صلاح الدين اشرقيشعلة ابن رشد لأحمد المخلوفي أنموذجا

مقدمة: يعتبر مفهوم التهجين من المفاهيم الرئيسية في نظرية الرواية لدى "ميخائيل باختين" وقد تحدث باختين عن هذا المفهوم ـ في البداية ـ في مجال اللسانيات اللغوية، فأساس التهجين لساني لغوي، ويظهر هذا الطرح بشكل واضح، في كتاب "الماركسية وفلسفة اللغة" إذ تحدث باختين في هذا الكتاب عن التراكيب اللغوية ودلالاتها وعن خطاب الغير الذي يُؤثر في الدلالة التركيبية اللغوية ويساهم أيضا في بناء النص الروائي تركيبيا، فهذه الأفكار وغيرها تدل على أن كتاب الماركسية وفلسفة اللغة هو المؤسس لحوارية ميخائيل باختين ولمفهوم التهجين أيضا، لكن من وجهة نظر لسانية لغوية، وبعد ذلك ظهرت كتب عديدة أسس من خلالها باختين نظرية الرواية، من بينها: كتاب "الخطاب الروائي"، فقد نقل باختين أفكاره من اللسانيات إلى ميدان النقد الروائي، واختار الرواية متنا أو جنسا أدبيا لتطبيق أفكاره حول التهجين والحوارية، وعليه ظهر ما يُسمى الآن بـ "الرواية البوليفونية" التي كسَّرت قواعد ومعايير الكتابة الروائية الكلاسيكية على مستويات عدة، مثل: (الرؤية السردية، الزمان، المكان، الأسلوب، الرؤى الإديولوجية، والشخصيات..) التي هي مناط اهتمامنا في هذا البحث.

لقد تأثر بهذه الأفكار الجديدة في الكتابة الروائية مجموعة من الروائيين في العالم العربي، من بينهم: " أحمد المخلوفي " صاحب رواية " شعلة ابن رشد " التي نحن بصدد تحليل ظاهرة " التهجين " فيها على مستوى الشخصيات والعوامل، وتعتبر هذه الرواية من الروايات البوليفونية بامتياز، حيث مزج الروائي بين عناصر عديدة ومختلفة، فما هو مفهوم التهجين؟ وما هي مكوناته؟ وكيف حضر التهجين في شخصيات رواية شعلة ابن رشد لأحمد المخلوفي؟ 

ـ تصورات باختين حول مفهوم التهجين.

ـ نقد أفكار الشكلانيين والأسلوبيين.

قبل التطرق لمفهوم التهجين في ذاته من اللازم استحضار نقد باختين لتصورات الشكلانيين والأسلوبيين، إذ من خلال هذا النقد سيُؤسس مفهوما جديدا في ميدان النقد الأدبي وبالضبط في مجال " النقد الروائي "، وهو مفهوم "التهجين"، فقد رفض باختين طريقة تعامل الشكلانية مع النصوص الأدبية حيث ركزت على شعرية النص الأدبي وخصائصه الشكلية، من خلال اعتمادها على الألسنية التي اقترحت وسائل علمية دقيقة لتحليل النص الأدبي من الداخل بوصفه وِحدة، وفي نفس المسار جاءت الأسلوبية ـ في بداياتها الأولى ـ بتحليل بنيوي للنص وذلك بالتركيز على الأسلوب واللغة، متوخية استجلاء التناغمات الفردية الكامنة وراء أسلوب الشاعر أو الكاتب، فكلٌّ من الشكلانية والأسلوبية ينظران إلى النص الأدبي بوصفه وحدة دلالية، وعليه يغيب ـ في منظورهم ـ الاختلاف والتعدد الدلالي في النص الأدبي عامة وفي النص الروائي بشكل خاص، هذا النص الذي حاول باختين دراسته وَفق منظور مخالف وذلك بهدف تأسيس نظرية روائية جديدة تُؤمن بالتعدد والاختلاف، وقد اتخذ باختين من الرواية متنا لتطبيق أفكاره ونظرياته، لأن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر مناسبة لنظريته، فالرواية هي جنس مُهجن تتداخل فيها الأجناس وتتعدد فيها الأصوات والأطروحات والشخصيات...، فنجد فيها صوت العالم وصوت العامي، وهي أيضا مجال للصراع الطبقي بين مختلف فئات المجتمع، وتبعا لهذه "الحوارية" التي تميز الرواية لا يمكن ـ بحسب باختين ـ دراستها بوصفها نصا مغلقا أو دراستها من حيث الأسلوب فحسب، وعليه فقد سعى باختين إلى تأسيس شعرية جديدة للخطاب الروائي تُؤمن بالتعدد والاختلاف، إنها تتماشى مع طبيعة الرواية، ولم يكتف باختين بنقد الشكلانية والأسلوبية فقط، بل اقترح بديلا معرفيا ومنهجيا عندما ألح على الطابع الغيري للإبداع والتواصل، فقد أكد ميخائيل باختين على الطابع الغيري في كتابه "الماركسية وفلسفة اللغة" في فصل "خطاب الغير"، حيث يقول: "خطاب الغير يشكل ما هو أكثر من مجرد ثيمة (غرض) للخطاب، فهو قادر على أن يقتحم الخطاب، ويدخل في بنائه التركيبي، بصفته الشخصية إذا أمكن التعبير، باعتباره عنصرا مكوِّنا له خصوصيته"، من خلال هذا الكلام نستنتج أن أساس الحوارية وتعدد الأصوات والملفوظات وغيرها هو أساس لسني كما قلنا، وما يؤكد هذا الطرح محاولة باختين اقتراح طريقة بديلة لدراسة لغة الرواية وأسلوبها، إذ يرى أن الأسلوبية " التقليدية " ـ كما يُسميها ـ لا تهتم بالكلام الحي، بل بتفصيله النسيجوي وباللفظة المجردة التي هي في خدمة قدرة الفنان على التحكم والتطويع، فالأسلوبية لا تتعامل مع الرواية بوصفها خطابا حيا، بل باعتبارها وحدات أسلوبية معزولة عن سياقها التداولي، وهذه النقطة ـ بالذات ـ هي التي رفضها باختين وحاول أن يتجاوزها من خلال ابتكار تصور جديد لظاهرة الأسلوب في الرواية، إذ يقول: " إن الرواية ككل، ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد، أحيانا، على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة "، ومن خلال هذه الأفكار سيؤسس باختين رؤية جديدة في تحليل الرواية، وقد تَمثل هذه الرؤية مجموعة من نقاد الرواية في العالم العربي، منهم: " حميد لحمداني " في كتابه " أسلوبية الرواية ".

ـ مفهوم التهجين بين التنظير والتطبيق.

يحتل التهجين مكانة مهمة في نظرية باختين حول الإبداع بشكل عام والرواية بشكل خاص، فمن خلال هذا المفهوم استطاع أن يقترح نوعا روائيا جديدا يُسمى حاليا بـ "الرواية البوليفونية" وهي بخلاف الرواية " المونولوجية "، ويتمثل هذا الاختلاف في مجموعة من النقاط، أهمها: (الرؤى السردية، الأزمنة، الأمكنة، الشخصيات..) فبينما تستخدم الرواية المونولوجية ـ مثلا ـ الرؤية السردية من الخلف، فإن الرواية البوليفونية توظف كل الرؤى السردية، (من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج) فتربط بين هذه الرؤى ولا تقتصر على واحدة منها، والحال نفسه بالنسبة للعناصر الروائية الأخرى، إن هذه الأفكار تشكل جزءا من مفهوم التهجين لدى باختين، غير أن الجزء الأهم والعنصر الأساسي غي هذا المفهوم هو الجزء المتعلق بالجانب اللغوي من تعدد الأصوات وأسلبة...، وهذا يظهر بشكل جلي في تعريف باختين للتهجين، حيث يقول: " هو مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضا التقاء وعيين لغويين مفصولين بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي أو بهما معا، داخل ساحة ذلك الملفوظ ولابد أن يكون قصديا "، من خلال هذا التعريف يتضح لنا ربط باختين التهجين باللغة، غير أن باختين يميز ـ في سياق حديثه عن أشكال الحوارية في الرواية ـ بين ثلاثة: (التهجين، حوار اللغات، الحوار الخالص)، لكن على الرغم من هذا التمييز إلا أن التعريفات التي قدمها لهذه العناصر الثلاثة تجعلهم متشابهين وبذلك يصعب التمييز بينهم خاصة من الناحية العملية، ويمكن القول إن التهجين يحوي العناصر الأخرى ويؤطرها.

ـ مكونات التهجين.

أولا: تعدد اللغات والأصوات.

يشكل التعدد اللغوي والصوتي أهم مكونات التهجين بل أساسه، لأنه ـ وكما ذكرنا ـ أن تصور باخنين حول التهجين ظهر في البداية في مجال اللسانيات واللغة، وقلنا إن كتاب "الماركسية وفلسفة اللغة" دليل واضح على هذا الطرح، فالمتصفح لهذا الكتاب يلمس هذا المعطى، حيث حاول باختين أن يُبلور تصورا لغويا جديدا مناقضا للفيلولوجيا المثالية مع "فوسلر"، والبنيوية اللسانية مع " دوسوسير " وغيره، فتحدث عن خطاب الغير، وعن التفاعل اللفظي، وعن نظرية التحدث وقضايا التركيب..، فهذه المعطيات تشكل التصور النظري لباختين حول التفاعل والتهجين بين المكونات المختلفة في الخطابات، وبما أننا نتحدث عن التهجين في الرواية فإننا سنركز على كتاب " الخطاب الروائي " بشكل أساسي، فما قام به باختين في هذا الكتاب أنه " نظَّر " لمفهوم التهجين في الرواية، فقد اختار متنا مناسبا لنظريته، فالرواية خليط من العناصر المختلفة أهمها: اللغة التي لا تحضر في الرواية كما باقي الأجناس الأدبية الأخرى، بل تتعدد وتختلف، ونلمِس هذا في التعريف الذي قدمه باختين للرواية، إذ يقول: " إن الرواية هي التنوع الاجتماعي للغات، وأحيانا للغات والأصوات الفردية، تنوعا منظما أدبيا "، يتضح من خلال هذا الكلام أننا بإزاء نظرة جديدة للتفاعل والتنوع داخل الرواية، إذ بعد ما كان يُنظر إلى التنوع من منظور إديولوجي وذلك في النظريات الإديولوجية المختلفة، حيث كانوا يعتبرون أن الرواية تعكس التنوع الاجتماعي الواقعي والصراع بين مختلف طبقات المجتمع، أما باختين فيرى أن التنوع في الرواية هو تنوع لغوي، لكنه ليس مفصولا عن المجتمع بل يُجسد التعدد الاجتماعي، فنجد في الرواية مثلا: (لغة البدوي ولغة المدني، ولغة الصِّحافي ولغة الطبيب، لغة الطبقة العالمة ولغة الطبقة الشعبية...)، بمعنى أننا نجد ـ في داخل الرواية ـ لغات متعددة ومختلفة لمجموعة من فئات المجتمع، فالسؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا، ما الفرق بين نظرة النظريات الإديولوجية للتفاعل والتنوع في الرواية ونظرة باختين؟ أو بعبارة أخرى ما هي الإضافة التي قدمها باختين؟ ألا يمكن القول إن باختين لم يأت بجديد وأنه اكتفى بإعادة التصور الإديولوجي بطريقة مختلفة؟

إن الفرق بين التصورين يتجلى في الآتي: إن اعتبار النظريات الإديولوجية الرواية مرآة عاكسة للتعدد الاجتماعي والصراع الطبقي يُجرد الرواية من قيمتها الأدبية الفنية، حيث تصبح ـ تبعا لهذا التصور ـ خطابا تقريريا يعيد أحداث الواقع، في حين أن باختين ربط التفاعل والتنوع باللغة، وعليه أعاد الاعتبار للرواية من الناحية الأدبية، فالرواية قبل أن تكون مضمونا اجتماعيا فهي صناعة لغوية أدبية، فهذا هو الاختلاف بين التصورين، وأصل هذا الاختلاف يعود إلى طريقة التعامل مع الرواية من الناحية الأدبية.

ثانيا: الأسلبة

من عناصر التهجين عند باختين " الأسلبة " وتندرج ضمن التهجين القصدي أو "الإرادي"، حيث ميَّز باختين بين التهجين الإرادي والتهجين اللاإرادي، فالروائي يقصد إلى التهجين إراديا، لكن في الخطابات اليومية بين الناس قد يقع التهجين بغير قصد أو إرادة، والتهجين الإرادي هو المهم لكونه ذو بعد جمالي أدبي، في أن التهجين غير القصدي فإنه يظهر في شكل كلام عادي مألوف، وبالعودة إلى الأسلبة نجد أن باختين بعد أن انتقد التصور الضيق للأسلوبية التقليدية التي كانت تركز في تحليلها للنصوص على وحدات أسلوبية مفردة ومعزولة عن البنية الأسلوبية الكلية للنص، اقترح تصورا بديلا لمفهوم الأسلوب ولطريقة توظيفه في تحليل الخطابات، وخاصة الخطاب الروائي، فالأسلبة عند باختين تندرج ضمن التهجين القصدي الذي هو إحدى طرائق إبداع صورة اللغة في الرواية، وتتميز الأسلبة عن التهجين بأنها لا تحقق توحيدا مباشرا للغتين داخل ملفوظ واحد، بل الأسلبة لغة واحدة " مُحيَّنة " وملفوظة، لكنها مُقدَّمة على ضوء اللغة الأخرى، وتلك اللغة االأخرى تظل خارج الملفوظ ولا تتحين أبدا، وفي الأسلبة نجد وعيين لغويين مفردين: وعي من يُشخص (وعي المؤَسلِب)، ووعي من هو موضوع التشخيص والأسلبة، وقد وضح " حميد لحمداني " الفرق بين التهجين والأسلبة في قوله: " التهجين لغة مباشرة أ مع/ ومن خلال لغة مباشرة ب في ملفوظ واحد، الأسلبة لغة مباشرة أ، من خلال لغة ضمنية ب في ملفوظ واحد "، فالفرق يتضح في حضور اللغة في ملفوظ التهجين، وضمنيتها في ملفوظ الأسلبة، وتُعتبر الأسلبة من المكونات الأساسية التي تشكل تصور باختين حول التهجين، حيث اقترح ميخائيل باختين تصورا آخر للأسلوب، إذ يرى أن الرواية لا تُصنع بأسلوب واحد، بل إن الروائي يستعمل أساليب مختلفة يجمع بينها ليُكون أسلوبا كليا للرواية، وذلك من خلال أسلبة مختلف أشكال السرد الشفوي التقليدي أو المحكي المباشر، ثم أسلبة أشكال السرد المكتوب المختلفة نصف الأدبية والمتداولة، مثل: (الرسائل، المذكرات الخاصة...)، أسلبة أشكال أدبية متنوعة من خطاب الكاتب، مثل: (كتابات أخلاقية، وفلسفية، وخطب بلاغية...)/ ثم أسلبة خطابات الشخوص الروائية المفردة أسلوبيا، يتضح من خلال ما سبق تعدد الأساليب المُوظفة في الرواية، غير أن هذا الأمر لا يشكل فوضى أسلوبية داخل الرواية، بل إن هذه الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة تتمازج عند دخولها إلى الرواية لتُكون نسقا أدبيا منسجما، ولتخضع لوحدة أسلوبية عليا تتحكم في الكل، وهذا ينعكس حتى على تحليل الأساليب، فانطلاقا من تصور باختين تصبح المكونات الأسلوبية لا تحتفظ بوظيفتها العادية المألوفة، بل تتغير وتتبدل، فمثلا إذا أخذنا التَّكرار بوصفه عنصرا أسلوبيا بلاغيا وطبقنا عليه تصور باختين فإنه لا نكتفي بتحديد وظيفته الإيقاعية فحسب، بل يجب ربطه بالدلالة الأسلوبية الكلية للنص، وعليه فإن وظيفته الدلالية تتغير بتغير الدلالة الأسلوبية الكلية للنص الأدبي عامة والنص الروائي خاصة، نظرا لحضور الأسلبة بشكل كبير في الرواية بالمقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى، ويظهر هذا الطرح في قول باختين: " أسلوب الرواية هو تجميع لأساليب "، بمعنى أن الرواية هي خليط من الأساليب المختلفة التي تتمازج يبنها لتُنتج أسلوبا فريدا وخاصا.

ـ إشكال التحليل في مفهوم التهجين

لقد تحدث باختين كثيرا عن التهجين في كتب عديدة، لكن حديثه اقتصر على الجانب النظري بشكل كبير، لذلك صَعب على الباحثين والدارسين للخطاب الأدبي فهم التهجين وتمييزه عن غيره من المفاهيم الأخرى التي اقترحها باختين وتتداخل مع مفهوم التهجين، مثل: (الأسلبة)، ففي غياب أمثلة نصية مأخوذة من روايات معينة يُطبق عليها هذا المفهوم يُصبح من الصعب استيعاب التهجين وإدراكه، فالتطبيق ـ بوصفه خطوة ضرورية في أي منهج أو مفهوم ـ ذو وظيفتين أساسيتين: فهو من جهة يشرح المفهوم وكيفية تحققه في الخطابات، فالوقوف عند التنظير فقط لا يُسعف في الفهم؛ لأن المعرفة التي ينتجها النظر هي معرفة " مجردة " وليست " عملية "، وعليه يصبح التطبيق ضروريا للانتقال من المعرفة المجردة إلى المعرفة الملموسة، ومن جهة ثانية يكشف التحليل النصي مدى فاعلية المفهوم في مقاربة النصوص والخطابات، إن هاتين الوظيفتين تستلزمان التحليل لا الكلام النظري، وقد أوضح " حميد لحمداني " النقص الإجرائي في نظرية باختين حول التهجين، إذ يقول: " إن صعوبة تحديد طبيعة التهجين، على الصورة التي أوضحها باختين (...) ترجع إلى اقتصاره في مجال التطبيق على الإشارة فقط إلى أسماء بعض الروايات التي تستخدم هذا الأسلوب دون أن يوقفنا مباشرة على " مقاطع " توضح بالمعاينة كيفية تمازج اللغات في ملفوظ واحد "، يتضح من هذا القول غياب التحليل والاكتفاء بإيراد أسماء لروايات حضر فيها التهجين، وأهمها روايات " دوستوفسكي " التي اشتغل عليها باختين، لكن ما يظل مبهما لدى المتلقي الكيفية التي يتولد عنها التهجين من داخل نصوص الرواية، وعليه فإن التدليل على حضور التهجين في الروايات يستدعي مجهودا إجرائيا من قِبل النقاد المعاصرين، من خلال تحليلهم " للروايات البوليفونية " الجديدة التي تحضر فيها هذه الظاهرة (التهجين).

ـ تهجين الشخصيات والعوامل في رواية (شعلة ابن رشد) لأحمد المخلوفي

تتميز الروايات الجديدة بخاصية التهجين، حيث لم تعد الرواية ذات منحى أفقي تسير في خط مستقيم من بدايتها إلى نهايتها، كما هو الشأن في الروايات الكلاسيكية الأحادية، سواء من حيث (المنظور السردي، أو الزمان، أو المكان، أو الشخصيات..)، فالرواية المونولوجية تعكس توجها معينا يسعى الروائي إلى فرضه على القارئ، مثل: " رواية المعلم علي " لعبد الكريم غلاب، وغيرها من الروايات التي تنتمي إلى تيار الوعي، إن هذه الروايات تنم عن رؤية ضيقة للروائي، كما تكشف عن خبايا إديولوجية يسعى الروائي إلى تمريرها وفرضها على المتلقي، في حين أن الرواية البوليفونية المتعددة الرؤى والشخصيات والأصوات..، تمنح القارئ حرية الاختيار فهي تُمثل صورة للديموقراطية؛ لكونها تراعي كل تيارات وطبقات المجتمع، ومن بين الروايات المغربية الجديدة التي تنتمي إلى تيار الرواية البوليفونية، " رواية شعلة ابن رشد "، فقد قدم أحمد المخلوفي كتابة روائية جديدة تتسم بالتداخل والتهجين بين مكوناتها المختلفة.

ـ تداخل الشخصيات المرجعية التاريخية مع الشخصيات التخييلية

اعتمد أحمد المخلوفي في روايته شعلة ابن رشد كتابة روائية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في الكتابة الروائية الكلاسيكية، حيث جمع بين مجموعة من المكونات، مثل: (المكان، الزمان، الأسلوب...)، وإلى جانب هذه العناصر فقد لجأ الكاتب إلى تهجين الشخصيات داخل الرواية، ومن مظاهر هذا النوع من التهجين، المزج بين شخصيات تاريخية، وشخصيات تخييلية سردية، ومن بين أمثلته ما يلي: " عشت في بلاد الموحدين كمرجعية علمية وكطبيب ومستشار لا غير، ثم توليت القضاء أكثر من مرة على عهد يعقوب يوسف(...)، كل هذا في مرحلة الفتوة الأولى، وهي مرحلة تكوين وفهم وتخطيط لأوراش علمية كبرى. أما في المرحلة الثانية فقد أثقلتني المَهام حتى غَدت تشكل عائقا(...)، فجزى الله خيرا زوجتي إن هي غفرت لي إهمالي وقصوري البادي تجاهها(...)، ولم أتخفف من حدة هذا الشعور إلا بعد أن خضت في مناقشة وتحليل دور المرأة وأهميتها انطلاقا من كتابي المعروف بـ: الضروري في السياسة لأفلاطون، وكذلك حين أطلعتها عن مدى إحساسي بالذنب تجاهها فقالت لي برقتها المعهودة: لقد اعتدت الشعور بالسعادة كلما رأيتك ثملا بكتابك(...)، وأنت تحسبني قد نِمت فتناديني بصوتك العذب الفصيح: الفجر اقترب يا زينب فهيا لنصلي سويا "، يتضح من خلال هذا المقطع توظيف المخلوفي نوعين من الشخصيات: الأولى معروفة في التاريخ ومثبتة في الأرشيف متمثلة في شخص ابن رشد العالِم والمفكر العقلاني الذي عاش في الأندلس، وقد جعله الكاتب يتحدث عن تاريخ حياته في هذه الفقرة التي ذكرناها، والثانية مجهولة لدى القارئ، حيث لا يملك عنها أي معلومات تاريخية تكشف عنها، وعليه فهي شخصية تخييلية سردية، أو ورقية ليست من لحم ودم مثل شخصية ابن رشد، وتتمثل هذه الشخصية التخييلية في زوجة ابن رشد "زينب" التي هي من ابتكار الروائي فهي ترجع له بوصفه صانع السرد وصانع الحُبكات في الرواية، فقد جاء بهذه الشخصية لكي يُكمل بها قصته وليظهر براعته السردية، حيث بعد أن جعل ابن رشد يتحدث عن حياته التاريخية منذ فتوته إلى كِبره، انتقل إلى إدراج شخصية زينب ليمنح فسحة سردية تخييلية للمتلقي، ويُعتبر هذه المزج بين الشخصيات التاريخية والشخصيات السردية من مظاهر حضور التهجين في رواية شعلة ابن رشد، ومن الأمثلة الأخرى التي توضح هذا النمط من التهجين، ما نصه: " اسمع صديقي (...) لن أمضي معك في التعليق، فأنا أقر بمجمل ما ذكرته ولخصته باقتدار الكُتاب (...)، لما اغتيلت الموسيقى باسم مروان المغني الغجري المحبوب لدي، شرعت نحوي لوليتا الحسناء يسبقها نهدها وتأوهاتها الحرى لفقدان أليفها: أسرع يا ابن رشد أسرع. لقد فعلها الظلاميون هذه المرة أكبر من الأولى(...)، ثم غلبني تفكير مضطرب بتوقعات الحال والمآل. لا إنهم يريدونني أنا.. لا مروان فقط...، كان يشهق وعيني تشرق بالدمع... أسندت مانويلا رأسها إلى كتفي وتوجعت. قالت زينب وهي تنقل رأسها بلطف إلى صدرها: في صدري تجدين بعض العزاء ثم أضافت: نحن كلنا غجر، ومثلكم ندرك تماما أن الحياة بلا غناء، هي شمطاء مُعرضة للجفاف والتصحر والمحو التدريجي "، توضح لنا هذه الفقرة تمازج وتنوع شخصيات رواية شعلة ابن رشد، إذ بالإضافة إلى الشخصية التاريخية المتمثلة في ابن رشد الذي حضر بقوة في الرواية من بدايتها إلى نهايتها، لكن مع اختلاف عن الشخصية المحورية في الروايات الكلاسيكية، فالمخلوفي لا يُصرح بأسبقية شخصية ابن رشد عن غيرها، بل يترك للقارئ حرية الاختيار، على الرغم من كونه معجب بابن رشد وعقلانيته، وبالعودة إلى الفقرة الآنفة نلمِس لجوء الروائي إلى التهجين الذي يتجلى في تداخل التاريخ بالتخييل والسرد، إذ يمثل ابن رشد النوع الأول (التاريخ)، في حين تُمثل مانويلا وزينب النوع الثاني (السرد والتخييل)، فلكي يجتنب المخلوفي سرد الوقائع التاريخية عن حياة ابن رشد، ولكي لا يُتهم بأنه مؤرخ لحياة ابن رشد  لا روائي، لجأ إلى " تطعيم " شخصية ابن رشد بشخصية مانويلا وزينب في المقطع السابق، وعليه فإن الملمح الذي يدل على حضور التهجين في المثالين السابقين، هو المزج بين ما هو تاريخي وما هو تخييلي سردي، فالتهجين ـ تبعا لهذا الطرح ـ يؤدي وظيفة معرفية تعليمية وإرشادية ووظيفة جمالية سردية؛ أي " وظيفة روائية ".

ـ المزج بين شخصيات تاريخية تنتمي إلى أزمنة مختلفة

لقد حضر هذا النوع من التهجين بشكل كبير في الرواية، حيث ربط المخلوفي بين شخصيات تختلف من حيث انتماءها التاريخي، فالمحدد الأساسي لهذا التهجين، هو الزمن، إذ كسَّر الروائي الفارق الزمني وجعل الشخصيات تدخل في حوارات وكأنها من زمن واحد، ومن الأمثلة التي تدل على هذا التهجين، ما نصه: " التفت نحوه، ففاض مخزون القلب، وساحت العين في دائرة من نور غمرت الكون ببحور أسرارها... أمعنت النظر، فارتد بصري من نوره الصاعق... ثم وصلتني يده النورانية فرتبت على كتفي ملت بكلي نحوها، وشدني حلو التجلي والرغبة في رؤيته... أنا محيي الدين بن عربي، أمرت أن أشخص لك وأعينك على تحمل بلواك، ولأريك بعضا من زمني... أمسكت بالنور لمست كفا، ورأيت وجها كأنبل وأطيب ما رأيت...، قلت مولاي وشيخي.. أنا في حلم؟ رد مبتسما: دنيا المصلحين والعارفين والمختلفين... "، من خلال هذا المقطع يتبين لنا وجود حوار ثنائي بين شخصيتين: شخصية الروائي، وشخصية محيي الدين بن عربي، فالأولى تنتمي إلى الزمن الحاضر، والثانية تنتمي إلى الزمن الماضي، ويتمثل التهجين في هذا المقطع في الحوار الذي أجراه الروائي مع ابن رشد الذي جعله يبدو معاصرا له، إذ يتحدث معه وكأنه موجود في عصره، فهذا المزج والجمع بين زمنين مختلفين من أهم سمات التهجين في النص الذي ذكرناه، بالإضافة إلى سمة أخرى تتجلى في تلك الحوارية التي خلقها الروائي بينه وبين محيي الدين بن عربي، وهي حوارية افتراضية، نظرا لبعد الزمان الذي كسره الروائي وابتكر حوارا افتراضيا بين زمنه، وبين زمن محيي الدين بن عربي، وهذه هي الخاصية التي تجعل الروايات البوليفونية الجديدة أكثر عمقا وأكثر حيوية من الروايات المونولوجية التي تلتزم برؤية أحادية وشخصيات وأزمنة واحدة.

ـ تهجين العوامل في رواية شعلة ابن رشد

لم يعد مفهوم الشخصية في النظريات المعاصرة يُقصد به تلك الشخصيات التقليدية التي يُعينها الروائي بأسماء ويُقيم بينها حوارات، بل " توسع " مفهوم الشخصية ليشمل الأفكار والقضايا والأشياء..، ونلمس هذا مع " كريماص " الذي ابتكر ما يُسمى بـ: "العوامل"، فكل ما يؤثر في أحداث الرواية يسمى عاملا، وعليه أصبح جوار الأفكار والرؤى وتداخل الأشياء يدخل ضمن الشخصيات في الروايات الجديدة التي تُعتبر رواية شعلة ابن رشد ضمنها، وبالعودة إلى تهجين الأفكار، فقد وظف المخلوفي هذا النوع من التهجين، حيث مزج أفكار تنتمي إلى أزمنة مختلفة وأقام بينها حوارات، ومن الأمثلة التي توضح هذا الأمر: قوله: " أنا هو أنت، وأنت أنا. ففصول القرون بيننا لا تثيرني كتلة زمنها ولا تحولاتها المذهلة فقط؛ بل ما يثيرني ويعنيني منها تلك الروح التي احتوتها وطبعتها وأنت تلك الروح كنت... لذا تراني أهفو لروحك، لزمنك الذي أراه أكثر انفتاحا وحيوية من زمني...، فالعودة إليك، أيها الحكيم مرة أخرى، هي عودة باحث حائر متلهف لتلك الشعلة من الفكر التي أضأت بأنوارها عصرك، قبل أن يُحاصرها الظلاميون والمستبدون، ويُرحلونها من المغرب والأندلس تجاه الغرب، ليتلقفها رجال فكر ودين فيقدحون زناد شعلتها لإنارة مدنهم الغارقة في ظلمات القرون الوسطى...، فعذرا أيها الحكيم إن قلت لك بأني آتيك من خارج التاريخ، لا من داخله...، لذا آمل أن تفتح لي عوالم فكرك وسيرتك وبوابات أسئلتك، فلعلني أقتبس من روح أنوارك لي ولقومي ما يُحفزهم على النهوض والتحول "، من خلال هذه الفقرة يتضح تداخل مجموعة من الأفكار التي تنتمي إلى أزمنة مختلفة، فما فعله الروائي أنه جعلها (الأفكار) تدخل في حوارات بينها، ففي البداية نجد فكر ابن رشد العقلاني والنوراني الذي يتميز بالانفتاح والحيوية والكونية أيضا، وبالمقابل نلاحظ أيضا فكر الظلاميون والمستبدون المحدود والعدواني في علاقته مع فكر ابن رشد، حيث كان هذا الفكر عائقا لابن رشد في سعيه إلى نشر عقلانيته، كما نجد أيضا فكر الغرب الانتهازي والمصلحي، لكونه أخذ أفكار ابن رشد وأنقذ بها شعوبه من ظلمات القرون الوسطى، وفي الأخير نجد فكر الأمة العربية المعاصر، وهو فكر سلبي منفعل، وما يدل على هذا عودة الروائي إلى زمن ابن رشد من أجل أن يقتبس فكره لكي يضيء بها الظلام الفكري الذي يُخيم على عصره، إن سمة التهجين هنا تتمثل في مزج هذه الأفكار في شكل حوار، حيث نلمس بوضوح " حوارية " الأفكار فيما بينها، ومن السمات الأخرى، الجمع بين زمنين مختلفين: الزمن الماضي ويمثله: (ابن رشد، والظلاميون، والغرب)، الزمن الحاضر: ويجسده: (الواقع المعاصر للأمة العربية)، فالأفكار هنا حضرت بوصفها شخصيات، وقد " عوَّضت الحضور الفعلي للشخصيات، وهي تقنية سردية لجأ إليها الروائي أحمد المخلوفي من أجل هدف أساسي يتمثل في العودة إلى فكر ابن رشد العقلاني باعتباره حلاّ من شأنه أن يُخرج الفكر العربي المعاصر من أزماته، ومن الأمثلة الأخرى التي توضح هذا النمط من التهجين الذي فيه مزج بين أفكار مختلفة تنتمي إلى أزمنة متباينة، قول الروائي: " أسكرتني كلماته وتوشياته... لكن انقباضا مفاجئا طوقني.. لاحظ الأمر فقال: إنك تعاني، فبح لي بما أثقل عليك.. قلت الإرهاب يضرب بلدي يا سيدي.. أي إرهاب تعني... إرهاب الداخل أم إرهاب الخارج؟ تملكني صمت، رحت أتحسس رأسي.. الإرهاب واحد سيدي.. إنه القتل المادي والمعنوي، وأعتقد أن غريزة التسلط أو الهيمنة لدى الإنسان، هي من يولد هذا الوحش الذي يسمى الإرهاب الداخلي أو الخارجي، أما إن شئت من المنظور الكلي الذي تعشقه قلت: إنه قد لا يخرج عن هذه مجتمعة أو مفترقة: إرهاب سياسي اقتصادي ديني فكري عَقدي لغوي طائفي عِرقي أو ثقافي..، اسمع يا صديقي أنا عشت في أتون هذا الوحش كما سميته... حاولت قدر المستطاع ترويضه بسلاحين كانا في متناول يدي: سلاح الفكر وعقلانيته، وسلاح الوحي المنزل بسماحته وفضائله... "، من السمات التي تبين التهجين في هذه الفقرة ربط المخلوفي فكرة الإرهاب بزمنيين مختلفين: زمن الحاضر وهو زمن تحدث الروائي مع ابن رشد عن ظاهرة الإرهاب، والزمن الماضي وهو زمن ابن رشد الذي كان فيه الإرهاب أيضا، فالإرهاب هنا فكرة أو قضية حلت محل الإرهابيين الذين يقومون بسلوكات عدوانية تجاه الآخرين (الأعداء)، وقد تولد عن هذه القضية أو الفكرة حوارا بين الروائي وابن رشد وهو حوار افتراضي، نظرا للفارق الزمني بينهما، إن التهجين هنا لا يتمثل في فكرة الإرهاب نفسها فهي فكرة واحدة، بل إن التهجين يتجلى في تقسيم هذه الفكرة إلى الزمن الماضي والزمن الحاضر والمزج بينهما في شكل حوار يتجسد في الروائي وابن رشد، فقد جعل المخلوفي قضية الإرهاب " حوارية "، والهدف الأساسي من هذا " السلوك السردي " هو الحد من ظاهرة الإرهاب التي تنتشر في المجتمعات العربية المعاصرة، وذلك باتخاذ ابن رشد أنموذجا لمواجهة الإرهاب بسلاحين اعتمد عليهما في ترويض هذه الظاهرة، وهما سلاح الفكر وعقلانيته، وسلاح الوحي المنزل بسماحته وفضائله، أي نشر التسامح بين الناس، فالمخلوفي يلجأ ـ دائما ـ في روايته إلى ابن رشد لكي يطرح أسئلة على واقعه المعاصر.

إن التهجين في رواية شعلة ابن لم يقتصر على الشخصيات بمعناها الكلاسيكي، بل تجاوزه إلى تهجين الأشياء والحيوانات...، أي تهجين العوامل بحسب نظرية العوامل عند "كريماص"، ومن الأمثلة التي توضح هذا النمط من التهجين في الرواية، ما نصه: " كنت فرحا وأنا أضع خطوي في أثر خطوك، قبل أن أفاجأ، وعلى حين غرة، بيد تمسح وبحقد غريب خطواتك التي هي دليلي، وكلما حاولت التقدم على هدى خطو بصيرتي. إلا وانتصبت أمامي وحوش ضارية تعوي  وراء حواجز مانعة "، إن المتأمل لهذا المقطع يلمس بوضوح توظيف الروائي للعوامل على أنها شخصيات، كما يلمس أيضا تداخل هذه العوامل، فقد استخدم الروائي (اليد والحقد والوحوش الضارية) باعتبارها شخصيات فاعلة في الأحداث، حيث قامت بدور النيابة، فاليد والحقد والوحوش الضارية يمكن أن نعتبرهم شخصيات معادية لسعي المخلوفي الوصول إلى مدينة ابن رشد، وعليه فإنها ـ بحسب تقسيمات كريماص ـ عوامل معاكسة، والتهجين في هذه الفقرة يتضح من خلال جمع الروائي بين اليد التي تعتبر من الأشياء، والحقد الذي هو إحساس مصدره القلب، والوحوش الضارية التي تنتمي إلى الحيوانات، فقد مزج المخلوفي هذه المكونات الثلاثة المختلفة وجعلها شخصيات موحدة، دورها الأساسي إعاقة سير الأحداث.

لقد حضر التهجين بشكل كبير في شخصيات رواية شعلة ابن رشد واختلفت أنواعه، لذلك كان من اللازم أن نختار الأنواع التي نراها مهمة وتمثل ظاهرة التهجين بشكل واضح.

خاتمة:

من خلال ما سبق يتبين لنا مدى أهمية مفهوم التهجين في نظرية الرواية، حيث يُسعف هذا المفهوم في استنطاق الروايات الجديدة والكشف عن حوارية مكوناتها، مثل: (الزمان، المكان، الرؤى السردية...)، هذا بالإضافة إلى أنه يتيح إمكانات تحليلية أخرى لنقاد الرواية تتجاوز التحليل النمطي السائد، مثل: (تحديد الشخصية المركزية، أو الزمن المهيمن، أو الرؤية السردية المُوظفة من قِبل الروائي...)، ففي الروايات البوليفونية لا يُسعفنا هذا النوع من التحليل؛ لأن طبيعة هذه الروايات تختلف، فلا يوجد شيء ثابت، بل إن أساس هذه الروايات هو التداخل والأسلبة والتهجين، وهذا ما نجده في رواية شعلة ابن رشد التي حللنا عنصرا من عناصرها، وهي الشخصيات، فوجدنا أنها (الشخصيات) لم تحضر بشكل تقليدي نمطي، بل إن المخلوفي تلاعب بالشخصيات، من خلال المزج بين شخصيات تاريخية وأخرى تخييلية، أو الجمع بين شخصيات تاريخية لكنها تنتمي إلى أزمنة مختلفة، كما لمِسنا ـ أيضا ـ اختلاف مفهوم الشخصية، إذ لم يعد مقتصرا على الشخصيات التقليدية، التي تحمل أسماء، وتقيم حوارا بينها، بل أصبح حوار الأفكار والرؤى، وحوار الأشياء فيما بينها يُعتبر شخصية أيضا، في إطار ما يُسمى بـ: " العوامل "، لذا يُمكن القول، إن رواية شعلة ابن رشد تُمثل ـ بامتياز ـ الروايات البوليفونية الجديدة.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

..........................

الهامش

1)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1987م، ص: 14

2)ـ ميخائيل باختين، الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة محمد البكري ويُمنى العيد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986م، ص: 155

3)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص: 35 

4)ـ نفسه، ص: 38

5)ـ نفسه، ص: 28

6)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1989م، ص: 85

7)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص: 39

8)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 86

9)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،  ص: 30

10)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 88

11)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،  ص: 38

12)ـ نفسه، ص: 38

13)ـ نفسه، ص: 38 ـ 39

14)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 85

15)ـ أحمد المخلوفي، شعلة ابن رشد، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2017م، ص: 55 ـ 54

16)ـ نفسه، ص: 65 ـ 66

17)ـ نفسه، ص: 114 ـ 113

18)ـ نفسه، ص: 4

19)ـ نفسه، ص: 40 ـ 39

20)ـ  نفسه، ص: 5

 

 

فالح الحجيةنقصد بالشعرالعربي الحديث كل شعر كتب في العصر الحديث. وصفة (الحداثة) يُقصد بها الإطار الزمني المتسم بمعالم الحياة الحد اثوية ومميزاتها عن الأزمنة السابقة التي قيل فيها هذا الشعر. ويتمثل بالوقت الحاضر بالحلقة ما قبل الاخيرة من السلسلة الزمنية التي قيل فيها هذا الشعر.

وقد اعتمد مؤرخو الأدب العربي على تصنيف الشعر العربي بحسب فترات زمنية متفاوتة تتسم بمواكبة العهود الزمنية السياسية للحكومات التالية المتاقبة كل بحسب عصره . وربما يصنف ايضا بحسب الأمصار التي قيل فيها هذا الشعر .

وقد اعتدنا ان نرى في الشعر الحديث تصنيفين اساسيين هما:

1- الشعر القديم: والمقصود به كل شعرعربي كتب قبل عصرالنهضة العربية الحديثة وربما قصد به بعضهم كل شعر كتب على نمط شعر قصيدة العمود القديمة والتي وجدت في الشعرالعربي منذ عصرالجاهلية وحتى هذا العصر المعاصر .وهذا اراه تجاوزا على كثير من الشعراء الذين لا يزالون يكتبون الشعرالتقليدي او الشعر العمودي وهو ما اسموه بالشعرالتقليدي او(التقييدي) عند البعض الاخر لانهم يعتبرونه مقيد بالوزن والقافية كما يسمى بالشعر العمودي نسبة إلى نوعية كتابة هذا الشعر باستخدام الشطر والعجز في التنظيم النمطي لكتابته .

2- الشعر الحر او (شعر التفعيلة) وهو ما استحدثه جماعة من شعراء الحداثة منهم بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة والبياتي وصلاح عبد الصبور وغيرهم كثير .

والشعر الحديث يقصد به كل شعر عربي كتب بعد النهضة العربية. وهو يختلف عن الشعر القديم في أساليبه وفي مضامينه، وفي بنيته الفنية، والموسيقية، وفي أغراضه وموضوعاته وفي كثير من أنواعه المستجدة والمستحدثة . ويشمل جميع قصائد الشعر والدواوين التي قيلت في العصر الحديث فهي شعر حديث بدءًا من أول قصيدة كُتِبَت قبيل الحملة الفرنسية على مصر بأقلام الشعراء الرواد الأوائل – وهم رواد النهضة العربية وعلى راسهم الشاعر محمود سامي البارودي وقبله ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم اليازجي القائل :

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ

               فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُـــــم

                   وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَــــــاتِ القَنَـا سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَــــــــذَا المَنَـامُ فَقَـدْ

               شَكَاكُمُ المَهْـــــــدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ

                 تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

وانتهاءً بآخر قصيدة كتبها او كتبها عربي وكتبت باللغة العربية في الوقت الحاضر -

راجع موسوعتي (شعراء العربية) المجلد الثامن باسم (شعراء النهضة العربية) .

ويمكنني ان اصنف الشعر العربي الحديث الى مجموعة من التصانيف كما موجودة في حالتها الحالية:

الشعر العمودي او التقليدي

الشعرالحر او شعر التفعيلة

وقصيدة النثر وهي اخر ما توصل اليه بعض الشعراء المعاصرين الذين يكتبون شعر النثر اوما تسمى القصيدة (قصيدة النثر) التي لا مثيل لها في العصورالعربية قبلها .

ولكن هذه التقاسيم او التصنيفات لا تعني شيئا بالنسبة للشعر وكينونته وقد اثارت نزاعات وتناقضات متبادلة بين الشعراء انفسهم وكذلك بين النقاد ومؤرخي الشعر العربي حول طبيعة الكتابة شكلا ومضمونا . لكن الأهم عندي من كل هذا و ذا ك هو ايجاد الخصائص الفنية والموضوعات المختلفة للنصوص الشعرية وابتكار الاصلح والاسمى .

ان كثيرا مما كتبه الشعراء في هذا العصر والذي قبله كان على غير منهاج الشعر التقليدي او الكلاسيكي واقصد به (الشعر الحر) او شعرالتفعيلة والذي ظهر في الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين، على يد الشعراء امين الريحاني وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب و نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وشعراء المهجروعدد من الشعراء العرب في عدد من بلدان قارتي أوروبا وامريكا التي قصدوها للاستقرار فيها، وخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ثم الولايات الأمريكية والبرازيل . وكان من أبرزهذه الاختلافات التي أثارها هذا الاتجاه هو ما اثاروه حول الأصالة والحداثة على مدى عقود عديدة .

فابتداءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الان يتجاذب الادباء و الشعراء والنقاد ومؤرخو الادب العربي الاتهامات حول الأصالة والحداثة ثم اضيفت تجاذبات أخرى بينهم حول التقليدية والحداثة والمعاصرة .

وفي رايي الخاص ان هذه الامور هي التي اعاقت الشعرالعربي من التطور والالتحاق بالشعرالعالمي وهذا ما تؤكده أرقام مبيعات كتب الشعر التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ضعف مستوى النتاج الشعري لدى كثير من الشعراء وتكاثر أدعياء الشعر وظهورأعداد كبيرة من الكتب والدواوين المطبوعة ذات قيمة فنية هابطة محسوبة على الشعر بانواعه وخاصة الشعرالمنثور وهي لا تعني منه شيئا .

وحالة اخرى ارى انها اضعفت نتاج الشعر العربي هو التقدم العلمي وانصراف الناشئة والطلبة وخريجي المعاهد العلمية والجامعات إلى متابعة العلوم الحديثة والبحث في ظل الحركة الاقتصادية الهامة واتجاههم الى سوق العمل طلبا للمعاش والكسب المادي وبما يحقق لهم مستوى معاشي افضل فأدى هذا الى بعض جمود او ركود او انكسار في أفق الشعر العربي ، وإلى إضعاف تأثير التجارب القليلة الجيدة التي لا يمكن إنكار ظهورها في حركة الشعر والثقافة العربية ككل .

اما مراحل تطور الشعر العربي هو أنّ الشعر القديم يختلفُ في بعض جوانبه عن الشعر الحديث او المعاصر في الوقت الحاضر، وأهمّ ما يميّز الشعر القديم او الشعر العمودي حِرص الشاعر على النظم على الوزن والقافية ونظم البيت متكونا من الصدر والعَجز، وكان قديما كل شعر لا يتم نظمه على الوزن والقافية لا يعتبرُ شِعراً بل يعتبرونه نثرا أو فصاحة فِي العصر الحديث . ومحبوا الشعر الجديد يؤشرون على الشعر القديم ويأخذون عليه انهم يعتبرونه رافدا من روافد الامتاعِ والمؤانسة والنفعِ الحسي ينقل مشاعر الشاعر واحاسيسه ويعتبرُ مصدرَ طرب لدى البعض او الغنائية ويدعو إلى التحلّي بالأخلاقِ الكريمة والفضائل القيمة والنفورِ منَ الصفات السيئة غير الحميدة وربما كان تعبيرا عن الذات الثائرة لدى الشاعر العربي في ظل حركات التحرر الوطني يقول الشاعر :

أَخِي ، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى

                    فَحَقَّ الجهــــاد ، وَحَقَّ الفِـدَا

أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَـــــــــ

                ـــــــةَ مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّــؤْدَدَا ؟

وَلَيْسُوا بِغَيْرِ صَلِيلِ السُّيُـوفِ

                  يُجِيبُونَ صَوْتَاً لَنَا أَوْ صَدَى

فَجَرِّدْ حُسَامَكَ مِنْ غِمْــدِهِ

                فليس لَـهُ، بَعْدُ ، أَنْ يُغْمَـدَا

أَخِي، أَيُّهَـــا العَرَبِيُّ الأَبِيُّ  أَرَى

                 اليَوْمَ مَوْعِدَنَا لاَ الغَـــــــدَا

أَخِي، أَقْبَلَ الشَّرْقُ فِي أُمَّــةٍ

               تَرُدُّ الضَّلالَ وَتُحْيِي الهُـدَى

طَلَعْنَا عَلَيْهِمْ طُلُوعَ المَنُــونِ

          فَطَارُوا هَبَاءً ، وَصَارُوا سُدَى

أَخِي، ظَمِئَتْ لِلْقِتَالِ السُّيُوفُ

            فَأَوْرِدْ شَبَاهَا الدَّمَ المُصْعَـدَا

أَخِي، إِنْ جَرَى فِي ثَرَاهَا دَمِي

          وأَطبَقتُ فوق حَصَاها اليَدَا

ونادى الحِمام وجُنَّ الحُسام

           وَشَبَّ الضَّرَامُ بِهَا مُوقــدَا

فَفَتِّشْ عَلَى مُهْجَـــةٍ حُرَّةٍ أ

         أبت أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهَــــــا العِــدَا

وَخُذْ رَايَةَ الحَقِّ مِنْ قَبْضَــةٍ

         جَلاَهَا الوَغَى ، وَنَمَاهَا النَّدَى

وَقَبِّلْ شَهِيدَاً عَلَى أَرْضِهَــا  د

         دعا بِاسْــــمِهَا اللهَ وَاسْتَشْهَـدَا

ان ظهور الشعرالحر على ايدي رواده الذين يعتبرون مِن أهمّ شعراءِ الحداثة لأنّهُم جمعوا بينَ الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة والحداثة وربما المعاصرة ايضا . ووجد النقاد الذين وضعَوا أساسيّات لشعر التفعلية  و شعر قصيدة النثر التي ظهرت حديثا .

راجع كتابي(دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر) طبع عمان- الاردن عام \2017

وهذا الأمر قَد غير مسار بعض قصائد الشعر العربي من القافية والوزن إلى شعر جديد اطلق عليه (الشعرالحر) او(التفعيلة) او الى شعر النثر المعاصر فأوجد ت انواعا جديدة من الشعر وهذه مقاطع من قصيدة للشاعر صلاح عبد الصبور يقول :

حدثتموني عن سنابك مجنحه

تفتق الشرار في أهلـّة المآذن

عن عصبة من السيوف لا تفـل

قد أُغمدت في الصخر لاتـُسل

إلا إذا قرأتم دونها أسماءكم

ياعصبة الأماجد

الأشاوس

الأحامد

الأحاسن

وقلتم:

يا أيها المُغني غننا

مُسـَمل العينين في حضرتنا

لحناً يثير زهونا

ويذكر انتصارنا

(إذا تحين ساعة موعودة

نغيم في أشراطها

لم تنخلع عن غيمها إلا لنا

الساعة التي تصير فيها خَوذةَ الشيطان

كأسا لخمر سيد الفرسان .

وقد تغيّرَ الشعر العربي عمّا كانَ سابقاً ليصبحَ في بعض مساراته عبارة عن شعر (حر) او قصيدة (نثر) تتجسّد كلماتهُ باستخدامِ مفرداتٍ وكلماتٍ لها مَعنى ومغزى مختلف ، وهذا النوع منَ الشعر قد إنتشر انتشارا واسعاً وسريعا في هذا الوقت المعاصر خاصة في ظل التقنيات الجديدة من وسائل الاعلام الكثيرة والنشر الاكتروني الرخيص مثل الصحف والمجلات الالكترونية والتلفزة والانترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبك) وما اليها . وفتح الباب على مصراعيها ليكتب من اراد الكتابة شعرا لمن هب ودب فيصف نفسه شاعرا لانه نضد كلمات بعضها تحت بعض فيظنه شعرا . الا ان هؤلاء لا يخفون عن الادباء من الشعراء والنقاد (حماة العربية) لذا يبقى ناكصا مايكتبونه وسيندثر ما كتبوه او ما يقولونه بمرور الزمن فالبقاء للاصلح والافضل وهذه سنة الحياة بمرور الزمن وحداثته .

احدى (الشاعرات) تقول :

زغردي يا ملائكة الرحمة لشروق اليوم

زفتها للجنة مع صباح جديد للسياج

وللملائكه هي طلبت الشهادة ونالتها

هي ناجة ربها للشهادة وناشدتكم

أكمال الطريق طريق الشهادة

والعمل الخيري

خنساواتك فلسطين كثروا

هم فخر العرب

هم حصاد الشهادة وصبر السنين

لن أسال عن منظمات حقوق لأن العدو...

لا يعرف الحقوق والمنظمات متواطأه

جبناء حقيرون يدوسون الملاك

لن أسأل ماذا فعلت بل كثيرا عملت

انقذت أرواح وداوت جرحى

لذالك خافها الجبان وقتلها دون رحمة

بدم بارد تقتل الملائكه وحمام السلام

صبرا أمهات الحمام صبرا غزه

النصر قادم مع شعب عشق الشهادة

عشق القدس وترابك ورواه بدمه المسكي

رحمتك ربي بغزه وأهلها

ونصرا مبينا من عندك

.

اهذا هو الشعر بمقاساته الجديدة ..؟؟

والعجيب ان قنوات التواصل الاجتماعي (الفيسبك) مليئ بهذه النماذج من هذاالنوع الذي يسمونه الشعرالمنثور .

فالشاعر العربي ابن وقته يترجم ما يعتمل في نفسه ومجتمعه وما يكتنفه من احداث رضي ام لم يرض - فلا يوجد شاعر عربي حديث الا وكتب عن قضية فلسطين - مثلا- وعليه فالشعر العربي الحديث يمثل نفسية الشاعرالعربي في نظرته للوطن العربي الحديثة والواقع العربي المعاش منذ زمن النهضة العربية وحتى وقتنا الحاضر . ونستشف مما جاء رغم ضحالته وبعده عن كينونة الشعر ان القضية الاولى في الوطن العربي هي قضية فلسطين والنضال المستمر في سبيل التحرير والعودة مما يؤدي الاستشهاد والفداء للارض العربية اينما كانت .

نعم فقد انبعثت روح النهضة العربية في كل مفاصل الحياة بعد سبات دام قرونا - منذ النصف الاول من القرن التاسع عشراو قبيله بقليل – أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت جذوته وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء من تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول (ا لتتار) بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او بعده بقليل او العقود الاولى من القرن العشرين .

فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية تفرض هيمنتها على البلاد العربية في نهايات ايام حكمها للاقطار العربية - بعد ان كانت تمثل دولة الاسلام في حينها- بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – (لا فرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي استعمره ومحاولة جعله تحت سيطرته مدة اطول)- مم ادى الى تـأخر البلاد العربية في مختلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتّبع الاتراك سياسة التتريك في البلاد العربية ومحاولة القضاء على لغتهم الام – اللغة العربية - وهي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على لغة دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في بلادها التي تحت سيطرت الاتراك وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث من الفقر والجهل والمرض .

وقد ادى ذلك الى هجرة جماعات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك او من سايرهم من الحكام العرب الذين يحكمون بلادهم للاجنبي وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في امريكا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات رائدة في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وابناء المعلوف وغيرهم كثير . يقول جبران في احدى مقالاته :

(أنا متطرف حتى الجنون ، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة ، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف ، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم ، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة.)

بينما يقول ايليا ابو ماضي :

ليت الذي خلق العيون السودا

خلق القلوب الخافقات حديدا

لولا نواعسها ولولا سحرها

ما ودّ مالكٌ قلبه لو صيدا

عَوذْ فؤادك من نبال لحاظها

أو متْ كما شاء الغرام شهيدا

إن أنت أبصرت الجمال ولم تهم

كنت امرءاً خشن الطباع ، بليدا

وإذا طلبت مع الصّبابة لذةً

فلقد طلبت الضّائع الموجودا

يا ويح قلبي إنّه في جانبي

وأظنّه نائي المــــــــزار بعيدا

مستوفزٌ شوقاً إلى أحبابه

المرء يكره أن يعيش وحيدا

ونلاحظ الفرق الكبير بين هذه المقاطع الشعرية

و في الشرق العربي فقد بد أ نسغ الحياة يسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا او فرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع لما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار التركي او الاستعمار الغربي والثورة على العادات والنظم البالية التي وصلها الشعب العربي والمتهرئة التي البسها الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغرب عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد - ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع وعملها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية لفحول شعراء العربية وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزو نابليون واستعمار فرنسا لمصر.

يقول الشاعر ابوشادي :

طرفتْ، فلما اغرورقتْ عيني     وصَحَتْ صحوتُ للوعةالبيْنِ

خمسٌ من السنوات قد ذهبتْ       بـأعـزِّ مـا سميتُه «وطني»

مـا زالـتِ «الأفراحُ» تنهبهُ        وهْي «المآتمُ» في رؤى الفَطِن

«أفـراحُ» ساداتٍ له نُجُبٍ         مـن كـل صُـعلوك ومُمتنِّ

طـالـتْ أياديهم، وإذ لمسوا        أعلى الذُّرا سقطوا عن القُنَن

يـا ليتهم سقطوا وما تركوا        زُمَـراً  تُـتـابـعهم بلا أَيْن

تـركوا الوصوليّين، صاعِدُهُمْ    صِـنْـوٌ لهابطهم، أخو ضَغَن

وكـأنَّـهـم  أكـوازُ ساقيةٍ           دوَّارةٍ بـالـشـرّ  لـلفَطِن

لا شـيءَ يشغلهم ويسعدهم      إلا الأذى فـي الـسرِّ والعلن

ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة - مطبوع بطابع الفردية تقليديا . وعناية الشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحوله الى صناعة شعرية بحتة تكثر فيها الصور التقليدية الماخوذة من قبلهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة او طمسها و ظهور بعض من كتب الشعر بالعامية او المحلية وخاصة في اواخر دول التتابع او الفترة المظلمة بحيث ادى الى ركود الشعر وضياع التنسيق والفوقية والبلاغة والاساليب الشعرية التي كان الشعرالعربي عليها ايام زهو الخلافة العربية وازدهار لغة الضاد .

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الكيلاني

............................

راجع كتابي: موسوعة شعراء العر بية المجلد الثامن (شعراء النهضة العربية.

 

 

عدنان حسين احمدأحرز القاص مشتاق عبدالهادي قصب السبق حين أنجز روايته القصيرة الأولى التي تنضوي تحت عنوان "الهبوط من المطعم التركي" الصادرة عن دار "الورشة الثقافية" في بغداد فهي أول "نوفيلا" تستوحي ثيمتها، وشخصياتها، وفضائها السردي من انتفاضة الأول من أكتوبر / تشرين الأول 2019، وقد استغرقته كتابة هذه الرواية القصيرة 41 يومًا لا غير! سبق لمشتاق أن أصدر ثلاث مجموعات قصصية وهي "ولادات" و "حربيات" و "سيرة الـ . . .هذا" وهو معروف بجُملته القصصية المشذّبة والمكتنزة التي تنطوي على قدْرٍ كبير من القوة والإيحاء، وقد فاجأنا في هذا النص بجُملته الروائية الليّنة التي غادرت الثيمة الضيّقة، والفضاء القصصي المحدود لينتقل بنا إلى أمكنة متعددة تبدأ من "المطعم التركي"، وساحة التحرير، وجسور بغداد، ومقبرة "سيد مبارك" في ناحية المنصورية، ثم يصحبنا إلى رابية على الحدود، وثمة نهر يصطاد فيه الراوي الأسماك، ثم يأخذنا في خاتمة المطاف إلى السماء التي تحتضن أرواح الشهداء وهم يتواصلون مع الثائرين في ساحة التحرير، ويُرقبون من طبقات المطعم التركي ما يحدث في "المنطقة الخضراء" التي أصبحت رمزًا للفساد، وبؤرة للشحن الطائفي المقيت.

لم يلجأ مشتاق إلى الحبكة التقليدية، فثمة أحداث تقع في المنطقة الرمادية التي لا يستطيع فيها القارئ أن يميّز بين الواقع والخيال، والحقيقة والحُلُم، فحتى السارد الذي يروي بضمير المتكلم لا يعرف إن كان هو قد قُتل أم لا؟ يزوّدنا المقطع الأول من الرواية بمعلومات كثيرة عن المطعم التركي الذي قصفته قوات التحالف عام 2003 واعتصم فيه شباب ثورة أكتوبر عام 2019 بعد أن أعادوا تأهيله بمدة قياسية لكن قوات مكافحة الشغب هاجمت المعتصمين وأشاعت بينهم الرعب والهلع فانسحب الراوي، وقادتهُ خطواته إلى مقبرة "سيد مبارك" الأمر الذي يوحي لنا بأنه قد استشهد ولكنه ظل حيًا بشكل من الأشكال إذا ما أعتبرنا أن روح الشهيد لا تموت. لقد تخلى مشتاق عن البنية الواقعية وزجّ القارئ في البنية الفانتازية التي تتيح إلى حدٍ ما أن يصبح اللامعقول معقولاً أو قابلاً للتصديق على نحو مجازي. يلج الراوي إلى العالَم الآخر ويقابل والدته المتوفاة لكنها لا تُجيب على أسئلته المؤرقة فهو يريد أن يعرف إن كانت هي في الجنة أم في النار؟ ولماذا ينهرهُ الرجل الغاضب كلّما أراد الاقتراب منها أو الحديث معها؟ ثم يدخل في لجة الأسئلة التي أعيّت كبار المفكرين من قبيل ماهية الروح؟ وأين تستقر بعد موت الجسد؟ وهل تلتقي روح الضحية بروح الجلاد؟

الشخصيات في هذه الرواية هم أحياء وأموات في الوقت ذاته فقد كان الراوي متظاهرًا وحبيبته أحلام مُسعفة وقد التقيا أكثر من مرة في المطعم التركي قبل أن يضطّرا للهبوط في جوٍ مشحون بالخوف والقلق الأمر الذي يبرّر ضبابية هذا التداخل الغامض بين الموت والحياة.

تفقد الكثير من الأحداث العامة بريقها إذا ما استهلكتها الوسائل الإعلامية المعروفة، ويصعب تحويلها إلى مادة إبداعية لأنها تفتقر إلى المفاجأة وعنصر الإدهاش ومع ذلك فإن الكاتب المحترف يستطيع أن يؤثث الفضاء السردي بالقصص والحكايات المتداولة، تمامًا كما فعل مشتاق عبدالهادي حينما ضمّن روايته ظواهر وحوادث معروفة مثل التواصل الاجتماعي، واللجان التنسيقية، والمندسّين، والقناصين، والقنابل المسيّلة للدموع، واختطاف الناشطين والمُسعفين، والدعم اللوجستي للتُجار، وسائقي التُكتك ودورهم البطولي في هذا الحراك الجماهيري الواسع لكنه شيّد بنيته الرئيسة على قصة الحُب التي تنمو بين الراوي وصديقته أحلام في العالَم الآخر، وخلق أكثر من انعطافة خلال معضلة الاتصال بين الأموات والأحياء، واختراق أحلام الآخرين، وسبر أفكارهم، ومعرفة القرارات الفردية التي يفكر بها بعض القيادات الفاسدة. وقد ساهمت هذه البنية الفانتازية ذات النَفَس العجائبي بنقل الرواية إلى نص مركّب يبحث في قضايا الروح، ويتعمّق بأسئلة الوجود البشري، ويقدّم نبوءته باقتحام المنطقة الخضراء من قِبل الثوار الذين تمركزوا في ساحة التحرير والجسور المحاذية لها.

يرسم مشتاق عبدالهادي نهاية روايته بحذقٍ كبير حينما يسحب المتلقي إلى المنطقة الرمادية التي تترجّح بين الغموض ونقيضه ويأخذ البطلين إلى غرفة تحضير الأرواح بعد أن طلبا الظهور الإعلامي واشترطا أن تُبثّ الجلسة مباشرة على الفضائيات كلها ليُعلنا أن الحالة الغريبة والغامضة هي التي ساعدت في إنجاح الثورة. وبعد أن يتأكدا من وجودهما على الهواء مباشرة أمسك الراوي بيد أحلام وأعلن صرخته المدوّية للجميع:"نحن معكم . . . إنها ثورة السماء والأرض." هذه الجُملة الختامية المدروسة تؤكد الشرعيتين الأرضية والسماوية لهذه الثورة التي تتآزر فيها أرواح الشهداء مع المنتفضين أو المحتجين أو المتظاهرين مهما اختلفت تسمياتهم وصفاتهم لتؤكد شيئًا واحدًا لا غير يعزّز نبوءة الروائي أن الهبوط المجازي من المطعم التركي سيكون في خاتمة المطاف اندفاعًا باتجاه المنطقة الخضراء التي ستشهد قصاص الخونة، والمأجورين، وسرّاق المال العام.

لا يمكن قراءة هذه الرواية قراءة واقعية فقط لأنها تتعدى الجانب الواقعي وتتألق في الجانب الفنتازي أو العجائبي، إن شئتم، على الرغم من الفوارق المعروفة بين الاثنين. كما أن النص الروائي يحتفي بدلالاته الرمزية التي تعمّق الأفكار والشطحات والمضامين الثانوية التي تؤازر الثيمة الرئيسة وتغذّيها وهي "ثورة السماء والأرض ". ولنأخذ "اصطياد الأسماك"،على سبيل المثال لا الحصر، كثيمة فرعية حينما يخاطب الراوي حبيبته قائلاً:"صيد الأسماك، يا أحلام، انتظار وصبر ودراسة للآخر الذي لا تراه ويبعد عنك أمتارًا في عمق المياه" ثم يمضي في حديثه عن نشوة الفوز بعد التعب والقنوط والانتظار الطويل لينتهي إلى القول بأنّ صيد الأسماك هو ثورة أكتوبر ذاتها التي ولدت من رحم الفوضى واليأس واستهتار الفاسدين الذين لم يُدركوا طوال ستة عشر عامًا أنّ العراقيين يحتقرون ذيول الأجنبي وبراثنه القذرة التي تنهش في أجساد المنتفضين الذين ثاروا لاستعادة كرامتهم وهيبتهم المفقودة.

لو تأملنا حديث الراوي وإشاراته لوجدناه قد فقد أمه قبل ثلاث سنوات تقريبًا، أما حبيبته أحلام، فهي الأخرى قد فقدت أبويها منذ الطفولة وكأنّ مشتاق عبدالهادي يريد أن يوحي لنا بأنّ هذه الثورة لا أبَ لها لأنها تقترن بالشباب فقط، هذا الجيل الجسور الذي أزاح الجيل السابق وأحرجه وجعله يشعر بالخجل لأنه لم ينتفض أو يحرّك ساكنًا في أقل تقدير.

ثمة مقاربة بين "المطعم التركي" وجبل أُحد أفضت إلى معنىً رمزي عميق لهذه البناية الشاهقة وأنّ الثوار الذين تزاحموا في طوابقها الستة عشر لا يختلفون كثيرًا عن الرماة الذين كانوا يرابطون على الجبل وينبغي عليهم ألاّ يتخلوا عن مواضعهم إلاّ بعد أن تضع الحرب أوزارها كي لا نقترف الخطأ نفسه الذي اقترفه الرُماة الذين سال لُعابهم على الغنائم فخسروا المعركة وتبددت منهم نشوة النصر.

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ رواية "الهبوط من المطعم التركي" هي نص سردي يتوفر على اشتراطاته الفنية، وقد حاول الروائي أن يستثمر أكبر عدد ممكن من المواقف والأحداث ويوظّفها في النسق السردي لهذه الرواية التي ستكون فاتحة عهد جديد للأدب العراقي الذي لا يخشى من الطغاة المارقين.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

احمد صابر للحرب والأمل في غد مشرق

عذوبة الحكي: وأنت تقرأ رواية "تل الورد" للروائية السورية أسماء معيكل الصادرة سنة 2019 م يتسرب  إلى نفسك نوع من الإحساس الذي يحسه كل شخص من أشخاص الرواية، وكأنك ذبت في مشاعر أبطالها.. في الحقيقة امتلكني نص الرواية في الوقت الذي كنت أمتلكه قبل بداية القراءة أو في الصفحات الأولى.. مما مكنه أن يفرض علي نفسه كنص للقراءة دون غيره؛ فكلما بادرت بعمل ما.. إلا وهاجمني نص رواية " تل الورد" ووقف أمامي كصور يحيل بيني وبين أي شيء آخر.. حينها أستسلم للقراءة.. والذي يقوي الارتباط بقراءة رواية " تل الورد" حتى آخرها؛ هو ذلك الفضول الذي يمتلكك لمعرفة تطورات الأحداث والوقائع وانعكاسها على الأشخاص.. وبأنك تبقى عاجزا على أن تتنبأ من تلقاء نفسك؛ ما ستكون عليه الوقائع والأحداث ومصير الأشخاص في الصفحات القادمة.. فبعض النصوص تكون لنا القدرة لنتنبأ ما ستؤول إليه بعد قراءة بعض منها، لنضعها جانبا.. وهو الأمر الذي لم يصدق معي على رواية "تل الورد" 

وأنت تقرأ رواية " تل الورد" صفحة بعد صفحة وواقعة بعد أخرى وحدثا بعد حدث وشخصية بعد أختها.. تمعن النظر في ماهية الأسباب والدواعي الثقافية والاجتماعية والسياسية.. التي كانت من وراء احتراق الأرض والإنسان والشجر وحتى الحجر.. وكيف تحول فصل الربيع إلى زمهرير من النار.. حينها تدرك يقينا أن الحرب لا ينتصر فيها أحد؛ فهي تعني الهزيمة والخراب للجميع..

وقد يمتلكك شعور من الحزن والأسف، وأنت تقترب من الصفحات الأخيرة في الرواية؛ فيا ترى هل هذه هي نهاية النهايات وكما يقال الأعمال بخواتمها.. حينها توقظ فيك رواية "تل الورد" الأمل والطموح وتمنيك بغد أفضل، وهي تحررك مما علق بذهنك طول صفحاتها من مشاعر الحزن والأسى..  فآخر كلمة تودعك بها الرواية هي: "طفل وطفلة دلوعة يسقوا الأزهار" فهذه  الجملة لوحدها تعادل كل ما كتب في الرواية.. تطرح الرواية جانبا وأنت تتخيل الأزهار والمطر والأطفال من أبنائك أو غيرهم يلعبون ويمرحون ذلك هو الغد المشرق..

فرواية " تل الورد" عمل رائع يستحق أكثر من تقدير وأكثر من جائزة، لأنه من الأعمال التي تدفعنا لنأخذ العبرة من مجريات الواقع.. فهي تحيي فينا طعم الحياة والمحبة والسلام.. وترفع بدواخلنا صوت العقل والعقلانية.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف تمكنت مؤلفة الرواية أسماء معيكل أن تبلغ هذا الهدف؟

غائية الكتابة والإبداع

فالجواب يعود إلى أن الروائية أسماء معيكل لم تجعل من رواية " تل الورد" رواية من أجل الرواية نفسها؛ أي رواية بدون هدف ولا غاية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى الكثير من المؤلفات الأدبية؛ بل ربطتها بهدف نبيل يتجسد في العمل على كشف وجه الحرب وتعريتها وإزالة اللثام عن وجهها القبيح؛ فليس في الوجود بأكمله شيء أقبح من الحرب وتبعاتها؛ وبالأخص عندما تكون نارها مشتعلة بين أهل الوطن الواحد والبلد الواحد والشعب الواحد؛ فالجديد الذي جاءت به رواية " تل الورد" في هذا الجانب هو أن وجه القبح في الحرب ليس واحدا، بل هو وجه متعدد؛ فكلما أزلت اللثام عن وجه، إلا ووقفت عن وجه أسوأ من سابقه.. وهو الأمر الذي لا يتنبه إليه الكثير.

 لم تتوقف رواية" تل الورد" عند الصورة النمطية التي يعرفها الجميع عن الحرب؛ وهي تلك الصورة التي تقفز إلى أذهانا ونحن نتخيل جبهتين من العساكر يدمر بعضها بعضا؛ كما أنها لم تتوقف عند الصورة التي خلقتها وسائل الإعلام عن الحرب والمصحوبة في كثير من الأحيان بطعم التشويق ونوع من التسلية والفرجة وتحليلات المنجمين والمحللين، والذين يرقصون على جراح الموتى وكلامهم عمن سيتمكن من حسم المعركة لصالحه؛ فصورة الحرب من خلال ثنايا وطيات رواية" تل الورد"  لا هي تلك الصورة النمطية المعروفة عند الجميع، ولاهي تلك الصورة التي رسختها كل الفضائيات والقنوات الإعلامية التي خلقت تطبيعا نفسيا بين المشاهد ومشهد الموت والدم والأشلاء.. صورة الحرب في تل الورد ليست صورة برانية وسطحية  كما هي في الإعلام؛ بل هي قراءة وتحليل يسعى جاهدا ليقف عند الحالة النفسية الداخلية التي يكون عليها الفرد والمجتمع لحظة الحرب وبعدها؛ سواء تعلق الأمر بفرد ما أو جماعة من الفصائل المتناحرة، أو تعلق الأمر بالنسبة إلى مختلف المدنيين كبارا وصغارا رجالا ونساء؛ هذا فضلا عن أن الرواية تصف عن قرب الطبيعة والكيفية التي تتشكل من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية والأسرية من جديد زمن الحرب؛ إلى درجة يمكن القول معها أن مساحة الحكي والسرد على طول صفحات الرواية فيها تشخيص سيكولوجي وسوسيولوجي للحرب ووقودها؛ من كل مكونات المجتمع.

الرواية، وهي تشخص الحالة النفسية والاجتماعية للحرب؛ فهي تربط ذلك بالسياق الفكري والثقافي والسياسي والحالة الذهنية التي عليها العالم العربي؛ وبالأخص جمهور الشباب المتعطش للحرية والكرامة.. (ما اصطلح عليه بالربيع العربي) إذ من الغرابة ومن العبث أن تقطف الأصولية الدينية من داعش وغيرها زهرة الربيع العربي، ويتحول الكثير من الشباب إلى صفوفها ليشهدوا  بأنفسهم على اغتيال الحرية والكرامة التي خرجوا من أجلها؛ بمعنى أن تصورات الكثير من الشباب لموضوع الحرية والكرامة مستمدة من الماضي،  وتستعدي الحاضر والمستقبل. وهذه معضلة فكرية ومعرفية في نظرة الإنسان المسلم لذاته وللآخر وللماضي وللحاضر. 

التشخيص لا يشتغل على جميع العينات كلها؛ فهو يعتني بدراسة عينة واحدة من بين العينات المتشابهة الكثيرة جدا؛ ولهذا من البديهي أن تتكون أهم شخصيات رواية "تل الورد" من أسرة واحدة، باعتبار أن الأسرة هي أصغر عينة في المجتمع؛ وهي أسرة تتكون من الأب" معراوي"  والأم "حسيبة" وثلاثة أبناء  منهم عمران وربيع وأختهم باهرة وزوجة عمران "كافي"  وابن عمران "حيان". فمن الملاحظ أن هذه الأسرة  تشمل ثلاثة أجيال؛ الجيل الأول يمثله الأب والأم، والجيل الثاني يمثله الأولاد، والجيل الثالث يمثله حيان؛ فقد عصفت الحرب بكل هذه الأجيال من الأسرة الواحدة، وفككت العلاقة الاجتماعية والنفسية ما بين كل أفرادها وبين كل أفراد المجتمع.

قبل الحرب

كانت أسرة المعراوي تقطن في قرية اسمها "تل الورد" بالقرب من حلب؛ وكانت تعرف نوعا من الاستقرار والعيش الرغيد إلى جانب كل أهالي القرية؛ بالرغم من أن النظام العسكري الحاكم كان مهيمنا على كل جوانب الحياة في المجتمع؛ وكان يشد الخناق عن الحريات وبالأخص السياسية منها؛ الأسرة كانت في منتهى السعادة، وتتمنى لحفيدها حيان الذي التحق بالمدرسة أن يكبر ويصبح دكتورا؛ أبوه "عمران" قضى واجب الخدمة العسكرية، وعاد يساعد أباه "المعراوي" في فلاحة الأرض، ويشتغل في الوقت ذاته في حلب في أحد المصانع؛  وأخوه "ربيع" كان سعيدا بأسرته، وإذا بأحد ما يقنعه ليلتحق بالشرطة؛ وسار شرطيا بمكتب الشرطة بقرية تل الورد. أما أخته "باهرة"، والتي لها الفضل في مساعدة والديها في تربية إخوتها لكونها أكبرهم سنا؛ فكانت اسما على مسمى، إذ بهرت كل شباب القرية بجمالها؛ وكثير من تمنى طلب يدها وهي ترفض؛ أما "كافي" زوجة عمران، فهي تنتمي إلى سرة من نفس القرية؛ وقد أعجب بها  عمران، وهو يتجول في أحد الحقول في موسم جني الزيتون، وأعجبت به فتزوجها بعد عودته من واجب الخدمة العسكرية؛ وكان مسكنهم بالقرب من مسكن والأب" معراوي" والأم "حسيبة". اتصفت كافي بالحيوية والنشاط والعناية بابنها حيان وزوجها عمران، والاهتمام بشؤون البيت الذي أشرفت بنفسها على تصميمه وتجميله وإخراجه في أجمل حلة.

هذا الوضع الذي عليه الأسرة قبل الحرب، يعكس بشكل عام الوضع الذي عليه المجتمع؛ بل هو نفس الوضع الذي عليه الكثير من الأقطار العربية؛ قبل موجة الربيع العربي الذي تباينت نتائجه والتحولات والمسارات التي أخذها من بلد إلى آخر؛ نتيجة اختلاف المقدمات وتباينها من منطقة إلى أخرى؛ ففي الوقت الذي  خرجت تونس البلد الذي اشتعلت فيه شرارة الربيع العربي بأقل الخسائر؛  وذلك بالعودة إلى العقل وإلى الاحتكام إلى آليات الاقتراع الديمقراطي بين كل الفرقاء.. دخلت فيه ليبيا في حرب شبيهة بحرب أهلية.. وعرفت مصر انتخابات رئاسية.. أما سوريا، فقد  دخلت هي كذلك في حرب شبيهة بحرب أهلية غدتها الحسابات والمصالح الدولية من الشرق والغرب راح ضحيتها الأهالي السورية.

زمن الحرب

- "ربيع"

ربيع شخصية ترمز إلى الربيع العربي، وهو شخص لطيف ذو ثقافة سطحية بسيطة لا تؤهله لمعرفة وتحليل مقومات وأسس الثقافة الإسلامية التي ينتمي إليها؛ سواء في حاضرها أو ماضيها؛ فضلا عن أنه لا يملك خبرة سياسية وتجارب كثيرة في الحياة، تجعل منه شخصا يغلب الحكمة والعقل في فهم مجريات الواقع؛ والأكثر من كل هذا أنه شخص لا يملك معرفة علمية تتعلق بشؤون الدين وأصوله التي تحث على الوسطية والاعتدال.. وبأن روح الدين تتجسد في الحفاظ على حرية الإنسان وبأن الدين أينما دار لا يتعارض مع روح العلم ومبادئ العقل والنظر والسؤال المفتوح.. فربيع لا يملك شيئا إلا عاطفته الجياشة واندفاعه.. وقد استغلّه مكتب الشرطة في تزويده بمعلومات شخصية عن الكثير من أهالي قرية بل الورد.. عاطفته الجياشة منعته بأن يطلق النار على المتظاهرين من أصدقائه وأهله؛ عندما أمرهم الرئيس الجديد لمكتب الشرطة.. وهي العاطفة نفسها التي جعلته يطلق النار على الأهالي، ويجتز رؤوسهم إلى درجة أنه سار يلقب بالبتار؛ بين صفوف المتطرفين الذين التحق بهم لقتال النظام الحاكم، ومن يواليه أو شك في موالاته من أهالي تل الورد؛ وقد تدرج حتى وصل إلى جانب أمير المقاتلين.. وقد استغلته مرة أخرى الجماعة المتطرفة بأن يبتز أسرته على أن تدعم المتطرفين الذين ساروا يحكمون تل الورد.. أجبر أخته باهرة وأمه بأن يرتدوا ما يسميه باللباس الشرعي.. وأجبر أمه "جسيبة" بأن توقع له وثيقة بكونها موالية لجماعته المتطرفة ما سبب لها إعاقة نتج عنها توقف ذاكرتها.. أما أبوه "معراوي"، فقد أهانه أكبر إهانة لأنه لا يريد التعاون مع المتطرفين..  وكانت الإهانة بحضور أمير الجماعة المتطرفة.. ما تسبب  للأب في إعاقة جسدية ونفسية نتج عنها توقفه عن الكلام.. وبهذا يكون ربيع الذي يمثل الجيل الثاني من الأسرة قد أجهز بشكل معنوي على الجيل الأول الذي تمثله الأم والأب، وقد اختفى وغرق في أوهام وضلالة المتطرفين.. الذين جاءوا فيما بعد إلى بيت أهله وأقاموا له  حفل تأبين وعزاء دون اصطحاب جثته.. والغريب أنه لم يمت، بل انتهى به الأمر إلى أن يجد نفسه في تركيا في مأوى ضحايا الحرب.. في حالة يرثى لها، فقد بثرت رجلاه، ولم يعد قادرا على المشي وفقد عضوه الذكري وسار يتبول جالسا.. وبقي ينتظر موعد ملك الموت.

شخصية ربيع وما كان عليه..هي دعوة من جديد إلى كل الدارسين والمختصين إلى دراسة وتحليل ظاهرة الربيع العربي التي لم ينته صداها حتى اللحظة الراهنة.. والتي تحولت بشكل سريع جدا إلى أصولية دينية في الكثير من الأقطار العربية.. فما هي الدواعي والأسباب التي كانت وراء ذلك؟ فضلا عن هذا، فشخصية ربيع  كشفت بأن الأصولية الدينية تتعارض مع قيم الدين الإسلامي؛ فربيع شخص عاق لوالديه ولأهله.. وباختصار فآفة ربيع تكمن في الجهل؛ الجهل بأمور الدين والدنيا والمجتمع.

-"عمران"

عمران رجل جاد تحمل واجبات أسرية وعائلية؛ وهو شخصية ترمز إلى عموم الناس المدنيين؛ فقد ذاق التعذيب في مخفر الشرطة قبل أن يسيطر المتطرفين على تل الورد؛ وعندما سيطر المتطرفون على جزء من تل الورد؛ عانى كثيرا كل يوم في حجوزات التفتيش، وهو في طريقه إلى عمله  في حلب؛ إذ كان عليه أن يعترف بافتخار بكونه أخ ربيع عند نقط التفتيش التي أقامها المتطرفون في المناطق التي سيطروا عليها، ثم يتنكر لأخيه ربيع في الحواجز التي أقامها النظام في المناطق التي ما تزال تحت سيطرته.. وإذا به يفاجأ بأن النظام يطلب كل من قضى الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالجيش؛ وبما أنه سبق أن قضى شهورا في الخدمة العسكرية؛ فهو من المطلوبين؛ فكر كثيرا وبالأخص في ابنه حيان الذي يدرس حينها في المدرسة، وقرر بأن لا يلتحق بالجيش.. وقد استغربت أمه "حسيبة" من سخرية الأحداث؛ فابنها ربيع اختار من تلقاء نفسه أن يكون في جبهة المتطرفين وابنها عمران طلب منه أن يلتحق بجيش النظام؛ فمن العبث أن يقتتل أخوان شقيقان.. في الأخير هاجر عمران إلى تركيا مع زوجته كافي وابنه حيان، واستقر في مجموعة من المدن التركية؛ وقد بعث ابنه بعد أن بلغ سن 11 ليهاجر هجرة غير شرعية إلى أوروبا ليلتحق به هو وزوجته تحت مسمى "لمّ الشمل".

- "كافي"

 كافي امرأة ترمز لكل الأمهات الشابات التي عانت من ويلات الحرب؛ وذاقت مرارة الهجرة والحرمان.. وكانت أول صدمة لها عندما اغتصبها أحد أفراد جيش النظام، وهم يتفقدون المنزل بحثا عن دليل يدين الأسرة.. مرت الأيام واغتصبها أحد المتطرفين، عندما سيطروا على تل الورد بدعوة أنه يريد أن يتوضأ ويصلي.. كل هذا وغيره سبب لها ألما نفسيا كبيرا.. وقد رافقتها جراحها النفسية إلى تركيا، وهي في طريق الهجرة مع زوجها عمران وابنها حيان.. في تركيا استاءت حالتها النفسية كثيرا.. وتعرضت من جديد إلى حالة اغتصاب.. مما جعل حزنها وألمها يتضاعف... وهي لم تخبر زوجها بخبر أية حالة اغتصاب تعرضت لها.. وقد فرغت كافي حالة حزنها وغضبها بوشم جسدها بيدها بشكل مبالغ فيه إلى درجة تشويهه باستثناء الوجه والكفين.. وفي الوقت ذاته، أقبلت على المساجد والأضرحة والدروس الدينية، لكونها وجدت فيها متنفسا وحلا لمشكلاتها النفسية.. وقد تمكنت هي وزوجها عمران من اللحاق بابنهم حيان الذي بعثوه إلى أوروبا؛ إلا أنها لم تستطع الانسجام مع المحيط الأوروبي وثقافته.. وحاولت إلى جانب زوجها أن يغيروا من طباع ابنهم حيان، وهي طباع المحيط الثقافي الأوروبي؛ إلا أن ابنهم رفض، وفي الأخير اختفى عنهم وفارقهم.. غرقت كافي في حزنها ومرضت وطلبت من زوجها أن يعود بها إلى تل الورد لتموت فيها. استجاب عمران لطلبها وقد لحقها الموت عند بلوغها تل الورد..

- "باهرة"

باهرة فتاة جميلة ترمز لكل الفتيات زمن الحرب؛ فقدت شبابها في فترة وجيزة وظهر الشيب على رأسها؛ تعرضت للاغتصاب من شخص مجهول بطريقة محترفة؛ اعتنت بأمها حسيبة وأبيها معراوي بعد هجرة أخيها عمران وضلال أخيها ربيع؛ وقد تعرضت للاغتصاب مرة ثانية، عندما استرجع النظام سيطرته على تل الورد، ولكن هذه المرة من أحد الجنود الإيرانيين؛ ومن الغريب أن أخاها ربيع أوصى أحد كبار المتطرفين معه في الجماعة بأن يتزوجها؛ وبعد أن أقام المتطرفون بحفل العزاء لربيع إلى جانب بيت والده؛ جاء صديق ربيع ليتزوجها، وقد اكتشفت ليلة العرس بأنه هو الشخص الذي اغتصبها أول مرة، وتمكنت من أن تنتقم منه وتلقي بجثته في البئر.. 

- "حيان"

يرمز حيان إلى ذلك الجيل الذي ولد ونشأ في الحرب؛ وتشرد في مخيمات اللجوء، وحرم من أبسط الحقوق؛ هاجر هو وأمه وأبوه إلى تركيا وبعدها هاجر لوحده إلى أوروبا، وهو ينتظر أن تلتحق به أسرته، ويكون سببا لهم في الاستقرار هناك؛ احتضنته إحدى الأسر في أوروبا، وقد تأقلم مع الوضع ومع المحيط الثقافي للمجتمع الأوروبي نتيجة صغر سنه ونتيجة التحاقه بالمدرسة؛ إلا أن التحاق والديه وسكنه معهم جعل مسيرة تأقلمه مع المحيط الأوروبي تعرف تعثرا؛ فوالداه ألحّا على قصّ شعره الطويل، وأن يكون لباسه ومأكله بالشكل الذي تعودوا عليه، وقد بذلوا جهدا ليختنوه، غير أنه رفض أوامرهم وغادر المنزل، ليختفي عنهم ويعيش متشردا في شوارع أوروبا.

تضعنا شخصية حيان أمام معضلة جيل كبير من الأطفال الذين نشأوا كلاجئين وأسرهم في أوروبا وغيرها؛ فضياعه يرمز إلى ضياع جل اللاجئين في أوروبا حيث واجهوا سؤال الذات والهوية والآخر؟ وسؤال العودة إلى الوطن أي وطن هذا فقد دمر بالكامل!!! فكيف سيكون حال اندماج الأطفال في المجتمع الأوروبي الذي هاجروا إليه، في الوقت الذي يتعذر على أهاليهم وذويهم الاندماج بالشكل الكافي والصحيح؟ وهنا تعترضنا مشكلة ثقافية صعبة جدا تتصل بطبيعة المحيط الثقافي العربي في نظرته لذاته وإلى الآخر؟

 

بقلم: د. صابر مولاي احمد

                   

بعدما قرأت المقال المنشور تحت عنوان (النقد والخيانة الثقافية) بقلم علی حسن الفواز بتأريخ 1-12-2019 حاولت التغاضي عنه والمرور عليه مر الكرام کأكثرية الاراء والمقالات العابرة التي تنشر يوميا في الاعلام المرئي والمسموع والمقروء، لكنني تألمت بالسكوت عنه وحاولت الرد عليه ليکون القاريء الثقافي علی بينة من أمر ‌هذا الموضوع الشائك، وسألت نفسي أولا هل فعلا لنا النقد الاکاديمي العصري والحريص علی ابقاء موضوعية النقد؟ أم ان أكثر الذي نقرأه في يومنا هذا لا يتعدی المدح والاطراء أو التنقيص والتوهين؟ حسب متابعتي المتواصل للدراسات النقدية يعتبر أكثره مجرد آراء سطحية حول نقاط عامة أو احيانا خارج عن الابعاد الدلالي للنص وسياقاته ويسمونه نقدا.

في حين قد عرف النقد الأدبي بأنه دراسة ونقاش وتقييم وتفسير الأدب، ويعتمد النقد الأدبي الحديث غالبا على النظرية الأدبية وهي النقاش الفلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافه، ورغم العلاقة بينهما فإن النقاد الأدبيين ليسوا دوما منظرين.

أو كما قيل، فهو الطريقة التي يتم التعامل من خلالها مع الأعمال الأدبية وتذوّقها وتقييمها وتوضيح معانيها؛ وذلك لإظهار مظاهر الجمال في النصّ بشكل عامّ وتقييمها بشكل موضوعيّ.

 تعودُ عملية النقد إلى ذوق الناقد بالإضافة الى قدرته على تفنيد العمل الأدبي ودراسته دراسة نقديّة بحتة، ثم تقدير النص بشكل صحيح مع بيان القيمة الأدبية له. كما يجب علی الناقد أن يتميز بصفات شتی عن  الكتاب الاخرين ومن بين هذه الصفات: امتلاك الموهبة، الثقافة والمعرفة، الذوق الأدبي،  الموضوعية في النقد الأدبي.

لكن ان ما لاحظته في کتابة السيد الفواز هو خلطه ما بين الناقد الادبي والناشر والمحرر الثقافي. فأما بالنسبة للنقاد فهو من جهة ينتقد النقاد  بتأثرهم بأيدولوجيات الکتاب أثناء کتاباتهم النقدية ومن ثم بالمؤلف والمواقف ورؤی وأفکار داخل النص، في حين ان کل من هذه المفردات تعتبر عالما خاصا ينبثق من مکامن النص تارة وتارة من شكل وأسلوب النص. ولا يتخلی باجمعها من ترددات الحالة الحسية الانسانية للناقد أثناء تعامله مع النص، ناهيك عن النقاد الذين يكتبون تحت الطلب أو متأثرا بجنس الکاتب أو المؤلفة! لكن مع کل هذا وذاك کان من المستحسن والاجدر للسيد الفواز ان لا يلصق کلمة الخيانة بالنقد! بل يلقي الاضواء علی من خانوا ويخنون الوطن والمواطن دون الحياء والستر.. ودليل علی هذا الكلام هو ما ورد في مقاله حينما کتب:

' ان تســلل التسريبات النســقية للايديولوجيــا تتبدى من خــلال طبيعة المعاجلة النقدية، أو عبر الموقف الذي يمكن استخالصه. وبقطع النظر عن الاشتغالات التي باتت تضع الممارسة النقدية، وحتى الخطاب النقدي في ســياق الدراسات الثقافية، فإن التوصيف الجناسي للمعاجلة النقدية تظل تهجس بما يعكس أثر التســريب النسقي فيها، قد يخل بموضوعيــة النقد أو مهنيته، أو ربما وهو أمر يدفع بعض النقاد الى اللجوء الى اشــتغالات النقد الثقافي، بوصفها اشتغالات تٌعيدنا الى السياق، والى المؤلف، والى مايحملــه النص في جوهره من مواقف ومــن رؤى وافكار'

ان من المعلوم تباين النص الجيد من الرديء والنقد الاکاديمي من السطحي غالبا عند المحررين والمشرفين المختصين علی الصفحات الثقافية کوضوح الشمس، لكن کان من المستحسن ان يأتي السيد الفواز بأمثلة عن هذا النوع الايدولوجي البخيس في نظره من النقد ثم مقارنته بالاخری الذي يراه نقدا علميا وموضوعيا حسب فهمه ورؤاه، كي‌ نکون علی بينة من نيته وفهمه  المتميز، هكذا وفي نهاية مقاله هو يختلط بين هذين العنصرين المختلفين ويكتب:

' الوعي بالاختلاف هو يُعطي للناقد والمحرر مســؤوليته في تقييم هذا النص أو ذاك، مثلما يُبرر عدم اخضاعه لمعايير خارجية لقيم القبح والجمال، وأن مقاربة هذه النصوص تعتمد على مهنية الناقد بوصفه »القارئ العمدة« على مســؤولية المحرر بوصفه المســؤول عن صفحته، وعن وجهة النظر والسياسة التي تعتمدها جريدتــه أو مجلته، وهذا للأســف مــن اكثر مثالب التصريف النقدي في ثقافتنا العراقية...'

أخيرا ليس بوسعي شيء الا ان اتأمل وأقول مع کل من يحترق قلبه علی الواقع الادبي المتهالك الذي نعايشه؛ يا ليت لنا نقادا ماهرين موضوعيين وأکاديميين يتعرفون علی الابداعات الادبية والتي نادرا ما نصادفها هنا وهناك ويتعاملون مع الاعمال الادبية من منظور القيمة الادبية التجددية، ويصنعوا جسرا متينا وموثوقا لعبور القاريء من شط النص الی ساحل التلذذ  بالنص والتعاطي معه. ولتكوين جيلا نخبويا من النقاد نحتاج الی عمل دؤب  وتشجيعهم بنشر کتاباتهم، ثم تأسيس  مراکز ثقافية وأکاديمية حيادية لأستيعاب أولئك النقاد الذين لهم تطلعات نقدية ايجابية وينتظر منهم الكثير مستقبلا. لكن في الاخير (فليكتب وليقرأ) ونكرث الاهتمامات في هذا الحقل، فان ما نحتاجه الیه اليوم هي استرجاع دور الکلمة ومفهومها الی حياتنا وغرس هذا المعنی في النفوس، هذه هي الطريقة المثلی للتقدم، بدلا من القتل والعنف وکل مظاهر التخلف المتنوعة، ثم علينا ان لا ننسی بأن هنالك في نهاين المطاف قراء واعين وصامتين هم الذين يقررون علی القبول أو الرفض لأي عمل أدبي نقدي... 

 

عبدالجبار زبير

 

للشاعرة أسماء رمرام.

كيف أقرأ القصة لشاعرة؟ كيف أنمذج ملاحظاتي لمن تملك في اللغة مفهومها وفنها وسحرها؟

لا فائدة،

سأعرضها من رؤية نفسية تعكس فكرتي الخاصة وليس بالضرورة ماهو عليه  النص الأدبي.

في المنهج النفسي غالبا ما نحيل المتن الإبداعي إلى خبرات الطفولة مع الاستعانة بدلالات وقرائن ترتبط بمرحلة ما من مراحل النمو النفسوجسدي الطفولي  للمبدع. لكن ولأن القصة تلتزم بالأفراد فإنّ إسقاط مراحل الطفولة هنا ستكون على الشخوص المنتقاة لتكون ضمن المجموعة القصصية " بكاء القرنفل" للكاتبة الشاعرة أسماء رمرام.

إذا أخذنا بالرأي النفسي القائل بأن كل عضو في الجسم نتحدث عنه بشبيهه في الطبيعة، فإنّ القرنفل هو شبيه العضو الجنسي الأنثوي / البظر.

فإذا كانت الأنسجة الناعمة في البظر تختص بالعملية الجنسية فإنّها أيضا مبعث الطاقة الحيوية والسرور وتسكين الآلام العصبية والنفسية.وهذه الفوائد تخص القرنفل أيضا فهو ينبه القلب ويسكن الآلام ويحسّن المزاج ومطهّر للفم ومفيد للأسنان .

يجمع علماء النفس بأن مرحلة تأثير البظر على نفسية الأنثى  يبدأ في المرحلة القضيبية من النمو النفسي  وهي المرحلة التي إذا لم يتعدّها الفرد بسلامة فسيحدث في مرحلة قادمة ما يعيدها اضطرابا نفسيا يتفاوت خطره حسب حجم الأذى  الذي تعلّق به (اغتصاب، اعتداء جنسي، ملامسات عدائية  جنسية، تهديد، خصي....). سنسمي هنا هذه المرحلة بالمرحلة القرنفلية لأنها تختص بالأنثى.

ولأن الإبداع يفضح عديد المشكلات الطفولية اللاشعورية فإن بكاء القرنفل يشيرإلى أذى كبير قد لحق شخوص القصص خلال الطفولة الأولى قبل سن ثلاث سنوات والتي اتفق على تسميتها المرحلة القضيبية. وفيها تتشكّل عقدة أوديب للذكر وعقدة إلكترا للأنثى. وهي مرحلة المخاوف خاصة الخوف من بتر العضو الجنسي.  لكنها أيضا في حالة معايشتها بأمان وحنان وحب فتكون المرحلة التي يفهم فيها الطفل أنّ كل فقدان بإمكان إعادته أو إنشائه من جديد.

حصر علماء النفس مجموعة من أنواع الأذى التي تشكل خوف هذه المرحلة ومنها، خوف  الفقد، فقد العضو الجنسي خاصة، فقدان الحب والاهتمام، خوف الانفصال خوف التشويه، الرفض، رغبات غير ملبّاة أو مرفوضة. ويكفينا هنا في العنوان "بكاء القرنفل" لنستدل على الأذى الذي لحق المرحلة القضيبية لشخوص القصص.

في الحقيقة، نحن لا نستطيع التحكم في اللغة مهما حاولنا، لذلك فإنها تنعرج بنا حين الكلام أو الكتابة نحو الخداع. فيمكن عندئذ إخضاعها لسرير النفساني.

البكاء من وظيفة العين.  ويقول عالم النفس "أورتيغا" أن العين لا تقدّم لنا أي مفهوم بمفردها، فلابد لها من جملة ويقصد الوجه. ومن هنا كانت شبه الجملة هنا بكاء القرنفل ناقصة لنستدل تماما على المعنى / الأذى. خاصة وأن البكاء يمكن أن يكون من الفرح أيضا. لهذا سنلتزم بالمعنى القائل أنّ البكاء مسكّن للألم.

فماهي إذاً، في مجموعة بكاء القرنفل القصصية، مسكّنات الألم النفسي الناشئ عن تأذّي الفرد في المرحلة القرنفلية؟

ظهرت في المجموعة نصوص عديدة تشير إلى أنواع الأذى التي تلحق بالمرحلة القرنفلية . كما أن لفظ القرنفل ظهر في ثلاث مواضع : العتبة، نص الباب ونص فرنسا.

بملاحظة بسيطة، نكشف الاغتصاب في العتبة حتى وإن كان اغتصاب أرض. وهي أرض فلسطين بدلالة حضور محمود درويش.

في نص الباب تقول الكاتبة: مقبض يتحرّق شوقا لملاقاة محبوب. هذا من نوع الخوف من رغبات غير ملبّاة.

في نص فرنسا تكتب : وطني بأريج القرنفل، يا عذاب اللغة. هنا ألم الإنفصال.

نعود للنص الافتتاحي "شقاء".  نجد استلهام العنوان من ديوان الشقاء في خطر لمالك حداد. يبدو أن الكاتبة أقحمت الكاتب بدون فهم خلفية النص الشعري الطويل  الشقاء في خطر. فهل باستعارة مفردة شقاء منه دليل لوجود حالة أذى؟ بالتأكيد، فقد استدعت الاختطاف وألم الفقد. لكن حضور اللون الأزرق الذي قال عنه مالك حداد: لا تكون السماء زرقاء إلا في قسنطينة. فهنا بحث عن السلام لدلالة اللون الأزرق وقسنطينة مدينة الكاتبة ومدينة بطلة القصة . فهذه إشارة لتكيّف البطلة مع المرحلة القرنفلية ممّا جعلها  في محاولة لإعادة النشوء / أمل إعادة ابنها المخطوف. مع وجود قرينة لفظية / مالك بشحمه ولحمه.

وهكذا على مدى المجموعة القصصية نحدد أنواع من الألم . أغلبها الفقدان. مثل ماريا، الحفيد، رحمة .

الاغتصاب الذي هو أشد أذى يلحق بالمرحلة القضيبية، يحضر نصا واضحا .

ليريكا، مسكّن الألم النفسي حتى لو كان مخدّرا ممنوعا

التشوّه، في قصة الملعونة

 في نص لهاث، خلع الضرس، إشارة لفقد ولبتر حدث في المرحلة القرنفلية، والضرس قرينة أخرى لارتباط القرنفل بتسكين آلام الأسنان.

وهكذا حتى القصة الرئيسية " بكاء القرنفل"  عن التنظيم الارهابي داعش الذي فيه كتنظيم إشارة كبيرة لتخضيع المرأة لمجتمع ذكوري. ولماهذه الرؤية من إحالة إلى المرحلة القضيبية التي يستعرض فيه الذكر بعضوه على الأنثى التي في تصوّره لأمر ما قد عوقبت ببتر قضيبها.

ثمّ،،،

 بماذا يفيد البكاء؟ تقول الشاعرة في نصها بين مدينتين. /بين جنسين، بين أنثى وذكر؟ لتسكين الألم حتما.

أجل، الكتابة لحلّ مأزم نفسي . فهل نجت شخوص الكاتبة من آلامها في تلك المرحلة القضيبية؟ بل الكاتبة ذاتها؟  التي ظهرت في نصوصها تبكي الآخر للاهتمام أكثر بذاتها؟

 قلت أن المرحلة القضيبية هي الاهتمام بإعادة أجزاء الجسد المبتورة، أو تصليح عطب أو بإعادة إنشاء . هي مرحلة الاهتمام الجيد والمبالغ فيه بالجسد، ترى، هل هذه التجربة الإبداعية قد أصلحت عطبا ما ؟ هل حققت طموحات المرحلة النفسية تلك؟ فأين حالة الرضا إذاً؟

هناك إعادة نشوء في القصص مجاهد، العصفورة، أيّوب، علمنة، وهي كلها متعلقة بالأنثى مما يدل على كون النزعة إلى إعادة إنشاء المفقود ترتبط بالمرحلة القرنفلية للأنثى  لما تتوّهمه الأنثى في تلك المرحلة الطفولية بأنّها مبتورة القضيب وأن الذكر أفضل منها ولما يحدث في المجتمع من تفضيل للذكر على الأنثى " وليس الذكر كالأنثى" من سورة آل عمران الآية 36. لهذا في المراحل العمرية المتقدمة تلجأ الأنثى للخلق النفسي لهذا العضو في مظاهر أخرى .

نرجع للإهداء،

 تقول فيه أسماء رمرام : إلى فلذة كبدي أيوب.

فهي المسرّة إذن، والنشوء الجديد والذكر الذي تكتمل به الأنثى،

الذكر المولود هو إعادة نفسية للعضو المبتور  في لاشعور كلّ أنثى عانت في المرحلة القرنفلية من التمييز بين ذكر وأنثى.

وهذه المزية النفسية  تجعل الأنثى كاملة في الذهن الجمعي وفي ذهنها الخاص وتحسّن إحساسها بذاتها مما يدفعها إلى الحياة برغبة شديدة ويمكنها بهذا الوصول اللّــذي (من اللذة) تحقيق عديد الطموحات.

 هذا هو بكاء القرنفل. بكاء الفرح لتسكين آلام اللاشعور . إن الهروب من التعبير بالجسد في الإبداع إنّما هو دليل على محاولة إعطاء صورة على أنه ثمة دائما الأفضل لنقترب من الناس. مثل شغلهم بالأزهار لضمان النقد السليم.

 

بقلمي / إلهام بورابة من الجزائر

 

جمعة عبد اللههذا الجهد الروائي المتمكن، من توثيق التأريخي، لاصعب مرحلة، مر بها العراق في تاريخه السياسي العاصف. في الازمنة الشمولية المتسلطة في ظلمها واستبدادها، في خنق الحياة وعصرها عصراً في الاختناق الطاغي. ان المتن الروائي يسلط الضوء الكاشف، لهذه الحقبة او اللحقب المظلمة في تاريخ العراق الدموي. في تحولاتها وصراعاتها على خناق السلطة والحكم، ومن يجلس على عرش السلطان المالك الاوحد. ولهذه يضعنا النص الروائي في رؤيته الثاقبة، امام عدة عتبات متنوعة. في نظام يمارس الرعب بجنون وهوس سادي. والتي تمثل اقسى حالة الشذوذ في تاريخ العراق الحديث.ان يصعد ويتسلق على قمة هرم الدولة العراقية. ليكون القائد الاوحد (أنا الدولة والدولة أنا) فرد وضيع ولقيط ويتيم من تربية الشوارع الخلفية، من مواخير الفساد والجريمة والرذيلة. ليصبح مؤسس جمهورية الخوف والرعب في أساليبها النازية المدمرة. أو بالاحرى جمهورية لقطاء الشوارع، دولة مفصلة على قياساته. ليقود الواقع السياسي والاجتماعي الى الانهيار.. والسرد الروائي المحكم في جاذبية السرد المشوق والمركز. يتناول سيرة حياة عائلتين، بينهما تقاطع وعداء وخلاف. الاولى مكونة من اعمام سارد النص الروائي، وبطل الرواية وضابط مسار احداثها، يسرد حكايات أعمامه وهم يمتهنون حرفة السرقة والسطو على اصحاب المواشي (المعدان). ولكن بعدما تفاقمت مشاكلهم مع العشائر، وكثرة الدعاوي ضدهم في مراكز الشرطة، تركوا مهنة السرقة، وجمعوا موردهم المالي، واشتروا سيارة ركاب. لكي تكون دخلهم المالي في الحياة. ولكن السيارة سرقت. من قبل مساعد السائق، الذي كان لقيطاً في الشوارع، وعطف عليه أحد الاعمام ليكون مساعداً للسائق، لينتشله من التشرد في الشوارع. وبعد البحث والتفتيش عن السارق، بالبحث المتواصل والمرهق والمتعب. وجدوا أن ذلك اليتيم اللقيط الذي يعرف بأسم (سليبا / أبليس). ولكنه اصبح مسؤولاً كبيراً في الدولة والحكومة. وطالبوه بالتعويض المالي، ولكن بدلاً من التعويض ارسل (أبو السارد النص الروائي) الى السجن، ثم الى الاعدام البشع، في حوض اسماك القرش مع حفنة من المساجين، لكي يتسلى القائد الاوحد (سليبا / ابليس) بمشاهدة اسماك القرش وهي تقطع لحم المساجين. لذلك طلبت (الجدة) أم الضحية المعدوم، الثأر لابنها المغدور، في القيام في محاولة اغتيال، والتي انتهت الى الفشل، وتشتت شمل العائلة... أما العائلة الثانية فهي عائلة اللقيط واليتيم الذي اصبح فيما بعد رئيس الدولة، ليؤسس دولته من الخوف والرعب. ويتابع السرد الروائي سيرة حياة هذا اللقيط من البداية حتى وصوله الى قمة هرم الدولة والمجتمع. يتابع سايكولوجية عائلته ونشاطها بالفساد والجريمة والدعارة والجنون على الاستيلاء والاستحواذ. وكذلك شلة وحاشية اللقيط الدكتاتور (الرئيس الدولة) وهم من اصحاب الجرائم والفساد والدعارة، وحفنة من القواويد والعاهرات، وحفنة من اصحاب السحر والشعوذة، ومن النفوس الضعيفة والذميمة، يبيعون شرفهم واعراضهم بحفنة من المال، حتى يبعون زوجاتهم وبناتهم واخواتهم، وحتى أمهاتهم، حتى يرضوا نزوات وغرائز الجنسية المتوحشة لقائدهم الاوحد. اي أن شلته واعوانه من من منابع مواخير الرذيلة والفساد، واطلق لهم العنان في استباحة العراق بالبطش والتنكيل، في ابشع وسائل التعذيب النازية. فالويل من يدخل قفصهم، لا يمكن ان يخرج سالماً، بالعقاب والتعذيب حتى ينقطع اخر نفس في حياته، هذه الشلة الطاغية تتفنن بمهارة في اساليب البطش والتعذيب. بهذا الشكل يتحدث النص الروائي للواقع الفعلي، في اسلوبية السريالية الكوميدية والتراجيدية. في زحمة المأسي التي يتجرعها المواطن، لكنها لاتخلو من السخرية والتهكم. وكذلك الصراعات والتناقضات الناشبة داخل العائلة الحاكمة. في نزواتهم المريضة. وفي خلافاتهم المستعرة، وخاصة من أبنه البكر. المعتوه والمجنون بالدموية والعنف السادي. وشبقه الجنسي المتوحش، في خطف الطالبات واغتصابهن، وعند الصباح حين يشبع من الضحية هو واعوانه، يطلقون سراحها، بالتهديد بعدم التطرق الى الاغتصاب الجنسي والخطف. وبهذا الشكل اصبح المواطن على راحة كف دكتاتور مستبد وطاغي في منتهى التوحش، ولان اصله لقيط ويتيم. فاراد ان يكون جيشاً جراراً من اللقطاء، حتى يعتمد عليهم ويسلمهم مفاتيح الدولة والحزب القائد. ولكن الصراع العائلي بروح الحقد والانتقام بين افراد العائلة المالكة في خلافات حادة. مثلاً ابنه العنيف والمجنون، اغتصب زوجة ابيه الثانية السرية. الذي يكن لها الحب والعشق الطاغي. وحين وجدها في حالة يرثى لها من الاغتصاب المتوحش، اصابه الجنون بروح الانتقام من أبنه البكر، وشعر بالاحباط والانكسار والتخبط، بماذ يفعل لهذا الابن العاق؟. فقد انكسرت هيبته وكبريائه داخل نفسه. وهو الذي تنظر اليه حاشيته واعوانه بخوف ورعب وارتباك حين يدنو منهم، وهاهو يذوق علقم المرارة والانكسار، وبدأت الهواجس بالتوجس من عائلته بالقلق المتزايد، بأنهم يدبرون ضده انقلاب عسكري، وخاصة ان (خال) الاولاد، وزير دفاعه محاط بمجموعة من كبار العسكريين التي تدين بالولاء له، لذلك لابد ان يتغدى به قبل ان تنفلت الامور خارج السيطرة، مهما يكون الثمن. لذلك دبر عملية اغتيال مدروسة، ونجحت العملية بقتل وزير دفاعه.. ولكن مع أبنه ماذا يفعل وينتقم منه على فعلته الشنيعة في اغتصاب زوجته وعشيقته. وكان يدردم مع نفسه في ايجاد وسيلة يعيد الكرامة الى زوجته المغتصبة. لذلك يقول (لو كان غيره من الناس لذر رماده في نهر دجلة، لو كان شعباً لمحاه عن وجه الارض، لكنه أبنه وشبيهه وقطعة من كبده، وفي كثير من المرات يرى تصرفاته ويقارن ذلك بشبابه المقموع) ص195. لانه كان يتيماً ولقيطاً، أشاء الحظ والصدفة ان تنتشله من الشوارع، ويتسلق على شجرة الدولة حتى قمتها، من خلال ذلك العسكري (العميد) الذي رباه واعتنى به، وانتشله من التشرد في الشوارع. لكن بعد ان قوت شكيمته، عامل سيده وولي نعمته بالقسوة الوحشية، بدلاً من رد الجميل، اغتال افراد عائلته بطريقة بشعة ثم اغتاله، لكي يتفرد بالحكم وحده دون شريك له. ليصبح القائد الاوحد. ثم سعيه الخبيث في الانتقام من المجتمع العراقي في التخريب الاجتماعي والاخلاقي، في السعي لتكوين جيشاً جراراً من اللقطاء،ليطلق لهم العنان بالتوحش والتخريب الاخلاقي. وحتى يكونوا مخلصين له. وكان يحث ويشجع على خلق وانتاج اللقطاء بأي صورة كانت. حتى يكون له جيشاً قوامه 100 ألف لقيط ولقيطة. وكان يكافئ بالمال من يجلب لقيطاً او لقيطة، هذا الهوس الجنوني (- أصنعوا اللقطاء بأي ثمن واي طريقة وباسرع وقت ممكن. لقيط واحد في العراق أفضل من عشرة اصلاء، وكل من يأتي بلقيط يجب ان اطبع قبلة على جبينه، وان تصرف له مكافأة لا يحلم بمثيلها، حتى سمي حكمه بحكم اللقطاء المباركين) ص200. ويسلمهم الحزب والامن والمخابرات. وان يكون لهم نفوذاً كبيراً في الدولة، في جمهورية يحكمها اللقطاء. وفي التاريخ القديم يعج بالامثلة من اللقطاء الذين انقلبوا على والي نعمهم بالاغتيال والقتل، ليحلوا محلهم، بديلاً من الحاكم والسلطان والملك المغدور. منهم (سرجون الاكدي) كان لقيطاً. واحتضنه الملك ورباه في القصر، ولكن حينما كبر اللقيط قتل الملك ليحل محله مللكاً لمدينة (كيش). يعني التاريخ العراقي زاخر بالعنف الدموي والغدر، في اغتصاب السلطة والحكم من قبل اللقطاء و(سليبا / ابليس) واحداً منهم، ليصبح قائد الضرورة الاوحد. ان رواية (تحيا الحياة) تستعرض بدقة عمليات الارهاب السياسي والفكري واساليب البطش والتنكيل. وكما تعرج على كوارث الحصار الاقتصادي الدولي بعد الحرب المدمرة، فقد جعلت الشعب يئن ويرزخ تحت ثقل معاناة الفقر والجوع الحياة الصعبة، وقلة الرواتب حتى اصبح الراتب الشهري يساوي كيلو واحد من الدقيق. وشحة المواد الغذائية واختفاء الدواء، وحل بديله الدواء الفاسد والمغشوش، فتفشت الامراض المزمنة والفتاكة، ومنها الامراض الجلدية، لنقص الادوية، وفقر الدم الذي يعاني منه شرائح كثيرة من الفقراء. حتى اصبحت حياة لا تطاق ولا تتحمل، مما برزت ظاهرة هروب المجندين. من اجل اعالة عوائلهم من التشرد والفقر، ولكن كان النظام لهم بالمرصاد، بعدما كثرت عمليات الهروب من الجيش والجبهات الحربية، قررت الحكومة قراراً، بقطع صيوان الاذان، لكل هارب ومتخلف (- ليعلنوا في التلفزيون، أن كل من يفر من الخدمة العسكرية تقطع الحكومة أذنيه) ص79. واصاب الناس الهياج والتذمر بموت الكثيرمن المعاقبين، تحت عقوبة قطع صيوان الاذان. فأضطرت الحكومة تخفيف العقوبة بقطع صيوان واحد من أذنيه. ولكن الهيجان والتذمر تصاعد اكثر، وبدأ الحديث بأن الحياة بهذا الشكل لا يمكن ان تستمر، واصبحت عبارة عن جحيم، فلابد من قيام انقلاب او ثورة،تنقذ الشعب من هذا الجحيم والنظام الوحشي،. فجرت عدة محاولات لاغتيال رأس النظام، وكذلك محاولات انقلابية، لكن جميعها باءت بالفشل، من هذه المحاولات الكثيرة، محاولة انقلاب التي شارك فيها الكاتب الروائي (حسن مطلك) مع مجموعة من الضباط الوطنيين. لكنها فشلت واعدم الكاتب الشهيد. الذي كان هدفه انقاذ الشعب من نظام دكتاتوري باطش، أذل واهان الشعب (وحين عثر الروائي حسن بعد ذلك على مجموعة من الضباط الوطنيين يخططون لاغتيال الرئيس، أنخرط في صفوف الثائرين لتحقيق حلمه، وعندما لم تنجح محاولاتهم، قبض عليه مع الضباط واعدم الكاتب الشاب، من دون رفاقه برميه لكلاب الرئيس الجائعة، فمزقته شر تمزيق) ص134. وكذلك قام النظام الدكتاتوري بأبادة الجماعية، في الانتقام من الحركة المسلحة في كوردستان، في ضرب احدى مدنهم (حلبجة) بالغاز الكيمياوي، فقد اغارت الطائرات على المدينة وهبطت على مستوى منخفض ودفعت مسحوقها السام والخانق الى الاسفل (وحين بلغت مسافة خمسين متراً عن رؤوس الناظرين الى السماء، انفتحت تلك الحزم المدببة متحولة الى غمامات شديدة السواد، وغابت الشمس عن المدينة لنصف ساعة جحيمية خانقة، سقط جمهور من النساء والرجال والاطفال، يتلوون لاختناقهم بسبب أنسداد قصباتهم الهوائية بغاز السام، واخذوا يسعلون دون انقطاع مخرجين كل ذرة أوكسجين وتعويضها بذرات الغاز السام) ص181. وتدور الاحداث العاصفة بعد ذلك لتأتي، ام المهالك في الانكسار الكبير بعد الحرب ضد الحلفاء، ووقعت قوات الجيش في ضربات مدمرة ومهلكة، انتهت بالخسارة الماحقة والذليلة، انتفض الجنود المندحرين والمنكسرين من الحرب، ليشعلوا انتفاضة في الجنوب، وامتدت الى الوسط والشمال. بالانتقام من النظام الذي ارسلهم الى محرقة الموت والجحيم، ودفعهم الى الموت المجاني، فأنتشرت المجموعات المسلحة لتقاتل النظام واعوانه من الحزبيين، الذين لاذوا بالفرار كالفئران المذعورة، خوفاً من انتقام الشعب، وليتجرع الدكتاتور الجالس في بغداد مرارة علقم الهزيمة، فقد حدثت مجازر في كبار الحزبين واحرقت البنايات الحكومية والحزبية. ولبى نداء الوطن كاتب (تحيا الحياة) لينضم الى الانتفاضة والمنتفضين، ويودع زوجته والدموع في عيونها (- أنتفاضة كبيرة قام بها اهلنا في الجنوب وعليَّ أن اشارك فيها. أنتِ تفهمين هذا ؟) ص225. وتيقن الدكتاتور بأن نهايته اقتربت ونظامه الى الزوال، بعدما ارتكب مجازر بحق الملايين من افراد الشعب. لكنه لم يأيس من اغراق الانتفاضة بالدماء، ويطلق جحوشه اللقطاء، في يومهم المنشود والموعود، ليطلق لهم عنان التوحش والوحشية، بالتدمير والقمع الدموي، حتى لا يفرق بين الناس، كلهم اعداء يستحقون الموت بالبطش والتنكيل، ونجحوا في انقذ ابن جلدتهم اللقيط الاكبر. هذا المتن الروائي لرواية (تحيا الحياة) في خطوطها العريضة، التي تمثل بانوراما المعذبين والمسحوقين، ضحايا القمع المتوحش، التي تجرعها الناس في النكبات المتوالية من نظام يضم في جعبته ازبال قاع الحضيض، ومن مواخير الرذيلة، في عهد ظالم وجائر، لا يعرف ’ سوى لغة الموت والقتل، لكن ليس هذه نهاية المطاف رغم الظلامية القاسية، فمازال الامل بأن تحيا الحياة من جديد، ولا بديل سوى ان تحيا الحياة، حتى من عمق الظلام الدامس، وكانت هذه الرواية (أنشر الرواية على الناس نفخاً للحياة فيها.... أتبقى جسداً هامداً تنوشه السنوات والتقادم الزمني، وعوامل التفسخ كأي شيء حي اخر ؟ هل يعيد الناس خلق العمل الادبي بأضافة ماعشوه من احداث في الواقع اليها ؟ أنتابته مشاعر فرح وحزن... فرح لانه اكمل أنجاز ما اراد انجازه طيلة عمره سنوات حزنه كما يسميها وحزن أهله جميعاً، لانه لا يدري ايضاً هل وفق بكتابتها واتم واجبه على خير وجه. أم بقيت أمامه مسؤوليات جمة ليكتمل عمله، أولها كيف له ان يخرج بالرواية خارج الحدود؟) ص263. وهذه علقم المصيبة. كيف يستطيع الخروج معها من النقطة الحدودية (طريبل) هذا مصدر الخوف والقلق عند نقاط الحدود، التي تلعب في اعصاب المسافرين بساعات الرعب والقلق والتوجس. أنها لعبة الحظ بين الموت والحياة. وخاصة من اكتوى بعلقم المعاناة عند نقاط الحدود، كأنها ختبار وامتحان لقدرة تحمل المسافر. جملة من السلوك الخشن، في الاهانة والاذلال. لكن حالف الحظ رواية (تحيا الحياة) وخرجت بسلام بأن الحظ والصدفة لعبت بها ولصالحها في الخروج.

 

× الكتاب : رواية تحيا الحياة

× المؤلف : فيصل عبدالحسن

عدد الصفحات : 272 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

سمر محفوضألفة الصورة وحضور المشهدية على كامل مساحة النص حيث الغياب سمة وتناغم عند الشاعرة السورية نجوى هدبة.. لاشك أن الكتابة عن الشعر هو توريط حقيقي للناقد أو القارئ فالشعر يندرج في اللا نسق والكتابة نسق. من يكتب عن عمل شعري إشكالي كمجموعة " استميحك عطرا" هو بحد ذاته عمل يتصادى بين الإفصاح والإيحاء، ويتناول الشخوص والأحداث من منظور المراقب الحيادي والمتابع نجوى هدبة في مجموعتها "استميحك عطرا " الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب \وزارة الثقافة –دمشق 2019 جاء في 127 صفحة - فعلتها بكثير من المرونة .. حيث تتناوب سياقاتها على مجموعة من الخطوط التي تتعمد حرية الحركة بالغياب والحضور والعودة خطفا (مابالي لا أتقن الإنصات لثرثراتهم؟) (ولا لصهيل نكاتهم؟) (وقع حوافر أمانيهم مثخنة الغبار) (وأنا مثخنة بالصمت) ص58

في المستوى الأول تنعكس روحانية ألمراء الشاعرة التي تسكنها والتي تهتم بما ينبغي، و تحدد جهاتها في كل مايتعلق بمخيلتها من الشعر والفن وفق معطيات ومعارج وأسئلة، تطرحها بدون انتظار إجابات مقنعة، حيث كل مايحيطها مفعم بالأسئلة وبالنشوة الغائمة أيضا بدءا من حركة اللغة عبر الجملة الشعرية، إلى تجسيد حالات التعبير من حركة المشاعر، إلى حركة الجسد وإطلاقه من الآني إلى الكلي نحو التجريدي (هي ليست كاملة) (تلك القصائد الغافية على سطح بيتي) (أشمسها) ( أدفع عنها غبار الحنين) ( وأسطر لها قافيات الفرح) (أنا البائسة أدناه)  ص \42 \ بحيث أن كل ارتقاء يصلنا بذروة تالية نحو أسرار الطبيعية التامة، التي لا يمكن للعقل أن يخضع لتكوينها الصارم والوحدة الصميمية التي تديرها و تحكمها،مشغولة بمكنوناتها تعزف سلمها الشعوري على أوتار الروح الموجوعة والشائكة (ثوبي ممزق وكلما حل الربيع) (نبتت زهرة من شق فيه) (وعلقت فراشة تتحسس عطر الله) ص \22\

1251  نجوى هدبه

لا تكلِّف نجوى هدبة نفسها عناء الانضباط للغة المألوفة بمقولاتها الواصفة أو بمفاهيمها المختلفة، لكنها تحاول أن ترينا النص الأدبي من منظور آخر مختَلف، يفارق فيه الرّائي ركن المتذِّوق الغافل عن وصفاتِ الكتابة و محتَرَفاتِ الإبداع الى الدهشة في التشكيل( أقص لك ترهات عن سذاجتي) (في ارتداء حذاء كعبه بعلو فكرتي) ص\95\ (كالعادة يسألني كيفك.؟!) (أجيب) (أنا بخيرك) (لا زلت أهذي بلقائنا الأخير) ص\98\-ذلك التمركز بالشكل الذي ورث الشعر الشوق الأبدي والإيقاع وشفافية الكتابة (نحن توت الأرض) (شجر الزيزفون حين عبث) ص\74\ في المستوى الثاني من التداولية أي جانبها التواصلي. وفي هذا الإطار تحدث عن قيم الهوية من خلال استحضار التعدد وصورة المرأة والاستلاب الاجتماعي وهموم النساء وانتهاكات أجسادهن (لي أولاد نجباء) (أنجبتهم من رجل عقيم) (يتلذذ كل ليل جسدي) (ثم يعتلي خيره) ص\54\

 وقبل أن نتطرق إلى معالجة أي من هذه القيم، ينبغي الإشارة إلى سيميولوجية الغلاف من خلال تحديد معالمه وعناصره اللغوية والاشارية، وانسجام العنوان والصورة على الغلاف الذي لم يكن موفقا بل كان الإيحاء هشا يعاكس مضمون المجموعة العميق والكثيف، نجوى سيدة الاحتمالات الجميلة والمتناقضات الممسوكة جيدا والتوازنات العميقة تقول (لست حبيبة من النوع الفاخر) (لأكدس أحلامك المزعجة) (في قبو البيت) (أو أن أهش على نزواتك) (فأفيض غيرة) ص\38\ هنا اعتمدت الشاعرة على تحوير مبالغ به لكنه يعطي إحساسا بنقلة متوقعة ومرتقبة تشي بخصب جملة شعرية تلقائية تهمل كل مالا يشغلها بحذفه، موحية بخلاصة تأملاتها التي تفصح عن حضور لامتعالي بل فاعل (أنا قميص يوسف) (أنا ياقته الممزقة عن ألف حب ولحن) (أنا صدره الفتي) (وغابات عمره عند حدود القصيدة) ص\16\ القصيدة ذلك الجسد الأثيري الساحر للحزن و كسر الرموز .. لأنها هي الكائن المولد للجمال مركز الكون ومعبده والينبوع الأصل لمسافات تكوينها، في المجموعة موضوع الدراسة لم تتعامل نجوى هدبة مع مجموعة حقائق الكتلة المتمايزة للفظ ’بل دخلت تلقائيا للإشعاع المحيطي للعبارة الشعرية والذي يفيض بالمحبة لتوجيه عملية الإبداع نحو همومنا المعلنة،وفي خدمتها ايضا تقول نجوى(كم زاوجت..) (صرير الباب والمغسلة) (وطاولة الزينة) (والحاسوب) (،) (لهفتي) (ورسمت غطاء يدثر عريها) ص\11\ تمنح اسما لكل وجع وخيبة وحياة ايضا حيث تثير جملة (كم تماديت في احتضان الريح تلوح لي) (حتى أفهمتني ) (أن البعد ..حلال) ص\ 11\. تعمل على الى اجتياز مستوى الكثرة الى مستوى التأمين في الوفرة حيث لا تخضع كا لمعرفة الى قانون محدد بحيث يعني تكيبل لا نهاياتها في الاتجاه الذي يخرج الماضي الى الحاضر والكينونة الى مفهوم الوفرة (كثير أنت ) (كهذا التعب) (كهذي الاشتعالات) (كورق شجرة حبلى\ص\75\ بحيث تبسط أمامنا خاصية التفاعل والتجاوب مع كلياتها الشعرية وبساطة الايحاء (كثير أنت كنجوم السماء) (ومابعد السماء) ص\75 تشير فقط انه هنا وليس سواه واقع فعلا، وأن أوجزت في الرؤية لكنها أتاحت إمكانية الانكشاف عبر التمعن في مقولة التماهي العميق عجائبيا مع التناغم الحي كيانا وروحا لايقبل الانقسام لكنه مستقل عنها ويتماشى مع اللغة التعبيرية بحيث اننا في النثرية الجديدة لا نبحث عن المتن بقدر انشغالنا بالهامش (يفتح للرعشة أبوابا) (ونوافذ) (فأتدفق بين يديه كوجد) (كوتر عود) (كناي..) (رتل بحة القصب) (و..ذاب) ص\15\التشهي للإفصاح لا يلغي الجمالية بل يضيف لها الدهشة عبر امتلاك الجزئيات زمانا ومكانا وصيرورة ( أنا المذهولة من قرمشة الفستق) (وهو..) (يتلذذ ملحها) ( ليجففني بلهاثه) ص\66\هنا تتمرد نجوى على الاحتمالات وتستغل التشكيل للتأكيد بأنه ليس ثمة غيرنا نمعن بالحزن و بالمصير (أنا ظلك الغبي) (تعثراتك في رصيف الشارع ص 78) .

- أخيرا على اعتبار أن النص رؤية حرة ورمزية جدا تحيل للتكامل بين العطر واستباحته عبر الاعتذار والإيحاء بوحدتهما (خلقت من ضلعه الأعوج) (فاستقمت على ) (هواه) ص\119\ العنفوان الذي أعطي له بنقلة واحدة ترصد الصفاء الأول كما تريده نجوى(من كثرة إيمانه بك) (سار على مائك) (قلبي) ص\122\في فضاء التراكم تؤسس للواقعي دون ان تخدش المتخيل وهو تيمه جادة في كتابات نجوى هدبة لتكاد تؤكد بان المجموعة الأولى هي في تراتب النشر لكن في الكتابة فهي تمتلك أدواتها الشعرية وجدا.. أما في معنى الخصوصية فتتوزع مناخاتها علينا،وهي تدفع مزيدا الينا من الأسئلة غير المسبوقة من أجل الشعر أولا وفي صالح ما يستحق الدهشة لان الشعلة داخلها متجددة وذات أسلوب باذخ يقوم على البوح بالجمالي وفي الوقت ذاته تقدم لنا نبضا طازجا مترعا بمحمولاته .عبر الإيغال في قراءة التشكيل سواء كان خارج البنية أو ضمن الاسئلة والتحديات التي تحمل إرادتها للمسك بمفاجآت النص الشعري بموضوعية وسط الكثير من الاضاءات الإبداعية (أحتاج أحرفا أقل) (وسماء أكبر لأهمس لك) (أعطشك) ص\123\نجوى هدبة قدمت لنا في استميحك عطرا مجموعة مفردات من المخيلة وضحاياها الجميلة عشق الوطن والابن والحبيب بتناغم متصاعد استطاعت نجوى ان ترسي نمطا يهتك التهميش وصولا الى التساؤلات المقلقة والملغومة تكريما للكتابة وبعيدا عن الثرثرة، وهي تنطوي على منعرجات أرحب وأفاق تعد بالأهم والاكثر عمقا .

 

سورية – سمر محفوض

 

 

جميل حمداويالمقدمة: من المعروف أن المجاز هو مفهوم بلاغي شائك.وغالبا، ما يرتبط بمفهوم الصورة البيانية القائمة على المماثلة والمشابهة. ويتقابل المجاز معرفيا ومفاهيميا مع  الحقيقة.وبالتالي، فهو يحيل على التجاوز، والخرق، والتصرف، والتوسع، والانزياح، والخروج عن الواقع المألوف و دائرة المواضعة العرفية. بمعنى أن المجاز هو الغرابة الإبداعية، وانتهاك الأصل الحقيقي، بتخطي الواقع نحو اللاواقع. ومن ثم، يتأسس المجاز على الاندهاش، والتعجب، والحيرة، والتمرد عما هو واقعي ومعياري ومألوف في عالمي المنطق والقوانين، بالانزياح عنهما، بالانسياق وراء العوالم التخييلية الممكنة.ومن هنا، يلتقي المجاز مع التخييل الشاعري بتكسير القواعد والأنماط المعودة.

إذاً، كيف كان تصور البيانيين والبرهانيين والعرفانيين لثنائية الحقيقة والمجاز  في الثقافة العربية الإسلامية؟ وما مستندهم المرجعي والفكري والإبستمولوجي في ذلك؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في المطالب التالية:

المطلب الأول: المجاز البياني

يقصد بالفكر البياني ذلك المنتج الديني والأدبي والبلاغي والفقهي والأصولي والكلامي الذي أنتجه العلماء المسلمون إبان العصر الوسيط (العصر العباسي). ويعني هذا أن العلماء الذين كانوا يرتبطون بهذه المنتجات كانوا يفكرون تفكيرا بيانيا، بالتركيز على اللغة بمختلف سياقاتها التداولية، والتأرجح معرفيا بين دلالاتها الظاهرة والمجازية. بمعنى أن هؤلاء كانوا يفسرون النصوص والظواهر الدينية والأدبية والبلاغية والدينية والكلامية تفسيرا بيانيا يرتبط بثنائية اللفظ والمعنى.

وهكذا، فلقد تأسس علم أصول الفقه، مثلا، في الثقافة العربية الإسلامية، على دراسة الدلالات اللغوية في ضوء رؤية بيانية محضة. ويعني هذا أنه من الصعب العثور على كتاب أصولي لا يتناول الدلالات اللغوية؛ لأن الاستنباط والاجتهاد مرتبطان بالنص الشرعي من جهة، وبلغة الخطاب الشرعي من جهة ثانية. ويعني هذا أن الدلالات اللغوية الأصولية ذات طبيعة لغوية ومنطقية وسيميائية على حد سواء، مادامت تدرس علاقة الدال بالمدلول، والمطابقة بين الدلالة والاستدلال، أو بين طرائق دلالة اللفظ على المعاني، وطرائق تصرف العقل فيها[1]. وفي هذا الصدد، يقول محمد عابد الجابري:" إذا تصفحنا أي كتاب من الكتب المؤلفة في أصول الفقه، قديمة كانت أو حديثة، فإننا سنجد" أبواب الخطاب" أو "المبادئ اللغوية" حسب تعبير القدماء أو" القواعد اللغوية" حسب تعبير بعض المعاصرين، تشغل عادة ما لايقل عن ثلث حجم الكتاب.وهذا شيء يجد تبريره في تصورهم لموضوع عملهم ذاته. ذلك لأنه إذا كان علم أصول الفقه يدرس، أساسا، " وجوه دلالة الأدلة على الأحكام الشرعية"- والأدلة هنا هي أساسا النصوص: القرآن والسنة- فإن الشاغل الأول والرئيسي لأصحاب هذا العلم سيكون، بالضرورة، هو ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى في الخطاب الذي يتعاملون معه: الخطاب الشرعي.وبما أن هذا الخطاب قد ورد بلسان عربي فإن عملية " الضبط" تلك ستمتد بالضرورة إلى هذا اللسان ككل."[2]

ويعني هذا أن هم الأصولي هو التسلح باللغة العربية، والتمكن من أساليب العرب من أجل فهم النصوص الشرعية، وبناء علم أصول الفقه إن نظرية، وإن تطبيقا.

ومن جهة أخرى، فلقد أعطى الأصوليون أهمية كبرى للحقيقة والمجاز في كتبهم الأصولية من أجل استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ لأن الأحكام الشرعية والفقهية قد تستنبط من سياقاتها الحقيقية، أو من سياقاتها المجازية.وبهذا، تكون ثنائية الحقيقي والمجازي قد تحكمت في مختلف مواضيع أصول الفقه إلى يومنا هذا.لذا، فلقد أدرج علماء الأصول مبحث المجاز والحقيقة ضمن ما يسمى بباب الدلالات. وفي هذا الصدد، يقول أبو الحسن البصري في مستهل كتابه:" أعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وما يتبع كيفية الاستدلال بها، وكان الأمر والنهي والعموم من طرق الفقه، وكان الفصل بين الحقيقة والمجاز تفتقر إليه معرفتنا بأن الأمر والنهي والعموم ما الذي يفيد على الحقيقة وعلى المجاز، وجب تقديم أقسام الكلام وذكر الحقيقة منه والمجاز وأحكامهما وما يفصل به بينهما على الأوامر والنواهي ليصح أن نتكلم في أن الأمر إذا استعمل في الوجوب كان حقيقة. ثم الحروف، لأنه قد يجري ذكر بعضها في أبواب الأمر فلذلك قدمت عليها. ثم نقدم الأوامر والنواهي على باقي الخطاب، لأنه ينبغي أن يعرف فائدة الخطاب في نفسه. ثم نتكلم في شمول تلك الفائدة وخصوصها وفي إجمالها وتفصيلها. ونقدم الأمر على النهي لتقديم الإثبات على النفي، ثم نقدم الخصوص والعموم على المجمل والمبين، لأن الكلام في الظاهر أولى بالتقديم من الخفي. ثم نقدم المجمل والمبين على الأفعال، لأنهما من قبيل الخطاب، ولأن المجمل كالعموم في أنه يدل على ضرب من الإجمال، فجعل معه. وتقدم الأفعال على الناسخ والمنسوخ، لأن النسخ يدخل الأفعال ويقع بها كما يدخل الخطاب. ونقدم النسخ على الإجماع، لأن النسخ يدخل في خطاب الله سبحانه وخطاب رسوله صلى الله عليه دون الإجماع. ونقدم الأفعال على الإجماع، لأنها متقدمة على النسخ، والنسخ متقدم على الإجماع، ولأن الأفعال كالأقوال في أنها صادرة عن النبي صلى الله عليه و سلم. وإنما قدمنا جملة أبواب الخطاب على الإجماع، لأن الخطاب طريقنا إلى صحته، ولأن تقديم كلام الله سبحانه وكلام نبيه أولى. ثم نقدم الإجماع على الأخبار، لأن الأخبار منها آحاد ومنها تواتر. أما الآحاد فالإجماع أحد ما يعلم به وجوب قبولها، وهي أيضا أمارات، فجاورنا بينها وبين القياس. وأما المتواتر فإنها وإن كانت طريقا إلى معرفة الإجماع، فانه يجب تأخيرها عنه كما أخرناها عن الخطاب لما وجب أن نعرف الأدلة. ثم نتكلم في طريق ثبوتها، وإنما أخرنا القياس عن الإجماع، لأن الإجماع طريق إلى صحة القياس...ثم يأتي بعد ذلك الكلام في الحظر والإباحة ثم أخيرا الكلام في المفتي والمستفتي والإصابة في الاجتهاد، وبذلك تختم أبواب أصول الفقه عادة.[3]"

يتبين لنا أن أبا الحسن البصري قد اهتم كثيرا بالدلالات اللغوية التي تسعف الفقيه والأصولي في استنباط الأحكام الشرعية، بالتركيز على الحقيقة والمجاز؛ لأن كثيرا من الأحكام الشرعية والفقهية تنبني على ثنائية الحقيقة والمجاز، ولاسيما في باب الأمر والنهي.

ومن هنا، يتضح لنا أن علم أصول الفقه قد اعتمد على مستند لغوي وبياني محض، مادام هذا العلم يركز كثيرا على الدلالات اللغوية، كما يبدو ذلك جليا في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ولسان العرب. كما يبحث الحقيقي والمجازي عن مختلف العلاقات الموجودة بين الدال والمدلول، أو بين اللفظ والمعنى من أجل استثماره في بناء الخطاب الشرعي الأصولي. وبهذا، يكون المنهج الأصولي بياني بشكل خاص، مادام يستثمر الدلالات اللغوية في بناء الحكم الشرعي والتكليفي.

ويعني هذا أن المجاز والحقيقة لهما مصدر إبستمولوجي بياني ولغوي في ثقافة العصر الوسيط، وقد تمثله رجال الفقه وأصوله، ورجال الأدب ونقده، وعلماء اللغة والنحو، وعلماء الكلام من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية.أي: يُحلل المجاز البلاغي في ارتباط بالحقيقة المنسوبة إلى الواقع من منظور بياني لغوي محض، فيراعى في ذلك وضع اللفظ في لسان العرب، أو البحث في توافقه مع عادة الأعرابي في تلفظه وتواصله.ومن هنا، تستند ثنائية الحقيقة والمجاز إلى ثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وإلى ثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى.بمعنى أن الحقيقة أصل، والمجاز فرع، والعلاقة بينهما علاقة استبدال، ومشابهة، ومماثلة، ومقارنة، وتأويل. وبالتالي، يخضع إشكال الحقيقة والمجاز لثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" إذا نظرنا إلى البحث الأصولي من الزاوية الإبستمولوجية المحض، وفي ضوء هذا الوصف الذي قدمناه لبنية علم الأصول، أمكن القول بدون تردد، إنه، أساسا، بحث في الدلالة، دلالة النص ودلالة معقول النص.أما البحث في دلالة النص، فقوامه عملية استقراء واسعة لأنواع العلاقات التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الخطاب البياني قصد ضبطها وصياغتها في قواعد.وأما البحث في دلالة معقول النص أو معنى الخطاب، حسب تعبير بعض الأصوليين، فيدور حول محور رئيسي واحد هو القياس.والقياس الفقهي هو تمديد حكم الأصل (ما ورد فيه نص) إلى الفرع (ما لم يرد فيه نص) باعتماد معقول ذلك النص نوعا من الاعتماد.وإذاً، فهناك مستويان متمايزان، ولكن متكاملان، في البحث الأصولي: المستوى الذي محوره اللفظ/ المعنى في علاقتهما الثنائية كزوج، والمستوى الذي محوره الأصل/ الفرع والذي يحتل فيه الزوج اللفظ/ المعنى موقع الأصل."[4]

إذاً، يقاس المجاز على الحقيقة، كما يقاس المعنى على اللفظ، ويقاس المقيس على المقيس عليه، أو يُحمل الفرع على الأصل لوجود علة مشتركة.أي: يتحول الأصل إلى الفرع لوجود مشابهة ما، كأن يتحول الحقيقي إلى المجازي، فقد كانت الزكاة في الجاهلية تعني الزيادة والنمو.ومن بعد ذلك، أخذت معنى مجازيا في الإسلام بأنها قدر مادي معلوم يُدفع كل حول، إذا وصل ذلك القدر النصاب الشرعي.

إذاُ، يستند الحقيقي والمجازي إلى ثنائيتين بنيويتين هما: ثنائية اللفظ والمعنى المتعلقة بالدلالات اللغوية التي تساعد الأصولي على استنباط الأحكام الشرعية، وثنائية الأصل والفرع التي تحيلنا على القياس من جهة، والاجتهاد من جهة ثانية. وبما أن عمل الأصولي لغوي محض، مادام يعنى بدراسة الدلالات اللغوية للوصول إلى الأحكام الشرعية، فعمله، إذاً، بياني بامتياز. ويخالف هذا ما يقوم به الفلاسفة الذين يعنون بالبرهان والاستدلال المنطقي في بناء المعرفة الميتافيزيقية .في حين، يعتمد أصحاب الولاية والتصوف على القلب والعرفان الوجداني واللدني.

ولقد كان تناول الأصوليين للدلالات اللغوية والبلاغية (الحقيقة والمجاز) من منطلق لغوي بياني محض، سواء أكان ذلك من الناحية النظرية أم من الناحية التطبيقية. وغالبا، ما كان يقترن انشغال البيانيين بالحقيقة والمجاز بمناقشة قضية الأسماء الشرعية وفق سياقها الحرفي والإيحائي. وفي هذا الصدد، يقول الجابري:" فإن النقاش حولها يرجع في أصله إلى تمييز المعتزلة والخوارج وبعض الفقهاء بين ثلاثة أصناف من الأسماء: الأسماء اللغوية التي تدل على ما وضعت له أول مرة كرجل وحجر إلخ، أو على ما خصصت له بالعرف والاستعمال مثل الدابة التي تدل في أصل الوضع اللغوي على كل ما يدب على الأرض، ثم خصصها العرف والاستعمال على ذوات الأربع.والأسماء الدينية أي التي تحمل معنى دينيا كلفظ الإيمان، ولفظ الكفر، ولفظ الفسق، إلخ...والأسماء الشرعية كالصلاة التي تدل لغة على الدعاء وشرعا على جملة الأفعال والأقوال المعلومة. ويبدو أن الذي أثار المشكل أول مرة هو القاضي الباقلاني أحد أقطاب الأشاعرة.لقد اعترض على القول بأن الشارع نقل الأسماء الشرعية هذه من معناها الذي تواضعت العرب عليه، وهو المعنى اللغوي إلى معنى آخر شرعي، محتجا بأن هذه الأسماء وردت في القرآن، والقرآن نزل بلغة العرب كما نص على ذلك هو نفسه، وبالتالي فلا بد أن تكون معاني هذه الأسماء الشرعية مما كان يعرفه العرب من لغتهم وإلا لم تكن عربية. والشارع لم ينقل هذه الأسماء من معنى إلى معنى آخر، بل أبقاها على معناها اللغوي الأول، ثم شرط أمورا أخرى تنضم إلى ذلك المعنى، وبه أصبحت شرعية .فالصلاة لغة : الدعاء، وفي الشرع دعاء اشترط الشارع فيه الركوع والسجود وقراءة الفاتحة إلخ...هذا ويبدو أن المسألة في أصلها مسألة كلامية ، أعني تنتمي إلى علم الكلام. فالمعتزلة الذين يقولون بالتأويل. أي: بضرورة نقل المعنى اللغوي في الآيات المتشابهات التي تفيد التجسيم إلى معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص.أما الأشاعرة الذين يعارضون التأويل كما يمارسه المعتزلة، فقد كان عليهم أن يفسدوا حجة خصومهم تلك، وقد تولى الباقلاني ذلك كما رأينا."[5]

ولقد نوقشت ثنائية الحقيقة والمجاز، في الفقه وعلم الكلام، مناقشة بيانية، بالتأرجح بين الدلالة الوضعية الحقيقية الأصلية والدلالة المجازية الفرعية، على أساس أن الحقيقة الوضعية هي الأصل والدلالة المجازية هي الفرع أو العكس صحيح أيضا؟ ومن هنا، وقع الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين : هل المعول في هذا على الحقيقة أم على المجاز؟ وفي هذا، يقول عابد الجابري:" اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه ضمن سياق معين صنفان: حقيقة ومجاز.فاللفظ يكون على الحقيقة إذا دل على المعنى المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي، ويكون على المجاز إذا كانت هناك قرينة تجعله يدل على معنى آخر غير معناه المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي.ولكل أقسام وأحكام.فالحنفية مثلا يرون أن المجاز طريق من طرق أداء المعنى مثله مثل الحقيقة.أما الشافعية، فيرون أن اللفظ لايكون مجازا إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة، وبالتالي فدلالته دلالة " ضرورة"، فلا يكون له عموم وإنما يتناول به أقل ما يصح من الكلام...

واختلفوا كذلك في استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد.فلفظ" اللمس" في قوله تعالى:﴿ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (النساء43) يفيد اللمس باليد (الحقيقة) كما يفيد الوطء (المجاز).قال الشافعية إنه لامانع من إرادة المعنيين معا، وقال الحنفية إن المراد هو المعنى المجازي وحده مستدلين على ذلك، من الناحية اللغوية، بكون التعبير عن اللمس جاء على صيغة المفاعلة (الملامسة)، وهي صيغة ترجع المعنى المجازي ( لامس المرأة) على المعنى الحقيقي (لمس جسم المرأة)."[6]

إذاً، ترتبط ثنائية الحقيقة والمجاز بثنائية اللفظ والمعنى. بمعنى أن هناك لفظا حقيقيا ولفظا مجازيا.وهناك أيضا معنى حقيقي ومعنى مجازي.وبالتالي، فلقد كان المنطلق البياني من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة إلى المجاز، ومن الأصل إلى الفرع.ولم يكن إشكال اللفظ والمعنى خاصا بعلم اللغة والنحو والفقه وأصول الفقه فحسب، بل تعدى ذلك إلى الأدب، والبلاغة، وعلم الكلام.

ومن هنا، فلقد تعامل علماء الكلام، من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية، مع ثنائية الحقيقة والمجاز عندما تعاملوا مع ثنائية المحكم والمتشابه في إطار تأويل بياني ولغوي محض.وفي هذا، يقول الجابري:" التأويل في الفكر العربي الإسلامي يخص الخطاب القرآني أساسا. وإذا كان علماء أصول الفقه قد اهتموا أكثر من غيرهم بوضع قوانين لتفسير هذا الخطاب، فإن علماء الكلام قد اهتموا إلى جانب ذلك بوضع حدود لـ" التأويل"، وذلك بربطه بوجوه البيان أي بأنواع العلاقة التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الأساليب العربية. وعلى الرغم  من الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة، من أشاعرة وغيرهم، حول التأويل ومدى اعتماد العقل فيه، فإنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان في التأويل ولا يتعدونها، مما جعل تأويلهم يبقى دائما تأويلا بيانيا يقف في الطرف المقابل لنوع آخر من التأويل يخترق حدود البيان العربي ليحول النص القرآني إلى جملة رموز وإشارات يضمنها أفكارا ونظريات تجد مصدرها في الفلسفات الدينية القديمة والهرمسية منها بصفة خاصة.إنه التأويل العرفاني الذي مارسه الشيعة والمتصوفة ومختلف التيارات الباطنية في الإسلام."[7]

ويعني هذا أن التأويل عند علماء الكلام قد ارتبط ارتباطا وثيقا بثنائية الحقيقة والمجاز، ولكنه تأويل بياني لغوي محض، لم يخرج عن قيود اللفظ والمعنى.

ومن ناحية أخرى، فلقد تأسس الفقه أيضا على ثنائية الحقيقة والمجاز من جهة، وثنائية اللفظ والمعنى من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" أما في مجال الفقه، فلقد كان من نتائج إعطاء الأولوية للفظ على المعنى أن أخذ الفقهاء يشرعون للفرد والمجتمع انطلاقا من تعقب طرق دلالة الألفاظ على المعاني، أي من المواضعة اللغوية على مستوى الحقيقة والمجاز معا فأهملوا ، أو على الأقل همشوا إلى درجة كبيرة، مقاصد الشريعة كما لاحظ ذلك الشاطبي، فأصبحت مقاصد اللغة - إذا جاز التعبير- هي المتحكمة. وهكذا فعوضا عن بناء التشريع على قواعد كلية تستخلص من الأحكام الشرعية الجزئية وتعتمد توخي المصلحة العامة، التي تتطور بتطور العصور، كما نادى الشاطبي بذلك ، بدلا من سلوك هذا المسلك العقلي رهن الفقهاء التشريع بقيود العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهي علاقة محدودة مهما يكن من اتساع لسان العرب، فكان لابد أن يتقوقع التشريع ضمن حدود معينة لايتعداها، مما جعل من اللفظ وطرق دلالته على المعنى- الطرق المحدودة المحصورة بالمواضعة التي أقرت في فترة معينة- كان لابد أن ينتهي إلى استنفاذ جميع الإمكانيات التي تتيحها اللغة، وهي إمكانيات محدودة، خصوصا واللغة المعتمدة هنا لغة محدودة، لغة العرب قبل وقوع الاختلاط.هذا في حين أنه لو أسس التشريع أصلا على مقاصد للشريعة، وهي مقاصد تؤسسها المصلحة العامة والمثل العليا، وليس المواضعة اللغوية، لما انغلق باب الاجتهاد سيصبح معناه حينئذ تحجيم مقاصد الشريعة وتجميدها، وبالتالي تركها والخروج عنها ، وهذا ما حصل بالفعل لأنه لم يكن من الممكن تجميد تطور الحياة ضمن قوالب اللغة، لأنه لم يكن في وسع دلالة الألفاظ على المعنى تغطية جميع ما يستجد من تطورات عبر العصور والأجيال، فكانت النتيجة اللجوء إلى اتخاذ الفروع أصولا والقياس عليها والسقوط بالتالي في إشكالية لاحل لها، إشكالية التعليل في الفكر البياني."[8]

ويعني هذا أن أصول الفقه لم يجدد، بشكل كبير، مواضيعه النظرية والتطبيقية، مادام يستند إلى مباحث اللغة من جهة، ويعتمد كليا على العقل البياني من جهة أخرى.وبالتالي، لم يؤسس العلماء أصول الفقه على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تتجدد بتجدد العصور والأمكنة والأجيال، كما يتبين ذلك بشكل جلي عند أبي إسحق الشاطبي في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة)[9].

ويرى الجابري أن بناء أصول الفقه على البيان اللغوي خطأ منهجي وإبستمولوجي جسيم.وفي هذا الإطار، يقول الباحث:" والخطأ الذي وقع فيه البيانيون، فيما نعتقد، هو أنهم جعلوا من وسائل التنبيه التي يستعملها القرآن قواعد للاستدلال ومنطقا للفكر، ولكن لا باتخاذ النص القرآني سلطة مرجعية وحيدة بل بقراءته بواسطة سلطة مرجعية أخرى هي عالم الأعرابي عالمه الطبيعي والفكري الذي تحمله معها اللغة العربية التي جعلوا منها مرجعية حكما، بدعوى أنها اللغة التي نزل بها القرآن.[10]"

وهكذا، نجد علماءنا القدامى قد درسوا ثنائية الحقيقة والمجاز وفق المنظور البياني الذي يرتبط بمبحث الدلالات اللغوية ، بتمثل لغة العرب من جهة، والاقتداء بأساليب العرب في كلامهم وتواصلهم من جهة أخرى.

المطلب الثاني: المجاز البرهاني

يرتبط الخطاب البرهاني بالفلاسفة المسلمين الذين وظفوا القياس العقلاني الذي ينطلق من المقدمات اليقينية، ويصل إلى النتائج اليقينية، كما يبدو في كتابات كل من الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد.بمعنى أن البرهانيين منطقيون وعقلانيون على حد سواء. ويرون أن العقل هو السبيل الوحيد من أجل الوصول إلى الحقيقة الربانية ، وقد تأثروا في ذلك بالفلسفة الأرسطية بشكل خاص.ومن ثم، يرتكز البرهان كثيرا على علم المنطق باعتباره معيارا للفلسفة من جهة، وأداة لاكتشاف الحقيقة من جهة أخرى.لذا، يعتمد البرهان على الاستقراء، والاستدلال، والاستنباط، والقياس المنطقي.

وعليه، فلقد تعامل الفلاسفة مع ثنائية الحقيقة والمجاز تعاملا فلسفيا برهانيا وعقلانيا ومنطقيا، ولم يتعاملوا معها تعاملا بيانيا أو عرفانيا. وقد أعطى الفلاسفة الأسبقية والأولوية للمعنى على اللفظ، كما يبدو ذلك واضحا عند الفارابي الذي كان يحتكم إلى الواقع، وليس إلى النصوص والافتراضات.في حين، أعطى البيانيون الأولوية للفظ على المعنى. ويعني هذا أن الفلاسفة يعطون الأولوية للحقيقة على المجاز، أو للمعطى الحسي على الصورة الذهنية والمجازية. وفي هذا الصدد، يقول الفارابي:" فإذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها...صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوز في العبارة بالألفاظ، فعبر عن المعنى بغير اسمه الذي جعل له أولا، وجعل الاسم الذي كان لمعنى ما راتبا له دالا على ذاته، عبارة عن شيء آخر متى كان له به تعلق ولو كان يسيرا إما لشبه بعيد وإما لغير ذلك...فتحدث حينئذ...والتوسع الاستعارات والمجازات في العبارة بتكثير الألفاظ، وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها، فيبتدئ حينذاك في أن تحدث الصناعة الخطبية أولا ثم الشعرية قليلا قليلا.[11]"

ويعني هذا أن اللغة قد انتقلت من الحقيقة إلى المجاز، وقد ساهم المجاز في إغناء اللغة وإثرائها بالتجوز، والتصرف، والنسخ، والتوسيع، والتكثير، والتبديل...وأكثر من هذا، فلقد ربطوا المجاز بالوظائف المنطقية والفلسفية والعقلية والبرهانية أكثر من الاهتمام بالوظائف البيانية والعرفانية والنحوية والبلاغية.لذا، يقترن المجازي والحقيقي بالقياس الذي يجري على مستوى المعاني، وليس على مستوى الألفاظ.وبذلك، تترسخ المعاني في الذهن والعقل.ومن هنا، يتحول المجاز إلى عملية استدلالية وحجة برهانية.وبالتالي، يحيلنا الحقيقي والمجازي على المادة والصورة، فتربط الصورة المجازية بالعقل، وليس بالخيال والبيان والوجدان، فتتقابل الألفاظ مع المعقولات.ثم، يخضع هذا كله لتأويل عقلاني وبرهاني.

وينبني المجاز على التأويل عند ابن رشد من خلال تحويل الظاهر إلى الباطن المجازي وفق مبدأ التجوز،" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة- من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي.[12]"

ويعني هذا أن التأويل عند ابن رشد هو تأويل فلسفي برهاني يقوم به الفلاسفة، بالانتقال من الظاهر إلى الباطن، والانتقال من الحقيقة إلى المجاز.أي: وجود تقابل بين الحقيقة والمجاز، فالحقيقة أصل، والمجاز فرع.ومن هنا، تتحول الحقيقة إلى مجاز عن طريق التأويل والتجوز. وينبني التجوز المجازي على المشابهة، أو السببية، أو المقارنة. وهنا، يتحدث ابن رشد عن المجاز الاستعاري والمجاز المرسل.ويدل هذا كله على أن المجاز متعدد الدلالات على عكس المعنى الحقيقي الذي يحمل دلالة واحدة.أي: هناك المعنى الواحد والمعنى المتعدد الذي يمكن فهمه بالتأويل

ويقول ابن رشد في كتابه (الضروري في أصول الفقه)، وهذا الكتاب هو مختصر كتاب (المستصفى) للإمام أبي حامد الغزالي:" والألفاظ، سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة، منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا، وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة، ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ.ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد، وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء، حتى لايفهم أحدها إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة، ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء آخر لشبهه بالمعنى الأول، أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول، وهي بعض ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر، ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ.وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها، فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا، ولنسمه المؤول من جهة الصيغ.وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية، وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق، وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية، ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بتأويل."[13]

يشير ابن رشد إلى أن المجاز قوامه الاستعارة، والاستبدال، والتجوز، والخضوع لعملية التأويل العقلاني والبرهاني.

إذاً، يقوم المجاز على الاستعارة من جهة، والاستبدال من جهة أخرى.  وفي هذا، يقول ابن رشد: " وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي.وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.[14]"

وعليه، نلاحظ أن مبحث الحقيقة والمجاز قد بني عند الفلاسفة على أساس عقلاني برهاني بامتياز.

المطلب الثالث: المجاز العرفاني

يرتبط العرفان بالمتصوفة الذين يدركون الحقيقة الربانية بالحدس، والذوق، والكشف، والقلب.بمعنى أن المتصوفة يرفضون الأخذ بالنص الظاهر والبرهان العقلاني من أجل الوصول إلى الذات الربانية؛ لأن ماهو روحاني لايمكن إدراكه بالنص والعقل معا، بل لابد من استخدام آليتي الكشف والإلهام. ومن هنا، فأهل التصوف هم أهل عرفان، ووجدان، ووصال. وقد اعتمد المتصوفة على المنهج الهرمسي الذي اختلط بالتشيع، والفكر الباطني، والتصورات الغنوصية.بمعنى أن الفكر الصوفي عبارة عن خليط من المؤثرات الداخلية والخارجية؛ حيث تتقاطع فيه مجموعة من العقائد كالمسيحية، والبوذية، واليهودية، والشيعية، والباطنية.ومن الصعب الحديث عن توجه أو منزع صوفي نقي من المؤثرات الخارجية. ومن هنا،" فالعرفان هو في جانب منه موقف من العالم، موقف نفسي وفكري ووجودي، لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير: والطابع العام الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكي من وضعية الإنسان فيه وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفردية والذاتية، تضخيم " العارف" لـ" أنا" ـه.

ينطلق هذا الموقف، أول ما ينطلق، من القلق والشعور والخيبة إزاء الواقع الذي يجد العارف نفسه ملقى فيه: الواقع الذي يعيش فيه كنفس مقيدة في بدن، وكفردية مؤطرة في مجتمع حيث لايلقى إلا ما ينغص ويكدر، إلا ما يجعله يشعر بأنه محاصر ومستعبد، فيبدو العالم له شرا كله، وتصبح مشكلته الأساسية بل الوحيدة هي مشكلة الشر في العالم: لما كان العالم يحتوي على الشر؟ لماذا يطغى فيه الشر؟ وما مصدره؟[15]"

وما يهمنا في هذا المجال هو الحقيقي والمجازي في الخطاب الصوفي، ويتجلى ذلك جليا في المصطلح الصوفي الذي يتخذ وجهين: وجها ظاهريا سطحيا، يدركه عامة الناس عن طريق النص أو النظر العقلي، ووجها باطنيا لايدركه سوى الخاصة من علماء الباطن والسلوك الذوقي اعتمادا على العرفان، والقلب، والحدس. وينتج عن هذا أن للمصطلح الصوفي دلالتين: دلالة حرفية حقيقية لغوية ظاهرية، ودلالة مجازية إيحائية رمزية قائمة على الانزياح والخرق، وتستوجب هذه الدلالة الرمزية المجازية استخدام التأويل لشرح المعاني وتفكيكها. علاوة على ذلك يستخدم الصوفي، في بوحه، وكشفه، وتجلياته، وشطحاته، وكراماته، وكتاباته الوجدانية ، مجموعة من الخطابات التعبيرية منها: الكتابة الشعرية ، و الكتابة النثرية ، والكتابة المقطعية الشذرية ، والكتابة  السردية المناقبية، والكتابة الفلسفية ، وقد يختار كذلك ضمن وسائل الكتابة إما الكتابة الدينية، وإما الكتابة الجدلية. كما ينوع المتصوف أساليبه في التعبير والتصريح والكشف. وغالبا، ما يختار أسلوب المجاز، والتلميح، والإضمار، والإبهام، والإغراب، والغموض، والإيجاز، والإشارات، بدل توظيف أسلوب الوضوح، والبيان، والإظهار. لذلك، يجد الصوفي صعوبة كبيرة في  إيصال الرسالة إلى المتلقي البسيط ، ويفشل في عملية التبليغ وتوصيل التجربة العرفانية الذوقية إلى عموم الناس؛ بسبب عجز اللغة التواصلية التي تمتاز بالمفارقة التعبيرية الناتجة عن قلة الألفاظ، وكثرة المعاني. لذلك، يلتجئ المتصوف، في كتابته التعبيرية، إلى المجاز الموحي، والانزياح اللغوي، والخرق الشاعري، واستخدام اللغة الرمزية المجردة، والإكثار من الاشتقاق اللغوي، وتوظيف طاقة التوليد، والاستعانة بتقنية التوسع والتجوز والتصرف.

ومن المشاكل التي يثيرها المصطلح الصوفي هو تعدد المعاني الصوفية؛ بسبب تعدد التجارب الذوقية الفردية والجماعية، واختلاف المصطلح الصوفي على المستوى الدلالي من متصوف إلى آخر تبعا لاختلاف الممارسة ومدارج المجاهدة المقامية والحالية. ولاينتج هذا التعدد في المعنى إلا عن طريق اللفظ المشترك، واستخدام المجاز، والتضاد، والترادف. ويعني هذا أن هناك توسعا دلاليا بدلا من التخصيص والتضييق الدلالي.أي: يغلب الانزياح المجازي كثيرا على المصطلح الصوفي؛ مما يجعل المعجم الصوفي يعاني من التسيب والمرونة الموسعة في الاصطلاح والتأويل. كما يعود هذا المشكل إلى اللغة الإنسانية في تعبيرها عما هو وجداني وحدسي وفني، فتجدها قاصرة وعاجزة عن التبليغ والتعبير وتحقيق الوظيفة التواصلية. لذا، يعمد المتصوف إلى استخدام لغة الرموز والإشارات والعلامات. وهذا ما يجعل الخطاب الصوفي خطابا غير منجز وغير كامل بسبب الإضمار، والحذف، والإيجاز، والتكثيف الدلالي. ويستوجب هذا كله أن يتسلح الباحث الدارس أو المتلقي الواعي بتقنية التأويل والتفكيك السيميائي، واللجوء إلى القراءة الهرمونيطيقية من أجل التفاعل مع النص العرفاني.

ومن المشاكل التي تترتب كذلك عن توسيع نطاق المصطلح الصوفي خاصية التجريد ، واختلاف المصطلح من حقل إلى آخر، وتطوره عبر مساره التاريخي الذي ۥيحمله من حين لآخر دلالات جديدة؛ بسبب احتكاكه بالمؤثرات الداخلية أو الخارجية، كما هو حال الصلاة، والزكاة، و القلب، والحس، والنفس، والعقل، والروح...

وعلى أي حال، نجمل مشاكل المصطلح الصوفي في تعدد المعاني، وهيمنة المجازي على اللفظ الصوفي، واستعمال اللفظ المشترك، واختلاف التجارب الصوفية العامة والخاصة، واختلاف المفهوم من صوفي إلى آخر. ويعني هذا حسب الأستاذ محمد المصطفى عزام أن" المصطلح قد عرف التعدد والاختلاف أيضا في صور محدودة من حيث صيغه اللفظية، ولكن في معان غير محدودة بسبب تنوع التجارب الروحية وتفاوتها، وهذا التفاوت وذاك التنوع هما اللذان يتحكمان في مضامين المعجم الصوفي، بحيث إنهما ينشئان علائق خاصة بين الدوال ومدلولاتها من جهة، وبينها وبين مصطلحات أخرى في المنظومة الاصطلاحية للسلوك الصوفي، وتلك العلائق تختلف أحيانا كثيرة عن علائق نفس الألفاظ في المعجم اللغوي أو في الحقول الدلالية لتلك الألفاظ...أما اختلاف التعاريف للمصطلح الواحد، فهو بحسب الذوق (أو المشرب أو المقام أو الوقت) عند كل صوفي،هذا الذوق الذي يحكم عليه عادة من وجهة النظر العامة بأنه ذاتي(غير موضوعي)، ولكنه عند الصوفية عين"الموضوعية الروحية" التي يعتبرونها أوسع من كل موضوعية وضعية، ذلك أن كل صوفي يسلم للآخر فهمه أو ذوقه باعتبار مقامه أو وقته(حاله)،وفي ذات الوقت فإن الصوفية أكثر من غيرهم إدراكا للطبيعة المجازية والتحكمية(الاعتباطية) للغة، ذلك أن انفصال تجربتهم الروحية عن العرف العام يجعلهم يحبون انفصالا حقيقيا بين مدلول اللفظ بحسب العرف العام، ومدلوله بحسب العرف الخاص الذي يشعر به الصوفي ولايدرك منه غيره إلا المعنى العرفي العام، ومن ثم فإنهم اعتبروا اصطلاحاتهم وتعاريفها مجرد إشارات إلى معان هم أدرى بحقيقتها، وهذه الحقيقة ليست هي المصطلح المشير إليها، كما أن اللفظ اللغوي ليس هو ما يدل عليه".[16]

وإذا كان الفلاسفة يستخدمون العقل النظري في اكتشاف الحقيقة، فإن الصوفية يستعملون العرفان الوجداني واللدني في ذلك، ويعني هذا أن المصطلح الصوفي ينقسم إلى ظاهر له دلالة سطحية حرفية، وباطن يتسم بلغة مجازية انزياحية رمزية مجردة.

وإذا كان إشكال الحقيقي والمجازي يرتبط عند البيانيين باللفظ والمعنى، فإن هذا الإشكال يرتبط عند المتصوفة بالظاهر والباطن. ومن هنا، كان التأويل إستراتيجية مهمة في قراءة النصوص العرفانية وتفسيرها.ويعني هذا أن المتصوفة كانوا يؤولون الآيات القرآنية المجازية وفق رؤيتهم العرفانية، بالانتقال من الباطن المجازي إلى الظاهر الحقيقي.في حين، كان علماء اللغة والفقه يؤولون هذه الآيات وفق رؤية بيانية ولغوية محضة، منتقلين من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة على المجاز. وفي هذا، يقول أبو نصر السراج الطوسي:" إن العلم ظاهر وباطن.وهو علم الشريعة الذي يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة.والأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح وهي العبادات والأحكام...وأما الأعمال الباطنة، فكأعمال القلوب وهي المقامات والأحوال...ولكل  عمل من هذه الأعمال الظاهرة والباطنة علم وفقه وبيان وفهم وحقيقة ووجد...فإذا قلنا: علم الباطن أردنا بذلك علم أعمال الباطن التي هي الجارحة الباطنة وهي القلب، وأما إذا  قلنا: علم الظاهر أشرنا إلى علم الأعمال الظاهرة التي هو الجوارح الظاهرة وهي الأعضاء، وقد قال تعالى:﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (لقمان 20).فالنعمة الظاهرة ما أنعم الله تعالى بها على الجوارح الظاهرة من فعل الطاعات، والنعمة الباطنة ما أنعم الله تعالى بها على القلب من هذه الحالات. ولا يستغني الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر، وقد قال الله عز وجل﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعمله الذين يستنبطونه منهم﴾ ( النساء83) ، فالعلم المستنبط هو العلم الباطن، وهو علم أهل التصوف لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك...فالعلم ظاهر وباطن والقرآن ظاهر وباطن، وحديث رسول الله (صلعم) ظاهر وباطن، والإسلام ظاهر وباطن.[17]"

والمقصود بالظاهر والباطن هو الحقيقي والمجازي، فالظاهر هو الحقيقة، والباطن هو المجاز، ويتحقق ذلك عبر التأويل الذي يقوم بعملية استبدال دلالة المجاز (الباطن) بدلالة الحقيقة (الظاهر).

وعليه، إذا كان البيانيون ينتقلون من الحقيقة إلى المجاز، أو من اللفظ إلى المعنى، فإن العرفانيين ينتقلون من المجاز إلى الحقيقة، أو من الباطن إلى الظاهر.أي: يترجمون تجاربهم العرفانية والذوقية المجازية بلغة الظاهر والحقيقة والواقع  الحسي.

الخاتمة:

وخلاصة القول، لقد ناقش البيانيون والبرهانيون والعرفانيون إشكال الحقيقة والمجاز وفق منظورات مختلفة. ومن هنا، فلقد درس اللغويون والفقهاء والمتكلمون والبلاغيون والأدباء والنقاد وعلماء أصول الفقه ثنائية الحقيقة والمجاز ضمن تصور بياني ولغوي محض؛ حيث ربطوها بمبحث اللفظ والمعنى من جهة، ومبحث الأصل والفرع من جهة أخرى.

أما المتصوفة العرفانيون، فقد درسوا الحقيقة والمجاز وفق ما يسمى بثنائية الظاهر والباطن، في شكل مصطلحات ومفاهيم تتجاوز الدلالات السطحية الظاهرة إلى دلالات مجازية موحية ورمزية وإشارية تفهم ضمن السياق الصوفي.

 أما الفلاسفة، فقد ربطوا ثنائية الحقيقي والمجازي بالبرهان العقلاني من جهة، والمنطق المادي والحسي من جهة أخرى. ويعني هذا أن مبحث الحقيقة والمجازي يؤدي، في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، في العصر الوسيط، وظائف العقلانية، والمنطقية، والفلسفية، والبرهانية.

وعليه، يعبر الحقيقي والمجازي على الصراع الحاد بين مختلف الطوائف التي كانت تعيش إبان العصر الوسيط، فقد كان الفقهاء يكتفون بالظاهر النصي خوفا من اندلاع الفتن والإحن والقلاقل، وكانوا يحاربون المعارضين الآخرين بسلاح النص والظاهر، فيرفضون تأويل المجاز، ثم يكتفون بسلطة النص الظاهرة.

في حين، كان المتصوفة يختفون وراء أسوار الباطن من أجل التعبير عن آرائهم بكل حرية وصدق إن ولاء، وإن براء؛ وكان المتصوفة الشيعة يتخذون التقية سلاحا لصد مختلف الضربات والطعنات الموجعة التي كانت توجهها سلطة الظاهر إلى من يعارض منظومتها السياسية والفكرية. ومن هنا، فلقد كان الباطن هو الملجأ الآمن من أجل النجاة والخلاص والتحرر من قيود الظاهر وسلطته الطاغية.

أما الفلاسفة، فقد كانوا يتأرجحون بين الظاهر والباطن، ويدافعون عن العقل البرهاني وفق التأويل المجازي؛ لأن الحقيقة عندهم ليست هي حقيقة الظاهر التي يدافع عنها الفقهاء السنيون، بل هي حقيقة المجاز والباطن معا، ولكن بالمفهوم البرهاني والعقلاني والمادي الحسي.

 

د. جميل حمداوي

...........................

الهوامش:

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[1] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[1] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[1] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[1] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[1] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[1] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[2] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[3] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[4] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[5] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[6] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[7] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[8] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[9] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[10] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[11] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[12] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[13] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[14] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[15] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[16] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[17] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

سماح خليفةقراءة في ديوان "ما يشبه الرثاء" للشاعر: فراس حاج محمد

عندما تقرأ لفراس حاج محمد؛ فاعلم أنك أمام "فخ" لغوي ودلالي، فاحذر أن تقع في الفخ....

"ما يشبه الرثاء" ذكرني بكتابَي فراس "كأنها نصف الحقيقة"، و"يوميات كاتب يُدعى x"، مع الفرق شعرا ونثرا وتميُّز "ما يشبه الرثاء" بالمستوى اللغوي والدلالي عن سابقيه.

في كتابه "كأنها نصف الحقيقة"، وجدت الحقيقة كاملة، وفي يوميات كاتب يدعى x "، كان الكاتب علَما بارزا.

فراس لديه من فراسة اللغة ودلالتها ما جعله يتألق ككاتب وشاعر وخاصة في ديوان "ما يشبه الرثاء"، وجعله أيضا يرتفع بمستوى قرائه؛ فبعد أن كان كثير من قرائه يقعون في فخاخه ويكتفون بوجه الماء كمرآة تعكس مكنون البحر، أصبحوا في ما بعد يغوصون في الأعماق؛ ليقينهم بأن ما أمامهم ليس سرابا، بل بحر لجيّ عميق يتطلب خبرة في الغوص واكتشاف مكنونات هذا البحر القيّمة.

لم أجد في "ما يشبه الرثاء" ما يستحق التركيز على كلمة "الرثاء" في دلالتها الحقيقية، رغم وجود بعض القصائد التي تنزف وجعًا وتتوارى في غياهب الحزن والظلم، لأن الشاعر في كل مرة يقترب فيها من الفناء من العدم، يستفيق بالفطرة؛ لينفض عنه غبار الموت وينتصر للحياة من جديد، وهكذا يراود الحياة عن نفسه فالموت فالحياة، حالة بين بين، يتأرجح بين ضمير ال"أنا" وال"أنت" في القصيدة، والتي وردت على سبيل المثال خمس مرات في مقطع واحد. هو الصراع من أجل البقاء من أجل الانتصار للحياة التي تخضر رغمًا عنه في قلبه، رغم حيادية الجسد الظاهرة، كما أورد "يورق الحزن" في قصائده.

كان الشاعر في هذا الديوان بين الرثاء والثناء، بين الفرح والحزن، بين الألق والتواضع، بين الحب والفقد،  بين الحياة والموت، إلا أنني وجدت الأمل ينتصر دائما في النهاية، وهذا هو فراس يجلد ذاته ويقدرها في نفس الوقت، هو يحاول الرثاء فلا ينجح ص22 (المجد للذات الشقية كلما تذوي تجد الولادة في الكلام!)، وفي الولادة تتجدد الحياة،  ص27 (تنمو وتفرح من جديد...البحر يغسلها...تصحو غدا إذا ما هزها الوجع المجيد) الأمل، الفرح، يغسل، تصحو، هزّ، المجيد...كلمات إيجابية  طغت على الوجع، ص9 (يا ليتني وقصيدتي كنا حجر...وفؤاد طيري من حجر.. لعرفت ساعتها بأني أشعر الشعراء وأندى من حضر.. لكني ما كنت إلا مثلهم عراب أحلام الضجر)، تبقى "ليت" لتبقى قصيدة الشاعر وقلبه ينبضان،  وهذا يفسر التقاء الضدية في كلمتي"حجر، الضجر" و"أندى، أحلام".

 وفي ما يشبه الرثاء كان هناك بعض المحطات أو بعض الفخاخ التي وقع القارئ فيها مما حجب عنه جماليات الديوان.

 الجنس الذي اعتبره البعض "مقززا خارج عن الأدب"، هو جزء من الفخ الذي تعمده الشاعر والذي أغرق البعض في ضبابية اللغة والدلالة وجعلهم يَرْثون الشاعر في واقع الحال، ويصرفون النظر عن مكنونات الديوان الثمينة، والتي أيضا كانت على حساب المرأة من وجهة نظر البعض، ففراس يعيش في برزخ اللغة والفلسفة، أنصف اللغة في كتاباته ولم ينصف المرأة في لغته لقارئ ربما يأخذ الأمور بسطحية، كما في نصه ص126"صف من النسوان" ، لكني أجده يصور الأمور من زاوية أبعد، من زاوية المشاهد المنخرط في المجتمع الواقعي. فراس هو شاعر لا يبوح إلا بصوت مسموع، على عكس الشعراء الذين ينحتون اللفظ والمشاهد ويجملون ويؤنقون؛ ليبقوا في برزخهم العاجي، وهذا الكلام يخالفه الكثيرون، ولكن هذا هو فراس تمردت الكلمات على لسانه وقلبه وجوارحه وحتى جسده حتى نبتت لها أجنحة وحلقت دون رقيب.

 أما عدا المرأة فنجد محطات كثيرة تستحق الوقوف (تعب على تعب مركب)  ص159 ،هو بذلك يتذوق التعب  في المرحلة الحرجة بين شفير الواقع وبرزخ اللااحتمال، وهذا يبدو حصيلة ما يواجهه الشاعر والكاتب والنبي وصاحب الكلمة الحرة من تنمرفي مجتمع يبدل الحقائق ويفسرها حسب الأهواء والمصالح حتى تتشوه الصور، وهذا ما كان في قصيدة "لم يعد أحد بريئا" ص 85، يوسف هنا هو صورة كل مضطهد مظلوم تعرض للتنمر من القوى المحيطة حتى أظهرته بمظهر (هذا اليوسف الباغي وهذا ما صنعت يداه) وشخصيا وجدت هذا التنمر شبيها بما تعرض له الشاعر فراس من تنمر، وأذكر قول  أحدهم عنه وقتها "خليه مستاهل من صنع إيده"

حتى القصيدة التي جاءت بعنوان صريح "رثاء"،  في الجملة التي كررها (قولي له قد مات)، لم يورد في القصيدة سببا واحدا مأساويا أو سوداويا يبرر فكرة الموت، بل كل حدث أو صورة أوردها كانت جميلة، وتكراره لعبارة (قولي قد مات) دليل تمسكه بالحياة، وكأني به يقول : أنا ما مت، وهذه  إيجابية مشرقة، ويعود في نهاية النص يقول (يا ليته ما مات) وهنا إشارة حقيقية لتشبث "أنا" الشاعر بالحياة الفعلية والموت الإبداعي لدى الشاعر.

يشير فراس إلى القمع الممارس على الكتاب والشعراء وعلى حرية الكلمة بشكل عام سواء من السلطة أو من موروثات الأهل ص27(الناس عند زهورها تستأذن الجلاد كي تنمو وتفرح من جديد)، ص8 (وأتيتكم أبكي عليّ/عليكم وعلى كل الحروف النازفات بروح أغنية الشعوب المستريحة في مسالخها...وأتيتكم لأقول لكم...الغول قد أكل الكلام وسد حلق المنشدين)،  ص11 (نحو أمٍ مثل شيخ عشيرة تلقي الأوامر...ونحن نبحث عن مراهقة تحب بلا حساب...مثل رائحة السنين المستبد...تاريخ الحروف العفنة!)

ونجد فراس في بعض النصوص يعود بجلد ذاته ص87 (يا أنَّتي انتقمي مني كثيرا....)  ص17 (هو هكذا شبح يعيش بلا جسد)، ص34 (الشعر لا يشفع لي لأكون حبيبا علنيا...كيف سأظهر معها وأنا أعاني ما أعاني من عرج ونحول وشيب...)، ص86 قصيدته "منتهي الصلاحية".  لكن تراه كطائر العنقاء ينهض من جديد في نص آخر، كما في قصيدته ص149 "خطبة الدكتاتور" هذه القصيدة الطافحة بالوجع لا يستطيع في نهايتها إلا ان ينتصر للحياة بعبارته (ينهض كالفراشة حاملا مني نطفة لن تموت).

والسؤال الملح: أي إبداع هذا الذي يولده الحزن؟!! ص94 وقصيدة "سورة الزمن الحزين" وغيرها من قصائد تلح على الدارس أن يتناول كل قصيدة على حدة لدراستها والنهل من جمالياتها الإبداعية.

أي حزن يستظل بموت وهمي؛ ليأبى الموت الحقيقي لقلب فلسطين القدس، ص118 القدس (المدينة لا تموت).

أي حزن وألم يتماهى مع الفقراء المتعبين؛ ليبدع في صوره الفنية ص120 (كل المسافرين إلى المدينة يسيرون إلى الهباء تطحنهم عجلات اقتصاد السوق).

أوجعتنا يا فراس وأمتعتنا، أمتّنا وأحييتنا، كسرت قلوبنا ثم أنبت لها أجنحة؛ لتحلق من جديد....

هذا الشاعر الذي كلما زاد وجعه زاد إبداعه وتمسكه بالحياة، لا نستطيع إلا أن نتمنى لقلبه الحياة، ولروحه التحليق، ولقلمه النزف أكثر وأكثر وأكثر.........

الديوان يقع في 194 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن دار طباق للنشر والتوزيع.

 

بقلم: سماح خليفة

 

جميل حمداوي("شعلة ابن رشد" لأحمد المخلوفي أنموذجا )

مقدمة: يتميز بناء رواية (شعلة ابن رشد) للروائي المغربي أحمد المخلوفي بأنه بناء مهجن ومركب من مجموعة من المقامات والمداخل المتسقة والمنسجمة بواسطة الكولاج (Collage) الذي يعد تقنية فنية وجمالية قائمة على التقطيع والتركيب، أو تقنية تشكيلية تعنى بتجميع العناصر وتركيبها في توليفة إبداعية منظمة ومنسقة ومهجنة.

إذاً، مامفهوم الكولاج؟ وما آلياته؟ وماوظائفه؟ وكيف تم استثماره في الخطاب الروائي العربي؟

المطلب الأول: مفهوم الكولاج

يتحدد الكولاج بكونه مفهوما إجرائيا في حقل التشكيل من جهة، وحقل المسرح من جهة أخرى. ويشتق الكولاج من فعل (Coller) بالفرنسية الذي يعني ألصق. ولقد اشتق مفهوم الكولاج من اللفظ ( collar ) ، والذي اخترعه (Georges Braque )، وبابلو بيكاسو ( Pablo Picasso ) في بداية القرن العشرين للميلاد، عندما أصبح الكولاج جزءا مهما في الفن الحديث.

و من هنا، فالكولاج هو عبارة عن تقنية فنية وجمالية تقوم على توليف العناصر و تركيبها جزئيا أو كليا، سواء أكانت تلك العناصر متنافرة أم منسجمة. ويعني هذا أن الكولاج هو تجميع لأشكال وعناصر وقطع ومواد مختلفة لتكوين عمل فني جديد. إن استخدام هذه التقنية كان له تأثيره الجذري بين أوساط الرسوم الزيتية في القرن العشرين كنوع من الفن التجريدي الجاد. وقد تمت تسميته من قبل الفنانين جورج براك الفرنسي و بابلو بيكاسو الإسباني في بدايات القرن العشرين. ويتضمن عمل الكولاج الفني قصاصات الجرائد، والأشرطة، وأجزاء من الورق الملون المصنوعة يدوياً، ونسبة من الأعمال الفنية الأخرى، والصور الفوتوغرافية وما إلى ذلك؛ حيث يتم تجميع هذه القطع والقصاصات، وتلصق على قطعة من الورق أو القماش.

وقد نشأ الكولاج، أو فن لصق القصاصات، في الصين، عندما اخترع الورق في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً. ومع ذلك، فإن استخدام الكولاج ظل محدودا حتى القرن العاشر للميلاد، حين بدأ الخطاطون في اليابان باستعمال مجموعة من القصاصات من الورق ليكتبوا على سطحها إنتاجهم من الشعر. وارتبط ميلاد وتطور فن الكولاج الحديث بميلاد موجة جديدة في الفنون أطلق عليها الحداثة.[

أما في أوروبا، فلقد ظهرت تقنية الكولاج في القرون الوسطى خلال القرن الثالث عشر للميلاد، عندما بدأت الكاتدرائية ( Gothic Cathedrals )، باستخدام لوحات تصنع من أوراق الأشجار المذهبة، والأحجار الكريمة ، وبعض المعادن الثمينة في اللوحات الدينية. وفي القرن التاسع عشر للميلاد، استخدمت طرق الكولاج أيضا بين أوساط هواة الأعمال اليدوية في شكل تذكار، مثل: استخدامهم لها في تزيين ألبومات الصور والكتب.

ولقد ارتبط الكولاج بالفن التشكيلي التجريدي الذي ظهر في بداية القرن العشرين من أجل الانسلاخ على الواقع ، وعدم التقيد بمدأ المحاكاة المباشرة. ومن أهم رواده الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي ( Wassily Kandinsky ) صاحب الاتجاه التجريدي الشاعري، والهولندي بييت موندريان ( Piet Mondrian ) وكازمير ماليفيتش ( Kasimir Malevitch ) صاحبا التجريدية الهندسية. ومن ثم، تتخلى التجريدية عن تصوير العالم الخارجي المرئي، وتعوض ذلك بالرؤى الداخلية الجوانية والتصورات الخيالية الشخصية للمبدع الفنان باعتماد الألوان والخطوط والأشكال، دون أن تكون لها أدنى صلة بالعالم المادي الحسي. وبعد ذلك، تتراكب هذه العناصر في اللوحة التشكيلية ضمن علاقات شكلية قائمة على التآلف أو التنافر من خلال اللعب على قوانين التضاد، والتقابل، والتماثل، والتشتت..

ولقد استعمل الكولاج في المسرح المغربي بشكل لافت للانتباه، كما ببدو ذلك عند محمد مسكين الذي شغل الكولاج باعتباره فضاء دراميا تشكيليا، وقوامه" تكديس مواد طبيعية في العمل المسرحي، ولكنها في الواقع تعني ملء الركح بما هو حي، وما يؤسس الحرارة انطلاقا من مبدأ الانفصال عن ما هو مألوف من الأشكال والألوان، والالتحام بعالم مرئي جديد ينقذ عين المتلقي من هيمنة الأشكال والمظاهر المعتمدة في الثقافة الرسمية.

إن الطريف في هذا التصور للكولاج المسرحي هو أنه يعتبر تمردا ضد المسرح المؤسساتي الموجه وضد التشكيل الأكاديمي المعقلن. كما أنه يعتبر لدى محمد مسكين فرصة لتحقيق الطابع الشمولي الكلي للإبداع المسرحي عن طريق المساهمة الجماعية بما في ذلك الجمهور، كما يعتبر وسيلة لدرء التخصص الذي يؤدي إلى بتر العملية الإبداعية وتجزئتها.

وهذا يعني في الأخير خلق لغة رمزية بمواد بسيطة نقوم بتطويعها وتحويلها إلى موضوع جمالي يعكس أحلامنا وقضايانا (خيوط-أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام.. ) ، الشيء الذي يجعل تقنية الكولاج المسرحي توازي ماتسميه سيمياء المسرح بالإشارية الموضحة التي ترمي إلى إعادة تأسيس عنصر مادي."[1]

ويعني هذا أن محمد مسكين قد تعامل مع خشبة المسرح ، باعتبارها فضاء تشكيليا يتقاطع فيه ماهو لغوي وماهو بصري، بل عمد إلى توظيف مجموعة من العناصر السينوغرافية السيميائية ذات الوظائف المتعددة لتشكيل عرضه المسرحي. وفي هذا الصدد، يقول محمد مسكين:" لهذا، فالمسرح النقدي يجب أن يعتمد على الجانب المرئي في خطابه الإبداعي من خلال مخاطبة عين المتلقي عبر أشكال ومواد جديدة (خيوط - أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام- قصب.. إلخ)"[2].

وعليه، يذكرنا العمل المسرحي بهذا الشكل بعمل الفنان التشكيلي الذي يضمن لوحاته الزيتية أو المائية مجموعة من العناصر والمواد الطبيعية والاصطناعية الخارجية، فيلصقها بشكل فني وجمالي فوق سطح الخشبة. بيد أن ما يلاحظ على هذه العناصر والملحقات الخارجية في عروض محمد مسكين أنها ذات طبيعة سيميائية وظيفية .أي: إنها علامات ورموز وإشارات دالة[3]. وبالتالي، تحمل هذه العلامات دلالات فطرية وطفولية.ومن ثم، فإن" الكولاج المسرحي - حسب محمد مسكين- لايمتلك قيمة في ذاته، ولكن فيما يحمله من دلالات وما يولد من إحساسات جميلة لدى الناس، إحساسات باللذة والسعادة والجمال والمعنى، تعيدهم إلى الطفولة إلى ماهو بكر ومكبوت فيهم، وإلى تعدد الألوان والأشكال لحد اللامعقول في أسواقنا الشعبية ومداشرنا."[4]

وهكذا، نصل إلى أن محمد مسكين، في بنائه التنظيري، قد اهتم كثيرا بالأحداث والشخصيات واللغة والحوار والتراث والتواصل بين الممثل والجمهور أكثر من اهتمامه بالمكان والفضاء. ولكن ثمة إشارات فضائية تفهم من سياقات كتابته النظرية التأسيسية. وعلى الرغم من ذلك، يدعو محمد مسكين إلى فضاء جدلي بريشتي؛ فضاء اللحظة والمعايشة الواقعية، بالدعوة إلى استخدام سينوغرافيا الكولاج، أو ما يسمى بالفضاء التشكيلي السيميائي. ويعني هذا أن محمد مسكين يتمثل السينوغرافيا الوظيفية أو المتعددة الوظائف؛ حيث يصبح الديكور أو المكان أو السينوغرافيا المسرحية علامة سيميائية متعددة الأبعاد والدلالات والمرجعيات حسب المقام، والسياق، ومقتضى الحال .

المطلب الثاني: آليات الكولاج

يتحقق الكولاج، في رواية (شعلة ابن رشد)، بمجموعة من التقنيات والآليات المنهجية واللغوية واللسانية:

Œ الكولاج بواسطة المقامات الصوفية والعرفانية: مقام الدخول، ومقام الجوى والقدرة والتحدي، ومقام النجدة وتعرية الرهان، و في مقامات الحضرة والتشكيل، ومقام الأسئلة الحارقة، ومقام الخروج..

 الكولاج بالدخول والخروج: (مقام الدخول ومقام الخروج).

Ž الكولاج بالتقطيع أوالتركيب: ويسمى أيضا بالديكوباج (Découpage) والمونتاج (Montage). ويعني هذا أن أحمد المخلوفي، كعادته، يقطع روايته إلى مجموعة من المشاهد والمناظر واللوحات والمقاطع والحلقات المتشذرة، ثم يركبها ويجمعها في نسيج سردي واحد متسق ومنسجم دلاليا وعضويا، ويخيطها بطرائق فنية وجمالية متنوعة.

الكولاج باللوحات والمشاهد المرتبطة بكل شخصية على حدة ( بوح ابن رشد، وخلوة مع ابن ميمون، وحفريات رشدي الجابر، وفي رفقة ابن عربي رأيت.. ).

الكولاج بالميتاسرد أو الميتاقص (Métarécit): ويقصد به ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، ويهتم برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة، وتشكيل عوالم متخيل السرد، والتأشير على صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام.

ويحقق الخطاب الميتاسردي وظيفة ميتالغوية، أو وظيفة وصفية (Fonction métalangage)، تهدف إلى شرح الإبداع مظهرا ونشأة وتكونا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثنائه، وبعد الانتهاء منه. ويذكرنا هذا الخطاب بالميتامسرح، وخطاب السينما داخل السينما، والسيرك داخل السيرك، كما يحيلنا هذا المفهوم على الروائية، أو ما يسمى كذلك بالرومانيسك (Romanesque).

ويعني هذا كله أن الخطاب الميتاسردي كتابة نرجسية بامتياز،تقوم على التمركز الذاتي، وسبر أغوار الكتابة الذاتية، والتشديد على الوظيفة الميتالغوية بمفهوم رومان جاكبسون (Roman Jakobson).

علاوة على ذلك، يسائل الخطاب الميتاسردي طرائق تكون الإبداع ونشأته، ووصف عملية الكتابة وخطواتها، ورصد التناص، والمناص، والنص الموازي، وتبيان أنواع التداخل بين النص الإبداعي والنص الميتاسردي، هل هو قائم على التأطير التعاقبي أو التناوبي أوالمتوازي أو المتقاطع؟! فضلا عن تبيان عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتاسردي، والعكس صحيح أيضا.

واليوم، لم يعد الخطاب الميتاسردي، أو الميتاقص، مجرد تضمين أو تداخل النصوص السردية فحسب، بل يتخذ عدة أشكال تتعلق بالتناص، والنص الموازي، والعتبات، والبناء السردي، والخطاب النقدي، والخطاب التنظيري، ومتخيل القراءة، وتعدد السراد والرواة، وميتاسرد الشخصية، وتكسير الإيهام السردي، ورصد عوالم الكتابة، وشرح تكون السرود انبناء وتشكيلا وتركيبا، وتبلورها فنيا وجماليا ودلاليا ورؤيويا. ومن ثم، يرتكز الخطاب الميتاسردي على تصوير عالم الكتابة السردية، وتجسيد قلق الكتابة، وتبيان كيفية تفكير القصة أو الرواية أو الحكاية في نفسها أو ذاتها بطريقة نرجسية أو مرآوية ذاتية. وإذا كان السرد - من جهة- يشخص الذات والواقع، فإنه- من جهة أخرى- يشخص أيضا ذاته، ويرصد عملية الكتابة نفسها، ويبرز مراحل تكونها وتطورها إلى أن يستوي النص السردي عملا إبداعيا، ويستقبله القارئ الضمني أو المفترض استهلاكا، وتقبلا ، وقراءة،وتوصيفا، ونقدا.

ومن أمثلة الميتاسرد ما يلي:

"انتفض وجداني على وقع كلماته، فانسابت ينابيع الماضي كجدول رقراق ملأ بفيضه جوانب روحي الظمآى.. تحرك خيالي تجاه توأم روحي، وعدت أطوي صفحات اللحظة القاتمة من عصري، بحثا عن صفحات الحب والثورة.. غصت في التيه اللذيذ وفي مراتع الخصب.. وعصف بي الحنين لذاك التصابي المجدول بتوق العشق الذي كان يربطني بها..

حين عدت أدراجي مكرها ثملا على وقع نحنحته، داريت تلهفي المستعاد، وقلت بصوت مبحوح لايزال مضطربا بأمواج عشق خضت اضطراب لذتها بعشق قلب صوفي: لكأن ما أعانيه من ثقل المشاهد المؤلمة لراهن عصري؛ من إرهاب أعمى، ومن تراجع مخيف للقيم العقلانية والإنسانية، وهيمنة الفكر الظلامي، وسيادة مدن الغلبة والتحكم، هو وراء هذا الحنين، وهذا التصاب إلى ماض جميل كنا فيه أعزة لا أذلة.. ماض ببهاء ذلك الكون الذي كان ولم يعد بعد.. فاغفر لي يارشدي فورة مراهقتي المتأخرة وعودتها لمن كانت هيامي قبل اغتصابها وترحيلي من جنتها.. لذا حين ذكرتني أثرت مواجع الحنين إليها فسافرت بخيالي نحو أطلالها..

ــ لابأس صديقي.. فما الرواية إن لم يكن الحب مغموسا بها نديا بعطرها، عروسا في محفل مدارها.. والآن أرغب صديقي في أن توجز لي مجمل القضايا التي ستكون محور روايتك.. أوجز لي فقط، وإن كنت على دراية أن الكتابة الروائية بحق، لابد لها أن تكسر الثوابت، ولا تسترفد منها إلاما يلائم عالمها الخاص..

قلت هي قضايا ثلاث، لكنها تظل مرنة في انفتاحها على قضايا أخرى قابلة للدمج والتطور.. أما كيفية تناولها؛ فهو أمر معقد قد لا يدركه غير المتمرسين الحقيقيين في عالم الرواية..

فالأولى تتعلق بإمكانية استعادة روح ابن رشد من أجل الفهم والتحليل والنقد والترشيد والتخفيف من حدة ما يسمى اليوم بالإسلام السياسي والتطرف الديني.. ثم التمييز العنصري. هذه الروح، لا تزال تمثل، في تقديري، النموذج الأرقى للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا؛ سواء في طرح مسائل الشريعة والعقيدة والعلم والفلسفة والسياسة طرحا يتمثل التراث والفكر المعاصر، أوفي التشبع بالروح النقدية وبالفضيلة العلمية والخلقية.. أو في طرح قضايا فلسفية وإنسانية أخرى من شأنها أن توحد البشرية جمعاء..

أما الثانية فهي ذات صلة بالآخر؛ ذلك الغرب الذي انتزع منا ابن رشد نحو ضفته الأخرى.. فأضاء بشعلته تاريخه المظلم، وبنى بها حضارة فكر وعلم لم يحلم بها. فنحن حين ملنا به خارج التاريخ، هم أدخلوه في عمقه.. هذا الآخر صديقي، هو هاجسي في الكتابة. لقد بت أراه الآن بوجهين: .. وجها للعقل والجد والابتكار والعلم والديمقراطية.. ووجها قبيحا يتمثل في تمركزه وانغلاقه وعدوانيته ومؤامراته.. وأخيرا عنصريته المتخفية بقفاز وردي يخفي تحته كيدا وشرا مستطيرا.. هذا الآخر، مرة أخرى، يشغلني.. يثير اهتمامي.. لقد أخذ منا عقلانية ابن رشد ثم تنكر لنا.. أخذ منا جيلنا الأول والثاني فبنى بهما مدنه وقراه ثم تنكر لهما الآن.. كما أخذ منا الأوطان كلها يوما.. وحين غادرها أبقى على من يستنزف خيراتها حتى الآن.. ولعلك سيدي تعلم ما عاناه كذلك إبني صابر وغيره من عنصرية مقيتة وهو مجرد طالب علم في دياره.. لذا لن أسكت عن تشخيص ما عانه في عملي؛ وحتى إن قصرت الحديث عنه أو عن بعض أصدقائه، فإن مدار الحديث في مجمله يحوم حول مهاجرى ديار الغرب كافة: من طلبة وعمال.. وحتى بعض الكوادر العلمية منها..

أما الموضوعة الثالثة، فتتعلق بلهفتي المتزايدة في البحث عن العلاقة بين العقل والقلب، أو إن شئنا القول، بالبحث عن المصالحة بين البرهان والعرفان.. ففي اعتقادي أن أزمة العقل مرتبطة بأزمة القلب. فالإنسان الغربي، فقد جانب الروح، لما بالغ في تقديس دور العقل على حسابه.. والقيم الخيرة، في أصل وجودها، مرتبطة بوجودهما معا، كارتباط البرودة بالحرارة.. أو كالارتباط السوي بين الروح والعقل في الإنسان.. ونحن نكاد أن نفقد جانب الروح فينا، حتى ولولم نتوفق حتى الآن، في إرساء دعائم العقل والعقلانية في تفكيرنا وسلوكنا وتدبير شؤون أمورنا في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية وهلم جرا.. لذا، فلتسمح لي صديقي أن أغامر بقلمي في ثبج العرفان وشواطئه . وأن لا ألزم نفسي كما ألزمت نفسك لما نعته وصفته بلحظة الوعي الزائف، أو بالمعرفة التي تأسست بواسطة جهاز ميتافيزيقي فيضي.. وأن هذه القوى المعانقة له حين تتجه به نحو الحاضر أو المستقبل، فإنها تعيش فقط في حلم ما أخفقت في تحقيقه على أرض الواقع.. قلت: إنك صوت ابن رشد في موقفه من العرفان .. [5]"

يقوم الميتاسرد على تركيب النص الخيالي والنص الإبداعي من البداية حتى النهاية في صيرورة مهجنة ؛ حيث يلخص مضمون النص ويوسعه عبر مدارج الرواية وتشعباتها.

‘ الكولاج باستعمال الأوراق: وتتمثل في أوراق صابر: الورقة الأولى، والورقة الثانية، والورقة الثالثة، والورقة الرابعة، والورقة الخامسة، والورقة السادسة، والورقة السابعة، والورقة الثامنة، والورقة التاسعة، والورقة العاشرة، والورقة الأخيرة..

’ الكولاج باستعمال الفصول: فصل من محاكمة لم تنته حتى الآن.

“ الكولاج بالتزمين: عود على بدء نكساتي، وفي الصباح رحلت، ويوم رحيل ابن رشد، ولم حين أمسكت الشعلة رحلت يارشدي.. ؟

” الكولاج البصري أو الفضائي أو السيميائي: ويقصد به مجمل العلامات البصرية كالفواصل وعلامات الترقيم والنجيمات والفراغ والامتلاء؛ حيث تقوم بلاغة البياض والسواد بدور مهم في توزيع الأدوار والملفوظات السردية، وتشذير اللوحات والمشاهد بشكل منظم ومهجن.

إذاً، يرتبط المعيار البصري بالجهاز الكتابي والطباعي الذي يظهر فوق الصفحة [6]. ويقترن أيضا بكل العلامات الطيبوغرافية التي يتضمنها النص أو الخطاب، كتقسيم المعطى المعروض إلى جمل مفصولة بعلامات الترقيم، وتقطيعه إلى فقرات ومقاطع وفصول ومشاهد ومناظر ولوحات وأبواب وعناوين أساسية وفرعية وداخلية ومقطعية، وتشغيل حروف رقيقة أو مشبعة بالسواد، وتنويع خطوط الكتابة التي قد تكون فوق الصفحة أفقية أو عمودية أو مائلة أو منحرفة. كما يحيل هذا المعيار على ثنائية البياض والسواد ، ولاسيما في النصوص الشعرية والسردية. ويحيل كذلك على عالم الأيقونات والمخططات والمؤشرات البصرية التي يزخر بها النص، و يمكن أن تصبح ، بشكل من الأشكال، من معايير التقطيع، والتدليل، والتسوير، والتحديد، والتسييج الموضوعاتي. ويعني هذا أن وجود فراغ بصري ما، أو وجود بياض بجوار السواد، أو ووجود نجمات أو نقط أو دوائر ، أو أشكال أيقونية فاصلة بين النصوص الصغرى أو الكبرى، يمكن اعتمادها لتقطيع المتن إلى مقاطع نصية دالة ومعبرة.

بيد أن المعيار البصري الذي يعد معيارا طبيعيا ومؤشرا ابتدائيا أوليا في عملية التقطيع، يبقى، في بعض الأحيان، غير كاف وغير ضروري لتحديد مقاطع النص أو الخطاب [7]. لذا، يلتجئ الدارس أو محلل النص أو الخطاب إلى معايير أخرى قد تكون فضائية أو صرفية أو نحوية أو تركيبية أو تداولية.. بغية مواجهة النص، وإخضاعه، من ثم، لمنطق التشريح والتركيب.

• الكولاج بالتبئير والتنويع: يهتم هذا الكولاج بتبئير الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة، وتنويعها ضمن نسق موحد موضوعيا وعضويا، وضمن بناء مهجن متسق ومنسجم.

11- الكولاج التركيبي: يستند المعيار التركيبي، في تقطيع النصوص والخطابات، إلى مجموعة من الروابط النحوية التي تسهم في تحقيق اتساق النص وانسجامه. ومن بين هذه الروابط: لكن ، على الرغم من، هذا وإن، وعلى العموم، بيد أن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،ويعني هذا، أي ، والمقصود بهذا، غير أن، وهكذا..

إذاً، تسهم هذه الروابط التركيبية في تبيان المقاطع النصية والخطابية، وتحديدها بشكل جلي وواضح، وتمييزها عن بعضها البعض، وهي تحقق بذلك ما يسمى بالاتصال الانفصالي (Conjonction disjonctive) ؛ حيث " تستعمل على المستوى التركيبي لإبراز علاقة الاتصال بين مقطعين يوجد بينهما تعالق، لكن كل مقطع يتميز من الآخر، ويتحقق ذلك حين ابتداء المقطع اللاحق عن السابق برابط من هذه الروابط.".[8]

ويعني هذا أن هناك مجموعة من المؤشرات والروابط والمحددات النحوية والتركيبية التي تفصل بين المقاطع اتصالا وانفصالا. وقد تكون هذه المقاطع التركيبية مقاطع إثبات، أو مقاطع تضاد ، أو مقاطع تعارض، أومقاطع تناقض ، أو مقاطع تضمن ، أو مقاطع استدلال وبرهنة وحجاج وإقناع ، أو مقاطع شرح وتفسير وتعليل، أو مقاطع إضافة وزيادة، أو مقاطع استنتاج، أو مقاطع شرط وافتراض، أو مقاطع مقارنة وموازنة، أو مقاطع تقويم وحكم، أو مقاطع تأكيد وتقرير، أو مقاطع استشهاد وتمثيل واستنساخ واقتباس وتضمين.. وتضفي الروابط التركيبية المقطعية على النص والخطاب اتساقا وانسجاما ولحمة بنيوية تسمى بالوحدة العضوية والموضوعية.

12- الكولاج بالاتساق والانسجام: يتحقق الكولاج عن طريق مجموعة من الوسائل اللغوية الظاهرة التي تسهم في ترابط النص وتماسكه.ويعني هذا أن اتساق النص يتحدد ابتداء من الجملة الثانية إلى آخر جملة في النص، بالتوقف عند الروابط اللغوية، والتركيبية، والمعجمية، والدلالية، والوظيفية، كأن نحدد روابط الإحالة، وروابط الحذف، وروابط الاستبدال، وروابط السببية، وروابط الوصل، وروابط الاستنتاج، وروابط التعارض.. ويسمى هذا بروابط الاتساق والالتحام التي تتمثل في الضمائر المتصلة والمنفصلة، وأسماء الإشارة، وحروف العطف، والأسماء الموصولة، والتكرار، وأسماء الشرط..

كما يتحقق الكولاج بالانسجام الذي يعني مختلف العمليات الذهنية التي يستعملها المتلقي لإعادة بناء النص وتركيبه من جديد. بمعنى أن المتلقي يستخدم مجموعة من العمليات والإستراتيجيات المنهجية لفهم النص وتفسيره وتأويله، أو تفكيكه وتركيبه. ومن بين هذه العمليات: المشابهة ، والمماثلة، والتأويل، والعنونة، والتغريض، والبنية الدلالية، والمدونات، والمخططات، والسيناريوهات، والأطر، والاستدلال، وغيرها من المفاهيم الضمنية التي تسهم في بناء النص وخلق انسجامه الدلالي والوظيفي.

13- الكولاج الشخوصي والعاملي: يعد المعيار العاملي (المرسل- المرسل إليه- الذات- الموضوع- المساعد- المعاكس)، أو المعيار الشخوصي (الشخصيات الرئيسة أو الثانوية) ، أو المعيار الفاعلي (الفاعل التيماتيكي أو المعجمي أو الكلامي) من أهم المعايير التي يعتمد عليها في الكولاج؛ لأن ظهور فاعل أو عامل أو شخصية في ساحة الأحداث، أو غيابها ليحضر عامل أو فاعل آخر، يسهم - بلا شك- في تحديد المقاطع النصية بشكل مضبوط ودقيق. كما أن الصراع بين العوامل لتحصيل الموضوع المرغوب فيه. بالإضافة إلى ربطها بالبرامج السردية تحفيزا، وتأهيلا ، وإنجازا، وتقويما، يمكن أن يشكل ذلك محددات أساسية في عملية تقطيع النصوص والخطابات. كما أن ربط الشخصيات والفواعل بالأغراض الدلالية والأدوار المعجمية قد يساعد المحلل السيميائي على ضبط عملية التقطيع والتقسيم. ويعني هذا أن هيمنة الشخصية داخل متوالية نصية أو خطابية يجعل من تلك المتوالية وحدة سردية مستقلة بنفسها، يمكن أن تتحول إلى مقطع نصي أو خطابي.

ومن هنا، ترتبط مجموعة من مقاطع الرواية ولوحاتها المتعددة والمهجنة بمجموعة من الشخصيات الفاعلة والعاملة والنامية كشخصية ابن رشد، وشخصية مانويلا، وشخصية السارد الأكبر، وشخصية السي الخلفي، وشخصية رشدي الجابر، وشخصية صابر، وشخصية ابن عربي، وشخصية خديجة أعراب، وشخصية روز، وشخصية حي بن يقظان، إلخ..

خاتمة:

وخلاصة القول، يسهم الكولاج في اتساق النص الروائي وانسجامه، وفي تحقيق الوحدة الموضوعية والعضوية. كما يقوم الكولاج بدور مهم في تركيب النص بنيويا وعضويا، وخلق لحمته الداخلية، وبناء نسيجه النصي الخارجي، باستثمار تقنيتي التقطيع والتركيب من جهة، وربط البداية بالنهاية من جهة أخرى، وتحويل النص إلى بناء متسق ومنسجم ، أو تفكيكه إلى لوحات ومشاهد ومتواليات سردية مشذرة ومقطعة لها جمالياتها الإبداعية الخاصة بها.

 

جميل حمداوي

.............................

[1] - د.حسن المنيعي: المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة،منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ ظهر المهراز، فاس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص:69.

[2] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[3] - دمحمد جلال أعراب: خطاب التأسيس في مسرح النقد والشهادة، مطبعة تريفة، بركان،المغرب، الطبعة الأولى ، سنة 2009م، ص:27-28؛

[4] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[5] - أحمد المخلوفي: شعلة ابن رشد، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م، صص:16-18.

[6] - Greimas, A.J : Maupassant, la sémiotique du texte, Seuil, Paris, 1976, p : 19.

[7] - Greimas, A.J Op.Cit, p: 19.

[8] - عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م ، ص:15.

 

جميل حمداويالمقدمة: تعرف الأسلوبية (Stylistique) بأنها دراسة الأسلوب دراسة علمية، في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهيرمونيطيقية [1]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية، والسيميائيات، والتداوليات. وتهتم بوصف الأسلوب بنية، ودلالة، ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي، والتي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب وتجويده بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية، والمقطعية، والدلالية، والتركيبية، والتداولية. وبالتالي، تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، بجرد مواصفاته المتميزة، وتحديد سماته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار ذلك كله في المتلقي أو القارئ ذهنيا ، ووجدانيا، وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية، وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب.

المطلب الأول: مفهوم الأسلوبية

اشتقت الأسلوبية (Stylistique)، في الثقافة الغربية، من الكلمة اللاتينية (Stilus)، ومن الكلمة الإغريقية (Stylos)، ومن الكلمة الفرنسية أو الإنجليزية (Style). وتعني هذه المشتقات، في دلالاتها الأصلية، أداة الكتابة. وبعد ذلك، استخدمت الكلمة للدلالة على طريقة الكتابة أو فن الكتابة. ويعرف الأسلوب اصطلاحا بأنه" اختيار لغوي من بين بدائل متعددة، إذ إن الاختيار سرعان ما يحمل طابع صاحبه، ويشي بشخصيته، ويشير إلى خواصه"[2]. كما تهتم الأسلوبية باللغة الأدبية، وتعنى بعطائها التعبيري[3].

وعليه، فالأسلوبية هي مقاربة منهجية نظرية وتطبيقية، يمكن تمثلها في الحقل الأدبي والنقدي لمقاربة الظواهر الأسلوبية البارزة التي تميز المبدع، وتفرده عن الكتاب والمبدعين الآخرين.ومن جهة أخرى، تنكب الأسلوبية ، بصفة خاصة، على دراسة الأجناس الأدبية، وسبر أدبية النصوص والخطابات والمؤلفات،  ودراسة الوظيفة الشعرية، والتمييز بين الأساليب حقيقة ومجازا، وتعيينا وتضمينا، برصد الأشكال والبنى الأدبية والسيميائية، واستكشاف بلاغة النص، وتحديد المستويات اللسانية للخطاب من: صوت، ومقطع، وكلمة، ودلالة، وتركيب، وسياق، ومقصدية، وربط ذلك كله بموهبة الفرد المبدع، أو العمل على دراسة الأسلوب في ضوء المعطيات النفسية أو الاجتماعية.

المطلب الثاني: أنوع الأسلوبيات

يمكن الحديث عن مجموعة من الأسلوبيات في الحقل الأدبي والنقدي واللساني ، و يمكن حصرها في ما يلي:

1- Œالأسلوبية المثالية: التي ترى أن الأسلوب نتاج فكر فردي، يعكس شخصية الكاتب أو المؤلف، ويستجلي إرادته ومزاجه وثقافته وعوالمه النفسية والاجتماعية، وهذا يشبه ما قالت به الوضعية العقلية أو المثالية الفلسفية. وقد ظهرت مع فاندت(Wendt)، وهيجو شوشاردت(Hugo Ernst Mario Schuchardt)، وكارل فوسلر(Karl Vossler)، وبنديتو كروتشه(Benedetto Croce)... ؛

2- الأسلوبية التعبيرية: هي التي تهتم بالتعبير عن العواطف والمشاعر والانفعالات ، وقد تبلورت مع شارل بالي(Charles Bally)، وماروزو (Marouzeau)[4] ، وكروسيه (Crosset)...

Ž3- الأسلوبيــة اللسانيــة: يعد فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure )المؤسس الحقيقي للأسلوبية اللسانية، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابه( محاضرات في اللسانيات العامة)[5]؛ حيث بلور مجموعة من المستويات اللسانية التي لها علاقة بالأسلوب، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي. وقد تبنى دوسوسير دراسة اللغة بدل الكلام؛ لأن الكلام فعل حر فردي منعزل، من الصعب دراسته وتجريده وتصنيفه. على عكس اللغة، فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية تتسم بالثبات، ويمكن رصدها بشكل لائق صوتيا، وصرفيا، ودلاليا، وتركيبيا.

علاوة على ذلك، فلقد ناقش دو سوسير قضية الدال والمدلول في علاقتهما بالمرجع، وقد دافع أيضا عن دراسة اللغة سانكرونيا بدلا من دراستها دياكرونيا وتاريخيا . وقد اهتم أيضا بالعلاقات الاستبدالية والتركيبية في دراسة اللغة، وميز بين الأسلوب التقريري الحرفي والأسلوب المجازي الموحي. ومن ثم، فلقد أصبحت الأسلوبية جزءا أو شعبة من شعب اللسانيات العامة؛ لأنها تستعين باللسانيات، وتستعير منها مفاهيمها التطبيقية، وتقتبس منها تصوراتها النظرية...

ويعني هذا كله أن الأسلوبية الغربية بصفة عامة، والأسلوبية الفرنسية  بصفة خاصة، قد استفادت كثيرا من آراء فرديناند دوسوسير. وفي هذا السياق نفسه، يمكن استحضار رولان بارت الذي تحدث بدوره عن مجموعة من المفاهيم اللسانية التي أصبحت مقولات أسلوبية، كالدال والمدلول، واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والتركيب والاختيار... في كتابه القيم: ( عناصر السيميولوجيا)[6]...؛

4- الأسلوبيـــة الجديـــدة: يعد ليوسبيتزر (Leo Spitzer) من رواد الأسلوبية المعاصرة[7]، فلقد اهتم في البداية بربط النص في مختلف تجلياته الأسلوبية بنفسية المبدع أو الكاتب، متشبثا بمقولة بوفون مرة أخرى:" الأسلوب هو الكاتب نفسه".إلا أن ليو سبيتزر كان يعنى برؤية الكاتب إلى العالم أكثر من اهتمامه بتفاصيل سيرته الذاتية، واستقصاء جزئيات حياته الفردية والبيوغرافية.

وفي المرحلة الثانية، تخلى ليو سبيتزر عن فكرة الكاتب الخارجي الذي يحيل عليه النص أسلوبيا، ليهتم بالإجراءات الأسلوبية، ويعنى بأنظمتها البنيوية الحاضرة في النص. وقد تحدث ليو سبيتزر عن الأثر الأسلوبي الذي يعد عنده مفهوما اصطلاحيا واسعا، ويشمل الفكر والعاطفة معا. وما يميز الأثر الأسلوبي عنده هو تأثيره في القارئ أو المتلقي من خلال فرادة الأسلوب أو انزياحه، أو غموضه وإبهامه، أو عدم استساغته ضمن سياق إبداعي ما، أو  بروزه بشدة.

وما يميز سبيتزر أيضا أنه قد اهتم بدراسة المؤلفات في ضوء أسلوبية معاصرة، ولم يهتم باللغة في عموميتها.  وقد ركز كذلك على  خصوصية اللغة، وفرادة الأسلوب، وتميزه الخاص... ومن ثم، فشخصية الكاتب هي التي تضفي على العمل الأدبي اتساقه وانسجامه. كما أن خصوصية الأثر تتجلى في الانزياح عن المعيار أو المألوف.

5 - الأسلوبيــة البنيويـــة: ظهرت الأسلوبية البنيوية في سنوات الستين من القرن العشرين  مع أعمال كل من: رومان جاكبسون (R.Jakobson)، وتودوروف (Todorov)، وكلود بريمون (Bremond)، ورولان بارت (Barthes)، وجيرار جنيت(Genette)، وجماعة مو(Groupe Mu)، وجون كوهن (J.Kohen)، وجوليا كريستيفا (Kristeva)، وكريماص (Greimas)، وجوزيف كورتيس (J.Courtèse)، وميشيل ريفاتير (M.Rifaterre) الذي كتب مجموعة من المقالات النقدية والأدبية. وقد توجت هذه الأبحاث كلها بكتاب في السبعينيات من القرن نفسه بعنوان: (أبحاث حول الأسلوبية البنيوية)[8]. ومن ثم، فلقد اهتم ريفاتير بلسانية الأسلوب ، وتفكيك الشفرة التواصلية في إطار علاقة المرسل بالمرسل إليه. وبالتالي، فلقد ركز على آثار الأسلوب في علاقتها بالمتلقي ذهنيا ووجدانيا. كما ربط الأسلوبية باستكشاف التعارضات الضدية، وتبيان الاختلافات البنيوية التي يتكئ عليها أسلوب النص.علاوة على هذا، فلقد اهتم بالانزياح في تعارضه مع القاعدة والمعيار، واعتنى أيضا بدراسة الكلمات في تموقعها السياقي. بمعنى أنه كان يدرس الأساليب بنيويا وسياقيا.وبعد ذلك، انتقل ميشيل ريفاتير إلى سيميوطيقا الشعر وإنتاج النص[9]، مركزا بشكل خاص على القارئ النموذجي في استكشاف الواقعة الأسلوبية فهما، وتفسيرا، وتأويلا.

6- الأسلوبيـــة الإحصائيـــة: يعد بيير غيرو (Pierre Guiraud) من رواد الأسلوبية الإحصائية[10]. دون أن ننسى شارل مولر(Ch.Muller) في كتابه: (المعجمية الإحصائية: مبادئ ومناهج)[11]. وقد اهتم بيير غيرو خصوصا باللغة المعجمية[12] ، موظفا المقاربة الإحصائية في استكشافها.أي: لقد ساهم غيرو في تأسيس موضوعاتية إحصائية، برصد بنيات المعجم الأسلوبي لدى مجموعة من المبدعين، مثل: فاليري، وأبولينير، وكورناي...، وتتبع المعجم إحصائيا في المؤلفات الأدبية، باستقراء الحقلين: الدلالي و المعجمي. ومن ثم، فلقد اهتم بالكلمات- الموضوعات (التيمات) التي تميز كاتبا أو مبدعا ما، مستثمرا آليات الإحصاء، كالتكرار، والتردد، والتواتر، والضبط، والعزل، والجرد، والتصنيف...أي: كان يهتم بكل ما يتعلق بأسلوبية المؤلف، ويشكل هويته، ويبين فرادته، ويؤكد تميزه الإبداعي[13].

وعلى العموم، فلقد انصب بيير غيرو على دراسة المعجم في المؤلفات الأدبية المتميزة بتوظيف الإحصاء، واستلهام المقاربة التاريخية التطورية للكلمات (ETHMOLOGIE).ويتضح ذلك جليا في كتابه: (اللسانيات الإحصائية: المناهج والمشاكل)، وفي كتابه الآخر: (البنيات الاشتقاقية للمعجم الفرنسي)[14] الذي يتتبع فيه الباحث تاريخ الكلمات الفرنسية.

7- الأسلوبية السيميوطيقية: ظهرت السيميوطيقا الأسلوبية (Sémiostylistique) في 1990م مع جورج مولينيي (Georges Molinié) الذي اشتهر بمجموعة من الدراسات الأسلوبية تعريفا وتقعيدا وتطبيقا، من بينها: الأسلوبية[15]، ومعجم الأسلوبية[16]، والسيميوطيقا الأسلوبية[17]، ومقاربات التقبل[18]، والهرمسية المحرفة، أو نحو هرمينوطيقا مادية[19].

وقد أدمج جورج مولينيي الأسلوبية ضمن السيميوطيقا العامة للثقافة المعاصرة. وتعني الأسلوبية عنده تمثلا ثقافيا لأنظمة القيم الجمالية والأنتروبولوجية.

المطلب الثالث: نحو أسلوبية سوسيولوجية

ترتبط الأسلوبية السسويولوجية بالمنظر الروسي ميخائيل باختين(M.Bakhtine). وهي لاتكتفي بالخطاب اللغوي الداخلي فحسب، بل تربطه بالخارج المجتمعي.ويعني هذا أن الأسلوبية السوسيولوجية تدرس الأسلوب من الداخل أولا، ثم تحاول ثانيا أن تدمجه في البنى المجتمعية، بتبيان موقف الكاتب من العالم، وإبراز السياق الاجتماعي الذي أفرز هذا النوع من الأسلوب، والإشارة إلى ما يحمله ذلك الأسلوب من دلالات ومقاصد اجتماعية مباشرة وغير مباشرة. وفي هذا، يقول باختين:" هذا التفرد يتطلب أسلوبية ملائمة، لايمكن أن تكون إلا أسلوبية سوسيولوجية.فالحوار الداخلي الاجتماعي للخطاب الروائي يستدعي الكشف عن سياقه الاجتماعي الملموس الذي يعدل مجموع بنيته الأسلوبية وشكله ومحتواه، فضلا عن أنه لايعدله من الخارج وإنما من الداخل. ذلك أن الحوار الاجتماعي يرن داخل الخطاب نفسه، وداخل كل عناصره،  سواء تلك التي تخص المحتوى أو تخص الشكل."[20]

ويعد ميخائيل باختين من المؤسسين الرواد للأسلوبية السوسيولوجية، مادام يدرس الأسلوب الروائي في ضوء البنية المجتمعية ، أو يدرسها وفق اللسانيات الخارجية ذات البعد المرجعي . لذا، فقد خصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك( شعرية دويستفسكي) [21]، وكتاب(إستيتيقا الرواية ونظريتها)[22]، و( الماركسية وفلسفة اللغة)[23].

بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى هذه الأسلوبية السوسيولوجية بشكل من الأشكال. ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة بعنوان:( الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته)[24]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه( حول لغة الأدب الفن) الصادر في مسوكو سنة 1959م[25]، ول.جروسمان في كتابه( طريق دويستفسكي)[26]، وأوتو كاوس في كتابه( دويستفسكي ومصيره)[27]، وف.كوماروفيتش في كتابه( رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية)[28]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه( رواية دويستفسكي الإيديولوجية)[29]، وف.لوناجارسكي في مقاله( حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي)[30]، وف. كيربوتين في (ف.م.دوستويفسكي)[31] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه( مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي.)[32]، وب.أوسبنسكي في كتابه(شعرية التأليف)؛ حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة، يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقـيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[33]

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول الأسلوبية السوسيولوجية عند باختين ما كتبه تزتيفان تودوروف (T.Todorov) بعنوان(ميخائيل باختين والمبدأ الحواري)[34]، وماكتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها (السيميوطيقا)[35]...

وإذا انتقلنا إلى  الدراسات العربية في مجال الأسلوبية السوسيولوجية، فنستدعي- في هذا الصدد- دراسة حميد لحمداني المعنونة (أسلوبية الرواية)[36]، ودراسة سيزا قاسم (بناء الرواية)[37]، ودراسة محمد برادة (أسئلة الرواية وأسئلة النقد)[38]، ودراسة عبد الحميد عقار (الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب)[39]، ودراسة عبد الله حامدي (الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة)[40]، ودراسة الحبيب الدائم ربي (الكتابة والتناص في الرواية العربية)[41]، ودراسة إدريس قصوري (أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)[42]، ودراسة جميل حمداوي (أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي)[43]...

وعليه، فلقد ظهرت الأسلوبية السوسيولوجية في بداية القرن العشرين بديلا للأسلوبية الشعرية التي لم تكن تهتم بالرواية بشكل جدي.وفي هذا، يقول باختين:" قبل القرن العشرين، لم يكن هناك تناول دقيق لمشكلات أسلوبية الرواية، قائم على الأصالة الأسلوبية للخطاب داخل النثر الأدبي.

لقد كانت الرواية، أمدا طويلا، موضوعا لتحليلات إيديولوجية بطريقة تجريدية، ومجالا لأحكام يصدرها الإعلاميون. كان هناك إهمال تام للمشكلات الملموسة، أو أنها كانت تدرس بسرعة وسطحية بدون الاعتماد على أي مبدأ.وكان خطاب النثر الأدبي معتبرا وكأنه خطاب شعري بالمعنى الضيق، فكان يطلق عليه، بدون أي حس نقدي، مقولات الأسلوبية التقليدية (المرتكزة على دراسة الوجوه البلاغية)، أو أنه كان يقع الاكتفاء بمصطلحات جوفاء لتوصيف الخصائص المميزة للغة: كانوا يتحدثون عن تعبيريتها وعن صرامتها وعن سلاستها، بدون أن يعطى لهذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد.

وخلال نهاية القرن الماضي، وفي مقابل التحليل الإيديولوجي التجريدي، تزايد الاهتمام بالمشكلات الملموسة للنثر داخل العمل الأدبي، وبالمشكلات التقنية للرواية والقصة. ومع ذلك لاشيء تغير فيما يخص مشكلات الأسلوبية: إذ يكاد يقتصر التركيز على مشكلات التأليف (بالمعنى الواسع) لكن دائما بدون معالجة جذرية وملموسة للخصوصيات الأسلوبية في خطاب الرواية والقصة. إنها ماتزال أحكام قيمة، وملاحظات آنية صادرة عن ذهن تقليدي، لاتلامس حتى الجوهر الحقيقي للنثر الأدبي."[44]

ويعني هذا أن مشاكل الرواية كانت تدرس وفق الأسلوبية الشعرية التي كانت تلامس قضايا الرواية والقصة وفق الصور البلاغية، ووفق مواصفات الأسلوب بالمفهوم التقليدي، ولم تكن تدرس القضايا الاسلوبية وفق بناها الداخلية من جهة، وفي ارتباطها بالبنى السوسيولوجية من جهة أخرى.

ومع القرن العشرين، تشكلت أسلوبية سوسيولوجية جديدة تعنى بالرواية البوليفونية[45] ، أو الرواية المتعددة الأصوات واللغات والأساليب.وفي هذا، يقول باختين:" حوالي العشرينيات، تبدل الوضع، وأخذ خطاب الرواية النثري يكتسب مكانة داخل الأسلوبية.فمن جهة، ظهرت مجموعة تحليلات أسلوبية ملموسة لنثر الرواية، ومن جهة أخرى، بدأنا نشهد محاولات جذرية لفهم وتحديد التفرد الأسلوبي للنثر الأدبي انطلاقا مما يميزه عن الشعر.

إلا أن تلك التحليلات والمحاولات أظهرت بوضوح أن جميع مقولات الأسلوبية التقليدية، بل ومفهوم الخطاب الشعري الذي تعتمد عليه، غير قابلة للتطبيق على الخطاب الروائي.ذلك أن هذا الأخير قد أبان عن أنه الحجر الأساس في كل تفكير حول الأسلوبية، لأنه أظهر ضيق الأسلوبية وعدم ملاءمتها لكل مجالات اللفظ الأدبي الحي.

إن جميع محاولات التحليل الأسلوبي الملموس للنثر الروائي إما أنها تاهت وسط الأوصاف اللسانية للغة الروائي، وإما أنها اكتفت بإبراز عناصر أسلوبية معزولة قادرة على الاندراج (أو فقط تظهر مندرجة) ضمن المقولات التقليدية للأسلوبية. وفي كلتا الحالتين، تند الوحدة الأسلوبية للرواية وخطابها عن الباحثين.

إن الرواية ككل، ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد، أحيانا، على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة...هذه الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة تتمازج، عند دخولها إلى الرواية لتكون نسقا أدبيا منسجما، ولتخضع لوحدة أسلوبية عليا تتحكم في الكل، ولا نستطيع أن نطابق بينها وبين أية وحدة من الوحدات التابعة لها."[46]

بمعنى، أن الأسلوبية السوسيولوجية هي التي تدرس الأساليب واللغات المشخصة في الرواية وفق سياقها السوسيولوجي والإيديولوجي والمجتمعي والمرجعي. وتعنى أيضا باستجلاء حوارية اللغة وبوليفونيتها وديالوجيتها داخل نسق تعددي كلي يتجاوز  اللسانيات الداخلية إلى اللسانيات الخارجية.

ومن هنا، لاتعرف الأسلوبية التقليدية " مطلقا هذا النوع من التجميع للغات والأساليب التي تكون وحدة عليا.إنها لاتعرف كيف تتناول الحوار الاجتماعي النوعي للغات الرواية، كما أن تحليلها الأسلوبي لايتجه نحو مجموع الرواية، وإنما يقتصر على هذه الوحدة التابعة أو تلك. فالباحث، من هذا الاتجاه، لايلمس الخصوصية الأولية للجنس الروائي، ويستبدل موضوع بحثه بالوقوف عند الجزئيات، وبالإجمال، فإنه يحلل شيئا مختلفا جدا عن الأسلوب الروائي ! إنه يكتب للبيانو تيمة سيمفونية (تقودها الأوركسترا).

ويمكن لذلك الاستبدال أن يتم بطريقتين: في حالة أولى، بدلا من تحليل أسلوب الرواية، يقدم لنا وصف للغة الروائي( وفي أحسن الحالات، لغات الرواية) وفي حالة ثانية، يبرز أحد الأساليب التابعة التي يقع تحليلها كأنها أسلوب مجموع الرواية."[47]

ومن هنا، تنصب الأسلوبية السوسيولوجية على دراسة الرواية المهجنة من جهة، ودراسة الرواية المتعددة اللغات والأساليب والأصوات ذات البعد الحواري والبوليفوني.

وعلى العموم، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن الأسلوبية قد ظهرت في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر ، قبل ظهور اللسانيات بمختلف مدارسها وفروعها، والهدف من ذلك هو وصف الخصائص الأسلوبية داخل الأثر الأدبي أو النص الإبداعي، باستكشاف مميزاته الفنية والجمالية ، وتبيان أثر ذلك في المتلقي ذهنيا ووجدانيا. ومن ثم، فلقد خرجت الأسلوبية من معطف البلاغة المعيارية لتتشابك - منهجيا- مع اللسانيات، والشعرية، والتداوليات، والسيميائيات...

ومن ثم، فلقد مرت الأسلوبية الغربية عبر مراحل أربع: مرحلة الكاتب، و مرحلة النص، ومرحلة القارئ، ومرحلة السياق. في حين، مرت الأسلوبية العربية بمجموعة من المراحل المتداخلة والمتشابكة، يمكن تحديدها في مرحلة البيان، ومرحلة المعاني، ومرحلة البديع، ومرحلة النظم، ومرحلة المحاكاة والتخييل...ومن هنا، فالأسلوبية لا تقتصر على الشكل فقط، بل تتعداه إلى الفهم والتفسير الهيرمونيطيقي.أي: تجمع بين الشكل والمعنى.

وتتفرع الأسلوبية إلى مجموعة من الاتجاهات والمدارس، كالأسلوبية المثالية، والأسلوبية التعبيرية، والأسلوبية المعاصرة، والأسلوبية الإحصائية، والأسلوبية اللسانية، والأسلوبية البنيوية، والأسلوبية السوسيولوجية...

ويلاحظ على السيميوطيقا الأسلوبية أنها مقاربة  مركبة وانتقائية وتوفيقية، تجمع بين مجموعة من التصورات النظرية السيميائية والشعرية والجمالية والأسلوبية التي قد تتناقض مع بعضها البعض في بعض الأحيان. فالسيمويطقا السردية عند كريماص لاتعتد بماهو أسلوبي؛ إذ تعتبره من مكونات البنية الظاهرية على مستوى السطح. في حين، تهتم بماهو سردي سطحا وعمقا.  وهذا ما يجعل مقاربة جان مولينيي مقاربة نصية مركبة وانتقائية وتجميعية، تفتقر إلى تصوراتها العلمية والمنهجية الخاصة بها. بمعنى أن هذه المقاربة عالة على باقي المقاربات الأخرى، كاللسانيات، والبلاغة، والسيميوطيقا، وجمالية التقبل. وهذا ما يجعل النقاد يتشككون في علميتها وموضوعيتها وخصوصيتها واستقلاليتها،  مادامت لم تبين موضوعها بدقة كباقي المقاربات النقدية الأخرى. علاوة على ذلك، فإنها لم تحدد منهجها النقدي الخاص بها تنظيرا وتطبيقا. وبالتالي، لا تمتلك مصطلحاتها الإجرائية المتعلقة بها[48].

ومن جهة أخرى، تستند الأسلوبية - منهجيا- إلى ثلاث خطوات أساسية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة. كما تستند إلى مجموعة من المستويات الرئيسة، مثل: المستوى اللساني، والمستوى الشعري، والمستوى التداولي، والمستوى البلاغي، والمستوى المناصي، والمستوى التلفظي.

وإذا كانت للأسلوبية مزايا عديدة تنظيرا وتطبيقا، فإنها ماتزال عالة على المناهج النقدية الأدبية الأخرى، تستعير منها مفاهيمها، وتقتبس منها مصطلحاتها الإجرائية، إلى أن اختلطت هذه الأسلوبية بمجموعة من التخصصات العلمية المعروفة،  كاللسانيات، والسيميائيات، والشعرية، والتداوليات، والبلاغة، والنقد الأدبي...، فانصهرت فيها منهجا، وموضوعا، ومفهوما، وأداة.

وتبقى الأسلوبية السوسيولوجية، في معتقدي، أفضل هذه الأسلوبيات كلها، مادامت تجمع بين الداخل والخارج، وتؤالف بين بنية الخطاب وبنية المرجع، وتدرس اللغات والأساليب واللهجات والخطابات والأجناس والأنواع والحواريات المهجنة وفق بناها المرجعية، والتداولية، والسياقية، والمجتمعية.

وعليه، فلقد آثرنا ، في كتابنا النقدي والتوصيفي هذا، تطبيق الأسلوبية السوسيولوجية في مقاربة مفهوم التهجين،  بالجمع بين توصيف الأسلوب لسانيا وتلفظيا على المستوى الداخلي، واستكشاف أبعاده المرجعية والمجتمعية والإيديولوجية على المستوى الخارجي.

ولايمكن دراسة مفهوم التهجين الروائي (Hybridisation) باعتباره مفهوما نقديا إجرائيا إلا بالتوقف عند أربع خطوات منهجية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة، والقراءة السياقية. ويعني هذا كله أن التهجين يستلزم منا أن نقاربه وفق الأسلوبية السوسيولوجية بدراسة بنيته الشكلية والتركيبية واللغوية والفنية والجمالية، و تبيان مختلف دلالاته ومضامينه داخل النص الروائي في كليته النسقية والعضوية والموضوعية، ثم استكشاف مختلف وظائفه ومقاصده ورسائله المباشرة وغير المباشرة، ضمن سياقه النصي التداولي، والمرجعي، والاجتماعي، والإيديولوجي.

 

جميل حمداوي

.........................

[1] - تعني الهيرمونيطيقا الشرح، والتفسير، والتأويل.

[2] - صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م، ص:89.

[3] - بيير غيرو: الأسلوبية، ترجمة:منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب، سورية، ص:17.

[4] - Jules Marouzeau : Précis de stylistique française. Paris1965.

[5] -Ferdinand de Saussure : Cours de linguistique générale, Payot, Paris, France1967.

[6] -Roland Barthes : Eléments de sémiologie, Edition de Seuil, Paris,1964.

[7] -Léo Spitzer : Etudes de style. Paris1970.

[8] - Michael Rifaterre : Essais de stylistique structurale. Flammarion, 1971.

[9] -Maurice Delacroix et Fernand Hallyn et autres :Méthode du Texte,Duculot,Paris,1987,p :90-91.

[10] - Pierre Guiraud : La stylistique, P.U.F.1972.

[11]- Charles  MULLER : Principes et méthodes de statistique lexicale. Champion.1992

[12] - Pierre Guiraud : Les Caractères statistiques du vocabulaire. P.U.F.1954

[13] -Pierre Guiraud : Essais de stylistique : Problèmes et méthodes.1960.

[14]-Pierre Guiraud : Les Structures étymologiques du lexique français 1967.

[15] - Molinié.G : La stylistique, Paris, PUF, 2004.

[16] - Molinié.G. Et Mazalyrat.J. : Vocabulaire de la stylistique, Paris, PUF, 1989.

[17] -Molinié George :Sémiostylistique ,l’effet de l’art, Paris,PUF.1998.

[18]- Molinié.G. Et Viala. A : Approches de la réception, Paris, PUF, 1993.

[19] - Molinié George :Hermès mutilé, vers une herméneutique matérielle, Paris, France Honoré Champion,2005.

[20] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 1987م،ص:60.

[21] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[22] - M.Bakhtine:Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, ED.1978.

[23] - ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[24] -  أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب  دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[25] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[26] - ميخائيل باختين: نفسه،ص:24.

[27] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:27.

[28] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:30.

[29] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:32.

[30] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:47.

[31] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:54.

[32] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:56.

[33] -B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[34] - Tzvetan Todorov : Mikhaïl Bakhtine : Le Principe dialogique. Seuil.1981.

[35] - Julia kristeva: Séméiotiké, pour une sémanalyse, Seuil, Paris, 1969.

[36] - حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[37] - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[38] - محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[39] - عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس،  الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[40] - عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[41] - الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[42]-إدريس قصوري: أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، أربد، الأردن، الطبعة الأولى 2008م.

[43] - جميل حمداوي: أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي، مكتبة المثقف، موقع المثقف الإلكتروني، مؤسسة المثقف العربي، سيدني، أستراليا.

http://almothaqaf.com/library/67.pdf

[44] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص:31.

[45] - إذا كانت الرواية المنولوجية ذات صوت إيديولوجي واحد، تعتمد على السارد المطلق العارف بكل شيء، وتستند إلى سارد واحد، ورؤية سردية واحدة، ولغة واحدة، وأسلوب واحد، وإيديولوجية واحدة، فإن الرواية البوليفونية رواية متعددة الأصوات على مستوى اللغات والأساليب والمنظور السردي والإيديولوجي. وكذلك، من حيث الشخصيات، وتطرح أفكارا متناقضة ومختلفة جدليا، وتعطي المتلقي هامشا من الحرية والاستقلالية لكي يختار الموقف المناسب الذي يتلاءم مع اقتناعاته وثقافته ومعتقده. وغالبا، ما تتحدد بوليفونية الرواية بوجود تنوع في المنظور الإيدولوجي.

[46] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:32.

[47] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:33.

[48] - René Pommier : .Nouvelle stylistique ou nouvelle imposture, http://rene.pommier.free.fr/Stylistique.htm#_ftn1

 

جاء المتن السردي لرواية (الذباب والزمرد) مفسراً، وشارحاً لعنوان الغلاف الروائي؛ لأن العنوان كالجاذب المانع، أي بمعنى انه ملفتاً للقراءة، ومانعاً لها.

الزمرد: مفردة باعثة للقراءة، ومشجعة لها، أما الذباب: فجاءت مفردة متناقضة مع الزمرد، ولم يكتف بذلك فقط، بل جعل الغلاف الرئيس للرواية يحمل ايقونة الذباب، بهيئة ذبابة سوداء كبيرة، محاطة باسلاك شائكة، تحت خلفية خضراء، وهذا الخضار هو صورة للأرادة، للأزدهار، للحياة، التي سنكتشف معناها من قراءة الرواية، ورمزية كل من (الذباب، والزمرد).

فـ ( الذباب) : هو الشعب المنكوب،وهو رمز العبيد،وهو ماعمدت الرواية إلى تأكيده بالقول: " يأتي المساء إلى هناك هرماً قبيحاً، يتوكأ على عكاز يتلمس له الوحشة والضجر كي يقشطها بخبث عن كل أماسي مدن الدنيا وينثرهما على رؤوسنا" .

اشار لخلفية الغلاف باللون الأخضر؛ لأنه شعب محب للحياة، ومقاوم للظلم والطغاة، على الرغم من كثرتهم" وها أنا يا ازيريه في اتون الحصار أعاصر السموم واليورانيوم والسرطانات والتشوهات الخلقية واشهر هجرة إلى بلاد المهجر . أنا ابن مفردات الحصة التموينية الشحيحة، انا خطية يا ازيرية مزقتني الحروب والسواتر وعيون القتلى "، فالجوع، والفقر هو من حول العالم -الإنسان- إلى صورة مطابقة لصورة الذباب..

و(الزمرد): الحجر الكريم الراقي، ذا الشأن المرتفع، وهو صورة السلطة الطاغية، التي اتخذت لوجودها مركزاً  موازياً، لقيمة الزمرد.

الرواية نسيج مترابط مع بعضه، لينتج نصاً سردياً متكاملاً، منها الصوت، والصورة،و القضية، والنقد،و الكاريزما، والشخصيات، والسيرة الذاتية، والذاكرة، جاء فيها" كل قوارب نجاتنا مازالت مشغولة بالصدمة، والنهر يجري سريعاً يا ازيرية، والضفة الاخرى تبدو بعيدة. بعيدة جداً".

خص االسرد بمحافظة (البصرة)، وهي  عنصر اساسي في تقديم الحدث الروائي، وهو من الاساسيات التي لايمكن أن يتخلى عنها اي متن سردي؛ لأنه- المتن السردي- المحيط الذي تعيش فيه احداث الرواية، وهو السارد الاول للشخصية، وتبعاتها النفسية، فالمكان يختلف من منطقة لأخرى، فاذا جاء المكان راقياً نشأت الشخصيات موازية لرقية مكانها، والعكس هو الصحيح، لذا لا يمكن الاستغناء عن المكان في اي متن سردي، والذي يشكل مع الفضاء، والحوار، والصور، والقضايا السردية، شبكة متكاملة، لنسج قضية سردي، اتخذت من الواقع الأجتماعي اساساً لبناء حاضنها السردي.

الشخصيات جاءت بمسميات غير متداولة بكثرة في واقعنا المعاش، وهي مسميات موازية لمسمى المتن السردي، وهم (اوسم الشهيد، شفيق الخصيباوي، كمرة ضحية الزمرد، نيرون)، وهذا الأخير رمز الطغاة الذي يتسلى بمشاهدة عبيده وهم يتقاتلون حتى الموت، اي بمعنى أنه صراع للمتعة الذاتية .

اول صراع سجلته السردية هو صراع الشرطة مع الحرامية، ليشكل هذا الصراع مفتاحاً اولياَ لقراءة المتن السردي، وليعرض أحداث الرواية جميعها، بزمان ومكان معلومين.

منزلة الشرطي كانت في الأسفل دائماً، ويرتفع الحرامي عليها، وهي لعبة انقلابية معاشة بحقيقتها في واقعنا المعاش، وبالاخص عندما قدمت صورة الوطن الجحيم المنقلب على ابنائه، وقميص (أوسم) تناص رمزي مع قميص النبي (يوسف)، فكلاهما شاهد إدانة لظلم معاش، وصورة للحث على احياء حياة من دون(ذباب)، بلغة شعرية وسردية عالية.

أضيف، أن الأمل هو المفتاح الذي ختمت به الرواية متنها؛ لأن الظلم إلى زوال .

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

بليغ حمدي اسماعيل(مُقَارَبَةٌ نَقْدِيَّةِ فِي نُصُوصِ الشَّاعِرِ سَمِيح القَاسِم)

ذَاكَ الصَّوْتُ.. أنَا:

أن تكون صوتك أنت وحدك، إذن فعليك أن تمشي منتصب القامة، وكفيل بك أن تظل القصيدة وكلماتك عشاقك الذين لا يغادرون النظم والقافية، بهذه الكلمات العابرة ننفذ إلى عوالم الشاعر الاستثنائي سميح القاسم مستندين إلى أدواته الشعرية التي اعتاد استخدامها حينما كان يكرس هو وصاحبه محمود درويش الأكثر حضوراً ودهشة لدولة الشعر المعاصر، في الوقت الذي فقدت بعض الحكومات العربية ظلالها وسقطت أوراقها التي كانت تنتقب خلفها كانت القصائد التي تأتي إلينا من كليهما كفيلة بتدشين حكومة لا يمكن اتهامها بالتقصير أو التقاعس، لاسيما وأن الجمهور لديهما لا يعرف ميادين التظاهر، وشعبهما الشعري لا يؤمن بمنطق الاحتجاجات لسبب قد يبدو عميقاً، أن كليهما الثورة والحدث .

ولا أعرف على وجه اليقين الاعتقاد الذي ظل يلازمني لسنوات بعيدة أن سميح القاسم هو الذي قرر طوعاً وليس كرهاً لأن يقدم نفسه قرباناً للشعر الأخير الذي دخل مضطرا في معركة الحداثة التي سعت إلى النيل من هوية الشعر وبالفعل تغيرت الأقنعة وتبدلت واختلفت الأصوات الشعرية بقدر حجم اختفائها أيضاً، إلا أن سميح القاسم نجح حينما قدم نفسه قرباناً للقصيدة في الحفاظ على صوته، بل يمكن القول مجازاً بأن الشعر كما تسرد كتب النقد والتأويل لا يقوم بدون الخيال، لكن سميح القاسم دحض الفكرة بمنطق جديد وهو أن الشعر لا يقوم بدون الجمهور لأنه في حالة سميح القاسم الشعرية هو الذي يصنع الخيال، وإذا كان سميح القاسم يفجر ثورة الشعر فإن جمهوره العريض هو الذي يكسب هذه الثورة أبعادها الاستعارية ودلالاتها الرمزية .

وَجْهَا القَصِيْدَةِ.. شَاعِرٌ وقَضِيَّةٌ:

وربما في حالة سميح القاسم الشعرية والتي تفيض بدلالات استثنائية تشبه بعض الشئ مواجيد محمود درويش الشعرية، نستقرئ أنه استطاع بفضل جمهور القصيدة الوفي أن يستحيل هو نفسه قضية الشعر بعد أن نجح في جعل قصيدة الانتفاضة والأراضي المحتلة القضية الأرض لديه ولدى جمهوره، ومن الصعب نسبياً أن يفلح شاعر معاصر في الوصول إلى قرائه باعتباره قضية في حد ذاتها بجانب القضية الأبرز حضوراً في قصائده .

ففي قصيدته " مقابلة مع المدير " نرى وضوح الجانب الذاتي عند سميح القاسم الذي سيتنامى بعد ذلك لدى القارئ حتى يصير متلهفاً لقنص حكايا الشاعر الذاتية، والتقاط التفاصيل المدهشة عن حياته والمنظومة شعراً، يقول سميح القاسم:

(وضاع شهر آخر/ في البحث عن عمل/ في مصنع الحزن / وفي دائرة الملل/ وضربوا لي موعداً لألتقي بحضرة المدير . / كانت على المقعد،/ خلف مكتب المدير/ طائرة مقاتله/ وانتهت المقابله!) .

وهذا التنامي ربما غير المقصود من سميح القاسم في أن يصير هو القضية كما كانت الانتفاضة قضية رئيسة في شعره، وكما صارت غزة عروساً استثنائية حاضرة على الدوام في مجمل دواوينه، هذا التنامي جعله لا شعورياً أن يسير على نفس درب صديقه الرائع محمود درويش في أن يكون ملتحفاً بالمكان الذي صار قطعة منه، وصار هو أحد تفاصيله، ففي قصيدته (غزة) التي يشير في مطلعها إلى تفاصيل المشهد هناك من موتى وأسلحة وغول وعنقاء وسجن كبير واعترافه الشعري الأكثر شهوداً بقوله " قد تموت في الفجر ـ غزة ـ قد تموت ! "، نجده في نهاية القصيدة يعلن أنه غزة بتفاصيلها المادية والإنسانية، يقول سميح القاسم في نهاية قصيدة غزة:

(ولا أزال،/ يا حبي المحظور، /طفلاً لاهياً في ساحتك / وفتى ينازل غاصبيك، على تراب أزقتك / وأنا القتيل على الرصيف / وأنا الأشداء الوقوف /وأنا البيوت.. البرتقال../ أنا العذاب../ أنا الصمود../ أنا المئات / أنا الألوف / اليوم صار على المحبين اختيار الموت / أو أبد الفراق / اليوم عروس دمي المراق / وأنا.. وأنتِ / نعيش يا حبي المقاوم / أو نموت !) .

وفكرة العناق هذه نجدها بوضوح أيضاً عند محمود درويش ومشروعه الشعري المتفرد، لاسيما في قصية (الأرض) الذي يخلق من خلالها نفس الحالة التي وجدناها عند سميح القاسم في قصيدته (غزة) فنقرأ في قصيدة الأرض لمحمود درويش حالة التمازج الطبيعي بين الشاعر والمكان، يقول درويش:

((" أنا الأرض../ يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها /احرثوا جسدي !/ أيها الذاهبون إلى جبل النار/ مروا على جسدي/ أيها الذاهبون إلى صخرة القدس/ مروا على جسدي/ أيها العابرون على جسدي/ لن تمروا/ أنا الأرض في جسد/ لن تمروا/ أنا الأرض في صحوها/ لن تمروا... ").

وعلى هذا النهج نرى قصيدة (30 آذار) وهو اليوم الذي أعلن يوماً للأرض، وكما يقول سميح القاسم نفسه عن هذا اليوم: " أعلناه يوماً للأرض.. وأعلنته دماء شهدائنا عيداً فلسطينياً من أعياد الصمود والفداء "، وهذه القصيدة تسبح في فلك الاعتراف باستثنائية فلسطين وأرضها، وفي (30 آذار) نكتشف على الفور أن التعلق الحميمي بالمكان كفيل بتكثيف إحساس الفتنة بالأرض والافتتان بتفاضيلها وما تحمله من ذكريات ضاربة في القدم، وفتنة الأمكنة شاهد قطعي على وطنية القضية التي يتناولها سميح وغيره حينما يمرون على فلسطين، وهو رهان شعري لديه لا يمكن الفكاك من شركه، وحتى وإن كان المكان يبدو مرتعشاً ومضطرباً وفي بعض الأحايين ساحة رعبٍ فإن الألفة بينه والمكان تظل قائمة بغير إرادة للرحيل، يقول سميح القاسم:

(دمكم صوتنا   !/أين سخنين، عرابة، كفر كنَّه ؟/أين بحر البقر ؟/أين يا أخوتي دير ياسين أو كفر قاسم ؟/أين يا أخوتي عين جالوت أو ميسلون ؟/أين ؟/لا نسأل !/أين ؟/لا نجهل !/نحن لا نجهل الفرق يا أخوتي/بين معرفة الدم، والمعرفة/نحن لا نسأل الخارطة/دمكم وحده الخارطة) .

وإذا كان المنجز النصي المعاصر الذي يتفاخر به أهل الأدب مبدعين ونقاداً هو الرواية، بل صار بعض النقاد يلهثون وراء اقتفاء أثر الروايات أكثر من الروائيين أنفسهم وراحوا يؤسسون لعصر الرواية، فإن سميح القاسم اجتاز مثل هذه المقولات ليجعل القصيدة والجمهور معاً هما المنجز النصي المعاصر، ذلك حينما استطاع ببداهة العارف بالشعر أن يجعل قارءه جزءاً أصيلاً من النص، وأن يدفع غير الفلسطيني للتعاطف مع القضية والاكتراث بالأرض التي يتحدث عنها هو في شعره . وكم كان شاعرنا سميح القاسم الأكثر ذكاء ساعة ما قام بتوصيف المشهد في غزة مستخدماً في ذلك آلية الطفل وتفاصيله المدهشة وعالمه البرئ، ففي قصيدته (أطفال غزة) يبدأ سميح القاسم بتوجيه النداءات التي تماثل الاستغاثة لما يحدث في غزة، ثم ينتقل إلى أحد تفاصيل لهو الأطفال، مختتماً بدفع القارئ إلى التوحد والاتحاد مع النص الذي سرعان من يستحيل إلى تعاطف وتكاتف من أجل قضية الأرض،  وهنا سميح القاسم ينعطف بعض الوقت بعيداً عن التحريض على الكفاح ونيل الاستقلال ومقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم، ليرنو قليلاً لاكتشاف سحر المكان واختلافه، معلناً شرف الانتساب حتى وإن كان رمزياً ليسمح لغيره أن ينال هذا الشرف يقول سميح القاسم:

(للذي يحفر في جرح الملايين طريقه / للذي تسحق دباباته ورد الحديقة / للذي يكسرفي الليل شبابيك المنازل / للذي يشعل بستانا ومتحف / ويغني للحريقة  / للذي ينحل في خطوته شعر الثواكل / ودوال تتقصف/ للذي يصدم في الميدان دوري الفرح / للذي تقصف طياراته حلم الطفولة/  للذي يكسر أقواس قزح / يعلن الليلة أطفال الجذور المستحيلة / يعلن الليلة أطفال رفح  / نحن لم ننسج غطاء من جديلة / نحن لم نبصق علي وجه قتيله / بعد أن ننزع أسنان الذهب / فلماذا تأخذ الحلوي، / وتعطينا القنابل ؟ / ولماذا تحمل اليتم لأطفال العرب ؟ / ألف شكر بلغ الحزن بنا سن الرجولة وعلينا أن نقاتل.).

لِذَا وَجَبَ التَّنْوِيْه.. الشِّعْرُ ذاكِرَةُ  الأمَّةِ:

وحينما كتب إدوارد سعيد منذ أكثر من خمس عشرة سنة عن محمود درويش مقاله الماتع (تلاحم عسير للشعر وللذاكرة الجمعية) أكد في سياقه على أن درويش رغم صيرورة شاعريته وانتقاله اليسير تجاه القارئ العربي إلا أن التلاحم كان عسيراً بعض الوقت بين شعره وبين ذاكرة العرب الجمعية وعلل ذلك إدوارد سعيد بسبب اقتران محمود درويش الطويل باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأنه أدخل الخاص والعام في علاقات قلقة دائمة حيث تكون قوة وجموح الأول غير متلائمة مع اختيارات الصواب السياسي والسياسة التي يقتضيها الثاني . لكن سميح القاسم لم يجد عناءاً في التلاحم بين الشعري والذاكرة الوطنية من ناحية، وبين الشعري والشعبي من ناحية أخرى، ففكرة التحلل من الارتباط والتزاوج بين حالة الشعر والنظام السياسي كفيلة بأن تصل بالشاعر إلى مقام محمود لدى القراء من جهة، ونقاد الشعر من جهة ثانية . وحينما يقرأ المرء قصائد شاعر ما ويفطن لبعض توجهاته السياسية والأيديولوجية بصفة عامة فإنه سرعان ما ينقل تفاصيل السيرة الذاتية للشاعر في نسيج نصه الذي ربما لا يتضمن هذه التفاصيل، أما سميح القاسم الذي قدم نفسه قرباناً للشعر وللقصيدة فهو في حالة ذوبان دائمة مع النص، فأنت تقرأ القصيدة لشاعر إنسان دونما أن تكترث بوضع اسم سميح القاسم عليها، لأنه بالفعل في موقف اتحاد وحلول بالقصيدة لاسيما وأنه اجتاز فكرة عرض تفاصيل حياته اليومية في سياق شعري واكتفى أن يكون الصوت وحده . يقول سميح القاسم في قصيدته (كانت وتبقى) :

(يخبو الكلام / و تغرب الأصداء/و يغادر الخطباءُ . . و الشعراء/ و يظل قلبك نابضاً / . . و يظل في القلب الكبيرِ الإخوة الشهداء /يا أمنا الأرض ابشري و استبشري / ما زال يحرس عرضك . . الأبناء) .

وفي قصيدة (صقر قريش) نجد الوعي الشديد لدى سميح القاسم بالذكرة العربية الجمعية، إذ يرى أن من مهمات الشاعر الرئيسة أن يعيد السلطة المطلقة لتاريخه العربي والإسلامي، يقول القاسم:

(وداعا يا ذوي القربى/ وداعا.. والجراح النجل / في قلبي مضاضتها / طوال العمر /ونفسي يا ذوي القربى / وإن شيدت ملك الله في الغربة / ينازعها حنين السفر للأوبة).

وربما يظل سميح القاسم أكثر شعراء الأرض المحتلة حظاً بوعيه بالمشهد العربي جملة وتفصيلاً، وهو وعي يعكس معاصرته للحدث الذي يتلقاه كغيره من أبناء الوطن العربي الكبير حتى يتحول بفضل قصيدته إلى جزء أصيل من الحدث ذاته، هذا ما نجده في قصيدة (حلم عبد الناصر) على سبيل المثال، يقول سميح القاسم:

(ما طرحت زيتونة الذاكره / ثمارها، إلا وراء الرحيل / يا موت ! / فافتح شرفة الآخره / وماشياً / أخترق المستحيل) .

حَوَّاءُ فِي قَصِيْدَةِ سميح القَاسِمِ:

يقولون في الأثر على الشاعر أن يسير على أطراف أصابعه وهو يتحدث عن المرأة، لأنها الشاهد التاريخي على بقائه في دفتر الشعر العربي، وعلى رسوخ قدميه على النظم والقوافي، لذا فإن وعي الشاعر عموماً بقراءات نسوية لقصائده يظل خياراًَ شعرياً قائماً برهانات متباينة بين صورة الأم والزوجة والحبيبة والابنة ونساء الوطن، وللشاعر ما شاء أن يغترف من صمتهن الكثير من التعابير والصور البلاغية، ومن كلامهن وهج القصيدة، وإذا كان محمود درويش رفيق درب سميح القاسم قد أدهشنا بقصيدته المدهشة (أحن إلى خبز أمي)، فإن سميح القاسم يظل محفوراً بذاكرتنا بقصيدته الأكثر ثراء المعنونة بـ (حتى إشعار آخر) والتي يظهر فيها صدق الوصف والتوصيف لمشاعر ابن تجاه أمه، لاسيما وأن موقف سميح القاسم يختلف بعض الشئ عن رفيقه درويش، إذ أن حالة الغياب والرحيل والابتعاد القسري تضغط على روح القصيدة، مما تجعل القارئ مهيأ للتناص منها دون أن يعي فعل التناص، يقول سميح القاسم:

(واشتقت يا أمي إليك، اشتقت يا أمي كثيرا / لا غير صندوق البريد  / يهب اليتامى التائهين وراء آلاف الحدود / تهليلة أو حبل سرَّه / وعليك يا أمي السلام / وفي الحضارات التي قتلت أبي كل المسره / لا غير صندوق البريد / علقت منديلي عليه (شراع ملاح عنيد) / علقت منديلي المبلل بالدموع عليه / صارت لي سفينة / لكنني قرصان حبي / أرتكب الحنين إلى ملاذك / كالجريمه) .

وحينما يكتب سميح القاسم عن الحبيبة فيجب التوقف طويلاً لا لتأمل القصيدة فحسب، بل لتدبر الحالة التي كتبت فيها تلك القصيدة، فإذا تربينا على قاعدة أن أعذب الشعر أكذبه، وخصوصاً فيما يتعلق بمديح النساء والتشبب بهن، فإن هذا ينطبق تمام الوصف على شعراء الوطن العربي جميعهم باستثناء شعراء الأرض المحتلة، هذا الاستثناء مفاده أن هؤلاء الشعراء تغنيهم قضيتهم الأبدية عن الالتفات إلى وجد القلب وإخفاقه، وحجم المعاناة التي يعيشها المواطن الفلسطيني بوجه عام والشعراء الذين يحملون بصدورهم قلوباً تستوعب الدهشة بعنف على وجه الاختصاص كفيلة بأن تبعدهم أميالاً طويلة عن الاكتراث بالحب وقصص الغرام الذاتية .

لذا فإن حال الحب في القصيدة الفلسطينية تحمل دلالات أكبر من معاني العشق المألوفة، وأن الحبيبة في النص الشعري الفلسطيني لا تمثل جسداً أنثوياً يمكن التغزل في تفاصيليه الحسية، فإن المرأة هنا معادل موضوعي لأشياء أخرى، أهمها الأرض، والملجأ، وصندوق الأسرار، وصوت النحيب، و أم الشهداء، والاستسلام إلى العزلة . ولا أريد الجنوح بعيداً بالقول بأن المرأة في شعر سميح القاسم تشبه السؤال التقليدي الذي يوجهه منفذ الإعدام بالمعدوم قبل تنفيذ الحكم: ماذا تريد قبل أن تموت ؟ . لأن سميح القاسم ومحمود درويش وغيرهما في مقام كفاح مستمر بسلاح القصيدة، وأنهما حينما يتمنيان حلم العشق المتبادل فهما على وعي شديد بأن الأمنية لا ولن تدوم، وأن الرحيل والافتراق وارد لا محالة . يقول سميح القاسم في قصيدته (وأريد):

(أريد امرأة / تغفر أخطائي الكثيرة./  وتنساني/  إذا ما غبت قليلاً /  ثم تهواني / إذا ما عدت قليلاً./  وتغني لي وتبكي /  وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة) .

ولأن سميح القاسم بوصفه شاعراً ينتمي لمنطقة مضطربة ومسارعة بالأحداث الدامية، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على شكل القصيدة التي تتناول المحبوبة من حيث قصرها، وبساطة الوصف والخيال بها، وسرعة التعبير والابتعاد عن الغموض، لأن الوقت لا يسمح من ناحية، وأن الحدث بالفعل (قصيدة الحب) ربما لن يتكرر بفعل المواجهة المستمرة مع الكيان الصهيوني الراهن، بالإضافة إلى التزام الشاعر بالمفردات التي تعبر عن واقعه بصدق ، يقول سميح القاسم في قصيدة له بعنوان (قصيدة قديمة):

(أنتقي من سوسن الحقل وشاحاً لحبيبي/غير أن الحقل مزروع بألغام جديدة/أنتقي من قصب الوديان، ناياً لحبيبي/غير أن الجند في الوديان/يجرون تمارين جديدة!/أنتقي من كرمنا أجمل عنقود/لأهديه حبيبي/غير أن الكرم..يا عيني/أحاطوه بأسلاكٍ جديدة/يا حبيبي..اطفيء القنديل/موتي..مددوه!/فترة أخرى...جديدة!) .

خَيَارُ السِّيْرَةِ الذَاتِيَّةِ:

في نهاية الرحلة التي طفنا بها في بعض عوالم سميح القاسم الشعرية، نقول إن النقاد المعاصرون رغم أنهم احترفوا الحداثة وفتنتها وفضلوا الابتعاد عن سيرة المبدع وعالمه الشخصي اجتراراً لنظريات نقدية وفدت إلينا من القارة الأوروربية أهمها إعلان موت المؤلف وأن النص أصبح قاسماً مشتركاً بين مؤلفه والقارئ، ثم ظهرت نظريات نقدية أخرى بعنوان القراءة التفاعلية أو التشاركية أهملت حتى اسم الشاعر أو الروائي، لكن رغم هذا الزعم فإن النقاد أنفسهم لا يستطيعون إغفال سميح القاسم عن قصيدته لأنه كما ذكرنا القصيدة الحدث، وأن سيرة الشاعر الذاتية التي تظهر بين حين وآخر في دواوين سميح القاسم لهي جديرة بالذكر والاهتمام، لأن حالة سميح القاسم السياسية والتي يعبر عنها شعراً لا تسمح له بادعء الكذب أو إخفاء جانب دون آخر، فالمشهد مكشوف تماماً ولم يعد الكلام عن حدث الانتفاضة وأهلها أمراً بالمسكوت عنه، وإن كانت السيرة الذاتية أقرب الصلة إلى سيرة فلسطين الجمعية، لأنه أحيانا يتكلم بصيغة المتكلم لكنه يتحدث عن مشهد تعرض له مواطنوه،  يقول سميح القاسم في قصيدته (أدافع):

(لم أتمدد على كرسي القماش الملون / في شرفة فندق صيداوي / لم أنشد مطلعاً لجماهير بيروت / هل قلت أطفالي؟ / أنا المحروم من شرف التفجر بديناميت الحب / أنا أسير الحرب المتمتع بحق الانتخاب / أنا المواطن المقيم دائماً على مجرود الزبالة / هل قلت أطفالي) .

وكما يقول أحد نقادنا المعاصرين عن الشعر الفسلطيني بإن أعظم إنجازات الشعب الفلسطيني عبر سنوات نضاله، ليست في استشهاد أبطاله، ولكن في إنتاج شعرائه، فالشهداء يتساقطون خارج حدود القصيدة، لكن القصيدة تمنحهم الحياة مرة أخرى، فينتصبون بداخلها رمزاً جديداً لمزيد من الاستشهاد، لذا فالقصيدة الفلسطينية على الدوام تنكر مقولة إن الرواية هي ديوان العرب، فقصيدة فلسطين ديوان العرب وتاريخهم لأنهم بالفعل يعاصرون الحدث ويشاركون في صنعه، يقول سميح القاسم في قصيدته (قصيدة الانتفاضة):

(تقدموا تقدموا ! / كل سماء فوقكم جهنم / وكل أرض تحتكم جهنم / تقدموا / يموت منا الطفل والشيخ / ولا يستسلم / وتسقط الأم على أبنائها القتلى / ولا تستسلم / تقدموا / بناقلات جندكم / وراجمات حقدكم / وهددوا / وشردوا / ويتموا / وهدموا / لن تكسروا أعماقنا / لم تهزموا أشواقنا / نحن قضاء مبرم) .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

بليغ حمدي اسماعيلالوُجُوهُ تَتَعَدَّدُ: يمثل محمود درويش حالة استثنائية في تاريخ الشعر المعاصر، ويعد كقامة شعرية متفردة نموذجاً مباشراً لخصوصية القصيدة في تفاصيلها التي سرعان ما تتحول إلى مزاجاً عاماً لمريدي الشعر بصفة خاصة وللثائرين والعاشقين، والرافضين لنظمهم السياسية الطاغية بصفة عامة، لذا فإن متعة تناول سيرة وأشعار محمود درويش تتأتى من رصد حالته الشعرية وتجربته داخل القصيدة التي يصر أن يكون فيها حاضراً بغير غيابٍ، وربطها بواقع تجعل القارئ يعيش يومياته المتأرجحة بين الثورة والعشق والرفض واسترجاع ذكرياته.

وتفرد درويش لم يتحقق من تفرد حالته التاريخية بوصفه مواطناً فلسطينياً يعاني وشعبه من الطغيان الصهيوني فحسب، بل إن حالة التفرد تلك تحققت من خلال لغة رمزية مسكونة بالدلالات التي لا تنقضي، فالقصيدة الدرويشية تشبه بالرسم الجرافيتي الذي يعبر عن حالة راهنة تستدعي المشاركة والتعاطف معها وهذا سر من أسرار تفرد قصيدته، بجانب أن محمود درويش كان حريصاً على أن يجعل كل حالات الغياب حضوراً مشهوداً ليس مستحيلاً، ومن ثم يستطيع القارئ والمتابع لنصه أن يكون حضوره القرائي موجوداً بالقصيدة بغير ملل أو كلل. كما أن هذا التفرد الشعري سُجِّلَ حصرياً باسم محمود درويش لاستباقه المعاصر ـ حيث إن شاعر العربية الأول أحمد أبي الطيب المتنبي صاحب السبق الأول ـ في طرح نفسه عبر سياقه الشعري وهو ما يستقرئ منذ ديوانه الأول " عصافير بلا أجنحة " 1960م، انتهاءً بديوانه " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، مروراً بدواوين شعرية تتناص فيها صورة الشاعر الشخصية بالهم الوطني القومي.

وليس بغريب أن تتعدد وجوه محمود درويش الشعرية إذا ما رجعنا إلى بدايات التكوين مروراً بمراحل تقعيد وتكريس القصيدة لديه، فالبدايات عند محمود درويش تبرهن على هذا التعدد ومزية التنوع في قصيدته التي تجعله شاعراً مرغوباً لدى قارئه بتعدد وتنوع حالاته ووجوهه هو أيضاً. فبين بدايات شبيهة بالنص الشعري عند نزار قباني وبدر شاكر السياب مروراً بالنصوص المباشرة لعبد الوهاب البياتي وأدونيس حينما كان غير مضلل بنصه المغاير لطبيعة اللغة، انتهاء بصور شعرية ترصد حالات ومقامات كشعر أحمد أبي الطيب المتنبي، نجد محمود درويش يصنع لنفسه كرسياً في ديوان الشعر العربي حتى يكاد بعض النقاد المتأخرين يصفونه بأنه الوريث الشرعي للقصيدة العربية من أجل حفاظه على تنوع الشعر واختلاف أغراضه والتمسك برصانة قواعده مع السماح لبعض التجاوز الشعري الذي يضمن للقصيدة معاصرتها ومطابقتها لمقتضى الحال كما يزعم البلاغيون القدماء.

وهذه الوراثة الشعرية الشرعية لمحمود درويش هي التي مكنته من أن يمتلك خصوصية الشهادة الشعرية للتاريخ المعاصر، فإذا كنا قد نذهب بالرأي بأن أدونيس هو المالك الحصري للقصيدة في تنوعاتها الفلسفية المعاصرة، فإن محمود درويش بحق هو مؤرخ الواقع الإنساني شعرياً، لأنه بإيجاز استطاع رسم خارطة شعرية ممتدة ترصد حالات متباينة مثل تباين المناخات والطقس فيمكنك أن تلتمس واقعك الاجتماعي أو السياسي أو الشخصي من خلال التماس تلك الحالة من القصيدة نفسها.

الثَّوْرَةُ حُضُوْرٌ عَبْرَ الشِّعْرِ:

لم يكن غريباً التحاف الثوار بدول الربيع العربي مصر وتونس وليبيا وأخيرا سورياً بديوان محمود درويش، ولم تكن تلك الصور والمشاهدات التي رأينا من إلقاء شعري لبعض قصائده التحريضية على الأنظمة السياسية الفاسدة إلا توثيقاً تاريخياً لهؤلاء الثوار على نزاهة ونقاء قضيتهم الثورية، بل يمكننا الزعم بأن قصائد محمود درويش التحريضية الثورية وإن كانت فلسطينية الرائحة والتوجه إلا أنها كانت باعثاً قوياً لفورة الثائرين وشحذ عزائمهم باعتبار أن الثورات العربية في بدايتها كانت ياسميناً تارة وبيضاءَ تارة أخرى وهي بذلك تشبه القصيدة الدرويشية التي يمثل فيها العطر واللون ملمحين رئيسان فيها.

(نم، يا حبيبي، ساعة ً

حتى يعود الروم، حتى نطرد الحراس عن أسوار قلعتنا

وتنكســــــر الصــــــواري

كي نصفق لاغتصاب نسائنا في شارع الشرف التجاري

نم يا حبيبي ساعة ً حتى نموت

هي ساعة للانهيار

هي ساعة لوضوحنا

هي ساعة لغموض ميلاد النهار

كم كنت وحــــدك، يا ابن أمّي

يا ابن أكثر من أب ٍ

كم كنت وحـــــدكْ)

*********

ويعود الشاعر التحريضي بوجهه المباشر غير المقنع ليحرض على الثورة وإن كانت القصيدة كما أوضحنا تحمل رائحة وطعم ولون التراب الفلسطيني لكن ما فلسطين إلا صورة رمزية لشتى البقاع العربية التي تمارس عليها الأنظمة العربية السياسية كل صنوف وفنون الفساد والطغيان السياسي غير المشروط:

(وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى،

و قالوا: أنت قاتل

أخذوا طعامه والملابس والبيارق

ورموه في زنزانة الموتى،

وقالوا: أنت سارق

طردوه من كل المرافيء

أخذوا حبيبته الصغيرة،

ثم قالوا: أنت لاجيء

يا دامي العينين والكفين

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

و لا زرد السلاسل

نيرون مات، ولم تمت روما

بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل)

وإذا أردت أن تكتشف ماهية الثورة ودلالتها ودور محمود درويش التحريضي عليها فعلى القارئ دوماً أن يتجه إلى مواضعة (الولادة) لغة واصطلاحاً شعرياً درويشياً داخل ديوانه، فلفظة الولادة التي يصر محمود درويش على استخدامها الحصري لها هي معادل موضوعي لمفهوم الثورة والخروج الشرعي على الحكم السياسي غير الشرعي، والولادة داخل القصيدة تحمل دلالات متعددة كتعدد وجوه محمود درويش الشعرية نفسها، فهي تشير إلى ثورة آتية، أو رمزاً تاريخياً يحمل استشرافاً مؤقتاً للمستقبل:

(كانت أشجار التين

و أبوك..

و كوخ الطين

و عيون الفلاحين

تبكي في تشرين!

_المولود صبي

ثالثهم..

و الثدي شحيح

و الريح

ذرت أوراق التين !

حزنت قارئة الرمل

وروت لي،

همسا،

هذا الغضن حزين !

_يا أمي

جاوزت العشرين

فدعي الهمّ، ونامي!

إن قصفت عاصفة

في تشرين..

ثالثهم..

فجذور التين

راسخة في الصخر.. وفي الطين

تعطيك غصونا أخرى..

و غصون!)...

دَرْوِيْشُ ولَذَّةُ الحَكْيِ:

عندما تتعانق الطبيعة متمثلة في الأرض وأنهارها المطلة على النوافذ العربية المسكونة بالحيرة والقلق وتوجس انتظار الغائب، تظهر قامة الشاعر الفلسطيني المبدع محمود درويش الذي تزامنت ذكرى وفاته منذ سنتين الشهر قبل المنصرم. والشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي رحل عن دنيانا وهو يحلم بوطن فلسطيني على أرض عربية، غادر الحياة وفارقها بعد صمت طويل من الحكام العرب تجاه قضية وطنه، وسقوط بعض الأنظمة العربية وقت تهاوي سياساتها تجاه النخبة والقصيدة، وبعد انحسار مستدام للنخوة العربية التي لا نجدها إلا في مدرجات كرة القدم.

ومشروع القصيدة عند محمود درويش في مجمله الذي تحتفي هذه السطور القليلة بشعره يمكن أن نرصده في ملامح متمايزة ومحددة، أهمها ملمح الحرية، فكل من يقترب نحو شعر محمود درويش يدرك حقيقة الحرية التي حرص عليها وعلى نشرها بين المواطن العربي وإخوته وعشيرته. بالإضافة إلى ملمح آخر مهم في المشروع الشعري لدى محمود درويش هو الإنسانية، لذا من الأحرى على أولئك الذين تعاملوا مع شعره من منظور نقدي مجرد أن يتخلوا عن الأسس النقدية الجامدة ويعلوا القيم الإنسانية من جانب الحكمة الشعرية " وداوني بالتي كانت هي الداء" .

لذا فالرائي للمشروع الشعري العام له والخاص لدرويش يستطيع استقراء حالة العناق بين الإنسان ومفردات الطبيعة لاسيما المسكونة بالحركة وإن كانت من كنهها السكون والجمود كالتراب والحصى والضلوع والأرصفة الصامتة، إلا أنها تتسق مع عناصر أكثر حرية وحركة كالعصافير والشجر: ينظم درويش:

" أسمي التراب امتداً لروحي

أسمي يدي رصيف الجروح

أسمي الحصى أجنحة

أسمي العصافير لوزاً وتين

أسمي ضلوعي شجر

وأستل من تينة الصدر غصناً" .

ولعل درويش في قصيدته المتفردة " فكر بغيرك " ، يحاول أن يرسم لوحة تضامنية تجسد مشاعر المواطن العربي تجاه أخيه المفترش الأرض دونما غطاء، بل هو يسعى إلى أن يعري واقعاً ممتقعاً يمارس فيه المواطن البعيد عن سطوة الاحتلال كل أنواع رفاهية العيش، وهنا لا يكتف محمود درويش بدور المحرض فقط، بل يثير حفيظة ذلك المواطن تجاه ما يعانيه الفلسطيني المغتصبة حقوقه وأرضه وعرضه، بل وربما أحلامه أيضاً.

" وأنتَ تُعِد فطورك، فكر بغيركَ

لا تَنْسَ قوتَ الحمام

وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكر بغيركَ

لا تنس مَنْ يطلبون السلام

وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمام

وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكر بغيركَ

لا تنس شعب الخيامْ

وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكر بغيركَ

ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام

وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكر بغيركَ

مَنْ فقدوا حقهم في الكلام

وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام" .

***

فها هو ذا الشاعر المحرض دوماً يدغدغ مشاعر المواطن العربي المنعم بالرفاهية بعيداً عن أصوات القنابل والرصاص وفوهات البنادق، ويحرضه أن يشارك مواطنه الفلسطيني همومه ويتقاسم معه قدراً من المعاناة اليومية، لا أن يكتفي بترديد التعاطف والمشاركة الوجدانية فقط، والقصيدة رغم قصرها إلا أنها اختزلت الحقوق الرئيسة التي يحلم بها المواطن الفلسطيني مثل حقوق الطعام، والشراب، والبيت، بل يتجاوز محمود درويش خطوط قصيدته لينبه على ما امتلكته الأمة العربية من جماليات لغوية كالاستعارات والتشبيهات والكناية والمجاز المرسل والفصل والوصل، وكل الأبواب البلاغية التي امتلأت بها المؤلفات العربية، ورغم ذلك فإن الطفل والرجل والمرأة والشيخ بالأراضي الفلسطينية المحتلة قد فقدوا جميعاً حقهم في الكلام.

ويظل محمود درويش مرتبطا بالفكر القومي، ترتفع معه فنيا ومعنوياً مضامين قصائده، كما تنخفض معه أيضاً، فهو مؤشر واضح وصادق لإيجابيات وسلبيات المرحلة، فهو يندد بالظلم الواقع على المواطن العربي في بلاده العربية، ونجده يرثي بغداد والعراق حينما تتحول إلى أراض غريبة مستهجنة، تعاني قمع الاغتراب والتنوع الديني والعرقي الذي يمزقها ويفتتها أشلاء متناثرة يصعب تجميعها في نسيج واحد. وهو في هذا العناق الأيديولوجي بالفكر القومي نجده مصراً على التواجد الفعال لعناصر الطبيعة من خلال مفردات بعينها كالنسر مثلاً:

" أنا آت إلى ظل عينيك آت

مثل نسر يبيعون ريش جناحه

ويبيعون نار جراحه

بقناع .. وباعوا الوطن

بعصا يكسرون بها كلمات المغني

وقالوا: اذبحوا واذبحوا..

ثم قالوا: هي الحرب كر وفر" .

ثم نجده تارة أخرى مشيراً إلى خطر الحكم الباطش الذي يكون الفرد مسوقاً لا إرادة له، مشيراً إلى تلازم هذا البطش والانتكاسات القومية والوطنية،هذا التلازم يجعله مضطراً لاستخدام آليات لغوية (مفردات وتراكيب) تشير إلى سطوة القيد ومحاولة الفكاك منهن ولعل قصيدته المشهورة " الأرض " هي خير نموذج للتأكيد على الملمح القومي والوطني بمؤشراته في مشروعه الشعري .

" هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة

هذا نشيدي

وهذا خروج المسيح من الجرح والريح

أخضر مثل النبات يغطي مساميره وقيودي

وهذا نشيدي

وهذا صعود الفتى العربي إلى الحلم والقدس " .

أنَا أرْفُضُ .. إذاً أنا مَوْجُودٌ:

ولعل السمة الأكثر وضوحاً وتميزاً في قصيدة محمود درويش هي سمة الرفض، والرفض عنده رفض سياسي سرعان ما يستطيع تطويعه داخل النص ليصبح رفضاً اجتماعياً لكل ما هو مغتصب غير مكتسب بفعل التجربة ومحك المحاولة والخطأ، وتراه مجتهداً في تمزيق عباءة الانكسارات العربية. لذا فإن قصيدة محمود درويش لم تجئ تعبيراً عن رفض الهزيمة العربية في يونيو 1967 فحسب، ولكن جاءت أيضاً تعبيراً عن رفض الاحتلال الإسرائيلي منذ بدايته وكشفاً لوجه جديد لم يعرفه العرب والعالم، عن أشكال المقاومة العربية داخل أسوار السجون الإسرائيلية .

وتمتاز القصيدة الدرويشية بسمة البعد عن اليأس والهزيمة، رغم أن الحالتين رهن اليقين، بل إن مشروع محمود درويش الشعري حاضن حقيقي لهاتين الحالتين بل يعد ديوان محمود درويش الشعري هو أبرز تجليات يأس المحاولة لتغيير الواقع السياسي بصورة أفضل، وهزيمة الإرادة الجماعية لنصرة قضيته الفلسطينية التي سرعان ما تحولت داخل مشروعه الشعري من حالة ذات خصوصية إلى معركة إنسانية عامة، ورغم العصافير التي تفر من قبضته على حد وصفه في قصيدته " لا جدران للزنزانة " إلا أن مجمل قصيدته دائماً ما تشع بالأمل في الانتصار المحتوم، وربما تأتي هذه المزية من أن شاعرنا ينطلق من موقع النضال الحقيقي والعملي ضد الاحتلال، حيث القصيدة التي تفضح جرائم الاحتلال، وتكشف دونما حماقة عن بشاعة ما يتعرض له الناس تحت الحكم الإسرائيلي، ولعل محمود درويش امتاز عن شعراء جيله في أنه لم يسجل موقفاً، ولم يكتف بالإدانة والشجب السلبي، ولكنه يثير فعلاً، إنه يحرض على المقاومة، بل وقصيدته نفسها تعتبر منشوراً سرياً يفرض على المواطن العربي تنفيذ ما جاء به من أوامر وتعليمات، لذا فالقصيدة محرضة، وصاحبها محرض على المقاومة، وإن شئت فقل إن محمود درويش يطلق رصاصة تحت اسم القصيدة.

(" أنا الأرض..

يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها

احرثوا جسدي !

أيها الذاهبون إلى جبل النار

مروا على جسدي

أيها الذاهبون إلى صخرة القدس

مروا على جسدي

أيها العابرون على جسدي

لن تمروا

أنا الأرض في جسد

لن تمروا

أنا الأرض في صحوها

لن تمروا... ").

الغَائِبُ حِينَمَا يَصيْرُ أكْثَرَ حُضورَاً:

قد لا يجد المرء حيرة وهو يعتزم قراراً بالحديث عن محمود درويش، لأنه بغير وعي سيتجه طواعية نحو قصيدته المطولة " جدارية " والتي زين بها عباءة الشعر العربي منذ المهلهل بن أبي ربيعة مروراً بالقامات الشعرية الكبيرة في تراثنا الشعري، فالجدارية باختصار دقيق تعد دليل التشغيل لمشروع درويش الشعري، وسيرة ذاتية للشاعر نفسه تركها لنا بعد رحيله كي نستبين شعره ومشروع قصيدته .فلقد نظم محمود درويش جداريته وكأنه يعلن بيانه الختامي، رغم أنه أعقبها بقصائد ودواوين أخرى، لكنه أراد أن يكون ما تمنى أن يريده في الماضي ؛ فكرةً، وطائراً، وشاعراً، وكرمة، ولغةً . ووصف أبجديته التي عاشها شاعراً ملأ الدنيا وشغل الناس، فكان غريباً، ورسولاً ورسالة ً، وحواراً للحالمين، وسماوياً، وغياباً، وطريداً.

(" سأصير يوماً طائراً، وأسل من عدمي

وجودي . كلما احترق الجناحان

اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من

الرماد . أنا حوار الحالمين " .

ويقول في جداريته:

" سأصير يوماً شاعراً،

والماء رهن بصيرتي . لغتي مجاز

للمجاز، فلا أقول ولا أشير

إلى مكان . فالمكان خطيئتي وذريعتي ").

فالجدارية وثيقة مهمة لتأريخ القصيدة عند محمود درويش فهو يسعى بها لأن يكون حاضراً طيلة الوقت بين قرائه، ولأن يكون شديد الثقة لديهم حينما يهرعون لديوانه بعد موته وهذا ما تحقق بالفعل لأنه لا يرصد حالته الإنسانية فحسب، بل يكرس للصوت الإنساني العام الذي يأمل بقدر ما يعاني، ويحلم بالقدر الذي يحرم فيه من كل مظان الحياة الكريمة من حرية وعدالة ووجود كريم.

وفي الوقت الذي يسعى فيه محمود درويش إلى تأسيس شخصي له داخل تاريخ القصيدة العربية لم يكن يعلم أنه يحتفل بغيابه أولاً، وبجدلية العلاقة المطردة بين الموت والحياة:

(وكُلُّ شيء أَبيضُ،

البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ

بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في

سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ، ولم

أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه

الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي

فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي:

ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟

ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ، ولا

أَنينَ الخاطئينَ، أَنا وحيدٌ في البياض،

أَنا وحيدُ …)

والجدارية تمثل في مجملها خطاباً إلى الموت بدلالته الفلسفية لا بالصورة الجسدية، وهو يصر على أن يجعل لهذا الرحيل شعرية خاصة تدلل على الحضور من خلال استحضار الكائنات اللغوية التي تؤرخ سراً وعلانية لهذا الحضور الذي يستسلم طواعية لاحتفالية الموت باعتباره يقيناً لا لغط في موعده:

(سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها

إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ …

كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من

تَفَتُّح عُشْبَةٍ،

لا القُوَّةُ انتصرتْ

ولا العَدْلُ الشريدُ)

ونص " جدارية" هو النص الشعري الذي سمح لمحمود درويش أن ينتقل من خانة الشاعر الوطني القومي إلى خانة أكبر مساحة ودلالة وأهمية حيث صار شاعراً إنسانياً يخاطب حتفه الأخير وهو يستعرض حياة سريعة لم تلوثها عوارض الحياة وحركاتها وسكناتها، وهو في طريقه إلى الوصول لمقام الشاعر الإنساني يجتهد لأن يدلل على إنسانيته المعرضة دوماً لجدل الحياة:

(سأَصير يوماً كرمةً،

فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن،

وليشربْ نبيذي العابرون على

ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !

أَنا الرسالةُ والرسولُ

أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ) ...

وأكاد أظن أن محمود درويش بأسئلته التي لا تؤمن بالصدفة واللحظية لم يسع لأن يضع إجابات شافية لها فترك لنا عناء البحث عن تلك المهمة مستلهمين نصه الشعري ومسترشدين بقاموسه الشعري ذي الدلالات المتعددة لصياغة إجابات من شأنها أن تفتح باباً جديداً لأسئلة لا تنتهي:

(هل أَنا هُوَ؟

هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل

الأخيرِ؟

وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،

أَم فُرِضَتْ عليَّ؟

وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ

أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها

لتعيش ما بعد الحداثة، بعدما

انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ

وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ؟) ..

لاعِبُ النَّردِ ودَهْشَةُ النهايات:

أتوقف إجبارياً أمام النص الشعري الموسوم بـ " لاعب النرد" لا لأنه نص متميز ومتفرد لمحمود درويش فحسب ؛ بل لأنه نص يمثل الصوت الشعري النهائي لشاعرنا وهو يكرس لنفسه مساحة واسعة ومقاماً ثابتاً في ديوان الشعر العربي المعاصر، لقد أصر درويش رغم تاريخه الشعري الموصوف بالمباشرة ووضوح صوته الشعري مثل قضيته الوطنية أن يترك صوته أكثر غموضاً وهو يقدم نفسه في قصيدة " لاعب النرد " كرجل يفتش عن هويته، وثمة علاقة واضحة بين درويش القضية ودرويش الأنا التي تظهر بجلاء كاشف في لاعب النرد، وبات من الصعب إيجاد تعريف محدد لوطن تغيب تفاصيله شيئاً فشيئاً بفضل المؤامرة الصهيونية ضده، وبين اكتشاف هوية محددة لها دلالتها الوجودية في ظل حداثة من شأنها أن تضيع كل ملامح ممكنة .هذا يظهر بوضوح من خلال نصه الذي يؤكد فيه عن انشغاله المحموم بالإجابة عن سؤال وجوده:

(مَنْ أَنا لأقول لكمْ / ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ / رُبَّما صرتُ زيتونةً / أو مُعَلِّم جغرافيا / أو خبيراً بمملكة النمل / أو حارساً للصدى !).

ويظل محمود درويش في نصه " لاعب النرد " أشبه بزهر النرد نفسه الذي يأبى أن يستقر على رقم بعينه، بل تتقلب أوجهه معللاً بذلك حالات الحيرة الوجودية التي يعاني منها بحثاً عن مرفأ ليقين وجوده، تظهر هذه الحالة الشعرية بصورة دالة في المقطع الشعري التالي:

(أمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /

أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي

أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ

/ أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ

/ أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى

/ أرى / لا أرى / أتذكَر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /

أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /

أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى

/ ويغمى عليّ /).

وفي " لاعب النرد " يعود درويش لمزيته الفريدة وهي الحكي الشعري، حيث دائماً ما يجد الشاعر نفسه مضطراً اضطراراً رقيقاً لأن يؤطر لصوته الشعري عن طريق التقاط تفاصيل شعرية حياتية ـ وإن بدت شعرية لغوية لا تقارب الواقع ـ شديدة الخصوصية، وغالباً ما يلجأ الشاعر ـ أي شاعر ـ إلى تلك الحيلة الذهنية حينما يضيق واقعه برؤاه وطروحاته الفكرية، فيلتمس في حياته الشخصية ملاذاً أخيراً لتقنين وجوده وصياغته النهائية:

(وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها:

أَولاً - خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة - الشجرةْ

ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونجٍ ساخنٍ

رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ) ... .

***

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

 

 عدنان الظاهر(بعض ُ قصص سناء كامل شعلان تلهمني ما تلهم.. شكراً للسناء).

إختطفها إذ غاب زوجها ليلاً عنها..

ما رآها قبل ساعة الإختطاف. رآها قبل ذلك مرّاتِ عدة ولكن، محتواة في إطار من فضة مُلقى ً على منضدة زوجها طبيب الأسنان الوحيد في القرية النائية. لم يرَ في سجنها الفضي ذاك إلا عينيها تشعان فيخترق الشعاع معدن الفضة البارد. تسخن الفضة فتنتقل الحرارة إلى قلب الشاب الباحث في علم حشرات الفاكهة. يلتهب القلب ويتقد. يشتعل العصب في الجسد فتتوهج الرغبة العارمة فيه. غاب زوجها الغيور عنها لفترة قصيرة أتاحت للباحث في علم الحشرات فُرصة إختطافها بعد عذاب وصراع وجرعة قوية فوق العادة من مخدّر أدمن تعاطيه درءاً لآلام أسنانه المزمن. العشق قتال في بعض الأحايين وغريب النشأة والتفاصيل.

ألم الأضراس يقويه ويزيده غرابة ً ووحشية ً وإصراراً على نوال مَن سببته. ألم الجوى والحرمان منه لا يضاهيه إلا ألم الأسنان القاسي. الألم هو الألم، وعصب السن واحد من أعصاب الجسد المسربل بالعشق المتوحش الضاري. إختطف معشوقته وأدخلها كوخه الصغير ليلاً. عرّاها وتعرّى. مارسها فإستمرأته. وجدته أكثر فتوة ً وشباباً وجبروتاً من زوجها العجوز الخالي العظم. نامت وقد إرتوت حباً وجنساً فلم يدعها عاشقها تواصل النوم. تذكَّر أنها أعرضت عنه مرة ً، طردته وقد باح لها بحبه. عاودته فجأة آلام أسنانه. ألَمان متساويا الدرجة والعنف والسيطرة. ألم ذل الطرد وألم أسنانه. تسلل عاريا ً رويداً من فراش ضجعتها الأخيرة.. تناول الساطور الضخم الذي إستعاره من فلاح البساتين المجاورة المستخدم في قطع وتشذيب أطراف وفروع الشجرغير المرغوب فيها ولتكريب جذوع النخيل. أهوى به على رقبتها العاجية وكانت غارقة في أحلام النوم وهي مخدرة الجسد لكثرة ما مارست من جولات الجنس مع مَن سيذبحها بضربة ساطور معد ٍّ لا لقطع رؤوس البشر ولكن لقطع أغصان الشجر.

أما أنا.. (أنا وقد لا أكون أنا).. فلقد رأيت عينيها في إطار من ذهب خالص عيار 24 قيراطاً. نادتني عيناها قبل أن أبادر للنداء. أشارت لي  تعالَ فما مضيتُ. ظللتُ واقفا ً أنتظر (وقوفا ً بها صحبي..). ذاك لأني بطبعي أخشى العواقب غير المحسوبة أو غير المتوقعة. هل سيذبحني زوجها؟ أهي متزوجة أم لم تزل عزباء في إنتظاره؟ طال وقوفي وطال إنتظاري فمللت ولم أتشكَ. تقحّمت خوفي وإخترقت الجُدُر الزجاجية (قصة زاجر المطر / كتاب قافلة العطش لسناء كامل) وأُطر الذهب الخالص وحواجز الفضاء والزمان لألتقيها هناك في دارها. ما طردت أحداً قبلي. ألفيتها غير متزوجة.. إحدى حوريات الجنان.. لم يمسسها ولم يطمثها إنس ٌ ولا جان. لم تسأل أو تستوضح سبب زيارتي المفاجئة. قدّمت لي ـ كعادة قبائل الطوارق ـ الطعامَ، وما كنتُ لأستطيع تحويل بصري وما فيه من هيام وعشق عن زمرّد عينيها وسحر جسدها وما إختارت من ملبس وألوان. خبيرة في اللون وتصاميم ملابسها. لم تتكلم كثيراً. كلامها بعيون الزمرّد والعقيق. أحياناً توظِّف أناملها في توضيح ما تود توضيحه. تتكلم بأصابع كفيها. تأمرها فتطيع وتستجيب. لم أكنْ جائعاً فأكلت أقل من القليل. رفعت الصحون وجاءتني بالشاي المهيّل والمخدّر بمسحوق القرفة (الدارصيني). قلت لها قد فقدت شهوتي للطعام وللشراب. سألت بعقيق محجريها لماذا؟ أطرقتُ ولم أجبْ. أعادت السؤال بسبابة كفها اليمنى فلم أجب. أرسلت لي حزمة من موجات غامضة عاتبة تحمل لي ذات السؤال. شعرت برهبة حقيقية فوقعت تحت طغيان قوة روحها السحرية. قوة غريبة في سحرها ومفعولها. جثوتُ على ركبتي ووضعتُ رأسي في حضنها مقبِّلاً معتذراً. رفعت برقة ِ يد ملاك ٍ أو إله ٍ أسطوري ٍّ رأسي وطلبت مني أن أنهض. قالت لايليق هذا الوضع برجل مثلك. قلت كذا المحب.. هذا هو شأن مَن يعشق. لا تأخذك سيدتي الدهشة (أردتُ لكني لم أجرؤ. أردتُ أن أقولَ لها: أهوى أن أقبِّلَ مزيج منصهر الذهب وعسل جنات الخلد في ثغركِ. في شفتيك. من بين شفتيك. مخلَّقا ً مع رضابك..) أفلم تقرأي قصة الباحث في علم حشرات أشجار الفاكهة وإلى أي مصير إنتهى به عشقه لزوج طبيب الأسنان العجوز؟ قالت كان ذاك باحثا ً في علم الحشرات أمضى جُل َّ عمره يجمع ويدرس ويصنّف حيوانات صغيرة تُسمى حشرات، لكنك باحث ٌ في علم الكيمياء والمعادن.. والبشر كما قد تعلم معادن شتى. ثم إنك لست حشاشا ً كذاك ولستَ مجنوناً. ثم إني إستقبلتك ضيفاً كريماً ولم أطردك. ثم إنَّ مَن أحبَّ صاحبُ الحشرات والحشرجات إنما أحب صورةً مؤطرة ً في إطار من فضة، لكنك وجدتني في إطار من الذهب الإبريز والعسجد النقي الصافي من أعلى عيار وميزان، والذهب غير الفضة. ذاك قد وقع في غرام إمرأة متزوجة وأما أنا فكما تراني لم أزل ْ في دار وعصمة أبي أنتظر الرجل الذي يستحقني وأستحق. قلتُ لها ـ وقد رفعتُ رأسي بضراعة ٍ نحوها ـ دونما إبطاء: ها إني أتيتُ إليك ماشياً على قدميِّ الجريحتين من أقصى أصقاع الدنيا.. إليك في دار أبيكِ فهل ترينني أستحقك وتستحقينني؟ إبتعدتْ قليلاً عني مبتسمة ً في حياء فتاة بكر ٍ شرقية أصيلة سليلة أصائل. وضعت كفها على رأسي فشعرت بنشوة وقعت عليَّ من أعالي السماوات. غبتُ عني وعنها وحين عدتُ لنفسي وجدت كف َّ المرحومة جدتي لوالدتي العلوية فهيمة بنت ناصر، أم خالي الوحيد رزوقي الذي سقط من شجرة السدر العملاقة التي تتوسط دارهم القديم ففارق على الفور الحياة، وجدت ُ كفها المرتعش على رأسي تتعوّذ وتبسمل وتقرأ شيئاً من آي القرآن الكريم وتنقر بالكف الأخرى على أرض الغرفة نقرات ٍ متتالية ً رتيبة الإيقاع. كان هذا دأبها معي ومع باقي إخوتي كلما شعرتُ بألم في رأسي زمان طفولتي. أحببت هذا الطقس حد َّ الإدمان حتى لقد كنتُ أفتعل صداع الرأس لتمارس المرحومة فهيمة معي ذات الطقوس الغامضة في أغلبها. تراتيل دينية وأدعية وشفرات شديدة الغموض ودفء حضن الجدّة وصمت الأهل خاشعين متضامنين مع هيبة العجوز الطاعنة في السن ومع طفلهم المتمارض الصغير. ما أن ْ وضعتْ عقيقيةُ العينين ذهبيةُ الإهاب والهيبة كفَّها فوق رأسي حتى عدتُ لطفولتي المبكّرة محمولاً على بُراق لا يعرف حكم الزمن.. بُراق يطير بسرعة البرق ضد مسار الزمن. يقول الشعراء إنَّ الحب سُكر ٌ ومَن لا يسكرُ لا يعرفُ معنى الحب ولا يتذوق طعمه حلواً أكان الطعمُ أو مرّا ً. سكرتُ بالفعل بين يديها وغبتُ عن الوعي والزمن. لم أسال نفسي عن سبب وسر تجاوبها معي حتى تذكّرتُ ما قالتْ لي قبل قليل: إنك كيميائي تتعامل والمعادن والبشرُ معادنُ. معها كل الحق. إنها فيلسوفة. الذي يتعامل مع المعادن يجيد التعامل مع البشر. ثم إنَّ الكيمياء سحر مُذ ْ عهود فراعنة مصر الأقدمين. هناك بدأت الكيمياء في معابد الفراعنة حيث أفلح كهّان هذه المعابد في تحضير مستلزمات التحنيط وكيمياويات حفظ الأجساد والأنسجة القطنية والصوفية والكتانية من التلف والرطوبة. فضلاً عن تحضير الألوان الثابتة التي تتحدى الزمن وتبقى محافظة ً على رونقها وبقيت لآلاف السنين. أنا كيميائي إذا ً حسبما قالت ساحرتي الفرعونية ورائحة الكافور ومسحوق القرنفل والمسك والحناء تفوح من بدلتها الكتانية الطويلة ومن بين خصلات شعرها المدلاة على كتفيها ومن خلل أناملها الدقيقة التكوين المطلية الأظافر بمزيج معجون الند والزعفران وخلاصة أندر الأزهار والورود. (أنتَ كيميائي).. قالت، والكيمياءُ سِحرٌ.. إذا ً سأسحرها أو أسحرُ لها فعسى ان تعشقني كما عشقتها.. عسى أنْ تحبَّني كما أحببتها.. وإلا فلسوف أطلب منها أنْ تقتلَني.. أنْ تحز َّ رقبتي بساطور الحشّاش خبيرِ الحشرات. لم يقتلْ ذاكَ الخبيرُ حشرةً لكنْ قتلَ بشراً، قتل إمرأة ً حية ً من لحمٍ وعظمٍ ودمٍ. فهل تُرى أمسخ نفسي حشرة ً صغيرة ً لكي تقتلني بإصبعها صاحبتي الفرعونية الشديدة الرقة أو أن تدوسَ عليَّ ولو من باب السهو بأحد قدميها لأتركَ عليها تذكارا ً لحبّي شيئا ً من دمي، ودمي يحمل إسمي وجيناتي وتوقيعي الذي تعرفُ؟ الموتُ تحت أقدام الحبيبِ أفضلُ وأهونُ من الموت بساطور تكريبِ جذوعِ النخيلِ.. لا ريبَ. ما أن فرغتُ من قول هذا الكلام حتى تناهي لمسمعي صوت ٌ قوي ٌّ جَهوري ٌّ أتاني من البريّةِ صارخاً: كلّا كلّا.. سأعيرُ حبيبتك ومليكتك الفرعونية ساطورَ تكريب جذوع نخيل [دقلة النور] في واحة وصحراء [تَوْزَرْ] التونسية لكي تقصفَ به رقبتك لأنك جبان ٌ خانع ٌ وذليلٌ.. ليس فيك شئ من رجولتي. لا تركع أمام مَنْ تُحبُّ. لا تطأطئ رأسَك حتى لكفِّ جدتكَ لأمّكَ. كنتُ أشجعَ منك فحولة ً ورجولة ً وأشد َّمضاء ً. إختطفتُ التي أحببتُ.. قدتها كقطة ذليلة جائعة لكوخي عنوة ً.. عريتها.. مارستها دون حسابٍ حتى خارت قوايَ وقواها فنامت كما لم تنم ْ من قبلُ.. ثم تعرفُ ما جرى بعد ذلك !! الحبُّ مقتلة تنتهي في جولة واحدة ميدانها الفراش. تخرج منها إما قاتلاً أو مقتولاً. أفلم يقل الفيلسوف نيتشة إنَّ في الحب حقدا ً أسودَ وكرهاً لا حدودَ لهما؟ أفلم يقلْ هذا الرجل ُ المعتوه إن َّ في الحروب والغزوات حباً وعشقاً مخفيين دفينين عميقاً في أعماق نفوس البشر منذ أزمنة وعصور الصيد؟ من غير حبٍّ لا تستطيعُ أكلَ صيدكَ. تجري كأيِّ عاشقٍ حقيقيٍّ سريعاً وراء صيدك حتى تتمكنَ منه فتقتله لكي تتناوله طعاماً سائغاً نيئاً قبل إكتشاف النار أو مشوياً بعد إكتشافها؟ الحربُ قتلٌ وفي القتل حبٌّ شاذٌّ ساديٌّ ولكنه يبقى حباً رغم آناف البشر. توقف صوتُ أو صدى القاتل ِ حبيبته ِ فأصابني صُداع في رأسي وآلام ٌ مُبرِّحة ٌ في أسناني: أحقاً ما قال هذا الرجلُ خبيرُ الحشرات الذي حذا حذو َ الشاعر ديك الجن الحمصي الشامي إذ قتل حبيبته غيرة ً عليها ثم َّ أحرق جثتها وجبل من رمادها قدحاً لخمرة سكرهِ؟ هل عرف هذا الشاعرَ أو قرأ عنه؟ هل زار مدينة حمص أو واحةَ توزر حيث نخيل تمور دقلة النور؟ هل كان سيقتل الصبية البربرية السمراء التي تحمل ويا للصدفة إسم (دقلة النور) لو كانت صدته وأعرضت عنه ولم تستجبْ لنداءات إغوائه وإغراءات ما عرض عليها من دولارات أمريكية ومما أغدق عليه شيوخ الخليج من أموال كي يسمسر َ لهم ويعرِّصَ ويزرعَ في رأسه شتلتي قرنين إثتين من قرون القوادين بدل َ فسيلتي نخيل؟ هل كان سيحز رأسها كما يفعل الجزّارون مع رؤوس الضأن والغنم والماشية؟ أتاني صوت الصبية دقلة النور صافياً رقراقاً قوياً حيث قالت: لا تنسَ أيها العاشق النبيل أنَّ وجودَ شبح الشاعر أبي القاسم الشابي فوق التلة الترابية التي تشرف على ما نصبَ على مسطّحِ الرمالِ شيوخُ الخليجِ من خيام وفساطيط هائلة وما نضدوا فيها من زرابي َ ونمارق.. مجرد ظهور هذا الشبح أذاب الشيوخ وخيامهم وسياراتهم الباذخة وسمسارهم ذا النظارة السوداء طويل القامة فتبخروا سوية ً مع تجار تهريب فسائل نخيل دقلة النور المشبوهين القادمين من ولاية كالفورنيا الأمريكية خصيصا ً لتهريب سيد الشجر النخيل والبشر المتواضع من فلاحي الواحات. إختفى صوت الصبية البربرية الشريفة العفيفة فأتاني صوتُ أبي العلاء المعرّي جهورياً يشق عنان صحراء توزر مادحاً ومبجلا ً النخيل في شعر يتذكر فيه إقامته في بغداد:

شربنا ماءَ دجلة َ خيرَ ماء ٍ

وزُرنا أشرفَ الشَجر ِ النخيلا

إشارة ً منه للنخلة التي ورد ذكرها مرتين في سورة مريم، المرة الأولى في الآية [فأجاءها المخاض ُ إلى جذعِ النخلة ِ.. / الآية 23] والثانية في الآية [وهُزّي إليكٍ بجذع ِ النخلة ِ تُساقط ْ عليكِ رُطباً جنيا / الآية 25].

أنتهى الفيلمُ المعروضُ أمامي على شاشة التلفزيون فصحوتُ من رقدتي وحلمي العميق "أنام عادةً أمام شاشة التلفزيون ونظارتي على عيني َّ والكتاب في حضني!!". فتحتُ عينيَّ المتعبتين الحمراوين باحثاً عن تفاصيل ما قد رأيتُ في حُلمي فلم أعثرْ على أي أثر ٍ منها سوى لوحة هائلة القياسات بدون إطار لصورة وجه لا أروعَ منه ولا أجمل تغطي أحد جدران شقتي كاملاً. تفحصت ُ وجه َ وعيني صاحبة الصورة فعدتُ لنومي مسحوراً بتعويذة ٍ سحرٍ مصرية ٍ فرعونية ٍ غيرَ مصدق ٍ ما ترى عيناي: صورة سناء كامل الشعلان كما رأيتها قبل يومين في موقع الصديق الفنان الناقد الجزائري محمد بوكرش. ركزتُ بصري فرأيت في أسفل الصورة إسمَ الفنان الغريق الذي رسم الصورة: طارق العسّاف !!

ملاحظة هامة: في هذه القصة الخيالية تفاصيل أخذتها بتصرف من قصص كتاب {أرض الحكايا / منشورات نادي الجسرة الثقافي الإجتماعي، قطر، 2007} للدكتورة سناء كامل شعلان. القصص التي عنيت ُ هي حسب تسلسل ورودها هنا: الصورة / دقلة النور / اللوحة اليتيمة.

 

عدنان الظاهر

15.04.2008

 

عدنان حسين احمديُبرهن القاص فاتح عبد السلام في مجموعته القصصية الجديدة "قطارات تصعد نحو السماء" الصادرة عن "ناشرون" مقدرته الواضحة في كتابة النص القصصي الذي يعتمد على البنية المتوازية، فما من حدث يقع في لندن إلاّ ويقابله حدث آخر في بغداد أو البصرة أو الموصل أو في جبهات القتال التي كانت مشتعلة في ثمانينات القرن الماضي على الحدود العراقية الإيرانية. وهذا التوازي هو الذي يمنح قصص فاتح عبد السلام نكهتها الزمكانية متنقلاً بين الماضي والحاضر بتقنية استرجاعية تقرّب البعيد، وتستفيد من حكمة الآباء والأجداد وهي تُلقي بظلالها الوارفة على مُخيّلات الأبناء وطرائق تفكيرهم في ظروف شاقّة وعصيّة لا يُحسدون عليها. أما الحبل المتين الذي يشدّ القصص جميعها فهو القطار بوصفه بؤرة مكانية تدور فيها غالبية الأحداث لكن ذلك لا يمنع من تشظّيها إلى أماكن أخرى كالبيت، والشارع، والمدينة، وجبهة الحرب وما إلى ذلك.

تتميز القصة الأولى "تحت سماء القبّعات" عن بقية القصص بفضائها السُريالي فكل الرُكّاب الجالسين والواقفين يرتدون القبّعات بعد أن تخلّوا عن رؤوسهم ما عدا الراوي الذي هرب من الحرب ونجا بجلده فهو الوحيد الذي احتفظ برأسه ولا يريد أن يفرّط به بعد أن خاطر بكل شيء وقطع آلاف الأميال كي يصل إلى برّ الأمان. أما الاستعادة الذهنية التي تضعنا في قلب البنية المتوازية فتتمثل بحديث الأم التي تتمنى على ابنها ألا يرثَ منها ألم الأسنان "فالألم يُورَّث، والعذاب مثل الرزق مقدّر من الله".

في قصة "من بغداد إلى ديفالي" تعود بنا الراوية إلى ذكرياتها القديمة عن طاغور، الشاعر الهندي الكبير الذي كانت تقرأ قصائده في المرحلة الإعدادية، وتتذكّر صورته الفوتوغرافية التي يقف فيها بين الملك وجدها رئيس الحكومة آنذاك. وعلى الرغم من جمالية البنية الفنية لهذه القصة إلاّ أن شذراتها الفكرية أكثر أهمية حينما تؤكد الساردة بأن العراقيين يفكرون بالمُشتركات ولا يعيرون بالاً للاختلافات العرقية والدينية والمذهبية. ولعل أغرب ما في هذه القصة أن الصديقة الهندية قررت ألا تحتفل بديفالي أو "عيد الأنوار" بعد الآن لأنها غيّرت ديانتها، وآمنت بديانة جديدة عمرها بضع سنوات. لابد للقارئ أن يبحث عن المعاني المجازية التي تكمن وراء تغيّير الديانة بهذه السهولة وبين التزمّت والقتل على الهُوية الطائفية.

كثيرة هي مفارقات هذه المجموعة القصصية، فالعراقي الذي هرب إلى لندن طالبًا حق اللجوء السياسي ينضمّ إلى قادة الإضراب الأربعة، ويُدخل الرمز لتتوقف حركة القطارات في محطاتها، فيتذمر الناس، وتتعطّل مصالحهم لبعض الوقت قبل أن يُدخل رقم كسر الإضراب لتعاود القطارات حركتها الطبيعية المنسابة، فلاغرابة أن تنضوي القصة تحت عنوان "العراقي الذي حرّر لندن" بعد أن ارتهنها لمدة عشر دقائق لا غير.

تجمع قصة "لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة" بين ثيمتي الهجرة والحُب، فقد طلب الراوي الإقامة الدائمة للمرة الثانية لكنهم رفضوا طلبه لأنّ مدينته أصبحت آمنة وليس هناك مبرّر لمنحه حق اللجوء. قد لايركّز القارئ كثيرًا على مسار الحدث لكنه ينتبه بالضروة إلى لقطة مقرّبة رسمها القاص بذكاء شديد يبيّن فيها تعلّق الفتاة البريطانية بأصابع يده التي تُحبها على وجه التحديد، وتتأكد محبة هذا الجزء من الجسد حينما يخبرها بنيّته في حرق بصماته حينما تقول:"أتحرق الأصابع التي أحببتها؟" علمًا بأن مُستهل القصة قد أخذ من كاتبها أكثر من صفحة وهو يصف هذا التعلّق الحميم بين أصابعها "الناطقة" التي تتحسس أصابعه "المتلعثمة" وتحتويها في كفها المرتعشة وكأنها تبحث عن شيء ضائع. ولعل استدراكها الاستفهامي أكثر وقعًا من فكرة التعلّق حين ترد عليه:"ألمْ تقل لي أنهم أخذوا بصمة عينيك؟" فهل يتمكن من مسح هذه البصمة أو إحراقها كي يعود من النافذة إن أخرجوه من الباب خاصة بعد أن بنى حياة أخرى في هذا البلد الذي لم تنتبه قاضيته إلى صعقة الحُب وأثرها على هذا اللاجئ القادم من أتون الحرب والدكتاتورية؟

في "قفزة القرد" يدخل مسلّحان ويحتجزان التلاميذ كرهائن ورغم أنّ الأب ينقذ ابنه سامي وصديقه الياباني يان إلاّ أنّ شرطيًا جاء متأخرًا ورآه يحمل المسدس الذي أعطاه إياه العقيد فأطلق عليه النار وأصابه برصاصتين أخرجهما الطبيب من ساقه. تحضر البنية المتوازية فيتذكر الأب قول الضابط المجنّد:"الأرض مثل جسد المرأة تتسع لك حين تشعر أنها تحبكَ فتحتويك وتضمّكَ وتتستر عليكَ إذا لزم الأمر".هكذا كان الأب يشعر وهو يفكر بالوصول إلى نافذة القاعة التي تمّ فيها احتجاز التلاميذ.

تنطوي قصة " المرأة القطة والرجل القنفذ" على قدرٍ كبير من البراعة والتشويق والإثارة ولعلها مكتوبة بنَفَس سينمائي واضح، فالمرأة هنا مومس لكنها في لحظة فارقة قررت أن تحمي الجندي الهارب وتنقذه من الموت لأن الإعدام هو عقوبة الهاربين من الجيش العراقي في أثناء المعارك. أجلست الجندي المذعور إلى جوارها وطلبت منه أن ينام أو يدّعي النوم وألاّ يفتح عينيه مهما حصل، وأن يترك الباقي عليها. وحينما اقترب منها أحد رجال المفرزة الذين تعرفهم قالت له:"حبيبي هذا من لوازم الشغل" بعد أن أسقطته في فخ الغواية ووعد بلقاءٍ قريب.

لا يمكن مقارنة قطة مفقودة مع ألفي طالب مختطَف من طلاب القوة الجوية لكن دقّة البنية المتوازية بين ضياع قطة بريطانية اسمها "لولايكا" سيتم العثور عليها في نهاية القصة التي تحمل الاسم ذاته وبين ألفي مُختطَف عراقي سيلقون حتفهم على أيدي عصابات داعش الأمر الذي يدفع شقيقه للعودة إلى العراق محملاً بالنقود التي استدانها من البنك على أمل مقايضة أخيه بفدية يحددها الخاطفون أنفسهم. وعلى الرغم من يأسه المطلق إلاّ أن شقيقته لم تقطع أملها في العثور عليه حيًّا.

تتمحور "الرغبات المتكسّرة" على قصة جندي يأتي مُجازًا من البصرة إلى الموصل، وهناك يلتقي بصديقته التي أحبّها في الجامعة ولم يستطع الاقتران بها لضيق ذات اليد. وحينما يعرف أنها ذاهبة إلى بغداد لإنجاز معاملة تتعلق بالسكن يقرر السفر معها في القطار ذاته على أمل أن يتسلل إلى مقصورتها في منتصف الليل لكنه لم يكن يعرف أن المرور عبر المقصورات ممنوع تمامًا.

ينجح الراوي في كتابة قصة كل يوم يرمي فكرتها في ذهن القارئ ويتركها تنمو بهدوء، وإذا لم تنضج جيدًا يُدرك أنها وُلدت ميتة، فلا يأسف عليها، ويشرع في كتابة القصة التالية. تُرى، هل كانت الكتابة اختبارًا قويًا لوقته وأفكاره وإرادته أم رغبة في الخروج من عزلته الاختيارية التي تحولت إلى عزلة إجبارية؟

أما قصة "الضفدع الرمادي" فهي تتمحور على شخص يُعتقَد بأنه متسوّل لأنه يجمع النقود في قبّعة متسخة خلال الدقائق التسع قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة لكن براعة القاص الذي يفاجئنا دائمًا بانعطافة فنية محددة تكشف بأنّ هذا الشخص الذي لا يراه الرُكّاب هو آخر الخارجين من الحرب بعد أن احترق الجميع. ومع أنه يعيش بينهم منذ عشر سنوات إلاّ أنه لا يحمل سوى لقب مجنون تتلقفه الشرطة كلما أثار صخبًا أو روّع الآخرين في عربة هادئة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

وفي الأخبار على لسان العبسية يتعرف القارئ على إرث يتوارد في أفكار الآخرين، حيث يتأكد أنّ هواجس الخوف من الذي حدث متوارثة، إلاّ أن أحداً لم يعتد بها، وهذا يعود للتجاهل أو للجهل والحماقة، أو للمكابرة على الجرح، ما يرينا الشاعر وقد افتتح نصّه بنص قرآني متكامل البناء، حيث تمت عملية الربط بين الأشياء والواقع وما يربطها عبر الذاكرة الزمنية، إلاّ أنها أخذت الصدارة وبدأت تتعمق أياً كانت المتاعب والمشقّات وحالات العذاب المتعددة، فالصياغة التي تعبر عن الذات الشاعرة أتيح لها أن تعبر عن مأساة وأزمات يعيشها الناس، قبل نيسان وبعده، إلاّ أن الشاعر استطاع الوصول إلى لحظة الكشف عن مكنونات الجرح المتجدد، لذا نجد سمات مختلفة تسمح "بعرض التفاوت والتنافر والتناقض وتعدد أوجه التجربة".(عاشور رضوى111) .

الأخبار التي أوصلها الشاعر على لسان العبسية، ووصفها شكلاً، ذلك الوصف الذي أبان عن هم متجدد قد نال من بنية الراوي والمتحدث والمتلقي والمتيقن وبين حدوث معمعانية نيسان، نرى الإنسان يعيش في التجربة ذاتها والهموم عينها، لا ينفصل عن واقعه، ولا ينفصم عن ذاته فكانت النتيجة حتمية الوصول إلى قناعات مُسلّم بها، أوصلت إلى اللمسة الأخيرة في صنع صورة الحدث، لذا لم يخفت السؤال عن طبيعة الحدث كون المتحدث امرأة، وإنما أخذ الجميع يستطرقون مكونات الحدث موضع التساؤل الذي حملته العبسية، وإن جاء على صيغة القول المروي "قالت" وكأنّا أمام حكاية تُروى، حتى يتجسد لنا أن الحكاية تشكل الارهاصات الأولية لنص مكتوب، فتكون العبسية متحدثة عن الذاكرة التي توضح للآخرين ما كان وما يكون، من أجل إظهار مساحة من الدهشة والاستغراب، وخلق حالة من الاستمرارية في القص على الرغم من مرارة المروي والنتيجة السوداوية التي تجسّدت بعد مجيء نيسان، المحدث، إلاّ أن يستتبع الحالة التفصيلية للحدث المكتنز في أفقه الممتد والذاكرة المليئة بالمكونات، المتراكمة التي تحاول فقدان الترابط، إلاّ أنّ الصيغ الترابطية لم تزل قائمة ولغته لم "تتوقف عن أداء وظيفتها". (كوهن جان199). مهما اختلفت صيغ التعبير المختلفة.

إنّ فكرة الشاعر أخذت حيزاً كبيراً في عملية النظم الشعري، فعلى الرغم من امتداد أسطره الشعرية لم تفقد اللحظات المدهشة منذ دهشات عتبة نصه حتى اخر سطر فيه "هل يستطيع المرء أن يعيد لأم رأسه المقطوع، بالرقبة، ويستدير صاعداً إلى بقايا البيت فوق الهضبة؟!".

فالحكاية أو الحالة الاخبارية التي يقصّها الشاعر نظنها لعبة الإنسان مع الزمان والمكان، فيكون الشاعر قد شاغل نفسه "وكذلك الآخرون بالكلام للابقاء على عقله إزاء العدم والصمت المغلق والمريب الذي ترصّه بعشرات الأقنعة والوجوه" (الموسوي محسن جاسم13). لكن هذا ليس كل شيء... ثمة أمور أخرى يمكننا أن نحسّها في استمرارية التفاعل مع النص.

كذا روى من جاءه علمٌ من الكتاب، / أضاف: غير أنّ جسمها قد استعاد نضرة الشباب/ حين استقام الرمح في قامتها/

على منصّة العذاب/ فأخرجت، في غفلة الجلاّد، منديلاً معطراً/ في غفلة الجلاد. منديلاً معطراً/

 من بين ثدييها وعصّبت به جبينها/ وقبل أن ترتد للجلاد عينه إليها، غابت العبسية الحسناء/

ولم يلح لها أثر، والسوط ذاب لا ذكرى ولا خبر!/ يروى عن الجلاد قال:/ لربما زال الحجاب عنها، /

 وربما كنت أنا الضحية العمياء/ في مسرحية بلا نص ولا ممثلين/ على منصة بلا زمان، / أو مكان/ أو مشاهدين!/...

وجاء في حاشية الخبر: سمعتها تهمس أنّ قطرة من عطرها/ حطّت على المنديل/ طار بها في لمحة البصر، /

إلى حديقة من الحلفاء والبردي في (قرطاج)-/ قيل هناك الليل غير داج/ وليست السماء ذات أبراج/

وقيل أنّ الشمس فيها حارسة، / ولن تغادر الربيئة التي/ تشرف من قنّتها على الطلول الدارسة!/ (مصطفى خالد علي7).

العبسية غدت عرّافة تتداخل وظيفتها، ما جعل هيكلها الخارجي تتفاوت صوره البصرية تبعاً للمتحدث والمتلقي، فنراها استطاعت قراءة الماضي والحاضر والمتوقع، بلغة كسرت جبروت الخوف عند حالات التلقي، حتى يتيقن الآخرون أنّ المستقبل لا يبتعد كثيراً عن هموم وتوقعات العبسية، فنراها قدمت برهاناً على أنّ العلاقات بين الناس غير مرتهنة بحكاية أنثوية تُروى، أو قصة تُحكى، دون النظر عمن يقصّها، وإنما تتحقق بكينونة الخلاص من تبعات الثقل الواقع على كواهل الناس، لذا جاءت صور العبسية عند الشاعر متعددة، فمرة كانت "عجفاء" وأخرى تحرسها الشمس مزدانة، وهذا يمثل انتصاراً لواقعها، ما يعني أن الحدث سوف يتبدّل، وإن كثرت مرتكزات الشاعر أو متكأآته التي تشكل الحالة التلازمية في نصه كما مفردة "نيسان" التي أخذت الحظوة الكبرى، وتليها العبسية بهيأتها المتعددة، وبدون تلك المتلازمات نشعر أنّ النصّ ينهار ويصبح حالة من التكسّر والتشظّي لا يستطيع الشاعر جمعه وامداده بالانطلاقة، إلاّ أن مرتكزاته تميط اللثام والغشاوة وتؤكد حالة التوحد معه والتفاعل البناء، فتعيد حالة الصياغة سيرورة الزمن وانثيالات الواقع، لأن الصياغة تتسع وتتعدد اتساع أفق النص، "فثمة دائماً ما يمكنه أن يقيس حجم وعينا وشكل رؤانا".(جبر مريم63) .

إنّ الرمز أو الصورة الرمزية المتعددين في أوجه شتى، "يهيمنان على البناء العام للقصيدة، إذ يبينان عن طاقة وصفية واضحة، إلاّ أنها مختلفة الظهور من مشهد إلى مشهد، فالرمز يوصل إلى تطوير المساحة الشعرية وتعميق الدلالات تجاه خلق نسق عام مبحوث عنه، وتصبح مسألة الانزياح الشعري نسبية، إلاّ أن هذا الانزياح لا يجعل الانقطاع وعدم التواصل مع النص متحققا، بمعنى نجد نص الشاعر هنا بعيداً عن دائرة الغموض الكامل أو الجزئي، فليس صعباً على الباحث أو المتأمل في النص أن يتواصل مع النص واستقرائه، فلو أمعن الشاعر في الإبهام من خلال التكثيف وخلق حالة الانزياح، لأصبحت حالة التماثل مع النص مفتتة، ويكون التلاقي مع استقرائه عملية صعبة، والحالة الانفعالية هي السائدة، إلاّ أنّ الشاعر حافظ على حالتي التوازن والمواءمة في بنائيته للنص "حيث كل العناصر مكونة له (الدلائل- العلاقات المبنية) لها دور في إنتاج المعنى". (المرتجى أنور63).

لا شكّ في التفاعل القائم بين حالتي التذكر والتخيل لدى الشاعر، الواردة على لسان العبسية، وهذا يتماثل في كيفية التعامل مع المساحة النصّية، التي نستشفها من المادة المنتجة من حالتي التذكر والتخيل معاً، لذا نؤكد أنّ الشاعر عمد على ترهين الذاكرة وتعميدها بألم الراهن وانكسارات وهزائم الواقع، مع الخيبة المسترسلة منذ زمن عميق، وأظهر لنا المنطلقات المركزية التي تنبثق من أعمال الذاكرة، بذا تكونت لديه ذاكرة شعرية لها حظوتها في الزمان والمكان معاً.

لذا لم تعد رموزه وصوره للدعامة والتزيين والزخرفة الدلالية، يمكن الاستغناء عنها، بل غدت تمثيلاً جوهرياً لرؤية الشاعر وتجربته، مصدراً للخلق الدلالي في بنية النص الشعري، فنجد الصور النامية التي تساعد في عملية البناء العفوي، فنرى الصورة التركيبية (الصورة- الرمز) التي تحدث في النفس المتلقية كشفاً عن غوامض الشاعر ورؤاه، وكذلك نجد الصورة الرمز أي التي توصلنا إلى رمز ديني أو صورة تحيلنا إلى مكونات معرفية وثقافية يمتلكها الشاعر، فيكون نصه معبراً لنا حتى تتماثل في عقولنا على هيأتها التكاملية.

إذن صوره ورموزه أوصلانا إلى معرفة أشياء كانت مخبوءة إما في نفسه وفكره أو في التاريخ بعمقه ودلالاته المتعددة، فماحديث العبسية وحالات الاخبار التي جاءت بها، ومن ثمّ اخفائها، ما أدى إلى تعدد مسميات الأماكن التي اختفت فيها فمرة نراها "وراء رأس (يحيى) ومرة في (صور) وأسوار أريحا، وبحر الملح، كلّ ذلك رجماً بالظنون.

تلك المسميات تخلق عاملاً نصياً ينطوي على فضاء كامل من الاحتمالات الدالة على الهدف التفسيري فالرموز التي جاء بها مفهومه في المدلول المتوحد في ذاتها، إلاّ أن رمز "رأس يحيى" يحتاج إلى عمق في التتابع والاستدراك، إذ من حق الإنسان أن يتساءل هنا هل المقصود هنا "يحيى العمدان" عندما أعدمه أحبار اليهود، انتصاراً لشهوة حبرهم الأعظم، عندما طلب منه الافتاء بزواج الرجل من ابنة أخيه، فرفض منتصراً لعقيدته السمحاء، فكان جزاؤه الإعدام، أم أن المقصود برأس يحيى هنا، هو يحيى البرمكي الذي تربى في حجر العرب والبيت العربي والثقافة العربية والعقيدة الإسلامية، إلاّ أنه استأثر بالمال العربي خدمة للفكرة الفارسية وفلسفتها في الحكم، وانتصر للتقاليد الفارسية وقيمها، علماً أنه يحكم باسم الخليفة العربي المسلم، كلّ ذلك وغيره جعلت الخليفة والعنصر غير العربي ضد الخلافة العربية الإسلامية بمقوماتها المختلفة، وامتدت هذه النقمة حتى يومنا هذا، إذ توحدت الإرادة الفارسية الصفوية مع الإرادة الصهيونية والانجلوسكسونية، وربائب الأحلاف المذكورة، ونتاج المدرسة الرباعية، حتى تتوحد الأركان الخمسة، وتمثل ذلك في احتلال العراق، وتدمير البنى كلها.

إذن الذاكرة الشعرية لدى خالد علي مصطفى مليئة بالرموز والصور الرمزية الحاملة للفكرة والهدف معا، ونراها "متماهية مع عمق تاريخيته في الذاكرية البشرية وتجلياتها الابداعية"(عبيد محمد صابر114) . ونرى قصيدته وقد اكتسبت الحضور الأوسع والأكثر قوة في تجلّي الذاكرة التاريخية الرامزة وتفعيلها شعرياً، وجعلها حاضرة في صداها الدّال بإيقاعه وبنائه حتى تستقر في الضمير والوجدان الباحثين عن حقيقة مضمرة في شعره، وهذا يتوكد للقارئ من خلال مفردات رامزة مأخوذة من ثقافة متعددة المشارب ومتسعة الرؤى، فنراها تارة دينية وأخرى تاريخية وأخرى واقعية معاصرة، (خراف موسى، ومئزر المسيح أو خرقة الحلاج، ومواكب الحجاج والملائكة والقذائف المباركة").

إنّ ابنة عبس وما ترويه يرتبط جوهرياً وجدلياً بالزمان والمكان معاً، فنراها إلى جانب نيسان، تشكل عنصراً حيوياً فعالاً يمتد ارثها وعمقها إلى الجذور العميقة في التاريخ القديم والمعاصر، وهي بمثابة المرآة التي تعكس القوى الأسطورية والدينية والجمالية معاً، ما يجعل نص الشاعر ثرياً بالطاقة والحيوية والتجربة، ما يرينا نصاً مكتظاً بلغة تحمل ارثاً ثقافياً متعدد المشارب، إلاّ أنّ النزعة العروبية الصافية تأخذ حيزها الأوسع في عمقه التفكيري ودلالة نصه الفني والإيحائي، حتى تستقيم حكاية العبسية وتتغير ملامحها في الشكل والجوهر، فبدلاً من ارتمائها في أحضان التاريخ "في بلاط ذي يزن"نرى أن محاربيها ورافضيها يتفتتون وتتنصر في نهاية المطاف، فما سقوطها في بلاط ذي يزن إلاّ انتصاراً للفكرة العربية في عملية إعادة البناء بعد معادلة نيسان المعاصرة علماً أن "ذي يزن" من قاد الثورة التحررية ضد الاحتلال الفارسي لليمن قبل الفتح الإسلامي، وكأنّا به يقول: إن التاريخ يعيد نفسه، من أن الاحتلال الفارسي عاد إلى العراق بعد التوحد مع الصهيونية والامبريالية كما توحد الفرس مع اليهود عند حرق بابل عام 539 قبل الميلاد، ومن ثم الصراع الصفوي التركي الذي أوقع جزءاً كبيراً من الأرض العربية في العراق تحت السيطرة الفارسية، بمعنى لم يستطع الفرس تمرير أفكارهم واحتلال بلاد العرب في السابق واللاحق إلا بوجود ركيزتين اثنتين هما: العامل الخارجي متمثلاً بالأطماع الأجنبية والمكائد والدسائس، وأما العامل الثاني فيتمثل في العمق الداخلي، حيث تجد بعض المريدين لإعادة هيكلة الدولة الفارسية الصفوية كي تشمل العراق وبلاد فارس، فيصبح الحلم الفارسي حقيقة، إلاّ أن الشاعر ينتصر للفكرة العربية والثورة العربية من خلال العودة إلى "ذي يزن" حيث المستقر الأخير للعبسية وهي منهكة مغشي عليها، فتكون الإرادة العربية وثورتها هي الحصن الأمين للرافضين للاحتلال الجديد للعراق، كما رفض "ذو يزن" الاحتلال لبلاده منتصراً لعروبته الممتدة في التاريخ ارثاً وفكراً وحضارة، فيكون حلم العبسية قد تحقق ألا وهو حلم الشاعر المتمثل في الخلاص من الاحتلال مهما تعددت مسمياته وتنوعت أعراقه، ومثل ذلك يشكل جزءاً أساسياً "من حياة النفس البشرية، لا مفّر لنا من مواجهته إن نحن أردنا فناً يصف النفس، ويلمس حياتها لمساً دقيقاً". (الملائكة نازك23)، علماً أنّ العبسيّة استنجدت بالآخرين حتى تحقق الحفاظ على ديمومة الرفض والبقاء "تصيح من يبتاع منّى هذه الصحيفة، لقاء ما يخصّب رحمي" إلاّ أنّ صرختها لم تجد آذاناً صاغية، أدى بها إلى حالة الإعياء والإغماء اللا إراديين، وتكون إرادة العروبة النقية غير المؤدلجة هي المنتصرة، لأنّ العروبة أنقى وأعظم من أي فصيل أو فكرة ينتحلانها أو يتشحان بها، فيكون التاريخ النفي للثورة العربية هو من يتصدى للاحتلال ممثلاً بذي يزن.

ظِلٌّ لتمثالٍ وديع من بقايا الآلهة/ يسقي السكارى ما تبقى من دنان قرطبة./

قد رحل التمثالُ في سفينة الأسر مع (الزباء)/ وخلّف الظلّ وديعة/ في حانة المطار/...

قالوا: هي الأشباح، / ومرة قالوا: كلابٌ جائعة، / ومرة: تراءى آخر الهزيع في ثمالة الأقداح!...

نيسان ظل صامتاً/ وفي جيوبه تصلصل الملائكة، / وابنة عبسٍ، وحدها تحرس بئر الحبّ في الكثبان/...

لا ماء في الحدائق الغنّاء!/..../ وابنة عبس لم تقل: كان أبي يقول هذا.../

لقد تفجرت عظامها/ واساقطت على نوافذ القطار/ نيسان ظلّ صامتاً/ يفضّ ختم الليل عن قذائف النهار/

ماذا تقول رقعة العبسية الحسناء؟/ لم يدر أي قارئ عنها سوى نميمة/ قيل اختفت في زورق/

يدور أينما تدور في أفلاكها (عاصفة الصحراء)/ لكنّ لصاً من هذيل فاز بالغنيمة، /

فباع ألف نسخة منها لتجار الرّقاع في السّراي/ لقاء ألاّ يشهدوا على وقائع الجريمة؛/...

والمخبرون عاجزون أن يدّونوا/ أين استقرّت رقعة العبسية الحسناء!/...

جاءت صبا نجدٍ إلى "المجنون"/ ووسوست في قلبه ما جاء في الصحيفة/ فشدّ في ساقيه أشواط الصحارى/

إلى أماسي (مربد الفيحاء)/ وارتفعت أرجوزة مطمورةٌ/ من ظلمة البئر إلى منصة الإلقاء/

(أنا التي تأتيكم في كلّ ليل أليل 

أمرّ بالسادات من عمرو ومن مهلهل       

ولا يراني أحدٌ في موكب أو محفل

ولسوف تأتي غابة أثمارها من حنظلِ      

يغرقكم طوفانها في ظلمة لا تنجلي 

هيهات بعد الآن تزكو وردة في مشتل    

إذا خسرت مرسلاً خسرت كلّ مرسل!.../.../

وكان ما كان.../ وسارت الوجوه تستظلّ قبعاتها/ وتهبط النهر على طوافة مثقوبة/

والماء لا يغمر حتى موضع القدم/ لكم توقفتا!... وليس ثمّ إشارة/ والنهر ظلّ هادئاً. (مصطفى خالد علي، درس في التاريخ).

نرى أن معطيات الحس تختلط بالذهنيات، كي يبين عن حالة تعقل تسيطر على المعطى الشعري والدلالي، فتكون المعايشة قائمة بين الذهنية المتأملة والإحساس النامي تجاه الحدث، فهو من الذين يعرف قيمة الكلمة في توجهه التصويري والرمزي، فنراها أي الكلمة تدلل على المجرّد والحسّي والتأملي والتخيلي والتكرار والمتداول والغامض، فنرى لغته مليئة بالحركة والتخيّل والكشف عن المستور، حتى يصل إلى إذابة الملموس والمحسوس والمألوف في تجريدات ومتخيلات تقرّبه من موضوعه "غير أنه بوصفه شاعرا تصويرياً غالباً ما يعمد إلى تركيب الصورة بطريقة يصعب فهمها لأول وهلة، بل قد يضفي على الصورة الواضحة اليسيرة ما يثير أمامنا الغموض".(زكي أحمد كمال247) . أحياناً ما يستدعي الأمر إلى التأمل في النص والتريث في إصدار الحكم أو التقريب من معطيات الفهم، إلاّ أننا نرى بناءً متشعب الجوانب، ليس من السهل أن يضيع فيه الخط الرئيسي للموضوع أو الفكرة الكلية للحدث، لذا يشعرنا من خلال نصه أننا نمر بتجربة عاشها أو يعيشها، للاقتران مع دفقات الحدث والحس الشعوري تجاه أمله ومنطلقه.

تدخل رؤيا الشاعر في الفضاء المشتبك والمتداخل، ما جعله يحقق انجازاً لافتاً متمثلاً في النص الشعري بين أيدينا، موصلاً إلى أكثر المناطق سخونة على الرغم من أنّ موضوعه قديم متجدد، يحمل صوراً دالة ورموزاً مثقلة بالهموم، كثيفة في المعاني لكنها حيوية تدلل على عمق ثقافي ومعرفي متداخلين وصواب في النوايا.

إنّ طبيعة اللغة المستخدمة في النصّ نراها مؤسسة لملامح خطاب يغلب عليه آلسرد والإخبار والتداعيات وتجسيد الأحداث "والتجارب من حياة الكاتب التي تشكل معه نسقاً متكاملاً" (فراي نورثروب406). كما نراه يتعامل مع المروي والمحدث حتى تتلاحم مع معطى شعري خاص يبين عن مكنونات الداخل والخارج للأشياء على حدّ سواء، ولا شكّ أن محاولة التماهي أو التجاذب مع الطبيعة في أشكال متعددة من أشكالها المختلفة (مرتعش كعشبة، غابة أثمارها من حنظل، وردة في مشتل، والنهر ظلّ هادئاً، ...). بكلّ ما ينطوي عليه من معانٍ ومتغيرات في الدلالات، قد تكشف عن الوضع الحرج أو المأزوم الذي تعيشه الذات الشاعرة التي أخذت السياق السردي التقليدي الوصفي، بمعنى نجد الشاعر يصف ويعيد حالات البناء المتعددة على النحو الذي يسمح بكشف الحقيقة وخلق الدافعية للتفاعل معها.

ولعل واقع النصّ يجعل منطق آلسرد آلإخباري سائداً، علماً أنّ الشاعر استطاع أن ينهض الحواس كلّها ويدعها تتفاعل معه كي يخلق نصاً يستند على المشاهدة البصرية والإيقاعات السمعية والفاعلية الشميّة، والإحساس اللمسي والاتصال التذوقي باللسان، ما يجعل صوره ورموزه تتفاعل بقدر أكبر من الحرية حتى تخلق الحاسة الحدسية الفاعلة التي جسّدها في نصّه، وجعل ما ترويه العبسية حالة حدسية متحققة لا متخيلة فقط، وكأن إخباره آلوصفي يخضع لمنطق الحادثة الواقعة في الإطار الفضائي المحدد والمرسوم، وإن أسهب في عملية السرد ولم يعمد إلى الاختزال في بناء الحدث، بل جعل التكثيف في لغته أحياناً، وينسجم واستراتيحية الكتابة.

في كل ما تقدم من نماذج التصوير والترميز يتضح أنّ الرؤيا الشعرية هي التي تقوم بنتاج الدلالة المزدوجة ذات الطبيعة الخاصّة من خلال اختيار "مسمى العبسية" كتعبير عما يعانيه المجتمع ممثلاً بالمرأة، حيث يظهر الحالة الظاهر والباطن، الحال المتراوح بين المعروف وغير المعروف لدى الناس، أو الذي يجهله الناس ويدركه خاصة الشعراء، وهذا كما نعتقد ما جعل الشاعر يلتفت إلى اسم العبسية بعينه غير متناس الدلالات الهادفة التي يحملها المسمى، ما جعله "يضيف إليه سمات خارجية منتزعة من جوهرة الداخلية". (الهاشمي علوي53).ما جعل استخدام آلإسم كظاهرة تحمل مستويات رمزية تتداخل في رؤية الشاعر الانسانية الشاملة ويبقى المسمى هو السمة الوحيدة لم يمتلك صاحبها من خصائص أخرى في الحياة، على الرغم من تعدد الرموز في النصّ، علماً أن الشاعر بترميز آلإسم ووضع بعض الأشياء في إطارها التقريري التذكري تجاه الماضي، وصورة حيّة نابضة بالمشاعر الإنسانية تجاه ما يحدث للإنسان والوطن والحياة بأشكالها المتعددة في الوقت الراهن.

القراءة النقدية المتمعنة تكشف عن قدرات الشاعر، فلديه ما يستحق الوقوف والإشادة والتفاعل، لأنّ نصّه مليء بلهفة الشعر الصادق غير العصي على الفهم لمن يتثقف بثقافة متقاربة أو مناددة للشاعر، ما يجعل صوره مترعة بعنفوان الشعر وعذوبته، وهذا يجعل قارئ النص مأموراً لجماليات تحمل دلالات متعددة، زيادة على التعددية في الصورة والرمز معاً، أي أن نصه بعيد عن لحظة الاضمحلال التي قد تفتت حالتي التواصل والتفاعل معه، علماً أنه لم يعمد إلى التعابير المباشرة والخطايبة، وإنما نجد شعرية من نوع خاص، فتكون صوره ورموزه مستقاة من الطبيعة بدلاً من الصدور المباشر عن المعنى أو التعبير المباشر.

فما يعانيه الشاعر في نصه ليس بعيداً عما يعانيه الإنسان السوي، إلاّ أن مقدرة الشاعر على التعبير هنا تجعل نصه من صميم الإبداع التعبيري، فهو يدخلنا في فضاء الشعر الأوسع، الذي يرى الشاعر فيه نفسه، وإن لم يغادر نصه الغنائية.

فعلى الرغم من ذلك، نجد أن العبسية تشعر بنوع من الاغتراب لأنها لم تستطع الانسجام مع محيطها بل كانت ترى في ذاتها منعزلة، وإن كانت تهدف إلى أن تكون جزءاً من محيطها، إلاّ أن القائمين على المحيط لم يعطوها أذناً صاغية بالمطلق، علماً أن علاقتها مع المحيط لم تكن نفعية أو اقتصادية ومظاهر الاغتراب نجدها فكرية لا اجتماعية.

وما يميّز نصّه أيضاً أنّ الرمز يدخل ضمن بنيته التكوينية، حتى يتم استغلال الطاقة الايحائية التي يحملها ضمن السياق العام للنص فقد رُحّل التمثال في سفينة الأسر مع (الزباء)، لذا نجد المعادلة واحدة، وإن اختلفت الأزمان، بمعنى نرى أن "تمثال الوركاء" يمثل نتاج حضارة مكتنزة يقيم دلالات عميقة في العمق والأداء، (والزباء) تمثل فلسفة الحكم والإرادة الحرّة الرافضة للاستعمار، وكأنه يقول: إنّ الحضارة نتاج فلسفة وفكر وطنيين حرين، لذا لا بدّ من تفتيت أواصر اللقيا، مما يرينا امتداداً في العداء بين أسرى الزباء وفكرتها، ومن أسر الوركاء بقيمها، فما قامت به الزباء تتصوره فعلاً "حرضت عليه الإرادة الحرّة للإنسان القادرة على الحلم في حالتي اليقظة والنوم، كما أنها فعل إرادة لا تستسلم للواقع كما هو".(حسن جعفر69) .

إن التعاضد بين "الوركاء والزباء" له دلالة خاصة توحي بالانفتاح على فضاء الوحدة الإيجابية والرفض المتكامل لمعطيات الحال والواقع، وكأنه يثير فينا مجموعة من الأحاسيس التي تتوج الزمان والمكان، "نسأل عن آخر الأخبار في جريدتي (الأهرام) و(الزمان) حتى يتحقق الأثر الأخلاقي في الفن بشكل عام وتظهر المصداقية في الصحافة التي تمثل السلطة الرابعة عند الإنسان، لذا نجده يتفاعل مع رموز صحافية معروفة (الأهرام) وهي من نتاج العتبات الأولى للفكر الإنساني العربي، إلاّ أنها لم تعد كما كانت، بسبب فلسفة القائمين عليها الدافعة إلى تدمير الوركاء وأسرها كما أسرت الزباء، وكذلك صحيفة الزمان: التي ولدت مع الإعداد للحرب واحتلال العراق، بتمويل ليس واضح المعالم والدلالات، وإن وضح، فتكون الحقيقة في فم الإعلام المشري لا المستقل.

اللغة وظواهر أخرى

قيمة الفن، لا تكمن في الدلالة العميقة فقط، مع تغييب التقنية أو الأسلوب ، ولا بالأسلوب مع تغييب الدلالة، وإنما المعيار يكمن في علو الاثنين معاً، أو تظافرهما أو توالد أحدهما من الآخر،  وهذا ما يكشفه الفن الرفيع حيثما وجد وبأي لغة يصل إلينا.

لغة الشاعر متشعبة الجوانب، مطواعة إلى حد بعيد، لا يضيع الخط الرئيس الرابط بين الأفكار، علماً أن عواطفه تتداعى وروح الشاعر المعنوية تمر بتجربة ينفعل بها، وتتفاعل معها، ونلاحظ أنه يمتلك لغة قوية يُكثر في تكرار بعض المفردات التي تشكل لازمة إبداعية، أو متكأً خاصاً، لو اسقطت إحدى تلك اللازمات، لأصبح المعنى مختلاً كما هي مفردة "نيسان" أو مفردة "تصلصل" أو مفردة "بني عبس" إلاّ أن لازمته التي بنيت عليها الفكرة هي "نيسان" وهي شبيهة إلى حد بعيد بمفردة "المطر" في أنشودة المطر لبدر شاكر السياب، لذا نجد المفردة تنقلنا إلى المتحقق من تجربته الشعرية.

وبما أنّ الشعر ليس إحساساً يصاغ بمفردات مجتباة، وإنما إحساس وفكر حيان نابضان فهما "متعة للنفس وعلاج للحس، وبلسم للعاطفة من جهة، وفائدة للعقل، ورسالة للحياة من جهة أخرى". (الناعوري عيس241). فيكون نص خالد علي مصطفى من النصوص التي تعجّ بتلك القيم، حتى أنه استوعب قضية عظيمة ألا وهي "احتلال العراق" بل جعلنا نعيش في روحية الماضي وانكسارات الحاضر، والاحساس بالنهضة الآتية، وما النص الذي بين أيدينا إلاّ نتاج تفاعل نفسي وفكري وشعوري من الشاعر تجاه الحدث المعني، علماً أنّ لغته موزعة بين الأمل واليأس والرجاء والقنوط أحياناً، كل ذلك جاء بلغة واصفة أحياناً، سردية أحياناً أخر، تحمل دلالات التداخل والتشابك في اندماج صورة الأشياء، فيها بعض الإزاحة، تحمل رموزاً مثقلة بالفكر وصوراً معبأة بهموم وأثقال الحياة، فمرة يميل إلى المجاز وأخرى إلى المباشرة والتصريح، واستعماله الخيال لم يأت من فراغ، وإنما يحاول بذل غاية الجهد ليظفر بالتعبير الملائم للحاجة النفسية والفكرية المتزايدتين لديه.

ومن يستتبع يجد أن لغة نصه منتقاة بعناية توصل إلى المعنى بدلالة واضحة، فيكون المعنى المراد وليد اللفظ المدون، فمقدرته التصويرية والترميزية فاعلة إلى حد بعيد، مهما كانت طرائق تعبيره اللغوية نجده متمكناً من مراده، إن كانت كلماته مباشرة أو موغلة في التكثيف فهي فاعلة في الحدث لأنّ الشاعر "يصنع من المادّة الحسية بدعاً يغلو من القيمة ويعلو، ويفعل من قلب الجواهر، وتبديل الطبائع". (الجرجاني عبدالقاهر276).

أي أن كل فكرة ترغب في أن تكون كسوتها ملائمة لها، أي لا تقبل المفردات غير الجادّة أو الهادفة، فلا نظّن أنّ الكلمات النادرة أو المتروكة تتلاءم مع نسجها مع المفردات كثيرة الاستخدام إلاّ إذا كان الشاعر بارعاً في بنائه، ما يجعله قادراً على تذليل الصعب وترويض الممتنع كي تتشكل شبكة المعرفة الفكرية النابعة من نصّه أو المكتنزة في النص نفسه، فالكلمة بالنسبة للفكرة "كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض".(العلوي ابن طباطبا21). فالكلمات لا نصيب لها من الجمال والعذوبة إذا كانت منعزلة عن بعضها، غير مستخدمة في بناء جسد القصيدة، لكن نستطيع القول: أن المفردة المعنية سوقية أو وحشية أو راقيقة أو غير ذلك، لا يكون جمالها في ذاتها، او القبح كذلك، وإنما الجمال التكاملي أو الثقل المراد لا يتضحان إلاّ بواسطة النسج المشترك بين المفردات.

أبعد هذا كله؟/ بعد الذهاب والإياب بين حانة ومئذنة؟ بعد انتشار النار في مباريات الأزمنة؟/

بعد انتهاء موسم الحصاد وابتداء موسم الحنظل في الطلول/ أبعد هذا كلهّ؟/

هل يستطيع المرء أن يعيد لأم رأسه المقطوع/ بالرقبة/

ويستدير صاعداً إلى بقايا البيت فوق الهضبة؟!.../(مصطفى علي خالد درس في التاريخ).

إذن اللغة كائن معطى بالنسبة للشاعر، يحاول أن يتعامل معه على وفق مقدرته، حتى تتداخل اللغة في الإبداع، وتكون عنصراً فاعلاً ورؤية حاضنة للإبداع بمكوناته المختلفة، فتكون اللغة تلك الإرادة التي تجلب الفعل من حيز الخيال والتصور إلى البناء المتحقق في بنائية القصيدة، لذا نجد مفرداته مليئة بالدهشة، لأنّ الدهشة ناتج لحالات التأمل أو السمو الإنساني تجاه الفعل ورد الفعل، فبعد الدهشة يبرز الحدث الثاني ألا وهو الوعي تجاه المرئي أو المحسوس أو المتخيل، لذا يكون الاكتشاف ويفجر فعل الدهشة تجاه المألوف، فمن يقرأ القصيدة أكثر من مرة قراءة فاحصة، يتيقن أنها مليئة بالهموم والاخبار وحالات الصراع، إلاّ أنّ نتيجتها تكمن في الضياع وامتلاك الدهشة مما حدث ويحدث وسيحدث: "أبعد هذا كلّه؟ بعد الذهاب والإياب بين حانة ومئذنة..." أي أنّ الصراع المتجدد هو المسيطر على أفق الشاعر، وليس النتيجة الحتمية، فعملية التماوج تجاه الحدث خلفت الصراع وعدم الاستقرار اليقيني، لكنه جسّد مجموعة من الظواهر تتعلق في عملية البناء الابداعي للنص.

ونراه ينجح في تحويل لغته من القيد الزمني إلى قيدها المكاني حتى تتضح معالم الرؤيا وفلسفة الحدث المعني، فالشاعر في نصه يتواصل مع المتلقي عبر مفردات وإيقاعات مختلفة، فهو لم يلغ القافية من نصه، بل نراها وقد تعددت قوافي المفردات، لكنها لم تكن مقصودة كما نحسها، وإنما جاءت عرضية، وهذا لم يخلق هنة في الإيقاع أو إثقالاً في السمع، فقد كرر قافية (الهاء) أو التاء المربوطة خمس مرات في خمسة عشر سطراً شعرياً، وكذلك الألف القائمة مع التنوين مرتين "قاسياً، صامتاً" وحرف الدال مرتين "جسد، مسد"، مما يشعر بالقوة الفاعلة في المفردتين، إلاّ أن قافية التاء المربوطة تأخذ حيزاً أكبر من غيرها في النص، علماً أنّ نصه مليئ بالكنايات والرموز الفاعلة والصور المتعددة في بنائها ومرادة في دلالاتها، فتكون كنايته ورموزه من الماضي والحاضر، لأن الصور مثلاً لا تنبعث عن الألحان في المقام الأول، وإنما تنبعث عن معانيه التي تتصف بالدهشة والحيرة، إلاّ أن هذا الادهاش لم يلغ الإيقاع النغمي للمفردات والبناء المنظوم بشكل عام، فتكون الأنغام التي ترافق تشكل الحروف واقعة لا محالة، ومختلفة من نص إلى آخر، أي أن جرسها الموسيقي يؤثر تباعاً في عملية خلق البحر الشعري حين يتلازم الأمر في البناء، فمهما كانت طبيعة البناء يحتاج النظم إلى هدوء وتؤدة "وفي النظم بخاصة يحتاجان لأن يكون نغم الوزن شيئاً منزوياً يصل إلى الذهن من غير جلبة ولا تشويش وكأنه إطار للكلام الموضوع فيه ". (الطيب عبدالله246).

فمن خلال العنوان والمطلع والعتبة في النص نجد التناغم الفاعل بين المبنى والمعنى، أو بين الإيقاع والدلالة، فالمعنى المقصود من القصيدة كلها ظهر كأحسن ما يكون الإظهار، لذا نرى حسن الأداء ممتزجاً بعمق الدلالة للمفردات والنص بعامة، وهذا شاهد على أن "الأسلوب بالنسبة للأديب وللمصور على السواء ليس مسألة تنفيذ فني، بل هو خاصة من خواص الرؤية". (بارتملي جمال522).

فالعروض أحياناً لا تلبي حاجة الجمال للنص، أو لا نستطيع من خلالها تقدير حالة الجمال في النص، بمعنى أدق ليست الموسيقا الخارجية هي التي تحدد الحالة التفاعلية مع النص، أو قيمته الجمالية، وإنما البناء التكاملي هو من يحدد جماليات النص، تلك الجماليات التي تستشف من المبنى والمعنى معاً، يضاف إليهما الحالة الحدسية أو الاستقرائية كما سيأتي من بعد التفاعل والتناغم مع النص، لأنّ عمل "الشاعر ليس رواية ما وقع بل ما يجوز وقوعه، وما هو ممكن على مقتضى الرجحان أو الضرورة".(أرسطو64) .

إنّ توزيع المفردات على الأسطر الشعرية جاء متناغماً إلى حد كبير مع طموحات الشاعر؛ فقد وازن بين الإيقاع وبنائية النص الجديد، الذي لم يكتب ليلقى من على المنابر، وإنما يستنبطه القارئ استنباطاً خاصاً، لكنّ طبيعة الحدث ومقوماته دفعته كي يجعل نصه على مستويين من الأداء، وكأنه يقر أن الشعر المسطر أو شعر التفعيلة يحتاج إلى تأمل ذهني ونفسي أكثر من غيره، في حين نرى الشعر المشّطر أو المبنى على الصدر والعجز هو الذي يحتاج إلى الالقاء، وهذا أمر واضح في قصيدته عندما قال: "فشدّ في ساقيه في أشواط الصحارى، إلى أماسي (الفيحاء) وإن جاءت القصيدة على بحر شعري واحد، ألا وهو بحر "الرجز" إلاّ أنّ المقام يستوجب طبيعة المقال، وكأنه استجاب مع معطيات "أماسي (مربد الفيحاء) وجاء نصه مبني على وفق الشكل القديم للقصبدة العربية إلى جانب النص الحديث أو شعر التفعيلة:

"وارتفعت ارجوزة مطمورةٌ، من ظلمة البئر إلى منصّة الإلقاء:

أنا التي تأتيكم من كلّ ليل أليل

أمّر بالسادات من عمرو ومن مهلهل

ولا يراني أحد في موكب أو محفل

هذا نذيرٌ للذين سمرّوا بالأرجل

أهدابهم، ولم يروا غير الحصى والجندل

زائغة أبصاركم عن كلّ أمر معضل. مصطفى خالد علي، درس في التاريخ).

وكأنه يقول: إنّ فن القول الشعري متداخل في الحياة العربية منذ فجر التاريخ، وهذا ما تؤكده مسمياته لكبار الشعراء "أمر بالسادات من عمرو ومهلهل" اللذين لهم بصمات في النتاج الشعري وكذلك المواقف الشجاعة لهما، فالمهلهل هو أول من قصد القصيد كما يقول، وهو الرافض للصلح على دم أخيه كليب، مما جعله محارباً لسنوات طوال، وكذلك عمرو بن كلثوم الذي استجاب لنداء الاستغاثة فرفض الذل وقتل ملك الحيرة، لأن أمه حاولت إذلال أم الشاعر، لكنه صاحب مواقف فكرية وأدبية أيضاً، فهما يحملان الأنفة والكبرياء، وكأنه يقول: إنّ كثيراً من أسياد العرب في السابق يزاوجون بين الفن والفكر والمروءة، فلا فرق في ذلك، وهذا نراه استنهاضاً للهمم المعاصرة، أو تعزية للذات على ما آل إليه الوضع العربي من سقوط وتردٍ في المتاهات كلها.

ونصّه هنا يتعامل مع مفردات اللغة لذا نراه يمارس وعياً أشبه بالحلم في لحظات اليقظة، يجسّد قيماً وأفكاراً وثوابت، يدافع عنها حتى النخاح والرمق الأخير، علماً أنّ الشاعر بدأ نصه بالسرد والوصف والاخبار وأنهاه بالتساؤل المريب؟ التساؤل الذي يُبني عن تشظي الواقع والمتأمل إلى حد بعيد، وإن كان عقل الشاعر من خلال نصه فاعلاً ومتحركاً لا مهمشاً، فالعاطفة لها مكانها، والعقل يظلل النص ويخلق الفضاء الرحب في تأمل الآتي.

فالفكر والعاطفة يسيطران على لغته والبناء العام للنص، فجاءت مفرداته تحمل الإرث الدلالي والمعاصرة، وفي قيمها تضمين العقيدة، وتمتاز بالتنوع الصوتي المتجدد، وكذلك نجد المفردة السلسة قريبة من التناول العام، على الرغم من اهتمامه بالتفصيلات، إلاّ أن العمق الدلالي يبقى شاخصاً، إلى جانب اللغة المحملة بالتخيل والخيال، إلاّ أنه يحمل العاطفة الصادقة تجاه فكرته وطموحه.

الخاتمة:

بعد التمعن في نص الشاعر خالد علي مصطفى "درس في التاريخ" واستقراء منطلقاته، تبين للباحث مجموعة من الأفكار والقيم توضح أنّ قصيدة (درس في التاريخ) نصٌّ متجدد في الدّلالات كلّها، فهو يحمل بصيرة خاصة ، حيث لم يكن العنوان منعزلاً عن النص، وإنما يشكلان لحمة واحدة، فالعنوان مع أجزاء النص الأخرى تشي عن فلسفة ورؤى عميقة، تُرينا أنّه أفاد من بُنى جاهزة، على اختلاف مشاربها وانبعاثاتها، إلاّ أنّ بُناه الجاهزة أصبحت جزءاً من النّص، تحمل أهدافها وأفكارها ومراميها.كل ذلك جعل البحث عن المعنى في النّصّ قائماً، فليس من السهل استجماع قيمه ، دون الغوص في العمق الدلالي والمعرفي للنص، فهو غني بأشياء متعددة، قادر على استنطاق الحال، لوضع لبنات المستقبل، بعد تعرية الماضي ونوازعه.فصوره الشعرية ورموزه، تشكل حالة السهل الممتنع، أي للوهلة الأولى ترى أنها ميسرة وسهلة، إلاّ أنّ المتمعن يحتاج إلى استنطاقها للوصول إلى المعنى المقصود، علماً أن صوره ورموزه متعددة المشارب والثقافات، ومتباعدة في الأزمنة والأمكنة كذلك.

أما لغته، فلم تأت على وتيرة واحدة، وإنما نراها وصفية وسردية، تحمل في طياتها الروح التهكمية أحياناً، والمباشرة والوضوح أحياناً أخر، ثم نراها تميل إلى التكثيف، والاخبار عن الماضي وسرد سمات الحاضر، ورسم ملامح المستقبل، كل ذلك بصوت الشاعر أو بطريقة السرد الوصفي أو الحواري إذا جاز التعبير، فكانت لغته موفقة، تحمل رقة المشاعر وقسوة الواقع والخوف من المستقبل العائم أو المشوش، إلاّ أنها تحمل بعضاً من الارث الاستبشاري وترسم فسحة من الأمل في دلالاتها، على الرغم من تعددية البناء أي أنّ مفرداته متعددة الدلالات.

في حين نجد موسيقاه الخارجية سارت على بحر عروضي واحد، ألا وهو بحر الرجز، لكنه لم يستغن عن جرس الألفاظ، أو الموسيقا الداخلية في نصه، بل فعّلها تفعيلاً ايجابياً، وقد كرر قافيته في بعض الأسطر الشعرية، علماً أنه لم يؤكد عليها قاصداً، وإنما جاءت عرضية، ما يرينا أنه بنى قصيدته على نظامين للقصيدة العربية، نظام التفعيلة، ونظام التشطير، وكأنه يوقن أن نظام التفعيلة لا ينفع للخطاب والمنابر، بينما يفي في حالات الهمس والتمعّن المقصودين، بينما نظام التشطير هو الأجدى لمخاطبة الناس في المحافل والمجالس الأدبية والشعرية، لأنّ الذائقة العربية اعتادت ذلك على مرّ آلأزمنة.

 

د. نادي ساري الديك

استاذ الأدب الحديث ونقده - فلسطين

..............................

المصادر والمراجع

1 - القرآن الكريم.

2 - إبراهيم خليل، النص الأدبي- تحليله وبناؤه مُدخل إجرائي، دار الكرمل، ط1، عمان، الأردن، 1995م.

3 - ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي الأحكام.د.ت.

4 ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر، 1956م.

5 - ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج1، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصرـ د.ت.

6 - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان.

7 - أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين تحقيق البيجاوي، القاهرة.

8 - أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، منشورات المركز القومي للدراسات والتوثيق، ج1، ط2، غزة، فلسطين، 2000م.

9 - أحمد كمال زكي، دراسات في النقد الأدبي، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، القاهرة، 1997م.

10- أرسطو، فن الشعر، ترجمة شكري محمد عيّاد، القاهرة، 1986م.

11- أنور المرتجى، سيمائية النص الأدبي، مطابع إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 1987م.

12- جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 1986م.

13- جعفر حسن، تمنع الغابة الطرية، توغلات في نصوص شعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2005م.

14- جمال مارتملي، بحث في علم الجمال، ترجمة أنور عبد العزيز، القاهرة، 1970م.

15- خالد علي مصطفى، "درس في التاريخ"، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد -430- شباط 2007م.

16- راضي صدوق، شعراء فلسطين في القرن العشرين، توثيق أنطولوجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، لبنان، 2000م.

17- رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، صيادو الذاكرة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 2001م.

17- ريتشارد، مبادئ النقد الأدبي، ترجمة مصطفى بدوي، المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، د.ت.

18- سعيد البازعي، أبواب القصيدة، قراءات باتجاه الشعر، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 2004م.

19- سلمى الخضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، الشعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1997م.

20- سوزان بيرنار، قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، ترجمة د. زهير مغامس، دار المأمون، بغداد، 1993م.

21- سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط1، القاهرة.

22- سي، دي، لويس، الصورة الشعرية، ترجمة أحمد نصيف الجنابي وآخرون، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982م.

23- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، العدد 164، أغسطس، الكويت، 1992م.

24- عبد الرحمن محمد القعود، الابهام في شعر الحداثة، عالم المعرفة، العدد 279، الكويت، 2002م.

25- عاطف جودة نصر، الخيال مفهوماته ووظائفه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984م.

26- عبد الله ابراهيم، التفكيك، الأصول، والمقولات، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، 1990م.

27- عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، بيروت، 1970م.

28- عبد الله عساف، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، دار دجلة، ط1، سوريا، 1996م.

29- عبد الفتاح الجمري، عتبات النص، ط1، شركة الرابطة، الدار البيضاء، 1996م.

30- عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، استنبول، 1959م.

31- علوي الهاشمي، ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث، كتاب الرياض، العدد (52-53) إبريل مايو، 1998م.

32- عيسى الناعوري، النثر، ثقافتنا في خمسين عاماً، الناشر، دائرة الثقافة والفنون، عمان، الأردن، 1972م.

33- فيصل دراج، معنى الابداع وصورته عند عبد الله ونوس، مجلة جرش الثقافية، جامعة جرش الأهلية، العدد الثاني، شتاء، 2005م.

34- قادة عقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، دراسة في إشكالية التلقي الجمالي للمكان، اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق، 2001م.

35- لطيفة الزيات، الكاتب والحرية، مجلة فصول، خريف، 1992م.

36- محسن جاسم الموسوي، ثارات شهرزاد، دار الآداب، بيروت، 1993م.

37- محمد صابر عبيد، مرايا التخييل الشعري، عالم الكتب الحديثة، ط1، إربد، الأردن، 2006م.

38- محمد الواسطي، عتبة النص الشعري بين المبدع والمتلقي، مجلة جذور، العدد 13، السنة السابعة، جدة، السعودية، 2003م.

39- محمود عبد الوهاب، بنية العنوان في قصيدة السياب، الموقع والتحولات، مجلة الأقلام، العدد السادس، بغداد، 1999م.

40- محمود غنايم، تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة، بيروت، 1992م.

41- مريم جبر، مالم تقله شهرزاد، جرش الثقافية، جامعة جرش الأهلية، العدد الثاني، شتاء، 2005م.

42- نازك الملائكة، مقدمة ديوان شظايا ورماد، ج2، ط2، دار العودة بيروت، لبنان، 1979م.

43- نورتروب فراي، ترجمة محمد عصفور، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، 1991م.

44- وجيه فانوس، محاولات في الشعري والجمالي، اتحاد الكتاب اللبنانيين، بيروت، لبنان، 1995م.

45- باكبسون، آراء وأفكار حول اللسانيات، ترجمة فالح الإمارة، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1990م.

46- يوسف الخال، الحداثة في الشعر العربي، ، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1978م.

 

 

 

خالد علي مصطفى شاعر وازن بين الفكرة والشاعرية، متعدد النتاج، جمّ العطاء، موضوعاته متعددة ألبسها من روحه، وأصبغ عليها عاطفته وفكره، فكانت قصيدته "درس في التاريخ" حاملة لواء فلسفة واضحة المعالم والدلالات، لأنّها وُلدت من فكر نيّرٍ، ونفس ملتاعة لما حلّ بالعرب والمسلمين، بعد آحتلال بغداد في نيسان 2003م، وتدمير المجتمع العراقي وإلغاء الدولة العراقية بمقوماتها المختلفة، فجاء صوت الشاعر عبر رموزه ومقومات قصيدته يحكي بلغة سردية وصفية أحيانا، أو بلغة مكثّفة أحياناً أخر مقومات حدث جمّ، فنرى لغته معبأة بالسخرية والتأمل والاستبصار والمقدرة على استقراء الحدث، ما يرينا موقفه من الماضي والحاضر والمستقبل، مرة بلسانه، وأخرى على ألسن الآخرين، ما دفعنا إلى آختيارها لتكون مادة مختارة لدراستها، لاظهار حالات الإستجلاء التي جاء بها الشاعر عبر أسطره الشعرية، لذا تمت قراءة القصيدة قراءة تحليلية نقدية، إذ توزعت الدراسة على موضوعات متنوعة، أولها حياة الشاعر ومن ثمّ دلالة العنوان، واستثمار بنى جاهزة، والبحث عن المعنى، وفداحة الصورة وتكثيف الرمز وأخيراً اللغة وظواهر أخرى، ثم جاءت الخاتمة وقائمة المصادر والمراجع التي أعانت الباحث حتى شخصت الدراسة في النور، تعتمد على المنهج التكاملي، خدمة للفكرة وانتصاراً للحقيقة، علماً ان الباحث أفاد من منجزات غيره النقدية والتحليلية والتي تجسدت عبر أسطر البحث، وهذه المنجزات هي ما تم رصده عبر مسمياتها في قائمة المصادر والمراجع.

حياة الشاعر

خالد علي مصطفى، شاعر عربي معاصر، صاحب عطاء متميز، ولد في قرية عين غزال في الشمال الفلسطيني،  بالقرب من حيفا، عام 1936م، عاش سني عمره الأولى هناك، وبعد أن حلت مصيبة النكبة عام 1948م، هُجِّر مع أسرته إلى العراق، حيث تولت الحكومة العراقية مقاليد الضيافة، لأنّ سكان القرى الثلاث الصامدة "عين غزال وجبع وإجزام" تعهدت الحكومة العراقية استضافتهم ريثما تعود الحياة إلى طبيعتها في فلسطين.(شاهين أحمد عمر251).

أنهى تعليمه في مدارس بغداد، وأتمّ دراسته الجامعية والعليا بجامعة بغداد أيضاً، وقد انخرط في المجتمع العراقي انخراطاً ايجابياً، فكان نشطاً في الساحة الأدبية والثقافية، وبرز شاعراً وباحثاً جاداً، فهو صاحب فلسفة واضحة في حياته، إذ كان ولم يزل "قومي النزعة، فلسطيني الجرح والنزف والعناء، في شعره عمق، وحدّة وكثافة".(صدوق راضي215) .

عمل خالد استاذاً للأدب العربي الحديث بكلية الآداب، بالجامعة المستنصرية، وكان يتمتع بعلاقة حسنة وخلق دمث وأسلوب قشيب مع محيطه بلا استثناء، فهو من الذين لا يبخلون على الآخرين بمشورة أو عطاء علميين، وشغل مسؤولاً لتحرير الصفحة الأدبية في جريدة الثورة العراقية، ونتيجة مواقفه العروبية وانتمائه القومي، تعرض للمضايقات في العراق إبان المد الشيوعي بعد انتصار ثورة 14 تموز عام 1958م، ليصدر قرار الإبعاد في حقه ومكث على الحدود العراقية الأردنية بضعة أشهر، وبعدها عاد إلى بغداد، وانخرط في حياتها الإنسانية، إلى أن حلّت الطامّة الكبرى متمثلة باحتلال بغداد وحرق قيمها وثقافتها وتدمير كيانات فلسفتها، وسيطرة الاتباع على مقاليد الحكم، لذا غدا خالد علي مصطفى وكثيرون غيره على قائمة المطلوبين لمواقفهم وشجاعتهم الأدبية، وماضيهم الزاخر بالعطاء الجم، الذي يعبّر على محبّة الإنسان، وصفاء البصر والبصيرة لهم، فكان من الشخصيات الأدبية النشطة في الحياة الأدبية في بغداد" (الجيوسي سلمى الخضراء441). وعمل أستاذا جامعياً في اليمن لمدة فصل دراسي واحد , وعاد إلى بغداد ارض الدفء والمحبة والعطاء على الرغم من جراحاتها النازفة , كي يكمل المشوار الإنساني المتمثل في التدريس الجامعي وقد ساعده ذلك على مناقشة اطروحته العلمية لينال شهادة الدكتوراه عام 2004م من جامعة بغداد, وظل ملتزما بالعمل الجامعي حتى بلغ سن التقاعد , فهو الآن يعيش في مدينة أحبها وتماثل معها وتوحد مع نهرها فهو ودجلة يسكنان بغداد كما بغداد تتماثل في روحه, فروحه عالقة بين بغداد الهوى وحيفا الأمنية والرمز معا.

أصدر مجموعة من النتاجات الشعرية والبحثية، هي:

1- موتي على لائحة الانتظار، شعر، دار الحكمة، النجف، العراق، 1969م.

2- سفر بين الينابيع، شعر، بغداد، العراق، 1972م.

3- البصرة- حيفا، شعر، بغداد، العراق، 1975م.

4- سورة الحب، بغداد، العراق، 1980م.

5- المعلقة الفلسطينية، شعر، بغداد، العراق، 1989م.

6- غزل في الجحيم، شعرـ بغداد، العراق، 1993م.

 

وأما أعماله البحثية فهي:

1- الشعر الفلسطيني الحديث، 1948-1970م، ط1، 1976، ط2، 1986م، دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد، 1986.

2- شاعر من فلسطين، مطلق عبد الخالق، الموسوعة الصغيرة، بغداد، 1988م.

3- كتاب عن الرواية، نشر فصوله في المجلات العراقية. (شاهين احمد عمر252) .

وله العديد من الدراسات والأبحاث والمقالات منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية في بلدان عربية مختلفة.

دلالة العنوان: درس في التاريخ

درس في التاريخ... عنوان له قيمة ومنطلقاته، عنونت به قصيدة تحمل ما تحمله من دلالات عميقة، لم يأت بها الشاعر كحالة اعتباطية، أو لتجسيد حالة التشويش الفكري، وإنما نراه "بنية إشارية إلى داخل القصيدة يتعالق معها بالسياق في بنية دلالية".(عبدالوهاب محمود18)، فاعلة.

لأنّ العنوان في النتاج الإبداعي، بمثابة العتبة من البيت، والعتبة في اللغة تطلق على خشبة الباب التي يوطأ عليها، وعلى الخشبة العليا التي تقابلها، وتسمى الأولى الأسفكة، وتسمى الثانية الحاجب، والجمع عتب وعتبات، وتطلق العتبة أيضاً على معنى الرقي، ومنه عتب الدرج: مراقيها: وكلّ مرقاة منها عتبة، وعتب الجبال: مراقيها، وعتبة الوادي: جانبه الأقصى الذي يلي الجبل، وتقول عتب لي عتبة في هذا الموضع إذا أردت أن ترقى به إلى موضع تصعد قبه.(منظور، مادة عتب)

فالمعنى اللغوي للعتبة لا يبتعد عن المعنى الاصطلاحي، أي أنّ عتبة النص هو عنوانه "والعلاقة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي الأول وطيدة، إذ إننا لا نسند العتبة إلى النص الشعري أو أي نص إلاّ إذ اعتبرناه بنية كبنية البيت أو الدار، والكلام كلّه على سبيل المجاز الاستعاري، حيث شبهنا البنية اللغوية بالبنية المادية، وهو من باب إخراج المعنوي إخراجاً محسوساً".(الواسطي محمد259) .

فمن يتمعن في العنوان "درس في التاريخ" يعطيه أكثر من دلالة رامزة وفاعلة كي تكون مدخلاً ناجحاً للتمعن في نصية القصيدة وبنائها التكاملي، فهل التاريخ هنا هو المقصود؟ أو الدرس الواقع ضمن سياقات التاريخ هو المقصود، وليس التاريخ بجزئياته أو كلياته، علماً أنّ التاريخ يُصنع من التراتب الحدثي في العمق الزمني، بمعنى ما دامت الحياة قائمة تكون العبرة من دروس التاريخ قائمة هي الأخرى، إذا أراد الإنسان المعني أن تكون له عبرة، وهذا يؤكد على أنّ الحياة بدروسها ومتناقضاتها سوف تبقى مستمرة وفاعلة، بما تحمله من حالات توالدية عبر الأجيال وسني حيواتهم، لذا يبقى العنوان فاعلاً "باعتباره أولى عتبات النص، تكمن أهميته في كونه عنصراً من أهم العناصر المكونة للنص".(الجمري عبدالفتاح23).

ومن يتمعن يجد أنّ العنوان "درس في التاريخ" جملة إسمية تتكون من مبتدأ، والخبر جاء شبه جملة، وهذا يؤكد على وعي الكاتب لأنّ "الجملة الاسمية تقدّم وعي الكاتب، بينما تقدّم الجملة الفعلية الحركة الخارجية للشخصية". (غنايم محمود286).

 وكذلك بناء الجملة له دلالته الواعية والناضجة معاً، من حيث استخدام حرف الجر، فهو لم يقل "درس من التاريخ" وإنما قال "درس في التاريخ" وهذا يؤكد على أهمية القول المراد، فالدرس المقصود هنا، درس من الدروس الفاعلة والمؤثرة في التاريخ، لأنّ حرف الجر "في" يدلل كما نظنّ على الانغراس والتوحد في الشيء ومع الشيء، أي أنّ درس الشاعر المقصود، درس متوحد ومنغرس في التاريخ، يبقى خالداً بخلود الحياة، واستمرارية صنع التاريخ من قبل الناس، لأنّ الإنسان من يصنع التاريخ أكثر من التاريخ أن يصنع التاريخ، وهذا لا يتوقف على نظرة الإنسان المعنى في التاريخ، وإنما يتوقف على قيمة الحدث، دون النظر إن كانت قيمته سلبية أم إيجابية، وهكذا يؤكد على صياغة "درس في التاريخ" على هذه الشاكلة أكثر عمقاً وأثراً من صياغة "درس من التاريخ" لأنّ الصياغة الأولى، تدلّل على التوحد والاندماج والاستمرارية في الدلالالة والهدف، بينما الصياغة الثانية تدلل على أنّ التاريخ مليء بالدروس والعبر، وهذا الدرس أحد تلك الدروس، وهنا لا يوجد تفرد في الدلالالة، وإنما التفرد يكمن في الصياغة الأولى. "درس في التاريخ".

ومثل ذلك يدلل على الشمولية والعمق في الإدراك الفكري والوجداني لدى الشاعر تجاه ما يجري من قضايا مصيرية وإنسانية معاً، فهو ينظر إلى الحياة ويتحسس ما تؤول إليه مصائر الناس، وكيف تكون حركة الحياة الدؤوب حتى يستخلص معانيها ودلالاتها الجوهرية، فالشاعر هنا من المتيقنين لدورة الحياة وتشعباتها، فهو لم يختر عنوانه بناءً على إحساس جمالي وفطري فقط، كما هو الحال مع الشعراء الوجدانيين، وإنما جاء اختيار العنوان فيه إعمال للعقل وكشف الغطاء عن الحال البصرية والاستبصار معاً، فيصبح الشاعر في حالة حدس استقرائي خاصة تجاه حياة الآخرين والمحيط، فيتماثل وكأنه الحقيقة القائمة، علماً أن الشاعر الوجداني "يلتقط عنوان قصيدته باعتماد ذائقته وحدسه وحساسيته في اختيار عبارة العنوان، وليس غريباً أن يجيء كثير من عنوانات آلنصوص آلإبداعية للعقود السابقة أميل إلى للاستئثار بالعنصر الجمالي".(عبدالوهاب محمود19).

إلاّ أنّ العنوان في قصيدة الشاعر هنا "درس في التاريخ" فيه استئثار بالقيمة العقلية والدلالة الشمولية والطاقة الحدسية المتجددة، حتى تتوحد في عنوان مقصود بذاته ودلالاته، فالعنوان مع القصيدة ليس موضوعاً أو مضموناً أو حالة من حالات التأنق التعبيري التي تستخوذ لباب الشاعر وعواطفه، وإنما نجدهما رؤية فنية تتواحد مع رؤى فكرية، تتماثل في المفاتيح أو العنوانات أو الكلمات المفاتيح كما يطلق عليها، إذ "عن طريق العناوين تتجلى جوانب أساسية أو مجموعة من الدلالات المركزية للنص الأدبي" ما يجعلنا نسند للعنوان دور العنصر الموسوم سيميولوجيا في النص، بل ربما كان أشدّ العناصر وسماً، ويصبح المشروع في تحليل العنوان، عندما يتعلق الأمر بوصفه عنصراً بنيوياً يقوم بوظيفة جمالية محددة، ... أو إلى إحداث يتمثل مؤشراً يحدد الطابع الفكري، والأيدلوجي للنص... كما يقوم العنوان بدور الرمز الاستعاري المكثّف لدلالات النص، إلى غير ذلك من الوظائف الدلالية والجمالية".(فضل صلاح226).

لذا نرى أن العنوان المعني "درس في التاريخ" يقف منه الدارس موقفين، الموقف الأول يراه مركباً في الفهم والمتناول، كما هي العتبة المباشرة أو البيت الأول الذي يوصل قارءه إلى المراد وهو ما يطلق عليه النقاد والبلاغيون القدماء، الابتداء، الافتتاح، والاستهلال والمطلع على وزن مفعل بمعنى مكان الطلوع أو زمانه. (العسكري ابو هلال74) وأما الموقف الثاني وهو الفهم الذي يحتاج إلى استبصار واستقراء وعمق في التأويل، كالشعر الذي يقال في المقدمة الغزلية، أو الطللية، أو مقدمة الرحلة أو الطيف. وغير ذلك، لأن كثيراً من تلك النصوص تحمل في طياتها إزدواجية الفهم "المدح والهجاء" وهذا ينطبق على العنوان قيد الدرس، فمن أراد أن يفهمه إيجابياً فله ومن أراد أن يفهمه سلبياً فله، لأن الدلالة تحمل الفهمين معاً، وهذا لا يشكل غرابة في الموضوع، ما دامت الضدية قائمة في الفهم والدلالة معاً.

والمتأمل في القصيدة لا بدّ أن يقف أمام عتبتها ألا وهي "عنوان القصيدة" "درس في التاريخ" ولماذا جاءت التسمية على هذه الشاكلة "درس في التاريخ" ولم يأت مثلاً "في التاريخ دروس" أو "دروس في التاريخ" أو أية صياغة أخرى توصل إلى فهم خاص، أو إلى فهم تبعيضي، بدلاً من الفهم الكليّ الذي نتعامل معه، ونستيقن ما نريده من الفهم، ولماذا لم تكن هذه القصيدة "كتاب التاريخ أو درس التاريخ"؟ هل لأنّ الشاعر استبطن بأنّ ما قاله ليس إلاّ جزءاً يسيراً مما تقوله مدونة التاريخ في حياتنا والناس أجمعين مثلاً، تلك المدونة التي حملت لنا منذ التكون الأول لسرمديات التاريخ حتى أن يشاء الله سبحانه، أم أنه يريد أن يعطي عنوانه نوعاً من الشفافية والمصداقية العالية، فهو لم يحصر عنوانه كي يحجم التاريخ فيه، وإنما نراه يتفاعل مع عنوانه حتى يؤكد على أهميته التاريخية التي سوف تتأكد متتالياتها من بعد لحظة التكوين الأولى لها، بمعنى ليس ما يكتبه هو التاريخ وإنما ما يكتبه هو جزء من تاريخ نافذ صادق، لأنّ ما سيأتي به عبر أسطر القصيدة مماثل للهم الإنساني الذي يسطره تاريخ الإنسان نفسه، بذلك جاء عنوانه متوازناً فاعلاً، وهو ما سنراه متجلياً في القصيدة "لإن البحث عن إيجابة لهذا السؤال على الرغم ما قد يحمله من إثارة أو متعة للباحث والقارئ على حدّ سواء "يظلّ خارج نطاق هذا النوع من الدراسات، ... فليس الهدف هنا نقل تملية حاجة فردية، أو ضرورات تاريخية، ولكنّ الهدف هو الكشف عن دلالة الشكل الفني بوصفه أداة أساسية لإنتاج موقف أيديولوجي تجاه ظاهرة بعينها".(عاشور رضوى23). وهذا يعني أنّ العنوان يدلل على فلسفة معينة يحملها الكاتب، أو أنه يبين عن أيديولوجيا بعينها يوضحها ويتبناها، أو كليهما معاً.

استثمار بنى جاهزة:

القارئ المتيقن لنص القصيدة "درس في التاريخ" يعتقد أنها تستثمر نمطاً من أنماط الثقافة العربية الإسلامية، ألا وهو الاتكاء على الموجود لإظهار ما هو مكتنز في ذهنية الشاعر وروحه ليس لإظهار حالة الضعف اليقيني عند الإنسان(المرسل والمستقبل)، ومثل ذلك يشكل الحالة الخاصة في خلق السّهل الممتنع، إذ ليس كل من يتكئ على جاهزية الأشياء ليظهر نصاً جديداً في الحياة، قادراً على أن يجعل نصّه فاعلاً ومفعلاً، لأن حالات الخلق متفاوتة هنا، أي ترى أنها تعتمد على الذات المرسلة وما تحمله من إرث متعدد الأوجه، وليس إرثاً منغلقاً، بل إلى إرث يجعل الذاكرة تتحول إلى رؤية حية فاعلة يتشبع بها المكان، حتى تظهر في الوجود إضاءة فضاء الرؤيا كما يتضح من النص.

لذا اعتمد الشاعر على نص قرآني وضمنه في نصه الشعري، كي يشكل العتبة المتداخلة مع عتبة العنوان، فتكون الآية القرآنية فسحة التأمل والتأويل الفلسفي المقصود به كي يوصل إلى التعمق في الفهم والدلالة للعنوان، وليس لخلق حالة الأنزياح اللغوي فقط، والنص القرآني هنا يحمل الإرث التأملي العميق، إذ لم يأت به للتمثل العابر، وإن كان القرآن عميقاً في الحالات كلها، وإنما للتمثل المبني على العمق الفلسفي والدلالة الهادفة "لقد كنتَ في غَفلةٍ من هذا" فَكَشفنا عنكَ غِطاءكَ فبصرُكَ اليومَ حديد".(سورة ق 22) .

إن اعتماد الشاعر على النص القرآني يعني البحث عن سمو المعنى والعمق في الفكرة والتفكير والأداء معاً، وهذا يعمق المتخيل الشعري، ليكون شاهداً على عمق العلاقة المبحوث عنها من قبل الشاعر أو الإنسان بشكل عام تجاه المعتقد والنص العقدي، لأن الآية الكريمة التي ضمّنها الشاعر في نصه، تخاطب الإنسان عامة، أو تخاطب مقصوداً بذاته، لأن الإنسان هو الذي يصنع الحياة، وإن لم يشر القرآن إلى إنسان بمسمى مقصود، وإنما جعل الأمر مفتوحاً، إذ كلّ إنسان يصبح مقصوداً في حد ذاته، وهذا ما فعله الشاعر، إذ لم يجعل مخاطبه واضح المعالم والدلالات، وإنما جعل الخطاب مفتوحاً، متمثلاً بالنص القرآني، أي من حق المتلقي أن يتمعن في النص متكاملاً صانعاً رؤية أو جاعلاً مخاطباً مقصوداً، أي بمعنى أقرب يكون الاجتهاد مفتوحاً على مصارعه لمن يقرأ النص القرآني المعني مضمّناً من خلال النص الشعري، فيأتي الإرث الثقافي للشاعر المتلقي على حد سواء فيصلاً في إماطة الغشاوة عن النص الإبداعي للشاعر، لأنّ النص الجاهز "عنصر مكون من عناصر هذه القصيدة".(القعود عبدالحمن محمد131) .علماً أنّ المفسرين للقرآن الكريم نظروا في نص الآية فأثبتوا أن الإنسان هو المخاطب، وإن آختلفوا في عقيدته فقط، فمرة قالوا الكافر هو المخاطب ومرة المؤمن ومنهم من جعل المناسبة هي التي تحدد طبيعة المخاطب فكما يقول الطبري لا يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عانيت منه اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد، فكشفنا عنك غطاءك، يقول: فجلّينا ذلك لك وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك، وينجوا الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وان اختلفوا في المقول ذلك له، فقال بعضهم: المقول ذلك له الكافر... وقال آخرون: هو نبي الله صلى الله عليه وسلم... وقال آخرون: هو جميع الخلق من الجن والإنس... وذكر من قال: هو الكافر..."(الطبري190) علماً أن نظرة المعاصرين لم تختلف عن السابقين في فهم الآية على الرغم من اختلاف طرائق التفكير ومكونات القيم والثقافات ووسائط البحث، إلاّ أنهم يتساون في النظرة تجاه النص "لقد كنت في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" "قوي لا يحجبه حجاب، وهذا هو الموعد الذي غفلت عنه، وهذا هو الموقف الذي لم تحسب حسابه، وهذه هي النهاية التي كنت لا تتوقعها، فالآن فأنظر، فبصرك اليوم حديد!". (قطب سيد3364).

فمهما كان المخاطب هنا يكون الخطاب قد حقق مغزاه، لكن المغزى الجديد هو ما ابتغاه الشاعر، فهل تحقق؟ علماً أنّ المخاطب هنا لم يحدد بالذاتية المقصودة، وإنما توكيداً لخطاب موّجه للإنسان، لكنّ أي إنسان هنا هو المخاطب، هل العرب عامّة أم الشعب العراقي بخاصة، أم أنّ صاحب القرار السياسي عند العرب هو المخاطب، حيث كان يعتقد أنّ ما يصدر عنه من قرارات فيها نوع من التقديس يجب أن تتبع دون نقاش أو تعديلات، وإنما هي كلّ متكامل ومثل ذلك أدى إلى حتمية الواقع المرير، وكأن قصيدة الشاعر تشكل كتاباً وضع ليحمل في داخله النتيجة الحتمية للإنسان العربي المعاصر في مسعاه ومبتغاه، لأنّ عمل الإنسان هو الإنسان نفسه، فتكون نتيجة عمله قد أوصلته لما فتحت عينيه عليه، وما آلت إليه الأمور من مهالك ومهاوي الردّى، ما يعني أنّ رؤية الشاعر اشتركت مع رؤياه في تشييد الأنموذج الشعري بوصفه فعالية خاصة، ونظام تفكير نوعي، لذا قد تكون رؤياه انجازاً ابداعياً، فإذا كانت الرؤية ربما تطوي عليه من عناصر ذاتية وموضوعية تحملها الحواس- هي المرجعية الأولى التي تتشكل منها، فإنّ الشعر هو المرجعية الثانية المقابلة التي تقوم على تشكيل الرؤيا وتكوينها، ومن دون حضور الطرفين المذكورين لا يمكن أن تكون هناك رؤيا". (عساف عبدالله165).

وهنا لا شكّ أن ما عاشه الشاعر من أحداث متواصلة في حياته ومحيطه، وما يمتلكه من حالات استبصار وحدس واستنطاق، هي التي ساعدت على خلق نصه الشعري(درس في التاريخ)، مما يزيد في اتساع حلقة التأويل تجاه المخاطب، حتى لكأنّا نشعر أن الذات الشاعرة هي المخاطب هنا، لما تمتلك من علائق وعلاقات مع الزمان والمكان، إذا ما علمنا أن القصيدة كتبت بعد احتلال العراق أرضاً وشعباً وحضارة ومكونات أخرى لأرض نبتت فيها الحضارة العربية الإسلامية كما النخيل على جنبات الأنهار والواحات والينابيع، تلك التي ردفت البشرية جمعاء بالنمو والنهوض.

إنّ القصيدة وما تحمله من إرث منجز، وما تظهره من متكئات نصية عقدية، شاهد على عمق تلك العلاقة التي تربط الشاعر بالمكان، لذا جاء الخطاب مفتوحاً لم يتحدد في مسمى المخاطب وطبيعة الصراع القائم يجّسده النص كذلك ليرينا "عذابات شتى يكتويها من خلال اصطراع البشر على خيرات هذه الأرض المعطاءة، كما يشير الحقل الدلالي "للقصيدة" إلى علاقته بالعلم بالمعنى القديم، والمعرفة بالمعنى الحديث، تلك المعارف التي تستجلي من خلال ما ورد في القصيدة من أسماء"(حسن جعفر115) .تبين بوضوح تام من الأعمال التي يقوم بها القادم من صحراء نيفادا المقدسة.

إن خروج الشاعر من دائرة الأنا المقفلة، إلى دائرة الاتساع الأشمل في خلق العلاقة بين الأشياء، جعل نصّه يتشح بنص عقدي واضح، إلى جانب حالات التضمين لمفردات عقدية ليست نصية عقدية، وهذا يؤكد على المحمول من دلالات التناول النصّي للمفردات، حيث جاءت حالتا السرد والإخبار متجاورتين مع فضاء التضمين المقصود، من أجل إعطاء المفردة القيمة الكبرى للدلالة من حيث الموثوقية، وإثبات حالة الإيجاب تجاه النص الشعري، في زمن لم يعد فيه للشيء قيمة، لأنّ "أبطال نيفاداالصناديد" هشمّوا عرى التلاقي مع الأشياء، وكأنه يريد انهاض الذات من كوبتها عبر نص شعري مقصود في ذاتيته ودلالاته، كي يستعيض بروحية الصدق في القول عن الصدق في الثبات تجاه الرأي والموقف من الأشياء، وكأنه يقول: إذا لم تتحقق فلسفة الثبات والدفاع عن الأشياء، لندع فلسفة القول الصادق ماثلة في العيان، فنكون قد حققنا شيئاً بدلاً من ضياع الأشياء كلها، لأنّ الشعر منتج لنوع من أنواع المعرفة التي تساوي أو قد تتجاوز بعض المعارف التي قد تبدو يقينية أو حتمية لا ظنية، لذا نرى الشاعر يريد إعادة اكتشاف المكتشف عبر قصيدته تسليطاً للضوء عليه، حتى يتبلور في بؤرة الوعي الفردي والجمعى على حد السواء، أو يحاول إعادة ترتيب الأشياء حيث تكون أقرب للمصداقية منها إلى حالات التخيل والنماء التخيلي، وإن كانت غير متحققة، أي أنها تعمل على منطقية الحلم في الفن، وهذا ما يجعل فن القول والخطاب الفني متحققة في أفق الممكن ما دمنا نلمس العلاقة الاجتماعية الإنسانية في البناء الشعري المتوحد مع الأنا والجماعة، للاننتصار على الواقع في القول على أقل تقدير، وإن كان الواقع ليس من صنعه، فكأنّا به يقول: "ليس من صنعي واختياري وإن ملكت أيضاً مع غيري من الناس السعي إلى القضاء على ضروراته ضرورة بعد ضرورة...".(الزيات لطيفة228)(البازعي سعد228).

فلا نظن ما قام به الشاعر من خلق العلاقة مع النص المنجز هو حالة تجريبية عبثية، وإنما حالة تتوحد مع النمو اليقيني في الذات تجاه أهمية النص العقدي المنجز، وما يحمله من إرث مبحوث عنه متجدد، فالشاعر يحاول تجاوز المألوف في الفهم والتفاؤل حتى تتسع دائرة المتناول، لذا نجد قصيدته تحتفظ بجانب من الأهمية "على المستويين الشعري والموضوعي، أي من حيث لا تخلو من البعد الجمالي من ناحية، ولأنها من ناحية أخرى، تثير قضية في غاية الأهمية" (البازعي سعد205) .ألا وهي قضية الاحتلال الواقع وتدمير البنى كلها للمجتمع العراقي والمواطن العربي في كلّ مكان فكما يقول الخليفة عمر بن الخطاب (العراق رأس العرب، فإن ضيعتموه ضاع العرب).

 

البحث عن المعنى:

نيسان ليس قاسياً/ جاء وفي جيوبه تصلصل الملائكة/ وبعض حلوى قيل عنها: لم يذق مثيلها إنس ولا جان/

ولم يكن للعاشقين منها/ سوى انتظار الأذن بالرحيل عن مفارق الطرق/ إلى جنان الخلد في صحراء (نيفادا) المقدسة/

 ولم يقل نيسان: أين المدرسة؟/ وجاء وظلّ صامتا/ وفوض الكلام للذين أنكروه قبل ألف عام/ ولم تعكر ماءهم شيخوخة الجسد.(مصطفى خالد علي1) .

يحاول الشاعر عن طريق الإخبار أو السرد الإخباري، أن يصف لنا نيسان الزمن وما يحمله من إرث مهول يترك في النفس أشياء جعلت من الشاعر متحدثاً واصفاً للمتغيرات التي أحدثها، نيسان، بدلالاته المختلفة، وإن كان الشاعر هو المتحدث والممسك بخيوط الصورة العامة لنيسان أو ما سيؤول إليه حال الناس فيما بعد، لذا نراه يرسمه حسب الصورة القائمة أو الصورة المتوقعة التي يحدسها الشاعر أو يتخيلها للموصوف، لأنّ نيسان الموصوف أو المتحدث عنه، يحمل في جنباته وجيوبه أشياء لم يكن من السهل أن تحدث لولا تداخل عوامل داخلية وخارجية معاً، أوصلت الناس إلى هذه النتيجة الموصوفة، التي جاء بها المتحدث، فكما جاء في الأرض اليباب للشاعر تي اس اليوت أنّ نيسان أقسى الشهور، حيث تحول من شهر الأحلام والمغنى وتوهج الربيع إلى شهر تتعدد فيه أوجه العذابات المتتابعة التي حلّت بالناس والطبيعة والبيئة، فغدا شعر نيسان قاسياً إلى حد بعيد، وهذا ما نلمسه في قصيدة (درس في التاريخ)، عندما تأتي صور الشاعر بتناصيّة مخاتلة، مخاتلة شفيفة وعميقة في آن معاً، مصورا الجزر المتعمد لبلاد الرافدين وإنسانها وحضاراتها وقيمها على أيدي من رمز لهم بصحراء نيفادا المقدسة(جاء وفي جيوبه تُصلصلُ الملائكة) .

إن المتأمل في النص يمتتالياته يجد الشاعر باحثاً عن الواقع والمستقبل في مسمّى نيسان الذي يشكل لبنة التغيير في الحاضر، فهو بمثابة الأس لحركة التغيير في المستقبل، كما لو كان المستقبل متحفاً يعرض أشياءه من مفارقات يحسّها الشاعر أكثر من غيره، وإن لم تكن مغيبة في مجملها عن الآخرين، إلاّ أن مقدرة التعبير عن الإحساس يميز الشاعر عن غيره، علماً أن الشاعر لا يبحث عن قناع بمفهوم القناع الدلالي في نصّه، وإن احتمل نيسان الشهر"الزمان" بمسّماه حيثيات القناع، وإنما يحاول الدفع نحو التأمل في النص والحياة المتغيرة التي احدثها ويحدثها نيسان، من أجل الموازنة بين السابق واللاحق "لأنّ كل عمل إبداعي حقيقي يحاور الزمن الذي يعيش فيه".(دراج فيصل126).

لذلك لا نرى صورة واحدة "لنيسان" أو صورة الزاوية التي ينظر منها الشاعر، وإنما نرى المسألة أعمق من ذلك بكثير، فهو كمن يتأمل ويرسم بعد تفاعل مع تأملاته، دون تغييب لمشعر من مشاعر التجسيد الصوري الحامل همه وقيمه، فهو يخبر إخبار المتهكم "نيسان ليس قاسياً" جاء وفي جيوبه تصلصل الملائمة لا الأخبار المراد نقل حيثيات الصورة دون ارتدادات تأثيراتها، فهو ينقل صورة الحدث مع الإتيان بالمشاعر وتفعيلها نفسياً عن تقليب الأمور كما يشاء، لا كما هي فقط، لذا نراه يعمد إلى استخدام الجملة الإسمية في الوصف إلى جانب الصياغات الأخرى التي يكثر فيها من الأفعال "الماضية والمضارعة" على حد سواء، فالصفات الخارجية لنيسان واضحة، إلاّ أنها تحمل عمقاً نفسياً يحاول الشاعر تصديره إلى الآخرين "جاء وفي جيوبه تصلصل الملائكة، وبعض حلوى قيل عنها، لم يذق مثيلها إنس ولا جان".

إذن نجد نيسان صاحب شخصية مؤثرة عالمة بالحدث والذي يليه، فهو يستمد قوته المؤثرة من قيمه وتفاعلاته مع مريديه من النفعيين، وإن لم يشر الشاعر إلى هذا المنطلق صراحة، فنيسان المتحدث عنه، ما هو إلاّ صنيع مرحلة يذهب لتأسيس مرحلة جديدة حسب مقاييسه ومنطلقاته، فتكون صورة مؤثرة حسب إرادة الشاعر، حتى يتمكن من جعل تلك الصورة مثيرة للعواطف المتلقية للنص، لأن قوة الصورة "تكمن في إثارة عواطفنا واستجاباتنا للعاطفة الشعرية".(لويس سي دي44). فتكون العاطفة حالة توكيدية لما يحسه الشاعر الناقل إحساسه للآخرين، علماً أن نيسان بمجيئه لم يترك مجالاً لبقاء العاطفة في النفوس تجاهه أو قيمه لأنه لم يمايز بين الناس، فكانت النتيجة واحدة على الجميع، زيادة على تجاهله للفكرة القائمة المتمثلة في المدرسة "ولم يقل نيسان أين المدرسة" فتكون حالة التجاهل مقصودة، لأنّه جاء كي يعبر أنماط التفكير عند الناس جميعاً وليس فئة دون أخرى، فكانه يريد حالة التأسيس القائمة على التغبير الكلي حسب منطلقاته، لا التغيير المبحوث عنه عند أصحاب فلسفة التغيير إن وجدوا، وهذا يجعل الحياة معقدة "كونها ترتبط بالتراث واللغة المستعملة، والعصر وثقافته، وحتى الأيدولوجيا السائدة" (عقاق قادة294 ) فيكون قد نفذ إلى السلطة القائمة ونجح في إلغائها ولو مؤقتاً، لأن سلطته القادمة سوف تنمو من رحم فكرة جديدة تقوم على محو الفكرة القائمة في تجاهله للمدرسة، وهذا يعطي صورة الشغف التدميري للكيان القائم بعد مجيء شهر نيسان.

هذه ليست حكاية جديدة، وحبلاً من مسد!/ هم يفتدون النار، ثم يبعثون بالذيول الطاهرة/ وتنقيهم واحداً فواحداً موائد المقامرة/

في حانة تديرها بنات آوى/ سلالة جميلة تنسلّ من حمالة الحطب/

 وفي أغانيها المهجنةّ، تحتشد الموانئ المدجنة/ لاجئة إليها من رجوم الليل في جزيرة العرب...(مصطفى خالد علي2) .

نلمح هنا شيئاً من الدلالة الرمزية، أو الأبهام الشفيف للرمز، أو نحسّ إيحاءً يذكرنا بالعلاقة الوطيدة التي تربط الحلف الصانع لنيسان المتحدث عنه، وهم: أهل نيفاداً كناية عن الأمريكان، والتحالف الفارسي، مع المريدين للفكرة الفارسية في الحكم، وسلالة حمالة الحطب والمقصود عنها الرافضين لفكرة العروبة والإسلام المتمثل في العراق وأهله، وهم المتحالفون مع الشقين السابقين في المعادلة، من أصحاب الضّغائن وآلأحقاد ، المنتمين للضّاد وأهلها ، تلك المعادلة التي صنعت نيسان مع المخدوعين بالأقوال والآمال المضللة حيث تصبح المعادلة قد ترسخت، وظهرت على حقيقتها.

ما يجعل الصورة وقد تماثلت مع اجتماع الأضداد مساهمة في خلق نيسان الجديد عند الشاعر، فالحانات تصنع من روّادها مقودين لفكرتها المسيّرة من "بنات آوى" الرامزة إلى الصهاينة إن جاز التعبير، فهم يمتهنون الخداع منذ آلاف السنين، وكذلك لهم اليد الطولي في حرق بغداد وتدميرها زمن المغول، كما تعيث أياديهم فساداً في بغداد نيسان المعني في خطاب الشاعر، فتكون العلاقة التحالفية قائمة بين الأركان الخمسة وهم "الأمريكان والفكرة الصفوية وأتباعها، وسلالة الكفر من زوج أبي لهب، وهؤلاء يمثلون عظم الرقبة، فهم المقربون من العراق وأهله كما كان أبو لهب من بني بيت عبد المطلب جد النبي عليه السلام ووالد أبي لهب وزجه حمالة الحطب وكذلك بنات آوى الرامزين لليهود، ورواّد الحانات المتغيرة أفكارهم وقيمهم فيما بعد، لأنهم يتعايشون مع بنات آوى، فتكون الدائرة قد اكتملت، وهذا الأمر ليس غريباً في الفهم والتأويل لأنّ النص الشعري الحديث ينفتح على احتمالات متعددة ومتنوعة ويتمخض عن رؤوى تتعدد بتعدد مستويات القراءة بوصفه "لعبة حرّة للدلالات تنفتح باستمرار بتعدد القراءة".(إبراهيم عبدالله 70) . للنص وأفكاره المتعددة.

لذا نجد الشاعر يعيد تشكيل المحسوس ويكون صوره خاصة فيما بعد، حتى يؤكد الانتماء والبقاء في منظومة الزمن المبحوث عنه، وهو زمن ما قبل نيسان، لأنّه يرينا مدى المصاحبة والتوافق العاطفي والنفسي مع زمنه السابق الذي تشكل روحية الشاعر وأفكاره جزءاً من كينونته، وهذا لا يتوكد إلاّ بسقوط الانتماء لنيسان الحاضر وما يصاحبه من التزامات ومسؤوليات تجاه ما يصبو إليه الشاعر نفسه.

وهذا ما هو إلاّ انتصار للفكرة السابقة للفكرة التي جاءت بها حالات التحالف ذي الأركان الخمسة، جاعلاً قاموسه الشعري مدخلاً لبناء القيم الهادفة، متمسكاً بحالات الطموح على الرغم من تعددية الحالة الصورية الرمزية التي صاحبته منذ أوليات البناء حتى متتاليات النماء، حتى أننا بها نتلمس الألفاظ "ذات الدلالات المزودة بصور معينة تستحيل بين يديه إلى أدوات يصوغ بها كل ما يريد". (زكي أحمد كمال467).

علماً أنه يبعث في بنائه الشعري علاقة خاصة يجعلها منسجمة مع بعضها، للكشف عن أثر الانطباع المتجانس فكرياً وعاطفياً وجمالياً، ما يسهل عملية التواصل مع النص وفهمه والوظيفة الهادفة من النص حتى تقرب المتلقين إلى عالمه النصّي، لأنّ عالم النص لا يقرأ بمفرده "دون الأخذ بنظر الاعتبار الأجزاء المكونة لهذا النص".(ياكبسون118) .

نيسان جاء بالهدايا واللّعب/ في يده برقيةٌ:/ من شاطئ النهر إلى مداخن الفضاء:/ العرس أوقد الشموع والضيوف/

يموسقون رقصة العريس والعروس بالضيوف/.... يتصل الهدير حتى تأزف القيامة/ ويرسلُ الجحيم من أبراجه قهقهة:/

"هذي هي الحمامة!/ كانت وجوه من تقوست ظهورهم/ في غرف ضيقة تنتظر الآتي يجيء هامساً: مع السلامة..../

وفي الظهيرة التي أزاحت الثلج، وعلقت/ على المشاجب المعاطف/

توقفت مداخن الفضاء من صناعة الهدايا. قلت لعلّ نزهة قصيرة/تتيح أن تحصي توابيت البيوت فوق الأرصفة!/

رأيت كل شيء/ توقفت في ساعة المئذنة العقارب/ على الدقيقة التي ليس لها رقمٌ ولا ميناء./ قال الخفير. هكذا!/

تطوعت فراشة عمياء أن تقذف النفش برمح خارق.../ وفجأة... فاض من التنّور/ أرغفة مسمومة/ وقاطرات تنقل (الوركاء)/ إلى جنان الخلد في صحراء (نيفادا) المقدّسة!./ (مصطفى خالد علي3).

يُعتقد أن النص له صلة عميقة بالواقع، أو بالحقائق التي تتجسد على أرض الواقع، لذا جاء يحتل مكانة خاصة أكبر من المكانة التي يحتلها النص التخيلي، لأنّ الشاعرية إذا توحدت مع الواقع تتفوق على الخيال والمتخيل إلى حد بعيد، فكما يقول "شارلز دكنز" "أستطيع أن أؤكد هنا أنّ كل ما ذكر في الصفحات التالية، حقيقة بالفعل". (خليل إبراهيم58). وعندما نقول بحقيقة النص فهذا لا يعني أنه نص مجرّد مثل النص الرياضي أو الفيزيائي، وإنما نصّ سيطرت عليه الواقعية مع مقدرة الشاعر على التخيل والاستبصار واستنطاق الحدث حتى تتسم لغته بهذه المقدرة الفاعلة على السمة التعبيرية الحقّة، لذا نجد الشاعر يعمد إلى ربط الأحداث بلغة تتسم بالشاعرية والتهكمية أحياناً أخر، حتى يتجسّد صدق قوله الشعري والتصاقه بالحقيقة الماثلة للعيان.

فالنص الذي بين أيدينا نشعره مزيجاً متفرداً لما يحمله من مكونات شعرية يسيرة لتلقي للوهلة الأولى، إلا أنها تحتاج إلى عمق بصيرة وفلسفة رؤيا حتى تستجلي بعض نظمها وأفكارها، علماً أن النص مليء بالإيحاء الرمزي والتهكم العباري أو الدلالي، كذلك المفردات لا تنفصل عن مضمونها، وتعبّر عن موقف شعري هادف، ما يرينا تخلخلاً في الزمن وليس في البناء الشعري.

لذا من السهل على المرء أن يقول: أنّ نيسان جاء كما يصوره الشاعر يحمل سادية مبطنة تؤدي بالآخرين إلى العذاب والانهاك، فنراه يصوّره بالعدوانية المدمرة حيث لم يبق شيء على حاله، لأن البنى كلها مهددة بالتغيير السلبي نتيجة للقوة التي تحركها مقومات نيسان، فما تحمله دلالات نيسان تظهر اللذة في عملية الهدم والنفي معاً، يتمثل ذلك في هدم الحضارة الممتدة في عمق التاريخ ومقوماتها، ومن ثم ترحيل رموز تلك الحضارة إلى المنفى القسري حيث صحراء "نيفادا" وقاطرات تنقل "الوركاء" إلى جنان الخلد في صحراء نيفادا المقدسة.

وهذا يمثل الحالة التهديمية إذا جاز التعبير، فما يحدث في أرض العراق من تغيير في البنى الفكرية والثقافية والإنسانية، لهو دلالة واضحة على إرادة الهدم المنظم، كلّ يهدم حسب نواياه ودوافعه ومبتغاه، وهذا يوصل إلى فساد متكامل، يحتاج إلى بناء متجدد حتى يتخلص منه المجتمع، لأن رمزية نيسان لا تفرّق بين دلالة التاريخ (الوركاء) وبين معطيات الواقع وعمقها التاريخي والعقدي "توقفت في ساعة المئذنة العقارب" (كما هو الحال مع الشاهد المدمّر من قبل طائرات العدوان ، الا وهو ساعة مرقد آلإمام آلأعظم أبي حنيفة النعمان في حيّ آلأعظميّة عند مدخل جسر آلأئمّة آلموصل بين الكرخ والرّصافة)ومثل ذلك يحمل الحقيقة بوجهيها، فالمئذنة شاهد على التواصل في البناء المعرفي والحضاري والعقدي للإنسان الذي أسس (للوركاء) التي تسفّر عنوة إلى صحراء نيفادا، نيفادا التي أصبحت موطناً للجنس الأبيض، بعدما أبادوا سكانها الأصليين (الهنود الحمر) وكأن نيفادا هنا رمز لحضارة متعددة كما هي حضارة سابقة ولم تزل تعيش على تدمير كيانات متعددة لحضارات متعددة كما هي حضارة جنوب شرق آسيا (فيتنام) وحضارات أمريكا الجنوبية و(الوركاء) فيما بعد، وما يصنعه أبناء نيفادا الجدد يتماثل مع طموحاتهم الهدّامة، وكذلك قد ترمز صحراء "نيفادا" إلى التخلف والخوف من الحضارة الموصلة، فتكون النتيجة حتمية في دمار الأشياء القائمة، فلسنا بإزاء فوضى فقط، "ولكننا بإزاء نظام غريب" (بير نار سوزان15). عن معطيات حضارة الوركاء والحضارات الشقيقة والمكملة لها في وادي الرافدين في محيطها العربي والإنساني.

فمن يتمعن في البعد التجريدي لصورة توقف عقارب الساعة في المئذنة (توقفت في ساعة المئذنة العقارب) يجد أن الخطاب أصبح أسير الفضاء المكاني والزماني معاً، بمعنى أن توقف عقارب الساعة عن الدوران، يدلل على التعاضد بين مكونات المكان والزمان، إظهاراً لحالات الرفض والتمرد والثورة وانبعاثاتها، علماً أن الفاعلية هدّامة تجاه "نيسان" وما يحمله من إرث تدميري، يقوم على تدمير بنى الحضارات وأسسها دون تمييز أو تمايز، فالصورة الفجائية التي جاء بها الشاعر "توقفت... على الدقيقة التي ليس لها رقم ولا ميناء" توصلنا إلى حالات اللامعقول التي يعيشها الوطن ومواطنوه، وقد تكون النتيجة صورة غير بصرية أو عمق من الحالة التحليلية أو مما يستطيع الإنسان أن يتخليه، وهذا يظهر "التوافق الجدلي بين المعنى والرمز". (نصر عاطف جودت262).الدلالي والإشاري للغة الشاعر ومقوماتها، وما ترمز بعض المفردات إلى دلالات متعددة، لذا نجدها تمثل "الجوهر الدقيق للغة الحدسية". (رتشارد384).

"الوركاء" و"المئذنة" وغيرها من الرموز الدالة على معطيات الحضارة في العراق تتجلى صورها، كي تتشكل أعمدة العلاقة مع الإنسان في الزمان والمكان معاً، على الرغم من صيرورة العداء للذات عند بعض المنتمين اسماً أو شكلاً للحضارة المتعددة الأوجه والتداخلات في العراق على مر الأزمان، إلاّ أن العراق بقي منبتاً للحضارة وحاضناً للجذورة الإنسانية فيها "قال الخفير هكذا!" تطوعت فراشة عمياء، أن تقذف النقش برمح خارق، وفجأة... فاض التنور، أرغفة مسمومة وقاطرات تنقل الوركاء، ...".

مما تقدم نرى أن من ربط مصيره بمعادلة "نيسان... الجديدة، مثله كالفراشة التي تندفع غريزياً نحو الضوء، فتكون النتيجة حرق الذات، أي أن المتحالفين مع "نيسان" حتماً حُرقوا نتيجة لإفراز معادلات المرحلة، فبدلاً من أن تفيد الفراشة من الضياء المتهالكة إلى وصوله، تكون قد حرقت ذاتها بمصدر الضياء ذاته، ما يرينا حرقاً كاملاً للرموز ومحيطها، فبدلاً من أن المئذنة والوركاء جسرّ للتواصل بين الإنسان وعمقه، غدت من قرائن الدمار الذي صنعه الإنسان الهجيبن والمتداخل في الحلف الخماسي التدميري" إلاّ أن تلك الرموز ترفض الواقع، لذا توقفت الساعة، ويكون توقفها كناية عن رفض المعطيات الجديدة.

(فداحة الصورة وتكثيف الرمز):

قالت فتاة من بني عبسٍ: أبى كان يقول هذا/ ولم يصدقه أحد؟/ وهذه هي الصحيفة التي ورثتها عنه- خذوا اقرأوها؟/

لتعرفوا وقائع الأيام في الغد القريب والبعيد!/ قالت وغابت في عباءة بنفسجية وراء رأس (يحيى)/

قيل رآها بعضهم في (صور)، قيل عند أسوار (أريحا)/ قيل في أوراق (بحر الملح)... قيل هذا./

وقيل غيره، وظلّ القول رجماً بالظنون./ نيسان ظلّ صامتاً، / لكنه ّدون في آجرة تالفة برقية/ ما قيل فهو صادق/

وربما ترونها ترعى خراف موسى/ في مئزر المسيح، أو في خرقة الحلاج!/ وصلصت في جيبه الملائكة/

نيسان ظلّ صامتاً/ والنهر يجري هادئاً/ بين العظام والخرق/ لم يدر أن الماء/ ما عاد قادراً على تقّبل ضفتيه/

وابنهُ عبس عند كلّ مفترق/ تكشف عن ساقين عجفاوين، لم تغرقهما يدان بحبوحة العرق/ تصيحُ من يبتاع منّى هذه الصحيفة/

لقاء ما يخصّب رحمي؟/... ظلت تنادي وحدها في وحشة المدن/ حتى تقطعت عظامها/

وأساقطت مغمى عليها في بلاط (ذي يزن). (مصطفى خالد علي5).

من العادة أن يستدعي بعض الشعراء صوراً معينة، حتى تتكاثف طبقات نسيجة كي يديم البنى العميقة للنصوص التي ينسجها ويتفاعل معها، دون النظر من مصدرية تلك الصور، إن كانت من المتراكم في الذاكرة والمحيط، أو من البناء التخيلي الذاتي في لحظة البناء النصّي، فكلما زاد الشاعر من عملية التكثيف نجد عملية الغوص في البحث عن الدلالة الصورية عميقاً هو الآخر، وإذا كانت بنائية الصورة تعتمد على البساطة أو التسطيح، فنقول: إن التعامل مع النص يكون مشابهاً للحالة المعنية، فالذاكرة الشعرية لا ينحصر شكلها ومضمونها وأداؤها في حدود خاصة يؤطرها المفهوم الزماني والمكاني للذاكرة، بل يمتد ذلك في عمق متجدد لكلّ من اللغة ذاتها والمحيط الموروث والذات الفاعلة للشاعر نفسه، ما يجعل حالتي التجدد والانبعاث قائمتين، وحالات الانجاز المتتالية للصور الفاعلة مستمرة، فتكون عملية خلق الصورة عبارة عن استجلاب للكنوز الدقيقة في الذاكرة وغيرها، حتى تتحقق الحالة الشمولية في بناء القصيدة التي تظهر التنوع والشمولية بلغة يحددها عاملان أساسيان هما: الذات الشاعرة وثقافتها وكذلك طبيعة الموضوع الذي يتفاعل معه في حالة بناء النص، وهذا يؤدي إلى خلق الإشارات والعلامات والرموز في أفق الرؤيا، فتصبح الذاكرة ميراث حي متشبع به المكان، كي تتجسد فلسفة الرؤيا المبحوث عنها، علماً أنّ تعبير الشاعر عن ذاتيته "إنما يدخل في صميم عمله الشعري، ويؤلف أنموذجاً شخصياً فريداً في الكشف عن رؤيا الشاعر الفريدة". (الخال يوسف81).

تلك الرؤيا التي تكشف عن خصوصيات متعددة، لا تتمثل في خصوبة الأنا الشاعرة، وإنما نجدها تبعثر الدلالات حتى تتم عملية الكشف عن الواقع المقصود، بلغة يقتضيها الموقف، عبر صور مختلفة الأغوار ومتباعدة في حالات الاغواء إذا جاز التعبير، فكثافة الصورة أو مباشرتها من العوامل الفاعلة في خلق عملية الوسوسة نحو التأويل أو عدمها، لأنها تقوم على تسخير المتاح للارتقاء بفلسفة الفكرة بحساسية تختلف عما يتعامل معه الناس دون شاعرية الشعر والأنا الشاعرة، لذا نرى صور خالد علي مصطفى الشعريّة تحمل أشياء كثيرة، على الرغم من تعدد أنماط الأداء الشعري في القصيدة ذاتها، حيث نجد صيغ الماضي والحاضر والسرد والوصف وتبادل الأصوات في الحديث، إلاّ أننا نجد الشاعر يتفاعل مع نصّه في الحالات كلها وهو بذلك يصل "بحديثه هذا إلى الآخرين، كلّ الآخرين".(فانوس وجيه81) .

فهو في نصّه يستطيع إيصال عواطفه وأفكاره وفلسفته إلى الآخرين، علماً أنّ ذلك لا يبعد رؤاه "كذلك عن قبولات الآخرين، وإن كانت ثقافة المحيط ومرتكزات الشاعر الأخرى لم تكن بعيدة عن مقومات النص ومكوناته، فكانت ذاكرته التاريخية ممثلة بفتاة بني عبس إحدى مرتكزاته كي ينطلق نحو فضاءات نصّه، قالت فتاة من بني عبس: أبي كان يقول هذا، ولم يصدّقه أحد!".

فما اختيار المتحدثة ونسبها إلى بني عبس إلاّ حالة مقصودة في حد ذاتها، علماً أنّ الفتاة تشكل رمزاً مقصوداً، "وبنو عبس" كذلك، فالفتاة قد تكون رمز الفتاة العراقية، وبنو عبس هم العراقيون، وهذه رموز عميقة على الرغم من بساطتها، وكأنه يقول: أن العراق عربي بمكوناته الثقافية وأن نسبه العربي لا يستطيع أن يلغيه أحد مهما تعددت حالات السوء ومحيطها، وبنو عبس من القبائل التي اشتركت في حروب محلية لكن تلك الحروب لم تلغ وجودها أو انتماءها العروبي كما هو الحال في العراق، الذي خاض حروباً متعددة في محيطه الاقليمي، إلاّ أنها لم تنه دوره الإقليمي والعربي، لذا بقيت حالات الطموح في السيطرة على العراق وخيراته من قبل الغرب قائمة، وهذه دلالة أوصلتها لغة الشاعر عبر رمزه "فتاة بني عبس" لأن ما حملته العبسية من نبوءة قادرة على اختراق الزمن ليرتفع الحدث بالإنسان كما يرتفع الإنسان بالحدث، ومثل هذا الفهم للدلالة الرمزية ليست قطعية، وإنما من حق الآخرين تأويله حسب الأطروحات الملائمة للواقع، علماً أن تعدد حالات الفهم ليست غريبة عن النص الشعري العربي المعاصر "وطالما أنّ النص الشعري الحديث نص احتمالي في تقدير قيمه الدلالية والسيميائية، فإنّ زيادة نسبة الاحتمال في النص يتوقف على استعداد المتلقي وقابليته على الاحتواء والتمثل والتعايش".(عبيد محمد صابر193) .

الحديث الذي اخبرته الفتاة العبسية، يدلل على حالة اليقين التي تماثلت لدى الشاعر، ويتمثل في جعل الفتاة تقف على اصرارها تجاه ما تقول: من أن إرثها مستهدف وهذا ما توارثته عن أهلها، وما دونه والدها على الصحيفة التي تقول "خذوها واقرأوها".

 

د. نادي ساري الديك

استاذ الأدب الحديث ونقده - فلسطين

 

جمعة عبد اللهقصائد تملك هالة من أنسيابية التدفق في الشعور الانساني. وتملك رؤية وموقف في هواجسها وخلاجاتها واحاسيسها. تتناغم مع مفردات الحب والعشق في صفحته المشرقة، وفي اوصافه البارزة في عمق نقاء الهوى والهيام، ولكنها ايضاً تعرج على ثيمات وعورات وعثرات الواقع وتعامله اليومي مع (نون) النسوة. في واقع يحافظ على ركود بالعقلية المغلقة والمتزمتة، وترفض وتتصدى لمحاولات التغيير والاصلاح في عقليتها. تجاه الحب والعشق ونون النسوة، في قسوته الطاغية في السلب والانتهاك. لذلك ان رؤى ورؤية القصائد تتصدى لهذه العقليات المتصابية، بالرفض والتحدي، في جوهر مفرداتها الشعرية الدالة، في المواجهة الحدية بالتمرد والتحريض في المواجهة، في التعامل وعدم التساهل مع الواقع الذي يرزح في عقلية الماضي المحافظ والمغلق والقبلي، لذلك ان قصائد المجموعة الشعرية، تنشد التحرر والانعتاق لنون النسوة، من الوصايا التقليدية الظالمة تجاه المرأة والحب والعشق. في الواقع الاجتماعي الذي يرزح تحت ثقل القهر الاجتماعي بالظلم والحرمان والتزوير. ولهذا تستخدم القصائد صيغة التحريض والاستفزاز لهذه العقليات الجامدة، تحاول القصائد رفض فكرة التساوم والتصالح على انتهاك شخصية (نون) النسوة، والتي تنحاز الى الاستغلال ونظرة الشؤوم الى الحب والعشق، يعني سلب هذا الحق الشرعي من (نون) النسوة، ليكون للرجل وحده، فهو المسيطر والامر والناهي في مصير المرأة، لانها حسب عقليته، بأن المرأة عورة وناقصة العقل، هذه الهيمنة العقلية السائدة في الخطاب الديني والاجتماعي، الذي مزقته (سجاح) في تفاصيل حياتها البارزة، بمحاولة كسر الحواجز في واقع يعاني من زخم التناقضات الصارخة، والتدخلات السافرة. لذلك تسبح قصائد المجموعة الشعرية (ن سجاح) عكس التيار في البنية الاجتماعية والدينية، التي ترفض الاصلاح والتغيير. ان قصائد (ن سجاح) تتعامل بالتحريض والتحدي، لتكسر العقلية المهيمنة في ظلمها الجائر، وتوظف فعل التمرد والرفض، من عمق المخاض العسير من الالم الاجتماعي الساقط في مظاهره على ظهر (نون) النسوة. ولهذا يدس الشاعر رؤيته وموقفه الثوري من الحياة والحب والعشق. فليس غرابة ان يستخدم عنوان مجموعته صادم ومستفز (ن سجاح) في الدلالة الفكرية العميقة في الرمز والتعبير. ليس التشبث بالقشور في حياة (سجاح) بانها توصم بالكذب والنبوة المزيفة، وانما في جوهر المعنى في عمقه الدال، بأنها تسجل اول خرق في جدار المحتمع القبلي والعشائري، بشكل غير مسموح وغير مسبوق، او انه خارق تعدى الحدود، في مجتمع ظالم في الانتهاكات ضدة المرأة بشكل خارق، ان تكون (نون) في مقدمة المجتمع، كقائد سياسي وعسكري وديني، في دعوتها النبوة، في اقناع جيش جرار من قومها واقوام اخرى لتطوعت لها، بعقليتها الفذة ان تكون قائدة لهم بطواعية اختيارية. هذا هو الجوهر الدال، في التحدي والجسارة التي قامت بها (نون) النسوة بأسم (سجاح) في مجتمع متخلف وقبلي وعشائري، هذه المرأة الخارقة، كيف اقنعت المجتمع الذكوري والبدوي والقبلي ان يسلم القيادة الى (نون) النسوة طوعاً. وتعاملها الند بالند مع (مسيلمة الكذاب) وحتى زواجها منه بشروطها هي، لا بشروطه كرجل في مجتمع قبلي. هذه هي روحية التمرد والتحدي، حتى انها اتخذت سمة الانقلاب في المفاهيم السائدة والرائجة، هذه اشراقة (نون) النسوة في الحب، وفي مفردات الحياة، لتحطيم القديم السائد، برفض اكوام قمامته، بأن تشعل نيران التمرد. هذه انطلاقات الثورية في قصائد المجموعة الشعرية، وهي تتناول اهم قضية حياتية ووجودية. الحب والعشق بعطوره الريحانية الزاهية في رونقتها، هكذا تطلعت (سجاح) الى الحياة والحب، في تكسير القيود والاغلال عنها،

 (سجاح)

لمْ تسجدُ للعهرِ

كفرتْ (سجاح)

بالكفرِ

ال (نون) مولدةُ الاسماء  الاسمى

هي سر الخصبِ

هيَ البحرُ هيَ

النهرُ

تحلمُ الزهور بسكنى فستانٍ

(نون) الفتنه

القداحُ يسجدُ بين النهرين

ويفارقُ

غصنهُ

كل آلهة الحسن ترقصُ

في يوم

(الحنه)

لا أدخل قفصاً ذهبياً

حوريتي

تقودني نحوَ

الجنه

حوريتي تدخلني قصر الخلد

قالتْ

في نقطة (ن) ي

كلمةَ

السر

ادخلي بسلام

بأمر النون فوضتكَ

أمري

لا دين للعشق فكل الاديان دينه. ولا يهتم باللون او الطائفة والمذهب. سوى مذهب العشق. ومن يروم السباحة وركوب امواج الحب والغرام، ان يبحر بروحية العاشق النقي، بروحية الظمأن ان يرتوي من مياهه العذبة في احساس صادق، وقلب مؤمن في آيات العشق والغرام، لا ندم ولا خواء، ولا وجل وارتجاف القلب امام العواصف والاعاصير، ان يملك التحدي بروح عاشق، ليبحر في أمواجه، ويقطف ثماره الشهية، وشراب خمره اللذيذ، ليغسل قلبه من الاحزان والآم

 أشربي صديقتي

واسقيني

بهمسكِ الوسنان

عن بعدٍ أسكريني

ولا تسأليني من أين أنتَ

أسمرٌ أشقرٌ

أبيضٌ

ولا من أي دينِ؟

فأنا دينُ العشاق

ديني

الا

هيا ألثميني

بالشفاهِ الشهدِ

ترويني

قَبلي الروح مني

وأغسلي آلآم

السنين

اسألي الاطيار عني

اسألي

ريح الشمال

اسألي

ازهار الياسمين

ان ضعتُ أنا أو ضاعتْ

عناويني

أرشفي الكأس خمراً

وناديني

الحب الصادق لا يعرف الزيف والمخاتلة، واذا انجرف الى هذه الهوية، فالاحسن الترك والشطب والهجر، وعدم الخوض في غماره وركوب امواجه. الحب النقي يطلق جناحيه في سماء صافية، لاغيوم ملبدة بالمال والجاه والسلطان، فالعشق وفاء وغرام، والشهوة الزائفة سرعان ما تخفت وتنطفئ. الحب لا يملك شيكات في البنوك والمصارف. وانما شيكات الحب نبضات وخفقان القلب. فأذا لم يكن على دين العشق، يصبح لعبة موقتة، والرحيل والفراق، مصيره لا محالة.

ماعدتُ من دينكِ

ولا صرتِ

منْ

ديني

ماعدت أهواكِ

أتركيني

ما علمني الحبَ قوالٌ

ولا قرأتهُ في كتبٍ

الحبُ يا حلوتي

مخبوءٌ

ب (جيني)

ما عدت معبودكِ

أتركيني

**

لا اشتريكِ أبنةُ

المال

أرصدتي في البنوك صفرٍ

عملتي شيكات حبًّ

دقات قلبٍ

واشواق تجري في

شراييني

لا يرضيكِ دربي

فأهجريني

الحب أمل والعاشقة هي أمل، اسم على مسمى، فهذه السمراء الفاتنة بالحسن والقبل، تغرف من عسل الحب والغرام، وتنام على وسادة الاحلام بالوصل والهيام ’ ولم يفارق عاشق روحها، فهي الغاية والمرام، وهي الحياة والوجود والامل. في اطياف الحب تروي الظمأن. وتتغزل بالعشق احلى كلام لهذه العاشقة (أمل)، ولكن ياحسافة فقدها كما لقيها. كحلم مرَّ على عجل

مازالت شفاهي عطشى

لم تزل الكلماتُ

حيرى

كالطيف لقيتها

كالطيف فقدتها

كحلم مرَّ على

عجل

قالوا ما أسمها ؟

قلت

وردتي

أمل

**

عندليبٌ على الغصنِ شدا

فجاء ملاكُ الشعر

والزجل

قال ما أسمها ؟

قلتُ

مليكتي

أمل

ومضات في الحب والعشق في توهجها الدال في الهوى والهيام

× حين يبرقُ مبسمك

تذوي كل...

المصابيح

--------

× حين ألمسُ كفيك

تنتشي كلُ

الرياحين

**

× حين ألثم ثغرك

ترقصُ نجوم

السماء

**

× حين تشتهيك

شفاهي

تورق كلُ

البساتين

 الامل في أمنية الحب ان يضيء ويزهر كالازهار. ان ترفع رايات الحب عالياً. تصبح الدموع ازهاراً، لتولد مواليد واناشيد جديدة، لترقص المناجل في سلال الحبوب

متى

تصير

دموعنا زهوراً

تعانقُ

المواليد

تكتب الاناشيد

ترقص

المناجل

فتمتلئ السلال

بالحبوب

حمامة الحب بيضاء صافية، ترقص لها الروح وتطير فرحاً، ومن دونها، لا زهور ولا رائحة عطور الازهار. من دونها تفقد الحواس خصبتها وجمالها، فهي الامل الذي يباغت الظلام. فهي الشمس تدور في الجود والشكر.

تجودُ حبيبتي

الشكربحقها قليل

الشمس حولها تدور

حبيبتي تستحق السجود

حمامتي بيضاء طليقة الجناح

حمامتي

تُقبل السنابلُ

حمامتي تعشق

الورود

حمامتي

تجدلُ ضفائر النجوم، ثم

تعود حمامتي

تمشطني

 تُلبسني، تقبل عيوني، تدللني كطفلها

الودود

حمامتي لا تخلفُ

الوعود

حمامتي لابد ان

تعود

حبيبتي لابد أن

تعود

× عنوان الكتاب؛ (ن) سجاح

× اسم المؤلف : حميد الحريزي

تصميم الغلاف: فلاح العيساوي

الطبعة الاولى: عام 2019

عدد الصفحات: 143 صفحة

 

جمعة عبدالله