الزَّهرِ"

........

" دَعْها لي ...

فما عادتْ للفصولِ لغةُ البقاءِ" ...

هنا يقف ديوان الشاعر أمام محبيه وعشاقه ماثلاً، يقول:- ها أنا ذا - مرآةً تعكس دواخلكم على حائط الأمس واليوم أشجاراً لاهثة في العراء على بوابات سماء الحرية والنهوض من جديد وهو يقدّم لنا نفسه رساماً للوحات جميلة لذواتنا بريشة فنانٍ، اجتهد على نفسه كثيراً حتى أقام فينا زمانا طويلاً ومكاناً معتقاً ووجدانا عربياً متأثراً بمصيره وعروبته وتوجهاته ... فنانٍ يعتز بعراقهِ ويعتدّ ... فنانٍ بابلي،سومري، كوفي، يزهو ويفتخر لما وقر في قلبه من عشق صادق، تخطّى به كثيراً عقبات الشعراء وهناتهم ،فقد بدت لنا قصائده النثرية بحجم رواية ممتدة، تحكي سيميائية القصيد، وتروي فنتازية النشيد، وتقصّ نبض التراويد للحرية للكبرياء للعلياء وهو القائل:

"وتَضجُّ  بي أصواتُ التّراتيلِ،

الأغاني، العرباتِ،

صليلِ السّيوف

صفّاراتِ الإنذارِ

تكبيرٍ مسروقٍ، منزوعِ الرّحمة ِ"

نعم، إنه خصب فكري ثري على مستوى المضمون الذي تأطر بخطاب حكائي غنائي توجدي صادق على وطن مغتصب، على نفس مغتربة، على قومية حاضرة غائبة، خطابٍ مؤطر بالفكرة الخلاقة التي تحمل بين جنباتها هذه الرؤية التي تشكّلت وفق تجربة شعريّة ذات أبعاد وجدانية بوافر ضلال الطبيعة العبقة بالنرجسية ذات الكبرياء المتنامي محاولاً الموائمة بين قلبه وعقله بتلاحم وشيج، يشي بإلحاح نفسه الحكيمة على التطهير؛ هذه الانفعالات التي تأتي تعبيراً دالاً على الشقاء وأقدر الناس تعبيراً عنه مَن كان الشقاء في نفسه، وهو القائل:

" يا وَجَعي يومَ استدارَ وجهُكِ

الشَّمسُ على وشكِ الأُفول

وكانَ الأفقُ  أعمى

مُتّشِحاً بشالكِ الأحمر

غير أنَّي حينذاك نهضت ُمن رمادي

لأمنح َالأفقَ جمرَتي

وألوذُ  بالغَرقِ ..."

غضب على سبيل التحرر، بمؤدى الانعتاق من فرط يأس هذه الأمة التي تفشي فيها القنوط من علياء قوميتها عندما امتطى صهوة الشعر خيلاً و ليلاً و عراءً وسيفاً وقلماً وسيلة عبور حولت مستوى اللغة العادي إلى مستوى مجازي، تشكّل لدى شاعرنا بطرق مختلفة، وفق ما وصلت إليه خبرته التكنيكية والجمالية بهذه الحركة الشعريّة المتجددة التي تركت بصمة حية فريدة، بل هوية تتجذر بجنس مغاير للتقليد والاتباع، كما في مؤدى التجديد لحركة أدبية نهضوية، يجري فيها نشاط، يُعزز به الإنتاج الأدبي ويتنوَّع في أدبنا العربي الأصيل.

 

بقلم الأديب والناقد  د. حسين البطوش

المحاضر في الجامعة الأردنية

 

ليث الصندوقسعد الصالحي، أو الدكتور سعد الصالحي هو شاعر، وقاص، وموسيقي، وخارج هذه الأقانيم الإبداعية هو طبيب متخصص بجراحة الفكين والأسنان، وتلك الصفة الأخيرة غالبة على الكثير من نصوص الأثر الذي نحن بصدده، ومنه تكتسب طابعها الإنساني، وحيويتها الروحية والحسية معاً . ومنه أيضاً يجد البعض مسوغاً لتفسير النصوص بالربط ما بين الكاتب والراوي المشارك / الطبيب في الكثير نصوصه، وأرى أن هذا الربط يشوّه القراءة، ويقوّل النصوص ما لم تقل، فالشخصية الإبداعية – كما يُقال - تبقى - بالرغم من كل الملامح المشتركة مع خارجها – كائناً من ورق، بعكس الشخصية التاريخية التي هي من لحم ودم .

عُرف الكاتب ب (مراثي غيلان) قبل ال facebook، وأحسب أنه نشرها في كتاب، لم أطلع عليه مع الأسف، لكني اطلعت على أكثر ما كُتب عنها . ثمّ جاء ال facebook فنشر على دفعات منها جزءَها الثاني الذي يُفترض أنه لم يُنشر في المطبوع، وهذه القراءة هي حصراً لبعض نصوص الجزء الثاني، ومن ال facebook حصراً .

ألإشكال الأول الذي يواجه القاريء وهو يقبل على هذه المدونة النادرة هو صعوبة التجنيس، فهي مزيج من جملة أجناس وأنواع أدبية وغير أدبية، فيها الشعر، وفيها السرد، وفيها التقرير الإبلاغي، والمذكرات، وفيها أيضاً الفولكلور والسياسة والتاريخ، بل وحتى فيها الطب والموسيقى، وهي تقترب إلى حد ما من السيرة الذاتية، وتبتعد عنها أحياناً لتكون سيرة غيرية . ولكنها تمرّ عبر راوٍ مشارك بالفعل، أو أحياناً مشارك في النقل بالسماع (لغة على لغة) . وفي الحالة الأولى يتم التبئير من خلاله، أما في الثانية، فيتقاسمه مع المروي عنهم .

والشخصية المحورية / الراوي المشارك هي شخصية ذات دور واحد وملامح ثابتة في جميع النصوص تقريباً، والتغيير فيها قد ينجم عن تطورها تبعاً للمراحل الزمنية، وبالعموم فالشخصية قوية، ومعتدّة بنفسها وببيئتها الإجتماعية وبتقاليدها وثقافتها وقيمها الإنسانية . وهي أيضاً شخصية إيجابية غير مأزومة ولا تعاني مشكلة ثقة مع نفسها، ولا مع القاريء، لذلك لا تتحرّج من الإنفتاح عليه واتخاذه صديقاً، مزيلة أمامه كل العوائق المكانية والعرقية، بل وحتى الأسرية، فتعرفه على أقرب أقربائها وأصدقائها بالأسماء والعناوين، بل تُدخله إلى جوّ البيت ليتعرّف على أفراد ألأسرة ويشاركها أحاديثها وطقوسها اليومية .  

وبالرغم من أن السرد خارجي في الغالب، وأن الراوي لا يعرف عن شخصياته أكثر مما يروونه هم له، إلا أن ذلك لا يلغي دور الحواس في تنشيط لغة مشتركة لا تتجاوز محدداتها الطبيعية وخواصها البايولوجية، وتبقى الرسائل الإيحائية التي توصلها إلى الراوي عن المروي عنهم هي رسائل خاصة به، وخاضعة لتأويلاته، وأن التواصل الإنساني عبر تلك النظم الإشارية ذات الحساسية العاطفية العالية (ألعيون / نبرة الصوت / وجيب القلب / حركة الأصابع ... ألخ) لا يعني اختراقاً لظاهر الشخصيات، أو معرفة بخفاياها، بقدر ما يعني أن الإنسانية قمينة دوماً بابتكار وسائل اتصال غير مادية وغير مُقعّدة لإدامة التواصل بين البشر متخطية العوائق والحواجز التي يضعها البعض لتعويق الإتصال والتحاور المادي بينهم .

توظف النصوص تلك الممكنات الحوارية غير المادية للتواصل ما بين الراوي وشخصياته بحيث لا تكاد تخلو من تأثيراتها قصة، ومنها تكتسب إمتيازها، فالتعاطف الإنساني يتجاوز تابوات النظم السياسية الحاكمة والمتحاربة مع بعضها ليكون واسطة الإتصال الآمنة حتى بين الأسير الجريح والطبيب في الجانب الآسر، وهذا ما سنقف عليه لاحقاً .

سعد الصالحيأما لغة المراثي، فتتسم بطراوتها وحيويتها وجرأتها التي لا تتهيب ولا تتعالى على الحوشيّ والعامي والغريب سواء في الحوارات أو المفردات أو العبارات أو في العناوين، وتلك السمات تُضفي على النصوص أجواء واقعية حميمة وتُبعدها عن التكلف والحذلقة من دون تزويق بلاغي مبالغ به، مع عدم تنازلها عن القيم الجمالية الراقية وضمن موازنة تحتفظ بقدر معقول من الشعرنة . ولعل قمة الجرأة أن تُدرج بالنص رسالة بحروف عربية، وبلغة هجين هي ما بين العربية والفارسية كما في قصة (من جعبة الأسى) .

أما الإشكالية الأخرى التي تواجه القاري، وهو ما زال عند تخم العنونة (مراثي غيلان) فهي في كلا المفردتين اللتين تبدوان بحاجة إلى تفكيك، لكنه تفكيك من جانب واحد لا يُلزم به الكاتب الحرّ في عمله . فدواعي اختيار النوع الإدبي (مراثي) قد يبدو مفهوماً في ضوء نبرة التحسر والندم على ضياع القيم الإنسانية، وعلى زمن الماضي الرخيّ والجميل، وعلى أناسه الطيبين الوادعين، وعلى افتقاد الأجواء العائلية الأليفة والحميمة، وكذلك على خسائر الحروب وكوارثها، وعلى فقدان الأحبة . فهي مراثي للعالم الذي ينزلق باتجاه العزلة والقسوة والتوحش . ولكن ما لا يبدو مفهوماً هو نسبة المراثي إلى غيلان، فهل هي له؟ أم هي عنه؟ وإذا ما وجدنا الإجابة، وتجاوزنا المراثي إلى صاحبها ستواجهنا إشكالات أخرى تتمثل في تحديد هوية وملامح وأبعاد وموقع شخصية غيلان داخل النصوص، من يكون؟ ولماذا غيلان بالتحديد؟ وأين موقع هذه الشخصية الغائبة من النصوص؟ وهل هو – وتلك إمكانية تأويلية قابلة للنقض – هو الراوي المشارك نفسه؟ وهل الراوي، أو غيلان هو ذاته الكاتب يتخفى وراء قناع زجاجي عبثاً يُخفي ملامحه ليكتب من ورائه سيرته الذاتية؟ أسئلة كثيرة تثيرها العنونة، وتلقي ثقل حيرتها على النصوص . وقد تبدو الإجابة ممكنة لولا التخريج النظري الذي سبق أن ألمحنا إليه، والذي يفصل ما بين الشخصية الورقية والأخرى التي من لحم ودم .

ولو افترضنا جدلاً أن الراوي الذي هو في جميع النصوص راوٍ مشارك، لو افترضنا أنه هو ذاته المعني بالأسم (غيلان)، بالرغم من أن النصوص جميعها تعفيه من التسمية،  فستواجهنا إشكالية أخرى دار حولها جدال نقدي طويل تتمثل في ضرورة التوافق ما بين طبيعة الشخصية ودلالة تسميتها . فدلالة الإسم لغة هي نقيض دلالته سردياً، فالأولى هي جمع غول ذلك المخلوق الخرافي الوحش، أما غيلان النص فعلى العكس من طباع غيلان اللغة رقة ودماثة . بل وإنسانية أيضاً .

منذ السطور الأولى من النص الموسوم ب (من جعبة الأسى) وهذا النص نُشر في وقت آخر على ال facebook تحت عنوان (قصاصة الأسى) من دون تغيير في المتن . أقول منذ السطور الأولى يكشف الراوي هويته المهنية، فهو طبيب جراح عسكري موكل بإجراء عملية لجريح أسير . وهذه العملية هي التي تُفجّر التوتر داخل النص من خلال التناقض ما بين موقعي كل من الجريح / الأسير من جهة، وما بين الضابط / الطبيب في الجهة الأخرى . فالإثنان ينتسبان إلى دولتين في حالة حرب، وأن الأول هو جريح حرب تحت رحمة مباضع الجراح المنسوب للطرف الذي أسره . وبالرغم من انقطاع لغة التواصل اللساني بين الإثنين فهما ينتميان لأمتين مختلفتين، وللغتين مختلفتين ايضاً، إلا أن لغة أخرى ما فوق النظم اللسانية هي التي صارت اللغة المشتركة ما بينهما، وصار بإمكانهما تفعيل قاموسها الموروث من عصور البشرية الأولى لترجمة ما عجزت عنه لغة اللسان . أنها لغة الأواصر الإنسانية التي تجمع ما بين البشر على اختلاف ألسنتهم، وجهازها اللغوي هو العيون (لم تكن ما بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين) .

لكن الجهاز اللغوي للراوي المشارك / ألطبيب الجراح لم يشأ أن يبقيه في منطقة لغة الإبصار (لغة العيون)، فغريزته اللغوية تعيده مهما ابتعد إلى لغة اللسان، ليُترجم بها ما قالت لعينيه عين الأسير، فإذا بلغة البصر تتحول إلى لغة طبيعية ملفوظة، وإذا بالدموع تتحول إلى كلام عربيّ فصيح (فقالها عربية فصيحة بصمت، وكانت دموعاً هطلت مصحوبة بنشيج امتنان ما قدرت على تحمله) . ولأن التحية لا تُردّ إلا بأحسن منها، لذلك كان ردّ الطبيب الجراح على تحايا الدموع نشيجاً موشكاً أن يتحوّل إلى نحيب (فغادرتُ الردهة، وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعاً) .

وكما استقبلت عين الطبيب نظرات الأسير وترجمتها إلى لغة عربية فصيح، أستقبلت عين الأسيرنظرات الطبيب ودموعه، وترجمتها بنفس الآلية العاطفية إلى لغته الفارسية . وبالرغم من أن النص لم يُفصح عن تلك الترجمة، إلا أنه ألمح إليها عبر محاولة الأسير الردّ متجشماً عناء التوفيق ما بين اللغتين الطبيعيتين في رسالة إلى طبيبه . وتلك الرسالة الغريبة التي وصلت للطبيب بيد أسير مريض آخر تستحق التوقف عندها، فهي رسالة غريبة حقاً، وغرابتها تتأتى من وجهين:

الوجه الأول: انها رسالة بخط فارسي، وبلغة مزيج هي في ظاهرها عربية، ولكن بقواعد فارسية . ولهذا المزيج دلالته الإنسانية، فهو مزيج ذي دلالات عاطفية من لغتين مستقلتين لبلدين متحاربين، أي أن ما أرادت أن تقوله اللغتان لبعضهما في فضاء الإنسانية، هو غير ما تقوله إرادة حربهما في جبهات القتال . بل إن الرسالة بصيغتها المفتوحة على اللغتين، هي نقض للحرب المنغلقة على نفسها وعلى لغة دمارها . لقد كان من الأيسر على الأسير إيصال شكره وامتنانه لمنقذه شفهياً عبر وسيطه / الأسير الآخر المريض، ولكن إصراره على المغامرة الخطيّة بلغة لا يجيدها هو بحد ذاته محاولة مخلصة للتعبير عن الإمتنان وكأنه أراد القول لمنقذه: من أجلك أتخطى عوائق اللغة التي باعدت بين أمتينا ودفعتهما للتحارب .

ألوجه الثاني: ليس من اليسير على القاريء العربي في خارج المناطق المتاخمة للحدود الشرقية من الوطن العربي تفهّم رسالة الأسير الإيراني، وقد يظنها من لغة أخرى شرقية ثالثة، فهي لغة هجين، لا هي خالصة للعربية من حيث المعاني، ولا الألفاظ، ولا الصياغات، إلا في المغزى البعيد الذي يدركه القاريء من علاقة يخمنها مع عربيته، وإن إدراج الراوي للرسالة في نصه بنفس صيغتها  يُعدّ مغامرة سردية لا أحسب أن سوى سعد الصالحي جرأ عليها، وهو بهذه الجرأة يُرسّخ واقعية الحدث، فليس من اليسير اصطناع نصّ مزيج ومثيل من قبل شخص يجهل إحدى اللغتين .

بيد أن الجانب الإنساني الدفاق بمشاعر صادقة تجاه الآخر المختلف، أو القادم من الطرف المعادي لا يكتفي بتبادل وترجمة لغة الحواس ملتقطاً مفرداتها الطافية من على سطح مقلة العين فحسب، بل يتخطاها بحثاً عن جهاز لغوي آخر مدفون في أعماق الصدر، أنه القلب الذي ينطق بلغة الوجيب، وجيب قلب الأسير الجريح، في لحظة حرجة ما بين الحياة والموت على منضدة التخدير، حيث تتداخل، وتتحاور معه حواس الطبيب (أحسست وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارع شجني) وليس بنا من حاجة للتذكير بأن التحاور اللغوي المتعسّر ما بين اللسانين المختلفين، ينضاف إليه التحاور الحسي ما فوق اللغوي عبر النظر والنبض، هو تحاور ما بين شخصين يفترض منطق القوة السائد وقت الحدث أن أولهما في موقف الضعيف المنكسر / الأسير، وثانيهما في موقف المهيمن / الطبيب في الجانب الآسر . ومع تلك المعوقات تمّ الحوار بشكليه الإثنين ليثبت أنه ممكنٌ، وأن الحواجز المصطنعة للفصل ما بين البشر هي حواجز طارئة وعقيمة، فاللغة بأشكالها المختلفة كفيل بمدّ الجسور، وإزالة المعوقات، وتحسين صورة الآخر .

واللغة البديل التي كانت واسطة الحوار الإنساني ما بين الأسير الجريح والطبيب، هي ذاتها التي لجأ إليها (العقيد الطبيب) في النص العفوي (تشريب الكبة والحصار)، وهو نص يُخفي أكثر مما يُعلن، ويوحي أكثر مما يتكلم، وسنرجيء نبش المخفي مؤقتاً معرجين أولاً إلى اللغة البديل التي تحمل صاحب الرتبة العسكرية العليا / العقيد، وصاحب المهنة الموقرة إجتماعياً / الطبيب، تحمله صباح - أو على حدّ تعبيره (مُصباح) بضمّ الأول – كل جمعة إلى مقهى الخرسان في الميدان، وهذا الحمل هو بدافع لغوي، وإن بدا الأمر عكس ذلك، أو بدافع البحث عن لغة بديل، وتلك اللغة هي لغة الصمت التي تتخذ من الأصابع جهازها اللغوي (كنت عقيداً طبيباً في الجيش، وفي (مُصباح) كل جمعة اعتدت المرور بمقهى الخرسان في الميدان، مصغياً لصمت نقاشات أصابعهم الصاخبة) . بيد أنّ هذا الجهاز اللغوي الفريد لا يجيد لغة الصمت فحسب، بل هو يفرضها على المتحاورين معه متخذاً من أحد مكوناته (أصبع السبابة) عارضة لإيقاف أو إسكات الجهاز اللغوي التقليدي / الفم، خصوصاً عندما يتطرق المتحاورون إلى موضوع حذر، وهذا ما يُفهم من حديث بائع الكُبّة المرتاب للراوي (وضع سبابته على شفتيه، واقترب مني هامساً: بابا لا تفضحنا ... ) . ومن الواضح أنّ عناية الراوي باللغة البديل قربته أكثر من المنظومة السيميولوجية المتعلقة بالملابس العسكرية، فالعلاقة الرمزية ما بين الدوال / القمصلات الزيتوني / الأحذية الحمر / ألرتب العسكرية على الأكتاف (أو بالأحرى إخفاء الرتب من الأكتاف) في المقبوس  (دلفت يوماً ما – ظهيرة سبت – مصادفة إلى محل بائع كبة بمرقة حمراء، لأجد نفسي بين عدد من العسكريين من مرتدي القمصلات الزيتوني بأحذية حمر، وبلا رتب على الأكتاف) وبين المدلول / الرتبة العسكرية، وهو مدلول مخفي تحت القمصلة العسكرية، نجد دلالتها في خاتمة النص عندما يتبيّن أنّ أحد هؤلاء ذوي الرتب المخفية تحت القماصل هو ضابط برتبة عقيد ركن .

ومن الواضح أن ثمة علاقة ما بين اللغة البديل، والنص المخفي الذي أشرنا إليه آنفاً، فكلاهما يلمحان ولا يصرحان . وفي مواجهة القاريء يستأثر الراوي بالمهمة الأولى / التلميح، وعلى القاريء أن يتكفل لنفسه بالمهمة الأخرى / التصريح . وإن كانت المهمة الأولى محصورة بسطح النص، مما يزيل أثر الخلاف عليها زيادة أم نقصاً . إلا أنّ المهمة الأخرى / مهمة القاريء هي التكفل بباطن النص، أي بما يُتوقع من النص، وفي الحالين فالمهمتان تخمينيتان وخاضعتان للسجال .

ولعل ذروة ما أراد الراوي إخفاءه أو إعلانه في وقت واحد، هو إحدى غايتين يقصد الراوي من أجلهما مقهى الخرسان في الميدان، أولهما ما يتعلق باللغة البديل، وقد أشرنا إليه آنفاً، وثانيهما هو (صفّ – القندرجية – لألمع قندرتي، ووجه – ذلك الذي في بالي دائماً – أيام الحصار، أمام محلات الكبة والمرق والتمن) . ولعل المعني ب (ذلك الذي في بالي) سيبقى مجهولاً إن تُركت الجملة، أو شبه الجملة على إطلاقها، ولكن تعمد الراوي تزمينها ب (أيام الحصار) يجعل المعني بها معروفاً للذين عاشوا مرارة الحصار .

وعوداً إلى العنونة (تشريب الكبة والحصار) وهذا الربط اللماح ما بي العبارة الشعبية (تشريب الكبة) ومفردة (الحصار) وهما من مجالين دلاليين مختلفين تمام الإختلاف، فالأولى – وهذا تعريف مبتسر لغير أهل هذه الدار من رجل لا يفقه في فن الطعام شيئاً - أكلة شعبية عراقية يعرفها الفقراء من عمال وطلبة وباعة الذين لا يجدون ما يأكلونه في بيوتهم وهم يُغادرونها صباحاً إلى مكاسبهم، فيتناولونها على الأرصفة أو لدى بعض المطاعم الشعبية . أما الثانية (الحصار) فمن البدهي أن المقصود به هي العقوبات الدولية الشاملة التي خضع لها العراق في أعقاب احتلال الكويت، والمفردة في العنونة، ومن ثمّ في النص ليست إحالة للعقوبات بصيغتها السياسية، بل هي إحالة لوقعها المدمر على حياة الناس .

ومن الوضح أن ربط العبارة والمفردة معاً بحرف العطف (الواو) هو لتشكيل نص مواز ودال، أريد منه تبيان عمق حالة العوز التي أوصل الحصار القاسي المواطن العراقي إليها بحيث استعصى حتى على عِليتهم تناول صحن الكبة، وصار مرقها وثريدها فحسب، وكما يقول الراوي أكلة (ملكية النكهة)، وقد انعكس هذا التأثير على النص في جملة مشاهد، منها مشهد الضابط الكبير في وزارة الدفاع الذي لم يمكنه ضيق حال اليد من شراء صحن الكبة، فتناول بدله صحن المرق .

وكما تحاور الطبيب مع الأسير بلغة النظر في (من جعبة الأسى) عاد محاوراً نميراً في (تخونوه) من دون أن يقدم – كعادته في كل نصوصه الأخرى - أي تعريف مسبق بالشخصية تاركاً القاريء يكتفي بالاستنتاج الموجز الذي يفي بحاجة النص فحسب، ومفاده أن نميراً هذا هو عازف أكورديون، وقد كان عزفه لأغنية عبد الحليم حافظ  (تخونوه) مع زميله الآخر محمود هو واسطة التعارف بينهما . بينما كانت لغتا الموسيقى والعيون اللغتين المشتركتين بينهما، وقد لحقتهما لغة ثالثة قديمة قدم الإنسان إنفرد بها الراوي حصراً وراح يعتمد قاموسها ليترجم ما عصيَ عليه من لغة العيون التي يتحدث بها صديقيه نمير ومحمود، وتلك هي لغة الصمت التي سبق للراوي أن أصغى لنقاشات أصابعها في (تشريب الكبة والحصار)، وقد عاد إليها في (تخونوه) معبراً عنها بثلاث صيغ، ثنتان منها فعليتان بلفظين مختلفين، ودلالتين منفصلتين ولكن متجاورتين ولو عن بعد / أنصتُ و أرقب، والصيغة الأخرى أسمية ومباشرة / ألصمت (شاهدت نميراً، وأنصتّ لعزفه على الأوكورديون صحبة محمود عازف الكمان الأول بانسجام روحي دفعني للصمت، وأنا ارقب مسحة الحزن المتدفقة من عينيهما على أنغام مقدمة أغنية تخونوه لعبد الحليم حافظ) .

ويمتدّ زمن السرد في (تخونوه) لخمس وعشرين سنة، وهو عمر العلاقة ما بين الراوي ونمير، لكن الأول يختصر هذا الزمن في حياة نمير بثلاث محطات وظيفية، أدى نمير في كل منها دوراً مختلفاً وكالتالي: 

ألمحطة الأولى: جندي في الوحدات القتالية خلال الحرب العراقية الإيرانية .

ألمحطة الثانية: ألخدمة في مدرسة الموسيقى العسكرية .

المحطة الثالثة: نزيل مستشفة الرشيد العسكري .   

أما المحطة الرابعة، فهي خارج مسيرته الحياتية لثلاثة أسباب:

ألسبب الأول: لأنها شهدت ميتته مصاباً بورم في الدماغ .

ألسبب الثاني: لأن الموت يُعطّل كل الوظائف .

ألسبب الثالث: لأن الموت حدث ضمن المرحلة الثالثة، أي في مستشفى الرشيد العسكري .

بيد أن هذه المحطات لا تمثل سوى المراحل الأخيرة من حياة نمير، أو الجانب الذي بمقدور الراوي الشهادة عليه، أما الجزء المهمل من مسيرة حياته، أو المحطات الأولى منها فهي خارج معرفة الراوي، أو خارج حدود تغطيته، فالنص يعبر عن رؤية موضوعية محكومة بزمن التعارف فقط، ولذلك يمكن عدّ النصّ بأنه نصّ الراوي الذي يتشارك مع المروي عنه في كتابة الجزء المشترك بينهما من حياة الثاني .

ومن ثمّ يغادر المروي عنه النص ليتركه خالصاً للراوي لا تشاركه معه به سوى أحزانه، وهذا التفرد الذي أخذ شكل الإحتجاج ضد الموت شمل حتى الأغنية التي كانت سبب التعارف بينهما (ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً) . ومع ذلك، فالخمرة ليست وصفة سحرية لإدامة حالة التفرد بالدور، بل هي على العكس من ذلك الضامن الأكيد لاستعادة المروي عنه المغيب إلى الأبد عبر لغة العيون الحزينة التي كانت مع لغة الموسيقى واسطتي التعارف ما بينهما (ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً جداً، كي أسترجع تلك المسحة الحزينة التي رأيتها في عينيه قبل خمس وعشرين عاماً) .

وعوداً على بدء، نجد أن اتجاه سير الأحداث في (من جعبة الأسى) هو عكس مثيلتها (تخونوه) ففي حين كانت بداية النص الأول مغلقة / أسر + عملية جراحية، إلا أن الخاتمة شهدت انفتاحاً / نجاح العملية الجراحية + شفاء الجريح ومغادرته المستشفى + علاقة ود بين الأسير الجريح والطبيب . وهذه الخاتمة تفتح بوابة التأويلات على مصراعيها في ضوء وجود كل من الراوي / الطبيب والمروي عنه / الأسير على قيد الحياة . أما في النص الآخر (تخونوه) فقد كانت البداية منفتحة / عزف موسيقي عذب + صداقة بين الموسيقي والراوي . إلا أن الخاتمة شهدت انغلاقاً / موت نمير / المروي عنه . وبموته فليس هناك ما يروى . لكن هذا الفارق ما بين النصين لا يلغي حقيقة الدوافع الإنسانية المحركة للأحداث في النصين، والتي نجد كذلك صداها البعيد في (تشريب الكبة والحصار) مدفوناً تحت طبقة من الكوميديا السوداء .

وكوميديا الحاضر السوداء في (تشريب الكبة والحصار) تتلبس صيغة زمنية أخرى هي كوميديا الماضي السوداء في (حرب وسيكارة وحكاية) . ففي حين كان الراوي هو الشاهد والناقل المباشر لتبعات الحصار وآثاره على الناس في (تشريب الكبة والحصار)، صار الراوي في (حرب وسيكارة وحكاية) هو الناقل بالسماع عن الجد / ألشاهد والراوي الفعلي لإحدى حكايات المعارك ما بين الجيش العثماني المندحر، والقوات البريطانية الغازية في الفاو . أي أنه في النص الأول كان يرى ويروي، بينما صار في الثاني يسمع ويروي، والفرق ما بين الحالين أن موقع التجربة في حياة الرائي عن قرب، هي أعمق من موقعها في حياة السامع عن بعد، وهذا الفارق يتجلى باكتفاء الراوي التعليق على ما يسمع، كما تجلى في عدم قدرته على تخمين نتائج المعركة المروية حتى نهاية الرواية بدليل سؤاله العفوي لجده (جدو، يعني أنهزمتوا؟) بالرغم من أن تفاصيل المعركة المروية وخسائرها كانت تنبيء بوضوح منذ أول الحكي بالنتيجة .

وربما يمكن فهم سؤال الراوي بطريقة تداولية من تقدير المقام الذي في إطاره رويت الحكاية على أنه سؤال مغرض ومتعمد كان من قبله الراوي وجماعته من الأحفاد الصغار يعوفون نتيجة المعركة تمام المعرفة، ولكنهم تعمدوا سماعها من فم الجد مباشرة، وفي هذه الحال يكتسب السؤال بعداً رمزياً، يمثل المتسائل فيه / الأحفاد الصغار رمز الحاضر، ويمثل الجد رمز الماضي، وإن إصرار الأحفاد على سماع النتيجة من فم الجد هو إصرار الحاضر على إقرار الماضي بهزيمته واندحاره، فالهزيمة التي يتحدث عنها الجد كانت في ساحة المعركة قبل عقود بعيدة من الزمن، وكانت يومئذ هزيمة جيش مقابل آخر، وأمة أمام أخرى . لكنها اليوم فقدت بعديها التاريخي والعسكري، وصارت على فم الجد هزيمة سردية يرويها من ذاكرة تجاربه الشخصية وليس من مضان التاريخ، فهي اليوم هزيمته هو، وهي هزيمة زمنية وحضارية للماضي أمام الحاضر الذي يمثله جيل الأحفاد / الرمز .

ولا بدّ لنا من وقفة عند هؤلاء الأحفاد الماكرين والراوي المشارك أحدهم، فقد حاول بدءاً من السطر الأول من النص تفرده في السرد من خلال ضمير المتكلم (الياء) المتصل بالفاعل (سيق جدّي ...) لكنه سرعان ما تنازل لجماعة الأحفاد عن المهمة بدءاً من السطر الثاني، وحتى نهاية النص:

- حدثنا وهو يولج طرف سيكارته ...

- يصمت على ترقبنا

- ونحن نتملى دخان لفافته

- نفث نفساً آخر من سيكارته على وجوهنا ونحن نتساءل

وبذلك تراجع صوت الراوي المفرد، وحلّ محله صوت الأحفاد .

وعوداً إلى هزيمة الجد وفراره اللذين ما عاد لهما بعد تقادم الزمن عليهما نفس وطأتها أيام الأحداث، فالزمن كفيل بتحويل الهزيمة إلى تندّر يتوارى خلف التشبيهات الساخرة (كان دخان بنادقنا القديمة أكثر تأثيراً علينا من رصاصاتها التي تسقط كالبعرور، لا تُصيب هدفاً، ولا تمنع عدواً) أو الصورة الطريفة والظريفة معاً (هرب بعدها منا من هرب، وقتل من قتل، وما وجدت خطاي قد توقفت عن الجري إلا على باب الدار في جيزاني الإمام) .

وفي حين كان الجد يروي، كان (الحفيد / الأحفاد) (لا يكتفي / لا يكتفون) الإصغاء (بأذنيه / بآذانهم) فقط، بل (هو / هم) (يصغي / يصغون) (بعينيه / بعيونهم) أيضاً (محاولاً / محاولين) إيجاد حالة مواءمة وتوافق ما بين الحاستين، أو ما بين ترقب و (تملي) دخان سيكارة الجد، وما بين الإصغاء لمرويته (... يصمت آناً على ترقبنا ونحن نتملى دخان لفافته، ليعاود الحكاية آناً آخر) وكأنهم لا يصغون للجد فحسب، بل يصغون لحديث الدخان أيضاً . والقصة تكشف عن منظومة تواصل أخرى غير منظومة لغة الحواس، فالدخان بشكليه (دخان سكائر الجد، ودخان بنادق المقاتلين) يتجاوز حدود صفاته الفيزياوية، ليصبح شفرة لرسائل موجهة من قبل الجد مباشرة / دخان السكائر، أو موجهة من الماضي البعيد إلى الحاضر / دخان بنادق المقاتلين .

ففي مرحلة ما قبل البدء يكون كلاً من الدخان والحكاية في الغيب المخزون لدى الجد، وأية علامة لتحرير أحدهما وظهوره، هي علامة لظهور الآخر . فالعلاقة بينهما جدلية (حدثنا وهو يولج طرف سيكارته)، إنها الإستعدادات الأولى لانطلاق سباق الحكي، فإذا ما انطلق الدخان وتأخر الحكي فذلك يعني أن خلالاً ما قد عطله، لذلك يستعجل السامعون / الأحفاد جدهم (أي جدو ... وبعدين)، فيستمهلهم مؤنباً فيهم عجالتهم التي ربما تعني له أنهم يشككون في قدرته على المواصلة واجتراح الحكي (دصبروا شوية، عليش مستعجلين ... تجيكم السالفة) .

وكما كان أحد القرينين سبباً لظهور الآخر في البدء، فأن غياب أحدهما سيكون علامة لغياب الآخر في الختام (ثمّ نفث دخان سيكارته بوجوهنا ثانية) .         

(ملحق بنماذج من نصوص مراثي غيلان ج / 2)

من جعبة الأسى

أدخلوه عليَّ إلى صالة العمليات وقد غطوا عريه بوشاح معقم . لم تكن سوى عينيَّ ظاهرتان من بقية وجهي المكمم بالكامل، لكنه عرفني ونظر إلي مباشرةً وقال بإيرانيةٍ واضحة لكنها بصوت متهدج:

- سلوم ألَيكم دُكتُر

وهم يتابعون إجراءات التخدير كان مستمراً بالتحديق في عينيَّ وأنا أقف لصق جانبه الأيسر متمماً فيهِ تسليمه لقدرٍ سوف تحفل به أكفي على صفحة وجهه الذي انكسر منه عظم الوجنة بحادث عرضي . أحسستُ وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارعِ شجني وأنا أشعر في نظراته نحو وجهي توسله لشيءٍ ما، أو حنينٍ ما، وأنه وحيدَ المضجع لا أهلٌ ولا رفيق أو قريب .. إلَاي .

فراح صارخٌ من أعماقي يتدفق مصوِّتاً، أما له من أمٍّ لا تعلمُ الساعةَ أن قد ترفَّ روحه فوق رأسها لطاريءٍ ما أثناء عملية من هذا النوع المحفوف بكل الإحتمالات المميتة؟ أو أبٍ أو أخٍ أو ... حبيبة؟

بعد أن أنهيت عمليته، عًدْتُهُ مساءً، ووجدته يتحدثُ ببهجةٍ مع أقرانٍ له من الأسرى في ردهتهم . حاول النهوض ليحتضنِّي فوضعتُ كفَّيَّ على كتفيهِ وأعدته الى وسادته . لم تكن بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين . فقالها عربيةً فصيحةً بصمت وكانت دموعاً هطلت مصحوبةً بنشيجِ امتنان ما قدِرْتُ على تحمله، فغادرت الردهة وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعا .

وصلني بيد مريض أسير آخر، مغلَّفٌ صغير منه بعد ان غادر المستشفى بأسبوعين . كان المغلف يحتوي هديته إليَّ، معجون وفرشاة أسنان وعلبة سكائر، ورسالةً عربيةً كتبها بيده وبخطٍّ فارسي، مفادها كما رُسِمَت:

((تقديماً لحضور الدكتور السيد الرائد سعد فاضل، اطلب الله تعالى صحتكم وصحة اهلكم ومن جهتي اشكر من الطافكم واخلاقكم الحسنة، هذه الهدية الصغيرة يراوي اخلاص وحب قلبي لأنها بلا سعر ويراوي رضاية قلبية حارة وارجو الله ان يطوّل هذه العلاقات بيننا وبينكم وانا خجلان من خدماتكم واخلاق الرئوفة، اندعي عند الله تعالى ان الاسرى يرجعون وساذكرك انشاء الله عند اهلي، اسمح لي لان الاسير ماله شيءٌ، يا اخي العزيز ماانسيك انشاءالله وارجوك ان لا تنسيني،

اسير / اخوك الصغيرحسين نوشهري)) .

تشريب الكبة والحصار

كنت ُ عقيدا ً طبيباً في الجيش، وفي (مُصباح) كل جمعة اعتدت ُ المرور بمقهى الخرسان في الميدان، مصغيا ً لصمت ِ نقاشات أصابعهم الصاخبة، ثم صف (القندرجية) لألمِّع َ قندرتي ووجه (ذلك الذي في بالي دائما ً) أيام الحصار أمام محلات الكبة والمرق والتمن.

دلفت ُ يوما ً ما – ظهيرة سبت ٍ – مصادفة ً، الى محل بائع كبة بمرقة حمراء، لأجد نفسي بين عدد ٍ من العسكريين من مرتدي القمصلات الزيتونية بأحذيةٍ حُمر ٍ وبلا رتب ٍ على أكتافهم .

دفع أحدهم دينارين للبائع مقابل صحن مرق ٍ من دون (كُباية ٍ)، وأخرج من جيب قمصلته رغيف خبز ٍ ثرده فيه وراح يلتهم الوجبة كأنها ملكية َ النكهة .

بعد خروجه سألت ُ البائع هامسا ً:

- عمي الله يخليك ِ ما تكَـُّلي شنو سالفة هذا العسكري ابو الثريد بلا كبَّاية؟

وضع سبابته على شفتيه واقترب مني هامسا ً كذلك:

- بابا لا تفضحنه، هذا عقيد ركن بالدفاع ومغطي الرتبة بالقمصلة، بس الله مطيِّح حظه بهالحصار!

هذه ليلتي

وغربت الشمس في (راغبة خاتون)، فكان لابد أن أتم َّ رش أشجار (الرارنج) وشجيرات (الياس) وأرض الطارمة ليتولى بعدها رياض إبن عمتي توصيل (بلك) نشرة المصابيح أم (كَلوبات) الصِفِر بألوانها الزرق والخضر والحمر الخابيات بين الأغصان. فقد آن موعد وصول أبي ببضاعته الخرافية لليلة الجمعة .

صاح أبي:

- أم سعد جيبي (ميز) الفورميكا الأخضر بالعجل

وكان قد تأبَّط كيسين أسمرين من أمهات الخمس فلوس ملئن بما لذ وطاب . رحنا أنا ورياض نرتب فرش (الجرجف) الأبيض على صفحة ميز الفورميكا مع راديو سوني المتربع عرشه . جلس أبوك يا سعد وجعل يحرك ميله حتى استوى الصوت على إذاعة صوت العرب مترقبا ً أغنية أم كلثوم الجديدة . قال رياض:

- ها خالو تحتاج شي بعد

- إي .. جيبولي كاستين كبار

وفتح بعدها أحد الكيسين فأخرج عبوتين من جبس البطاطا، تلاهما كيس كرزاتٍ ولبلبي وبا قلاء ثم رمان مفرَّط، ذلك قبل أن تتوج أمي الطاولة بصحني زلاطة وجاجيك بالخيار والثوم من الدرجة الأولى ومن النوع المصلاوي، فهمس لي رياض:

- سعودي يمكن خالي اليوم راح يسويهه صدكَـ ويشربله عالأقل نص بطل عركّـ، خصوصا ً الشغلة بيها رمان مفرَّط وكاسة جاجيك؟

حانت الساعة وتناول كيسه الثاني وكلنا ترقب على اتساع أعيننا أنا ورياض .. لكنه قبل أن يمد يده تذكر شيئا ً آخر فنادى:

- روحوا جيبلي دولكة مي بارد وعليها ثلج

قلت ُ والله إنه قد قرر على عرق (المستكي) الذي اعتاد عليه أخوالي وأعمامي في سهراتهم على شواطي أبي نؤاس . صدح صوت أم كلثوم بعد ان أذاقنا من كل تحف مزَّاته نصيبا ً، ومد يده الى الكيس، فأخرجها – والله - قنينة بيرة (فريدة) واحدة فقط، شامخة ً بكل هيبة الوصول آمنة ُ على عرش الطاولة

نديم .. إبن عمو حافظ

أحبَّ ابنة عمتهِ واصطحبني معه ليقض مضجعي انتظاراً على باب دار أهلها ساعاتٍ وساعات في راغبة خاتون، ذلك بعد عودتي منهكاً من المتوسطة الغربية عند الرابعة عصراً. إستسلمتُ لنديم لأنه كتب لي كلمات أغنية (يا مسهرني) وقال لي إنها من ألحان رجل جديد على عالم أم كلثوم اسمه سيد مكاوي . فجدد لي بذلك عاماً آخر من حياتي .. إذ كانت أم كلثوم .. كل حياتي .

أُسِــرَ نديم في معارك الشوش – ديزفول عام 1982 أثناء الحرب العراقية – الإيرانية وما رأيته ثانيةً في العراق إلا بعد إطلاق سراحه في العام 1997 .. بائساً، مكبوتاً، غير مرحِّبٍ بي في زاوية من أسواق أبيه (أسواق عمو حافظ) قرب شارع (ماجد أمين)، التي أغلقها بعد حينٍ وهجر محلتنا (راغبة خاتون) وتركني أتساءل:

من كان نديم؟

تخونوه

شاهدتُ نميراً، وأنصتُّ لعزفه على الأكورديون صحبة محمود عازف الكمان ألأول، بآنسجام روحي دفعني للصمت، وأنا أرقبُ مسحة الحزن المتدفقة من عينيهما على أنغام مقدمة أغنية تخونوه لعبد الخليم حافظ .

أحببتُ في نميرٍ صبره على خدمته العسكرية في وحدات القتال المحترقة خلال سنين الحرب الإيرانية - العراقية حتى توسطت له نقلاً إلى مدرسة الموسيقى العسكرية بباب المعظم في بغداد .

كانت لحظة فارقة يوم إستمعتُ لصوته عبر هاتف مستشفى الرشيد العسكري الداخلي ليخبرني أنه يرقد في ردهة المراتب المصابين بألأمراض العصبية . تركتُ خفارتي في ردهة الوجه والفكين وأسرعتُ مهرولاً إلى تلك الردهة المشؤومة، سلمتُ عليه بحرارة وقبلته وجلستُ على سريره متفاجئا بصحته الجيدة، طلبتُ من ممرض الردهة أن يجلب لي طبلته لأقرأ ما فيها، وكما أخبرني فقد كان يعاني من صداع بسيط ولكنه مستديم على الرغم من المسكنات التي بات يتناولها بشكل مستمر، قرأت التشخيص:

(ورم دماغي خبيث في الفص الخلفي من المخ) ..!

قال لي بصوت فيه الكثير من الأسى:

- دكتور، خابرت كل أصدقائي بمدرسة الموسيقى العسكرية بس ولا واحد منهم إجاني، آني والله مشتاق أشوفهم وخصوصاً محمود الكمنجاتي .

عدتُ صباح اليوم التالي إلى ردهته كي أطمئن على حالته من الطبيب المختص، وجدتُ السرير فارغاً، سألتُ ممرض الردهة:

- إبني وين نمير؟

- سيدي البارحة ورا نص الليل إنطاك عمره .

توفي نمير، وآمتنعتُ عن زيارة مدرسة الموسيقى العسكرية، ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً جداً كي أسترجع تلك المسحة الحزينة التي رأيتها في عينيه قبل خمسة وعشرين عاماً .

أبو يونان

لابد لي من تذكره والحنين لروحه الغريبة والعجيبة، زميلي في إعدادية النضال للبنين في سنك بغداد وقلعة الشيوعيين أيامها ونحن على مشارف السبعينيات .. هنري واهان كَرابيت، يوم اعتلى رحلة وراح يهتف:

- إبشروا ياقوم، بطل البيرة صار بمية وعشرين فلس .. لحكَوا وياية على شارع سينما الخيام

ويا أبقاه الرب، ظل يزورني في بيت اهلي براغبة خاتون، وفي كليتي بطب الأسنان، وينير تواصله بالمحبة الجمة بلا تردد أو تأخر طيلة سنوات دراستي فيها ودراسته في كلية الإدارة والإقتصاد .

كنت ُ وما زلت ُ أذكر بريق عينيه، وسعادته بصحبتنا مع أقرانه بإعدادية النضال في الفرصة بين الدوام الصباحي والظهري عند ناصية همبركر أبو يونان في قلب شارع الرشيد ... يلتقف اللفة المدورة، ويلتهمها بشهية متقدة كدأبه مع كؤوس البيرة في البارات، أو ولعه بالقفز من درجة أبو الأربعين فلس في صالة سينما أطلس، إلى الدرجة الثانية أم المية وعشرين فلس أثناء انطفاء الأضواء وبدء تسارع الشاشة بالمقدمات النارية .

بعد أربعين عاما ً من افتقادي له، تكبدت ُ الإنترنيت والفيسبوك بحثا ً عن أثر له .. توقا ً وشوقا ً لصوته ومحياه الآسر ... لم أوفق .

حربٌ وسيكارةٌ وحكاية

سيق جدي توفيق العبو مع من سيق الى (السفر بر) لمقاومة الإنزال البريطاني في الفاو أثتاء الحرب العظمى . حدثنا وهو يولج طرف سيكارته بتُخْم الياسمين، يصمتُ آناً على ترقبنا ونحنُ نتملَّى دخان لفافته ليعاود الحكاية آناً آخر . قال:

- كان دخانُ بنادقنا القديمة أكثر تأثيراً علينا من رصاصاتها التي تسقط كالبعرور لا تصيب هدفاً أو تمنع عدواً .

ثم نفثَ نفساً آخرَ من سيكارته على وجوهنا ونحن نتساءلُ (إي جدو ... وبعدين؟)، قال:

- دصبروا شوية، عليش مستعجلين .. تجيكم السالفة

ثم أردفَ، نظرتُ إلى جاسم الجمون على يميني يصرخ من جرحٍ في جبهته، وما أن مددتُ يدي اليه حتى أصيبت بطلق من (الأنكريز)، صرختُ متألماً وأنا أصيح (وين الطواب؟) فإذا السماء تفتح علينا بقذائف مدفعية الكفار لا تبقي بشراً ولا مذراً على رمال الفاو . لم تدم تلك المعركة أكثر من (جارك) ساعة، هرب بعدها منا من هرب وقتل من قتل، وما وجدتُ خطايَ قد توقفت عن الجري إلا على باب الدارِ في (جيزاني الامام) ببعقوبة .

قلتُ:

- جدو، يعني انهزمتوا؟

- إي جدو ... انهزمنا، ذولة (الأنكريز) بلوة مال ألله، عدهم هاي (الفيكرس) ما يوكف كدامها بنيادم . والتُرُك طلع سلاحهم لا بي خير ولا غيرة .

ثم نفث دخان سيكارته بوجوهنا ثانيةً .

أنحني بكل الإجلال والإحترام والتبجيل لأستاذي وأستاذ الأجيال، الناقد الكبير البروفيسور شجاع العاني، الذي تكرم وكتب عن قرطاس (مراثي غيلان)، وعلى صفحته الشخصية ما مفاده نصا ً:

مراثي غيلان

الى صديقي سعد الصالحي

بشغف كبير قرأت قرطاسك الذي اطلقت عليه عنوان (مراثي غيلان) والذي ابدعت فيه صنفا جديدا في جنس السرد يجمع بين السيرة الذاتية والقص الجد قصير بحيث يمكن ان نطلق على كل صورة في هذا القرطاس مصطلح (قسيرة).

ولقد تذكرت وانا اقرأ هذه الصور التي سبق ان قرأت بعضا منها على الفيس بوك وكأنك تريد ان تقول للقارئ:

انتهى عصر الكتابة والطباعة الورقية ونحن نشهد عصرا جديدا هو عصر الكتابة والادب الالكتروني وها انا ابدع شيئا يناسب هذا العصر.

وانا اقرا قرطاسك تذكرت قول فلوبير عن رائعته مدام بوفاري:

مدام بوفاري هي انا!

لقد جاءت المراثي صورة لصاحبها فالابتسامة المشرقة تتسلل من بين الالام والموت والدمار لترسم للقارئ ضوءا وسط عالم ظلامه حالك. وقد اكسب البحث عن المفارقة والطرفة والنكتة لهذه الصور مذاقا فريدا لون هذه الواقعية الشعبية الغليظة التي تتميز بها.

واذا كنت ساستشهد هنا بصورة (تاريخ بلغاريا الحديث)، فاشير الى مواضع لاستخلاص الحكمة كما هو الامر مع صورة (الحبال)، على ان مما اكسب هذه الصور طابعا فنيا خاصا، هو هذه العفوية في السرد التي نجدها في السرد الشفاهي الشعبي للكاتب بالاستهلال او الختام في هذا السرد، فهو يقسم قائلا (والله العظيم) مستهلا احدى الصور او (والعباس ابو فاضل) في اخرى، هذا فضلا عن استخدامه اللغة المحكية في خطاب الشخصيات احيانا.

والكاتب والحق يقال يمتلك قدرة عجيبة لا في تصوير الشخصيات بل وفي تصوير لغاتها ايضا واحيل القاريء الى صورة (حسين بانزين) والى هذه اللهجة الموصلية (ول ابويي لقيتو مكَدي ..عيغجف من البغد، اعطيتو اللي الله قاسمو مني وشلحتو القاط ولبستو ودفيتو) ومن المؤسف ان الكاتب عاد ليترجم هذا الخطاب بالفصحى . والحقيقة ان اللغة المحكية هنا اسبغت على هذه الصورة طابعا خاصا بدونه كانت ستفقد الكثير.

اهنئك اخي سعد فانت لا تسجل خرقا في السردية العربية حسب بل وتضيف اليها لونا من حقك ان يسجل باسمك.

أول النساء

في الثاني متوسط، أرسلتني أمي لألبي طلب جارة لنا كي أظل معها وجيزا ً لغياب زوجها بعد الظهر . وقد كانت تلك المرأة تقلي الكباب، وتغسل الخضرة، وتعد الشاي لاستقبال ضيوفِ زوجها عشية ذلك اليوم . إقتربت الساعة من السادسة قبل مغيب شمس الشتاء، وكنت ُ أطالع قصة من قصص جبران خليل جبران، شغوفا ً بتلك الرومانسية الفتية في روحي بغرفةِ الإستقبال .

دخلت المرأةُ الغرفة، وقد كانت متدثرة بروب ووشاح كتف أبيض – ما زلت أتذكر أيضا ً أنها كانت ترتدي بيجامة شفافة – وقالت:

- بعد عشر دقايق راح يجون الخطار، تعال دا أبوسك كَبل ما تروح لبيت ماما

حشرتني خلف باب الغرفة، وقبلتني من فمي وهي تحرص على مضغ شفتي َّ باتقاد، ثم شعرت ُ – أول مرة ٍ في حياتي – بجسدِ أنثى، يطبق علي َّ، وهي تهصر فخذي بين فخذيها، حتى صَرَخَتْ بعد لحظات بتأوه ٍ شديد . كنت ُ لا أعلم لماذا فعلت ذلك !

لم أخبر أحدا ً بتلك الواقعة الغريبة إلا حبيبتي، التي كانت أكبر مني خمس سنوات، فأجابتني بغضب:

- إنجب أدبسز، مو عيب تحجي على باجيتي هالشكل؟!!

قصاصة الأسى

أدخلوه عليَّ إلى صالة العمليات وقد غطوا عريه بوشاح معقم . لم تكن سوى عينيَّ ظاهرتان من بقية وجهي المكمم بالكامل، لكنه عرفني ونظر إلي مباشرةً وقال بإيرانيةٍ واضحة لكنها بصوت متهدج:

- سلوم ألَيكم دُكتُر

وهم يتابعون إجراءات التخدير كان مستمراً بالتحديق في عينيَّ وأنا أقف لصق جانبه الأيسر متمماً فيهِ تسليمه لقدرٍ سوف تحفل به أكفي على صفحة وجهه الذي انكسر منه عظم الوجنة بحادث عرضي . أحسستُ وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارعِ شجني وأنا أشعر في نظراته نحو وجهي توسله لشيءٍ ما، أو حنينٍ ما، وأنه وحيدَ المضجع لا أهلٌ ولا رفيق أو قريب .. إلَّاي .

فراح صارخٌ من أعماقي يتدفق مصوِّتاً، أما له من أمٍّ لا تعلمُ الساعةَ أن قد ترفَّ روحه فوق رأسها لطاريءٍ ما أثناء عملية من هذا النوع المحفوف بكل الإحتمالات المميتة؟ أو أبٍ، أو أخٍ، أو ... حبيبة؟

بعد أن أنهيت عمليته، عًدْتُهُ مساءً، ووجدته يتحدثُ ببهجةٍ مع أقرانٍ له من الأسرى في ردهتهم . حاول النهوض ليحتضنِّي فوضعتُ كفَّيَّ على كتفيهِ وأعدته الى وسادته . لم تكن بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين . فقالها عربيةً فصيحةً بصمت وكانت دموعاً هطلت مصحوبةً بنشيجِ امتنان ما قدِرْتُ على تحمله، فغادرت الردهة وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعا .

وصلني بيد مريض أسير آخر، مغلَّفٌ صغير منه بعد ان غادر المستشفى بأسبوعين . كان المغلف يحتوي هديته إليَّ، معجون وفرشاة أسنان وعلبة سكائر، ورسالةً عربيةً كتبها بيده وبخطٍّ فارسي، مفادها كما رُسِمَت:

((تقديماً لحضور الدكتور السيد الرائد سعد فاضل، اطلب الله تعالى صحتكم وصحة اهلكم ومن جهتي اشكر من الطافكم واخلاقكم الحسنة، هذه الهدية الصغيرة يراوي اخلاص وحب قلبي لأنها بلا سعر ويراوي رضاية قلبية حارة وارجو الله ان يطوّل هذه العلاقات بيننا وبينكم وانا خجلان من خدماتكم واخلاق الرئوفة، اندعي عند الله تعالى ان الاسرى يرجعون وساذكرك انشاء الله عند اهلي، اسمح لي لان الاسير ماله شيءٌ، يا اخي العزيز ماانسيك انشاءالله وارجوك ان لا تنسيني،

اسير

اخوك الصغيرحسين نوشهري)) .

مرت سبعة وعشرين عاماً والرسالة (القصاصة) مؤطرة ومعلقة على جدار من جدران الدار، وفي بقعة كبيرةٍ على ... شغاف قلبي .

السياسيون الكبار

 

فوجئنا بضحكاته المجلجلة ونفسه المتقطـِّع من شدتها، الجد العصملي ينادي بكلمات نصف منطوقة وقد دمعت عيناه من فرط قهقهاته المتلاحقة. (نريد استقلال كردستان)، خُطـَّت باللون الأحمر على واجهة دارنا في اربيل؛ ولما كان الجد العصملي هو المنوط بكل إجراءات العائلة السياسية فقد فسّر لنا وجه المفارقة المقترنة بوجود الشعار على جدار دارنا بالذات.. متسائلاً من سيصدق لحاق اللون الأحمر بنا من بدرة إلى أربيل..!؟ لكنه حسم الأمر بوعي تاريخي مباشر، ذلك أنه بكـَّرَ في صبيحة اليوم التالي وقد خط َّ باللون الأزرق على واجهة الدار (منحتكم استقلال كردستان)..!

ترتب على كل ذلك أن أجمعت كافة فصائل الحركة الكردية عبر مخيلتها الشعبية في أربيل على وطنيــــــة (العصملي) وضرورة ارتدائه الزي الكردي الخاص بالمدينة كلما تسنى له ذلك لاسيما في الدعوات التي ستقام لأجله، وأن يسمح لهم بزيارته في الأوقات التي يراها ملائمة ليكمل لهم أقاصيصه عن الحرب العظمى وعظمة آل عثمان المتأخرين ومناقب سندرسن باشا، ثم اتفقوا جميعا على التنازل عن استقلال كردستان إلى المطالبة بالحكم الذاتي جبراً لخاطره العزيز عليهم..! إلا أن كل ماتقدم لم ينقطع لحد الآن بفضل مؤازريه من أجيالهم اللاحقة

الشوفرليت 58

لن تتحداني على شدة التصاق انحناءات الجدران بباب الدار في مخيلتي أي أرقام، ذلك أن أنصاف الأقواس بقيت تحيط بكل الأشكال الدائرية للقلاع والسقوف المحدبة والأبراج وتكورات سراويل الكرد وعمامات رجال الدين، لكنما ظلت عقالات الأعراب وحدها عصية على التآلف مع الشحنة الذاكراتية .. ربما لأن الألتصاق ظل منوطا بنكهة اللبن الصباحية في أربيل !

 يعصف صوت منبه سيارة (نعمت علي الشكرجي) أمام إنحناءات الجدران المحيطة بباب الدار فيتضخم الصدى بأنغلاقه في المجاز الضيق لا ليوقظنا حسب ولكن ليسرع بنا الى جولة معبئة بالتجدد في كل لحظة من أعمارنا أنا وأختي هناء.

نتبوأ ُ مقاعد الصدر في سيارته الشوفرليت 58 الحمراء ونطوف في نطاق حول القلعة المتسامقة، ثم ينثني بنا الى المستشفى لنغني أناشيد مرتبكة أمام (منعم) ابن خالتنا (سعاد) الراقد بشلل الأطفال في ردهة خالية من الطفولة. يشاركنا الطفل المعاق بكردية بريئة غناء الأهزوجة:

- كريمة .. زعيمة، كريمة .. زعيمة

إن نعمت علي الشكرجي، زوج خالتي، سليل ظهور الجبال العنيدة والبرجوازية المضمحلة مازال عنيدا كصلابة قفا أجداده، يعيش وينفق العديد من الأولاد على مصائر كثيرة .. أغلبها لم يعد مجهولا

العنبة الهندية

في السينما، كانت لنا المقصورة - اللوج - تمتلئ بالكرزات والجبس وقناني الكوكا كولا وتعليقات أمي غير المنقطعة عن آفا كاردنر وإليزابيث تايلور وأيفون دي كارلو، ثم لفـّات العنبة الهندية بالبيض المسلوق وشرائح الطماطة..إنه ذلك المزيج الأسطوري الأصفر المضمخ بالفلفل الحار وقطع اللب الذي تأبـّدَ قرينة ً لاهوية لصالة عرض أفلام لي من دونها، لطالما ظللتُ أتحرقُ شوقا ً لتلك الظلمة المفاجئة والصفير الصاعق ومقدمات الأفلام السريعة.. لتلك النكهة الحريفة والمذاق اللاذع ؛ حتى أن رياض وهو مصابٌ بجراحه في مستشفى مندلي كان لايني يذكـّرني - على الرغم من آلامه - كيف كنت أصيح على بائعها في صمت الصالة وظلمتها:

- تعال أبو العنبة..

بلا استئذان منه أو حساب لجيبه الذي يعود به خاليا ًتكـّرما ً لي بالعنبة الهندية.. كيف تسنى له أن يتذكر شهيتي لها على فراش جراحه بلغم بتر نصف كف قدمه اليسرى؟

 قال فجأة:

- تتذكر سينما سيروان في أربيل؟

- نعم أتذكرها تماما ً

- كنت أكثرنا سعادة بأفلام الحروب

- نعم ومازلتُ

- لاتخدعنك أفلام الحروب، فالموت لا يحتمل مزاجنا، دعني أقـّبلـُك أيها العزيز.

وراح بعد هنيهات في إغفاءة عميقة !..

تمنيت ُ أن لا تجتمع نكهة العنبة الهندية التي ذكـّرَنيها رياض ونكهة المعقمات وعطن أكياس الرمل التي حـُصـِّنـَتْ بها شبابيك مستشفى مندلي .. بنكهة أخرى، مقرفة تماما، كان لابد من ألإحساس بها كلما تذكرت سعادتي بأفلام الحروب.

بلا استئذان منه أو حساب لجيبه الذي يعود به خاليا ًتكـّرما ً لي بالعنبة الهندية.. كيف تسنى له أن يتذكر شهيتي لها على فراش جراحه بلغم بتر نصف كف قدمه اليسرى؟

 قال فجأة:

- تتذكر سينما سيروان في أربيل؟

- نعم أتذكرها تماما ً

- كنت أكثرنا سعادة بأفلام الحروب

- نعم ومازلتُ

- لاتخدعنك أفلام الحروب، فالموت لا يحتمل مزاجنا، دعني أقـّبلـُك أيها العزيز.

وراح بعد هنيهات في إغفاءة عميقة !..

تمنيت ُ أن لا تجتمع نكهة العنبة الهندية التي ذكـّرَنيها رياض ونكهة المعقمات وعطن أكياس الرمل التي حـُصـِّنـَتْ بها شبابيك مستشفى مندلي .. بنكهة أخرى، مقرفة تماما، كان لابد من ألإحساس بها كلما تذكرت سعادتي بأفلام الحروب.

أربيل...لماذا؟

 لأنها خطوة إلى عالم فسيح أكبر، لأنها الغربة في حضن الوطن ولأنها الوطن في المنافي ! تلك أسباب لها ماعليها، ولها وجه خالتي وأبنائها الكرد، أولاد نعمت الشكرجي، سليل برجوازية مضمحلة بأذيال الأغوات؛ صالتان للسينما وكازينو وبقالة حلويات مضمخة بالدهن الحر وكلال السكر الإيراني وألف إعجاب بـِ (سامية جمال)، ولأجلها أقترن نعمت الكردي بشبيهتها (خالتي المصلاوية).. كما أنه مازال يعشق السينما وغرفة (المكينة) التي يحتفظ فيها دائما بطاولة على صفحتها ربع عرق وصحن باقلاء صغير وقطع من (النومي حامض) مع علبة سيكاير (كريفن أبو البزون)، جدران ملأى بقامات الراقصات وأوجه الممثلين المليئة بالرغبات العجيبة !! ألفُ حب ٍّ لنفسه وجنرالات حروبه الجبلية!..

يمضي الزمن ونحن أطفال ودمى من الخرق وعجلات من الأنابيب المطاطية وألعاب بلا هويات قومية، لغتنا الرصيف وعداءاتنا اختفاء خلف الجدران وتحت أغطية البراميل، بيتنا يطل على حرية الشارع وعلى فضاءات تتراءى في أفقها ذؤابات الجبال القريبة بجبروتها المطل على ربوة المقبرة القريبة. كنت أحس بامتداد رطوبتي عبر الفراش إلى جدران الدار وعفونة الباب والشوارع المكتسية بالبرد والحالوب.

أنها أربيل، الخلاص الذي عاد به أبي من نجيب الربيعي والمنفى بالوجه الآخر لعائلة ربما اكتشفت أخيرا أنها بلا مبادئ.

اليباب

نظرت عصر اليوم بسرعة الى الدور (الخاوية) المجاورة ...

لصقنا دار الرائد سعيد التكريتي رحمه الله (توفي اثر سكتة قلبية)، ثم دار العقيد حماد (خُطف واغتيل على يد مجرمي القاعدة)، تليها دار المرحوم الجار البطل عميد القوات الخاصة، ومعلم التدريب العنيف لقوات النخبة، صكَـر العجيلي (توفي بسرطان الكبد بعد معاناة شديدة).

وكان أملي شديداً أن يظل خليلي اللواء الطبيب الأستاذ الدكتور وزميل كل الأوقات الحميمة والعصيبة والجميلة .. قيس عبد اللطيف مصطفى الزبيري على قيد الحياة نتذاكر معا ً جيرة أولئك الأحبة، لكنه غادرني مستعجلا بعقابيل سرطان الكبد كذلك بعد أن شفي منه لوقت لا بأس به في مغتربه بالإمارات .

 (ألخمس دور) كما يسميها أهالي تكريت لم يتبق منها سوى داري المطلة على شارع البلاج .. وأطل على وحشتي وحيدا ً بعد انقضاء ثلاثين عاما ً بتلك الجيرة الطيبة أكابد فقدانها كل ساعة .. كأنني ألوم بقائي بعدهم على قيد .. السرطان

تاريخ بلغاريا الحديث

 (مراثي غيلان)

في زمن الحصار، وبعد أن سألني (سلمان داود محمد) لمَ تصر على ارتداء بذلتك العسكرية برتبتك حتى ونحن في سوك الهرج، تبعثرالزائرون للمريض الراقد في (الصورة) الملقاة على كونية أم القلمين، مبتسمين وحالمين بكشخة المناسبة .

 ثم تواتر الجمع في صورة أخرى على جمعةٍ في (سلمان باك)، ليندغم كل ذلك بعشق تجوالنا صباحاً في السوق أمام دكان مصور تراثي عرض تلك الصور لمئات المجهولين ببذخ الذكريات البغدادية على قارعة رشيــدٍ من بقايا الزوراء . وانتبهنا معاً مأخوذين بطوابق المنظر إلى كدس المكالمات المجففة في آلاف الهواتف العاطلة مع سمتِ استكان شاي وصديق يشارك صاحب الدكان عبر دخان سيجارة كلاماً عن السجاجيد الكاشانية العتيقة .

توقفنا قبل الرحيل عن السوق حذو فجة صوف مهترئة يشمخ على سطحها (تَـكْ) بسطال أحمرعراقي، تراصفت لصقه دمية بلاستيكية عارية، بكرة منضدة عاجية ارتجلت كرأس لها تَـبَـرَّجَ بألوان النساء، ثم سبانة (14)، مع رقعة حية ودرج، وسِـفْرٍ ضخم بألفين صفحة عنوانه (The History of Modern Bulgaria) .

وظل في ذاكرتي سمتِ استكان شاي وصديق يشارك صاحب دكانٍ عبر دخان سيجارة كلاماً عن السجاجيد الكاشانية العتيقة .

 

ليث الصندوق

......................

ألحلقة الرابعة من: أضواء على أدب ال facebook

 

جمعة عبد اللهالاديب حميد الحريزي، يمتلك تجربة طويلة وغنية في الابداع السردي الهادف والرصين. الذي يمتلك رؤية الفكرية والاجتماعية والايديولوجية. وفق قناعاته، من تجارب صميم الواقع والحياة، ويقف بقوة وبقناعة راسخة، في مناصرة الشرائح الاجتماعية المسحوقة والمضطهدة، التي تعاني من مرارة القهر الاجتماعي والظلم من الانظمة الشمولية، التي تمارس الارهاب والانتهاك والاستلاب، في البطش والتنكيل، او ممارسة اشكال من الارهاب البشع، او تمارس سياسة التجويع والفقر، والاذلال في القيمة الانسانية، قديماً وحديثاً. والمزايدة في تجارة الشعارات البراقة الخاوية المحتوى والمضمون، بأسم (كل شيء من اجل القائد المظفر) سابقاً، والمتاجرة بالدين والتدين والشرف، بحجة صون حرمة وشرف المرأة حالياً، وهم يبعونها بدون شرف واخلاق. لذلك يعتبر ابداعه السردي، يمتلك قوة وصلابة في الايحاء والمغزى التعبيري الدال، عن هذه الانظمة البغيظة والسيئة الصيت والسمعة. ويخلق في خياله الفني، في رؤيته الواسعة، بكشف العيوب وفضحها على المكشوف. لذلك ابطاله في مجموعته القصصية، تعاني التأزم المأزوم، الذي يحرث في الانكسار والاحباط والهزيمة واليأس الحياتي، امام افعال الواقع القاهرة. تعاني العسف والظلم والحرمان، من مسخ حقها الشرعي في الحياة، ابطاله يعانون القهر الاجتماعي والحياتي، في أسوأ اشكاله، يعانون من مصادرة الحرية والحياة، في اساليب الارهاب، وزج المواطنين في محارق الحروب، ليكونوا وقوداً لها، او ملاحقتهم في العيش والرزق اليومي كما يحدث قديماً، وحديثاً في طامة الارهاب الدموي بالتفجيرات اليومية، التي تطال الشرائح المسحوقة والشعبية. بأن تكون الحياة، سلسلة رعب وانتهاك متواصل لا ينقطع بدأ، بل يزيد من وتيرته المتصاعدة، رغم تبدل الازمنة، وسقوط نظام، ومجيء نظام جديد آخر، لكنها تبقى نفس الثوابت، تتوارث باساليب الانتهاك وسلب الحياة والعيش. ابطاله ينتمون الى صلب الواقع المأزوم والمحروم. يعانون من صعوبة التكيف الحياتي، في البؤس والقهر الاجتماعي، وخاصة عند المرأة التي تكشف، خواء ونفاق البهرجة الاعلامية للعمائم واللحى الشيطانية، في صون شرفها وعفتها، وهم يساومون على شرفها وعفتها، في اشباع الغريزة الجنسية في الشبق الوحشي، في التعامل والتصرف والسلوك، هكذا بكل براعة يوجه خطابه السردي، الذي يحمل رؤية واسعة الافاق للناس والحياة، في زخم الايحاء والرمز البليغ، على مجريات الواقع وعيوبه المثقوبه والمهلهلة بخرقتها المثقوبة، التي تقود الانسان الى الهلاك والموت. ويتعمق في النص السردي لمحنة الانسان العراقي، سواء في الاستلاب والانتهاك، او ان يكون كبش فداء للارهاب الدموي وتفجيراته اليومية. او كشف عيوب الحكام الجدد، في نهجهم الذي يعتمد على اللصوصية والفرهود. ان المنجز الابداعي السردي. يتفاعل بعمق مع موجودات الواقع، برؤية ناضجة مدركة فداحة المعاناة الانسانية التي يمر بها العراقي. بما يمتلك من مكونات تعبيرية وتقنيات فنية حديثة في اساليب السرد القص، التي ترتقي الى صميمية الواقع الفعلي وتداعياته. كما برعت في وصفها وتصويرها في الابداع المتمكن، لهذه المجموعة القصص القصيرة (المصابيح العمياء). لذلك نسلط الضوء بأيجاز على بعض القصص القصيرة.

1 - قصة (بصمة كلب): كان الكلب (حمور) متعوداً في انشغال برمجة دماغه على بصمة مألوفة ومعروفة في تلافيف عقله، لذلك يبدو أليفاً ومسالماً ومتسامحاً، في عبور الزائر او الضيف الغريب الى البيت، اما اذا اشارت تلافيف دماغه الى الاشارة الحمراء، بتلقى بصمة غريبة، يبدو عند ذلك عنيفاً ووحشياً تجاه الغريب، بالنباح او في الهجوم على الزائر الغريب، وفتك به وتمزيقه، دفاعاً عن صاحب البيت، هكذا تعود عليها الكلب (حمور) ولكن رجال العهد الجديد، اصحاب اللحى والمحابس والبسملة، والفخفخة البراقة، جاءوا ببصمات غريبة غير مألوفة للواقع، ولا يمكن أن تهضمها النفس، لنشازها وغرابتها،. لذلك الكلب (حمور) وجد هذه البصمة للزائر الجديد، ربما وراءهها مأرب عدوانية وشريرة، لذلك هجم بقوة على الزائر ليطرده بنباحه، والتشب بثيابه، لكن حراس الزائر الغريب. من ذوي الوجوه المتجهمة بصرامة وعدوانية. حليقي الرؤوس، حاملي البنادق والمسدسات، انتفضوا على الكلب (حمور) قبل وصوله الى سيدهم الهمام، ليردوا قتيلاً برصاصات بنادقهم ومسدساتهم.

2 - قصة (نداء طائر الحجل): النظام الاقطاعي يعتمد على الجندرمة، في تثبيت أسس النظام المبنية على الخوف والبطش، والشرطي هو اداة السلطة في تثبيت الامن والنظام، لذلك يمتلكون كامل الصلاحية في تحديد مصير الناس الابرياء، لذلك يتجنبونهم الناس، خشية من الوقوع في شراكهم، وتلبية كل مطاليبهم (غالي وطلب رخيص) لذلك الشرطي (ابو اسماعيل) اعجبته حركات طائر (الحجل) لذلك طلبه، لكي يمتع ابنه. واضطر الاب ان يلبي مطلبه، في اعطاء طائر (الحجل) رغم معارضة ابنه وبكاءه المر وتوسلاته، لكن لم تنقذ صديقه طائر الحجل، فكان يعامله بحبور ومرح، ويداريه ويطعمه بفرح وسرور، ويقضي الاوقات الطويلة في اللعب معه، وفجأة يذهب صديقه طائر (الحجل) منه، ويشعر بالقهر والحزن الشديد، واصابه المرض والحمى، وفي احد الليالي في الحلم، يجد صديقه الطائر (الحجل) قربه يمسده بحنان وعطف، ويشكو له المعاناة القاسية من ابن الشرطي (ابو اسماعيل) وان حياته تحولت الى جحيم ومعاناة، وحين فز من نومه لم يجد طائر (الحجل) قربه، اصابه مس من الجنون، وانطلق في البراري، متصوراً نفسه انه طائر (الحجل) يعود الى صديقه.

3 - قصة (واغفارياه): عائلة فقيرة يسودها الحرمان الحياتي، توفى الاب المعيل الكادح، الذي كان يذهب مع الفجر الى مسطر العمال، ليجد رزقه اليومي. لذلك بعد وفاته لم تجد الام شيئاً يسد رمق جوع اطفالها، سوى (بطانية) منحها لهم احد المرشحين للبرلمان، بالوعد والقسم بأنهم سيرشحونه في البطاقة الانتخابية. لذلك اخذت البطانية لبيعها في سوق هرج، ولكن لم تجد الشاري، من حبربشية السوق، وافتى عليها احدهم ان تبيع (عبائتها) افضل من (البطانية) بهذه الصلافة المتغطرسة، من هؤلاء ادعياء التدين والعصمة والشرف للمرأة، يساومون على بيع شرف المرأة وعفتها، في سلب عبائتها للبيع، حتى تحصل على حفنة من الطحين، تسد رمق جوع اطفالها. سوى ان تصرخ بملء فمها الحزين (يا واغفارياه).

4 - قصة (فخاخ الجنان): ازهار وسعد. حبيبان تربطهما رابطة العشق، تواعدا على الاقتران بالزواج، لذلك ضرب لها موعداً لتجهيز حاجيات الزواج من السوق، وحدد المكان والزمن لحبيبته، لكي يلتقيان ويختاران الاشياء التي تعجبهما في الزفاف، وتأتي (ازهار) في الموعد المحدد، وتقترب اليه بكل شوق واشتياق، ولكن في لحظة اقترابها، فجأة دوى انفجار دموي، ليحول اجساد الابرياء، ومنهم (ازهار وسعد) الى اشياء متفحمة ومحروقة، ووجدهما الناس، شخصان متفحمة اشلائهما متلاصقان لا يمكن فكهما احدهما عن الاخر. لذلك قرر المشيعون. دفنهما سوية في قبر واحد.

5 - قصة (عفن النجوم): كان الاب تلفه الحيرة والذهول والتشتت، وهو يتمزق داخلياً، في عدم قدرته توفير الحاجيات البسيطة لعائلته الفقيرة، التي تعيش الكفاف والشحة والفقر المدقع، يساق الى التجنيد ليرسل الى جبهات الحرب (جبهات العزة والكرامة والرجولة. ولا كرامة بلا صدام القائد العظيم المظفر) وفي ساحة التجمع، يقرأ النقيب المتجهم بصلافة وغطرسة متعالية الاسماء. كأنهم خرافان تساق الى مسالخ الذبح، وفي دوامة قراءة الاسماء، يصاب الاب في ذهول من القهر الحياتي، وينسى سماع اسمه ضمن القائمة التي يتلوها النقيب، ولكنه انتبه اخيراً، وزمجر النقيب في وجهه بعنف وعدوانية، واخذ يضربه على رأسه حتى فارق الحياة. وامر جنوده برميه في المزبلة، على وقع اناشيد طبول الحرب (وحنه مشينه للحرب.. يا كاع اتربج كافور..... يمه البارود من اشتمه، ريحة هيل) هذا الواجب المقدس. سلاحك شرفك. ولا كرامة بلا صدام).

6 - قصة (عاجل): تدل على شيزوفرينا ومازوخية السادية لازلام نظام التسلط الشمولي، الذي يجمع التناقضات في وعاء واحد، في الاعتناء بالهوس بالاناقة والجمال والتعطر، والمظهر الجذاب بالملابس الفاخرة، والسلوك الظاهر، بالرقة والوداعة، وفي نفس الوقت ممارسة ابشع وسائل التعذيب ضد السجناء السياسيين، بقلع الاظافر وسيل الدماء النازفة، او الضرب المبرح بسادية حتى يتحول السجين، جثة هامدة تسبح في بركة من الدماء. ممارسة صنوف التعذيب بوحشية سادية، تتعارض مع شكلهم البراق وفخامة ملبسهم، وبشاشة وجوههم بالانشراح والابتسام.

7 - قصة (دعابل خضر): كالعادة في عيد الاضحى. تتوافد اعداد كبيرة من الناس على مقبرة السلام، يترحمون على امواتهم، وتوزيع الثواب، كانت هناك أم ملتفة عباءة سوداء تبكي وتنوح على فجيعتها، الاب خطفه الموت، الابن الصغير ترك المدرسة والعابه، وانخرط في سوق العمل كحمال في السوق،لكي يوفر رزقه اليومي في السوق الشعبي. ولكن كان الارهاب الدموي بالمرصاد له مع الابرياء الاخرين، ليحوله الى اشلاء متفحمة ومحروقة.

وهناك قصص قصيرة تمثل الكوميدية الحياتية، واخرى تمثل التراجيدية السوداء. ففي الاولى. قصة (المسخ) قروية اعتادت ان تذهب الى السوق لعرض بضاعتها البسيطة للبيع. وكانت كل يوم تمر وتجد الشاب الانيق المبتسم في وجهه المرح، وفي هندامه الفاخر يتربص ويتطلع عليها باهتمام وشغف، كل يوم يغير اناقته الفاخرة والجميلة، ويلاحقها بنظرات الابتسام، تصورت انه شاب عاشق ملهم بها، لذلك تزينت وتعطرت، وقررت مع نفسها ان تتحرش به، حتى يفهم انها مفتونة بعشقه ايضاً. فلم تضبط اعصابها لشاب الافندي العاشق، فلكزته بمكورتها الخلفية، مما وقع الشاب الانيق والعاشق فجأة، بدفعة واحدة الى الارض، مما هاج غضب صاحب المحل، وصاح بها غاضباً (مالكِ هل جننتِي بالعمى أيتها المعيدية. فقد سقط المكنيان؟!). فأصابها الذهول، وتبخرت احلامها وقالت (والله ما ينكدر لمكركم يهل الولاية. تصورته حبيب عاشق، تالي طلع لعابة ؟؟!!.

القصة الاخرى بالتراجيدية السوداء. قصة (اللعنة المستدامة): شاب كلما يقترب من نقاط التفتيش، يصيبه الهلع والخوف والقلق. كأنه يحمل شيئاً محظوراً وخطيراً. ما ان يمر عليه جهاز السونار. حتى يشير الى الخطر الكامن، فيندفع الية الشرطي ويتجمع علية افراد نقطة التفتيش، ويبعدونه عن الناس والسيارات، ويجردونه من كل ملابسه. حتى يصبح عارياً تماماً، ولكن حهاز السونار مازال يؤشر الى دائرة الخطر، بأنه يحمل شيئاً خطيراً. ويحاول ان يشرح وضعه ويقدم ورقة الى الضابط، وهو يصرخ بحزن ونحيب بأنه بريء، ويقرأ الضابط الورقة (الى من يهمه الامر:... جسد المواطن الملصقة صورته اعلاه... يحمل رصاصة غير متفجرة، مستقرة في قفصه الصدري. تعذر علينا اخراجها، مما يجعله يعطي اشارات ايجابية لفحص البارود.... يرجى ملاحظة ذلك مع التقدير)

وكذلك قصة بالشذوذ الجنسي من جانب الاب. في قصة (القهر المزدوج) الاب يمارس الجنس والشذوذ مع طفلته الصغيرة. وكانت زوجته انتحرت لشذوذه الجنسي، وتركت طفلتها ليلعب بها في فرش المتعة، ولكن حين جاء وقت الزواج، وفي فرحة زفة العرس، دخل عليها العريس، ولكنه صعق بأنه وجدها غير باكر، وقطعة القماش ظلت بيضاء، فهاج غاضباً ومزمجراً لانه وقع ضحية خداع، ووسط الفوضى والصراخ بين الاب والزوج، ركضت المطعونة في شرفها من قبل الاب الى الحمام واقفلت الباب، واخذت قطعة حديد ودستها في سويج الكهرباء، حتى احترقت متفحمة من التيار الكهربائي، انتبهوا الناس الى صرخة مدوية، وحين فتحوا باب الحمام، وجدوها جثة محترقة ومتفحمة.. بينما كان الزوج يتطلع الى التلفاز ليبث الخبر العاجل على الشاشة (الجماهير التونسية تشيع محمد بوعزيزي، المنتحر حرقاً)

 

  جمعة عبدالله

 

عبد الله الفيفييقول (أبو الطيِّب المتنبِّي):

وهَبِ المَلامَةَ في اللَّذاذَةِ كالكَرَى  * *  مَطرودَةً بِسُهادِهِ وَبُكائِهِ

فجاء في كتاب «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»، (لابن معقل الأزدي)(1)، في تعقُّبه (ابنَ جني) في شرحه المعروف بـ«الفَسْر»، ما يأتي:

«قال: يقول: اجعلْ ملامتَك إيَّاه في التذاذكها كالنوم في لذَّته، فاطردها عنه بما عنده من السُّهاد والبكاء، أي: لا تجمع عليه اللَّوم والسُّهاد والبكاء، أي: فكما أن السُّهاد والبكاء قد أزالا كَراه، فاترك ملامتك إيَّاه.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: أنه قال لعاذله: إن الكَرى الذي يستلذُّ به الإنسان قد طردتَه عن عيني بالسُّهاد والبكاء؛ فاجعل الملامة المستلذَّة عنه كالكَرى مطرودةً عنِّي بهما.

ويحتمل أن يكون المعنى: هَبِ الملامة التي لا استلذُّ بها، بل استضرُّ بها، كالكَرى في اللذاذة، أ فليس الكَرى المستلذُّ به مطرودًا بالسُّهاد والبكاء؟ فما ظنُّك بالملامة؟ فاجعلها كذلك؛ والوجه الأوَّل هو الصواب.»

ومعنى بيت (أبي الطيِّب) أوضح من هذه النُّجَع البعيدة، بل لا يستقيم مع كثيرٍ منها، لو أُعيدَ البيتُ إلى سياقه من القصيدة، وإنما أرهق هؤلاء أنهم لا يفعلون، بل يأخذون البيت معلَّقًا في السماء، وعندئذ تتعدَّد أوجه الاحتمال في قراءته.  فماذا يقول الشاعر؟  يقول:

مَهْلًا فَإِنَّ العَذلَ مِن أَسقامِهِ           

وتَرَفُّقًا فالسَّمعُ مِنْ أَعضائِهِ

وهَبِ المَلامَةَ في اللَّذاذَةِ كالكَرَى 

مَطرودَةً بِسُهادِهِ وَبُكائِهِ

فلمَّا ذكرَ أن العذل من أسقامه، استأنفَ بالقول: وهَبْ [بمعنى افرضْ جَدَلًا، لا بمعنى «اجعلْ»] أن الملامة ليست من أسقامه، بل هي في اللذاذة مثل الكَرَى، فإنها قد باتت، كالكَرَى، مطرودةً بسُهاد العاشق وببكائه، فلا جدوَى منها، إذن.  فسواء أكان العذل والملام من أسقامه، أم كانا من لذاذاته، فإنه ذاهلٌ عن الشُّعورَين معًا، وفي شُغلٍ عنهما شاغل. 

غير أن عدم الربط بين البيتين، والاقتصار على ثانيهما، هو ما جعل القول مشكِلًا في نظر الشُّراح، وأدار بينهم الرؤوس والخلاف. ولذا ستجدهم في النهاية، على كثرة ما يقترحون من أوجه للمعنى، متجافِين عن مقاربة المقصِد الذي يؤيِّده السياق. وكأنما المتنبي كان يسخر من تخبطهم هذا يوم قال:

أَنامُ مِلْءَ جُفوني عَن شَوارِدِها  * *  ويَسهَرُ الخَلقُ جَرَّاها ويَختَصِمُ

بل لعلَّه كان يتعمَّد إيقاعهم في هذه الحبائل التفسيريَّة؛ ولا سيما أنه كان يقف على مشارف عصرٍ أصبحت الطرائف والأحاجي والألغاز من وظائف الشِّعر الشعبيَّة المحبَّبة.

صحيح أن (ابن معقل) كان أحيانًا يدعو صاحبه (ابن جنِّي) لربط بعض أبيات الشاعر ببعض، ويرى أن عدم ذلك هو سبب ما يأخذه عليه من ضعف الفهم، لكن يبدو أن ذلك إنما كان يَرِد حين يرَى العلاقة بين الأبيات واضحةً، ونحويَّة.  أعني حين يكون أحد الأبيات مترتِّبًا على الآخَر بحُكم البناء النحوي. كأنْ يكون البيتُ الآخِرُ مرتبطًا بسابقة بفاء العطف.(2)  غير أن هذا ليس بكافٍ لفهم النصِّ، في كلِّ حال؛ من حيث إن بناء النصِّ بناءٌ واحدٌ، وإنْ بدا بعضه مستقلًّا، والمفهوم الكُلِّي لسياق النصّ أوسع من العلاقات النحويَّة، في الجُمَل الشعريَّة، وفي ما بين تلك الجُمَل.

إن النَّصَّ لا يُفهَم حقَّ الفهم، ولا يُفسَّر حقَّ التفسير، إلَّا عبر السياق، ذي الوظيفة المرجعيَّة.  ولسنا في حاجة هنا إلى تأكيد ذلك بالتذكير بعناصر الظاهرة اللغوية، وتحليل آلية الرسالة التواصليَّة، حسب (رومان جاكبسون Roman Osipovich Jakobson، -1982).

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  (2003)، تحقيق: عبدالعزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 15- 16.

(2)  انظر: م.ن، 1: 26.

 

1054 طائر القشلةالحدث هو واقعة أو سلسلة من الوقائع المجردة التي قد تمثل حقيقة  راهنة أو تاريخية، لكن لا يمكن لهذا الحدث أن يأخذ مداه في الذاكرة الجمعية الإنسانية ما لم يؤطر بالتفاصيل التي أحاطت به وعملت على صياغته، أي السببية التي أدت إلى نشؤه وحركة الأبطال ضمن حدوده، حسب توصيف جيرالد برنس، وفي غياب التفاصيل الحقيقية والدقيقة عنها، يمكن للمُتخيل أن يحل محلها وفق السياق العام للحدث الرئيسي، والمبني على استقراء الواقع واستخراج الكليات من الجزئيات والعكس، وهذا الأمر ينعكس بصورة مهمة على الفن الروائي الذي يعتمد السرد المُسهب والخوض في التفاصيل كأساس له، كي تتضح الرؤية لدى القارئ .. في رواية (طائر القشلة) للروائي شاكر نوري الصادرة سنة 2019 عن دار المؤلف، نلاحظ هيمنة المُتخيل الفني على النص واحتل المساحة الأكبر منه، مع إبقاء فسحة صغيرة للحدث الرئيسي وهو مقتل البطل غدير، والذي استوحاه الروائي من حادث مقتل ممثل مسرحي عراقي شاب على يد مجموعة مسلحة مجهولة، تميز النص بمحوريته وعدم تشظيه إلى ما هو ابعد من حدود الزاوية التي أراد لنا الكاتب أن نطل من خلالها على الحدث الرئيسي، عبر مجموعة من الفنانين والمثقفين (مخرج مسرحي، أستاذ جماليات، رسام، صحفي، ممثلة مسرحية) إضافة إلى البطل (غدير) الذي كان ممثلا وكاتبا مسرحيا، هذه المجموعة النخبوية التي اختارها شاكر نوري تعكز عليها للإفصاح عن آرائه وأفكاره ونظرته للمشهد  العراقي بعد الاحتلال الأمريكي 2003، فكانت رؤية سوداوية أحادية تحمل جزءا مهما من الحقيقة القائمة، جمعت كل هؤلاء وفق نسق حكائي واحد غلب عليه الرؤية الناضجة واللغة العالية ووعي قائم امتلكه أبطال الرواية اتجاه محيطهم الاجتماعي العراقي، والذي يمثل نظرة سلبية قاتمة، هم عاجزين عن إيجاد حلول لمشاكله.. لذا نجد البطل غدير قد استعان بالمسرح املآ منه في إيقاد شمعة وسط الظلام الحالك الذي يحيط، في محاولة سيزيفية غير مجدية لترميم مجتمعه عبر رسالة المسرح الإنسانية بمساعدة حبيبته (أصيل)، التي تميزت شخصيتها بكونها ساكنة على امتداد النص، ارتبط حراكها بثوابت المكان ومعطياته وشخوصه المؤثرة.

تبدأ الرواية وفقا لتقنيات الارتداد والاستذكار والاسترجاع الداخلي حسب تصنيف جيرار جينت، حين تقوم (أصيل) حبيبة البطل غدير باستذكار الماضي واستحضاره من بؤرة الحدث المركزي وهو المسرح الذي كانت تمثل على خشبته مع غدير قبل أربعين سنة خلت، ثم تنطلق الرواية وفق نسق حكائي ثابت متعدد الأصوات (بوليفونية) اعتمد السارد الضمني وهي أصيل التي عاشت الحدث وتفاعلت مع وقائعه ومعطياته الحسية والمادية، ومجموعة من الساردين الضمنيين الثانويين الذين مثلوا مجموعة الأصدقاء، إضافة إلى صوت البطل غدير، وهذه من السمات المهمة التي يتمتع بها أدب شاكر نوري الذي غالبا ما يلجأ لهذا الأسلوب السردي في رسم الأطر العامة لنصوصه الروائية، عبر زج مجموعة من الأبطال الثانويين الذين يأخذون دور البطل الظل في نصه بطريقة تكاملية لتعضيد فكرته، كما في رواية خاتون بغداد، حيث يعمد على اختيار هذه الشخصيات بدقة ويرسم ملامحها من خلال ما تطرح من أفكار ورؤى وتصورات عن واقعها المعاش، وبذلك يجعل نصه يسير باتجاه واحد نحو أفق مشترك بعملية تبئير يشترك الجميع فيها بغياب تام ( للضد).

طائر القشلة رواية سلطت الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، وما نتج عن الاحتلال الأمريكي له من فوضى أدت إلى ظهور أنماط حياتية غريبة عن طبائع مجتمعه وأعرافه وقيمه وبالأخص البغدادي منه، غدير الشاب الجميل المثقف المسرحي المتحرر من قيود محيطه أراد أن يختط لنفسه نمطا حياتيا مخالفا للمألوف، فانعكس ذلك بوضوح على ملبسه ومظهره العام وأفكاره وأرائه وعلائقه الاجتماعية، فأدى ذلك إلى مقتله، وبذلك أراد الكاتب من خلال هذه الشخصية الجدلية أن يعيد صياغة المفاهيم الأزلية العامة وإسقاطها على ارض الواقع مرة أخرى ( الحب، الخير، الجمال، الفضيلة، السلام) متخذا من غدير نافذة للإطلالة على واقع مأساوي قد بالغ بعض الشيء في تصويره عبر وقائع جانبية مُتخيلة أطرت الحدث الرئيسي وهو مقتله، غير انه لم يوفق في خلق تعاطف مطلق مع تلك الشخصية، لان الكاتب حين يقوم برسم الملامح الرئيسية لشخصية (البطل الضحية) يجب عليه أولا مراعاة الأعراف والتقاليد والمزاج العام للمجتمع المتلقي للنص، الذي احتضن تلك الشخصية، وإحداث موائمة بين سلوكه وحراكه داخل النص وبين المزاج العام للجمهور القارئ، حيث ظهر لنا غدير كمتلقين بأنه شاب جميل مثقف فقير ماديا يمتلك وعيا آنيا مسؤولا ملتزما اتجاه وطنه وشعبه وفنه، وهذه صفات ومواقف جميلة وإنسانية لا يختلف عليها اثنان في أي مجتمع أنساني، لكن في الجانب الآخر من حياته ظهر لنا غدير على انه شاب متحرر فوق العادة يقيم علاقة جنسية كاملة مع حبيبته أصيل ويتعامل مع هذا التصرف على انه طبيعي بل ويسعى إلى تبريره، وقد يَنزع هذا السلوك صفة البطل الضحية عنه في مجتمعاتنا، التي دأبت الميثولوجيا العربية فيها على إكساب البطل الضحية كل الفضائل والصفات النبيلة (شجاعة، عفة، شرف، مروءة) كي تكتسب شهرتها وخلودها في الذاكرة الجمعية العربية.

أهم مرتكزات النص

اسطرة الشخصية الروائية:- إحدى أساليب السرد التي يلجأ إليها الروائي في صناعة الشخصية الروائية ورسم ملامحها هي اسطرة الشخصية، وإضفاء طابع ميثولوجيا على صفاتها وحراكها ونظرة الآخرين إليها، وقد عمد شاكر نوري إلى إحاطة بطله غدير بهالة أسطورية ومنحه كارزما تجاوزت القواعد الطبيعية والمتعارف عليها، ميزته بشكل خيالي أسطوري عن أقرانه، وجعلت منه شخصية متفردة ونادرة الوجود، لشد القارئ إلى تلك الشخصية وإضفاء طابع الدهشة والتشويق على نصه، عن طريق المبالغة في ردود أفعال الناس اتجاهه، كما اتضح ذلك في الكثير من النصوص داخل الرواية وسأبين بعضا منها:

1- نص على لسان أستاذ الجماليات يصفه (أيها الطلبة الأعزاء إنني لا أتكلم عن أسطورة آتية من السماء بل عن فتى تعرفونه جميعكم يعيش بيننا بطل وأيقونة بجماله وجرأته.. مؤمن قدري هائم مليء بحب الصوفيين..على صدره فراشة محنطة يحمل شعلته محاولا طرد الظلام ... الكل خائف أن يصاب الفتى بعين الحسد من يحمي مًن؟ ساحرات متنبئات قارئات فنجان وعاهرات....)

2- نص على لسان صديقة الرسام (وتساءلت في سري: كيف يُنجب بشر عاديون في جمالهم رجلا خارق الجمال مثل غدير؟ ثم أدركت إن الجينات بعث سماوي من الأعالي لا علاقة لها بالأرض...)

3- نص على لسان حبيبته اصيل تخاطب فيه أطفال الجيران (هل تعلمون ماذا سيحدث؟ سيزوركم الفتى ذو الشعر الذهبي في بيوتكم ويحكي لكم أجمل المغامرات والقصص، ويقدم لكم الدمى المتحركة على المسرح، انه غدير الملاك الحارس لأحلامنا وطموحاتنا).

الميتاسرد: رافق المتن الرئيسي للرواية نصوص جانبية توازت معه وعضدته هي اقرب للميتاسرد لكنها لم تخرج عن أجواءه العامة ولم تشذ عن سياقه الحكائي المرسوم له مثل (مخطوطة الشاب المجهول التي تتحدث عن تجربته الشخصية مع إحدى الجماعات المسلحة، قصة بنت المعيدي، مذكرات غدير المدونة في هاتفه الخلوي والتي تحدثت عن جولاته الليلية في شوارع بغداد وأفكاره وآرائه التي عبر عنها سابقا ) كما احتوت الرواية على بعض الانزياحات مثل (استعارات من نصوص مسرحية، قصائد شعرية، أقوال مشاهير، أسماء أدباء وفلاسفة).

اللغة: تميزت لغة النص بأنها نخبوية عالية المستوى ذات طابع خطابي مسرحي، طغت عليها الحوارات الماراثونية الطوبائية والأسئلة الديالكتيكية والمفردات الشعرية والمسرحية الفخمة، كما استطاع الروائي من خلق تركيبة تواصلية توازن بين الشخصية الروائية وبين الكلمة، أي انضمام المفردة إلى الصورة والحدث بطريقة منسجمة، حيث نجد ذلك جليا في اغلب المشاهد التي استوحى الكاتب حواراتها من صورة المكان ورمزيته وبعده الحسي والجمالي لدى المتحاورين (شارع الرشيد، القشلة، أبي نؤاس، شارع المكتبات، المسرح، كهرمانة، ساحة التحرير، دجلة)

تدوير النص: إحدى السمات المهمة لطائر القشلة هي عدم وجود هرمية مركزية للنسق الحكائي فيها وهذه من سمات الرواية الحديثة، التي تجاوزت القواعد الأرسطية (بداية، عقدة، حل) وتداخلت فيها الأزمنة، لذلك نلاحظ وجود استطالة أفقية عبر تقنية التكرار وتدوير الأفكار والرؤى والأمنيات وبعض المشاهد، لإثراء النص والتذكير بقصديته، والتأكيد على الطابع التراجيدي الذي وشم فيه الوجه العام للرواية، والذي يعكس الواقع العراقي الحالي بكل تجلياته وإرهاصاته من وجهة نظر غدير وأصدقائه.

 

احمد عواد الخزاعي

 

عبير خالد يحيىسيدات القمر: الرواية الفائزة بجائزة ال /بوكر مان/ للعام 2019

الترجمة علم من علوم الأدب تختص بنقل الحقائق لغويًا من لغة إلى أخرى، ويتضمن هذا العلم أمانة غالية ودقة متناهية في الحقائق المقارنة بين اللغتين، فكل حقيقة في لغة لا تعني أنها ذاتها في اللغة الأخرى، وهذا مبدأ ترجمي يشكل حقيقة تكتنفها صعوبة كبيرة تجابه المترجم، لذلك يجاهد جهادًا مستميتًا في البحث عن المكافئات الترجمية المتوازية تمامًا counterparts فأي خطأ بالمكافئ الترجمي بين اللغتين يُعدّ خيانة ترجمية، ويخلّف كوارث.

فالترجمة علم مفصول عن الأدب، رغم أن مادته الأساسية هي اللغة، وهو شأن من شؤون اللغة وليس من الأدب بشيء، لكننا نعرف أن من أصعب الترجمات على المترجم هي الترجمة الأدبية، لأن قالب الترجمة الأساس يصب في اللغة الإخبارية، العلمية)، والترجمة تهتم بالحفاظ على المضمون فقط على حساب الشكل، ومشكلة بحثنا هي ترجمة هذا العمل (سيدات القمر) الذي فاز بجائزة البوكر العالمية، ولا يعني فوز الترجمة فوز العمل أدبيًّا، لأنه بدمجهما يضيع حق المترجم بذريعة النص الأصلي، بمعنى امتياز الترجمة بالفوز لا يُعدّ امتيازًا للنص المُتَرجَم منه، فالترجمة علم مستقل بحقائق وتجربة وممارسة لشخص غير الشخص الذي ألّف الرواية، ولا يجوز أن نعكس هذا على ذاك أو ندمج بينهما.

ما يدهشني – كناقدة – هو محاولة الدمج بالفوز بين السيادة الترجمية والنص الأصلي المترجم منه، وإهمال تداول اسم المترجمة (مارلين بوث) عربيًّا، وتكثيف تداول اسم المؤلفة اليمنية (جوخة الحارثي) وكأنها هي من فازت بالجائزة عن نصها الأصلي، وهذا بحد ذاته خيانة أدبية، وتجاوز على المألوف.

هنا حدث تشظي في العمل برمّته، أصبح لدينا عملين مفترقين إجرائيًّا، هما النص الأجنبي المترجم الذي فاز بالجائزة، والنص الأصلي (العربي).

سأتناول النص الأصلي (العربي) بدراسة نقدية كأي نص حاز صفة (نص أدبي) بأن انطبقت عليه الميزات السبعة للنص الأدبي، بغض النظر عن اعتبارات الفوز، وأبدأ من :

المدخل البصري:

الشكل البصري في الرواية مهم جدًّا لالتحاق الأدب بالفن، فأصبحت الألوان وتوافقها، وتنسيق الطباعة فن من فنون الأدب، والدقة بالتنسيق هي ظاهرة بحثية تُتّبع في كل مطبوعات العصر الحاضر.

يُعتبر الكتاب المطبوع نصًّا موازيًا، ويعني ذلك أن النص الأصلي لا يُعترف به رسميًّا إلا حين يصدر بكتاب ورقي، وبرقم عالمي أو رقم إيداع محلي، بذلك يضاف له عتبات، تلك العتبات تنقله من نص عادي إلى نص موازي، كتاب ورقي) فيبدأ كل نقد علمي بمدخل عيني أو بصري، من هذا المدخل يتم يكون الفحص الدقيق لتلك العتبات:

1- عتبة الغلاف: يجب أن يغلف الكتاب بغلاف أمامي وخلفي بينهما كعب، الأمامي يحمل عتبة العنوان وصورة معبرة دالّة عن مضمون العمل، واسم الكاتب وتجنيس العمل، ومعلومات أخرى كدار النشر وما شابه. الغلاف الأمامي في هذا العمل يتضمن صورة لجزء من ثوب أو عباءة تخرج من كمّها يد ترفع بأصابعها المخوتمة طرف الثوب وشيئًا كأنه مفتاح صغير، هذه اللوحة لا تعطي ولا حتى ومضة صغيرة عن العتبة العينية المعبرة عن العلاقات الدائرة في ثنايا النص، التي تعتبر تشويقًا خارجيًّا يرتبط بالتشويق الداخلي للنص، تنص عتبة الغلاف نقديًّا على علاقة تومئ بأصبع غليظة نحو شيفرات تطرق أبواب المتلقي ليفهم منها ما يدوربين دفتي الكتاب، لكن تصميم الغلاف نفسه يقطع حبل هذا التفكير، ويفصل بين ذهن المتلقي ومحتوى الكتاب، خصوصًا بعد أن تجاوزت المؤلفة الصراع اللوني في العتبة العينية، فهنا أطلقت رصاصة الرحمة عندما عزلت التشويق الداخلي عن التشويق الخارجي، إذًا، فقد سقطت هذه العتبة.

2- عتبة العنوان: العنوان عتبة تعطي ملخصًا دقيقًا لمحتوى الرواية، وله ذرائع وأصول للربط بين العتبة الخارجية العينية والمحتوى الداخلي العميق للرواية، من هن، سيدات القمر)؟ هل هنّ بطلات الرواية؟ ومن هو القمر؟ هل هي إشارة رمزية؟ هل هنّ إشارات واقعية؟ وما هي نوعية السيادة؟

قرأت الرواية كلمة كلمة ولم أجدها رواية رمزية، بل واقعية بامتياز، وفيها الكثير من الخرافات في مجتمع مختلط بين البداوة والحضر، لذلك أيضًا حدث تشظّي بين البنية العينية الخارجية والبنية العميقة الداخلية للنص، القمر رمز للجمال واللمعان والوضوح، فأين تكون السيادة بينه وبين السيدات؟! لم أجد إلا ارتباطًا عندما ذكرت قصة خرافية عن أبناء القمر، وهذا لا يكفي لبناء ذريعة كاملة لاختيار هذا العنوان، أيضًا سقطت هذه العتبة كسابقة الغلاف.

3- الخط والصفحات والتنسيقات: طبع هذا العمل بتنسيق بدائي، وكأنه مخطوط يدوي، هل من المقبول في قرن التنكولوجيا أن يكون هكذا؟ خلل في أدوات التنقيط بشكل شامل، بالإضافة إلى الأخطاء الإملائية والنحوية، وكأنه لم يجرِعليه تنسيق من قبل دار النشر، فقرات أو فصول بلا عناوين ولا حتى ترقيم! نص متصل بكتلة واحدة، بينما نعرف أن الرواية يجب أن تكون فصولًا معنونة أو على الأقل مرقمة ليعرف المتلقي التعاقب والتسلسل المنطقي المتواصل للأحداث وزمكانية الأحداث، ولا يجوز أدبيًّا أن تكون الرواية كتلة واحدة، وهذا ما لم نجده لا في الرواية الكلاسيكية ولا في الرواية المعاصرة! فهل هو تكنيك حديث باتجاه الغموض وسَرْيَلة الشكل؟! لا، بل هو نقص مختلط بين البناء الفني والبناء الجمالي، ويعتبر تخبّط إجرائي يعكس عجز الكاتبة عن تحديد الخط الفاصل بين البناء الفني والبناء الجمالي.

مستوى التئبير الفكري:

هذا المستوى هو نقطة الارتكاز التي نعتمدها مبتدأً للانطلاق إلى بقية المستويات، ويجب تثبيت جذورها عميقًا بالمستوى الفكري والأدبي واللغوي للعمل الأدبي.

من خلال اطلاعي على هذا العمل وجدت أنه يمتاز ببؤرة أيديولوجية متقدمة، وهذه نقطة فكرية تُحسب للكاتبة، حيث استطاعت أن تقارب بين ثلاثة أجيال من واقع مجتمعها العربي والإقليمي، وتدرس الحيثيات الفكرية والاجتماعية لتلك الأجيال بدقة متناهية، لتعطي انطباعًا ثابتًا عن الركود الذي عاشته تلك الأجيال في مجتمعها ذاك، ح ونحن- كمجتمعات عربية- نعيش حالات التطور العكسي، كأننا نتقدّم نحو الخلف، وهي ظاهرة غريبة تميّز بها العرب بشكل فردي عن مجتمعات العالم كافة، وهذه المقاربة جعلت المؤلفة باحثة اجتماعية وليس أديبة، وذريعة ذلك تبرز بشكلين: الشكل الأسلوبي والشكل البحثي، فقد ساد الجانب البحثي على الجانب الأسلوبي الفاقد للانزياح نحو الخيال والرمز، ويُعدّ ذلك ضعفًا أدبيًّا استعاضت عنه الكاتبة بقوة بحثية.

التشابك السردي:

هناك قلق في التقنيات السردية، استخدمت الكاتبة المدرسة الواقعية بطريق سردي لمذكّرات تنطلق من مركز فردي، اتكأت عليه الكاتبة كمحور لانطلاق الأحداث، لذلك صار هذا المحور مركز إشعاع لبقية أحداث الرواية التي تأخذ تقنية بحثية، هذه التقنيات أخرجتها عن البناء الفني المعقول، ففقدت الرواية المظهر الفني التقليدي في الرواية العربية والعالمية التي تتكوّن من مقدمة بزمكانية- صراع درامي- عقدة – ثم حل. لن نستطيع تطبيق التشابك السردي، فلن ينطبق مثلثا الصراع الدرامي والحل، ولن تنطبق محاور التشابك السردي على هذه الرواية مطلقًا! فهي تسير بخط سردي مختلف تمامًا يلقيها في سلة المذكرات المعتمدة على البحث العلمي والميثولوجي، لأن سردها اعتمد على حكايات ميثولوجية وحديث عن عادات وتقاليد قديمة.

-     أين الصراع الدرامي؟

الجواب :.......

-     أين الحبكة ؟

-     الجواب: ......

-     أين العقدة ؟

الجواب: ....

-     أين الانفراج؟

الجواب: ......

-     وما هي النهاية ؟

الجواب :......

المطروح على طاولة الروي بشكل عام - الكلاسيكي والمعاصر- أن كل عمل أدبي سردي في علم السرد يخضع لمقتضيات التشابك السردي، والتشابك السردي مظهر عفوي يتصل بمركز العقل البشري، فلا يُفهم شيء بشكل منطقي إلا ويدخل في تفاصيل هذا التشابك ومحاوره الثلاث، ويبدأ بقاعدة تحمل العنوان والزمكانية، يتعامد عليها –كارتفاع- المحور الأول المسمى بمحور التوليد متجهًا من العنوان ومنتهيًا بالنهاية قاطعًا العقدة، تتولّد عليه الأحداث، يلتحق فيه من نهايتي القاعدة اليسرى واليمنى محورا التكوين والمعارضة ويتقاطعان معه في العقدة ليتشكل مثلثين منطبقين ومتقابلين في الرأس، الأول سفلي هو مثلث الصراع الدرامي، والعلوي هو مثلث الحل بعد التأزم، وتكون فيه القاعدة هي النهاية،

تكون النهاية على ثلاثة أشكال فنية : تراجيدي- كوميدي – أو مفتوحة.

تساؤل: إلى أي مدى انطبق هذا النص على علمية السرد؟

اختفى الحدث، وتسلسل الحدث، واختفت العقدة، واختفت مظاهر الحوادث السردية جميعها! إذًا لا يمكن أن نسمي هذا العمل رواية !

المستوى الجمالي:

نص سردي لمذكرات شبيه بالرواية، كُتب بطريقة إخبارية خالية من الجمال اللغوي، درجة الانزياح فيه تميل نحو الصفر، فلا انزياحات خيالية ولا انزياحات رمزية لأن الأسلوب كان بحثي تقريري 100% ففقد الجمال اللغوي وعلم الجمال، وبذلك فقدت الرواية البناء الجمالي أيضًا.

المستوى النفسي:

كل عمل أدبي روائي معاصر يجب أن يتخلله- في الدرجة الأولى- إرهاصات نفسية على الأقل، إذا لم تكن تغزوه الحالات النفسية كلّيًّا، وفي هذا العمل عالجت الكاتبة ظواهر نفسية عديدة منها مرض التوحّد، تُحسب لها كنقاط إيجابية للسرد المعاصر لو كان هذا العمل رواية معاصرة، نتناول هذه الإرهاصات النفسية في حديثنا عن الشخصيات.

الشخصيات:

لعدم وجود بارادوكس درامي بين الخير والشر، ممثلًا بشخصيات خير وأخرى ساندة، وشخصيات شر وأخرى ساندة، لذلك انفلتت الشخصيات من مسارها، وتبعثرت على طاولة النص لتعطي مسيرة غير مجدية وخارجة عن منهجية السرد.

وصارت دراسات نفسية منفصلة عن أشخاص قد تعرفهم الكاتبة في الحقيقة والواقع.

وهي شخصيات مهزوزة نفسيًّا أكثر منها مأزومة اجتماعيًّا، مأسورة بعالمين، خارجي متحجّر يكاد يكون نفسه على مدى الثلاثة أجيال، لم يطرأ عليه إلا النزر اليسير من التطور، هذا التطور الذي حمل أيضًا أشكالًا جديدة من الأزمات الاجتماعية، وأهمها الصراع لبلوغ الأهداف المبهمة، وبطريقة سريعة وفاشلة غالبًا، العالم الآخر هو العالم الشخصي الذي بنته كل شخصية داخل نفسها وأحاطته بالخوف والغموض، على سبيل المثال هناك (مروان الطاهر) الذي يعاني من مرض السرقة القسري، والصراع الذي ينشب فيه بين الفضيلة والطهر كسمة تميز بها و بين رذيلة السرقة التي ابتلي فيها، وفي هوة الانتحار ينتهي هذا الصراع في شخصية مهزوزة ترتكب جريمة كبرى (الانتحار) لتنفذ على نفسها حدًّا شرعيّا، قطع اليد). أيضًا هناك (خولة) وهي من الجيل الثاني لم تكن مأزومة من مجتمعها حينما اختارت أن تتزوج ابن عمها، بل أنها ملكت كامل الحرية في اختيارها، فقط كانت مهزوزة بحبها الطفولي لابن عمها (ناصر)، وهو الفاشل الذي يعيش عالة على صديقته في كندا، ومع ذلك تنجب منه أولادًا، وتعيش معه 20 سنة، ثم تلقي بنفسها في هوّة الطلاق، بعد أن يثوب ناصر إلى رشده، تصرف غريب لا يملك تفسيره سوى الغموض الذي يلف عقلها ودواخلها. لا ندري لماذا عاش عبد الله بين الأحرار وبين العبيد ولم يستطع أن يحوز امتيازات كل منهما، فلا هو حر ولا هو عبد، وهو ابن التاجر سليمان الذي يملك العديد من العبيد، (عبد الله) أيضًا من الجيل الثاني عاش أسيرًا بين سلطة والده الذي عاقبه برميه في الجب صغيرًا لأنه لعب مع أقرانه من العبيد، وعاش أيضًا أسير حضن ظريفة العبدة التي ربّته بعد قتل أمه على يد عمته وأبيه بعد ولادته مباشرة لاشتباه بها بعلاقة آثمة مع أحد العبيد الذي اختفى من الحياة أيضًا! عبد الله شخصية مهزوزة من الداخل بشكل عنيف، ومع ذلك هي هادئة من الخارج، يعشق ميّا زوجته، التي لم تحبه أبدًا، تدور حياته النفسية بين الجبّ واحتضار أبيه وحضن ظريفة. (ميا) شخصية مهزوزة أيضًا من الجيل الثاني، أحبت علي بن خلف لمرة واحدة رأته فيها، بسببه لم تحب زوجها، سمت ابنتها باسم مدينة لندن دون أن تقدم مبرّرات لهذه التسمية.

(سالمة) أم ميّا كانت من الجيل الأول، وهي تحتضن في داخلها عالمًا من الحرمان تشكّل في طفولتها يوم مات أبوها وأجبرت على الانفصال عن أمها بسبب العادات، فعاشت في بيت عمها الشيخ محرومة من الشبع على مائدته بسبب بخله، محرومة من متع الحرائر ومسرات العبيد، وحتى من مسرّات الطفولة البسيطة كالعرائس القماشية والقلائد، وعندما تملك سلطة الأمومة تمنع بناتها من هذه المتع، تزوجت من زوجها (عزان) مرغمة ولم تحبّه مطلقًا، لكنها حينما اكتشفت أنه يخونها مع نجية القمر البدوية قتلتها!.

(خالد) الفنان التشكيلي وهو من الجيل الثالث، الذي يمثل الشباب الثوري الذي يتحرّر من سلطة الأب_ على عكس عبد الله- لكنه يقع أسيرًا لسلطة الحلم، فيبقى يرسم خيولًا جامحة.

(لندن) من الجيل الثالث ترتبط بعلاقة حب مع أحمد بعقد شرعي تكون أكثر شجاعة من خالتها خولة عندما تحصل على الطلاق منه قبل الزواج به عندما تكتشف أنه على علاقة مع أخرى.

وتلك حبك منفصلة لدراسات بحثية منفصلة لو جُمعت لا تعطي وحدة روائية متكاملة للعمل، بل يبقى العمل مسطحًا باتجاه البحث لفقدانه العوامل الفنية والجمالية.

السرد:

يتناوب السرد – وبشكل غير منظّم وغير متساوي- بين سارد عليم وبين عبد الله، بدأه السارد العليم بالحكي عن مجتمع تقليدي يسبح ببحر من السحر والشعوذة والجنيات، الغرابة والقلق من مجهول، بينما عبد الله يتذكّر ذكريات كأنها مذكرات مكتوبة بقلم مغموس في دواة من ألم، السارد العليم له المساحة الكبيرة في صفحات الحكي، يحكي عن كل الأشخاص الذين أرادت الكاتبة من خلال حكاياتهم أن تنقل صورة المجتمع الذي عاشوا فيه، لكن أيضًا -وبشكل مفاجئ- السارد العليم يفسح المجال لظريفة العبدة مثلًا لتحكي بجرأة عن علاقتها الغرامية مع سيدها التاجر سليمان، كما يفتح الباب أمام خالد (الفنان التشكيلي) والشاب الثوري ليحكي كيف تحرّر من سطوة والده عيسى المهاجر واختار كلية الفنون الجميلة بدلًا من الهندسة.

الحوارات:

موظفة لتقديم الأمثال الشعبية التي انطلق بها لسان ظريفة، أو الأشعار على لسان عزّان. بينما تغيّرت وظيفتها في الجيل الثالث على لسان لندن وحنان وخالد لتكون تعبيرًا عن التغيّر الأيديولوجي الذي طرأ على أبناء هذا الجيل.

إنّ العمل الأدبي يستحق أن يتكامل آخذًا حقّه من كل أصوله، ليولد كائنًا كامل الأعضاء سليمَها، وهو يحتاج إلى أن يكون أكثر من معارف تاريخية ودراسات اجتماعية، يحتاج إلى التقنيات والعمق والإمتاع.

 

د. عبير خالد يحيي

 

احمد الشيخاوي"هي متعة اللعب فوق أسوار الكلم" (1).

يمكن اتخاذ هذه العبارة مدخلا إلى عوالم هذا الشاعر، الذي يكتنف ممارسته التصوير الفني،و التكثيف البصري، مدّ خارطة للبوح،في اعتقاد الذات بالفضاء المطلق واللانهائي واللامحدود.

كتابة وإن اعتدّت بالغموض، تظل مقبولة، ومنذورة للتعرية والكشف عن ماورائيات اللون فيها، بدرجة أولى.

نستحضر العبارة أعلاه، والتي استهللنا بها هذه الورقة، بما يفيد دوال الكلم، منظومة ما تحيل عليه من كتابة يعتريها النقص المقصود،المتوقف على بياضات التأويل.

تلكم دوخة الفقد الملازمة لصيرورة الإنكتاب، نصا وزمكانا، مثلما يشي بها الإهداء، سواء في الباكورة" دموع الكرز " طبعة أولى 2018، أو مجموعة الموسومة " في صمت " الصادرة عام 2019، عن غاليري الأدب.

[إلى سيدي

الألم يحضرني ليلا حين ينام النذلاء

أنت الخالد وهم الهالكون.].

ومن ثم، نحن إزاء ذات تكتب بفوضوية، تهدم كي تقيس مستويات الجرح المثقلة به أناة، أنتجها الفقد، وهكذا ذلكم الانعكاس على ما ينبثق منها، ليلف في الأخيرة دورة حلزونية، عائدا إليها كمركزية لليتم والفقد، هي الأليق، بمثل هذه الضبابية الناذرة،مثلما تتولّد عنها قصائد القتامة واللعنة الأبدية التي تلبس عالما بأكمله.

يقول مصطفى لغتيري في تقديمه لثاني دواوين المبدع العربي الحميدي:

[وتمضي القصائد على هذا المنوال محاولة أن تجعل من الصورة الشعرية ركنا مكينا في كتابة الشعر، منسجمة في ذلك مع منطق العصر، وخاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر،التي لم يعد الإيقاع يغريها، بل أضحى المعنى العميق والمستغلق عن الفهم ضالتها، وقد وجدت في المجاز بغيتها فأغرقت به القصيدة].

نطالع له :

" أفتقدك

عندما أتنفس

تحت

ضوء القمر

والحب ممر

وليس للإقامة

ضعف

وليس فقر في الإيمان

شعاع حبك

عندما

ترسل النجوم الشهب

احتفال في ضيافة الظلام

روحي مثل شجرة

تسبح في السماء

والدموع جذور

تسير في الأرض

حزني السري

قطرات حب

على قبر قلبي

أوراق خضر

الموت

ليس له آذان](2).

وأيضا :

[كيف ألاقيك

والزمن وصول

بعد علة الروح

وجسم اعتلاه الذبول

سيدي

لم أعد مهرا

تخشاه الخيول

 أدنو منك بعد

عيشة تطوي ظهر الوعول

أهي النهاية أيها الموت

يا حاكم الفصول](3).

لذلك فهي كتابة قابلة للإضافة، يبكي فلك الفراغ، وكل ما ترجم به من رسائل مغلفة برمادية الكلم، عبر متاهات التشظي، الناجم عن أحاسيس اليتم، ينمّ عن دعوة للارتقاء بالذوق، لاشرئباب الرؤى،كي تعانق موسوعيتها، على النحو المسعف بنسج ملامح كهذه جنائزية ومرثاة.

صحيح أنك سرعان ما تكتشف،إبان استكناه كهذه تجربة تنزع إلى دوائر الخفي والزئبقي والنافر، ما يشبه العبث داخل حدود اللعبة الكلامية، بالخيوط الناظمة، ولكن ضمنيا يتضح لك العكس، وتكون محظوظا متى اصطدمت،بلازمة تزكي هذا التناسق والتسلسل التيمي، يربكك دفق الإيقاع البصري، المانح لهذه الشعرية روح الانغلاق على فلسفة الفقد.

يقول صاحب مقدمة ديوان " دموع الكرز "، أحمد الرجواني :

[ومن خلال عناصر اللغة والأسلوب والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف، تبدو لنا جلية أهمية  ديوان " دموع الكرز " الذي نعتبره إضافة نوعية مائزة في التجربة الشعرية المغربية الحديثة، لأنه إذا كان من الوفاء للشعر في العالم كله وبكل اللغات ارتكازه على مقومات اللغة والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف،فإن هذا المؤلف يستجيب لكل هذه المقومات،ويضيف إليها مسحة غربية في التعاطي مع الموضوعات الذاتية المنفتحة على الروح كأفق انتظار انعتاقا من كل تيه يؤدي إلى الانكسار.].

بل أحسبها كتابة منبثقة من رحم الانكسار، وهذا ما يبرر غموضها، ومحاولات تعويد المتلقي وترويضه على نبذ الجاهز من معاني الذات والحياة .

وحتّى أنسنة عناصر الطبيعة والجمادات، لدي شاعرنا، تتم على هذا الأساس،وضمن هذه القوالب، وتجود بها كهذه صياغات،لا تعبأ بالمتلقي، فقط تتنفس فضاءاتها،مزهوة بالملمح النخبوي، محرّضة على الارتقاء ذوقا ورؤى.

نقرأ له المقطع التالي :

[يتسلق صدري لهيب

يندلق أحزانا عتّقن

بلظى الجحيم

صاعدة إلى الأفق اليقين

غريقا تُركت

داخل غرف موتى

أوهام البرج اللعين] (4).

وقوله كذلك :

["إيرينا"

رؤيا بين الظلمة والنور

فقأة

شمس الخريف

عذابا في أرض الريح

هوس بطعم الماء والملح

صعودا / هبوطا

تنهيدة الكلمات

ببحّة البكاء](5).

بذلك، يكتمل نسج المرثاة، أو البكائية، تأسيسا على ذاكرة الفقد، ليكون هذا الرشق ببضع من تفاصيل المعاناة الموشومة بلغة العبور .

قرين يتكرر في النصوص،مانحا زمان ومكان البوح قتامة، مستجلبة لمعجم الغموض،ومستفزة بمقامرة نبش المتون،وغضّ الطرف عن غوايات الهامش، بغية القفز إلى بؤر المعنى،حيث الظل الآخر لذات تثمّر معطى الانكسار،وتشاكس أبديات تصريفه إلى متنفّس وأفق بعثرات واختناق وخسائر وجودية أقل.

الانكسار المعشش في راهن تهيمن عليه ذاكرة اليتم ويستسلم بالكامل، لسلطة اليتم وجبروت نوباته.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) من نص " رحلة مع الكتابة " صفحة 111.

(2) من نص "ضياء من تحت الأجنحة" صفحة 75.

(3) من نص" في حضرة الانتظار صفحة 140.

(4) من نص " آياتي تنزف " صفحة 42/43.

(5) من نص " دعابة لحد " صفحة 68.

*انظر مجموعة " دموع الكرز " طبعة أولى 2018.

* أنظر مجموعة " في صمت " طبعة أولى 2019، منشورات غاليري الأدب.

 

 

صالح الرزوقفي كتابه “زمن القص: شعر الدنيا الحديثة” يبدأ الدكتور جابر عصفور من نتيجة مفادها أن الرواية تدين بوجودها للمدينة. فهي ظاهرة حضارية انبثقت أولا من البلاط وحاجة السلطان أو الخليفة لإنسان ناضج ومثقف يعتني بكل ما له علاقة بالإرشاد والتربية والتفكير كما هو حال ابن قتيبة في “أدب الكاتب” والقلقشندي في “صبح الأعشى”. وثانيا من حاجة الشعب لخيال يخدر آلامه ويشحذ ما تبقى له من إرادة وقدرة على الحياة كما في “ألف ليلة و ليلة”. وهذا يعني بالضرورة أن الرواية فن له جذور وجدانية في كل من الشكلين المعروفين للحضارة، وهما الرسمي والشعبي. ولذلك إن رواية “زينب” التي صدرت عام 1913 لم تأت من فراغ، وهي ليست نتيجة أوتوماتيكية لتأثير الغرب، وإنما عبرت عن أزمة الطبقة الوسطى ودورها المزدوج في التثقيف والترفيه. ويضيف الدكتور عصفور: إن صعود الرواية في أدبنا الحديث توازى بشكل من الأشكال مع التوسع بالحياة في المدينة لأن الروائي، على ما يبدو، هو بالأساس حصيلة لمخيلة تميل للاستقرار والهدوء. وهذا تعبير عن أزمة تحويل المدينة العربية. فقد كانت تضغط بشكل لا إرادي باتجاه مستقبل ترعاه اليوتوبيا. وعموما إن انتقال الكاتب العربي من الشعر للنثر ودخوله في “زمن القص” كان بمثابة نتيجة مباشرة لولادة المدن وهجرة أبناء الريف إليها. وتقف وراء ذلك الاكتشافات العلمية والصناعية التي تحتاج للتفاصيل وليس الاختزال.

بتعبير آخر جاءت الرواية لتعبر عن حقائق لم تكن موجودة أو تأخر الوعي بالالتفات إليها. وهو ما يسميه الدكتور عصفور برؤية الستينيات.

ولكن ما هي أبرز سمات هذه الرؤية؟؟...

يمكن إجمالها ببندين هما: 1- التكافؤ والتراسل مع المستجدات وأساليب التعبير. و2- التمرد على ذاكرة الأب وربما قتلها ودفنها تحت الأنقاض. ولكن يمكن أن تلاحظ أن التقاليد الجديدة لم تكن متساوية في المشهد العربي. فقد كانت في بلاد الشام أقرب ما يكون لحداثة عدمية، ودشنت انطواء المدينة على غربة أبنائها. بلغة أخرى: كانت المدينة غريبة عن نفسها بمقدار اغتراب الشخصيات عن الواقع الذي جاءت منه. ويمكن القول إنه حصل تبادل في المواقع. أصبح الإنسان هو الموضوع والمدينة هي الذات، كما في “طواحين بيروت” لتوفيق عواد و“لا بحر في بيروت” لغادة السمان و“شتاء البحر اليابس “ لوليد إخلاصي. حتى أن الدراما اختصت بالمكان وليس بالفترة. ولكن في مصر والعراق انصب الاهتمام على لغة سائلة ألغت الحدود بين الشخص ومكانه. وكان البطل يعيد انتاج الموضوع من خلال الذات. وإذا قرأت “المقامة اللامية” لجمعة اللامي أو “الخطط ” للغيطاني ستلاحظ أن المكان ليس في خلفية الأحداث بل هو أمامها، ويحتل دور البطولة، إن لم يفرض على النص معنى نفسيا بمدلول حضاري. لقد كانت المدينة هنا استجابة لرغبة الشخصيات أو جوابا لتلك الرغبة. وهذا يعكس من جانب آخر زيادة نسبة المتعلمين والطبيعة الدرامية والمتأزمة للحياة التي تعتمد على دمج الأفراد في باقات متشابهة من المعاناة والحالة النفسية والوعي، ولا سيما بعد انتشار الذكاء الصناعي واعتماد الإنسان عليه في تنظيم تفاصيل حياته. فبرامج الذكاء الصناعي ساعدت لحد كبير على تغريب الإنسان عن خصوصياته، وربطه بباقة من الحالات الانسانية. ولا أقصد شريحة اجتماعية خاصة. فالحدود بين الطبقات أصبحت متحركة، وتحولت خطوط العزل من الحالة الاقتصادية والوضع الاجتماعي إلى أساليب التعبير عنها. بلغة أوضح إن الانتماء لفئة اجتماعية لم يعد نتيجة مباشرة لواقع الإنسان وإنما انعكاسا لوعيه. والحقيقة أن فن الرواية لا علاقة له بتشكل وتمايز الطبقات، ولكنه ثمرة مباشرة للوعي الباطن وتجسيده. وإذا رأى لوكاتش أن الرواية هي ملحمة الطبقة البورجوازية فهذا لأنه كان ينظر لواقع تحول نمط الحياة بعد حرب مؤلمة مزقت البيت الأوروبي، وبدلت اتجاه السهم من الفرد إلى الشريحة، ومن الأرض إلى علاقتنا بها. وبظني إن الطبقة المتوسطة، هي طبقة افتراضية عابرة للأجناس والحدود، ولديها مشروعها اليوتوبي الخاص. وهي من خلال سعيها المحموم لإنجاز مشروعها اكتشفت روايتها. لقد أصبحت الرواية هي الخطاب الحامل لهموم هذه الفئة غير المحددة، والرواية هي تعريف لحدود هذه الشريحة. إنها فئة غير طبقية تنتمي لنفسها وللهموم الطارئة التي تفاجئ الإنسان وتضطره لاختراع حبكة أو رواية خاصة به. وبواسطتها يقاوم مشكلته مع بقية أعضاء المجتمع، وبالتالي النظام أو الإله.

ولم تكن لدى الدكتور عصفور أية حيرة في تفسير الحاجة إلى الرواية، ومقدار ما تدين به للموروث. ويضرب مثالا بمقامات “عيسى ابن هشام” للمويلحي، و“ليالي سطيح” لحافظ إبراهيم. فالعملان لا يفتحان قلبهما للمؤثرات الوافدة، ويميلان بشكل واضح للتراث بصيغته وتراكيبه. ولا سيما للبنية الفضائحية والناقدة التي بنى عليها الجاحظ أطروحته في “البخلاء”. ولم يفوت الدكتور عصفور الفرصة ليربط الخيال العجيب في البواكير مع غرائب ألف ليلة والملاحم والسير التي تعالج آلام وجراح أبناء الشعب والبسطاء وبوجه خاص من كان يحترق بنار التمييز الطبقي وسوء توزيع الثروات. وقد وصل طغيان الذاكرة العربية (أو أصول الخيال الفني عند العرب) لدرجة تحويل الترجمة إلى تعريب. بمعنى أنه توجب على المؤثرات أن تنصهرفي التقاليد كما حصل مثلا مع بطرس البستاني الذي حول “روبنسون كروزو” إلى عمل مختلف تماما وهو “التحفة البستانية”. وقد تلازمت ملحمة البحث عن هوية الأبطال وهوية الأمة مع رحلة البحث عن هوية النوع الأدبي. ووقف تنوع الأسئلة وراء تنوع الإجابات واختلافها من مرحلة لأخرى ومن كاتب لآخر. ويمكن القول إن الرواية أصبحت فن الطبقة المتغيرة أو الفئة التي يصعب أن تعيد إنتاج نفسها. وهذا يفسر ما يسميه الدكتور عصفور “النسبية المعرفية”. فالرواية فعل من أفعال الاكتشاف والشك أو الاشتباه. فالمسلمات انحسرت في أدبنا الحديث، بوجه عام، وحلت محلها سلسلة من الاتهامات التي تصل لدرجة تجريم الذات. وهو ما يمكن فهمه بضوء الخلل البنيوي الذي نعاني منه سواء على مستوى المجتمع (الجامد والبطيء) أو الحضارة (التي تسقط في هاوية سوء الفهم والتخلف). وبالنتيجة شجعت هذه الحالة على "وعي الضد" و"العقل الذي يفضل السؤال وليس الجواب". فوعي الهوية هو وعي بالآخر دائما. والبحث عن الشبيه يفرض البحث عن المختلف. ولا يستثني الدكتور عصفور أي عمل من هذه القاعدة. مثلا إن رواية “حبيبي ميخائيل” لعاموس عوز تتساوى مع “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني. إن كلا العملين ينظر للحقيقة الساطعة نظرتنا لمدينة تختبئ خلف أسوارها، والمعلن عنه هو دائما غير الظروف الموضوعية. حتى أن بذرة الفكرة في العملين هي التوطين، وإن تعددت الأسباب والأدوات.. إما أنك تبحث عن زمنك الأسطوري أو أنك تهرب منه. ولذلك تفقد الأرض معناها ويغلفها ظل من الريبة وسوء الفهم. وتؤول الحكمة إلى معنى تاريخي يبدل من قيمة المكان وأشكاله. وغالبا يوجد تبادل بين الأسطورة والواقع، وبالمقابل بين تاريخ المكان والجغرافيا. وهذا يضع أبطال العملين في حالة تأهب لا حل له إلا الموت. لقد حركت كنفاني أطروحة عوز والعكس بالعكس. وكانت البطولة غير تابعة لمعنى مضمونها. فكتابة الخيال بلغة الدكتور عصفور “هو وعي ضدي مواز". وذلك لا يعفي العملين من الانتماء لشكلين من أشكال وحدة سردية واحدة. فعوز يبني كل أطروحته على افتراضات وأساطير هي جزء من خياله السياسي. في حين يركز كنفاني على تفاصيل تجربة لها تفسير واقعي ومنظور. وفي وسط هذا المخاض لم يمكنه أن يعزل الانطباعات عن الموضوع. بمعنى أن القيمة الذاتية تبدو له وكأنها معرفة مطلقة. ثم إنه في رواية عوز لا مكان للشخصية الضعيفة، والأبطال يتحلون بالحكمة والعلاقة المتميزة مع تاريخ أسطورتهم الغامضة. أما عند كنفاني إن الشخصية مأزومة وتواجه مصيرها بوعيها الباطن. وهي مستسلمة لتوقعاتها داخل معدة العالم. ولذلك اختار عوز حبكة راكدة تقاطعها مونولوجات. بينما اختار كنفاني حبكة متحركة.

ويختتم الدكتور عصفور كتابه بباقة من الذكريات عن أصدقاء الشباب مثل إدوار الخراط ويحيى حقي وسليمان فياض وخيري شلبي. ويرسم لهم بورتريهات لا تخلو من المودة الصادقة التي تصفح عن الذنوب وتنتبه للمآثر. فقد رأى في كل شخصية من تلك الشخصيات حسنات نحسد الأدب العربي عليها. وحتى إذا اختلفوا بالاتجاه وأدوات التعبير فهم برأيه متفقون على فلسفة واحدة، وهي التعبير عن المطلق بأساليب غير مطلقة، أو ملاحظة اللامتناهي بالتفكير المتناهي. ولذلك استحقوا عن جدارة أن يرتفعوا على الخلافات المذهبية التي لا يخلو منها إنسان أو مدرسة. فالانطباعي يحيى حقي والإيديولوجي إدوار الخراط والوطني العروبي سليمان فياض وإله المهمشين وحارسهم خيري شلبي اجتمعوا في حلقة واحدة يمكن أن نسميها “الحساسية الجديدة”. وهي حساسية ذات رؤية وبصيرة نافذة استطاعت أن تتخطى حدود الفن لتندمج بالحياة العامة والذات، ولتعبر أفضل تعبير عن معاناة كل إنسان وكل مرحلة. وكما ورد في سياق رثاء الطيب صالح: في هذه التجارب كان الشخصي يقود إلى الموضوعي باستعمال تقنيات فتحت الأبواب المغلقة للأجيال اللاحقة، ومالت لشكل له رؤية جذرية تجمع ما بين الظاهر والباطن، والمكبوت في اللاوعي والمعلن في الشعور، والموازي لقيود الثقافات الوافدة المتعالية والتي تدفعنا إلى إعادة انتاج القمع على أنفسنا.

ومن الواضح أن الدكتور عصفور راهن في كل أطروحته على ثلاث نقاط.

الأولى تواصل من حيث انتهى أستاذه الدكتور عبد المحسن طه بدر مؤلف أهم مصنفين في تاريخ نقد الرواية العربية، وهما “تطور الرواية العربية الحديثة في مصر” (1963)، و”الرواية والأرض”(1971).

فقد أعطى كلاهما قصب السبق لـ “زينب” التي كتبها الدكتور هيكل في باريس بين 1912-1911 قبل أن ينشرها في مصر عام 1913. لكن هذا لا يمنع أنه توجد محاولات رائدة سابقة وصلت لذروتها في نموذجين.

1- مجموعة أعمال معربة لنعمان عبده القساطلي، وأهمها “مرشد وفتنة” التي ظهرت عام 1880. وإذا كانت أسلوبيا مفككة وبأدنى درجات النضج والتبلور، فهي من ناحية الموضوع تحمل أعباء الواقع المحلي. كما أنها فتحت لأول مرة ملف أبناء البادية بكل ما في ذاكرتها من ندرة وتحديات وصراع على الوجود. ويمكن القول إنها رواية داروينية لأنها تركز اهتمامها على الصراع في سبيل البقاء. وأعتقد أنها كانت أفضل خلطة من مكائد ألف ليلة وفروسية أبطال الملاحم والسير مع أدوات من الخيال الفني الحديث .

ثم 2- مجموعة روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان. فقد سبقت “زينب” بخمسة وعشرين عاما تقريبا، وتجاوزت أسلوب القساطلي الذي يخلو من بناء الشخصيات أو الحبكة. وحسب السجلات ظهرت أول رواية من السلسلة بعنوان “المملوك الشارد ” عام 1891، وآخر رواية بعنوان “جهاد المحبين” عام 1912. وكانت ذات حبكة متينة وشخصيات واضحة، مع انضباط في العواطف والوجدانيات، فهي لا تذرف الدموع وتموت من الحب والوجد وبالمجان كعادة الرومنسيين، بل تتبع المنطق والواقع واستعداد البشر للتضحية دون إفراط أو خيال مريض.

 النقطة الثانية هي المحاولة المستميتة بالتأصيل. ويجب الاعتراف أن الذاكرة العربية غنية بالسرد والخيال والفانتازيا. فالكاتب العربي في البداية كتب متأثرا بذاكرته القديمة (أو تراثه). حتى أن الشدياق وعلي مبارك وبعدهما المويلحي وحافظ إبراهيم رزحوا تحت تأثير مقامات الحريري. وتحول هذا الرضوخ لسلطة الأب في منتصف القرن العشرين إلى شكل من أشكال التعبير عن الذات الوطنية. ولاحقا إلى أدب مستقل يراعي الحفاظ على تقاليد النوع مع تجديد شبابه. وهو ما انتهى إلى شكل من أشكال الشراكة بين قطاعات نائمة من الذاكرة وقطاعات وافدة أو قادمة. وقاد ذلك للارتقاء من ثقافة شفهية إلى ثقافة مكتوبة أو لتحرير الماضي على أساس يعني الحضور المشارك. ولكن من العدل أن نضيف: إن ما حصل يحتمل العكس أيضا. فتوطين البلاغة العربية في محاولات فجة انتهى مع ترسيخ النماذج الرائدة مثل “زينب” هيكل و“دعاء كروان” طه حسين أو “سارة” العقاد وحتى “إبراهيم الثاني” للمازني. إن لم نذكر “الأيام” لطه حسين كذلك. لقد قطعت هذه الأعمال مع الماضي، وتنكرت له تماما في البنية والأدوات. وأعتقد أنها دون أي علاقة شرعية معه. ولم يجد التراث صدرا حنونا إلا بعد نكسة 1967 وظهور جيل الخيبة أو الجيل الضائع برموزه المشهورة أمثال الطاهر بن جلون والغيطاني وجمعة اللامي. فقد كانوا حريصين على توظيف أدب التصوف والاهتمام بالرؤية من الباطن باتجاه الظاهر. وهم دون أي شك بعيدون عن شطحات خيال ألف ليلة وأقرب لشطحات النفس المعذبة بسبب الاغتراب عن الجوهر الإنساني، واستحالة التماهي معه، واستلهام الخبرات بواسطة المشقة والمعرفة أو ما يسمى العقل التجريبي والذهني. لقد صنعت تلك المحاولات جيوبا داخل الاتجاه العام، وكانت لها أدواتها. ويمكن القول إنها أفكار تنتمي لأساليب غير منتمية. فالفكرة كانت جزءا من هموم المرحلة، لكن أدوات التعبير كانت خارج حدود الأجناس والأنواع. وهذا يصف أيضا معظم محاولات الغيطاني التي اختار لها هو نفسه شخصيا أسماء وعناوين غامضة مثل: سفر، خطط، كتابة. وكأنه أراد عمدا أن يبرئ نفسه من المعنى الكلاسيكي للرواية. وسار على هذا الدرب العجيلي مؤلف “السيف والتابوت” و“سبعون دقيقة حكايات” و“أحاديث الطبيب”. فقد وضع أعماله تحت عناوين فضفاضة ورمادية مثل أحاديث ومذكرات ومحاضرات وهكذا. إن أساليب المنادمة والسمر، ولا شك، تحتفظ بحق الاختلاف عن المعنى القانوني للرواية، دون أن يعني ذلك أنها من طرف الموروث أو الوافد. وما يحدد هذه الميول طبيعة الكاتب ومواقفه. والعجيلي بالذات كان ينأى بنفسه عن هذه التصنيفات، ويؤكد أن الكتابة سلوك أولا، بمعنى أنها جزء من موقفه من نفسه ومن غيره. وأرى أنه لا يمكننا أن نعزو للعرب أي فضل خاص بنشوء فن الرواية. فقد كانت عندنا مضطربة وغريبة عن معناها الحقيقي ومترددة بين عدة أشكال كالحكاية والأمثال والمواعظ. لكن هناك مشاركة جادة لحقن المشهد المعاصر بكثير من الإضافات التي استعرناها من مخيلة شديدة التنوع والغنى، بالإضافة لمحاولات تأصيل أساليبنا المعاصرة. ولدينا أسباب مضاعفة لذلك، ومنها ضرورة التحرر من التبعية والارتهان لثقافة المستعمر. ولم يستفحل دور التراث إلا بعد التخلي عن الكلاسيكية الجديدة والأدب الواقعي الملتزم. أي ابتداء من السبعينات حينما اشتبه الكاتب أن الخلل موجود في أوهام الحداثة ونظام الخطاب. وبهذه الرؤية المركبة، التي تكونت من محور أفقي (بلاغة التفسير التاريخي للخيال) مع محور عمودي (وهو الخاص بتحليل و تشكيل الشخصيات)، لعبت الرواية العربية دورا هاما في نقل المجتمع من مستوى الضرورة لمستوى الحرية، وبالتالي في تنوير أسباب التأزيم تمهيدا لكسر السياق المغلق وإطلاق سراح الوعي الباطن كما قال الدكتور عصفور بالحرف الواحد. وأفهم من هذا الكلام أن الرواية لم تعد صورة من صور الوعي الشقي بل هي جزء إشكالي منه، أو أنها سلاح فعال في مواجهة تناقضات مشروع النهضة وتأصيل الوعي المدني واستبدال أدوات الحارة والواقع المحلي بوعي المدينة الحديثة كما قال الدكتور عصفور أيضا. ويبدو أن الخيال العربي منذ بداياته يسير على محيط الدائرة.. كل شيء يكرر ذاته إلى ما لا نهاية، حتى أن الخوارق والمعجزات هي نفسها. وإذا قلبت في صفحات أية سيرة شعبية لن تجد غير بطل واحد يؤدي عددا محدودا من الأفعال التي تتكرر بشكل لا متناه. وقد لاحظ أدونيس في “مقدمة للشعر العربي” أن المخيلة العربية لا تعرف السكون، فهي في ارتحال دائم ولكن من طور لطور مشابه. وربما كان نجيب محفوظ هو أفضل من التزم بقانون المتشابهات أو منطق البنية المتكررة. وهو في أهم أعماله يرسم مربعات ودوائر. وتتوالى بطريقة تعكس رتابة وبطء الحياة لدينا كما هو حال “الحرافيش” و“أولاد حارتنا” و“حكايات حارتنا” و“رحلة ابن فطومة”. في هذه الروايات تتكرر صورة الفتوة أو الرحالة تحت أسماء وألقاب متنوعة. وبوسعي القول إن الظاهرة الروائية كانت تحاكي نفسها بعكس فلسفة الأجيال في أوروبا حيث كل جيل يحاكم سابقه ويلغيه. ويمكنني أن أجزم أن الخيال العربي بشقيه الرسمي والشعبي ينظر لماضيه بمرآة حاضره. وفي هذه المرايا المتعاكسة يرى خياله بعدد لا متناه من الصور المتماثلة.

 النقطة الثالثة والأخيرة هي معارضة لفكرة إدوارد سعيد عن دور التوسع والحرب في نشوء أصل الرواية. فالدكتور عصفور يعتقد أن التمدن والحضارة هما الحافز الأول لكتابة الروايات. وبودي أن أضيف النوستالجيا. فالحنين لحياة الصحراء والخيام واتصال الإنسانية مع اللامتناهي والمطلق والمتشابه ساعد القساطلي على ابتكار حبكة محلية. وهو ما تحول على يد جرجي زيدان إلى حنين لجنون الماضي. وهو في رواياته لم يجامل الواقع ولم يضع على وجوه شخصياته أقنعة من بلاستيك. واحتلت لديه المكائد والغدر مساحة من الحبكة تساوي ما احتلته صفات الكرم والإخلاص والشجاعة ...

ومثله فعل هيكل في “زينب”. مع أنه رسم لوحة مشاهده الطبيعية بلون واحد كانت شخصياته تحن للأجزاء المفقودة من الحياة. وأعتقد أن الرواية أساسا هي محاولة للتغلب على هذا الشعور الجديد بالاغتراب والعزلة، أو انفصال الأفراد عن أمكنتهم. ومن هذه النقطة تفرعت رواية المرأة. ولا أعلم لماذا تحامل الدكتورعصفور على رجاء الصانع وفرانسواز ساغان. لقد رجم الكاتبتين بأحجاره. وقال عن الصانع: إنها بلا نماذج بشرية عميقة، وشخصياتها من كرتون ومسطحة وليس لها مكان في ذاكرتنا. وأردف عن ساغان: إنها من فئة تعاني من المرض ومن اختلال القيم و المعايير، وتستغل الرواج لتغطي على القيمة. ولاضرورة للتذكير أن الكاتبتين من شجرة واحدة، وهي أيضا شجرة غادة السمان وليلى البعلبكي وكوليت خوري. أو من اصطلحنا على تسميتهم بذوات الأظافر الطويلة. وجدير بالذكر أن هذه النماذج لها ضرورة فنية وموضوعية. فلساغان ينسب فضل اكتشاف الرواية طريقها إلى النوفيلا. بينما تكتشف الصانع في “بنات الرياض” مشكلة القلب الزجاجي الهش القابل للعطب بنفس طريقة هاربر لي في “قتل طائر ساخر”. وباعتقادي إن الكاتبتين لعبتا دورا هاما في تحرير النص من لغته، بحيث اقتربت البنية من حدود الرؤية. وهذا شرط هام من شروط إلغاء المسافة بين الأسلوب و معناه.

 

صالح الرزوق

.........................

* منشورات الدار المصرية اللبنانية. 2019.

 

جمعة عبد اللهتعددت تعريفات الومضة وفعل ومضَ في المعجم اللغوي، نقتبس بعضها: ومض ووميض، برق من الضوء. ومض البرق. لمع البرق. وميض الشيء وميضاً. من وهج من الضوء، بمعنى أنار. اشارة، او غمز. وكذلك ومضت المرأة يعني سرقت الانظار اليها. وغيرها الكثير من التعريفات اللغوية. لكن الحديث عن الومضة الشعرية حديث يطول ويتشعب، حول نشأتها واستخداماتها، وبرزوها كجنس شعري حديث. يعتمد على صياغة في بنية محددة ومميزة في الاداء الشعري، الذي يرتكز على التركيز والتكثيف المركز، في تكوين وصياغة الصورة الشعرية، كالبرق الخاطف والسريع. وتترك الاثر في نفس القارئ من ناحية السؤال والتساؤل، او من ناحية الاستعارة والمفارقة. او من حيث الرؤية والفكرة، التي تستدعي التأمل والتفكير والتمعن والتفسير. وتخلق التأويل المتنوع. لاشك ان كل هذه المكونات، تتطلب المهارة الشعرية، في الصياغة والتكوين، وتتطلب النضج الشعري واللغوي، ونضج الرؤيا بطرحها، بما تحمل من افكار روحية وفكرية وفلسفية حتى تكون الرؤية التعبيرية والفنية، تحمل في تقنياتها روح التفاعل المتبادل. بين الشاعر والقارئ أو المتلقي. في دلالاتها الايحائية والرمزية. اي انها تخلق الموقف والرؤيا والابداع، الذي يحرث في المشاعر والاحاسيس الوجدانية. تبرق او تلمع في الذهن أو الخيال. اي ان الومضة الشعرية مفتوحة الآفاق غير محددة بنمطية واحدة وانما على انماط مختلفة ومتنوعة. لكنها تعتمد على جمالية التركيز. من اجل أنارة الايحاء والترميز الدال في ومضة خاطفة وسريعة. هذا الجنس او الشكل الشعري. برز بشكل مكثف في بداية السبعينيات على يد شعراء كبار ومرموقين في الساحة الشعرية والثقافية.. وظل واحتل مكاناً رائعاً بين الاصناف الشعرية. لانه يتلائم من متطلب الزمن والعصر الحديث في السرعة. لذلك فأن الومضة الشعرية، لا تتطلب الوقت الطويل، نتيجة صياغتها الخلاقة في الايحاء العالي في المغزى، الذي يفجر الدهشة الخاطفة تكون متلائمة مع تقنيات السرعة والايجاز. لاشك ان هناك مشتركات بين شعر الومضة، والقصة القصيرة جداً، ولكن هناك مفترقات ايضاً، أهمها إن الاولى تكون بصياغة شعرية، والثانية تكون بصياغة سردية. وتعددت اغراض الومضة الشعرية كتعدد الحياة نفسها، ولكن نتوقف عن بعض من هذه الاغراض في الومضة الشعرية.

1 - الومضة الشعرية في الشأن السياسي:

نأخذ على سبيل المثال الشاعر أحمد مطر. في الرؤية الطرح السياسي. تميز في اسلوبية بارعة الصياغة الفنية والطرح السياسي، في التألق الشعري. حيث برز كشاعر مرموق وله مكانة كبيرة في الوسط الثقافي والسياسي. بانه يقف وبقوة مع المحرمين والمسحوقين والمظلومين،. ويفضح اساليب الطغاة من الحكام. في نهجهم في فرض سطوتهم الارهابية والقمعية فرضاً. وبرز في اسلوبه الشعري المتألق في جانب السخرية والتهكم والاستهزاء، الى حد التندر بالكوميدية التراجيدية ضد الحكام وتعريتهم بشكل مضحك وساخر ولاذع بشدة. ليدلل على مهازل ومهاتر الحكام الطغاة، الذين يقودون الانسان الى المذلة والمهانة، والانتهاك القيمة الانسانية. لذلك عانى العسف والاضطهاد، واضطر ان يأخذ طريق الغربة والمنفى قبل ان تختطفه اليد الباطشة، بعدما تجاوز الخطوط الحمراء.

- رأيت جرذاً / يخطب اليوم عن النظافة / وينذر الاوساخ بالعقاب / وحوله... تصفيق الذباب.

- الحق ليس له لسان

والعزم ليس له يدان

والسيف يمسكه جبان

وبدمعنا ودمائنا يسقط الكيان

فبأي آلاء الولاة تكذبان

- قرأت في القرآن

(تبت يدا أبي لهب)

فاعلنت وسائل الاذعان

(أن السكوت من ذهب)

- ترك اللص لنا ملحوظة

فوق الحصير

جاء فيها

لعن الله الامير

لم يدع شيئاً لنا نسرقه

إلا الشخير

- قبل ان تخرج

دع رأسك في بيتك

من باب الحذر

يا صديقي كل راس في خطر

ماعدا راس الشهر

- ولي عذري

فأني أتقي خيري لكي أنجو من الشر

فأخفي وجه أيماني بأقنعة من الكفر

لأن الكفر في اوطاننا لا يورث الاعدام كالفكر

- قال لنا اعمى العيان

تسعة اعشار الايمان

في طاعة أمر السلطان

حتى لو صلى سكران

حتى لو اجرم أو خان

حتى لو باع الاوطان

أنا حيران

- ما أغنى عنه ماله وما كسب

فصودرت حنجرتي

بجرم قلة الادب

وصودر القرآن

لانه....... حرضني على الشغب.

2 - الومضة الشعرية في الحنين والفراق:

الشاعرة نجاة عبدالله: تملك براعة متمكنة في الصياغة الشعرية. ذات دلالات عميقة في مرأة الواقع. وقد صقلتها الغربة في تجربتها الشعرية، بشكل متألق. بما تفرزه الغربة من الحنين والشوق ولوعة الفراق. فقد احتلت موقعاً مرموقاً في تجربتها الشعرية، بالارتباط الوثيق في الانتماء الى الوطن، البلد البعيد الذي شطر القلب الى نصفين. واشعل نار المعاناة بالحنين، الى تلك الذكريات الراقدة في اعماق الوجدان. الى الارض التي انجبتها ودفعتها الى معاناة الغربة، لتحترق بنار الفراق. هذه المعاني الدالة بالايحاء والمغزى العميق في انجازها الشعري.

 لذلك تشرع اشرعتها الشعرية تجاة الوطن البعيد. الذي يعاني القهر والحزن. من عبث الخراب والحروب المجنونة. التي تحرق ازهار الوطن، وتأخذ فلذات الاكباد ظلماً، وتترك القلب يتلوع بنار الوجع والحزن.

- ضوء خافت

يتلألأ خلف سؤالك

منْ أنتْ !!

تعقد كفيك

وتنصت لأنين النار

- احذر

بارود الصدفة

قد تأخذك شهيدا

في دمية خاسرة

- كلهم غرباء

قطف الغيم وردتهم

وفرق النوح

أصابعهم

نسألك شمساً أيها الضباب

- أحذر فمكَ

قد يصرخ مرتجفاً

في البراري

- أنا القرية

لا تحفل بك،

أنتَ غربة

لا مأوى لها.

- نحن أخوة يا أبي

هكذا يقول الصباح

وهكذا يقول الندم.

- لما تزل شجرة النوح

أقطف دمعة منها،

تثمر ميتا في البلاد.

- يا شمس لا تأبهي

بظلام أحبتنا

ويقين فراقهم.

- وطني يقتلُ صباكِ

أيتها الدموع

يعلق وردة بحجم قذيفة

على صدره الذهبي،

يأخذنا الغياب

- اكتموا نعش البلاد

 أو لم تنته الحرب

أيها الاصدقاء

- قدمي في المنفى

قلبي يرتجف

كلما يتنزه رغيف

قرب النار.

- المرغم على الشوك

وقلبها

تسعل فيه الحروب،

خذ بخطوتي

إليك

تفترق البلاد

- أيها الندم

يا حلة أيامي القادمة

أقدم إليك قرابين الدموع

وبلادة الروح العطشى.

3 - الومضة الشعرية في التصوير المدهش:

الشاعر فلاح الشابندر: السليقة العفوية في الموهبة والخيال الشعري الملهم. يقف ببراعة فائقة دون منازع الشاعر فلاح الشابندر. يقف بكفاء عاليه ومبهرة في اسلوبيته الشعرية في الرمز وتكوين الصورة الشعرية، بشكل غير مألوف في الشعر، بأن يعطي وهج التصوير بتكثيف وتركيز بأقل المفردات، انه نحات ورسام بتصوير الكلمات بصورة مدهشة، واعطائها بعداً رمزياً بليغاً، لها خلفيات عميقة من مشاهدات الواقع المحسوس وغير المحسوس، المرئي واللامرئي في تقنيات احترافية في الشعر. وقد اثبت بأسلوبيته وجدارته، بأنه ظاهرة جديدة في الشعر الرمزي وفي تثوير الكلمات، ليخلق منها رؤية مركزة. يعتبر في اسلوبيته الفذة في شعر الرمز تخلق، اطنان من الاسئلة والتساؤلات في المفارقة والسؤال، حول صلتهما الوثيقة مع مجريات الواقع الفعلي. ان تجربته الشعرية غنية بالابداع كظاهرة شعرية جديدة، تتفاعل بفعل ديالكتيكي او جدلي من عمق السؤال، الذي يحتضن العالم والوجود. انه السؤال الذي يختصر المحنة وحيرة الواقع، يحتضن ماهية قيمة الانسان ضمن هذا التناقض المتنافر والمتشابك، الذي يخلق المحنة في السؤال، لذلك يحاول ان يفرز في هذا الصراع المحتدم بين الفرقاء المعلومين والمجهولين. لماذا وكيف ومتى ولمن نتوجه في ظل هذا الضباب الكثيف، الى احد الفريقين المتصارعين. او اين نوجه السؤال ضمن احتراق الحياة، كأنها تأكل نفسها بنفسها، لذلك يقود طرح السؤال، بجمالية نحو ضفاف البعد العميق والقريب. ليس له بد، إلا من طرح صراخ السؤال المكتوم.

- من عُسر الأجوبة

جبلاً أصعد

- كسار حجر لعله -

الفأس أخطأت الرسم،

واجترح الاسف

- الى الحرب: مع التحيات

ماتت...

ماتت، زهرة البراري

- الليلة، عاودني الوجع.

مُصاب بقصيدة، توسلت القصيدة.....

هل أطلقت سراحي ؟

- إلا هاوية.....

لا احد يكترث لك،

إلامن يُعبي صمتك َ

أيغيبني الفأر ؟

- الكرة: جدل الاقدام

الحبل: جدل الرقص

السؤال: جدل السؤال

والجدل: جدل نفسه

- من جمرٍ،

أصرخ..

الاسرار كتمتُها لا يغيبها النسيان

أحبك انتِ

- هل بيننا سؤال لا نعرفه ؟ لمستك.

- سألتها موعدا، فانتشر عطر الغواية.

صديقتي: أنثى الندى،

تسألني..

صاغت الضوء أساور !

- للفقد ملح دم الصبار،

فاهَ الصبر: شتاء النازحين،

يا عراق....

- على كتفي،

أنتِ ظل الوردة.

وأنا: دهشة السؤال !

- الصورة،

لا تنظر إلا لسواي

كل الذي حولي،

غير الذي أراه !

- أضاع زهرة، بلا عقل....

هي

أجملُ منك !

4 - الومضة الشعرية في رمزية الاشجار:

الشاعر سعد ياسين يوسف: الشاعر والاعلامي والاكاديمي المتمكن، في براعته في صنوف الادب والاعلام. وقد وظف رمزية الاشجار، كحالة في تطوير التعبير الشعري، ربما لم تتطرق لها القصيدة من قبل، بهذا الزخم في رؤية رمزية الاشجار، في رؤيتها الفكرية والفلسفية، ان ترمز المعنى الدال بشكل شمولي واسع الآفاق، يعني الاشجار هي اصل الحياة والوجود، وترتبط بعلاقة عضوية بحياة الانسان، بكل شمولية واسعة، بهذا الخلق الابداعي الخلاق، يرفع شأن رمزية الاشجار ودلالتها، الى الآفاق الاعالي الى حد القدسية للاشجار. وفي علاقتها مع الانسان وفي حالة تبادل التأثير على الجانبين، اي عندما تكون الاشجار وارفة وعامرة الحياة والاغصان والخضار، ينعكس ايجابياً على طبيعة الحياة والانسان، والعكس عندما تكون الاشجار في حالة سلبية، ينعكس سلباً على الحياة والانسان، بهذا الرمز الدال والعميق، في معنى الايحاء الرمزي. بأن الاشجار تأخذ البعد الكلي للحياة في الرؤية الفكرية والفلسفية. وفي المفاهيم الحياتية المحسوسة وغير المحسوسة، وكذلك في الظواهر المرئية وغير المرئية، فهي تحمل دلالة الحياة. الموت. الضياع. الحنين والشوق. الغربة. الحب والجمال. المعاناة والقهر الاجتماعي. الوطن والانتماء. الانسان وموقعه في الحياة. بهذا التعبير الشمولي، نستخلص بان رمزية الاشجار، تعني الوجود والحياة نفسها. في علاقة عضوية متجانسة ومتناسقة ومتبادلة. فالاشجار هي مانحة الحياة والعطاء والنماء والخصب. بدون الاشجار لايمكن ان تقوم الحياة بذاتها، بل تكون صحراء موحشة، وبدون الاشجار لا يمكن ان يكون هناك انتماء وهوية للاصل. بل يكون هو الجحيم نفسه. بهذه الصياغات الفذة، يكون الشاعر امتلك اسلوبية شعرية فريدة في نوعها، وخوض غمارها في ظواهر الشعر الجديدة.

 - عفوكَ ربي

قامت قيامتهم

سيأتونك عند سدرة المنتهى

ولكن كما رسمتهم النيران

لا كما خلقتهم في أحسن تقويم

- الغصون وتساقط

غصناً فوق غصنٍ

فوق غصةٍ...

 حتى تقطعت أزرار السماء

وتدلى ثديُها

- منذ أن توضَّأ التراب

بدمك الاخضر

قامت قيامتها الارض

صار لها وجه السماءِ

 - معنى التجذر ألآتي بموج انبثاق

الخضرة التي أشعلتها في خشب السكونِ

وكلما جفت ينابيع صوت الله

- مذ أحببتكِ

قضى سبحانه

أن نظل رافعي رؤوسنا

ونحن ننظر الى بهائكِ

- تغادرني البهرجةُ

تشاغلني النوافذُ

الاكف التي تلوح لأشجارها

عند الغروب

- فقد بقيت عارياً منها،

تلك الابتسامة

التي علمتني

اياها...

يوم كانت....

إينانا.... !!!

- عابراً

بحر اشتعالي

بأسئلة ثقالٍ

- إن القصائد التي

لا تنبت أشجاراً تظل غربتك

ليست سوى

عصافير ميتة...

- وما إن أبصرت المرآة

انتفضت

وتشظت معلنة ضدي

الحرب..... !!

- بحسها الأزليَّ

الريح التي عرفتُ كيف تسقطُ

أوراق الاشجار..

كلما أجتاحها طوفانُ رغبتها المريرة

- مذ أمطرت سحابتي

والموج يغمرني

- ضوءكِ الصاعدُ

الى الجبل بجلالِ وحشتكِ

يطرقُ السؤالِ.....

- أنتَ جدار ساكن

وليس لك سوى سقفٍ

سيغمض جفنهُ

قبل أن تدركَ

معناكَ......

5 - الومضة الشعرية في جمالية الحلم والعشق:

الشاعر يحيى السماوي: يعتبر بحق عملاق القصيدة الشعرية العربية، المجدد والخلاق في الصياغة الفنية وتقنياتها المتطورة في اسلوبية حديثة ومتجددة. وكذلك في الرؤية التعبيرية، الروحية والصوفية في الحلم والعشق. التي حلق بها الى السماء السابعة، الى قمم الاعالي، نحو المدينة الفاضلة في الحلم والعشق. ان تحتضن الاشياء المادية والمعنوية لمجريات الحياة والواقع. في الارتباط العميق للوطن. لقد جعل قصيدة عجينة طيعة وسهلة الانقياد والتشكل في اشكال تعبيرية فذة من المعنى والرؤية، لتعطي الوهج الضوئي، على منصات العشق، في وجهه الانساني والنوراني في الحالم في مدينة العشق، وحارس فردوسها الرمز الاسطوري المقدس (إينانا)، ان تكون البديل الاسمى لجراحات ومعاناة الواقع الذبيح من الوريد الى الوريد. ان تجربته الشعرية الطويلة، خلقت من خبرتها العميقة، انضج قصيدة شعرية حافلة بالجمال المتألق، في دهشة الابتكار والخلق والتجديد. وهو يؤسس فلسفة شعرية عشقية قائمة بنفسها بين (عشقائيل وصوفائيل / العشق والحكمة)، بوجهها المشرق، كحلم بديل يمشي على الارض، ويغسل الاحزان والمعاناة والقهر، التي خنقت الواقع خنقاً، وحاصرته بمثالب معيبة وجارحة كالاشواك المسمومة، مما دفعت الحياة الى البؤس والشقاء، لذلك يعطي البديل للمحنة الحياتية والانسانية، لواقع منكوب وميؤس، يضع بديل الخراب هو مدينة العشق الفاضلة، التي تعيد للانسان قيمته ومنزلته السامية. وتعيد للحياة وجهها المشرق، وتمزق السواد والحداد. هذا الاستخدام المبهر في اللغة الشعرية الانزياحية، لها القدرة الفذة، في توظيف الاستعارة والمفارقة، من خلال توظيف الاسطورة العشقية، في آله العشق والجمال (إينانا) لتكون السقف العالي في السعي الحياتي نحو الحلم. ان الوهج الروحي والصوفي في العشق، يملك مبررات وجوده، كمضاد لمشاق الحياة الثقيلة والمرهقة، ولكي يشق جدار الظلام الطويل، بضوء عشقي ونوراني، يحفز الذهن في الخروج من شرنقة الواقع الاخطبوطية، الى مدينة النور، مدينه الحلم الفاضلة في مملكة العشق. ولكن هذه المدينة الفاضلة، لا يدخلها كل من هب ودب. وانما هي للعاشقين الذين يحبون الحياة دون غيرهم، يحبون الجمال والانسانية دون غيرهم. يحبون العشق كناموس حياتي دون غيرهم، فأن ابواب فردوس المدينة الفاضلة، مفتوحةً لهم فقط، ليقطفوا فاكهتها واثمارها وانهارها العذبة. هذا البديل الحياتي القائم على العشق والحلم.

- لو كان في صلبي خلاصي

ما خشيت

من الصلب

- أمس قبلَ الفجر

أو قبل أذانِ الظهرِ

لا أعرف بالضبط، التقينا...

أين ؟

- خلعت فستانها الوردَ.....

فأعشى نورُ نهديها

مرآيا مُقلي

- كنْ كما شئتَ

تَنسكْ

أو تَشَيطنْ

فأنا كُلي لكَ الآنَ..

وأنتَ الكلٌ ليْ

- ليقومَ

من تحتِ الرماد ِ ببردة العشقِِ الرميم

وترتدي الصحراءُ فستاناً

من الشجرِ الضليلْ !

- تبكين....

تشتعل الحرائقُ....

أستغيث بماءِ عفوكِ

تضحكينَ

فتخشعُ الاوتارُ في محرابِ حنجرتي....

- سُورُ الكتاب جميعُها

بُدِئتْ

بسطر ’’ البسملة ’’ !

- هيأتُ

للتنور أمسي فاحرقيهِ

وطهريني

من ذنوبِ لذاذةِ العشقِ الحرامْ

- نام الشاطئُ العطشانُ...

ها أنذا وحيدٌ كالعراق....

ومثل باديةِ السماوةِ

لا الغديرُ ترودُهُ الغزلانُ

والشجرُ الظليلْ

- فالسومري ونخلةُ الله الغريبةُ

يقنعان من البيادرِ بالقليلْ

- فلنُقِمْ

مملكةَ القبلةِ والضحكةِ والعشبِ..

نصلي

كلما كبرَ عصفورٌ

وأمَّتْ بالازاهير الفراشاتُ..

- أشكٌ أنْ أكون قديساً

إذا لمْ أرتكبْ

معصيةً اقتطافِ تُفاحةِ فردوسكِ

وارتشافِ خمر تينِ بستانكِ والزيتونْ

- أشكُ

أنْ يغفرَ اللهُ خطيئاتي

إذا لم اتخذ منكِ يقيناً

يدرأ الظنونْ

6 - الومضة الشعرية في الحب:

الشاعر سعد جاسم: شاعر واديب متعدد المواهب والامكانيات الاديبة المتنوعة. فهو شاعر وكاتب مسرحي وشاعر في ادب الاطفال. يمتاز بأسلوبيته الخلاقة في الصياغة الشعرية، في الخلق والتجديد، والبحث الدائم عن محطات اضافية في التعبير الشعري، بالصياغة المتألقة والخلاقة والمتجددة. يملك رؤية جميلة وانسانية في تعاطي شفافية الحب العذبة، ويجعلها قرينة الحياة، فلا حب بدون حياة، ولاحياة بدون حب، بهذه الجدلية، يعطي سمة وقيمة بارزة للحب، بأنه مانح الحياة والعطاء، في انسجامية متدفقة في الترابط العضوي، بهذا الشكل يعزف على سمفونية الحب بمرح وانتشاء واشتياق، في نغمات تتراقص لها العواطف والمشاعر، بدفئ متدفق من ينابيعه الصافية. لكي تتغلب على معاناة الحياة والقهر الاجتماعي. بالحب المليء بحواسه الانسانية، بشفافية تشتهيها الروح، لكي تسكن اوجاعها. انه يغرس فسائل الحب بشكل جميل، يجعل المعشوقة بمصاف آلهة الحب والجمال.

- جسدكِ... ؟

مجرد الحلم بأحتضانكِ

يجعلني أرتجف

من اللذة

في مرآيا الطقوس

- عندما تقوظني قبلاتكِ

معلنة

أبتداء طقوس الماء

- خلاص

الموت

خلاص وحقيقة

وأنتِ

حقيقة وخلاص

- وأرتشاف زلال نهركِ

الصاخب...... العذب

والمتمرد أبداً

على الاعراف والثعالب

- أنت أسطورتي الشخصية

والاخريات

حكايات

في ذاكرة السرير

- صلواتكِ

نوافذ شفاعة ٍ

وسلالم الى السماء

- التي تجلى الله

وخلقها من اجلي

كما لو أنهُ يقول لي

- خذ يا أنتَ

- كل تراب

لا يزدهر تحت قدميكِ

أديم كافر

- البرد يشدني اليكِ

يدفعني الى حضنكِ البعيد

فأتوهُ في غابات الثلج

- كل ليل

لا أكون فيه بأحضانكِ

ظلام لعين

- كل عطرٍ

لا يضوعُ من مساماتكِ

رذاذ مغشوش

- كل هواء

لا تتنفسين نسيمهُ

ريح فاسد

7 - الومضة الشعرية في الغربة والمهجر:

الاديب والشاعر قصي الشيخ عسكر: أديب وشاعر متمكن بجناحي السرد والشعر. وبتقنيات جمالية رائعة الابداع، وفي اسلوبيته الواقعية، في جوانب الغربة والاغتراب والمهجر. ويخلط في ابداعه المتجانس، بين تجربته في المهجر، وزمن الماضي الراقد في الذاكرة، بما يملك من تجربة وخبرة طويلة وعميقة، من مواجع المعاناة الحياتية في بلدان المهجر، يجسدها في خيال فني بجودة وابداع متألق. لان عوالم الغربة والمهجر، لا يمكن لاديب وشاعر مهما بلغت جماليته الادبية والشعرية، ان يخوض غمار ادب وشعر الغربة بصورة متمكنة، أو نجد تجربته وابداعه ناقص. لان من يجسد معضلة الغربة والمهجر وقهرها النفسي، إلا من ذاق مرارتها، وتجرع لوعتها، وخاض غمارها بعواصفها الهائجة والمتقلبة. لذلك مثل مايقولون (أهل مكة ادرى بشعابها) فقد برع الشاعر الاديب قصي الشيخ عسكر، بمنتهى روعة الشعروالادب والابداع. والشيء البارز في نتاجه الشعري والادبي، يربط الغربة ومعاناتها بالوطن البعيد، بما يحمل من ذكريات حياتية، وكذلك من عسف وظلم دفعته الى خوض غمار الغربة. لذا نجد في انتاجه الابداعي، ترابط الحياة الماضية بواقع الحاضر. الغربة والاغتراب، في ادق التفاصيل الحياتية بين الجانبين، بعلاقة متداخلة بشكل عضوي. وكذلك محاولات التكيف مع الوضع الجديد في الغربة، رغم الصعوبات الجمة. ان ابداعه في المهجر، احتل مكاناً بارزاً ومرموقاً، في أدب المهجر، بحيث لا يمكن لاي كاتب وناقد موضوعي، ان يتجاهل ابداعاته المرموقة في هذا الجانب، حتى أن بعض الكتاب والنقاد، اطلقوا عليه تسمية. رائد أدب المهجر، ويشارأليه بكل اقتدار ابدعي يستحق الثناء والاعجاب.

مأواك قلبي وذاك البحر والأرق

             يانفحة من بقايا الأمس تحترق

يالمحة من بقايا الأمس ساطعة

      كم شدني نحوها الحرمان والنزق

 

كفني صمتك ياوطني

فمتى تنطق عني!

-

لمـّي الطريق ولملمي خطواتي

     فلقد سئمت تشتتي وشتاتي

كلّ الحكايات انتهت في ليلة

      إلا أنا لما تزل مأساتي

-

في الشارع إعلان

في المنزل إعلان

إعلان يتبعني في كل مكان

وأنا أخرج من بلد النكبة أدخل في بلد الإعلان

-

باسمكِ

أخلق فوضى

لايتورع عنها الكون

-

لست أدري إذ اعترفت بذنبي

    كلّ مافي الوجود حولي مدان

فدعيني أفنى بعطرك إنِّي

     لا مكان يضمني أو زمان

-

البصرة أضحت تتجرد من ساعة سورين

اما ساعة بيغبن فلقد كانت تعلن وقفا للنار

لكنا أدركنا فيما بعد ان الحرب وان ماتت

تبقى في فرشاة الرسم وفي كل الألوان

-

في مملكة البترول

الله وحده ولا شريك

يجلس في عزلته على الرصيف دونما يدين!

-

وطن...ولكن للصوص

قسمة ضيزى

-

من دونك ياأمي

كالطفل القابع في عزلته

والعالم طفل

محروم من لغة العفو

-

وطني

وطني أواريه بقلبي ان يمت  ان القلوب مقابر الاوطان

-

منفى

بل

قشرة ُ موز ٍ

كانت ملقاة فوق رصيف ٍ مهجور

لم تدعسها إلا قدمي!

-

لكني

أبقى

أبحث عن وطنٍ

يُشرق في قلبي أي الأوقات أشاء

-

مذْ غسلت أمي

شعري

 بالغرينِ كان الغرينُ منفى

تسعى نحوه باقي الأوطانْ

-

خنجر

المنفى وحده

خنجريَ الباقي

من أسلاب حروبي

وحده يغرزني في صدر اليأس

-

تهويمة

غريبة المزاجْ

تقبع في زاوية على الرصيف

تعثر بي

وحدي أنا

من دون كل العابرين!

8 - الومضة الشعرية في المرأة:

الشاعرة رند الربيعي: الشاعرة اثبتت وجودها المتمكن في الابداع الشعري. وقد اكتسبت مميزات واسلوبية خاصة في التناول الشعري. الذي ينحو نحو الشفافية الواقعية، في مجال مايخص الواقع المرأة. وما يحرك وجدانها الداخلي، ان تقف مع المرأة ضد الانتهاكات الظالمة بالجور والقهر، تقف وبقوة وبكل خوالجها وهواجسها، في الدفاع عن حق المرأة الانساني في الوجود، تقف بكل شجاعة ضد جروح المتكسرة في ظلم المجتمع تجاه المرأة، بحياة مهشمة وذليلة، التي يمارسها الرجل تجاه المرأة، كأنه امتلك التفويض الالهي بتقرير مصير حياة المرأة، بأن تظل المكسورة الجناح وعنصر معيب، كما تخلقه العقلية الاجتماعية المتزمتة والمتعصبة، والسائدة، التي تمارس القهر الاجتماعي لجنس حواء، كأنها تحمل خطيئة التفاحة واحدها، دون ان يشاركها الاخر (آدم). وتظهر في ابداعها الشعري على المكشوف، معاناة القهر والاستلاب. بأن المرأة لعبة بيد الرجل يحركها وفق ما يرغب او يشاء، وما على المرأة سوى الطاعة العمياء، اما اذا رفضت او تمردت، اصبحت خطرة على المجتمع، ولابد ارجاعها الى بيت الطاعة للرجل. بهذه العقلية السائد في الموروث الشعبي والديني في عقلية الرجل، بنقصان عقل المرأة. وليس انها شريك ورفيق اساسي للرجال، يسيران في الحياة سوية بالاحترام والتقدير المتبادل. هذه منطلقات الشاعرة، تعرضها بأسلوبية منطقية، وتطالب بميزان العدل الحياتي للمرأة. لذلك ركزت في ابداعها الشعري، من اجل انسانية المرأة بأنها تحمل قيمة حياتية، لا تقل قيمة عن الرجل.

-

وجهُكَ معجزتي

انفاسُكَ...

هشيمُ زِجاجٍ،

في رئتي!

-

لن أبتكرَ صهيلًا لخيولٍ موتى

مقطوفةُ حقولٍ

زمنٌ معتقٌ دونَ طبقٍ

بالوجعِ

-

نعلنُ سفرَنا الكاذبَ لها...

حقائبَ وَ مسافاتٍ،

غرباءٌ برؤوسٍ مثقوبةٍ،

النوافذُ مشرعةٌ لرذاذٍ مطري،

زاغَ مِنْ غيومٍ تشرينيةِ

-

كنت أحدثني في المرآة فلا أجدني

ينتهي حديثي

كصوت فاختة

-

كم هي خائبة الحظ

نسوة يوسف اللائي

لم تريْنَ عينيك !؟

إستحالة أن يحلَّ الشتاءُ

فوقَ مصاطبَ عشاقِ

-

ولأنكَ لم تأتِ؛

يوم ولادتي...

تاريخ خيبتي!

ولَمّا طَعَنتَني... ذاتَ مساء

-

 مَنْ قال إني هكذا؟ مَنْ قالَ إني خُرافةٌ؟

 اللّهُ.. حتى اللّه ! ها قدْ خصّني بكتابهِ

 مَنْ سالبٌ حقوقي؟

 ياأنتمُ يامعشرَ القمامة ياكُلكم مَنْ يدّعي الحضارة يفيضُ لؤمآ إسمّهُ..

وتسرقونَ عمرَنا وتذبحونَ حُلمَنا يا معشرَ الخُرافة

-

يحييني ويهديني

لأسلو بالقصيد ْ

ياأراجيح سنيني

قد علمتُ إنني عدتُ غريبآ

ساخرآ

-

تَجمَّرَتْ آهاتٌ

في حنجرتي

واحدةٌ تلو الأخرى...

سكةُ قطار موت..

رَبضَ في وطني المَكلومِ

-

من الدهاليز المختبئة

تحت صخور الموت

راحت الدماء تلعق أقدامنا

-

في آهاتِ الشجنِ،

من غولِ الليالي...

أَغرقتني كَسفائنَ.

مرتجفةٍ

-

صنعتْ نعوشًا...

من عبقِ أحلامٍ مذبوحةٍ

في المهدِ...

وَ نبتتْ بين أصابعهم الغضّةِ

سنابلُ اِنتظارِ يُوسُفَ

-

وَ أنا... إنْ قُتِلْتُ فَوطني قاتلي!

وَ سأُخَلَّدُ في سجلِّ المقتولاتِ،

ظُلمًا وَ بُهتانًا...

9 - الومضة الشعرية في الايروسية:

الشاعر سردار محمد سعيد: يقف في طليعة شعراء هذا النمط الايروسي، بكل اقتدار متمكن بجدارة، ويضيف لهذا اللون الشعري مسحة جمالية، بأن العشق يتسلل بكل جوانحه الى مخدع العاشقة. ليضيف وهج مضيء في معنى ايروسية الفراش. لا يعتلي المرأة ظلماً واغتصاباً، ولا يلعب ويراهن على فحولته على حساب انسانية المرأة، ولا يبرز عضلاته ليقع في رغبات الشبق الجنسي الوحشي والخشن، بل يتعامل بشكل ميزان متكافئ، ليس فيه ثقل كفة على حساب كفة اخرى، بل الكفتان متساويتان، بالعشق والرغبة الجامحة. متساويان في قطف ثمار الايروسية على فراش العشق الوثير. بكل ود واحترام، وبشغاف عذبة، في الصلاة الايروسية. لا شهرزاد ولا شهريار، ولا عنتر بن شداد (عنتريات). او ليس هناك أمير وجارية، بهذا مفهوم العشق الايروسي، التي يطلقها شعرياً، بكل جرأ وصراحة. انه لا يتعامل في الشعري الايروسي، بأن يحرث في النوازع (البرنوغرافية) في الابتذال الجنسي، بل يعطي قيمة معنوية في العشق الايروسي، يعطي قيمة وحياة انسانية للجانبين، لا غالب ولا مغلوب. وانما معاً يقطفان الفاكهة المشمشية. معاً يذوقان حلاوتها اللذيذة، على عتبات العشق المتوهج، بين العاشق والعاشقة.

غضب الخليفة لجواب البكر

ألذ شيء في هذه الدنيا نكاح

ولمّا قالت من نسائك

نكس رأسه خجلاً

-

تأوهات الواد

تستفزسفح خصري

تضج في عيني صخباً

وتسيل على تفاح خدّي المفرط بالغنج.

-

طائر يشدو بلا سبب

    ولهاث العاشق الطرب

يرتجي في سورة الغضب

     رشفة من ابنة العنب

-

تقحمْ

أمامك أثمارجناتي

فما تشتهي أقطف وهشم ْ

فكم مرّة أينعت

-

واعصف بي عصفاً

 لا يمنعه سدْ

اغرز في قلبي سيفاً

من وجد ْ

مَن يحصي نبضات الرعد ْ

-

فكّ الفجر مسامير الظلمة

أرجوك تعالي ثانية

حتى لو جئت بأجزاء مما كانْ

لأحس بأني إنسان

-

لا تهجر السرير

ستعود مرغمة

لتأخذ المناقير

قد تسأل النسوة

ألهذا القدر تحب عبق الزهور

-

ترقص مع ارتعاشات لهيب القناديل

ورجفات السرير

وصيحات ربّات الخدور

يذبن بلدغة عقرب النشوة

-

وحق الفحولة

لم تشتمل نساء الأرض أنوثة كأنوثتك

وحق الرجولة

لا فاكهة تداني قبلاتك

لاالمشمش ولاالتين

-

لم تبق جملة عذراء

فُضّت البكارات

كن باسلاً

واقتحم القلاع

كن عاصفة

تهزّالشجرة

-

في روحي ضجيج حروف

 شبق من عنيد التورية

رقيق طيورتلوذ بالسنابل

ضوضاء وحوش جائعة

لكنها بهمسة تنهار

-

وعشقت فيك.. كل الذي فيك

رضابك على فنجان القهوة

يقول لي: تعال

هنا موضع شفتيها

ألا تلثم

***

 جمعة عبدالله

 

يؤسس العنوان عتبة نصية اولى لقراءة النص، وهو هوية الكاتب ودليله.

ويعطي العنوان صورة اولية لمحتوى المؤلف ومضمونه، منها- العنوانات- ما تؤشر إلى الايجابية منذ الوهلة الأولى، ومنها ما تحمل من السوداوية المعلنة لمضمون النص، وهذه الانطباعات في هيكلية صياغة العنوانات تنبع من تراكمات ضاغطة على الكاتب اولاً، والمجتمع ثانياً؛ لأن الكتابات لاتصدر من ذات متفردة فقط، أنما تأتي لتتخذ من الظروف المحيطة به-الكاتب- اساساً اولياً في صياغة العنونة.

(الأب القاتل) رواية  حملت من عتمة العنونة وسوداويتها الشيء الكثير، لتحيلنا إلى دوامة البحث عن حقيقة من هو القاتل؟ فـ (الأب) من البعيد جداً أن يكون قاتلاً، هذا الأستبعاد يدفعنا إلى البحث بعمق، وقراءة النص لمرات عدّة، لنجد التورية الحقيقية في صياغة العنونة المبطنة، ولتعلن الرواية نقدها المعلن للضغوطات جميعها، وبصورة أساس للضغط السياسي المميت، والذي قاده- الشابندر-إلى صياغة النقد بإزاء المقدس الأعلى،وكأنه يوظف الخوف من النقد المعلن للضغط السياسي، ويتجه بإزاء الخروج على المقدس الأعلى، واجد السبب هنا؛ لأن الخالق ينحصر حسابه بيوم القيامة فقط، بعكس الفعل السياسي الضاغط الذي يوظف سطوته في الأوقات جميعها، وهذا لايعني أننا نؤيد ما خرجت اليه الرواية من نقد معلن ومباشر للذات العليا، انما تأتي قراءتنا لنص مكتوب فقط، وهو مايمليه علينا واجبنا النقدي.

في رواية (الأب القاتل)، يمكن أن نصنف هذه الرواية تحت الرواية الشعرية، أكثر من تصنيفها بالرواية السردية.

والشعرية لاتقتني الخصوصية في الأشياء ذاتها، بل في تموضع الأشياء في فضاء العلاقات، أي أنّ الشعرية عامة لا تمتلك او لا تتحدد بنهج معين من الكتابات.

̏ بكاء الأطفال يُصعق الإله، لم يتصور الإله أنّ صوت الأطفال يهزّ عرشه بهذه القوة، لقد كانت أصواتهم في عرشه منقوشة على شكل صور، الصور تحّولت إلى

أصوات، بكاء الطفل صوت، الصوت يخيف، يشغل هشيم الذاكرة نار الإنبعاث من

جديد، ألهذا كممّوا أصواتنا يا ناس؟

لستُ قاتلا...

لست قاتلاً...̋

إنّ تصوير (الشابندر) بكاء الأطفال بالصاعقة هو إحدى التوظيفات الحديثة لتوجيه النقد نحو (الذات العليا)، وكأنه في محاولة توظيف (عتاب) للخالق اتجاه خلقه. عندما

يقول (لم يتصور الإله أنّ صوت الأطفال يهز عرشه)، وكأنه يريد القول :

إنَّ الخالق لو يعلم أنّ تبعيات الأصوات تهز عرشه لما خلقها، وفي سؤال يعرض ذاته، كيف لعرش السماء أن يهتز لمجرد البكاء؟ لتبقى الإجابة في دائرة مغلقة.

وشكل الهاجس السياسي دافعاً أولياً في تشكيل بنية هذا النص، فمن قوله (الصوت يخيف) تبدأ الذاكرة باسترجاع هشيمها المتحطم، فالضغط السياسي المغلف بطابع الاستبداد، هو السبب الرئيس في تصدير مثل هذه النتاجات الأدبية.

وهذا الإعلان المباشر والخرق الواضح للمقدس ولحرمة الخالق أجده قائماً على أساس الحس المأساوي الذي يملأ روح الروائي، ليجعل ملاذه الأخير - التكرار -بالإعلان:

لستُ قاتلاً...

لستُ قاتلاً...

اضيف، أن الرواية العراقية نجحت في تقديم قراءة حقيقية لعتمة المشهد الأجتماعي المعاش، وبهذا حققت لذاتها وجوداً حقيقياً، ومعلناً امام الكتابات السردية العربية، وتفوقت في صياغة وثيقة سردية شاهدة على عصور من الظلم والأستبداد الضاغط.

 

د. وسن مرشد.

 

المخطط السردي للشخصيات التى تناولها مصطفى نصر فى رواية: ليالي غربال

مدخل عام لليالي غربال

‘تجتمع في رواية ‘ليالي غربال’ للروائي مصطفى نصر سمات عدة تجعلها من الأعمال الروائية المشهود لها بالتفرد والخصوصية في نقل سردية الحكي ليس من منطقة التصوير والإملاء والتأويل وحدها، ولكن إلى مناطق أخرى تعتمد على التوثيق والإخبار واستخدام خاصية المتوالية القصصية في شحن المكان بمجموعة من الحكايات التي تشبه إلى حد كبير حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ في بنيتها وتركيبتها وهو نسق استوحاه الكاتب من واقع غرائبي شبه مهمش معروف بسطوته وقسوته وعنف ممارساته في حي غربال المتواجد دائما في معظم إبداعاته الروائية، ولعل الزمان والمكان في هذا النص يستمدان دالتيهما الخاصتين من كلمتي العنوان ـ ليالي غربال- اللتين جاءتا مشحونتين بعناصر الزمان والمكان في آن واحد، كما تفعل حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ في تداخلها وسحرها ولجوئها إلى الماورائيات والأحلام والخيال المملوء بصخب الجنس وحكايات الشطار  والجن وغيرهم من الشخصيات ذات التأثير الخيالي، فالليالي هي دلالة الزمن الصاخب المتوتر القلق الذي يحمل في طياته السحر الشهرزادي المعروف بخياله ورغباته الشبقية الصريحة و المكبوتة،

وغربال هي المكان المحدد والمتوحد مع الزمن بأبعاده الاجتماعية المحددة والتي جاءت عليه داخل النص، وبما تحمله من دفقات وشحنات تخييلية يتجسد فيها الواقع السري للمكان والمتمثل في الحارة الشعبية في هذا المكان العشوائي من أماكن السكندرية المهمشة والمعروفة بـ ‘حارة النجعاوية وحارة بسطاوي وحارة نعمان’ وهي الحارات التي تكونت من نماذج بشرية وفدت لتستوطن هذا المكان، وتحوله إلى مجتمع جديد قائم على غرائبية العلاقات، والمصالح النفعية المتناثرة داخل بؤر الذات، وأيضا داخل بؤر المجتمع نفسه. ولعل استخدام هذا الحشد الكبير من الشخصيات والمواقف الحكائية الشبيهة بقطع الأرابيسك الصغيرة والمنضدة في سياق النص في رصد الواقع الاجتماعي لهذا المكان السكندري المهمش الذي يحتفي به مصطفى نصر دائما داخل عالمه الروائي الخاص، هو الدافع نحو احتفائه الشديد بالتفصيلات الخاصة بالشخصية وانعكاس سطوة المكان عليها، حيث يلعب هذا المكان دورا بارزا ورئيسيا في توجيه وتثبيت بنى النص، وتجسيد المعنى المضمر وراء ما هو مسكوت عنه، ومصرح به من حماقات وخطايا ورذائل وهوس وتأزمات، وممارسات أخرى تخدش حياء المكان بما تطرحه من شبقية، وأفعال غير إنسانية، وتبصمه ببصمة السطوة، والعنف، والجنس، والقسوة، وهي أبعاد محددة شكلت هذا العالم العجيب من الشخصيات والحكايات الجريئة.

 

كما شكلت أيضا مجموعة من العلاقات المتأزمة والمتشابكة بين الشخصيات المتواجدة على ساحة النص بعيدا عن الهواء النقي الذي تتنفسه المدينة في أماكنها الأخرى، نجد ذلك في:

تصاعد نجوم شخصيات هامشية مثل شخصية ‘عباس الأعور، الذي بحث عن المال بوسائله المشروعة وغير المشروعة، فعمل في لم الورق القديم من الشوارع وبيعه إلى تجار الورق الدشت، وحين راجت تجارته الصغيرة،تزوج من ‘ستيتة العمياء المتسولة التي تسكن فى حجرة وضيعة بالحارة مع ابنها الصغير على الالدغ واستولى على مدخراتها من أموال التسول اثناء غيابها، حيث تسبب ذلك في موتها قهرا، واشترى بهذا المال الخرابة بما عليها من أنقاض وبنى عليها مخزنا لتجميع الورق، وعين عليه أبنها ‘علي الالدغ’ حارسا، ثم سرعان ما طرده حتى لا يذكره بأمه، وصعد نجم علي الأعور حتى أصبح من كبار تجار الورق الدشت في الإسكندرية كلها وتزوج وأنجب بنتا وولدا. وجاءت ‘توحيدة’ وكانت من النجعاوية، وتوحيدة من الشخصيات الأنثوية المتمردة التي تشبه إلى حد كبير شخصية ‘عباس الأعور’ في تطلعاتها وطموحاتها الخاصة، فهي تحب ‘حسان’ ابن قريتها، وحين تفشل في الارتباط به بعد أن تساعده على الهرب من بطش أبيه ورحيله إلى الاسكندرية، وتنكره لها بعد ذلك .

تضطر للزواج من أخيه ‘عبد الحميد’ والذي تتناقض شخصيته مع شخصية ‘حسان’ على طول الخط، وتشترط على عبد الحميد الذهاب إلى الإسكندرية، وفي نفس المكان الذي ذهب إليه حسان، ‘حي غربال’، لكنها تتمرد عليه لفشله وتتطاول علي بالسب يصل الامر لحسان الذى يصفعها وياخذ اخيه معه وتركها مع اولادها بلا نقود، ومن هنا تبدأ حكاياتها في درب النجعاوية حين يضعها القدر أمام عباس الأعور الذي يساومها على نفسها فتشترط عليه أن يكتب لها الشونة القديمة، وتبدأ بعد ذلك في الاتجار ببقايا الدخان المستعمل ويكثر مالها، وتتسع تجارتها، وتحاول أن توظف هذا المال في خدمة عائلتها المكونة من ابنتها ‘ الزينة ‘ التي تبحث لها عن زوج يناسبها، وابنها سيد المعتمد على مال أمه والذي لا يفلح في أي عمل يسند إليه. واخيرا ابنتها نانا التى انجبتها بعد عودة عبد الحميد للعيش معها بعدما تغيرت واصبحت امراه اخرى قويه تدير تجارة وتمتلك ارضا واموالا وفيرة .

إن شبكة السرد القصصي المتداخلة والمتقاطعة في رواية ‘ليالي غربال’ والتي يظهر فيها التداخل بين الصدى والهاجس المعبر والمجسد لأصداء نفسية وواقعية تطرح نفسها داخل الشخصيات، والمواقف القصصية المتتابعة والدالة على عمق العلاقة بين سطوة المكان والشخصية المهمشة داخل هذا المكان من خلال التجربة المعيشية التي يحياها سكان هذا المكان، والذي أحال عددا من الشخصيات علاوة على هامشيتها، إلى شخصيات عاجزة وسلبية لا طائل وراءها

عبد الحميد، زوج توحيدة الذي عمل مع أخيه حسان (حسان الطافش) في بيع الفانلات والشرابات كبائع (سريح) وإيضا ابنها ‘سيد’ الذي ليس له عمل محدد والدائم التغيب عن الجيش في كل أجازة يحصل عليها.يقيم علاقة  مع حياة السوداء خادمة زوجة عباس الاعور

‘حلمي’ زوج عجبة بنت نبية السودا بائعة الخضراوات ووالدها العلاف  وغيرهم من الشخصيات المقهورة بفعل المكان وسطوته وبفعل تهميش الواقع وانعكاسه عليهم. هذا الحشد من الأحداث والشخصيات المقهورة والمأزومة في هذا العالم الغريب المهمش في أحد أحياء الإسكندرية الشعبية المعروفة يحدد في هذا النص البلوفونى أبعاد المسكوت عنه، وممارساته، وأحواله، وناسه الذين تتدنى أعمالهم وشخوصهم وذاتيتهم لحد التطرف والاحتدام.

والقارئ لمصطفى نصر يستطيع أن يستخلص من عالمه كثيرا من المعاني المضمرة التي كثيرا ما تتجه ناحية السقوط، وعادة ما يكون الجنس عنده غير مشروع ومدان اجتماعيا، تستغله الشخصيات لتحقيق حاجة مادية غالبا.

"كتوحيدة" و’محاسن بائعة الهوى على سبيل المثال، أو حاجة بيولوجية ‘كالزينة’  ابنة توحيدة  التى احبت سعد وتزوجت عوض، و’الراقصة توحة’التى تزوجت من على الالدغ لفحولته.

وفي الحالتين تبرز هذه الظاهرة وكأنها عميقة الدلالة في أبعادها وخطوطها المتدنية إلى أبعد الحدود وعلى أنها وجه حقيقي لهذا المجتمع الصغير المهمش البعيد عن كل مظاهر الحضارة المدنية.

كما أن إشكالية الإفرازات البشرية التي تعيش على هامش الحياة تسعى بكل الطرق والوسائل إلى تحقيق نوع من الانتهازية المفرطة  متمثلة في مكاسب مادية فتكون النتيجة السقوط، والسقوط المريع هو سبيلها في معظم الأحيان، وقد ظهر جاليا فى شخصية متولى الفص  قوى البنيان الذى  عمل حاويا ينام على المسامير  ويشرب الجاز ويدفع بالنار حول فمه يسرق بلانشات السينما مع على الحوائط لبيعها كورق لعباس الاعورثم قبض عليه وسجن ثم عمل تباعا  لسيارات نقل بضائع وسرق الاجوله من العربات  ثم سرق وصلات نور من عواميد الانارة الحكومية واخذ يبيعها لسكان الحى لينيروا حجراتهم وقبض عليه واخيرا عمل فى تخزين الحشيش والممنوعات "لزغلول" وهكذا فان سلوكه للبحث عن المال باى وسيلة مجردا من اى نوازع دينية او اخلاقية وهى سمه من سمات تلك الطبقات الدنيا التى جردها العوز والفقر والجهل من كل معانى الانسانية  وهو ما استطاع مصطفى نصر أن يحققه من خلال هذا النص عن طريق تشكيله من جزأين أساسيين

الأول حيك بأسلوب المتوالية القصصية  أو التناسل القصصي الشبيهه بحكايات ألف ليلة وليلة

والجزء الثاني حيك بأسلوب الفصول المتتابعة التي تستحضر من الجزء الأول خيوط صياغتها وسياقها.

ففي قصة ‘العبد الأسود’ وحكايته الخرافية التي انتشرت في منطقة غربال والتي روعت الإنسان والحيوان معا، من خلال الأتاوات المفروضة على الزبالين والتجار والعربجية الذين يملأون المكان، ومقتل هذا العبد على يد ‘الشيخ صابر’ الذي صعد نجمه هو الآخر فى هذه المنطقة بسبب هذه الحادثة وإنشائه المكتب الزينبي  نسبة الى السيدة زينب  رضى الله عنها وادعائه بأنه من اهل الخطوة  بعد ان استولى على سيف العبد الاسود  مستغلا حالة الجهالة وانعدام الوعى الدينى لتلك الشريحة من المجتمع وتفرده على أخوته ‘أبو الحمد وأبو الترك وزغلول’(الذى أتهمته الحكومة بقتل العبد الاسود بعدما فشلت فى اثبات اتجاره بالمخدرات)، بعد أن كانت حياته متدنية عنهم إلى حد كبير. لقد تركت هذه الحكاية أصداءها الواسعة في الحي والأحياء المجاورة، ما جعل هواجسها تشير إلى الشيخ صابر بإشارات القوة والهيبة والتدين والعزوة التي تكونت حوله بسبب حادثة العبد الأسود.

وحكاية ‘عبد النعيم’ الذي وضع لها الكاتب عنوان ‘العبرة بما حدث لعبد النعيم’ هذا الزبال المهمش وحكاية التصاقه بإحدى النساء التي كان يحمل من أمام شقتها الزبالة حيث خرجت إليه شبه عارية اعتقادا منها أن الزبالين ليسوا بشرا عاديين مثلها، وكانت هذه الحادثة سببا في التنكيل به وحبسه، وأصبحت حادثته الجنسية مضرب الأمثال في حي غربال كله.

وحكاية ‘توحيدة و أمها الزينة’ التي وضع لها الكاتب عنوان ‘ذكر بعض ما حدث بين الزينة وأمها توحيدة’ وما فعلته الزينة مع أمها على مسمع من ساكني حارة النعمان الذين سمعوا بآذانهم فضيحة الزينة لأمها لحادثة وقعت منذ عشرين عاما، عندما قبلها عم حسني بائع الحلوى ورأتها ابنتها الزينة في هذا الوضع، وقد اضطرت الزينة للبوح بهذه الحادثة وبهذه الطريقة عندما نصحتها أمها بالابتعاد عن سعد صديق أخيها سيد عندما رأته صاعدا إليها في منتصف الليل، والحفاظ على سيرة زوجها عوض من القيل والقال.

وحكاية الولد ‘علي الألدغ’ الذي سرق  أغطية البالوعات من منطقتي المنشية وبحري وباعها إلى عباس الأعور ليصهرها ويحولها إلى زهر خام، والقبض عليه ومعه عوض الذى اتهم زوا بالسرقة مع على بينما كان يجمع بقايا تراب المسابك من خردة نحاسية برضاء اصحاب تلك الورش، وتحويلهما إلى الاصلاحية  أو المؤسسة (دار تأهيل للقصًر لقضاء مدة العقوبة) وما تبع ذلك من أحداث أخرى داخل المؤسسة، لا تقل قهرا وسوء عن خارج المؤسسة ثم خرجا بعدها ليتحول كل منهما إلى طريق المال والثراء، كل بطريقته الخاصة، علي الألدغ الذي أثُرى بعد أن تعرف على ‘توحة’ الراقصة التي فتنت بفحولته، فاستأجرته للعمل معها بفرقتها ثم  فى البضائع  المضروبة بعد تقليد الماركات العالمية للنظارات والاصواف الانجليزية الشهيرة ثم تزوجته وفتحت له محلا في سوق ليبيا، وراجت تجارته وأصبح من أثرياء حي غربال بعد أن كان يُكنى بابن ستيتة العمياءالشحاتة، وعاد إلى حي غربال ليتزوج من ‘كريمة’ بنت عباس الأعور.

وحكاية ‘الولد عوض’ وعلاقته بالبغي ‘محاسن’ وتعاطفها معه بعد القبض عليه في حادثة سرقة أغطية البالوعات مع علي الألدغ  ثم زواجه من الزينة ابنة توحيدة على الرغم من كراهيتها له وميلها الشديد إلى ‘سعد’ صديق أخيها سيد وطموحات عوض في الصعود من خلال الاتجار في الملابس لعمال شركة الغزل الذي يعمل بها واقتراضه المال لهذا الغرض من توحيدة، وما تبع ذلك من أصداء وهواجس جعلته يتزوج من ‘محاسن’ بعد ذلك ثم افضت إلى موته بعد ان وصلت الأمور بينه وبين زوجته الأولى ‘ الزينة ‘ إلى طريق مسدود.

إن عالم مصطفى نصر القصصي والروائي هو عالم شديد الثراء والخصوبة، ربما هو يلجأ إلى الطبقات المهمشة الضائعة والضاربة بجذورها في الأرض الرخوة السوداء القاسية للتعبير عن طبقات من الحياة، وشرائح من البشر، هي تحتاج للتعبير عنها، لكنه عالم يحتاج منا أيضا إلى الدخول في قضاياه وسبر أغوارها، والبحث داخله عن مأساة المجتمع تجاه نفسه، هذا المجتمع المدان، وهذه الهزائم المتتابعة التي يعيشها الفرد، والسقوط الدائم لبعض الطبقات المهمشة العائشة تحت تأثير سطوة المكان الذي يحتفي به الكاتب في معظم أعماله الروائية والقصصية. ‘

النخطط السردى للشخصيات

الشخصية الروائية:

هى مركب تمتزج فيه كل الصفات الإنسانية، فهي في الوقت الذي تؤدي فيه وظيفتها الاجتماعية في نقل رسالة الكاتب ورؤيته، توفر لأبعاده النفسية مجال التردد والانبعاث فيما يخص الجوانب الأخرى، وهو في عمق صراعه مع الحياة في جانبها الواقعي . فالروائي يتوخى دائما ً الاهتمام بعنصر الشخصية بوصفها اللبنة التي تمحورت حولها فكرة بناء العمل الفني بأكمله، فعلى الرغم من أهمية كل عنصر روائي ودوره المهم في عملية البناء الفني أصبحت تركيبة العناصر الأخرى بمثابة ظلال مكملة ومؤطرة للشخصية .

وتقديم الشخصية على مسرح الأحداث في الرواية تكون بأربع طرائق:-

1- بوساطة نفسها

2- بوساطة شخصية أخرى .

3- بوساطة راو ٍ يكون موضوعه خارج القصة.

4- بوساطة الشخصية نفسها والشخصيات الأخرى والراوي .

وهذه الطرق تمنح الكاتب مرونة في التعبير، وفي اختيار الطريقة المناسبة في التعامل مع الشخصيات .

والشخصيات في مبحثنا ليال غربال تحديداً لها حيز كبير ومهم في بناء الرواية التى تنتمى للرواية البلوفونية متعددة الاصوات والشخصيات  المتناقضة فكريا ونفسيا واخلاقيا والتى سنتطرق لها لاحقا

لدينا اربعة محاور باربعة حارات تدور الاحداث خلالهما النجعاوية، ونعمان،وبسطاوي وغربال

واربعة من الاصدقاء هم

سيد ابن توحيدة (النجعاوية)

وحسن ابن عزيزة الخياطة

وسعد (حارة نعمان )

وعوض ابن حلمى (حارة بسطاوى)

نلاحظ هنا ان الاماكن تعد بطل رئيسى وشخص من شخوص الرواية  المحورية ففيها تتصاعد الاحداث وفيها تدور الحكايات  كما ان الرواى فى بعض الاحيان يكون ساردا علويا وليس عليما فقط،فهو معلقا مع القراء فى بعض الاحيان مبديا رايه فى احداث الرواية كما فى حكاية عبد النعيم الزبال  على سبيل المثال لا الحصر حيث يقول (دخل  عبد النعيم السجن على شىء لا ينفع ولا يشفع تقدر تقول لى مالذى استفاده من التصاقة هكذا)

فهى  اذا ليس رواية بمعناها التقليدى بقدر ماهى تأريخ لمرحلة مهمة وعصيبة فى تكوين ايدلوجيات المجتمع السكندرى شكلا وموضوعا على مدار اكثر من نصف قرن .

بناء الشخصيات كان عبر طريقتين:

1 / بناء الملامح الخارجية للشخصية، وذلك حين لجأ الكاتب إلى رسم شخصياته من الخارج، فيشرح اسمها، وعمرهـا ومهنتها وعلاقـاتها الاجتماعية، فـضلا ً عن مظهرها الخارجي

- كالملابس: ابو حسنى بتاع الحلاوة  لا احد يعرف من اين اتى او اين يذهب لكنه يرتدى قفطانا فوقة جاكيت كالح ومتأكل عند الكوعيين يشبه زى القاهريين فى الاحياء الشعبية هناك (ونلحظ هنا ان المكان اصيح فاعلا ).

- والأسماء: علي ألالدغ ابن ستيتة العمياء، عباس الاعور،سيد ابن توحيدة،حسن ابن عزيزة،حسان الطافش،العبد الاسود،عجبه بنت نبيه السوداء

- ونلاحظ  ايضا أن الاسماء معظمها بالرواية تحمل كنية غالبا ماتكون واشمة لصاحبها أو موصومة بعاهه، أونسب لامراة،لعدمية نسب الاب،وايضا  بعضها له دلالة  لونيه (عنصرية) كالعبد الاسود، والسوداء  بنت السوداء كنوع من التحقير والدونية، او الاذلال للشخصية المقترنه به

-  والتكوينات الظاهرية

على سبيل المثال:

عزيزة الخياطة: قوامها ممشوق،شعرها أكرت منفوش،وجهها به بثور صغيرة

حسين زوجها الثانى: حسين جسم عملاق، وجه رجولي، جسده متين وقوى، صدره عريض

زغلول الاخ الاصغر للشيخ صابر وسيم، لبق، يرتدى قفطان ابيض، بشرته سمراء شعره اسود، والشارب مصفوف بعناية

وفى وصف نساء الحي فى تلك الحوارى يهتممن النساء بالاقمشة الهفهافة ذات الالوان الصارخة التى تشبه قمصان النوم ويرتدين تحتها جلالييب بلا اكمام لتظهر اذرعتهن من خلال القماش

وهذه الطريقة لا تهتم بالجوانب الفكرية وما يعتمل داخل أعماق الشخصية

ومن مشاهد بناء الشخصية الخارجي في النموذج الروائي المختار، عناية الكاتب برسم شخصية (عباس الأعور) وكأنما أراد الكاتب أن يجعل من رسمه الدقيق لهذه الشخصية مسوغاً لتهيأة المتلقي لاستقبال ما أرتبط بهذه الشخصية من مغامرات عاطفية وتناقضات كثيرة:

تلك الشخصية المتخمة العابثة:(( وازداد جسد عباس انتفاخا وامتلاء. حتى كاد كرشه يخرج من قفطانه الواسع. والدائم الاتساخ من طول جلسته فوق جونٌة الورق بجوار ميزانه. تفوح من ملابسه رائحة عطن الورق وعفن العظام التًى يشتريها ويبعها لشركة الغراء )

وكذلك(انشغاله بالمرأة البٌيضاء الفلاحة التًى تسكن البيت المواجه لشونته يقول:

المرأة لحمها أبيض، وشعرها منسدل من تحت " مدورتها " ناعما. متزوجة من شرطًى مرور شاب

ايضا عندما عمد لرسم شخصية: زغلول الاخ الاصغر للشيخ صابر (وسيم، لبق،  يتاجر فى الافيون  نشر الافيون فى حارة النجعاوية يرتدى قفطان ابيض، بشرته سمراء شعره اسود، والشارب مصفوف بعناية يمتلك محلا لبيع الحلويات والدخان لكن لايبيع الخمور لانها حرام).

. فهذه التفاصيل في رسم الشخصية،على الرغم من أنها تصف الشكل الخارجي للشخصية إلا أنها تكشف بصورة أو بأخرى عن فلسفة الشخصية في الحياة وأفكارها..

لكننا لا نجد هذا الرسم التفصيلي المتكامل للشخصية في مشهد واحد، بل أن الكاتب كان يستعمل أسلوب الإضاءات المتفرقة في رسم ملامح شخصياته، فكلما اقتضى الموقف السردي قدم الكاتب إضاءة تكشف جانباً من ملامح هذي الشخصية أو تلك خصوصاً مع الشخصيات المركزية، كما حدث مع (عزيزة الخياطة)، فالمتلقي لا يستطيع أن يتصور الشكل الخارجي المتكامل لهذه الشخصية إلا من خلال مشاهد متعددة منها:(وشاع فى الحى ان الساكنة الجديدة تسير فى الحى يتراقص ردفيها وتمشى كاشفة شعرها الاكرت)،

وفي موقع آخر: (هناك تأثير آخر أحدثته عزيزة الخياطة في الحي للشباب الجالس على قهوة أبو دومة، وفوق درجات المسجد الملساء، أو فوق الجبل، فقوامها البديع وحركات ردفٌها الرتٌبة ووقامتها المشدودة؛ جعلتهم ٌيتأوهون تأثرا.

عندما تهبط فوق الجبل، تخرج النسوة لرؤيتها، ينظرن إلى فستانها الذي يكشف الساقين حتى الركبتٌن، وينظر الرجال إلى جسدها المهتز

لكن فيما يخص الشخصيات الثانوية فقد كان الكاتب يمنح المتلقي رسماً متكاملاً عن الشخصية في الموقف ذاته كما حدث في رسم شخصية زوجة البقال على لسان الابطال عوض وسعد فى ديالوج داخلى

- المرأة جميلة وشهية

- .لكنها وفٌية لزوجها.

- هذا عيبها وجه المرأة مستدير، عٌيناها زرقاوان، وشعرها منسدل تحت الطرحة وحول الجبهه عيناها مكحلتان، زوجها فوق انه عقيم الا انه اصيب بالبهاق الذى غطى جسدة بلون داكن

فهذه صورة لاهتمامها بمظهرها ونظافتها الشخصية  التي تتمتع بها الشخصية وبما يشير إلى نقائها الداخلي (وفيه لزوجها).

وهذا يعني أن الملامح الخارجية للشخصية ليست ملامح مجردة قائمة بذاتها، وإنما هي مرآة تكشف أغوارها النفسية والفكرية، فهيئة ومظهر الشخصية ما هي إلا مرآة لجوهر فلسفتها الإنسانية

وعلى الرغم من انه اهتم بالجانب الخارجي إلا أنه في الوقت ذاته (تبئير) يمكن من خلاله قراءة الداخل في هذه الشخصية، إلا أن هذه الشخصية ومثلها الشخصيات المسطحة الأخرى في الرواية لا تمتلك حضوراً فاعلاً ولا تشغل مساحات واسعة في بنية الرواية، فهي لم تظهر إلا في مشاهد قليلة جداً وفترات متباعدة من زمن السرد ويعود إلى أن الرواية أخذت الشكل الحواري إطاراً عاماً لخطابها السردي

كما اولى الكاتب اهتمامة برسم الملامح الداخلية لشخوص الرواية

2- بناء الملامح الداخلية: كثيرا ً ما ينحّي الكاتب نفسه جانباً ليتيح للشخصية أن تعبر عن نفسها وتكشف عن جوهرها بأحاديثها وتصرفاتها الخاصة لكنه هنا فضل الدخول إلى أعماق الشخصية ومحاولة استقراء ما يعتمل داخلها من أفكار، فالراوي هنا عليم بالبطل يكشف عن أفكاره وما يعتمل في نفسه من حيره  ووحده وتصدع داخلى يقول:

( سعد يحس بالوحدة،جو الشقة خانق. والده منشغل عنه بزوجته وأولاده منها. كأنه يعيش بعيدا عنه كل يوم يغلق باب حجرته عليه و زوجته واولاده، ولا يحس بما يحدث خارج الحجرة . لا ٌيعرف فًى أٌى سنة هو الآن. حتى عندما رسب فًى العام الماضًى، لم يحس والده بذلك)

وهنا تبدو شخصية السارد الراوي وكأنها في حوار صامت مع ذاتها أو مع شخصية أخرى غير مرئية يكشف أمامها ما يدور في عقله وما تعتمل به نفسه . فهذا المونولوج الممسرح يكشف عن دواخل الشخصية وأفكارها، إذ يعرضها عرضا ً مباشرا ً من دون تدخل أو وساطة.

وهكذا، فمشاهد رسم الملامح الداخلية للشخصيات من شأنها أن تكشف عن أفكار الشخصية ونفسيتها، حيث يبدو الذهن ينطلق من منظور ذاتي وهو منظور الشخصية الداخلي .

أنواع الشخصيات من حيث البناء، جاءت على نوعين (كما أشار إلى ذلك فورستر)

الشخصيات الديناميكية أو النامية أو المستديرة  التى تدفع بالاحداث للامام

والشخصيات الاستاتيكية او المسطحة أو النمطية

1-  الشخصية النامية أو المستديرة: وتسمى أيضاً الدرامية، ومحك هذه الشخصية قدرتها على إثارة الدهشة بطريقة مقنعة، وهي شخصية تمثل اتساع الحياة داخل صفحات كتاب، لذلك لا يمكن التعبير عنها بعبارات مقتضبة لأنها شخصية متكاملة ومتطورة لا تلتزم الثبات .

هذه الشخصية مرت بمراحل من المد والجزر النفسي غير من قناعاتها، تمتلك من التمرد والانتهازية الشيء الكثير، كما أنها تتمتع بقدرة فائقة على تحقيق اهدافها مهما كانت الظروف، وهذا ما يمنح الشخصية عمقها الفني

من الشخصيات النامية التي أسهمت بفاعلية في تطور أحداث الرواية وسيرورتها

هناك ثلاث شخصيات تهيمن على معظم أحداث الرواية بوصفها الشخصيات النامية في بنية الرواية، هي شخصية)

شخصية توحيدة

تلك الشخصية جذبت إليها معظم شخصيات الرواية، ولكل واحد منهم معها قصة خاصة، فهي تمتلك حضوراً متميزاً وفعالاً على طول بنية الرواية .

فهذه الشخصية تمر بأطوار حياتية ونفسية متعددة، فبعد  الأزمة النفسية الحادة  التى تعرضت لها من انصراف حسان  حبيبها وابن قريتها عنها وزواجة من اخرى من الاسكندرية  والعمل بمصنع ابيها والسكن فى بيتهم المتمدن وذلك اليأس والإحساس بالفشل  الذى أدى بيها للموافقة على الزواج من اخيه الدميم والذى تكره واشتراط العيش بالاسكندرية لقبولها الزواج منه

.. وشعورها بالمرارة والحزن  لحياتها البائسة مع زوج فاشل لا يصلح للعمل ومسكن وضيع وشظف العيش  تلك  الحالة المأساوية التي عاشتها جعلتها تتمرد على زوجها وتنعته بعدم رجولته، بعدها تركها بتحريض من اخيه حسان  ثم تتطور علاقتها  ببائع الحلوى  القاهرى السريح  الذى يحاول ان يقتنص منها قبلة وتشاهدها ابنتها الصغيرة الزينة وتظل فى ذاكرتها حتى بعد ان تزوجت .. عرض متولى الفص الزواج  منها بعد تطليقها من عبد الحميد زوجها لكنها تخشى من المصير المحوم بدخوله السجن لعمله مع زغلول مع تاجر المخدرات  يزداد احتياجها للمال لتنفق على اولادها  سيد والزينة فتتضطرللعمل  ومعها اطفالها فى جمع الاوراق من الشوارع والمبيت فى خرابة وتبدا شخصيتها فى التحول فتساوم عباس الاعرج على نفسها مقابل ان يملكها الخرابة بعدها تساومه على ان تتاجر فى الدخان والا فضحته عند زوجته وتتوسع تاجرتها فى الارياف وتحصد الاموال الوفيرة . تبحث لابنتها الزينة على زوج  مناسب فتختار (عوض ابن حلمي)وهذه الشخصية كغيرها من الشخصيات النامية في الرواية لها صراعاتها النفسية الخاصة، وقد مرت بعدة أطوار حياتية، من الاضطراب والضياع إلى الاتزان والاستقرارثم للضياع مره اخرى .

مستغلة حاجته للمال وجديته والتزامه، زوجته من ابنتها واستأجرت له شقه فاخرة، مكنته من ادارة بعض تجارتها فشعر بضرورة تحمل المسؤلية وأخذ في استعادة ثقته بنفسه محاولا ًتحقيق حلمه القديم فى امتلاك ورشة لصناعة الاحذية وتجارة الملابس والمستلزمات المنزلية بالتقسيط لعمال مصنع الغزل الذى يعمل به والتغلب على أزمته النفسية  فى الكراهة المتبادلة بينه وبين زوجته الزينة ابنه توحيدة  لتبدأ حياته وعلاقته بمن حوله تأخذ مسارها الطبيعي شيئا ً فشيئا ً

يقول الرواي فى تغير وتطور شخصية توحيدة: "لا تدري توحيدة كيف تغيرت هكذا  لقد كانت تخاف وتخجل اذا ما رأت غريبا نجاحها فى ايقاع عباس الاعور واخذت أرضه شجعها ذلك على باقى الرجال فلا بد أن تعيش مادامت بلا سند أو معين "

***

شخصية  (علي الالدغ ) فهي شخصية متطورة تمتلك حضورا فاعلا على طول بنية الرواية بدأَ من العدم بعد سرقه عباس الاعور اموال امه الشحاذة ستيته العميا وعمله حارس على ارضه المسروقة ثم فى جمع الخردة من المسابك ثم سرقته لاغطية البالوعات فى الشوارع ثم حبسه وعوض باحدى المؤسسات وتعرضه للقمع والاستغلال فى المؤسسة ثم هروبه والتحاقه بالعمل مع الرقاصة توحة فى التجارة حتى اصبح من الاثرياء وتملك الشقق الفاخرة وسيارات وتزوج كريمة المتعلمة ابنه  عباس الاعورتاجر الدشت الثري ،

شخصية  عوض ابن حلمى

فابوه حلمى كان ابنا للحاج حافظ صاحب الاطيان والاراضى الزراعية،وقعت امه التى كانت تصغراباه باربعين عاما فى حب بقال بالقرية وانتشرت الاشاعات وكذبها ابوه ظننا منه انها وشايه من زوجته الاولى وابناءه منها، وبعد ان توفى الرجل  باعت نصيبها ونصيب ولدها حلمى  فى ميراث ابيه بالبخس ونزحت الى حى غربال سعيا وراء حبيبها  البقال الذى انفقت عليه كل ما تملكه وجلبت لها ولابنها الخزى والعار ما جعله يرضى بتلك الزيجة من ابنه السوداء

وتخلى حلمى عن طموحاته بعد ضياع ميراثه، وتزوج عجبة بنت نبيه السوداء  التى تنحدر من ابوين كانوا عبيد فى الماضى القريب ليسكن فى بيت امها بائعة الخضارويعمل بائعا سريحا للفاكهه لتقوده قدماه فى اوحال عالم الانتخابات وصراعات السياسيين محاولا البحث  لنفسه عن مكان بين اقدامهم فى حملاتهم الانتخابية حتى تدهسه تلك الاقدام فهو لم يعدو سوى حثالة او حشره لاثمن لها تم استغلالها لمنافعهم الشخصية كالعديد مثله، ليرجع خائبا بخفى حنين لزوجته التى تعايره بفشله وسوء حظها العثر، لينجب ابنه عوض الذى لم يكن اسعد حظا، لا فى التعليم ولا الحياة،عمل فى الكواء وجمع تراب المسابك وبيع بقايا الخردة حتى تورط مع على الالدغ فى سرقة اغطية البالوعات وقبض عليه وتعرض للضرب والمهانة  من مخبرى اقسام الشرطة وتعرف على محاسن البغى التى تعاطفت معه اثناء الحجز وشاهدها وهى تمارس الرزيلة مع بعض  المخبرين والنوبتشجية بالقسم لتجمع ثمن "الكفالة" ثم اودع فى المؤسسة الاصلاحية ثم دخوله الجيش وتعرضه لسطوة ضابط الصف فى وحدته وتعنته معه

فعلى الرغم من أن للصراعات الدرامية في الرواية عواملها الداخلية النابعة من طبيعة الصراعات الاجتماعية والأزمات الخاصة بالشخصيات الروائية، إلا أننا نكتشف أن قوانين الجدل الداخلي الخاصة بهذه الصراعات لا تكون هي الحاسمة دائماً في تحديد مسار الحدث الروائي، بل نلاحظ أن هناك قوى سرية وغامضة منبعثة من الخارج . .  يكون لها التأثير الأقوى على مصائر الشخصيات الروائية، فالرواية تسير في خط تراجيدي

إذ تبدأ حياة حسن ابن عزيزة فى كنف  ابيه حسين  النجار وزوجة ابيه عزيزة الخياطة التى لم تكن تنجب. دللته كابنها حتى ان ابيه حسين كان ينهرها لتدليله . يكبر الولد ويفشل فى التعليم ثم يعرف ان امه على قيد الحياة يذهب اليها متشوقا الى حضنها فيجدها  فى هيئة  مبتّذلة وتسكن فى بيت بالابراهيمية  مشبوه ملىء بالنساء ويأتى اليهم الرجال او يذهبون اليهم فينهارويترك البيت باحثا عن بيت ابيه الذى تقيم فيه زوجة ابيه عزيزة واخواته الصغار الذين اصبح بمثابه ابوهم بعد وفاة والده

وهذا الخط التراجيدي لا يخلو من تأثيرات الرؤية الوجودية السارترية للوجود البشري، فالإنسان محكوم عليه بالمعاناة وهو غير قادر على الخلاص من قدره ومعاناته.

2- الشخصية المسطحة أو النمطية

وهي تلك الشخصية التي تدور حول فكرة واحدة لا تمتلك ذلك العمق وتلك التحولات التي تمتلكها الشخصية النامية كما مر بنا سالفاً وعلى هذا فهي شخصية يمكن التعبير عنها بجملة واحدة أو عبارات مقتضبة، لأنها تبقى على وتيرة واحدة لا تتغير. وعلى الرغم من أن هذه الشخصية المسطحة لا تمتلك العمق والتطور من حيث البناء إلا أن لها دوراً فعـَّال في تأسيس الحدث الدرامي وتسويغه، ومن خلالها نستطيع اكتشاف عمق وتحولات الشخصية النامية في بنية الرواية .

فعلى سبيل المثال نجد شخصيات مثل(أم متولى ) و (الحاج هلال زوجها وصاحب البيت الذى كانت تسكنه توحيدة وزوجها عقب وصولهم من النجعاوية ) و (أبو حسنى بتاع الحلاوة) و (اسكندر تجار الذهب والفضه ) شخصيات مسطحة وغير متطورة، تسير على وتيرة واحدة ولكنها ذات فاعلية في الإسهام في بناء الحدث وتطوره،كان لها ظهور فى بعض الاحداث ثم أختفت لكن ظل  لها تأثير لاحق فى الاحداث  و (ابو الغيط والد حسان الطافش والحاج حافظ والد حلمى ) كان لـه أثره الواضح في حياة البطل وسلوكياته  وكشف جوانب كثيرة من حياة الشخصية كما يمكن من خلاله اكتشاف ما تنطوي عليه نفسية تلك الشخصيات . فمثل هذه الشخصيات وعلى الرغم من سطحيتها إلا أن حضورها في مسرح الأحداث لا يتقوقع في مساحات ضيقة، بل كان في مساحات واسعة على طول بنية الرواية .

عن الإيهام والواقعي وعوالم مصطفي نصر الروائية وكيف اختار الكاتب الطبقة الشعبية المطحونة لكتاباته، وكون لنفسه رؤية خاصة باختراق عوالم الحضيض منها، عارضا لها بعيدا عن الفنتازيا ولكن من خلال ما يمكن تسميته بالواقعية الخاصة، حيث المزج بين الواقعية النفسية والرغبات والدوافع الغريزية وعلي رأسها غريزة الجنس وبين حالة الايهام الفني للسارد العلوى الحكاء الذى يرغب فى البوح  بمكنونه بربط المتن بحاشية ساردة

دائما ما يجسد فى  النص واقعا عاشته شريحة من المجتمع السكندري في فترة زمنية خاصة، تبرهن علي تعايش الكتاب مع مجتمعه العام بجانب الخاص، كما اعتمد على اسلوب البعثرة المنهجية Atomization)) فى الشخصيات والسرد حيث الخلط فى الازمنة والامكنة تكررت فى معظم روايتة كصرخة او استغاثة من العالم السفلي للطبقات الدني التى تتماثل جميعا فى شخصيات بائسة مقهورة،مهزومة، محبطة حتى فى أفضل حالاتها يملاءها السخط والخلل  والاضطراب والنقمة والانتقام، لذا تخلى الكاتب عن الرمزية والغموض أو الايجاز فى وصف الشخصيات. بعض الاحيان تبدو النتائج والسلوكيات منطقية ربما تحايل الكاتب بالايهام (يوتيوبيا) فقدم بشكل ذكى،أو أن هذا دور الفن،ربما كان يريد هذا العالم مثاليا لهؤلاء البشر وربما  رغب هو الآخر العيش بأمان وسلام ؛ فعندما يكون الاخرين بسلام يستطيع هو ان يحيا فى سلام وكانما يدق ناقوس خطر لمن هم فى معزل عن تلك الفئات المطحونة  التى يتم التعامل معها بدونية كديدان الأرض التى تسكن الجحور تدهسهم الحياة والعوز والفقر، ليس لديهم حالة روحية او مشاعر كل شىء يصب فى الميزان المادي .انغمسوا فى واقع مرير لدرجة سدت منافذ الروح  وعدمت  الضمائر، كل الوسائل مباحة للطفو من المستنقع الموبوء بالوحل والآثام والخطايا،لا قيم دينية،لا وازع اخلاقى، لا وعي لا تعليم، لاسبل للحياة الكريمة .

وفى احدى لقاءته الصحفية أشار مصطفى نصر عن مدى المه كلما تذكر طفولته التى هى جزء لا يتجزأ من تكوينه كانسان مبدع واديب يقول:

"عندما بدأت في الكتابة عن صباي، فشلت، وتوقفت، فاكتفيت بالكتابة عن الصبي الثاني بعنوان «حارة نعمان»، ثم نُشرَت النجعاوية وحارة نعمان في كتاب واحد هو «ليالي غربال» الذي صدر في روايات الهلال.

ما كتبته عن نفسي نُشِر في كتاب  اسمه «سوق عقداية» لكني غير راضٍ عنه، ولا أعتبره من كتبي التي أفخر بها، وعند طباعة أعمالي الكاملة رفضت إعادة طبعه. لديّ أمل أن أعاود المحاولة ثانية فربما سأنجح هذه المرة."

وعندما سألته الصحفية  لماذا حالة عدم الرضا الشديدة لهذا الكتاب بالذات قال:

لأنني  لم أتحمل قسوة الحياة التي عشتها، موت أمي وأنا صغير، ومعاناتي أنا وإخوتي بعد زواج والدي من فتاة صغيرة أتوا بها له من الصعيد. وعندما أكتب عن نفسي، لا أعرف كيف أخفي حقيقة الشخصيات التي أتحدث عنها. كنا نسكن حجرتين من الشقة والحجرات الثلاث الأخري تشغل كل منها أسرة. عالم صعب للغاية، صبي بلا أم تحميه من رغبة النساء فيه، ووالد انشغل بالزوجة الجديدة وأبنائه منها، ففي كل مساء يغلق حجرته عليه وعليها، ولا يشغله هل عدت إلى البيت أم لا. كنت أقضي الليلة مع صديق أو قريب. اعتدت على كتابة اليوميات، وعندما أعود إليها ــ الآن ــ أبكي من شدة الشجن والأسى والحزن والألم. أتذكر أنني عدت متأخرًا ذات ليلة؛ كنت أستذكر مع زملاء لي، وأخذت أدق الباب لساعات حتى استيقظ سكان الشارع ونظروا نحوي، وتحيّرت إلى أين أذهب في ذلك الوقت المتأخر، وأخيرًا فتح أبي لي الباب وهو ثائر وغاضب.

***

نداءات متتالية اطلقها <مصطفى نصر> فى رواياته المتعددة للشرائح البشرية الاعلى، علها تتخلي عن ذاتيتها وانانينها وتنظر لمن هم دونهم، أراد هدم السور الفاصل القائم بين فئات المجتمع الواحد محذرا؛ أن أفيقوا ايها السادة فأنهم عاجلا كان أم اجلا، ستفتح عليكم أبواب حجيم بأشباه بشرية نتاج قهروكبت وتهميش نفسي ومعنوى ومادى  يقتحمون عالمكم  بكل تشوهات ارواحهم وامراض قلوبهم ..فهل ستتقبلونهم بينكم!

وهل يمكن لتلك الشخصيات الموصومة أن تفرز نماذج سوية يقبلها المجتمع؟

هل للحكومات أن تتدخل بوصفها يدا عليا مسؤلة عن توفير حياة كريمة لهولاء البائسين

أين يكمن الخطر؟

هل فى الهجرة العشوائية للنازحين من قرى وصعيد مصر طالبا  لسعه الرزق وهجرا لمهنهم الاصلية من فلاحة وزراعة، والقبول بأعمال كرفع القمامة،أو العمل كأجراء فى الهدم والبناء، أو كعاملة مؤقتة بالورش والمصانع، والرضا بالعيش فى ازقة وحارات، تفتقر لابسط مقومات الحياة.

هل المجتمع سبب أساسى لاستفحال العشوائيات بعيدا عن أعين الرقابة  وانتشار لبؤر المخدرات وتجارة البشر بكل انواعها وغياب الوعي وتدني الفكر وتوحيد الهدف المنشود من الحياة والعيشة فقط

(فى المادة والجنس)

أم أن الافراد  هى التى تؤدى إلى دنو المجتمع فى وجود تلك النوعية التى لا تنجح الا فى جمع المال؟

اسئلة طرحها مصطفى نصر واستغاثات من عمق عوالمه السفلية فهل نجح فى قصديته؟

 

سحر النحاس - كاتبة من مصر

 

مادونا عسكريبحث النّقد عادة عن آفاق جديدة يرتادها، ويستفيد من علوم محضة وإنسانية، لأنّه في الأساس يعالج قضايا الأدب، تلك القضايا الّتي تعبر عن إنسانيّة الإنسان، في أفكاره ومشاعره، ورؤاه الّتي تتجاوز هذا العالم المحسوس إلى الماورائيّات. وفي كلّ مرّة يحاول فيها النّقد تنقيد الاصطلاح (جعله نقديّا) إنّما يريد الاستفادة من الطّاقة التّعبيريّة لهذا الاصطلاح في موطنه الأصليّ وربط النّصّ الأدبيّ فكريّا به، وتطوير الرّؤيا لتصبح رؤى شاملة لا تقف عند الحدود الأولى، بل تشملها تلقائيّا وتتعدّاها. ومن الاصطلاحات اللّاهوتيّة الّتي أحببت الوقوف عندها وتوضيح رحلتها من حقلها الأوّل إلى حقل النّقد الأدبيّ اصطلاح "الإسكاتولوجيا"، فقد سبق ووظّفته مرّتين، في دراستين تطبيقيّتين، تناولت في الأولى نصّا للشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي، والثانية عندما تناولت ديوان الشّاعر الفلسطينيّ فراس حج محمد "ما يشبه الرّثاء".

ولتوضيح هذا الاصطلاح وتحقيق الرّؤيا النّقديّة فيه، رأيت من الضّروريّ أن أبيّن شيئا من أصل هذا الاصطلاح، ومنطقيّة ترحليه من عالمه اللّاهوتيّ إلى عالم النّقد، مع ترك المجال مفتوحا للمناقشة حول الاصطلاح وتأصيل جذوره في حقل النّقد الأدبيّ، وترسيخه في دراسات مستقلّة تطبيقيّة لدى شعراء آخرين.

ماذا تعني "الإسكاتولوجيا"؟

الإسكاتولوجيا/ Eschatology مرادفة لكلمة "الأخيريّة" أو "النّهيويّة"، وهي  اصطلاح يونانيّ ينقسم إلى كلمتين يونانيّتين: "إسختوس" أي الأخير، و"لوغس" أي "كلام عن". ويرى أغسطين دوبره لاتور في كتابه "دراسة في الإسكاتولوجية" أنّ: "الأخيريَّة كلمة عربيّة منحوتة للدّلالة على معرفة الحقائق الأخيرة، ومرادفها كلمة "إسكاتولوجيا" اليونانيّة الأصل. بالمعنى الحصريّ، تعني هذه الكلمة نهاية الأزمنة/ الدينونة الإلهيّة وعودة المسيح. ولكن، بما أنّ الأبديّة حاضرة منذ الآن بفضل قيامة المسيح، فغالباً ما تعني الأخيريّة حضور المسيح القائم من الموت في عالمنا، وكلَّ ما ينتج عنه، ولا سيّما حضور الرّوح القدس على وجه فعَّال، بصفته يحوّل الإنسان منذ الآن بالنّعمة، ويحوّل غير الإنسان، الكون كلّه. وبهذا المعنى، فإنّ الأخيريّة هي حاضرة منذ الآن في العالم، أو أنّ عالمنا هو منذ الآن في الأخيريّة." وبمعنى أبسط، الأخيريّة أو الإسكاتولوجيا هي بحث في النّهيويّات، النّفس البشريّة، الكون، المصير بشكل عام. وبالتّالي يمكن اعتبار هذا الاصطلاح لاهوتيّاً يعالج ما هو مجهول للمنطق أو للواقع، لكنّه ينطلق من الإيمان استناداً إلى الكلمة الإلهيّة. والبعد النّهيويّ أو الأخيريّ للوجود ككلّ يرتكز حول مفهوم السّماء، جهنّم، الموت، الجحيم، القيامة...

لكنّ هذا الاصطلاح اللّاهوتيّ ينفذ بشكل أو بآخر إلى النّصّ الأدبيّ، لاسيّما الشّعريّ حينما يستخدم الشّاعر اصطلاحات الموت والسّماء والرّوح، والرّؤيا... فيتمحور حولها النّصّ الشّعريّ متّخذاً أبعاداً علويّة ينطلق منها الشّاعر ليشرح الواقع أو ليتمرّد عليه أو ليعبّر عن رؤى خاصّة به أو ليعبّر عن حالته الشّعريّة الخاصّة الّتي يتلمّسها كحقيقة وجوديّة. وبذلك يكون قد منح  نصّه بعداً نهيويّاً أو إسكاتولوجيّاً. فبدل أن ينطلق من الواقع ثمّ يرتفع ويرتقي إلى أعلى، بدأ من مكانةٍ علويّة ليبرز الواقع برؤية مختلفة تنطلق من فوق. بمعنى أدقّ، يتّخذ الشّاعر مكانة نبويّة أو رسوليّة  يطرح من خلالها المسألة الوجوديّة من خلال معاينته لما بعد الوجود. وذاك مرتبط باختبار شخصيّ خاصّ يتفرّد به كلّ شاعر. إنّ علم الإسكاتولوجيا أو الأخرويّات ليس مرتبطاً بعقيدة واحدة، بل إنّه علم يختصّ بأشكال العقائد المختلفة، ولكنّ المعاني تختلف باختلاف النّصوص الإلهيّة. وأمّا في الشّعر فالموضوع مختلف. فالشّاعر وإن استند إلى نصّ دينيّ يستخدمه انطلاقاً من قدسيّة معيّنة تمكنّه من الإبحار في ما بعد هذا العالم وليس للتّمحور حول مبدأ العقيدة. بالمقابل يمكن للشّاعر أن يمنح نصّه بعداً نهيويّاً بعيداً عن النّصّ الدّينيّ فيتوغّل في المعاني العلويّة بحثاً عن الحقائق بمنهج الرّائي، ومن هنا جاءت النّصوص الصّوفيّة صادقة في التّعبير عن هذه الحالة الشّعريّة الرّؤيويّة الخارجة من نطاق الذّات والمتعلّقة بآفاق أبعد من المحسوس إلى الما وراء، فالنّصّ الصّوفيّ هو حالة شديدة الدّلالة على البعد النّهيويّ أو الإسكاتولوجيّ، هذه الحالة الّتي وجدتها خلال دراستي لقصائد الحلّاج وأنسي الحاج، ولم أقف عندهما بل هي موجودة عند شعراء آخرين، يتمتّعون برؤى تنفلت من إسار المحدود إلى ما هو أخيريّ مطلق، نهيويّ.

في قصيدة (رأيت في ما رأيت) للشّاعر الفلسطينيّ فراس حج محمد من ديوانه "ما يشبه الرّثاء"، إحاطة بمعاني الوجود وتفاصيله ومكوّناته لكن بصيغة شعريّة تمكنّ القارئ من تلمّس إشراف على النّهايات. فالشّاعر يستهل قصيدته قائلاً: "رأيت في ما يرى النّائم". والفعل (رأى) تلازم ورؤى النّائم. وقد يعتقد القارئ بالمعنى الأوّل المرادف للحلم، لكنّ سياق القصيدة يظهر  رؤيا متجلّيّة في العمق تظهر عنف الواقع الجهنّميّ. ويمكن الاستدلال إلى هذا البعد الإسكاتولوجيّ في قول الشّاعر: (آهِ يا وجع المنامات الشقيّةِ/ خذني) إنّ وقع الرّؤيا الشّعريّة الخاصّة بفراس حج محمد ترجمها فعل (رأى) ولفظ (النّائم). وهذا اللّفظ يحيلنا إلى نصوص مقدّسة تحكي عن وحي أو تجلٍّ أو رؤيا في المنام تتلازم وحقائق معيّنة. ناهيك عن تمازج الصّور وتجسيد الجماد ومنحه حركة  فاعلة:

رأيتُ فيما رأيت جهنماً أخرى على ذيل الحريقْ

تضحك من برودتها

تمدّ لسانها المشبوبْ

تمصّ بشدقها لحمي

تدور في دورانها ليخرسَ صوتي

في اتّجاه آخر يلوذ الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمامي  في  تفاصيل  السّماء مبيّناً حضوره فيها بالرّجاء أو بالإيمان أو بالعشق. فنستدلّ في نصّه الشّعريّ على لغة علويّة تحاكي كينونته:

مكاني هناك .

غربتي في الأرض أشدّ لظى

النّاس...الحجارة...الأشياء..

تكثّف النّصّ ليتجلّى المعنى الكامن في قلب الشّاعر المتغرّب إلى الحالة العلويّة. فيتجرّد النّصّ من المكان والزّمان بقدر ما تسمح اللّغة الّتي تضيق باتّساع الرّؤيا. ولئن تغرّب الشّاعر انكشف له التّحوّل الوجوديّ، ترجمته حالة الاغتراب المرادفة للانفصال عن العالم انفصالاً روحيّاً يؤلم الشّاعر ويمكّنه من مشاهدة عنف الواقع المتناقض والحالة السّماويّة. ونراه في نصّ آخر مفصحاً عن تحوّل الوجود في النّهايات:

الشّاسع بضيقه

يحيط به الكون من الجهات السّبع

يقبض عليه جمر العشق

حين تطلقه أصفاد القلب

في القلب

لا سكينة دون ضوضاء

لا سجود دون رجعة..

الكون يتحوّل إلى معبد

الخلق ينتهي الى عُبَّاد..

وهنا يحدّد يوسف الهمامي بشكل أو بآخر مفهوم النّهاية انطلاقاً من مكاشفة لا يستدلّ عليها إلّا بالحسّ الشّعريّ والارتقاء الإنسانيّ. النّهاية تحوّل وليست نهاية بمعنى الاندثار. إنّها الخلق المتماهي مع القلب الإلهيّ.

لكنّ عصف الألم في قصيدة الشّاعر أمل دنقل (لا تصالح) تبرهن عن تمزّق وجدانيّ تمرّد من خلاله الشّاعر على النّهيويّ استناداً إلى  عنف الواقع الملتبس، الغامض، المربك للعقل والمنطق والقلب.

خصومة قلبي مع الله.

هذا الكمال الّذي خلق الله هيئته

فكسا العظم باللّحم

ها هو: جسما - يعود له- دون رأس

فهل تتقبّل بوابة الغيب من شابه العيب

أم أنّ وجه العدالة:

أن يرجع الشّلو للأصل

أن يرجع البعد للقبل

أن ينهض الجسد المتمزّق مكتمل الظّلّ

حتى يعود إلى الله.. متّحداً في بهاه؟

هنا يدخل الشّاعر في مواجهة مباشرة مع النّهيويّ. انطلق من وحشيّة الواقع وعنف الوجع ليفكّك معاني النّهيويّات، ويعيد بناء تصوّراتها في جدال مع منتهى الكمال مقابل منتهى النّقص. وما هذا إلّا قلق الباحث عن الحقيقة، عن اليقين الموغل في النّفس الإنسانيّة المتباعد عن المنطق غالباً. البعد النّهيويّ في هذه القصيدة جدليّة الوجود الملموس والوجود الإلهيّ الّذي التبست معانيه لحظة انفصل الشّاعر عنه قلبيّاً (خصومة قلبي مع الله). ولعلّه شروع في جدال إنسانيّ إلهيّ تمرّدَ العقلُ من خلاله فأعلن ضمناً مبدأ النّهايات.   

البعد النّهيويّ للنّصوص الشّعريّة ليس بعداً دينيّاً، وإنّما بعد يعرفه الشّاعر وحده في عمق أعماقه ويختصّ به كلّ شاعر على حدة. إنّه البعد الّذي علا فوق الاعتقادات وانتهى إلى ما لا نهاية له. وبقدر ما يرتقي الشّاعر في عالم الشّعر يتلمّس الحقائق. كمن صعد إلى الجبل ثمّ نزل ليقول كلمته، لكنّ روحه ظلّت محلّقة هناك في الغربة المؤلمة.

"أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت"، يقول أنسي الحاج في (كان هذا سهواً). وفي هذا القول دلالة على يقظة صوت أنسي الحاج الدّاخليّ المنفتح على فيض علويّ. لقد أعطى الكتابة معنى "ما ورائيّاً" يستدلّ على جوهره في ما بعد النّهاية المفترضة. فكأنّي به يقول إنّ الكتابة قوّة تفيض من علٍ وتستبيح قلب الكاتب فتمسي قوّة للدّفاع عن الحلم والهدف والحبّ... بدل أن تكون دفقاً عاطفيّاً لا غير.

إنّ تأمّل الشّعر الصّافي الرّؤيويّ وتجربة الشّاعر الرّائي ستكشف عن الكثير من تجلّيات هذا الاصطلاح وحضوره في عصب الشّعر العابر للحقائق الكونيّة والإلهيّة، فثمّة ما هو مشترك اشتراك اقتضاء وحتميّة ما بين الشّاعر واللّاهوتيّ، كما هو بين الشّاعر والعالم الفيزيائي مثلا، فكلّها علوم تخرج من فكر الإنسان لتعود إليه، تحاول أن تفهمه وأن تسدي له خدمة في الوقت ذاته.

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الله الفيفيعندما يُراجِع الباحث المعاصر كثيرًا ممَّا كان يتناقله علماؤنا في حقلَي اللغة والنحو، يجد ما يفرض عليه إعادة النظر فيما كانوا يختلفون فيه؛ لأسباب متعدِّدة.  منها، على سبيل النموذج:

1) داءٌ تراثيٌّ عامٌّ في التعامل مع النصوص، هو إغفال السياقات.  فكثيرًا ما يقِفون على النصِّ مبتوتًا عن سياقه الداخليِّ أو الخارجي.  وقد رأينا في المساق السابق كيف أثَّر إهمال السياق في استنتاجات اللغويين والنحويين، حينما وقفوا أمام بيت الشاعر:

لقد فَرَّقَ الواشِينَ بَيني وبَينها،     فقَرَّتْ بِذاكَ الوَصْلِ عيني وعينُها

فزعموا أن الشاعر- الذي لا ندري من هو- قال: «بيني وبينُها»، من حيث ظنُّوا القافية مصرَّعةً، وإنْ لم يعرفوا سياق البيت. لكنهم حاروا في الشطر الثاني؛ فأضافوا زعمًا آخَر: أن البَين هنا بمعنى الوصل!  مع أن للبيت وجهًا شِعريًّا، دون حاجةٍ للدعوَى أن البَين يعني الوصل، بالقول: إن الشاعر إنما جعل البَين بمثابة الوصل؛ لأنه أذهب عنه وعن معشوقته أعين الواشين، وإنْ كان ذاك الوصل الروحي بينهما قائمًا، وقُرَّةَ عين له ولها.

إن ظاهرة إغفال السياق، بل الاعتماد على شِعرٍ مجهول القائل، فضلًا عن الاعتماد على كلام مجانين في التقعيد للغة العربيَّة، كانت أمرًا مألوفًا بينهم. ويزيد الطِّين بلَّة معاناتهم في فهم الشِّعر، إلَّا ذلك الفهم المعجمي النثري، الذي لا يليق بالشِّعر. وإذا كان لإغفال السياق الخارجيِّ ما يسوِّغه في النصِّ الأدبي، وَفق ما عُرِف في البنيويَّة حديثًا بموت المؤلِّف- وهو مفهومٌ للموت غير «أبدي»، على كلِّ حال!- فإنَّ إغفال السياق النَّصِّي الداخلي إنَّما جناه، على الشِّعر بخاصَّةً، «مرضُ التوحُّد» الذي أصابهم جرَّاء التمسُّك بمقولة (وحدة البيت الشِّعري).  يتجلَّى ذلك واضحًا في الجدَل حول أبيات (أبي الطيِّب المتنبي)، التي عُدَّت من المشكلات.  ولو أنها رُبِطت بسياقاتها لما كان بعضها مشكِلًا، ولا استدعَى كثيرًا من الجِدال بين الشُّراح.

2) كانوا يبنون جدلهم اللغوي والنحوي الطويل حول شواهد شِعريَّة، والشِّعر إشكاليٌّ بطبيعته في كلِّ اللغات، حمَّال أوجه، قائمٌ على البناء البلاغي، والانحرافات الأسلوبيَّة، والحذف، والتقديم والتأخير؛ فكيف تتقرَّر على أساسه لغة النثر وقواعد الاستعمال الذهني الاعتيادي؟ خذ- مثلًا- قول (المتنبي):

لَيتَ الغَمامَ الَّذي عِندي صَواعِقُهُ         يُزيلُهُنَّ إِلى مَن عِندَهُ الدِيَمُ

« يُزيلُهُنَّ»؟

لو قال هذا البيت شاعرٌ اليوم لحُكم، من قِبل القواعديين، بالحَـدِّ؛ لما وقع فيه من الركاكة في الشِّعر، دع عنك أن يَرِد مثل هذا في النثر. ذلك أن عبارة «يُزيلُهُنَّ» تبدو في منطق العربيَّة قلقةً في مكانها؛ فماذا يزيل؟ «الغَمام»؟ كيف ساغ تأنيث «الغَمام»، بعد أن استخدم معه الاسم الموصول «الذي»، وأشار إليه بضمير المذكَّر: «صواعقه»؟ لقد كان حقه أن يقول إذن: «ليت الغمام... يزيله». ولنفترض أن «الغَمام» مؤنث، لمسوِّغ ما من تلك المسوّغات الكثيرة التي يتحفنا بها الشُّرّاح، أو حتى أن الضمير في «يُزيلُهُنَّ» لصواعق الغَمام لا للغَمام، مع عدم اتساق ذلك؛ فكيف ساغ أن يقول: «يُزيلُهُنَّ»، لا «يُزيلها»، فيستخدم نون النسوة مع غير العاقل؟

إنه قلق الشِّعر

نعم قد يتحذلق المتحذلقون، ويتفرتخ الفرتخانيُّون، فيلتمسون التخريجات البعيدة، والتخييلات التحليليَّة، لكن جوهر الأسباب هنا يظلُّ في أن للشِّعر ماهيةً خاصَّة، فوق نواميس اللغة الاعتياديَّة، والقياس عليه، والتقعيد على بنيانه فيه إغفالٌ لطبيعته الفارقة تلك.

3) كثيرًا ما يسوِّق النحويُّون شواهد مجهولة القائل. ومن ثَمَّ فلا موثيقيَّة بها. بل إن بعضها من اصطناع النحاة أنفسهم، الذين بلغ الصراع بينهم إلى درجة عدم تورُّع بعضهم من الكذب والنحل كي يُسنِد قوله بشاهدٍ شِعري. وحكاياتهم في ذلك معروفة.

4) يعاني بعض لغويينا ونحويينا، مع أسباب أخرى، من عُجمة، وجهل بأحوال العرب، وبيئاتهم، بل قد يفتقرون إلى الذوق الأدبي، والمعرفة بطبيعة الشِّعر، فتزداد مصيبتهم بمادَّة علمهم، وجُلُّها من الشِّعر.

وهذا ما يستدعي جولة أخرى من النقاش، نُرجئها إلى المساق التالي.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

عدنان حسين احمدلا تختلف الأفلام الروائية القصيرة في بنيتها المعمارية كثيرًا عن قصائد الومضة التي تحتاج إلى سرعة الدخول في الحدث والتعجيل في حسمه، وعلى كاتب السيناريو أن يصل إلى الانعطافة الأولى خلال الربع الأول من مدة الفيلم أو قبلها بقليل ولا مجال للإسهاب والترهّل الفائض عن الحاجة. وفي فيلم "نباح" للمخرج جمال أمين تحْدث هذه الانعطافة التي تمهّد للحظة الحاسمة خلال الدقائق الثلاث والنصف الأولى قبل أن يتأثث النص البصري بلقطاته ومَشاهده السردية التي تُعرّي هذه العائلة المهجّنة التي تزوج فيها الأب من امرأة إنجليزية لا نعرف عنها شيئًا فهي غائبة أو متوفاة كما تقول القصيدة أو كما يُفصح واقع الحال لأنّ الأب هو الذي يحلّ محلها، ويقوم بالواجبات المنزلية كلها، وقد رأيناه يغسل الصحون في المجْلى، وهذه إشارة كافية إلى أنه يتبضّع، ويطبخ، وينظّف البيت ويلبّي كل الاحتياجات الأخرى التي يطلبها هادي، الابن الشاب، وهنادي، البنت المراهقة. يتأخر هادي في النوم وتهاتفه صديقته جوليا فيخرج مُسرعًا بعد أن يطلب من والده أن يُقلِّه على وجه السرعة لكننا سنكتشف أن السيارة عاطلة وقد حاول غير مرة تشغيلها لكنه لم يفلح، وبما أنّ ابنه هادي على عجلة من أمره وقد تأخر عن الموعد أصلاً فلاغرابة أن يشتبك مع أبيه في شجار لا يخلو من كلمات عنيفة متوترة الأمر الذي يدفع الابن إلى المغادرة بعد أن يرفس إطار السيارة بقدمه في إشارة إلى سقوطه في دائرة الانفعال المُطلق. حين يعود الأب إلى البيت يحاول الإتصال بابنته هنادي لكنها لا ترد لأنها منشغلة بعالمها الخاص فهي ترقص، وتتكلم بالهاتف النقّال مع صديقها الذي لم نرَه، وهذا الأمر لا يختلف مع هادي لكنه أخفّ وطأة من البنت المتمردة التي لا تستسيغ هذه الحياة الأسريّة المقيّدة، وقد أصبح الأب مثل الكائن الغريب بين أهله وذويه، فيلتجئ إلى صديقته "شفاء" ويعترف لها بأنه مُتعَب جدًا لأنه لا يستطيع السيطرة على أبنائه. فبينما كان منهمكًا بغسل الصحون وهو يستمع إلى أغنية "كيفك أنت" لفيروز تنزل هنادي مسرعة من غرفتها وتوبّخ الوالد بطريقة فجّة لأنه لم يُسدّد فاتورة الإنترنيت فينهار الأب وينخرط في البكاء لكن هادي يأخذه إلى الحديقة ويخفّف عنه وطأة المحنة التي يعيشها ويدخل معه في حوار جديّ قد يبدو غريبًا على ذهنية الأب القادم من ثقافة مُغايرة حين يصارحه بالقول:"بابا أنتَ ضعيف جدًا، لماذا لا تتركنا؟" فيأتيه الرد التقليدي المُتعارف عليه بأنّ قانون الحياة هو الذي يفرض علينا أن نعيش مع بعضنا بعضا. وفي خضم هذا الحوار الحميمي نُمسِك بفكرة القصة السينمائية بأنّ قانون الحياة الذي يتحدث عنه الأب ما هو، في حقيقة الأمر، إلاّ "قانون الضعفاء" وأنّ هذا الأب الواهن الذي قضى حياته مُنغمسًا في قراءة الكتب لم يستطع أن يقرأ ولده وابنته جيدًا، ويتعرّف على رغباتهما وتطلعاتهما في الحياة. لا تقتصر إشكالات الأولاد مع أبيهما فقط، وإنما تمتد إليهما أيضًا، فالعلاقة بين الأخ وأخته متوترة أيضًا. فبينما هم يتناولون الطعام تخبرهم هنادي بأن لديها سفرة إلى إيطاليا لكن هادي سرعان ما يتدخل متسائلاً إن كانت السفرة مدرسية أم أنها تروم الذهاب مع صديقها، ويطالبها بأن تجلب ورقة من المدرسة تبرهن فيها صحة هذا الإدعاء، وهو يعني، من بين ما يعنيه، أنها كذّابة، فلاغرابة أن تنفعل وتتهمه بأنه مُدمن مخدرات مع أننا كمتلقين لم نلحظ عليه ما يشير إلى هذا الإدمان. يشتبك هادي معها مرة أخرى حينما يكتشف أنها تناولت مشروبه الغازي المفضل Red Bull وفي مشهد درامي معبّر ينتهي الفيلم نهاية مدروسة حينما تتعالى أصوات الشجار بين هادي وشقيقته بينما يتدخل الأب من دون أن يصغي إليه أحد طالبًا منهما التوقف والسكوت بعد ألقى على الأرض الكتاب الذي بين يديه، إضافة إلى كتب أخرى كانت موجودة على مقربة منه، فتتصاعد دوامة النزاع لتختلط الأصوات المتصاعدة بنباح الكلاب وكأنّ كل الذي يدور بين أفراد هذه العائلة المُهجّنة ما هو إلاّ نباح لا غير، وتهديدات علنية لا تضمر المحبة، والتفاهم، أو إمكانية المُضي قُدمًا في حياة أسَرية بدت مستحيلة بعد رحيل الأم الذي أسقط الأب في دائرة اليأس والعزلة والتوحّد.

على الرغم من أنّ سيناريو الفيلم يتوفر على بعض الاشتراطات الفنية في الانعطافة الأولى التي أفضت بالقصة السينمائية إلى الذروة ومنها إلى حلّ العُقدة بعد أن توضحّت أبعاد الحبكة التي أدركها المتلقي وتوصل إلى نتيجة منطقية مفادها أنّ هذه الحياة الأُسرية باتت مستحيلة، وأنّ المضي بها إلى أمام هو ضرب من العبث والجنون.

لابد من الإشارة إلى أن أداء الشخصيات الرئيسة الثلاث كان مُقنعًا، ولعلها المرة الأولى التي أرى فيها الفنان جمال أمين بدورٍ إشكالي مُعبِّر ينطوي على عنصري الضعف والتماسك في آنٍ واحد، كما كان الانفعال أو الانهيار في محله دائمًا، وهذا التوازن الذي لا يتجاوز الحدود المُفتَرضة يؤكد على حِرفية الفنان الذي يعطي كل شيء حقه. كما أن دور الابن هادي الذي جسّده "الحسن صفاء" كان مستوفيًا للشروط، وقد نجح في تقمّص الشخصية المزدوجة التي تحث الأب على مغادرة حياة الأبناء، ولكنه بالمقابل كان يتعاطف مع ضعفه وفشلة الواضح في إدارة هذه الأسرة أو الانسجام الكلي مع طريقة تفكير الأبناء الذين ينتمون إلى بيئة اجتماعية غربية بامتياز. وهذا الأمر ينسحب على "مليكة شيرازي" التي أدّت دور "هنادي" وأجادت فيه على الرغم من أنّ المَشاهد التي ظهرت فيها لم تخرج عن حدود الانفعال والتهور المتواصلين في التعامل مع الأب أو الشقيق على حد سواء. وفي السياق ذاته لابد من الإشادة بدور المصور السينمائي يحيى الحسني الذي يتوفر على عين سينمائية حسّاسة قدّمت لقطات ومشاهد جميلة لا أثر فيها للترهل البصري، كما أن المونتاج الذي تألق فيه سوران سوراني كان سلسًا جدًا بحيث يجعل المتلقي يتابع أحداث الفيلم بانسيابية عالية، واسترخاء شديد.

 

عدنان حسين أحمد