3237 الحسناء صباحتتعدد المداخل إلى النص الشعري المعاصر وتتنوع، بحكم أنّه يبقى قابلا لأكثر من صورة تأويل، ومنفتحا على أكثر من شكل احتمال للمُمكن والتوقع للكامن.. فمدار الإبداع عامة والشعر منه خاصة، بحث يسكنه الإرتحال إلى المجهول من الآفاق، والقصي من جماليات الكتابة ودلالات الفكر.. توقا لتحقيق المغايرة للسائد الشعري..

وتبدو ملامسة تخوم الكون الشعري الذي تنحته نصوص الشاعرة التونسية صباح مدعاة للتأمّل عبر عناوينها: رقضة على تخوم العدم”، بإعتبار أنّ مثل هذا العنوان قد يختزل مُجمل العلامات الدالة على أسئلة متنه الشعري وجماليات صياغتها.. فالعنوان، رغم ما يشي به-بعده المجازي-، إلاّ أنّه يُضمر كتابة دلالية تجعل منه أحد المفاتيح الأساس لفتح مغالق النّص الشعري، والكشف عمّا تبطنه من دلائل لا تخلو من علامات غموض وتعتيم، وتتوسّل به من أدوات كتابة سحرية، تبقى دوما متغيرة، ومتحوّلة من تجربة إلى أخرى، وحتى من نص إلى آخر داخل التجربة الشعرية الواحدة.. فجوهر الإبداع تجاوز ينبغي دوما أن يدرك المدى الذي لا يُدرك، للكائن من الأشكال، والراهن من أسئلة الشعر.. وتظهر اللغة أسرارها حال الاجتماع والبناء إذ اللفظ في ذاته مجرد أداة ولا يظهر مكنونه ومعناه بغير اجتماع لذا كان اللفظ في مبني بحيث يكون لبنة من لبنات هذا البناء غيره في معجم ..

ولنرى معا مدى توفيق الشاعرة (صباح) وقدرتها على جعل الحرف يبوح بمكنونه وسره بين يديها : قول الشاعرة:

رقصة على تخوم العدم !

أحب قراءتك على طريقة برايل

و أكره أن تغازلني بالمستهلك من الكلم

يا أنت !

أن تحبني

هو أن تلعن حسني

حين تنزل عليك نبوءة العشق

ويصيرك الرب رسول حب

أن تعشقني هو أن تُكفِّرَ جسدي

حين تكتب عليه سلالتك

وتطير على براق الهوامات

وتنهمر على أرضي اليباب مطرا ..

مطر ..

يا أنت !

أسقِطْ من ذاكرتك كل الصور

إني أريد رجلا بلا ذاكرة

ولتشْهَدْ أنني الأنثى احتشاد الماء

نيغاتيف الصور

حزمة الضوء

ألوان السماء

فأنا غجريّة لا ترتضي أنصاف العشاق

ولا تقبل أن تكون معطفا في الشتاء

أنا إمرأة عتيقة إن أحبتك فكت شيفرة شاماتك

بشغف عالم آثار

صيّرت شفتيك أبجديتها

ورتّلتهما بغُنّة الفقهاء

ومن المسافة الممتدة بين ذراعيك فتحت أبواب الفردوس لتعبر إلى السماء

أنا امرأة خريفيّة ،

بوهيميّة..

تجيد التعريّ من أوراقها

 لملإ فراغات النص

حين تنضج الثمار

تقرأ بياضك بشغف

وتملأ نقاطك بشبق:

زوجة شهريار

وسحر شهرزاد

وروعة السرد

في أجمل الحكايات

فتعال

لتكتبني سطور ماء

وتدوّنني أهازيج مساء

ولتجعل ذكرى عبوري عبرك

تاريخ بدايتك ومنتهاك

فأن أحبك وتحبني هو

أن نقهقه معا

تمد نحوي يدك المسعورة

نرقص رقصتنا الأخيرة على تخوم العدم

وببلسم تسكبه من مقلتيك في روحي

نفك سوستة العشق

نمزّق أزرار الليل

أذوّب همساتك في كأس الوقت

وتسكب ضحكاتي في أواني الاشتهاء

ثم ...

نمضي معا إلى سدرة المنتهى

نلوب حول العرش

لنعود أشد عطشا .

صباح نور الصباح

من الجدير –في هذه القراءة المتعجلة-أن نتبيّن معالم البنية الصوتية للتشكيل اللغوي في هذه القصيدة في محاولة لربط هذه المعالم بما لها من دور في إنجاز التجربة، وفي تحقيق قدرتها التأثيرية، فالملامح الصوتية التي تحدّد الشعر قادرة على بناء طبقة جمالية مستقلة (1)

والبنية الصوتية للشعر ليست بنية تزينية، تضيف بعضا من الإيقاع، أو الوزن إلى الخطاب النثري ليتشكّل من هذا الخليط قصيدة من الشعر، بل هي بنية مضادة لمفهوم البناء الصوتي في الخطاب النثري، تنفر منه، وتبتعد عنه بمقدارتباعد غايات كل منهما..

وهذا يعني أنّ إرتباط الشعر بالموسيقى إرتباط تلاحمي عضوي موظّف، فبالأصوات يستطيع الشاعر/الشاعرة/ أن يبدع جوّا موسيقيا خاصا يشيع دلالة معينة، واللافت أنّ هذه الآلية الصوتية غدت في نظر النقاد مرتكزا من مرتكزات الخطاب في الشعر العربي الحديث..

وهذا المرتكز يقوم على معنى القصيدة الذي غالبا ما يثيره بناء الكلمات كأصوات أكثر ما يثيره بناء الكلمات كمعان(2)..

على سبيل الخاتمة:

قد لا أبالغ إذا قلت أنّي لست من الذين يتناولون القصائد الشعرية بأنامل الرّحمة ويفتحون أقلامهم أبواقا لمناصرة كلّ من ادّعى كتابة الشعر، إلاّ أنّي وجدت نفسي في تناغم خلاّق مع هذه القصيدة التي فيها كثير من التعبيرية وقليل من المباشرة والتجريد تغري متلقيها بجسور التواصل معها، مما يشجع على المزيد من التفاعل، ومعاودة القراءة والقول، فكان ما كان في هذه الصفحات من مقاربة سعت إلى الكشف عن بعض جماليات هذه القصيدة مربوطة بالبنية اللغوية التي عبّرت عنها..

وأترك المقاربة القادمة-على مهل-على هذه القصيدة العذبة إلى أن يختمرَ عشب الكلام..

قبعتي.. سيدتي

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

.........................

الهوامش :

1- اللغة العليا ص: 116جون كوبن.. ترجمة أحمد درويش.. ط2 القاهرة 2000

2- البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ص: 38-ط-الإسكندرية 19903-اللغة العليا-ذُكٍر سابقا-ص: 74

 

 

محمد الاحبابيالتكرار الختامي

لقد اهتم النقاد بالتكرار الختامي، فقد نال أهمية خاصة عند كل من نازك الملائكة ومحمد عبد المطلب ومحمد صابر عبيد وآخرين، فنازك الملائكة تؤكد على أن التكرار الختامي (لا ينجح في القصائد التي تقدم فكرة عامة لا يمكن تقطيعها، لأن البيت المكرر يقوم بما يشبه عمل نقطة في ختام عبارة تم معناها، ومن ثمة فأنه يوقف التسلسل وقفة قصيرة ويهيئ لمقطع، وهذا هو سر نجاح التكرار في القصيدة) (1)

ويرى الدكتور محمد صابر عبيد أن التكرار الختامي (يؤدي دورًا مقاربًا للتكرار الاستهلالي من حيث المدى التأثيري الذي يتركه في صميم تشكيل البنية الشعرية، غير أنه ينحو منحى نتيجيًا في تكثيف إيقاع يتمركز في خاتمة القصيدة)(2). وعَرَفَ علاء الدين رمضان السيد هذا النوع من التكرار هو تشابه طرفي القصيدة، ويضم هذا التعميم تكرار مطلع الجملة في نهايتها، وكذلك إعادة جملة الختام نفسها في تكرار المتلاحق. (3)

تتسع دائرة الوطن عند السماوي لتشمل الحبيبة ويصبح الوطن هو المعشوقة فيقول: (4)

هَوِّنْ عليكَ فإنَّ حَظَّكَ في الهوى   حَظُّ(ابن عَذرَةَ) في هُيام (مَهاةِ)

يا صابراً عِقْدَين إلاّ بضعةً      عن خبز تنّورٍ وكأس فُراتِ

ليلاكَ في حُضْن الغريب يَشِدُّها    لسريره حَبْلٌ من السُـــرُفاتِ

تبكي وَتَسْتَبكي ولكن لا فتـــــى     فيَفــــكَّ أسْــرَ سبـــيئةٍ مُدْماةِ

يا صابراً عِقْــــدَين إلاّ بـضعة     (ليلى) مُكبَّلــةٌ بقيْدِ (غُزاةِ)

ليلاك ما خانَتْ هواكَ وإنـــما    (هُبَلُ الجديدُ) بـزيِّ (دولاراتِ)

إن (المريضة) في العراقِ عراقةٌ  أما الطبيبُ فمِبْضَعُ الشَهَواتِ

في هذا المقطع من القصيدة تكرار ختامي من مجموعة تكرارات أغنت بنية القصيدة وأضافت دلالات لغوية عميقة، حيث جاءت لفظة (الحظ) مرتين الأولى حظ الشاعر والثانية حظ قيس العامري، وكذلك كرر(ليلاك، ليلى) إشارة إلى البيت المشهور: (5)

يقولون ليلى في العراق مريضةٌ    فيا ليتني كنت الطبيبَ المداويا

وهي إشارة إلى عنوان كتاب الدكتور زكي مبارك (ليلى المريضة في العراق) الذي استعمل فيه أسلوبًا غزليًا نثريًا رائعًا، فمن يقرأه يتخيل ان الكاتب يتغزل بليلى العراقية المريضة في العراق، في حين كان يقصد (اللّغة العربية) التي كانت تحتاج إلى معالجتها، فكان الراحل زكي مبارك من الأدباء الكبار الذين هبوا لمداواتها في ثلاثينيات القرن العشرين فدرس في العربية وأدبها في بغداد آنذاك .

وقد تكررت عبارة (يا صابراً عقدين) مرتين، وهذا المعيار الزمني بمعنى طول الانتظار والصبر، فالشاعر يحاور الذات بصيغة النداء المقصود الذي أجج مشاعر وأثار كوامن أحزانه العميقة، وهو يسدل قائمة التكرار بحرفي الروي (الألف، والتاء) مما جعل للقصيدة إيقاعًا جميلاً، إننا ندرك بوضوح عمق هيامه بوطنه، وصدق تعلقه به وفي ظل هذا التلازم العميق بين الوطن والشاعر تشكلت نصوصه الشعرية، وتوهجت شعلته وهو يؤدي لحن العاشق للوطن، إنه الحب والانتماء الذي يضرب بجذوره في أعماق هذه الأرض، حيث تتفجر من كيان السماوي هذه المعاني لتجسد أجمل معاني الانتماء والحب.

ونرى التكرار الختامي في قصيدة الشاعر يحيى السماوي (إلى من لا يهمهم الأمر) حيث يقول:(6)

سأبقى خائفا على وطني

طالما بقي في " قصر الخلافة "

سياسي فاسد واحد

انتهازي واحد

تاجر دين واحد

إرهابي واحد

عميل واحد

ولصّ واحد

هؤلاء كالطحالب

سريعو الانتشار مثل بثور الجدري

يقف الشاعر منبهرًا من إبداء تساؤله المندهش من تعطّل رد فعلنا تجاه هؤلاء الذين يتعلمون البطولة بأطفالنا والفحولة بأعراضنا كما يقول عنهم: (سياسي فاسد، انتهازي، تاجر دين، إرهابي، عميل، لص) وهي دهشة مشروعة حتى لو كانت شديدة الفوران لأن دافعها المحبة والحرص على حاضرنا ومستقبلنا، كما وظف الشاعر التكرار الختامي بلفظة (واحد) ست مرات، وهذا الشكل التكراري يحدث نسقاً إيقاعياً مركّزاً، ترتاح له الأذن، ويشد المتلقي نحو المعنى الذي يريد الشاعر التعبير عنه، فهو يبرز الواقع الأخطر عندما يتخاذل أبناء الوطن عن الانتفاضة ضد اللصوص والغاصبين، أو أنهم يستمرؤون العيش تحت ظل الخيانة بعد رحيل الاحتلال، فهؤلاء الفاسدون كالطحالب سريعو الانتشار، لذلك يطالب الشاعر بأجراء عملية استئصال كاملة خوفاً من انتشارهم مرة أخرى .

ويتفجر يحيى السماوي وطنية صادقة وغضبًا مقدسًا على الظالمين، وتجسيدًا للمظالم والمجازر البشعة التي شهدتها المدن العراقية والتي يندى لها جبين الإنسانية خجلا، ويتفجّع الشاعر على ما آلت إليه بغداد في قصيدة (هل هذه بغداد( التي يجسد فيها التكرار الختامي ودلالاته العميقة في النص بقوله: (7)

أغمضْـتُ عن شجر الهوى أحداقي

فاسكبْ طلاك على الثرى يا ساقي

غرسوا الظلامَ بمقلتي فتعطـّلتْ

شمسي ونافذتي عن الإشراق ِ

فإذا بتحرير العـراق ِ ولـيمَـة ٌ

حفلتْ بما في الأرض من سُـرّاق ِ

المطلقون حمائمي من أسـرها

شدوا الفضاءَ وروضها بوثاق ِ

ما العجبُ لو خان الفؤادُ ضلوعه؟

إنّ الذي خان العراقَ عراقي

فإذا النضالُ نخاسة ٌ مفضوحة ٌ

فاحتْ عفونتها بسوق ِ نفاقِ

أبدع وأحسن وأجاد السماوي في هذه المقطوعة، لأنه عاد الى أصول الشعر العربي القديم الموزون والمقفى، وبأسلوب راق شفاف عبر عن معاناة وطنه، فإذا تحرر هذا الوطن من نير المستعمر الغازي المستبد، وقع للأسف بأيدي السراق والعملاء من أبنائه الذين اشتركوا في ذبحه وخيانته، وقد عبّر الشاعر يحيى السماوي بتكرار ختامي مبدع، حيث كرر اسم(العراق) مرتين دلالة على حبه لوطنه، كما كانت لغة الدموع ظاهرة في متن القصيدة (اغمض، أحداق، مقلتي) تعبر عن معاناته بشعر راقٍ وموهبة متألقة ومشاعر عفوية ورؤية عميقة صادقة، لواقع وطنه الذبيح وحمامات الدم اليومية التي تغسل أرض العراق الطاهرة، ونجد في هذه الأبيات القدرة الفائقة على صياغة الأفكار والمفاهيم وطرحها في إطار شعري عبر الجمل المتناسقة والتعابير السليمة، فالبنية التي يقوم عليها النص تقوم على مبدأ استخلاص العبرة والموعظة وحسن التبصر من خلال إظهار التناقض والتضاد في الماضي والحاضر.

إن التكرار الختامي في هذا المقطع أعطى جرسًا موسيقيًا يشد المتلقي من خلال حروف الروي (الألف، القاف، الياء) مما زاد جمالاً في الإيقاع الكلي، فالشاعر مهتم بالماضي ويتطلع إلى المستقبل الذي يصبو إليه، وإن المستحيل يمكن أن يتحقق من خلال الانبعاث والتخلص من الواقع الجاثم والتطلع لما هو جديد ومشرق.

تكرار اللازمة

يُعدَّ تكرار اللازمة من أهم التكرارات التي لجأ إليها شعراؤنا المعاصرون، ويعمل هذا النوع من التكرار على تحقيق الوحدة النصية في انسياب وتدفق تجمع بين أجزائه اللازمة بشكل تواتري، وترى نازك الملائكة أن التكرار اللزومي يحتاج (إلى مهارة ودقة، بحيث يعرف الشاعر أين يضعه، فيجيء في مكانه اللائق، وأن تلمس يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة مخادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية يستطيع أن يُضِل الشاعر ويوقعه في منزلق تعبيري)(8)

وتشترط نازك الدقة والمهارة في اختيار اللازمة لتحقيق التوافق والإيقاع داخل القصيدة، واللازمة الشعرية التي تعود في حقيقتها إلى التكرار الرأسي أو الأبنية اللفظية المتكررة على المستوى العمودي للنص الشعري، والتي تخلق نظامًا بنائيًا توازنيًا ومفصليًا بين الوحدات النصية؛ ذلك لأن الصيغة المتكررة عبارة عن معاودة كلمة أو جملة ثابتة أو محررة بعض الشيء، وهذا ما نجده في تعريف الدكتور محمد صابر عبيد: (يقوم تكرار اللازمة على انتخاب سطر شعري أو جملة شعرية، تشكل بمستوييها الإيقاعي والدلالي محوراً أساسياً ومركزياً من محاور القصيدة، يتكرر هذا السطر أو الجملة من فترة وأخرى على شكل فواصل تخضع في طولها وقصرها إلى طبيعة تجربة القصيدة من جهة، وإلى تأثير اللازمة في بنية القصيدة من جهة أخرى، وقد تتعدد وظائف هذا التكرار حسب الحاجة إليها وحسب قدرتها على الأداء والتأثير)(9).

يأتي يحيى السماوي حيث يستخدم تكرار اللازمة لرفض الواقع المادي الجديد فيقول:(10)

جلالة الدولارْ

حاكمنا الجديدُ ..ظِلُ اللهِ فوقَ الأرضِ

مبعوثُ إلهِ الحربِ والتحريرِ والبناءِ والإعمارْ

له يقامُ الذكرُ ..

تُنحر القرابينُ ..

وتقرع الطبولُ ..

ترفعُ الأستارْ

وباسمِهِ تكشفُ عن أسرارِها الأسرارْ

جلالة الدولارْ

من خلال هذا المقطع يكرر الشاعر(جلالة الدولار) وهو تكرار اللازمة ويبرز الواقع المادي الذي سيطر على القيم والاخلاق وحتى الدين كان غطاء للوصول الى غايات بعيدة عن عقيدة الدين، بحيث أصبح كل شيء يباع ويشترى، وقد كرر الشاعر أفعال المضارع (يقام، تنحر، تقرع، ترفع ، تكشف) دلالة على الخضوع للسلطان الأمريكي الجائر، كما كرر الشاعر حرفي الروي ( الألف، الراء) في معظم أبيات المقطع مما أسهم في تحقيق التوافق الصوتي.

وفي تكرار اللازمة تشغل القدس زهرة المدائن إحساس يحيى السماوي وضميره بعد وقوعها في أسـر الصهاينة قراصنة العصر، فنراه يخاطبها في قصيدته (المتاهة) مكررا اسمها ثلاث مرات فيقول: (11)

يا قدسُ قد رخص النضـالُ وأرخـَصَتْ

شـُهُـبُ الـمناصب ِ باسـمـك ِ الأسـعـارا

يا قـدسُ قــد باعـوك ِ سِــرّا ً فاســألـي

طابا " عـسـاها تـكـشـف ُ الأسـرارا

يا قـدسُ مــا خان الـجـهـادُ .. وإنـّمـا

خـان الــذي بـاسـم الجـهــاد تــَبـارى

فهو يشجب إتـِّجار الساسة بهذه المدينة العربية الإسلامية التي يقع فيها بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكأنهم النخاسون الذين يقيمون مزاداً لبيع العبيد وشرائهم، ففي نداء متكرر للشاعر (يا قدس) ثلاث مرات، فالتكرار إشعاع أسلوبي يؤدي وظيفة دلالية وايقاعية، ولعل رسوخ المبدأ من العوامل التي تفضي إلى الشاعر بأسلوبية التكرار، ويكرر كلمة (الجهاد) مرتين في القصيدة، وتكرار حرفي الروي (الراء و الألف) فالتكرار جاء كالسيل تبعًا لقوة العاطفة المتوهجة في ذات الشاعر الذي يعبر عن موقف عاطفي مشحون بالتوتر الانفعالي، مما أسهم في تحقيق تجانس إيقاعي بين إيقاع المقدمة وفاصلة الختام وكأن هذا التكرار يجعل من القدس بؤرة النضال، لتشكل محورا دلاليا في هذه القصيدة .

والسماوي يتوحد مع الأرض من فرط حبه لها وعشقه وهيامه بها وهذا دليل على الرابطة القوية التي تربط بين الشاعر والأرض ونباتاتها، وهناك دلالات مختلفة ارتبطت بمجموعة من هذه النباتات، فالنخل يصبح معادلاً للأهل ويشارك في المقاومة حيث يقول: (12)

فاخرجوا من وطني ...

وامنحونا فرصة الدَّفن لموتانا

وأنْ نُخْرجَ من تحتِ الركامْ

جثثاً ما بلغَتْ عمرَ الفِطامْ

فاخرجوا

من قبل أنْ ينتفضَ النخلُ العراقيُّ

ويستلُّ سيوفَ الانتقامْ

ارتبطت نباتات الوطن بالشموخ والإباء فهي كإنسان هذا الوطن، يشارك النخل العراقي في المقاومة وطرد المحتل ويلتقي مع الأبطال في صموده ومقاومته، ويذكر الشاعر النخيل في كثير من قصائده الذي يتميز بالصمود والشموخ والعطاء، ورمزيته للطبيعة العراقية هي استمرار التعلق بالوطن ومشاركته في آلامه، فقد كرر الشاعر فعل الأمر (فاخرجوا) مرتين فجاء التكرار: الفاء + اخرج + الواو + من +الوطن . وكرر حرف العطف (الواو) ثلاث مرات، كما كرر حرف الجر(من) مرتين، وكرر حرف الروي في (الركام، الفطام، الانتقام) كذلك كرر الشاعر: أن + الفعل المضارع (نخرج، ينتفض) فشكل هذا التكرار ترابطاً قوياً وانسجاماً عالياً في هذا المقطع .

التكرار التراكمي

تنوعت رؤى التكرار التراكمي وتشعبت اتجاهاته ووظائفه في النقد الحديث والمعاصر، تبعًا للمدارس النقدية والأسلوبية الحديثة التي انبثق منها، فمنها رؤى تناولته من زوايا جمالية، ومنها رؤى تناولته من زوايا نفسية.(13)

ويعرفه الدكتور محمد صابر عبيد بقوله (يتحدد التكرار التراكمي في القصيدة الحديثة بفكرة خضوع لغة القصيدة بواقعها الملفوظ إلى تكرار مجموعة من المفردات سواء على مستوى الحروف أم الأفعال أم الأسماء، تكرارًا غير منظم، لا يخضع لقاعدة معينة سوى لوظيفة كل تكرار وأثره في صياغة مستوى دلالي وإيقاعي محدد، ودرجة اتساقه وتفاعله مع التكرارات الأخرى التي تتراكم في القصيدة بخطوط تتباين في طولها وقصرها) (14) .

أمّا عصام شرتح فيعرفه بأنه (طغيان صيغ أسلوبية تتكرر بكثرة عند الشاعر وبشكل عشوائي دون ضوابط أو فواصل محددة داخل النص الشعري) (15) ومعناه تكرار المفردات أو العبارات بطرق غير منظمة داخل القصيدة، و(تقوم القصيدة على تقنية التراكم الدلالي التي تحيل النص إلى متواليات صوتية أو تراكمات جميلة، حيث يراكم الشاعر عدة حروف وجمل بشكل عشوائي للتعبير عن الحالة النفسية التي يعيشها)(16) .

وفيها يسعى الشاعر إلى تكرار مفردة معينة في القصيدة ويكون هذا التكرار ناتجًا عن أهمية هذه المفردة وأثرها في إيصال المعنى، وتأتي مرة للتأكيد أو التحريض ولكشف اللبس، فضلا عما تقوم به من إيقاع صوتي داخل النص الشعري، والتكرار التراكمي لبعض الصيغ اللغوية على شكل ثوابت، في فواصل مختلفة من النص، يقول الناقد عمر العسري (إذا كانت الوظيفة الأولى للتكرار مقرونة بترديد النص على ضوء التفصيل، فإن الوظيفة الثانية مرتبطة بتجسير المقاطع الشعرية، وتتناثر محققة تراكماً مشهدياً يغني العمل الشعري لكنه في جوهره ينظم الخطاب الذي تحكمه علاقة العام بالخاص)(17)

وفي مقطع للشاعر يحيى السماوي يدعو أبناء العراق للجهاد والمقاومة والوقوف في وجه الخصم المحتل، وإجباره على مغادرة الوطن، وقد برّز هذا التحدي وبث الحماس بوضوح عند الشاعر في تكرار تراكمي واضح حينما يقول: (18)

باسم الدار تَطْحَنُها خيولُ الاحتلالْ

باسم الغدِ المأمول

باسم طفولةٍ سُفِحَتْ

وباسم عُراةِ كهفِ الإعتقالْ

باسم الفراتِ المستباح

وباسم نخلٍ مُثكلٍ بالسَعْفِ والعرجونِ

حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ

فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوحلَ

واسْتَأْصِلْ جذورَ (أبي رُغالْ)

(لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى)

حتى يُزالَ الإحتلالْ

حانت صلاةُ الذودِ

حيَّ على النزال .. على النزال على النزالْ

نجد أن معجم النص يشع بالتحدي والصمود، ويبدو أن روح المعارضة دفعت الشاعر إلى توظيف هذه الألفاظ فقد كرر الشاعر حرف (اللام) ثلاث عشرة مرة غطى مساحة المقطع مما جعل المقطع منسجمًا من حيث الجرس الإيقاعي ومحكمًا في بنائه، وكرر لفظة (باسم) ست مرات (الدار، الغد، طفولة، عراة الكهف، الفرات، نخل) بهذه المبررات يقتل الشعب، لذلك يريد الشاعر من أبناء الوطن مواجهة العدو حتى ينالوا حريتهم من المحتلين، حيث استدعى الشاعر شخصية تاريخية (أبو رغال) (19) رمز الخيانة والعمالة للمحتلين، كما وظف بيت الشاعر(المتنبي) بما يتناسب مع رؤيته الشعرية:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ـــــــ حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ  (20)

فهو يريد من أبناء العراق أن يستمروا في نضالهم وجهادهم حتى ينالوا حريتهم من الغزاة الأمريكان الطامعين، ففي خطابه يذكر أنّ الجهاد، هو فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، فيقول:(حانت صلاةُ الذودِ حيَّ على النزال .. على النزال .. على النزالْ ) ولعل تكرار هذه العبارة في المقطع، لإثارة المتلقي، وتحفيزه على رفض الواقع المرّ، فالتكرار أفاد في توكيد المعنى الذي ألّح الشاعر على إظهاره فضلاً عن تأثيره على الجانب الإيقاعي.

" يتبع "

 

د . محمد الأحبابي

............................

(*) من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الحديث .

 (1) قضايا الشعر المعاصر: نازك الملائكة، ص 268.

(2) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: محمد صابر عبيد، ص 199_200.

(3) انظر، ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث: علاء الدين رمضان السيد، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996م، (د-ط)، ص66-84.

(4)  ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص 74 – 75 .

(5) ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى، رواية أبي بكر الوالبي، دراسة وتعليق يسري عبد الغني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م، ص38 .

(6) ديوان (شاهدة قبر من رخام الكلمات)، يحيى السماوي، ص85.

(7) ديوان (نقوش على جذع نخلة )، يحيى السماوي،ص161.

(8) قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص163.

(9) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، محمد صابر عبيد، ص204.

(10) ديوان (نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص62- 63 .

(11) ديوان (هذه خيمتي فاين الوطن)، يحيى السماوي، ص53 .

(12)  ديوان (هذه خيمتي فاين الوطن)، يحيى السماوي، ص 11 .

(13) انظر: جماليات التكرار في الشعر السوري المعاصر، عصام شرتح، ص 334.

(14) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، محمد صابر عبيد،ص 219.

(15) أنظر: جماليات التكرار في الشعر السوري المعاصر، عصام شرتح، ص338.

(16) المرجع نفسه: ص338.

(17) بلاغة التكرار في ديوان (دون مرآة ولا قفص): عمر العسري، مجلة عمان، ع147، ص64.

(18)  ديوان ( نقوش على جذع نخلة)، يحيى السماوي، ص 128 -129 .

(19) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، د. جواد علي، دار العلم للملايين، بيروت، (د-ط)، 1968م، ص28.

(20) ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1983م، ص571.

 

 

حسن العاصيعُرف "تولستوي" في المقام الأول ككاتب – لكن أعماله الأخلاقية والفلسفية أثرت ـ ولا تزال ـ في العالم.

وكُتب "ليف نيكولايفيتش تولستوي" (1828-1910) في قوائم المؤلفين العظام. لكن تولستوي لم يكن فناناً فحسب - بل كان أيضًا فيلسوفاً.

في الوقت الذي ترتبط فيه اليوم كلاسيكيات "الحرب والسلام" (1869) و"آنا كارنينا" (1877) معظمها باسم تولستوي، كانت أفكاره حول السلام والحياة الزهدية، والمعروفة أيضاً باسم تولستويانيزم، هي التي ألهمت المهاتما "غاندي"، حركة "الكيبوتس"، و"مارتن لوثر كينج".

ومع ذلك، فإن تلك الأفكار مرتبطة بتولستوي، ويتم التعبير عن فلسفته ليس فقط في كتاباته الأخلاقية، ولكن أيضاً في أعماله الخيالية. عندما يقرأ المرء أحد أشهر عملان، فسيكون قادراً على العثور على آثار غير مباشرة لأفكار تولستوي الفلسفية الأخلاقية.

تعد كل من "آنا كارنينا" و"الحرب والسلام" من الكتب الضخمة والثقيلة التي يعرفها الجميع، ولكن القليل منهم قرأها. الكتابان يتضمنان قصتين رائعتين وفلسفة للحياة تثير التفكير - وهو أمر ينطبق أيضاً على أجزاء أخرى من كتابات تولستوي الشاملة.

الحياة والمعيشة

ولد تولستوي عام 1828 في عزبة "جاسناجا بولانيا" كان ينتمي لعائلة نبيلة، وأصبح تولستوي مالكاً للأرض وإقطاعياً. في سن السادسة عشرة، بدأ في دراسة القانون واللغات الشرقية، لكنه فشل في الدراسة لصالح حياة أكثر استرخاءً بين الأرستقراطيين في روسيا.

في عام 1851، تخلى تولستوي عن الحياة الحلوة وانضم إلى الجيش. خلال مسيرته العسكرية نشر تولستوي كتبه الأولى، "الطفولة" عام 1852 و"سنة البنين" عام 1854، وهي ثلاثية انتهت بـ "شباب" عام 1857. لكن فترة الخدمة العسكرية قدمت أيضاً شيئاً آخر غير الإلهام الأدبي.

في عام 1854 شارك في حرب القرم - وهي تجربة أثرت عليه بشدة. هذا هو المكان الذي يجد فيه المرء خلفية الأفكار حول مصادفة الحرب، والتي نراها في "حكايات وتصورات من سيفاستوبول" (1855-1856) وتكشفت بالكامل في الحرب والسلام.

بعد حرب القرم، استقال تولستوي من الجيش وسافر في جميع أنحاء أوروبا لبعض الوقت. في عام 1862 عاد إلى المنزل، وتزوج من "صوفيا أندريجيفنا بيرس" الأصغر منه سناً بستة عشر عاماً، واستقر في ملكية طفولته.

كتب على مدى السنوات العشر التالية روائعه، وفي نفس الوقت بدأ يدرك الأفكار التي طالما شغلته. لقد تخلص من الامتيازات التي كانت ملكاً له، وحارب من أجل تنوير الفلاحين، ومن أجل نظام أكثر عدلاً لتوزيع الأراضي.

يعتقد تولستوي أن الفلاحين صُنعوا من مادة مختلفة، وهم أفضل من الطبقة النبيلة التي ينتمي إليها هو نفسه - وجهة نظره هذه كانت واضحة في أعمال مثل "موت إيفان إيليتش" (1895) و"الزوج والعامل" (1895).

ومع ذلك، فإن موقف تولستوي لا ينطبق على الفلاحين فقط.  بل قام بانتقاد المجتمع القائم طوال حياته، ونشر قدراً كبيراً من الكتابات الأخلاقية. على الرغم من أن هذه الكتب خيبت آمال أولئك الذين كانوا يأملون في المزيد من الأعمال على غرار أسلوب "الحرب والسلام" أو "آنا كارنينا"، إلا أن كتبه المهمة زودته بالعديد من المتابعين الجدد، الذين قاموا جميعاً بالحج إلى منزله في "جاسناجا بولانجا".

لم يكن عمل تولستوي الأخلاقي والنقدي اجتماعياً بدون تكلفة، على الرغم من أن شدة هذه التكاليف لا تصمد أمام المقارنة مع أولئك الذين أصبحوا فيما بعد كتاباً روس تحت الحكم السوفيتي. في عام 1882 تم حظر "الكتاب المقدس" وفي عام 1901 تم طرد تولستوي من الكنيسة الأرثوذكسية. حدث ذلك على أساس هجوم وجهه ضد نفس الكنيسة في رواية القيامة (1899).

ومع ذلك، لم تكن هذه الهجمات على تولستوي هي التي أنهت حياته، ولكن قتلته أفكاره الأخلاقية. كان تولستوي قد عاش طويلًا كواحد من الفلاحين الذين كان يتطلع إليهم، وتنازل عن امتيازات ممتلكاته وعاش حياة فلاح زاهد، ولكن بحلول عام 1910 لم يعد هذا كافياً. أراد تولستوي أن يعيش فلسفته الزهدية في الحياة تمامًا، وبالتالي غادر منزله عن عمر يناهز 82 عاماً. بعد ذلك بوقت قصير، توفي في محطة سكة حديد تدعى Astapova.

الحرب والسلام - الحب

تبرز كل من "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا" على أنها قمم لا يمكن التغلب عليها تقريباً في السلسلة العالمية للأدب العالمي. ومع ذلك، كان استقبالهم مختلفاً جداً، حيث أنجزت "آنا كارنينا" ما حققته بضعة كتب فقط قبلها وبعدها، وهي أن تحظى بشعبية لدى كل من الكتاب المحترفين وعامة الناس، واكتسبت الحرب والسلام سمعة غير مستحقة لكونها معقدة ولا يمكن الوصول إليها.

قد يكون هذا بسبب حجم الكتاب الذي يزيد عن 1500 صفحة، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المتفرجين (أكثر من خمسمائة) الذين يملأون الكتاب. ومع ذلك، فإن العمل ليس معقداً، وسيجد معظم الناس أنه ليس من الصعب متابعة مسار العمل أكثر من متابعة مسلسل عائلي أمريكي. ومع ذلك، إذا كان هذا يقود المرء إلى الاعتقاد بأن العمل لا يحتوي على أكثر من المسرحية الهزلية، فإن المرء مخطئ تماماً.

الحرب والسلام هي سرد ملحمي لمصير خمس عائلات خلال غزو الإمبراطور الفرنسي نابليون لروسيا. تتم متابعة العائلات لمدة تقارب. 15 عاماً، وينتقل الحدث من الحياة الأسرية للمنازل المعنية، إلى غرف نابليون، والقيصر ألكسندر، ثم إلى ساحات القتال الدموية في "بورودينو وأوسترليتز".

باستخدام أسلوبه البارز في سرد القصص، يوجه تولستوي القارئ بين الأماكن والأشخاص المختلفين، دون أن يفقد أبداً التشويق أو الانعكاس أو النظرة العامة. على طول الطريق، تم توضيح أجزاء كبيرة من فلسفة تولستوي، وخاصة أفكاره حول جوهر الحرب.

على الرغم من التخطيط الماكر والتفصيلي للجنرالات، أظهر تولستوي أن الخطط تستمر فقط طالما كانت على المكتب، لأن الفوضى والصدفة تسود في مسرح الحرب.

صُنع نابليون على وجه الخصوص ليشعر بمفارقة تولستوي الملتهبة عندما تواجه فكرته عن سيطرته الشاملة شبه الإلهية الواقع الكارثي والفوضوي لساحة المعركة.

على الرغم من أن نابليون، كان ناجحاً في المعركة، إلا أن تولستوي يصوره على أنه أحمق، بكل بساطة - ليس بسبب أحلامه الإمبراطورية، ولكن لأنه يعاني من جنون العظمة الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن قدراته العسكرية هي التي يضمن له الانتصار.

في جميع أنحاء الكتاب، تم اختزال رجال التاريخ العظماء إلى أناس عاديين يؤمنون عبثاً بالقدرة على التحكم في أحداث العالم، ولكن يتم الإطاحة بهم مراراً وتكراراً من خلال لعبة الصدف الكونية.

ومع ذلك، ليس فقط الرجال الكبار هم من يخضعون لهذه اللعبة، في الحرب والسلام يوصف الإنسان عموماً بأنه خاضع لمصير لا يمكن تغييره حتى من خلال خطط جيدة بما فيه الكفاية. ومع ذلك، يوضح تولستوي أيضاً كيف أن الإيمان بالإرادة الحرة ضروري لبقاء الفرد، وهو ضروري إذا كان الأمر برمته لا ينتهي بلا معنى.

رواية "الحرب والسلام" ليست مجرد رواية عن ساحات القتال والتخطيط الاستراتيجي. تحت أوصاف مشاهد الحرب، يصادف القارئ فسيفساء رائعة من مشاعر وأفكار أناس يعيشون معاً في صورة زمان وأمة.

رواية "آنا كارنينا" أبسط في هيكلها. على الرغم من أن الراوي يغير وجهة نظره باستمرار، إلا أنها تتمحور حول "آنا" وعلاقتها بزوجها "كارينين" وعشيقها "فرونسكي".

نتبع "آنا" و"فرونسكي" منذ لقائهما الأول، من خلال علاقتهما الإشكالية وحتى النهاية المأساوية، حيث تنتحر "آنا" بعد الشك في حب "فرونسكي" لفترة طويلة.

تم الترحيب بالكتاب كواحد من أعظم روايات الحب في كل العصور، ونُظر إلى "آنا" على أنها بطلة ما قبل النسوية تسعى للتغلب على معاييرها المزدوجة المعاصرة والتقليدية، من أجل تجربة حب عاطفي حقيقي.

ومع ذلك، فإن هذه القراءة ليست سوى واحدة من عدة قراءة ممكنة. "آنا كارنينا" ليست بالضرورة قصة حب رومانسية عن العواطف التي تعلق كل الخيارات الحرة. إذا تمت قراءة الرواية على أساس فلسفة الحياة التي تظهر في جوانب أخرى من تأليف تولستوي، تظهر صورة مختلفة تماماً.

تُلقي وجهة النظر المزدوجة للرواية بظلال من الشك على القراءة الرومانسية، حيث يتم تقديم كل من صورة "آنا" عن نفسها كبطلة رومانسية ووجهة نظر المؤلف الأخلاقية، والتي تُظهر "آنا" الواقعية التي لا تقع بالضرورة ضحية لمجتمع لا يفهمونها، بل يفهمونها باختياراتهم.

تتوافق هذه القراءة مع شعار الرواية: "الانتقام ملك لي" يقول الرب.

عندما تختار "آنا" الخروج عن الأسرة والصدق، فإنها تختار بنفسها النهاية المأساوية بشكل غير مباشر. الانتقام من مقدمة الكتاب المقدس يصيب "آنا" بالحزن على وضعها الذي لا يطاق والشك في حب العاشق الذي يؤدي إلى الانتحار. هكذا يمكن قراءة الرواية كرواية حب تقليدية وكرواية واقعية عن امرأة، كما قال "جاري سول مورسون" Gary Saul Morson في كتابه "أعتقد أنها جزء من رواية حب".

مثل "الحرب والسلام"، إن "آنا كارنينا" هي رواية نفسية بارعة. على الرغم من أن مصطلحات "آنا" تختلف اختلافًا جوهرياً عن مصطلحات نساء اليوم، إلا أن انقسامها بين حب العائلة والعاطفة للحبيب ليس غريباً علينا اليوم. تُشجع الرواية القارئ على اتباع نهج نقدي تجاه أسطورة الحب الشامل ومسألة الأقدار ضد الإرادة الحرة.

سوناتا كروتزر Kreutzer-sonaten

على الرغم من أن رواية "الحرب والإسلام"، و"رواية "آنا كارنينا" هما الروايتان الوحيدتان اللتان حققتا شهرةً واسعةً، وتوزيعاً عالمياً، إلا أن تولستوي كتب أيضاً كتباً ممتازة أخرى.

على وجه الخصوص، فإن كتابه "سوناتا كروتزر" Kreutzer sonata (1890) الذي نوقش كثيراً، هي رواية مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بمناقشة مكانة "آنا كارنينا" كرواية حب.

تم تسمية Kreutzer sonata على اسم عمل بيتهوفن الموسيقي من عام 1802 والذي يحمل نفس الاسم وهو منظم كسرد إطار على متن قطار. حيث تناقش مجموعة من الركاب المتنوعين مؤسسة الزواج. خلال هذا النقاش، يروي البطل قصة رجل يدخل في زواج متسرع على أساس هوس جنسي وينتهي به الأمر بقتل زوجته في نوبة غيرة عاطفية.

أثارت الرسالة الرئيسية للرواية حول الامتناع عن ممارسة الجنس - أيضاً في إطار الزواج، عاصفة من الجدل في ذلك الوقت، ولا تزال الاتهامات المعادية للمرأة بأن المجتمع بشكل عام والنساء بشكل خاص يؤججون غرائز الرجال الجنسية عن قصد، استفزازية.

ومع ذلك، فإن رسالة الكتاب تسير جنباً إلى جنب مع الدعوة إلى الزهد والامتناع عن ممارسة الجنس. وفي المجالات الأخرى أيضاً غير الجنسية الموجودة في بقية كتابات تولستوي الأخلاقية، دفعته في النهاية إلى ترك كل من ممتلكاته وعائلته.

من أين نبدأ؟

كما ذكرنا سابقاً، فإن مؤلفات تولستوي كثيرة واسعة. ومع ذلك، هناك سبب يجعل "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا" هما الكتابان اللذان حققا شهرة عالمية. في هذه الروايات يرى المرء بوضوح ما يسمى بواقعية تولستوي ثلاثية أو رباعية الأبعاد، تماماً كما هو الحال عندما يجد المرء أكثر الشخصيات ومسارات العمل حيوية وتعقيداً.

عندما تقرأ روائع تولستوي، فإنك تنغمس في عالم يلبي كل من احتياجاتك الأساسية للتشويق والرومانسية والمكائد، فضلاً عن مواجهة التحدي الفكري والأخلاقي. ومع ذلك، فإن بقية مؤلفات تولستوي تستحق أيضاً التعرف عليها.

في "حكايات من سيفاستوبول"، يحصل المرء على نظرة ثاقبة لحرب القرم، والتي لم تتم رؤيتها بشكل أفضل بكثير، وفي الدراما تم التعليق على مسرحية "قوة الظلام" (كُتبت عام 1886، ولكن لم تتم تأديتها حتى عام 1895) كما في والعاطفة والقوة المدمرة للرغبة.

إذا كان المرء مهتماً بكتابات تولستوي الأخلاقية ومواجهتة للكنيسة، وانتقاده المسيحية، يمكن أن أوصي بقراءة كتب "الرب يرى الحقيقة لكنه يمهل" و"مملكة الرب داخلك" بصورة خاصة. وفيما يتعلق بمناقشة الأدب والفن العالميين، فإن الأطروحة الاستفزازية هي "ما هو الفن؟" فإنها تستحق القراءة أيضاً.

بشكل عام، إن مؤلفات تولستوي لا يمكن اختيارها من خلال تحديد موضوعات الأسئلة الأخلاقية، لأنها تحرك العقل، في حين أن فن الكتابة المثالي يثير إحساس المرء بالجمال والمتعة الجيدة.

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

محمد الاحبابيتكرار العبارة:

ونقصد بـه (تكرار جزء من جملة أو شبه جملة) أي أن يكرر الشاعر جزءًا من جملةٍ تكرارًا فنيًا موحيًا، بحيث يترك هذا النوع من التكرار صداه وأثره النفسي والجمالي الجذاب أكثر من تكرار الكلمة ذاتها، والجدير بالذكر أن هذا التكرار يتخذ عند شعراء الحداثة أشكالاً متعددة:(كالتكرار الاستهلالي، والتكرار اللزومي، والتكرار الختامي) (1)، لأن الشاعر، في هذا النوع من التكرار، يترك الجزء الآخر المتمم للجملة مفتوحاً ومتغيراً على الدوام، ومن المعروف ان التكرار لا يقتصر على حرف أو مفردة، إنما يمتد إلى تكرار عبارة معينة في القصيدة، وربما تكون هذه العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنص فضلا عن المهمة النغمية التي يؤديها التكرار، وهذا النوع من الصور الشائعة في الشعر العراقي ولكنه أقل من تكرار الكلمة.

ويظهر تكرار العبارة في النّص الشّعري إذا تردّدت الجملة الواحدة في أكثر من سطر شعري، وبتكرار العبارة يستمتع البصر بالإيقاع وبالزخرفة الصوتية الناتجة عن التكرار وبه يُطرب السّمع فضلاً عن دوره الوظيفي المتمثل في إضاءة اللفظة أو العبارة المقرونة به، والمتغيرة في كل مرة، (فالشاعر قديماً كان يتخذ من العبارة المكررة في الشطر الواحد من البيت مرتكزا لإضافة معنى جديد يدعم به فكرته الأساسية، على حين أن الشاعر الحديث يكرر العبارة في صدر البيت أحيانًا، لينطلق منها إلى تتبع جوانب المعنى الواحد واستقصاء مظاهر التعدد كما يراها بعين خياله) (2) .

فالتكرار يعمل على تحقيق (فكرة الانتشار التي تعمل على استغلال المكان وتضفي على الفضاء أشكالاً هندسية كالتوازي والتعامد والتناظر والامتداد والتماثل والتوازن) (3) ، يُعدُّ تكرار العبارة تكرارًا قائمًا على الشكل الخارجي للنّص الشعري، إذ يقوم الشاعر بتكرار كلمة أو عبارة، تخضع لنوع من الهندسة اللّفظية الدقيقة، ويهدف من ورائها إلى توجّيه القصيدة في اتجاه معيّن أو لتأكيد موقف ما، و(لأنّ العبارة المكرّرة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة إلى درجة غير عادية، تغني الشاعر عن الإفصاح المباشر، وتصل القارئ بمدى كثافة الذّروة العاطفية عنده) (4) .

ويحتاج تكرار الترکيب إلى مهارة ودقّة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه، فيكون في مكانه اللائق، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات؛ لأنّه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت، وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيريّ، يعدّ تكرار الكلمة في النصّ، وتكرار الجملة في السياق ذا أثر عظيم في توافر الجانب الموسيقيّ، ولهذا التكرار من القيمة السمعيّة ما هو أكبر ممّا هو لتكرار الحرف الواحد في الكلمة أو في الكلام(5) ، وربما تكون العبارة هي المرتكز الأساس الذي يقوم عليه البناء الدلالي للنص فضلًا عن المهمة النغمية التي يؤديها التكرار وهذا النوع نجده حاضرًا في قصائد كثيرة .

ونلحظ ذلك في قصيدة يحيى السماوي (أخرجوا من وطني) يقول:(6)

فاخرجوا من وطني المذبوحِ شعباً

وبساتينَ

وأنهاراً وطينْ

وأتركونا بسلامٍ آمنينْ

نحن لا نستبدلُ الخنزيرَ بالذئبِ

ولا الطاعونَ بالسلِّ

وموتاً بالجذامْ

فاخرجوا من وطني ...

خوذة المحتلِّ لا يمكن أن تصبح عشاً للحمامْ

فاخرجوا من وطني ...

والدم المسفوحُ لن يصبحَ أزهارَ خزامْ

فاخرجوا من وطني....

يكرر الشاعر جملة (اخرجوا من وطني) في القصيدة ثمان مرات، وهذا التكرار لا يأتي في أسطر متوالية، إنما يأتي متباعداً في شكل منسق لتمثل الجملة المتكررة نقطة مركزية الدلالة، وهذه الجملة تعتبر من مفاتيح القصيدة، فإنّ السماوي عَمِدَ إلى تكرارها ؛ ليركز المعنى المتصل بعنوان القصيدة في ذهن المتلقي، كما جاء تكرار هذه العبارة منسجمًا مع الجو النفسي للشاعر أثناء حزنه على وطنه، وهذا التكرار يُشَكِّل ظاهرة واضحة لدى الشاعر (7) ، وإن أهم ما يلفت النظر في شعر السماوي محاكاة الشاعر للأساليب القرآنية، حيث تَفَنَّنَ الشاعر في اقتباس اللفظة الواحدة أو اللفظتين بالدلالة القرآنية نفسها، كما في قوله (بسلامٍ آمنينْ ) والتي اقتبسها من الآية القرآنية ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ٤٦﴾ (سورة الحجر، آية 46) فتكون في النص بارزة بشكل واضح يكسب السياق جمالاً فنياً .

ويقول يحيى السماوي في مقطع آخر: (8)

كفاكِ هذا العارْ

كفاكِ هذا العارْ

يا أمَّةَ الله انهضي ..

كفاك هذا العارْ

من قبل أن يُطبقُ ليلُ القهرِ بالدُجى

على بقية النهارْ

يخاطب الشاعر الأمة العربية بتكرار جملة (كفاك هذا العار) في عدة مواضع، فهو يرفض الاحتلال المخادع الذي ابتلع فلسطين والجولان والآن يبتلع العراق، حيث يستدعي الآية القرآنية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ١١٠﴾ (سورة آل عمران، آية 110) ويستعجل الشاعر التمرد والثورة على المحتل قبل أن يطبق ليل القهر والظلام على كل الوطن، وتكمن الدّوافع النّفسية لهذا النّوع من التكرار في تحقيق النّغميّة وتكثيف المعنى (لأنّ للتكرار المقطعي خفّة وجمالاً لا يخفيان ولا يغفل أثرهما في النّفس، حيث إنّ الفقرات الإيقاعية المتناسقة، تشيع في القصيدة لمسات عاطفية وجدانية يفرغها إيقاع المفردات المكرّرة بشكل تصحبه الدّهشة والمفاجأة) (9) وينبع نجاحه من قدرته على إيقاف معنى، وملاءمته لاستئناف معنى جديد، والجدير بالذكر ان هناك المزيد من الشواهد لتكرار العبارة عند يحيى السماوي. (10)

جمال التكرار:

إنّ للتكرار خصوصية جمالية تضفي علی القصائد الحداثية إيقاعًا تكامليًا تفاعليًا يسهم في تحقيق النغم الموسيقي الذي غاب عنها، ولكونه العنصر الأساس في تماسك القصيدة وتفاعلها إيقاعياً فلابد أن يكون أساسًا في إغنائها ويتغلغل بدواخلها النفسية والدلالية (11) ، وقد يتجاوز التكرار الوظيفة التأكيدية التقريرية ليصبح تقنية جمالية ودلالية تختلف درجتها وطريقتها من شاعر لآخر (12) ، فالشاعر المعاصر حاول قدر المستطاع تجاوز الحدود التقليدية للوزن والقافية، متجها نحو التكرار وسيلة ورافدًا من روافد التعزيز لرفع صدى المستوى الموسيقي وفي الوقت نفسه باعثاً من بواعث الإثارة والشدّ نحو القضية التي آمن بها الشاعر، فالإيقاع الصوتي الذي يصنعه تكرار جرس الحروف والكلمات، يُعدّ باعثاً من بواعث إظهار القيمة الفكرية والنفسية التي يعبر عنهما من جراء العناية بتكرار لفظة معينة أو مقطع معين (13) .

ولأن( التكرار من أكثر الأدوات البلاغية استخدامًا في الخطاب العربي و ذلك لما له من تأثير على مشاعر المتلقي العربي الذي يتذوق المعنى و يتفاعل مع المرسل من خلال الأساليب التي استخدمها في الخطاب والتواصل معه و قدرته على استخدامها) (14) .

والتكرار ليس ضرورة بنائية وحسب، يأتي بها الشاعر للانبهار اللغويّ، وإنما هو بنيةٌ نصيّةٌ تُلقي بأشعتها اللافتة ظلالاً على المواقف الدلالية التي توزع شبكة خيوطها حول الكلمات المكررة، ولهذا أفاض شعراء مرحلة السبعينيات في استخدام التكرار تعبيراً عن فيض أحاسيسهم وكشفاً عن رُؤاهم الفكرية (15) .

فالتكرار يشد النص ويفضي إلى تلاحم بنيانه، وتفعيل موسيقاه، وترشيد استهلاك المتلقي في فهم الغرض، أو الفكرة التي من خلالها يسترعي انتباه من يهمه الأمر الذي لا يحتمل التأخير، ودافع من دوافع الشدّ الآني للموقف، لأنه على الفور سيتصور موقف الشاعر وحالته الوجدانية ومدياته الشعورية التي لجأ إلى التكرار كوسيلة للبوح بها واستنهاض مكامن القراءة الواعية، فضلاً عما ينتجه من فضاءات دلالية في النص(16) ، إذ يتميز التكرار في الشعر الحديث عن مثيله في الشعر التراثي بكونه يهدف بصورة عامة (إلى اكتشاف المشاعر الدفينة، وإلى الإبانة عن دلالات داخلية فيما يشبه البث الإيحائي، وإن كان التكرار التراثي يهدف إلى إيقاع خطابي متوجه إلى الخارج، فإن التكرار الحديث ينزع إلى إبراز إيقاع ادرامي ) (17) .

ويمكننا القول إن سر نجاح كثير من القصائد الحداثية يعود إلى هذه القيمة الفنية التي أغنت العديد من قصائد الشعراء الجُدد، ونشير هنا إلى بعض مواطن التكرار في شعر الشعراء الحداثيين، من ذلك قصيدة بدر شاكر السباب فقد اعتمد فنيًا ومعنويًا على التكرار في قصيدته الشهيرة (أنشودة المطر) وقد تكررت كلمة مطر بترتيبية معينة تخدم السياق والمعنى وقد تكررت كلمة مطر فيها(26) مرة (18) ، أما قصيدة نازك الملائكة (أنا) فقد تكرر الضمير (أنا) ثلاث عشرة مرة (19) ، وفي قصيدة (البحث عن وردة الصقيع) للشاعر صلاح عبد الصبور، كرر(أبحث عنك) في قصيدته هذه تسع مرات (20) وقد وظف الشاعر نزار قباني التكرار في أغلب قصائده ومن هذه القصائد (قصيدة الحزن) حيث جعل جملة (علمني حبك) مطلعاً لكل مقطع (21) ، أما الشاعر أمل دنقل فقد وظفه في كل مستوياته بدءاً من تكرار الحرف وانتهاء بتكرار الجملة مثل قصيدته (الحداد يليق بقطر الندى) فقد كرر العبارة الافتتاحية (قطرُ الندى) اثنتي عشرة مرة في تضاعيف القصيدة (22) . فالتكـرار رسـالة دلاليـة غـير صـريحة، رسـالة لا تحملهـا الأبيـات مباشـرة ولا تؤديها مفردة بعينها، فهو يقوم بدوره الدلالي عبر التراكم الكمي للكلمة أو للجملة أو للحرف وبالتالي يعمق أثر الصورة في ذهن المتلقي (23) .

فقد أحتلتْ الدراسة الشّعريّة للقصائد آنفة الذكر منزلةً بارزةً في الدّراسات النّقديّة الحديثة، إذ راحتْ تلك الدّراسات تفتّش عن سرّ خلود نصوص إبداعيّة دون سواها، فبحثت في القوانين التّي جعلت من النّصّ الإبداعيّ نصًّا أدبيًّا، ومن أجل ذلك كان لابدّ من سبر أغوار النّصّ، ودراسة ظواهره الفنّيّة لاستنباط القوانين الجماليّة التّي شكّلت شعريته، ومن تلك الظّواهر ظاهرة التّكرار الفنّيّ، إذ يرتبط التكرار بالشعر ارتباطًا وثيقًا، وهو سمة فيه، وبخاصة ما كان منه موزونًا، وما الوزن إلاّ تكرار لتفعيلة ما، يلتبس بها الكلام، وأنه أهم ملمح على الإطلاق للّغة الشعرية في كثير من اللّغات، وقد يكون على مستوى الصوت والتركيب النحوي والكلمة كذلك لذا يُعدُّ التكرار وسيلة من الوسائل المتبعة لتمرير أفكار الشاعر إلى جمهوره واختصارًا للوقت في إظهار الحقائق أو نقلها إلى السامع أو المتلقي. (24)

2- أنماط التكرار:

للتكرار إيقاع تعبيري فريد في بنية القصيدة، التي تقوم على تكرار السمات الشعرية، واستعمالها مرات متعددة في النص بشكل تأنس إليه النفس التي تتوق إلى معرفة ما وراءه من دلالات مثيرة(25) وهذا ما جعل أذهان النقاد تنفتح على بعض الأشكال التكرارية التي يتم استخلاصها من خلال الدراسات التطبيقية على بنية اللغة الشعرية في العصر الحديث(26) وسنحاول من خلال هذا البحث أن نذكر بعضًا من هذه الأنماط المجسدة ضمن شعر شعراء السبعينيات في العراق.

المبحث الأول

التكرار الاستهلالي:

إن الاستهلال الشعري هو أول لَبنَة في بناء القصيدة شكلاً ومضمونًا، ذلك مع الإقرار باستواء العناصر الأخرى للقصيدة، في تحقيق الأثر المطلوب الذي يتوخاه الشاعر، ويسمى كذلك تكرار البداية، حيث يشكل منطلقاً دلاليًا وإيقاعيًا يرتكز عليه الشاعر من خلال توظيفه لفعل أو كلمة أو شبه جملة أو عبارة في بداية النَّص تتكرَّر عبر كافة مراحله بالصيغة نفسها أو بصيغ متشابهة مما يولِّد حالة إيقاعية يستقبلها المتلقِّي لها آثارها ودلالاتها و أبعادها (27) .

وتشترط نازك الملائكة في التكرار الاستهلالي أن یحقّق توافقًا وتناسقًا داخل المقاطع الشعرية فـ( یوحّد القصيدة في اتجاه یقصده الشاعر إلّا إذا كان زیادة لاغرض له) (28) ، تشكل الجملة الاستهلالية مدخلاً للقصيدة، وتحمل ذروتها أو إحدى ذراها الأساسية، وهو (تكرار الكلمة أو العبارة الأولى في أبيات أو جمل متتالية لغرض بلاغي) (29) من هنا جاءت هذه الجمل ذات كثافة إيحائية عالية، وكما يعرّفه الغرفي ( هو نمط تتكرّر فیه اللفظة أو العبارة في بدایة الأسطر الشعرية بشكل متتابع أو غیر متتابع) (30) وحدده الدكتور محمد صابر عبيد: (بالضغط علی حالة لغویة واحدة، وتوكيدها عدّة مرّات بصيغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلی وضع شعري معین قائم علی مستویین رئيسين: إيقاعي ودلالي ) (31) ، بعبارة أخری، أنّ التكرار الاستهلالي هو التركيز على كلمة أو جملة من خلال تكرارها عدّة مرات، وعند دراسة التكرار في الشعر العراقي مرحلة السبعينيات نلحظ أن الشعراء يعمدون إلى تكرار مفردة أو جملة معينة في مستهل قصائدهم للإيحاء بأنها قد تشــكل محورًا تعبـــيريًا بارزًا فيها، وينتـــج عن هذا التــكرار بعــدان صوتي ودلالي .

وفي قصيدة (التمييز) التي تتسلط اللغة فيها لتعالج مشكلة الاستبدال عبر استنطاق الأنموذج في النص الشعري بتكرار استهلالي كما في قصيدة يحيى السماوي: (32)

كيف لي أن أميّز

بين سيف " عروة بن الورد " وسيف " هولاكو"

بين " عمامة الحسن البصري " و" قلنسوة تيمور لنك "..

بين " الحرّ الرياحي " و " زياد بن أبيه "

بين لحية مخضبة بالديناميت

وأخرى محناة بدموع النسك

بين البرتقالة والقنبلة

بين " العربي " و " العبري "

بين " سيجار جيفارا " و " مسواك السياف "

بين الخيط الأبيض والأسود .

إن الشاعر يضعنا هنا أمام سلسلة من التكرارات الاستهلالية من خلال أداة الاستفهام (كيف) وقد خرجت أداة الاستفهام إلى معنى مجازي وهو التعجب، وكرر لفظة (بين) ثمان مرات وهو ظرف مكان، يبدو لي أن الشاعر في تساؤلاته المتكررة، يعرف الإجابة بدقة وعمق، من خلال توظيفه لهذه المقاطع المشتركة في الألفاظ والمتناقضة في معانيها، فسيف ابن الورد كان يسله ويستعمله من أجل توفير الطعام للفقراء والمعوزين، ففي هذا الاستعمال تتجلى أبهى معاني المروءة والفروسية العربية، أما سيف هولاكو فيمثل القتل والتدمير والخراب، فالشاعر يعرف كل ذلك وأكثر فهو ليس في حيرة فيما يتساءل عنه، إنما يريد بهذا الأسلوب الإثارة وجلب انتباه المتلقي، وبتكرار حرف العطف(الواو) قد ربط البنية وجعلها أكثر تماسكاً. وكذلك فهو يعرف ماذا تمثل عمامة الحسن البصري، هذا الزاهد والعالم من جيل التابعين، فشتان بين عمامته وما ترمز إليه من التدين والإيمان والزهد والحكمة والعدل، وبين قلنسوة (تيمورلنك) الذي لم يحدثنا التاريخ عن رجل أظلم وأقسى منه، فما فعله بأهل بغداد يفوق التخيل، من حيث البطش والقتل والدمار.

"يتبع"

 

د. محمد الأحبابي

......................

* من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الحديث .

(1) الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، خلود ترمانيني، ص121.

(2) النظم وبناء الأسلوب في البلاغة العربية، شفيع السّيد، دار غريب للطباعة والنشر، ط1، القاهرة، 2006م، ص 143.

(3) البنية الإيقاعية للقصيدة المعاصرة في الجزائر، عبد الرحمان تيبرماسين، دار الفجر للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 1998م، ص 227.

(4) التكرير بين المثير والتأثير، عز الدين علي السّيد، ص 298.

(5) انظر، المرجع نفسه: ص 80 .

(6) ديوان (نقوش على جذع نخلة) ، يحيى السماوي، دار التكوين، دمشق، ط2، 2007 م، 7-11.

(7) انظر المزيد في ديوان( قليلك لا كثيرهن) ص،43، 53، 94، وانظر ديوان (أطفئيني بنارك ص 5، 41، 44، 47، 81، 92 .

(8) ديوان( قليلك لا كثيرهن) يحيى السماوي، ص153 .

(9) - الشعر العربي المعاصر (ظواهره وقضاياه الفنية)، عز الدين إسماعيل، دار الفكر العربي، د. ط، 1978م، ص 166.

(10) انظر، ديوان ( قليلك لا كثيرهن) ، ص53، 65، 70، 94، 112 .

(11) انظر، آفاق شعرية، دراسة في شعر يحيى السماوي، عصام شرتح، دار الينابيع، دمشق، (د-ط) ، 2011م، ص157 .

(12) انظر، أساليب التكرار في ديوان (سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا) لمحمود درويش، عبد القادر علي زروقي، جامعة الحاج لخضر، الجزائر، 2012م، ص 18.

(13) انظر، التكرار بين المثير والتأثير، عز الدين علي السيد، ص 84 .

4- مدخل إلى التحليل اللساني للخطاب الشعري، نعمان بوقرة، ص38 .

(15) التكرار في شعر العصر العباسي الأول: خالد فرحان البداينة، أطروحة دكتوراه، جامعة مؤتة، 2006م،.

(16) -انظر، فاعلية التكرار في النص الشعري الرثائي شعر الخنساء أنموذجاً، د عائشة انور عمر، مجلة آداب الفراهيدي، العراق، العدد18، 2014م، ص129 . وانظر الإعجاز التعبيري في سورة الواقعة (التماسك النصي أنموذجاً) د حسين علي هادي، كلية الدراسات القرآنية، جامعة بابل، 2017م، العدد4، 7/ 107.

(17) لغة الشعر، قراءة في الشعر العربي الحديث، رجاء عيد، منشأة المعارف، الإسكندرية، (د-ط) ، 1985م، ص 60 .

(18) الأعمال الشعرية الكاملة، بدر شاكر السياب، ديوان انشودة المطر، 1 /262 - 263.

(19) نازك الملائكة: ديوان عاشقة الليل، دار العودة، بيروت، 1997م، 2 / 114-115.

(20) الأعمال الشعرية الكاملة، صلاح عبد الصبور: ديوان ( شجر الليل) ، دار العودة، بيروت،ط2، 1977م، 3/ 457

(21) الاعمال الشعرية الكاملة، نزار قباني، منشورات نزار قباني،بيروت، لبنان (د-ت) ، 1/701- 707 .

(22) الأعمال الشعرية الكاملة، أمل دنقل، مكتبة مدبولي، ط2، 2005م، ص 203 -204 .

(23) انظر،أساليب التكرار في ديوان العالم تقريبا، فيصل الأحمر، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الآداب واللغة العربية، سليمة جيدل، جامعة محمد خيضر، الجزائر،2015م، ص 1 .

(24) - انظر، قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص238 . وانظر، قراءة الشعر بين النظرية الشكلية وآفاق الاتجاهات الأسلوبية،إبراهيم السيد، مجلة علامات، جدة، 2001 م، 10 / 155 .

(25) - انظر، حركة الإيقاع في الشعر العربي المعاصر، حسن الغرفي، افريقيا الشرق، بيروت، لبنان (د-ط) ، 2010م، ص81.

(26) - انظر، جماليات التكرار في الشعر السوري المعاصر، عصام شرتح، ص62.

(27) انظر، الاستهلال في شعر غازي القصيبي، معيض عبد الكريم الشيخ الذيابي البندري، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، 2012م،ص18.

(28) قضايا الشعر العربي المعاصر: نازك ملائكة، ص269 .

(29) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مجدي وهبة و كامل المهندس، ص118 .

(30) حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر: حسن الغرفي، ص81.

(31) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالیة والبنية الإیقاعیة، محمد صابر عبید، دمشق، اتحاد کتاب العرب، (د-ط) ،2001م، ص 161.

(32) ديوان (شاهدة قبر من رخام الكلمات)، يحيى السماوي، ص 46 – 47 .

 

 

محمد الاحبابيمستويات التكرار

للتكرار أنواع وأساليب فهو ينقسم إلى قسمين تكرار بسيط وأخر مركب، أما التكرار البسيط، فيخص تردد الكلمة (حرفًا أو فعلًا أو اسمًا) دون مراعاة السياق الذي وردت فيه، وأما التكرار المركب فيخص تردد السياق (جملة أو عبارة)، وسوف أعرض التكرار البسيط مبتدئين بالحرف، فالكلمة وكذلك العبارة، ثم نعرج على التكرار المركب مُبْرزين في كل ذلك أهم الدلالات التي يجلبها، حيثُ وَظَفَ الشعراءُ التكرارَ البسيط توظيفاً مكثفاً مقارنةً بنظيرهِ التكرار المركب، ويرد التكرار البسيط في موضعين متقاربين أفقياً وعمودياً، إلّا أن التكرار الذي يرد أفقيًا أكثر تواترًا من التكرار الذي يرد عموديًا (1)، وسوف نُمَثِل لظاهرة التكرار البسيط بدايةً بتكرار الحرف، محاولين إبراز دلالته وغايته  الجمالية . وكما يقول صلاح فضل (يمكن للتكرار أن يمارس فعاليته بشكل مباشر، كما أنَّ من الممكن أن يؤدي إلى ذلك من خلال تقسيم الأحداث والوقائع المتشابكة، إلى عدد من التمفصلات الصغيرة، التي تقوم بدورها في عملية الاستحضار) (2)

المبحث الأول: تكرار الحرف

لقد أهتم القدماء بالأصوات، فقد أخذت حيزاً واسعاً من تفكيرهم اللغوي وعملوا على تحديدها وطرائق نطقها، يقول ابن جني(إعلم أن الصوت عرض يخرج من النَفَس مستطيلاً متصلاً، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته،فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها) (3) .

وقد يسهم تكرار الحروف في نسج النص، متجاوزاً دوره الصوتي إلى درجة يتعدى فيها الحالة الموسيقية أو جرس القصيدة، ليدخل في بنيتها، وربط الجمل فيما بينها، أي يكون لتكرار الحروف دور بنيوي يتعدى الحالة الموسيقية ليدخل في تركيبها (4) وهذا يدلنا أن (التكرار لا تقتصر وظيفته على تلخيص الغرض، أو توكيده بهدف التأثير في المتلقي وتنبيهه، ولا على اعتباره لازمة تفصل المقطع عما يليه، وإنما يؤدي التكرار دورًا بنائيًا داخل بنية النص الشعري بوصفه يحمل وظيفة إيقاعية وتعبيرية، الغرض منها الإعلان عن حركة جديدة تكسر مسار القراءة التعاقبية، لأنها توقف جريانه داخل النص الشعري، وتقطع التسلسل المنطقي لمعانيه، وهذا كله يتطلب البحث عن عمق الدلالة النفسية لأثر التكرار في تحقيق جمالية النص وقوته البلاغية) (5)

يُعدُّ تكرار الحرف عند شعراء العصر الحديث ظاهرة فنية تبعث على التأمل، والاستقصاء ولاسيما إذا أدركنا أن تكرار الحروف  ينطوي على دلالات نفسية معينة، منها التعبير عن الحزن، والغربة، والقلق، فهو يدلُّ على الحالة الشعورية لدى الشاعر، وطبقاتها النغمية ضمن النسق الشعري الذي يتضمنه (6)، وأبرز ما يحدثه من أثر في نفس السامع أنه (يحدث نغمة موسيقية لافتة للنظر لكن وَقْعها في النفس لا يكون كوقع تكرار الكلمات، وأنصاف الأبيات، أو الأبيات عامة، وعلى الرغم من ذلك فإن تكرار الصوت يسهم في تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية)(7) ومعرفة ما تحمله من مضامين فكرية.

وأنّ لكل حرف مخرجه الصوتي وصفاته التي تميّزه عن غيره، (فالتكرار الحرفي هو أسلوب يكرّسه الاستعمال اللّغوي لمحاكاة الحدث بتكرير حروف الصيغة مع ما يصاحب ذلك من إبراز الجرس)(8) وتكرار الحرف يعطينا المقدرة على المعرفة بالأصوات والتهيؤ لسماعها واستقبالها، إنه عنصر معلوم في إحساسات سمعية لدى المتلقي، مما يتيح للأذن التوازن مع الايقاعات الخارجية (9) .

وتكرار الحرف يُعدُّ من (أبسط أنواع التكرار، وأقلّها أهمية في الدّلالة، وقد يلجأ إليه الشعراء بدوافع شعورية لتعزيز الإيقاع، في محاولة منهم لمحاكاة الحدث الذي يتناولونه، وربما جاء للشعراء عفواً أو دون وعي منهم)(10)، ولتكرار الحرف: يلجأ بعض الشعراء إلى التنويع في الإيقاع الداخلي بنصوصهم الشعرية، عن طريق استثمار بعض الأصوات أو الحروف، يعمد إلى تكرارها بشكل لافت للنظر، وإلى توزيعها على مساحة صغيرة أو كبيرة في النص الشعري، وقد يضيف إليها بعض الأصوات التي تماثلها في صفاتها الصوتية، فيعطي نصه إيقاعاً خاصاً قد يثير الدهشة في نفس المتلقي ويسهم في تلوين الإيقاع(11).

وقال عز الدين السيد عن تكرار الحرف في كتابة التكرير بين المثير والتأثير: (لتكرير الحرف في الكلمة ميزة سمعية وأخرى فكرية الأولى ترجع إلى موسيقاها والثانية إلى معناها)(12)،وقال كذلك إبراهيم أنيس عن تكرار الصوت أنه (ظاهرة طبيعية ندرك أثرها قبل إن ندرك جوهرها)(13)، وقدعَرَّفه أحمد مختار عمر حيث قال (إن الأصوات هي اللبنات الأولى التي تشكل اللغة أو المادة الخام التي يبنى منها الكلمات والعبارات)(14) .

ولتحديد بروز هذا النوع من التكرار في قصائد شعراء العراق في مرحلة السبعينيات، عمدتُ إلى دراسة دواوين شعراء المرحلة، وتحديد أنماط ومستويات وبواعث التكرار فيها، فهي واحدة من أهم التقنيات التي اعتاد أن يستخدمها الشعراء مثل أديب كمال الدين حتى سُميَ شاعر الحروف وخزعل الماجدي ويحيى السماوي ومعد الجبوري وغيرهم من الشعراء، وطوروها  بشكل واضح، وهذا ما يُسمى تقنية (الوحدة والتكرار)، التي يطرح الشاعر من خلالها فكرة شعرية واحدة في نفس النص، تنشأ وتنمو من خلال حروف متكررة ومتسلسلة بالمنطق الشعري المثير.

وفي هذا المقطع يبرع الشاعر يحيى السماوي في عملية الاستبدال حيث يُستبدل بكل ما هو أصيل وراسخ في الوجدان الشخصي والجمعي من معاني الشرف والجمال والقداسة، وما هو دنيء وقبيح وموغل في الدنس كما جاء في قصيدة (اطلقوا سراح وطني من الاعتقال) حيث اهتم الشاعر الوطني بدعوة الشعوب إلى التحرر من الاستعمار والدفاع عن الأوطان وبذل النفس من أجلها، وفضح جرائم المستعمر وتهديده، والتمرد عليه حيث يقول (15):

إستبدلوا:

بكوفيتي خوذة

بحصاني دبابة

بحديقتي خندقا

بنخيلي أعمدة كونكريتية

بأساوري قيودا

بـ " زهور حسين " " مادونا "

بالقرآن مجلة ستربتيز

ودماً بمياه الينبوع

وساندويشة ماكدونالد بخبز أمي

ويحكم الشاعر قبضته على التكرار الحرفي المعبّر عن الموجات الانفعالية الصاخبة حين يتحول بعد سبعة استخدامات لجمل تبدأ بالباء (الاستبدالية) المكانية، بجملة إضافة تبدأ بالواو (الزمانية) ؛ ليخلق انفتاحًا شاسعًا مدويًا بعد طول احتباس – وتوصيفًا للمكان والزمان لحرفي الباء والواو، فقد تكرر حرف (الباء) ثمان مرات فلتكرار الحرف في هذا النّصّ وظيفة تعبيريّة متناغمة مع الدّلالة التّي قصدها الشّاعر، لكن المفارقة التي تصدم تجربته في صميمها تتمثل في أن من جاءوا بالاحتلال يتصورون أنهم قد أطلقوا سراحه في الوقت الذي حبسوا فيه البلاد بكاملها .

وقد عمق  يحيى السماوي حدث السلام، والمحبة في أكثر من موقع، مؤكدًا نظرته الوجودية السامية وحسه الإنساني والشعوري النبيل، ليعكس ما في الداخل إلى الخارج، بمصداقية واضحة مقرونة بإحساس عاطفي سامٍ بالوجود، والإنسان، والكون، فالتكرار كان من أهم العناصر في تماسك المعنى وانسجامه، حيث يقول: (16)

العيدُ عِندي:

أنّ يملـُـكَ كُلُّ طفلٍ:

الدُميةَ ... الأرجوحَةَ ... والحقيبةَ  المدرسية..

وكُلُّ عاشِقٍ:

منديلَ مَسَرَّتِهِ... قيثارَتَهُ..

وحديقة  نجواه...

أنْ تكُفَّ نواعيرُ الدمِ عن الدوران...

وأنْ تغدو أرغفةُ  الجِياعِ أكبرَ من الصحنِ..

والصحنُ أكبرَ من المائدة...

وأن يتطهَّرَ بُستانُ الوطَنْ...

من خنازير الاحتلال !

هذه القصيدة هي ارتدادٌ مرجعي لمثيرات الطهر، والصفاء الوجودي، وليس القتل والدمار، وهذه الخصيصة لدى الشاعر في سرد الحدث، وتعميق الرؤية، وهكذا يؤسس السماوي مثيرات قصيدته على مركز الحدث، وتكثيف المشهد الشعري وبلورة مغزاه الفني، لذا جاء التكرار في لفظتي (أن، الواو) منسجمًا  في السياق الكلي للقصيدة، واستخدم الشاعر أسلوب: الواو + أن + الفعل المضارع، استطاع صنع دلالة إيقاعية متصاعدة ترصد حالة الخيبة الشديدة بدلالات جديدة، وكرر الشاعر حرف الجر(من) ثلاث مرات، وهذا الذي يتمنى الشاعر تحقيقه بحياة أفضل للعراقيين، وأن يتحقق الأمل وهو تحرير الوطن وفي صور إنسانية رائعة على بساطة تراكيبها، لكنها ذات دلالات إنسانية ووطنية وأخلاقية رائعة وفيها تجريم للمحتل وقد أحسن الإحسان كله عندما وصفهم بالخنازير.

وفي قصيدته (في ليلة الميلاد) يقول: (17)

حبيبتي

في ليلة الميلادْ

كتبتُ عن تفاهة الميلادْ

وعن سنين الجوع والجرادْ

في القدس . .

في عمان . .

في بغدادْ !!

وعن ربيع الموت والرمادْ

عن قلعة السجون والجلاّدْ

عن وطن يحكمه الأقزام

نرى في المقطع صوراً فنية موسيقية وواقعية تؤطر بإطار قومي فهو لا يكتفي بذكر بغداد العروبة والإسلام، إنما يذكر القدس، وفي ذكر القدس دلالات ومعاني الأسر والاحتلال والهيمنة الصهيونية على المقدسات، فالقدس ترمز إلى أشياء كثيرة، دينية، تاريخية، حضارية، أما ذكره للمدينة العربية (عمان) فمن لا يذكرها وقد أصبحت محط رِحال العراقيين عامة والأدباء والمثقفين خاصة، فجاء تكرر حرف الجر ( في) أربع مرات، وكذلك حرف الجر (عن) أربع مرات،  فاستهل قصيدته  بالنداء على الحبيبة دون أن يستخدم حروف النداء لكونها قريبة منه، كما كرر حرف العطف (الواو) خمس مرات، وجاء بتكرار حرفي الروي (الألف، الدال) في نهاية أغلب الأبيات مما زاد من إيقاع الجرس الموسيقي في القصيدة، واختلفت حروف الجر في الدلالة، مما جعل القصيدة بعيدة عن الحشو في بنيتها،  وهذا التكرار يمنح امتداداً وتنامياً في الصور والأحداث لذلك يعد نقطة ارتكاز وأساس لتوالد الصور والأحداث .

تكرار الاسم

ونقصد بـ (الاسم) أن يكرر الشاعر الاسم تكرارًا بنائيًا مؤثرًا، لتشكل الكلمة المكررة محور ارتكاز القصيدة، إنّ تكرار كلمة واحدة في أول كل بيت من مجموعة أبيات متتالية في القصيدة، هو لون شائع في شعرنا الحديث ومنبع ثقلها الفني (18)، ويكون (تكرار الكلمة أو ما يقارب جذرها تكراراً يفيد المعنى نفسه أو معنى  مقارباً) (19)، ويُعدُّ هذا النوع من التكرار أكثر الأنواع  انتشارًا  في الشعر العربي، ولعل تكرار الأسماء يشكل القسم الأكبر منه، ومن المناسب قبل الدخول في بحث الأثر الإيقاعي الذي يحدثه تكرار الاسم في دلالة وتشكيل بنية القصيدة.

وفي بعض الأحيان يستخدم التكرار ليكون صدى وتأكيدًا للمعنى والفكرة المعبر عنها، ولا شك أن تكرار كلمة العراق في القصيدة (شدي شراعك) ليحيى السماوي تدلّ على شدة تعلق   الشاعر ببلده وحنينه إليها وحزنه على ما آل إليه أمر شعبه حيث يقول: (20)

هـذا عـراقـكِ  يا عصـورُ. . رغيفهُ

حَـسَـكٌ  ... وكــوثــرهُ  دم ٌ ووُحُولُ

تحتَ الكراسي في الـعـراق جَماجِمٌ

وعلى الكراسي في العـراق ِمَغـولُ

وما يلبث الشاعر أن يردد مرة أخرى كلمة الوطن (العراق) فالشاعر يخاطب العصور بما وصل إليه العراق بعد أن كان قبلة العالم ومهد الحضارات، وقد كرر الشاعر عبارة (الكراسي في العراق) مرتين وقد اقترنت الكراسي بـ (الجماجم و المغول) فأصبح خبزه حسكاً وماؤهُ دمًا ووحولاً، ومن أجل المناصب والكراسي كثير من الجماجم دفنت لأن الحاكمين مغول لكن الكارثة هي أن حلم الشاعر قد تهشم.. ونداءاته التي جرّحت روحه وأدمت أوتار حنجرته قد ضاعت طاقاتها. فبعد الطغيان يأتي الاحتلال.

تكرار الضمير والعبارة

1- تكرار الضمير:

يشكل تكرار الضمير ظاهرة لافتة للنظر في الشعر العربي الحديث، خاصة في الاستهلال السطري أو الفاتحة النصية، بوصفه تكراراً يحدث هزة شعورية لدى المتلقي، للتنبيه على حالة شعورية معينة، أو لتوكيد الذات، وتضخيمها في بعض السياقات التي تتطلب ذلك كالفخر والغزل، والرثاء، والحماسة،  ومن الأساليب اللغوية في ديوان يحيى السماوي والملفتة للنظر، أنّه كثيرا ما كان يستخدم ضمير المتكلّم في التعبير عن ذاته. (21)

يقول في قصيدة (أربعة أرغفة من تنور القلب): ( (22)

بنيتُ في خيالي

مئذنةً...

وملعباً طفلاً..

وطرزتُ الصحارى بالينابيع التي تجولُ

في غابات برتقالِ..

وعندما غفوتُ

تحت شُرفةِ ابتهالي

شعرتُ أن خيمتي حديقةٌ

وأنّني سحابةٌ

رسمتُ بالإشارةْ

نسجتُ للكوّة في الجدار

من هدب المُنى ستارةْ

أن تكرار ضمير المتكلم كان ملازماً لبنية القصيدة من أول سطر في المقطع فجاءت (بنيت، طرزت، غفوت، شعرت، رسمت، نسجت) الأفعال الماضية والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذه الأفعال التي قام بها الشاعر لا تتعدى الأحلام، لأنه سرعان ما يواجه الواقع المرّ بكل أحزانه، وهكذا يؤدي تكرار الضمير فاعليته في بنية القصيدة الحداثية التي تتحرك على أكثر من مثير، ودلالة، وهذا ما انعكس على بنيتها النصّية التي تتحرك على أكثر من محور، وأكثر من رؤية، وأكثر من دلالة .

ولقد ارتكز الشاعر يحيى السماوي على تكرار الضمير في قصيدته (كذبتُ صدقي كي أصدق كذبها ) حيثُ يقول: (23)

صَدقتُ كِذبي

كي اكَذّبَ صِدقها ..

فأنا صَديقي مَرّةً ..

وأنا عدوّي والعَذولْ

وأنا المُغامِرُ في تَهيّمِهِ بكأسِ زفيرها

وبلثمِ مُقلةِ نهدِها المائيِّ ..

والطفلُ المشاغِبُ ..

كرر الشاعر ضمير الرفع المنفصل (أنا) ثلاث مرات، وجعلة أساس البنية في المقطع الشعري، لدلالات مختلفة منها الصديق والعدو والعذول والمغامر، وتجتمع هذه الدلالات والصور للوصول إلى التيه حتى الثمالة، فهو ذلك الطفل المشاغب، والصبى الجائع إلى ما يريد في حقل الغواية، ولقد كانت المفارقة الجميلة في هذا المقطع الشعري فالشاعر يكذب صدقه كي يصدق كذبها وهو عنوان القصيدة، وسرعان ما يقول(صدقتُ كذبي كي أكذب صدقها) لقد اختلط عليه الأمر حتى وصل به الحال إلى تصديقها بكل شيء من أجل إرضائها، غير إن تكرار (أنا) في هذه الأبيات يكشف عن حالة التوحد التي يسعى إليها الشاعر من خلال اقتران ضمير المتكلم بـ  لفظة (صديقي، عدوي، المغامر ) إذ يفصح هذا التوجّه عن رؤية شعرية شكلت من خلال البنية التي تعلن الوصل بين الشاعر ومن يحب، وتلغي أي فاصل بينهما.

ويقول يحيى السماوي في قصيدة  ( يشقيك يا ليلاي ما يشقيني ) (24)

أنا ذلك البدويُّ ..تحت عباءتي         بستان اشواق ونهر حنينِ

أنا ذلك البدوي ..عرضي أمة          ومكارم الاخلاق  وشمُ جبيني

غنيت والنيران تعصفُ في دمي      عصف اليقين بداجيات ظنونِ

لكنها الأيام إلا فسحة                    منها بحقل كالجنان أمينِ

وجدنا أن تكرار العبارة – لدى السماوي – يشكل مرتكزًا مهمًا في تكثيف الرؤية، وتحفيز المنظور الشعري، بما يملكه من حركة نسقية، وتمازج صوتي رهيف بين الكلمات، وكأن العبارة منظومة تنظيماً إيقاعيًا محكمًا... تحفز قارئها تحفيزًا صوتيًا، وتكرار الشاعر جملة (أنا ذلك  البدوي) في مستهل المقطع الشعري إنما أراد أن يجسد تاريخه، فالبدو هم سكان الصحاري وأهل الإبل والمواشي، وقد رعى جميع الأنبياء الغنم، وقد أرسل نبينا محمد (ص) إلى بني سعد من هوازن ولا تخفاكم الغاية التي أرسل من أجلها، لذلك أراد الشاعر بهذا التكرار أن يكون امتداداً لذلك التاريخ الناصع معتزاً به .

"يتبع"

 

د . محمد الأحبابي

...............................

(*) من  البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه في النقد الحديث .

(1) - انظر، لغة الشعر العربي المعاصر، عمران خضير الكبيسي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط 1، 1982م، ص 144.

(2) - بلاغة الخطاب وعلم النص، صلاح فضل، سلسلة عالم المعرفة / عدد164، الناشر المجلس الوطني للثقافة والفنون والادب – الكويت، 1992 م، ص 264 .

(3)- سر صناعة الاعراب، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق د.حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط1،1988، ص 6.

(4) - انظر، فنية التكرار عند شعراء الحداثة المعاصرين، عصام شرتح، مجلة رسائل الشعر، المملكة المتحدة، العدد 9، 2017م، ص66.

(5)- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، خلود ترمانيني ، كلية  الآداب والعلوم الانسانية، جامعة حلب،2004م، ص306.

(6) - انظر، المصدر السابق، ص 70 -75.

(7) - التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة أسلوبية، موسى ربابعة ، ص170.

(8) - معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مجدي وهبة – كامل المهندس، مكتبة لبنان، ط2،  1984م،  ص118.

(9) -انظر، مسائل فلسفة الفن المعاصر، جان ماري جيو، ترجمة سامي الدروبي، دار اليقظة العربية، دمشق،ط2، 1965 م، ص70 .

(10)- لغة الشعر المعاصر ، عمران خضير الكبيسي، ص144.

(11) - انظر، التكرار وأنماطه في شعر عبد العزيز المقالح، نصر الله عباس حميد، مجلة ديالى، كلية التربية للعلوم الإنسانية، العدد67، 2015م، ص225.

(12) - التكرير بين المثير والتأثير، عز الدين علي السيد، ص9.

(13) - الأصوات اللغوية، إبراهيم أنيس، مكتبة نهضة مصر، ط 5، 1975م، ص9.

(14) - دراسة الصوت اللغوي، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، (د-ط)،1997م، ص40.

(15) - ديوان (شاهدة قبر من رخام الكلمات)، يحيى السماوي، دار تكوين، دمشق، ط1، 2009م، 32.

(16) - ديوان (مسبحة من خرز الكلمات)، يحيى السماوي، دار تكوين، دمشق، ط1، 2008م، ص86.

(17) - ديوان (قصائد في زمن السبي والبكاء)، يحيى السماوي،، مطبعة تموز، كربلاء، 1966م، ص 44 -45 .

(18) - قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص231.

(19) - المرجع نفسه، ص 23 .

(20) - ديوان (هذه خيمتي فاين الوطن )، يحيى السماوي، استراليا، ط1، 1997م، ص76 .

(21) - انظر، ديوان (قليلك لا كثيرهن)، يحيى السماوي، استراليا، 2006م، ص5، 55، 65-70، 116.

(22) - المصدر نفسه، ص 93.

(23) - ديوان (اطفئيني بنارك)،  يحيى السماوي، تموز للنشر والطباعة والتوزيع، دمشق، ط1،  2013م، ص 16 .

(24) - ديوان (الأفق نافذتي)، يحيى السماوي، استراليا،ط1، 2003م، ص78.

 

محمد الاحبابيتمهيد: تُعدُّ الأسلوبية من أحدث وأهم ما وصلت إليه العلوم اللغوية في العصر الحديث، وهي التي تعنى بدراسة النص الأدبي دون سواه، ووصف طريقة الصياغة من أجل إظهار الخصائص التي تميزه بصفة خاصة، والعصر الذي تنتمي إليه بصفة عامة، باعتبار أن الشعر العربي مرّ بمراحل تطورية هامة سواء من ناحية الشكل أو المضمون، وعليه فإن خصائص الشعر ليست ثابتة وإنما هي متغيرة تبعاً لتغير مظاهر الحياة على اختلاف المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وقد شمل هذا التغيّر الشكل والمضمون على حد سواء، أما على مستوى الشكل فقد مس التغيّر البناء الفني للقصيدة ليتغير شكل القصيدة من الشكل الموروث قديماً والقائم على الوزن والقافية وهو ما يسمى بالشعر العمودي، إلى الشكل الجديد القائم على السطر الشعري وهو ما يسمى بشعر التفعيلة، الذي قلل من الغنائية وإلغاء الخطابية واختفاء الشاعر وراء إبداعه في إطار لغة مهموسة.

وقد عَقَبَ هذا التغيّر في الشكل تغيّر في المعنى، إذ لم يعدْ الشاعر العربي الحديث يكتفي بتناول القضايا الذاتية، وإنما تعدى ذلك إلى القضايا الموضوعية العامة، لذلك نجده يعالج قضايا تَخُصُّ الوطن فأصبحَ الإنسانُ مضمونًا شعريًا، وأصبح الشعرُ تعبيرًا أَمْثَل عن بؤس هذا العالم وتغيراته، كالفقر والتخلف وتكميم الأفواه وعدم الحرية، وتدني المستوى الثقافي ومشكلة الغربة والحنين إلى الوطن، مستعينًا في ذلك ببعض التقنيات لبناء قصيدته، كتوظيف أسلوب التكرار الذي يُعدُّ ظاهرة أسلوبية في النص الشعري، حاول الباحثون أن يدرسوها من خلال الشواهد الشعرية، فتحدثوا عن فوائدها وأثارها وَتَوصَّلوا إلى عدد من الفوائد والوظائف، وكشفوا عن دلالتها البنائية والنفسية .

يحتل الشعر العراقي في مرحلة السبعينيات مكانة هامة في مسيرة الشعر العربي الحديث، ولعل من أبرز عوامل الإبداع لدى شعراء هذه المرحلة تعود إلى ما مرَّ به العراق من حروب دامية وظروف قاسية جعلت كثيرا من الشعراء يهاجرون إلى بلدان بعيدة عن وطنهم، حيث شكلت ولا تزال تشكل المادة التي يستوحي منها الشعراء مواضيعهم الشعرية .

ومن أبرز الشعراء جيل السبعينيات، يوسف نعوم داود الصائغ، ويحيى عباس السماوي، وأديب كمال الدين، ومعد أحمد حمدون الجبوري، خزعل الماجدي، ورعد عبد القادر، فلقد وقع اختياري على دراستهم لما يتميزون به من إبداع وصلت في السبعينيات إلى كمال نضجها، وكون أسلوب التكرار يشكل ظاهرة جلية في شعرهم بشتى أساليبه، وهي تجسد سمة أسلوبية هامة في نتاجهم الشعري، إذ تعد من أبرز السمات لفتًا للنظر، بالإضافة إلى عملهم على التجديد في الشعر العراقي، وتُعدُّ أعمالهم الشعرية ودواوينهم من أوفر الأعمال والدواوين على هذه الخاصية، كما يرجع اختياري لظاهرة التكرار موضوعًا لهذه الدراسة؛ لأنها تُعدُّ من أهم الظواهر التي امتاز بها شعرنا الحديث، إّلا أنها لم تحضَ بعناية النقاد والدارسين نظرًا لاهتمامهم المنصب على دراسة الصورة الشعرية والأسطورة، والرمز، والموروث الأدبي من تناص وتضمين، كما أن دراسة هذه الظاهرة في حقيقة الأمر دراسة لكل جوانب النص الشعري واللغوية، مما يعني أن ثمة فائدة علمية ونقدية لهذه الدراسة، من منطلق أنها تنصب على البعد الفني، إلى جانب اهتمامها بالبعد اللغوي والجمالي العام للنص .

يطمح البحث إلى رصد أساليب التكرار في دواوين (شعراء الدراسة) والبحث عن خصائصها الأسلوبية من الناحية الايقاعية، التركيبية، الدلالية، جاء عنوان الأطروحة موسومًا بـ: التكرار في الشعر العراقي الحديث ــــ شعراء السبعينيات – دراسة أسلوبية) ومحاولة الاقتراب من النص اعتمد البحث المنهج الأسلوبي، لكونه المنهج الملائم في مثل هذه الدراسات .

ولا بد لي من الإشارة إلى أهم المصادر التي تناولت التكرار بالدراسة والتحليل، وهي: الأعمال الشعرية الكاملة ودواوين الشعراء، فضلاً عن المراجع وهي: (قضايا الشعر المعاصر) لنازك الملائكة، و(أساليب الشعرية المعاصرة)، لصلاح فضل، (شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة)، لمحمد عبد المطلب، و(التكرير بين المثير والتأثير)، لعز الدين علي السيد، و(العلاقة الجدلية بين البنية الإيقاعية والبنية الدلالية)، لمحمد صابر عبيد، و(التكرار في الشعر الجاهلي) لموسى الربايعة و(الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث)، خلود ترمانيني، فضلاً عن مصادر ثانوية احتواها البحث .

اقتضى منهجُ البحث أن تقوم هذه الأطروحة على أربعة فصول، يتقدمها تمهيد ترجمتُ فيه لشعراء الدراسة، وتحدثت فيه عن عناصر التشكيل والتكوين الوظيفي للتكرار وعلاقته الجدلية بالماضي والحاضر في صنع الأصالة والمعاصرة .

تناول الفصل الأول، مستويات التكرار، وقد تمت دراستها في أربعة مباحث، لما لها - مستويات التكرار- من أهمية في فهم الانطباع الذاتي للشعراء، حيث تضمَّنَ المبحثُ الأول تكرار الحرف لدى الشعراء، وتضمَّنَ المبحثُ الثاني تكرار الفعل، وتضمَّنَ المبحثُ الثالث تكرار الاسم، أما المبحثُ الرابع تكرار الضمير والعبارة .

أما الفصل الثاني فقد تضمَّنَ جمالية التكرار وأنماطه، عند شعراء الدراسة، وتوزع على أربعة مباحث، تضمَّنَ المبحث الأول التكرار الاستهلالي، والمبحثُ الثاني التكرار الختامي، والمبحثُ الثالث تكرار اللازمة، والمبحثُ الرابع التكرار التراكمي .

وجاء الفصل الثالث ليحتوي على الباعث الفني في شعرهم، وقد تمت دراسته في أربعة مباحث: المبحثُ الأول: المجاز، والمبحثُ:الثاني التشبيه، والمبحثُ الثالث: الاستعارة، والمبحثُ الرابع: الكناية .

وكان الفصل الرابع مختصًا بالحديث عن بواعث التكرار في اللغة، عند شعراء الدراسة، في ثلاثة مباحث: المبحث الأول أسلوب التوكيد، أما المبحث الثاني أسلوب الاستفهام، والمبحثُ الثالث أسلوب النداء .

التكرار لغةً:

نجد لفظة التكرار وردت في القرآن الكريم، ولكن ليست بهذه الصيغة، إنما وردت بصيغة (كرتين)، كما قال تعالى ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ (الملك: 4). فنجد كرتين هنا تعني: رجعتين، أي رجعة بعد رجعة، وهي من مادة كرر أي الإعادة، إذ التكرار في اللغة لا يخرج عن الإعادة والترجيع. وقد ورد في معجم العين (والكر: الرجوع عليه، ومنه التكرار) (1) وجاء في لسان العرب التكرار بفتح التاء:)(الترداد والترجيع من كر يكر كراً وتكراراً والكر الرجوع على الشيء ومنه التكرار، وكرر الشيء وكركره أعادة مرة بعد أخرى، ويقال عليه الحديث وكررته إذا رددته عليه)(2)، أما الزمخشري فنجده يعرف التكرار بقوله: (كرر انهزم عنه تم عليه كرورا، وكر عليه رمحه وفرسه كرا، وكر بعدما فر وهو مكر وكرار فرار، وكررت عليه الحديث كرا، وكررت عليه تكراراً، وكرر على سمعه كذا وكذا وتكرر عليه)(3) . لاشك فيه إن للتكرار علاقة وثيقة بعلم النحو، ذلك انه واحد من أهم صور التوكيد في اللغة العربية . وفي كتاب سيبويه إذ عده ضربا من التوكيد لا يختلف عن (عامة، كل) ونحوهما وهما لفظان تستعملان لتأكيد المعنى(4).

يعرفه السجلماسي بأنه: (إعادة اللفظ الواحد بالعدد أو النوع، أو المعنى الواحد بالعدد أو النوع، في القول مرتين فصاعدًا)(5)، وروى صاحب التاج إن السيوطي ذكره(إن التكرار هو التجديد للفظ الأول ويفيد ضربًا من التأكيد) (6) .

التكرار اصطلاحًا:

أماّ في الاصطلاح فهو تكرار الكلمة أو اللفظة أكثر من مرة في سياق واحد إما للتوكيد أو لزيادة التنبيه أو التهويل أو التعظيم أو للتلذذ بذكر المكرر(7)، والتكرار لا يقوم فقط على مجرد تكرار اللفظة في السياق، وإنما ما تتركه هذه اللفظة من أثرٍ انفعالي في نفس المتلقي، وبذلك يعكس جانبا من الموقف النفسي والانفعالي، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلّا من خلال دراسته، فالتكرار يحمل في ثناياه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق، وهو يمثل إحدى الأدوات الجمالية التي تساعد على فهم الصورة أو موقف ما. كما عرفه الجرجاني في كتابه (معجم التعريفات) حيث يقول (عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى) (8)، ويرى الجرجاني في كتابه (أسرار البلاغة) أن الأمر كله يجب إن يكون مرجعه للمعنى، فهو ينكر الجمال في جرس الألفاظ (9).

ويرى ابن الأثير(637) (وإذا كان التكرار هو إيرادُ المعنى مردداً فمنه ما يأتي لفائدةٍ، ومنه ما يأتي لغير الفائدة، فأما الذي يأتي لفائدةٍ فأنه جزءٌ مِنْ الإطناب، وهو أخصُ منه، فيقال حينئذٍ: إن كل تكرير يأتي لفائدةٍ فهو إطنابٌ، وليس كلُّ إطنابٍ تكريراً يأتي لفائدة، وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة ٍ فإنهّ جزء من التطويل، وهو أخصُّ منه، فيقالُ حينئذٍ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدةٍ تطويلٌ، وليس كل تطويلٍ تكريرًا يأتي لغير فائدةٍ) (10).

كما عرفه عبد القادر البغدادي بقوله (إن التكرار هو إن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ أو المعنى)(11) ولكن ابن أبي الإصبع المصري (654هـ) تناوله بشيء بسيط وقال وجود التكرار إلى تأكيد الغرض من وصف أو مدح وما إلى ذلك (12). ونجد السيوطي قد ربط التكرار بمحاسن الفصاحة كونه مرتبطاً بالأسلوب، وهذا ما جاء في كتابة (الإقناع) بقوله (هو أبلغ من التوكيد وهو من محاسن الفصاحة) (13).

أماّ تتبع آراء المحدثين كان أصعب لكثرتهم، وتعرف نازك الملائكة التكرار بأنه:(إلحاح على جهة هامة من العبارة يعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها، وهو بذلك ذو دلالة نفسية قيمة ينتفع بها الناقد الأدبي الذي يدرس النص ويحلل نفسية كاتبه، إذ يضع في أيدينا مفتاح الفكرة المتسلطة على الشاعر)(14) بمعنى أن الشاعر المبدع يعنى بصيغة لغوية معينة فيجعلها ملمحًا مُهَيمنًا في نصه الشعري دون سواها، لكونها تُعَبِّر عن ما يَكْمنُ في داخلهِ من دلالات نفسية، ويرى محمد عبد المطلب من ناحية بلاغية أن التكرار هو الممثل للبنية العميقة التي تَحْكُم حركة المعنى في مختلف أنواع البديع، ولا يمكن الكشف عن هذه الحقيقة إلَّا بتتبع المفردات البديعية في شكلها السّطحي ثم ربطها بحركة المعنى، والتكرار هو الناتج الأول في المساعدة على تجميع خيوط الصياغة لفهم البديع وتوظيفه (15).

ويرى صلاح فضل أن ظاهرة التكرار استعملت في النصوص الحديثة بحثاً عن نموذج جديد يخلق دهشة ومفاجأة بدلاً من إشباع التوقع، وقد ركز صلاح فضل على ظاهرة التكرار المقطعي في كتابه (أساليب الشعرية المعاصرة) (16)، ويقول كذلك الكلمة هي التي تكون مفتاح العمل الأدبي هي التي يصل معدّل تكرارها في عمل معيّن إلى نسبة أعلى ممّا هي عليه في اللغة العادية(17). أي أنها كلمة تفوق في تردّدها لدى شاعر معيّن المعدّلات العاديّة لدى أمثاله في نفس الموضوعات، وقد استحدثَ الدكتور محمد صابر عبيد مسميات لأشكال التكرار هي: التكرار الاستهلالي والتكرار الختامي، والتكرار الهرمي، والتكرار الدائري، وتكرار اللازمة، والتكرار التراكمي (18). وترى نازك الملائكة(وإلّا فليس أيسر من ان يتحول هذا التكرار نفسه بالشعر إلى اللفظية المبتذلة التي يمكن أن يقع فيها أولئك الشعراء الذين ينقصهم الحسّ اللغوي والموهبة والأصالة) (19).

ومما سبق نخلص إلى أن التعريف الاصطلاحي للتكرار قد تجاوز التعريف اللغوي، فلم يقف عند الترجيع، وإنماَ تَبيَّن أن التكرار ظاهرة مرتبطة بالدواخل التي تسهم في صنع جسور فنية تصل أجزاء النص، فتجعله متماسكًا (20). وهذا التكرار لم يأتِ محض مصادفة، أو أنه تقليد وحسب، وإنما تعبير عن معتقدات وفكر تراكم وتكامل عبر السنين التي مرت على أجيال من الشعراء، ومن هذا المنطلق عزمتُ على تقديم دراسة ترمي إلى الوقوف على هذه الظاهرة اللغوية الأسلوبية، أسلوبية تظهر في النصوص بنسب وكثافة وتوزيعات مختلفة.

إن تطبيق المعايير الأسلوبية له فوائد كثيرة، منها أن التحليل الإحصائي يسهم في حلّ المشاكل ذات الصبغة الأدبية الخالصة، فاستخدام هذه الآلية قد يساعد، مع شواهد أخرى، على تحديد مؤلّفي الأعمال مجهولية النسب، ويمكنه أن يسلط الضوء على مدى وحدة بعض القصائد واكتمالها أو نقصها (21).

وقد وجدتُ في شعر الشعراء المراد دراستهم أنموذجًا معبرًا عن هذه المعايير، وقد وقع اختياري عليهم بعد قراءة متأنية لِشِعْرهم، فوجدتُ التكرارَ ظاهرة بارزة في شعرهم وسأعتمد كمنهج الوصفي في دراسة هذه الظاهرة عندهم، فهو علم يدرس العوامل المؤثرة في اللغة ولهذا توسع البحث في المفهوم فشمل كل ما يتعلق باللغة من تكرار الأصوات والصيغ والكلمات والتراكيب والألفاظ والدلالات .

وبذلك يكون التكرار قد زاد من حبكة القصائد الشعرية وشدّ الوثاق بين أبياتها بوحدة الموضوع من خلال تسلسل الأفكار بلغة تكرارية عُرِفت بالرصانة والحبك .

شعراء السبعينيات:

إن جيل السبعينيات جيل رافض متمرد على الموروث الأدبي في معظم الدول العربية،لأنه عاصرَ أحداثًا تاريخية مهمة كانتَ تهزّ كيانه،وتؤثر على وطنه، وفي العراق عانى جيل السبعينيات من تحولات سياسية، وانعكس ذلك على نتاجهم الأدبي سواء أكان شعراً أم نثراً. فلقد غاصوا في منخفض الحيرة بين إكمال منجزهم الإبداعي (قصيدة النثر) وبين الانضواء تحت لواء جيل الستينيات، فظلوا يعانون حياة التشرذم، ولم يستطيعوا أن يؤسسوا لهم قاعدة متينة راسخة في عالم الشعر، فالثقافة العربية أو الغربية تكاد تكون غائبة مقارنة بمرحلة الرواد (22)، فقد بقي السبعينيون يبنون بيتهم الإبداعي، وكانت نصوصهم تحاول النفاذ إلى أرض الواقع، وأن هذا الجيل ابتعد عن السرد النثري فهم يعيدون إلى الذاكرة غنائية الرواد (23) .

وقد ظهرت صيحات جديدة في الكتابة الأدبية نشأت على اكتاف السبعينيات والأجيال التالية لهم، إذ برزت بعد قصيدة النثر على الساحة الثقافية ظاهرة (النص الأدبي) النص المفتوح المنفلت من الضوابط والقوانين باستثناء سلامة التعبير اللغوي، (وكان أدباء السبعينيات يرنون إلى هذا الوليد الجديد - قصيدة النثر- بحنان واضح واشتياق خفي وارتياح ملحوظ وخاصة وأنهم في بداية طريق جديد)(24)، وبما أن الشعر العراقي ومنذ ثورة الرواد قد حقق منجزاً مذهلاً يستحق أن نفخر به، غير أنه بحاجة ماسة إلى حملة نقدية منظمة شاملة مخطط لها ويجب أن يندب لها حشد من صفوة النقاد .

وقد قسم شاكر لعيبي تاريخ الشعر العراقي الحديث منذ بداية الخمسينيات وحتى الوقت الحالي، إلى مراحل ثلاث: المرحلة الأولى تضم الرواد وفترة الخمسينيات، ممثلة بالشعراء السياب، والملائكة، والبياتي، وبلند الحيدري، وسعدي يوسف، وحسين مردان، ومحمود البريكان، والمرحلة الثانية من بداية الستينيات واتسمت بالطابع الشكلي وبمحاولات للتجديد لم تتحقق لتجاوز تجربة الرواد وممثلة بالشعراء مؤيد الراوي، ووليد الاعظمي، وسركون بولص، وحسب الشيخ جعفر، وفاضل العزاوي، وأنور الغساني وغيرهم، أما المرحلة الثالثة وتضم ما عرف بجيل السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات وهم خزعل الماجدي، يحيى عباس السماوي، ويوسف الصائغ، وأديب كمال الدين، ورعد عبد القادر، ومعد الجبوري، وسلام كاظم، وعدنان الصائغ، وزاهر الجيزاني وكمال سبتي وغيرهم (25) .

وإن تحري أشكال التكرار في شعر معد الجبوري، وخزعل الماجدي، ويحيى السماوي، ورعد عبد القادر و يوسف الصائغ وأديب كمال الدين، يكشف عن مدى اهتمام الشعراء بهذه التقنية، حتى أصبحت ظاهرة شائعة في القصيدة العراقية في مرحلة السبعينيات تستحق الوقوف عليها وقفة ترصد ظواهرها المختلفة، وتجعلها قيد الدراسة لتملأ فراغًا في المكتبة العربية .

ترجمة حياة شعراء الدراسة وأعمالهم الشعرية حسب أعمارهم:

1- يوسف نعوم داود الصائغ: وُلِدَ عام 1933 في مدينة الموصل، نشأ بين أسرة دينية تهتم بالأدب والسياسة, وبعد أن أكمل دراسته الثانوية بالموصل التحق بدار المعلمين العالية, ثم حصل على درجة الماجستير بمرتبة الشرف، وله دواوين شعرية مطبوعة منها: قصائد غير صالحة للنشر 1957، اعترافات مالك بن الريب 1972، سيدة التفاحات الأربع 1976، اعترافات 1978، المعلم 1985، قصائد يوسف الصائغ (مجموعة كاملة) 1993 (26).

2- معد أحمد حمدون الجبوري: وُلِدَ في مدينة الموصل بالعراق عام 1946 م، حاصل على بكالوريوس آداب من جامعة بغداد، عام 1968م له من الإصدارات في الشعر: اعترافات المتهم الغائب، للصورة لون آخر، وردة للسفر، هذا رهاني، آخر الشظايا، طرديات أبي الحارث الموصلي، كتاب المكابدات،أوراق الماء، حُرَق في فضاء الأرق، الأعمال الشعرية الكاملة 1971 – 2008 م، للشاعر معد الجبوري، مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة . وقد توفي الشاعر في مستشفى الزهراء في الموصل بتاريخ 1/4/ 2017م الساعة الواحدة بعد منتصف الليل (27).

3- يحيى عباس عبود السماويُّ شاعرٌ عراقي وُلِدَ عام 1949م، في السماوة، حاصل على شهادة بكالوريوس في اللغة العربية من الجامعة المستنصرية، هاجر إلى أستراليا عام 1997م، له دواوين: (عيناك دنيا) 1970م، (قلبي على وطني) 1993م، والاختيار عام 1994م، و(عيناك لي وطن منفى)1995م، (هذه خيمتي ... فأين الوطن)، (أطفئيني بنارك)2013م،(نقوش على جذع نخلة)، (قليلك لا كثيرهن) وغيرها، فقد أصدر سبعة وعشرين ديوانًا شعريًا (28) .

4-خزعل الماجدي: شاعر وكاتب مسرحي عراقي ولد في كركوك عام 1951 م أكمل دراسته في بغداد وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم 2003م أصدر له الأعمال الشعرية الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2014م (29) .

5- رعد عبد القادر ماهر الكنعاني: وُلِدَ الشاعر في مدينة سامراء عام1953م، وهو شاعر عراقي ينتمي إلى الجيل السبعيني، ويعدُّ الشاعر من الشعراء المجددين لقصيدة النثر، وقد صدرت له مجموعتان في مجلد واحد هما: (صقر فوق رأسه شمس وعصر التسلية)،كما صدرت له المجموعة الكاملة، عن دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2013 م (30) وقد توفي سنة 2003م.

6-أديب كمال الدين: شاعر معاصر من العراق، وُلِدَ عام 1953م في محافظة بابل، تخرج من كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة بغداد عام 1976م، وقد أصدر 18 مجموعة شعرية باللغتين العربية والإنكليزية. كما صدرت له الأعمال الشعرية الكاملة: في مجلدات، منشورات ضفاف، لبنان، ط1، 2015م. (31).

"يتبع"

 

د. محمد الأحبابي

من البحث الذي حاز به الباحث شهادة الدكتوراه .

.....................

(1) معجم العين، الخليل بن احمد الفراهيدي، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003 م، 4/19 .

(2) لسان العرب: ابن منظور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط3، 1999م، مادة (كرر) و ينظر المعجم الوسيط، ابراهيم أنيس وآخرون مادة) كرر.

(3) أساس البلاغة، الزمخشري (أبو القاسم جار الله محمود بن عمر بن احمد) تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1998م، ص 539 -540 .

(4) كتاب سيبويه، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3،، 1988م، 1/ 83 - 84.

(5) المنزع البديع في التجنيس أساليب البديع، أبي محمد القاسم الأنصاري السجلماسي،تحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط1، 1980م. ص476 .

(6) تاج العروس من جواهر القاموس، محمد بن محمد بن عبد الرزاق المرتضى الزبيدي، طبعة الكويت، ط2، (د-ت)، 7/ 440 .

(7) مدخل إلى علم الجمال، هيجل، ترجمة جورج طرابيش، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1978م، ص71.

(8) التعريفات، الجرجاني، تحقيق محمد علي أبو العباس، مكتبة القرآن، القاهرة، (د-ط)، 2003م، ص71.

(9) أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق د عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1971م، ص14-15.

(10) المثل السائر في أدب الكتاب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي و بدوي طبانة، دار نهضة مصر، القاهرة، ط2، (د-ت)، 3/8.

(11) خزانة الأدب ولباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة العامة المصرية للكتاب، مصر، ط2، 1997م، 1/ 361.

(12) أنظر، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، ابن أبي الإصبع المصري (ت654هـ)، تحقيق حفني محمد شرف، المجلس الاعلى للشئون الاسلامية، القاهرة، ط2، (د-ت)، ص375.

(13) أصول التفسير وقواعده: الشيخ خالد عبد الرحمن العك، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط2، 1986م، ص274.

(14) قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص27.

(15) انظر، بناء الأسلوب في شعر الحداثة، د. محمد عبد المطلب، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1995م، ص109-110.

(16) انظر، أساليب الشعرية المعاصرة، د . صلاح فضل، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، د – ط، 1998م، ص154 .

(17) انظر،علم الأسلوب، د. صلاح فضل، دار الشروق، مصر، ط1، 1998م، ص239.

(18) انظر،العلاقة الجدلية بين البنية الإيقاعية والبنية الدلالية، د محمد صابر عبيد، ص 115–220 .

(19) قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، ص231.

(20) انظر، الإحالة في نحو النص "دراسة في الدلالة والوظيفة " مع التطبيق على مجموعتين قصصيتين، د.أحمد عفيفي، ضمن كتاب " العربية بين نحو الجملة ونحو النص" المؤتمر الثالث للعربية والدراسات النحوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، 2005م، ص524.

(21) انظر، التكرار في الشعر، د فاطمة محجوب، مجلة الشعر، العدد الثامن، بيروت، 1977م، ص 40 .

(22) انظر، مواجهات الصوت القادم دراسات في شعر السبعينات، حاتم الصكر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، (د-ط)، 1986 م، ص 19

(23) انظر، مواجهات الصوت القادم دراسات في شعر السبعينات، حاتم الصكر، ص 17،18.

(24) أدباء السبعينات في العراق .. سيرة جيل 1980-1988م، قيس كاظم الجنابي، موقع النبراس الإلكتروني، المقالة تحت باب ذاكرة الثقافة،2012م .

(25) انظر، الشاعر الغريب في المكان الغريب التجربة الشعرية في سبعينيات العراق، شاكر لعيبي، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع، ط1،،2001 م، 1 / 13 .

(26) قصائد يوسف الصائغ (مجموعة كاملة)، دار الشؤون الثقافية، بغداد، (د-ط)، 1992 م، ص4 .

(27)لقاء خاص مع حارث معد الجبوري في مدينة الموصل أبن الشاعر معد الجبوري.

(28)السيرة الذاتية للشاعر يحيى السماوي أرسلها الشاعر للباحث .

(29) الأعمال الشعرية، خزعل الماجدي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2014م، ص8 .

(30) المجموعة الكاملة، رعد عبد القادر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد،ط1، 2013 م، ص7 .

(31) السيرة الذاتية للشاعر أديب كمال الدين أرسلها الشاعر للباحث .

 

3212 ديلوزبقلم: جيل دولوز و فيليكس غوتاري

ترجمة: صالح الرزوق


 المفكرات، 1921: “المسخ واحد من الأشياء التي تبعث بي اليأس من الأدب”.

يقتل كافكا عمدا الاستعارة والرموز والدلالة والتعيينات. والمسخ تسير بعكس الاستعارة. وليس هناك أي معنى ملموس أو حساسية مجازية، إنما توزيع للحالات التي هي جزء من النطاق الخاص بالكلمة. وما تبقى ليس أي شيء باستثناء أنه تكثيفات (وشدة) يداهمها صوت خارج أرضه أو كلمات تتبع خط هروبها. وهي لم تعد قضية تشابه بين مكونات حيوان وإنسان. بل هي أقل من قضية تلاعب بالكلمات. أو سلوك للحيوان وآخر للبشر. إنها مشكلة أدنى من لعبة كلام عادية. ليس هناك حيوان أو إنسان، باعتبار أن كلا منهما يطرد الآخر من أرضه، وبحركة متواصلة، وشدات عكوسة ومتدرجة. لقد أصبحت القضية هي أن يكون الفرق الأقصى وكأنه فرق في الشدة، عبور للحاجز، ارتفاع أو انخفاض، انحناء أو انتصاب، لهجة في الكلام. فالحيوان لا يتكلم “مثل” إنسان ولكنه يجر من اللغة أصواتا ملحنة تفتقر للمعنى. والكلمات ذاتها ليست “مثل” الحيوانات ولكنها بطريقتها الخاصة تصعد، وتعوي وتتجول، تكون كلابا أو حشرات أو فئرانا ألسنية متطورة (14).

لتجعل السلسلة حية، ولتفتح الكلمة على شدات داخلية غير متوقعة - باختصار استعمال مكثف للغة د-الة. كما أنه لم يعد هناك فاعل للنطق، ولا فاعل للعبارة. لم يعد فاعل الكلام هو الكلب، حينما يكون فاعل النطق مستمرا “مثل” إنسان. ولا فاعل النطق هو “مثل” خنفساء، ولكن يبقى فاعل العبارة إنسانا. وعليه هناك دورة من الحالات التي تشكل صيرورة مشتركة، في داخل الحزمة المركبة أو التراكمية بالضرورة. لنتصور وضع اللغة الألمانية في براغ - مفردات ذابلة، ونحو غير صحيح - يشارك، بشكل عام، في هذه الاستعمالات، وهو ما يمكن أن ندعوه العناصر الألسنية، حتى لو أنها مختلفة، وذلك للتعبير عن “الشدة الداخلية في اللغة ”. وبهذا المعنى يقول الألسني فيدال سيفا Vidal Sephiha “أي أداة ألسنية تسمح بالانتقال إلى حدود فكرة أو تتجاوزها” تدل على حركة لغوية باتجاه أقصى مجال لها، باتجاه لاحق أو سابق لكنه عكوس (15). وقد بين سيفا بشكل جيد تنوع هذه العناصر والتي يمكن أن تكون كل أنواع وأشكال الكلمات والأفعال أو حروف الجر الأساسية، التي تفترض كل أنواع المعاني. ما قبل الإسمية أو الأفعال الكثيفة فقط كما هو الحال في العبرية، وظروف وتعجب وأحوال، ومصطلحات تتضمن معنى الألم (16).

ويمكن للمرء أن ينظر بالتساوي إلى اللهجات التي تتشكل داخل الكلمات، ولوظائفها المنفصلة عنها. ويبدو أن اللغة في الأدب الثانوي طورت، على وجه الخصوص، التوترين أو هذه الشدات. وقد ذكر فاغينباخ، في الصفحات الجميلة التي حلل بها اللغة الألمانية في براغ الواقعة تحت تأثير اللغة بالتشيكية، سمات هذا الاتجاه من الألمانية، والاستعمال الخاطئ لحروف الجر. وسوء استعمال الضمائر، وتوظيف الأفعال المرنة (مثل Giben والتي تستعمل في سلسلة مثل “put, sit, place, take away” لتكون مكثفة). وهذا يدل على تضاعف وتوالي الأحوال، واستعمال الظروف المؤلمة، وأهمية اللهجة لتكون شدة داخلية في الكلمة، وتوزيع حروف العلة والحروف الصامتة كجزء من انقطاع داخلي. ويلح فاغينباخ على هذه النقطة فيقول: كل هذه علامات على فقر اللغة، وتظهر في أعمال كافكا، ولكن تتستر بالاستعمالات الإبداعية من أجل أن تكون متماسكة بشكل جديد، وتعبيرية، وذات مرونة جديدة، وكثافة جديدة (17). “تقريبا كل كلمة كتبتها تقف بطريق ما يليها، وأسمع الحروف الصامتة وهي تحتك ببعضها البعض، وحروف العلة وهي تغني معا مثل زنوج في عرض ديني” (18). وهكذا تتوقف اللغة عن أن تكون تمثيلية وعند حدودها القصوى أو حدودها المقيدة. ويرافق هذا التحول ما يدل على الألم، مثلما يحصل في الكلمات التي صارت همهمة مؤلمة على فم غريغور، أو في صيحة فرانز “المعزول والذي لا يعود لسالف وضعه”. وفكر باستعمال الفرنسية كلغة محكية في أفلام غودارد. هناك أيضا تراكم للأحوال النمطية وظروف الزمان التي تشكل قاعدة لكل العبارات - وهذا تقتير غريب يحول الفرنسية إلى لغة ثانوية ضمن الفرنسية، وهي آلية إبداعية تربط مباشرة الكلمة بالصورة، وتقنية تخرج في نهاية السلسلة وتكون مرتبطة بشدة الحدود “هذا يكفي، يكفي، وصل لكفايته”. وهو تكثيف شمولي، يوازي صورة عامة، حيث الكاميرا تتنقل باتزان دون أن تغادر بقعتها، وتجعل المشهد حيا وممتلئا.

وربما كانت دراسات الصور المقارنة أقل لفتا للاهتمام من دراسة وظائف اللغة التي يمكن أن تنشط في نفس المجموعة من اللغات المختلفة - ثنائية اللغة أو متعددة اللغات. لأن دراسة الوظائف في لغات معينة يمكنه وحده أن يكون مسؤولا عن العوامل الاجتماعية، وعلاقات القوة، ومراكز السلطة المختلفة، فهو يهرب من الأساطير “الإخبارية” لكي يقدر النظام الطبقي والحاسم في اللغة ويكون مصدرا للتحول في الترتيب، وتطبيقا للقوة أو مجالا لمقاومة هذا التطبيق. وبتبني بحوث فيرغسون وغومبيرز، اقترح هنري يوبارد نموذجا ألسنيا رباعيا: المحكي أو الأمومي أو اللغات المحلية المستعملة في المجتمعات الريفية أو ذات الأصول الريفية، المركبة والمدينية والحكومية واللغات العالمية، لغة الأعمال، والتبادل التجاري، والبعثات البيروقراطية، وهكذا. وهي لغات خارج أرضها ومن نمط أول. واللغة المرجعية، لغة معنى وثقافة، وتتضمن عودة توطين اللغة ثقافيا. واللغة الأسطورية، وتكون على تخوم الثقافات، ويتخللها توطين لغوى روحي أو ديني. وتختلف الفئات الزمن/ كانية في هذه اللغات على نحو حاسم: اللغة المحكية هنا، واللغة الناقلة في كل مكان. واللغة المرجعية هناك. واللغة الأسطورية في الخلف. ولكن علاوة على كل ذلك يختلف توزيع هذه اللغات من جماعة لما يليها، وضمن الجماعة الواحدة، من حقبة لما بعدها (ولفترة طويلة في أوروبا كانت اللاتينية هي اللغة الناقلة قبل أن تصبح مرجعية، ثم أسطورية. وتحولت اللغة الإنكليزية للغة وسيطة في العالم المعاصر)(19). وما يمكن أن تقوله في لغة واحدة لا يمكن أن تقوله بغيرها، ومجموع ما يمكن وما لا يمكن أن يقال يختلف بالضرورة في كل لغة وفي أي ارتباط بين هذه اللغات (20). ويكون لهذه العوامل أطراف غامضة، وحدود متبدلة، وهي تختلف من مادة لأخرى. يمكن لإحدى اللغات أن تقوم بوظيفة معينة لمادة معينة ووظيفة أخرى لمادة أخرى. وكل وظيفة لغوية تنقسم بدورها وتحمل معها مراكز قوة متعددة. طيف لغات، وليس نظام لغات على الإطلاق. ويمكن أن نفهم خزي وعار الشموليين الذين يبكون حينما نتلو صلواتنا بالفرنسية، وهذا دليل برأيهم على السطو على الوظيفة الأسطورية للغة اللاتينية. ويبدي الكلاسيكيون تخلفا مشينا ويتباكون لأن اللاتينية تعرضت للتجريد من وظيفتها الثقافية المرجعية. ويعربون عن أسفهم بهذه الطريقة حيال الأشكال التعليمية والدينية المتسلطة التي مارستها هذه اللغة والتي استبدلت حاليا بأشكال مختلفة. وتوجد أمثلة جادة لعبور الحدود بين الجماعات. منها إحياء المناطقية، وذلك بإعادة توطين اللغة باللهجة أو بالكلام العامي، اللغة المحيكة - كيف يمكن أن يخدم ذلك التكنوقراط العابر للقوميات أو العالمي؟. وكيف يمكن أن يرفد الحركات الثورية، باعتبار أنها ممتلئة أيضا بأحفوريات تحاول تغيير الحساسية المعاصرة؟. وذلك منذ سيرفان سكريبنير وحتى الشاعر بريتون وصولا للمغني الكندي. وليس بهذه الطريقة تنقسم الحدود فعليا، لأن المغني الكندي يمكنه أن يقوم بإعادة توطين ثورية وأوديبية، آه ماما، آه يا وطني، يا كوخي، يا أيامي القديمة، القديمة”. يمكن أن نسمي ذلك تعمية، وتاريخا مختلطا، وموقفا سياسيا، ولكن الألسنيين لا يعرفون شيئا عن ذلك، ولا يريدون أن يعرفوا، باعتبار أن الألسنيين هم “قياميون”، علماء أتقياء مخلصون للعلوم الساكنة. لكن شومسكي عوض عن منهجه العلمي غير السياسي بصراع جسور ضد الحرب في فيتنام. دعونا نرجع إلى حالة إمبراطورية هابسبورغ. كان تفكك وسقوط الإمبراطورية يضاعف الكارثة، ويحرض في كل مكان على التدهور والانحلال، وفتح الباب لكل أشكال التوطين - الأثري، الأسطوري، أو الرموزي. وبشكل عشوائي يمكن أن نضع في عداد معاصري كافكا كلا من: آينشتاين الذي طرد لغة تمثيل الكون من أرضها (قام آينشتاين بالتعليم في براغ، واشترك الفيزيائي فيليب فرانك في مؤتمرات هناك بحضور كافكا). ويمكن أن نضع أيضا: الموسيقيين النمساويين (موسيقيي الاثنتي عشرة نغمة) الذين طردوا اللغة الموسيقية التمثيلية من أرضها (نحيب موت ماري في ووجيك، أو موت لولو، أو صدى سي الذي يبدو لنا كأنه يتبع لحنا موسيقيا يشبه بطرق مؤكدة ما كان يفعله كافكا). وسينما التعبيريين وحركتها المضاعفة: خروج الصورة وإعادة توطينها (روبيرت فيين، الذي له خلفيات تشيكية، فريتز لانغ، المولود في فيينا، بول فاغنر وتوظيفه لموضوعات براغ). وطبعا علينا أن نذكر مدرسة فيينا في التحليل النفسي ومدرسة براغ الألسنية (21).

ما هو الوضع الخاص ليهود براغ من وجهة نظر “اللغات الأربعة”؟.

اللغة التشكية هي لغة محكية يتكلم بها هؤلاء اليهود القادمون من الريف، ولكن اللغة التشيكية أصبحت محل النسيان والكبت، أما بالنسبة لليديش، فغالبا ما كتب عليها أن تكون محط الشبهات - إنها مرعبة كما يقول كافكا. واللغة الألمانية هي لغة التوصيل في البلدات المسكونة، لغة بيروقراطيي الدولة، لغة التبادل التجاري (مع أن الإنكليزية بدأت تحل محلها لهذا الهدف). أما الألمانية - ألمانية غوتة - فلها وظيفة ثقافية ومرجعية (وكذلك الفرنسية لدرجة أقل). وتبقى العبرية، لغة أسطورية، فقد ارتبطت منذ البداية بالصهيونية واستمرت بامتلاك صفة خاصة عن حلم نشيط. وتوجب علينا أن نحدد لكل لغة من تلك اللغات درجة توطينها، وخروجها من أرضها، وإعادة توطينها. أما حالة كافكا شخصيا: فهو واحد من الأقلية اليهودية التي تكتب في براغ وتتكلم وتفهم التشيكية (وهذه اللغة سيكون لها أهمية كبيرة خلال علاقته مع ميلينا).

تلعب الألمانية بدقة الدور المزدوج لكل من لغة التوصيل والثقافة، علما أن غوتة دائما موجود في الأفق (كان كافكا يعرف الفرنسية أيضا، والإيطالية، وربما القليل من الإنكليزية). ولكنه لن يتعلم العبرية إلا في وقت لاحق. والشيء المعقد هنا هو علاقة كافكا بالييديش. وكان ينظر إليها كنوع من أرض ألسنية لليهود في أضيق الحدود، وليس كلغة بدو رحل يفقدون أراضيهم ويعيدون استلهام طرق التواصل من الألمانية. وما فتنه في الييديش هو أنها أقل من لغة لجماعة دينية لو قارنتها مع لغة المسرح الشعبي (وسيكون متحمسا ومروجا للمسرح النقال الذي مثله إسحاق لوي)(22). والطريقة التي قدم بها كافكا، في اجتماع شعبي، الييديش لجمهور من البورجوازيين اليهود المعادين، يستحق الاهتمام لحد كبير: الييديش لغة ترعب أكثر مما تمثل العجز ” فالخوف يختلط مع النفور الأصولي”. إنها لغة ينقصها النحو وحافلة بكلمات طافية، ومعبأة، ومهاجرة، ومتحولة لظاهرة بدوية تضغط “علاقات القوة” إلى الداخل. وهي لغة مطعمة على لغة أعلى الطبقة المتوسطة في ألمانيا والتي تعيد تفعيل اللغة الألمانية من الداخل بحيث لا يمكن ترجمتها إلى لغة ألمانية دون تحطيمها. ويمكن للمرء فهم الييديش من خلال “الشعور بها” قلبيا. باختصار إنها لغة يحملك الاستعمال الثانوي فيها بعيدا عنها: “ثم ستشعر بالوحدة الحقيقية لليديش وبقوة ستسبب لك الخوف منها، غير أنه ليس خوفا من اليديش ولكن على نفسك. استمتع بهذه الثقة بالذات قدر ما يمكنك”(23). ولم يكن كافكا يبحث عن إعادة توطين بوساطة اللغة التشكية. ولا باتباع استعمالات ثقافية واسعة للألمانية ذات التحليقات الأحادية أو الرمزية أوالأسطورية (وحتى المعبرنة أيضا)، كما هو حال مدرسة براغ. ولا بالاقتراب من الييديش الشفاهية والشعبية. عوضا عن ذلك استعمل الممر الذي فتحته الييديش له، فقد تبناها بطريقة حولها بها إلى شكل متفرد ومعزول من أشكال الكتابة. وباعتبار أن الألمانية في براغ خارج أراضيها بعدة درجات، سيحملها دائما لمسافة أبعد، ولدرجة كثافة أكبر، ولكن باتجاه جمود جديد، وتطوير غير متوقع وجديد، وإصلاح لا يدعو للشفقة، ويقود لرفع الرأس. إنه تهذيب ذهاني، وحالة سكر سببه الماء (24). وسيدفع اللغة الألمانية إلى الابتعاد على طريق الهروب. وسيغذي نفسه بالامتناع. وسيعقم ألمانية براغ من كل الصفات النوعية للتخلف الذي تعب من التواري، وسيجعلها تنوح بعناد كبير وبصياح مسموع يصم الأذن. وسيعصر منها نباح الكلب، وسعال القرد، وفحيح الخنفساء. وسوف يحول القواعد إلى صيحة تتضمن القواعد الصلبة للغة الألمانية الجافة هذه. وسيدفعها إلى الأمام للخروج من أرضها وهو ما لا يمكن الاحتفاظ به بواسطة الثقافة أو الأسطورة، وسيكون طردا مطلقا، حتى لو أنه بطيء، ولزج، ومتجلط. وأن تحمل اللغة ببطء وباستمرار إلى الصحراء. وأن تستعمل القواعد لتعول، وأن تسلم القواعد للعويل. ليس هناك شيء أساسي أو ثوري باستثناء الثانوي. وأن تبغض كل لغات السادة. وافتتان كافكا بالخدم والموظفين (نفس الشيء في أعمال بروست فيما يتعلق بالخدم ولغاتهم). وأكثر ما يثير اهتمامه هو احتمال استنتاج وظائف ثانوية من لغته - على فرض أنها متميزة، وأنها لغة أساسية أو كانت كذلك. أن يكون غريبا لحد ما ضمن لغته نفسها، وهذا هو حال سباح كافكا العظيم (25).

وحتى وهي متميزة، تبقى اللغة مزيجا، خلطة شيزوفرانية، أو زيا استعمله هارليكوين (*مهرج). وله دور لغوي مختلف جدا ويتضمن مراكز قوة واضحة، يقلل من وضوح ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، وهذه وظيفة لن تكون جاهزة لتتخلص بها من الآخر، وفي نفس الوقت معها ستبدأ كل درجات التسيد والطرد النسبي. ولكن حينما تكون أساسية يتم إتاحة اللغة لوظيفة مكثفة تسهل عليها الهروب والتحليق على طول الإبداع الهارب من نفسه، ومهما كان هذا بطيئا، ومهما كان حذرا، يمكنه أن يشكل لغة خارج مجالها على نحو مطلق. كل هذه التجديدات والاختراعات، لا تقتصر على المفردات فقط، باعتبار أنها أقل أهمية، ولكن أيضا الإبداع القواعدي، وذلك ببساطة لتكتب مثل كلب (مع أن الكلب لا يكتب - بالضبط، بالضبط). وهو ما فعله أرتو بصوت فرنسا، بشهيقها، وما فعله سيلين باللغة الفرنسية، متبعا خطا آخر، خطا عجيبا لأقصى درجة.

وقد انتقلت تطورات قواعد سيلين من “رحلة إلى الموت ” وفق “خطة معتمدة”، ثم من “الموت وفق خطة معتمدة” إلى “فرقة غويغنول” (وبعد ذلك لم يكن لدى سيلين شيء يتكلم عنه باستثناء سوء حظه. بكلمات أخرى لم يكن لديه مزيد من الرغبة بالكتابة، ولكن فقط الشعور بالحاجة للنقود. وكانت النهاية دائما عند خطوط اللغة الجاهزة للهروب: صمت، القطيعة، اللانهائي، وربما ما هو أسوأ.

ولكن بعد تلك النقطة، يبدأ الإبداع الجنوني، آلة الكتابة العجيبة!. تلقى سيلين الاستحسان الشديد على “رحلة” قطع بها شوطا أبعد من “موت بخطة مدبرة” ولاحقا في “فرقة غويغنول” الهامة وفيها كانت اللغة مجرد تكثيف وحسب. كان كلامه يشبه “الموسيقا الثانوية”. كافكا أيضا لديه موسيقا ثانوية، مختلفة، ولكنها دائما مكونة من أصوات خارج أراضيها، وهي لغة تهرول بسرعة ولمسافات بعيدة. هؤلاء هم المؤلفون الثانويون الحقيقيون. منفذ خلاص للغة، والموسيقا، والكتابة. وهو ما نسميه الظاهرة الشعبية - موسيقا شعبية، فلسفة شعبية، كتابة شعبية - هروب الكلمة Worterflucht. لتستفيد من مضاعفات لسان لغة معينة، لتستعملها بشكل ثانوي أو مكثف، لتعارض الصفة المكبوتة في هذه اللغة بصفة أخرى لكن قامعة، ولتجد نقاط ارتكاز لا ثقافية ومتخلفة، مناطق عالم ثالث ألسنية وبها يمكن للغة أن تهرب، أن تكون حيوانا يدخل في الأشياء، وجماعة تدخل في مسرحية. كم من الأساليب أو الأنواع أو الحركات الأدبية، حتى الصغيرة جدا منها، يكون لديها حلم واحد: أن تقوم بوظيفة أساسية في اللغة، أن تقدم نفسها بشكل لغة دولة، لغة رسمية (على سبيل المثال التحليل النفس اليوم، والذي يود أن يكون متحكما بالدال، والاستعارة، والتورية). وأن تخلق الحلم المعاكس: تعلم كيف تصنع شيئا في صيرورة ثانوية (هل هناك أمل للفسلفة، والتي كانت لفترة طويلة رسمية، ونوعا مرجعيا؟. دعونا نغتنم هذه اللحظة والتي تحاول فيها عكس الفلسفة أن تكون لغة السلطة).

 

....................

* هذه هي تتمة الترجمة الأولية للفصل الثالث من: كافكا نحو أدب ثانوي لدولوز وغوتاري. بالاعتماد على نسخة دانا بولان. منشورات جامعة مينيسوتا.

هوامش المؤلفين:

14- انظر على سبيل المثال، رسالة إلى بولاك. في كافكا. شباط 1902. 1-2.

15- انظر هـ فيدال سبيها “مقدمة في أحوال الكثافة”. في اللغة. 18 (حزيران 1970): 104-20. نأخذ المصطلح “شدة” من ج. ف. ليوتار الذي استعمله للدلالة على العلاقة بين الشدة والليبيدو.

16- سبيها. المقدمة. 107. (“يمكننا تصور أي عبارة تنقل فكرة سلبية عن الألم، والشر، والخوف، والعنف يمكن أن تنتهي من الفكرة لتحتفظ بما لا يزيد على حدودها - وهو “القيمة المكثفة”: على سبيل المثال الكلمة الألمانية sehr التي جاءت من الألمانية فوق المتوسطة Ser تعني مؤلم.

17- فاغينباخ. فرانز كافكا. 78-88.

18- كافكا. المذكرات. 1910. 33.

19- هنري غوبارد “تراكيب اللغة الإنكليزية”. اللغات الحديثة _كانون الثاني 1972) (والألسنيات الاغترابية: تحليل رباعي tetraglossique) باريس: فلاماريون. 1976.

20- يصر ميشيل فوكو على أهمية التوزيع بين ما يمكن أن يقال في اللغة في لحظة معينة وما لا يمكن أن يقال (حتى لو أمكننا ذلك). جورج ديفروإكس (مرجع مذكور في ه. غودارد) حلل حالة الشاب الموهافي الهندي الذي يتكلم عن الجنس بسهولة فائقة بلغة محكية ولكنه غير قادر على ذلك بلغة التراكيب الإنكليزية. وهذا ليس لأن معلم اللغة الإنكليزية يفرض وظائف قمعية، ولكن لوجود مشكلة في اللغات (انظر: مقالات التحليل النفسي الإثني العام) باريس: غاليمار. 1970. 125-26.

21- عن حلقة براغ ودورها في الألسنيات، انظر “تبدل” عدد 3- (1969). وعدد 10 (1972). (من المؤكد أن حلقة براغ تشكلت في عام 1925. ولكن في عام 1920 حاء ياكوبسون إلى براغ وكانت هناك حركة شيكية يقودها ماثيوس. وقد ارتبط مع أنتون مارتي الذي يدرس حسب نظام الجامعات الألمانية. ومنذ 1902 وحتى 1905 تابع كافكا الحصص التي قدمها مارتي، تلميذ برينتانو، وشارك في اجتماعات بيرناتون).

22- عن ارتباط كافكا بلوي ومسرح الييديش، انظر: برود، فرانز كافكا. 110-16. وفاغينباخ، فرانز كافكا. 163-67. وفي مسرح الإيماءات هذا، ستجد العديد من الرؤوس المحنية والرؤوس المرفوعة.

23- مقدمة لكلام في لغة الييديش. ترجمة إرنست كيسر وإيثين ويلكينز في فرانز كافكا، الأب العزيز نيويورك: شوكين بوكس، 1954. 381-86.

24- سيعلن محرر مجلة أن لنثر كافكا “لمسة نظافة تجدها في طفل يعتني بنفسه” (انظر فاغينباخ، فرانز كافكا. 82).

25- “السباح العظيم” هي واحدة من أكثر نصوص كافكا شبها ببيكيت: “علي أن أعترف بصراحة أنني في بلدي، وأنه رغم كل جهودي، لا أفهم كلمة من اللغة التي أنت تتحدث بها”.

 

 

حيدر عبدالرضاقصة (البقعة الذهبية) إنموذجا.. الدال القصصي بين تماثل العلامة والتمثيل الرمزي

توطئة: إن تكرار الأفعال وديمومتها الإنتاجية، قد تسمح للقاص بإقامة جملة استبدالات تحولية وتوليدية في مجال وظائف الأنموذج القصصي، بخاصة ما يخص تلك الجوانب المتعالقة بين ترسيمة (العلامة = الرمز).فما دامت الوظيفة العلامية تمثيلا في بلوغات العلاقة الرمزية بالضرورة القصوى، فما على البنية الرمزية سوى أن تكون العاملية الفاعلة في تحولات المعنى إلى دلالات مسندة في عاملية المفعول المفترض من الحقيقة الحاصلة في منظور المعنى المسند إليه اقترانا بتلك التوالدات الوسائطية المؤولة من الدال القصصي.أن من حتميات البنى المركزية في عوالم أقاصيص الكاتب الأمريكي الرائد إدغار إلن بو، ما يتبع ذلك الاحتمال الحرفي في حقائق القص العليم.ولكننا عندما نمعن في مجالات نصوصه القصصية من خلال نظرة فاحصة، نجدها عبارة عن ممكنات ترميزية في مؤشرات الصياغة التماثلية أو التمثيلية الحاصلة في حدود دائرة استقرائية من مفاهيم التعابير والأوصاف وذلك العنصر العاملي الذي غدا ينحو لافتا في بث مجاهيل المحتوى الدلالي نحو تداعيات ممسرحة من الرؤية الإجرائية المحكمة الصنع والصنيع.وهنا قد يحق لنا التساؤل فيما إذا كانت نصوص بو القصصية في زمنه تحديدا، تبدو عبارة عن إيهامات وكوابيس وسوداوية حصرا في نطاق من دلالة الاغتراب أو الوحشة في احاسيس المكونات الخاصة بالكاتب نفسه أم أنها من جهة هامة تبدو هي الطبيعة البنائية للرمز التي نشئت في ظروف خاصة من الكتابة الإمكانية بأية وسيلة ما من غاية تحقيق الآثر النفسي للكاتب في توظيفه للخاصية الرمزية في مساحة دواله القصصية القصيرة.أقول أن خلاصة قولنا المعاين في دراسة عوالم قصة (اللوحة البيضوية) وقصة (طريقة الدكتور طار والبروفيسور فخر) والقصة التي هي موضع دراستنا (البقعة الذهبية) إذ بعثت فينا ذلك التعليل المحتمل بأن مجموع عوالم هذا القاص الفذ، ما هي إلا تلك البنيات الإمكانية المقيمة في شروط تنصيصها اللحظوي و الآني، ليس لأن فضاء القصة القصيرة يعد مجالا مختزلا حصرا، بل لأن طبيعة الصورة السردية في مكونات نصوص هذا القاص، تتطلب في محمول موضوعاتها تلك الحالات من الحبكة التي تلزم كاتبها تشكيل أحداث وشخوص ذات تركيز رمزي مفرط في تمايزية الموضوعة المنتقاة في الحيز النفسي والمزاجي السلوكي للكاتب نفسه.لذا وجدنا بالمقابل ثمة دلالات مضاعفة في هذا الجانب و قصة (اللوحة البيضوية) إذ تترائى لنا من جهة ما وكأنها مبالغة سريالية في شكل بورتريهات مكانية وزمانية وذاتية تدفعنا إلى قراءتها على النحو الذي يوفر لنا ذلك التماسك في مفترض التماثل الرمزي، كذلك الحال ينطبق على دلالة أجواء قصة مشفى المجانين في قصة (طريقة الدكتور طار والبروفيسور فخر) فأغلب ما جاءت به هاتين القصتين، لا يبتعد عن إيقاعات الاسلوب التهكمي المشرئب في تماثل أوجه خاصة من الأفعال الرمزية الرجوعية بالزمن إلى الوراء لأجل التقاط بدايات ومتتاليات اللحظة الذروية المضاعفة من فضاء النص.

ــ قصة (البقعة الذهبية):

المخاتلة الزمنية بين تراتبية المرمز وشيفرات الاستعادة الرمزية المخاتلة.

مدخل:

تعتمد دلالات وآليات قصة (البقعة الذهبية) ومنذ مطلع مستهلها العتباتي على جملة مسببات ظرفية وأحوالية معقدة في شكل اسقاطات محاورها الحكئية المشبعة بجوانب حدثية جارية على لسان السارد المشارك.وعند النظر منا إلى تمفصلات الحركة الزمنية في مستهل النص، تواجهنا مكونات مسرودة في حدود خطية زمن ذات أبعاد استرجاعية معرضة وأخبارية تنقل لنا مستلزمات السارد المشارك كوحدة مروية مواصلة إلى طرح السرد في خطوط مواضعة من السرد والحوارات: (قبل سنين عديدة توثقت عرى صداقتي بالسيد ويليام لوغراند، وكان هذا الصديق ثريا يتحرر من أسرة هوغونوتية قديمة.. لكن سلسلة من النكبات نزلت به أوردته موارد الفقر، ولكي ينأى بنفسه عن المهانة والمذلة ترك نيو ـ أورليان مدينة أسلافه ـ وأستقر في جزيرة سوليقان ـ بالقرب من ترك نيو ـ أورليان مدينة أسلافه. / ص35 ) وبالنظر إلى طبيعة إظهارات السارد المشارك في تطعيم السرد بتلك المؤثثات الوضعية للمكان ضمن ملفوظة الحاضر بالفعل المضارع من على لسان الحكي.

1ـ آليات الموصوف بين زمن الخطاب والرؤية الخطية:

قد تلعب حيثيات البصيرة السردية لدى بو في جملة مواقف النص، بهالات مماثلة تلعب دورا بارزا ما بين احتوائية (الموقف العارض ـ الموقف المعمق) وصولا إلى اقترانات إمكانية موحدة من شأنها تكثيف اللحظات الحسية نحو وقائع ذهنية تتساند في مؤثرات التفاعل السردي، ابتعادا نحو حلقات واصلة من بؤرة الأرتكاز الأفعالي والصفاتي للشخوص القصصية.وتبعا لهذا المجال من التنصيص الذي أشرنا إليه، يكون بإمكاننا معاينة حجم الواصلة الوصفية عند مدخل النص، وإلى درجة شعورنا بأن بو كان يسلخ مرحلة توصيفية باهرة في رسم معالم الجزيرة وما تحمله من نباتات مصنفة بموجب قائمة أسماءها وصفاتها، كل ذلك من أجل فعل مسببات البيئة التي أختار المكوث فيها الشخصية ويليام لوغراند مع خادمه الزنجي: (أختار صديقي ويليام لوغراند أعماق هذه الآجام، التي تقع في الناحية الشرقية من الجزيرة، وأبتنى لنفسه كوخا، وسرعان ما تحول هذا التعارف إلى صداقة وثيقة العرى، فقد وجدت في معتزله هذا ما يبعث على الاهتمام ويدعو إلى التقدير/ كان فصل الشتاء في جزيرة سولفيان معتدل المناخ، يندر أن يلجأ المرء فيه إلى إشعال الحطب..ولكن حدث في يوم من الأيام منتصف شهر تشرين الأول ـ أكتوبر سنة ـ 18 أن أشتد البرد في تلك المنطقة اشتدادا ملحوظا..ورأيت نفسي قبيل غروب الشمس، وأنا أسعى عبر الحشائش، إلى كوخ صديقي، بعد انقطاع عنه دام بضعة أسابيع. / ص36 ) أن من جماليات القص لدى بو إنها تمتاز بكلية الموصوف، فهو لا يدع ثمة وحدة تنفر من نسيج سرده، إلا ولها تلك العلاقة الخصبة إزاء موجه مسنده البؤري، لذا فإن ابعاد حسابات حكايته لا تفرط بأدنى عينة ما إلا وتقود إلى نسيج جوهر التبئير في عينه، وهذا ما صادفنا لمثله في قصة (اللوحة البيضوية) وقصة مشفى الجانين حيث تتضافر جميع الاسباب إلى خلق حالة ارتكازية في سياق النص الكلي، فهذا الوصف للزمان والمكان الساحر، ليس محض سياحة في أعشاب الجزيرة، بل إنها وجه الملامح الوقوعية المكملة إلى طبيعة صورة الشخصية وكيفيات خوضها في تجارب غريبة مع صديقه وخادمه الزنجي.

2ـ الحشرة الذهبية:

مدار المحفز الحبكوي ومغزى علامة الإمكان:

في الحقيقة أننا لا نستطيع أن نجعل من تحلينا للنص كحالة مختبرية من شأنها النظر إلى الأشياء من خلال ناظور طبي فاحص، بل أننا سوف نتعامل مع علاقات الدلالة في حدود مؤشر موضوعي تعقيبي من شأنه التحديق في مستوى العلامة في النص كدليل إيصالي للوصول إلى أنظمة الدوال المثيرة في صناعة استنتاجاتنا التحليلية لمأرب النص.أقول مجددا أن وظيفة السارد المشارك في النص، كانت بطريقة ما تعد كوسيلة إيصالية دون شك، لذا فإن الحكم على ممارساته داخل النص، يمكننا عدها بالشاهد عن صحة وصفنا من ناحية الدقة والعناية.وذلك يعود لكون السارد المشارك كان مترجما وشاهدا لنقل أهم متعلقات الشخصية وليام وخادمه الزنجي، ناهيك عن دوره المشارك كشخصية مضافة في النص، وعلى هذا النحو وجدناه يتلقى من صديقه خبر عثوره إلى تلك البقعة الذهبية أو الحشرة الذهبية أن صحة ترجمة المصدر المعجمي للنص، وما يتبع هذه البقعة من معايير وخيارات وحوافز تخوله إلى أن يقع في مأزومية ذهانية غريبة من نوعها: (وما إن أسدل الليل ستاره حتى أقبلا، فرحبا بي ترحيبا حارا، وأبتسم الزنجي ابتسامة عريضة، وراح يعد لنا دجاجة من دجاجات المستنقعات..أما لوغراند فكان في طفرة من الحماسة لأنه عثر على صدفة غريبة مشطورة، هي نوع جديد من الصدف، والأهم من هذه الصدفة أنه أسقط بقعة من نوع سكارابوس ـ بمساعدة جوبيتر واحتفظ بها، وهو يعتقد أن هذا النوع من البق جديد تماما، ويود الاطلاع على رأيي بصددها في الصباح. / ص37) لاشك تماما من أن بو كان يتبع في سرد قصته ذلك الاسلوب الخاص من (الحبكة المتماهية) إي هذا النوع الذي يجعل من طريق الوصول إلى المغزى الدلالي بأكثر من طريقة، وعند معاينة عدة طرق في وسائل بلوغ هذه الحبكة نجد أنفسنا داخل حبكة جديدة في مستوى خاص من الذروة ذاتها، إذ أن حالة التعرف على مكامن الشيء في مثل هذا الأنموذج من الحبكة المتماهية، قد يقودنا إلى جملة محققات غاية في التكهن والشد الموضوعي، لذا تابعنا مستوى غموض المكاشفة في متعلق البقعة ذاتها، وذلك عندما طلب السارد المشارك من لوغراند بمرأى هذه الحشرة الآن، فكان رد لوغراند بأن أمر رؤيتها يتطلب منه الانتظار حتى الصباح.وبهذا الحال كان الغرض من لوغراند ليس التمويه طبعا، بقدر ما كان الأمر متعلقا في شخصية الملازم (ج) التابع لحامية الحصن على حد مصادر النص: (ـ ولماذا لا يكون ذلك هذه الليلة؟فأجابني:ليتني عرفت أنك هنا في كوخي..لقد مضت مدة طويلة من الزمن لم أراك في أثنائها، فكيف لي أن أتنبأ بمقدمك هذه الليلة بالذات؟..فحين كنت عائدا إلى البيت التقيت بالملازم  ـ ج ـ وقد دفعني الحمق إلى أن أعيره البقة الذهبية. / ص37) من هنا نعاين مدى رجاحة هذه الممارسة الخاصة بوظيفة الحبكة المتماهية، حيث أن جميع وسائل الانفراج تبقى وهن مؤشرات متداخلة في الاسباب والاحوال المتفاوتة من قبل الشاهد السردي في النص، وهو ما يشغل فضاء تساؤلات الزمن الواقع ما بين طلوع الشمس وحجم ذلك الكائن الذي هو بحجم البندقة: (وفي هذه الأثناء أعطيك فكرة عن شكلها ؟قال لوغراند ذلك وجلس إلى خوان صغير عليه قلم ومحبرة، بأستثناء الورق، وعبثا بحث عنه في الدرج.وقال في نهاية الأمر:لا بأس في ذلك، فهذه الورقة ستقوم مقامها..وأخرج من جيبه طلحية ورق قذرة جدا، ورسم عليها رسما غليظا...وفيما هو منهمك بعمله هذا قربت مقعدي من النار لأنني أحسست بالبرد يسري في جسمي. /ص38)لعل القارىء إلى هذه الوحدات من النص تساوره الآن عدة بداهات في مكون جل اهتمامنا حول تسليط الضوء على هذه المقاطع، دون الخوض منا في سرد باقي معللات النص تباعا، لذا أقول بدوري أن بناء هذا النوع من (الحبكة المتماهية النسق)تقودنا تفرعاتها البداهية إلى منظور العلامة الدالة في شكلها المكين من الرؤية، فلو تجاوزنا كل واردات النص عبثا دون قصدية ما، لما استطعنا فهم مغزى هذه الحبكة أبدا، بخاصة وأنها روح الجوهر في مقصدية الشيفرة الرمزية في كشوفات المعنى المضمر.

3ـ علاقة محكيات النص: جهات موضوعة النص:

قد نستطيع دوما أن نفصل بين مستويات صياغة النص، ولكننا لا نقدر على فصل شروط علاقة الفاعل المنفذ في محكيات النص نفسه، بخاصة إذا كان الأمر مرتبطا بجهات موضوعة لها أو اواصرها في أنساق المرسل النصي.أقول أن العلاقة ما بين محكيات الشطر الأولي من السرد له مخصوصية بالغة في فهم حدود العلامة المحمولة في نوازع تلك الخطاطة التي قام الشخصية لوغراند على الرسم عليها، في حين كان السارد المشارك مشغولا بالتدفئة قرب النار، وفي أثناء انتهاء لوغراند من رسم شكل ذلك المجسد للبقة الذهبية، جاء طارئا فإذا به الباب يفتح ويدخل ذلك الكلب الضخم مقتحما الغرفة:(ويقفز على كتفي ويغمرني بلعقة، لأنني كنت أبدي له في زياتي السابقة كثيرا من الاهتمام..ولما كف عن قفزه وقمزه، ألقيت نظرة على الورقة، والحق يقال أنني وجدت نفسي في حيرة مما رسمه صديقي..كما أنني لا أجد لجمجمتها شبيها في كل ما وقع عليه نظري من هوام ! فرد علي قائلا الجمجمة..حقا إنها تبدو على القرطاس كما تراها. / ص38) هكذا تباشرنا مؤشرات العلامة في علاقة محكيات النص ضمن واصلة سياقية معقدة في النواة والحصيلة المرمزة، إذ في مقابل ذلك الخليط من الإيهام والغشاوة التي جعلت من السارد المشارك يرى ذلك المجسد على الورقة بمثابة الجمجمة، ليس إلا. لنعود الآن إلى رؤيتنا الخاصة بما يخص العلاقة بين الفعل السردي وضروب جهات الموضوعة، لنجد أن الشخصية في حال نموذج الجمجمة هي العلامة مثالا، أما تلك الحشرة الذهبية هي (فاعل حالة) وجهة للموضوعة في دليل (علاقة مرسل) في حين يبقى السارد هو الشاهد على (فعل الارادة) النابعة من جهة الشخصية لوغراند، مرورا بذلك الخادم الزنجي الذي هو يشكل بذاته بمثابة إطار حدود العلاقة على النحو الذي يمكننا جعله كينونة(فاعل محيط)ينبغي أيضا أخذ وظيفة السارد المحكي ككفاءة وجود سردي أو ملفوظي على نحو يمكننا من جعل أغلب معطيات العلاقة الدائرة ما بين(السارد المشارك ـ الشخصية لوغراند ـ الخادم الزنجي ـ البقة الذهبية ـ الجمجمة)كملفوظات فعل معرفة إلى مرحلة ملتبسة في جهات الموضوعة أو العلامة المحددة في خطاطة الجمجمة.إذن ما وجه الإشكالية في أن يرسم الشخصية لوغراند قاصدا البقة الذهبية، فيراها السارد في عينه وتقديره عبارة عن جمجمة لا أكثر؟هل ممكن أن يكون لوغراند كما تصفه مصادر النص بأنه رساما فاشلا مثالا؟أم أن هناك غشاوة إيهامية في نظر السارد المشارك؟وما يؤكد لنا حقيقة المعادلة في مرجعية حكاية الحشرة الذهبية كوجودا فاعلا في النص طالما أن دليل وجودها غدا يحدده ذلك الصباح المجرد من حضور السارد المشارك نفسه؟.وعلى جملة هذه الردود من الأسئلة لعلنا نعاين ما جاءت به هذه الوحدات الحوارية من اثبات ونفي بين صوت السارد المشارك كشخصية والشخصية لوغراند: (وما من ريب في أن بقتك هذه هي أعجب بقة في عالمها...وبوسعها أن تخلق فينا اعتقادا باطلا...وفي رأي أن تدعوها بقعة سكارابوس أو خنفسة نهاية الانسان: فأجابني لوغراند بحماسة إلا تراها..لقد صنفتها بالنسبة إلى إصولها، وفي ذلك كفاية كما أعتقد.فقلت له:حسنا تقول: لكنني لا أراها...وناولته الورقة فلم تكن تحمل رسم بقة وإنما رسم جمجمة انسان عادي لا أكثر. / ص39)قد يسهم حضور التركيز التكهني من قبل السارد المشارك تباعا حول حوافز تبئيرية خاصة في مدار الشد الوحدوي، ذلك تأكيدا نحو وجود العلاقة الإيهامية الواقعة ما بين(الحشرة الذهبية ـ الجمجمة) وصولا منهما إلى تلك الواصلة التصاعدية في مواجهة ذلك اليقين المرموز بمحكومية العلامة في مداخلات الأحداث الراصدة في علاقات المتن.

4 ـ البؤرة المفصلية في أفق الشاهدة الرمزية:

أن التراتيبية البؤرية المتشكلة في غاية النص المفصلية تبدو على نحو ما إنما خرجت عن مسار الممارسة التبئيرية النمطية، لتكون لذاتها تلك العلاقة الزمنية المشبعة بروح التفاصيل المعقدة في دائرة (البؤرة المفصلية) أي هذ البؤرة الحاصلة من أوجه علامية مركبة في الدليل والدلالة والمرجع.لذا وجدنا مسار شخوص النص المتكون من السارد المشارك والشخصية لوغراند إلى جانب خادمه الزنجي، تتبع وظيفة الترتيب في اللعب البؤروي، وصولا إلى حادث استدعاء لوغراند في أحد الأيام بواسطة خادمه الزنجي طلبا إلى مجيء السارد المشارك من منزله الواقع في أحدى القرى المحاذية للجزيرة.وما شاع بين الخادم الزنجي والسارد المشارك من خلال لقاء جمع الأثنان، بأن لوغراند نفسه صار يعاني من اضطربات نفسية قريبة من الهلوسة والهستريا، ذلك ما راح يعزز رأي السارد المشارك من ذي قبل، والذي كان يتفق مع ما قاله الزنجي بحق سيده، فيما راح يضيف السارد مثل هذه الأقوال قاب قوسين: (قلت: أريد أن أفهم ما تعنيه يا جوبيتر..فأنت تقول إن سيدك مريض: ليس ما يستدعي اهتمامك الكبير بالأمر يا سيدي، فالسيد ويل لم يقل شيئا عما يشكو منه، ولكنه يتجول مطأطىء الرأس..ويحمل بيده لوحا دائما.قلت: يحمل لوحا عليه أرقام... وهذه الأرقام هي من أعجب ما رأت عيناي...ولقد قلقت عليه من أجله، وشددت المراقبة عليه، لكنه رحل ذات يوم خفية وتركني بمفردي منذ شروق الشمس حتى غروبها. / ص40) ما جعلنا نلتفت إلى غرائبية تصرفات الشخصية لوغراند ورسالته المرسلة بيد الخادم في صدد حادث البقة الذهبية، قد جعلنا مرارا نلتمس العذر والمعاذير إلى هول ردة فعل الخادم الزنجي جوبيتر.ولكن هناك ما هو جوهريا بلا أدنى شك من جهة حماسة لوغراند في ذلك المعمول من لوح الأرقام، فقد يكون حسابا فلكيا نادرا أو أنه وصفة طلسمية تخص عملية البحث عن كنوز ما في حقل مدفونة أو فوق شجرة أو في قاع بحيرة متفرعة من النهر؟تحكي لنا مصادر السارد المشارك أنه عندما اجتمع الثلاث في الكوخ مجددا اقترح لوغراند على خادمه وصديقه السارد المشارك نفسه بالذهاب نحو تلك الغابة الواقعة في قلب الجزيرة بواسطة الزورق والكل منهم يحمل المعاول والمصابيح اليدوية، وعندما بلغ الثلاثة مسافة شاقة من قلب الغابة توقف لوغراند دون خادمه وصديقه السارد، آمرا الخادم بأرتقاء أحد الأشجار الشاهقة وحتى نهاية أغصانها العرشية: (فأجابه الزنجي:وما هو الأرتفاع الذي سأبلغه؟قال:عليك أن تصل إلى نهاية الجذع الرئيسي أولا، ثم أخبرك عن الاتجاه الذي ينبغي عليك أن تتجه إليه.والآن قف..خذ هذه البقة معك.فصاح الزنجي وهو يتقهقر متقززا وقال:البقة!.. البقة الذهبية!..وما الحكمة من حمل هذه البقة إلى أعالي الشجرة؟. / ص47).

5 ـ إيماءات البنية العلامة وصراع واقع الحكي:

في أجواء طابع دلالات قصة (البقعة الذهبية) أو في ترجمة أخرى (الحشرة الذهبية) يضع بو تساؤلات القارىء والشخوص في محمل من العوامل العلامية المرتبطة في حدود المرمز من قبل غواية الوظيفة الرمزية ذاتها، وذلك لأن الأمر يعود بدوره إلى سياق الحبكة المتماهية أو المفصلية في مدار الحكي القصصي.لا أود الإطالة أكثر مما ينبغي في تحليل وتعليل كل خطوات النص، مكتفيا بالقول الختامي الذي يتلخص مضمونا بأن الضوء الذهبي الناتج من عين الجمجمة التي عثر عليها الزنجي أعلى غصن الشجرة، أسقط بشعاعه بقعة دائرية بين أقدام الثلاثة فسارع كل منهم يحمل الجراف وآخر يحمل المعول وآخر يضيء ويزيح التراب الخارج من الحفرة أسفل الضوء الساقط من عين تلك الجمجمة اليسرى في أعلى الشجرة.وما هي إلا لحظات قليلة من الحفر، حتى تبين إلى الرجال ذلك الصندوق القديم وإلى جواره كانت تقطن مجموعة من الأجزاء والقطع العضوية التابعة لهيئة جثة بحار قديم.وعندما تم فتح الصندوق استبشر الرجال بأن ما عثروا عليه هو عائد إلى أحدى كنوز البحارة أو القراصنة المخبئة تحت الأرض.

ـ تعليق القراءة:

في الواقع أن آليات الحبكة المتماهية أو المفصلية في مسار فواعل النص، قد لا يعول عليها نقديا بما تحمله من فكرة قريبة إلى أدب الملاحم و الآراجيز الحكائية، ولكن الأكمل في سياق النص هو القيمة في كيفية توزع الحبكة في موضوعة النص على كل هذه المحاور من الشد الموضوعي والسبك المتقن في محتوى الحكائية القصصية. ناهيك عن تراتيبية التضافر العاملي في صنع هوية وشاهد رؤية النص نفسه.قد تكون من جهة هامة مجموعة عوالم أقاصيص الفذ (إدغار ألن بو) ليس بالمستوى المعاصر والحداثوي في ناحية توظيف عناصر وتقانات آليات القصد الميتاحداثوي، ولكنها أقاصيص اتشحت بوشاح كل عوالم الفن القصصي المتين الذي تتوزعه الإيحاءات والترميزات والعلامات المؤثرة في خصوصية هذا الفن الأثير وطابعه الخاص. أما عند الحديث عن نهاية قصة (البقعة الذهبية) فلا أتصور من جهتي الشخصية أن لها كل الثقل في معايير ومميزات القصة النمطية الباردة التي نقرأها في يومنا هذا، كأنها بنيات خواطرية تسمى بالقصص. أتمنى من كل قارىء أن يقرأ وأن يتمعن في فن بو القصصي الذي وجدنا فيه أكبر الأبعاد المحاكية ما بين الواقع والمتخيل، وما شدنا إليه هو ذلك المكنون من العوالم السرية المشرئبة بجمالية الصنعة والتشكيل المجرد في موضوعة المواقف والأسرار الغاطسة في غياهب القعور المظلمة من الدلالة والدليل، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مفاتيح الطاقة المكرسة في تلك الابعاد المدلولية المثمنة.

 

حيدر عبد الرضا

 

  

هشام بن الشاويمثلما اشتهر نجيب محفوظ بحواري القاهرة، رغم أن بعض رواياته اختار لها الإسكندرية مسرح أحداث، فقد هام الكاتب والروائي الستيني إبراهيم عبد المجيد بفاتنة الكتاب والفنانين ومسقط رأسه أيضا: الإسكندرية، فخلدها بروايته الشهيرة:" لا أحد ينام في الإسكندرية"، وروايات أخرى من بينها : "الصياد واليمام"، وبلغة شاعرية مرهفة، تستبطن أعماق النفس البشرية، يواصل بطل الرواية /صياد اليمام رحلته باحثا عن اليمام/عن الدفء/الحنان.. في يوم شتوي، فيكتشف - عبر السرد الحلمي الاستيهامي- أن كل ما هو موجود غير موجود، ويظل يطارد الأمل بأسى شفيف...

برع إبراهيم عبد المجيد - في الرواية طبعا- في وصف شتاء الإسكندرية، هذه المدينة التي ارتبطت في الأذهان كمصطاف.. يصور شتاء صباح قاس، في محطة القطار الخالية، والتي تحضر بقوة في معظم قصص وروايات عبد المجيد. الريح تعوي، والشمس سكنت في جوف السماء وأعطت ظهرها للأرض. هذه المتعة التي نصادفها في القراءة تجاهلتها الكاميرا: برد اليوم مختلف رغم أن الشتاء الطويل يأتي كل عام. إنه يعرف ذلك ولا يستغرب. من سبق أن استغرب لدوران السنين؟ وعربات السكك الحديدية الفارغة تبدو لصياد اليمام مثل "طابوري حزن". الرصيف خال، والعصافير قليلة وهو لا يصطادها.. "ربما حين غمر النور المدينة تعلق الناس بخيوطه الواهنة وصعدوا جميعا إلى السماء وهو بعد نائم مع زوجته. علمته العربات الصمت. علمه شتاء الإسكندرية الخشوع. كيف يكون الفرح في شتاء دافئ !؟ ".

ويكتب إبراهيم عبد المجيد عن قاع المدينة، ومعاناة العمال الوافدين: "وفي المقاهي الرخيصة السوداء، حيث تختزل الرجولة في ضربات أكف حامية فوق المناضد، بعد هزائم وانتصارات في الدومينو والورق ينسى أبناء الشمال الإسكندرية. يعطونها ظهورهم ويفتحون عيونهم على مدن جديدة. والإسكندرية الصغيرة الطويلة، ممتدة كامرأة نائمة ممشوقة لينة القوام، لها عجيزة مترهلة كثيفة الشعر والقمل. تعطي الإسكندرية أبناء الجنوب جنوبها حيث العفن في الشوارع المتربة الضيقة الموحلة والبيوت المكومة فوق بعضها. يرحل أبناء الشمال بعد أن يمصون لبن الضرع القوي ناصع الحمرة والبياض. تظل عجيزة الإسكندرية مسك الختام لأبناء الجنوب ".

صيد اليمام لم يكن سوى تسلية نصحه بها زميله (طلعت زكريا في الفيلم)، ولم يكن يعرف، من قبل، أن في الدنيا يماما، وإن سمع الكلمة ترددها أفواه الرجال واصفين بها النساء: "طالما تعيش وحدك مثلي لماذا لا تصطاد اليمام؟"، ويمضي رافعا عينيه وبندقيته مستعدا للتصويب في أي لحظة. ولا ييأس رغم أنه لم يصطد يمامة منذ خمسة أعوام. ليس اليمام -وحده- من اختفى، وإنما زميله، وقبله أمه، تلك الجنية الجميلة الوديعة، وكذلك "قمر" بائعة الشاي، والشرطي والعجوز صديق الثعابين، وهند جامعة حبوب القمح من أرصفة السكة الحديدية... خمس سنوات يمضي ببندقيته ومخلاته ولا يصطاد شيئا، ولا يفكر في أن يجرب تغيير المكان.

ومن شخوص الرواية اللا تنسى.. الشرطي (يجسد دوره صلاح عبد الله)، وربما - لأول مرة في تاريخ الرواية العربية-، يقدم لنا كاتب شخصية بغيضة بمثل هذه الحساسية والشجن. فالشرطي يشير إليه أن يجلس، ويفاجئه بأنه كان يراقبه كل هذه المدة، وذلك اليوم فقط يكلمه. الشرطي وحيد معزول، لا يغادر كشكه ويحتاج إلى من يكلمه.

- "غريب أنك تصطاد هنا منذ أكثر من خمسة عشرة عاما ولا تعرف المنطقة.

-إنني أعرف الأرصفة وهذا يكفي.

وضحكا. فكر الشرطي قليلا وقال.

-حقا. هل تعرف أني مثلك لا أعرف غير هذا الكشك؟".

ويخبره الشرطي برغبته في أن يستقيل، لأن مهنته لا معنى لها، وفي منطقة واسعة ومكشوفة كالتي بها، لا أحد سيسرق قطارا أو يجر عربة سكة حديد إلى المدينة "لماذا أجلس إذن هنا؟. ويتضح له أن المنطقة التي يراقبها تقل عاما عن عام، بسبب ضعف بصره. لكن صناع الفيلم شوهوا هذه الشخصية بإضفاء بعض توابل السينما عليها، حتى صارت نمطية...

اليمام ليس سوى حنان الأم الفقيد، التي اختفت بعد أن تزوجها العم قسرًا... فيبحث عنها صياد اليمام في كل شيء، ويعجز عن أن يحب زوجته التي لا يعرف حتى اسمها، بينما في المعالجة السينمائية يتم تلفيق قصة حب بين صياد اليمام/أشرف عبد الباقي وسماح/علا غانم على غرار أفلام المقاولات التي تسند بطولتها إلى مراهقين، يتمتعون في أغلب الأحيان بـ "خفة الدم" أو بمعنى آخر التفاهة، فنراه يحاول سرقة إعجابها بأن يتشاجر مع نادل المقهى المقابل لبيتها، ثم يتنكر في هيئة الجابي عند رؤيتها بالترام.

حين تظهر يمامة يفشل في إصابتها، (للأسف هذه اليمامة لم تظهر في الفيلم)، رغم أنه - في الرواية طبعا- أفلح في إصابة الثعبان الذي يتربص بالعصافير بمهارة، وكأن إبراهيم عبد المجيد بهذا الحدث (الانتقام للعصافير) يواسي البطل والقرّاء، بل ويفلسف الحدث وكذلك صيد اليمام متحدثا عن الظلم والعدالة... لكن في الفيلم لا نجد أثرا لشجرة التوت ولا للثعابين، وصديقها العجوز وكشكه، بل إننا سنحتار في أمر شخصية هذا العجوز.. هل هي شخصية البهلوان (علاء زينهم) الذي قابله سيد/ المراهق بعد قتل العم وهروبه من البيت، بغض النظر عن تمطيط الزمن الفيلمي، فنراه - سيد- بهلوانا فاشلا، ثم يعمل بائعا متجولا، مع أن الرواية تتحدث عن عجوز حاوِ، وشتان بين الحاوي والبهلوان... سيلفت انتباهنا أن كاتب السيناريو يفصل الأحداث والشخصيات حسب هواه، فشخصية العجوز طلبة شطرها إلى شخصيتين مختلفتين، متناقضتين وفاترتين معًا... أدى إحداهما لطفي لبيب، وهو يصطاد السمك - وهو الحاوي في الرواية-، والثانية هي الشخصية التي شخصها علاء زينهم؟ لكن الأغرب والمدهش هو اختراع شخصية المصور جورج، وهي غير موجودة بالنص الروائي، ونراه بنفس السن في أول الفيلم وآخره... وحين ذهب سيد للحانة، فهو سأل عن والد هند الذي اختفى، حتى يعيد إليها الإحساس بالأمان والأبوة، وليس بحثا عن صديقه الشقاوي (طلعت زكريا).. هذا التزوير يبدو غير مستساغ أبدا، رغم أننا قد نتفق مع كاتب السيناريو في إغفال بعض التفاصيل، مثل حكايا أصدقاء الحان واختفاء صديقهم الغامض، لأنها تبدو خارج السياق الدرامي للفيلم...

أما موت الطفل فيقدمه الروائي بشكل ملتبس وآسر، وليس كما اختصره الفيلم، حيث يلقى حتفه في حضور والديه.. يدهمه قطار، بعد أن جاء بصحبة أمه، وهي ترجو الأب/ صياد اليمام أن يعود معها إلى البيت. إبراهيم عبد المجيد تلاعب بمشاعر القراء من خلال اختفاء ابنه، وقدمه بشكل غامض، جعلنا نعتقد أنها مجرد كوابيس، ويبلغ المشهد ذروته - في الرواية طبعا- حين تسأله الزوجة: من يدفن الولد؟ ويتركها تندب، ويخرج للصيد، كعادته كل صباح... لكن الفيلم أغفل هذا المشهد الخارق، الذي كان سيتيح للممثليْن طاقة تعبيرية هائلة، مثلما تم إغفال المشهد ما قبل الأخير في الرواية، حيث تنقشع الظلمة وتنجلي الحقائق، وقبلها يتحدث الكاتب عن معرفة صياد اليمام - مثل اللص تماما- لطول العربة المظلمة من خلال الإصغاء إلى صدى خطواته فقط، وهذا مشهد صعب ترجمته للمشاهد بالكاميرا، وفي عربة القطار المظلمة المهجورة، يحس أن لا ملاذ أمامه سوى زوجته، التي تحملت قسوته وجفاءه...

في حوار مع أشرف عبد الباقي أعلن تبرؤه من الفيلم، وبأنه لن ينسبه إلى رصيده الفني، ويرى بأن المسؤول الأول والأخير عن فشل الفيلم هو المخرج إسماعيل مراد، لكن لي رأي مخالف، فكاتب السيناريو علاء عزام يتحمل كل الفشل.. بدل تقديم مشاهد بصرية تترجم ثراء هذا النص الدرامي الباذخ، ولن نغالي إن اعتبرناه من الروايات العالمية، فقد كتب بطريقة باهرة... لكن الكاتب والمخرج لجآ إلى التقريرية والمباشرة، وربما هذا الشيء الوحيد الذي نقلوه من الرواية بأمانة، كقول بائعة الشاي قمر(بسمة) لصياد اليمام إنه "لا يرى إلا ما يريد.. اليمام". بعد أن انتبهت - وبعد خمسة عشر عاما- إلى نظرته، وتصارحه بحبها.. وهي في الرواية لا تأخذ مساحة كبيرة، بينما في الفيلم صرنا أمام فلاش- باك مطوّل يروى على لسان أحمد راتب (ماذا أضاف وجود الراوي/أحمد راتب، وهو يحلل بسذاجة ما لا يحتاج إلى تحليل أو حتى إلى سرد، مرددا ما تقوله أو مقررا ما تفعله الشخصيات؟)، ويبوح سيد لقمر/ للمشاهدين بأوجاعه وبأوجاع والديه من قبل، وهو الصموت الذي لا يبوح بأوجاعه لأحد. "كان يبذل جهدا كبيرا في أن يمضي أيامه في صمت. يطرد كل هاجس ألم. كان يعرف أنه لو تكلم. سيحكي ويشكو والوجوه حوله متعبة"، كما جاء في الرواية.

لقد جعل إبراهيم عبد المجيد صيد اليمام معادلا موضوعيا وجماليا للبحث عن الدفء والحب والحياة الكريمة، لكن الفيلم عوّض صيد اليمام بصيد النساء، ورأينا أشرف عبد الباقي "دون جوان" يتنقل من حضن الأم (دنيا) إلى سماح (علا غانم) إلى هند (حنان كرم مطاوع، التي جسدت أجمل دور نسائي بالفيلم، بأداء شاعري يناسب براءة ملامحها)، ثم قمر(بسمة، التي لم يحبها حبا جسديا، وإن اشتهى في الرواية أن ينام على صدرها). لكن أسوأ ما في الفيلم تلك العلاقة غير المشروعة التي تجمع بين الشرطي (صلاح عبدالله) ووالدة هند (سلوى عثمان، في دور جريء يختلف عن أدوراها السابقة، لكنه نمطي سينمائيا)، فهما يبحثان عن الخلاص من خلال علاقة جسدية بلا حب.. للهروب من الواقع المرير، مما قد يكرس لدى المشاهدين فكرة مشوّهة.. بأن هذه الطبقات المسحوقة لا يشغلها إلا الجنس والخيانة، وهو تسطيح للمعالجة الدرامية، بدل ملامسة جراح الأعماق وتحليل الحدث.. على طريقة المخرج- الفلتة خالد يوسف، والذي- للأسف- لا أتحمل أن أشاهد أي فيلم له أكثر من خمس دقائق، وأحيانا أكتفي بقراءة ما يكتب عنه فقط، وكفى الله المؤمنين شر القتال، بينما عاشق الإسكندرية (إبراهيم عبد المجيد) يتابع شخصياته وهي تبحث/تطارد الأمل الأبتر في زمن الحزن الشفيف السرمدي، ذلك الحزن المقيم في القلوب الكسيرة.

هذا الفيلم سيطرح مرة أخرى، وبشكل جاد للنقاش العلاقة بين السينما والأدب، فالرواية تجريبية وليست كباقي روايات إحسان عبد القدوس أو يوسف السباعي، ولن نصادر رأي أحد إن كتبنا بأنها لا تنفع للاقتباس، ولا ينفع استسهال صنّاع السينما التعامل مع شبيهاتها.. كثيرون انتقدوا الفيلم، لأنهم اعتبروه غامضا مثل أفلام يوسف شاهين، والبعض تصيدوا أخطاءه التقنية والإخراجية، ولا أظنهم اطلعوا على الرواية، في حين أعتبر نفسي الأسوأ حظا، لأنني قرأت الرواية وشاهدت الفيلم، لذا حاولت التركيز على أحداثهما وشخوصهما قدر الإمكان.

 

هشام بن الشاوي

 

سوران محمدينظر البعض الى النقد بمثابة عملية جراحية شاقة لأعادة کتابة النصوص حسب معطيات علمية لسبر أغوارها  معتمدا على غنى الفکرة وزوايا الروءى وأبعادها الابداعية، والمحصلة اما ان تكون موافقا أو مخالفا مع مرامي المٶلف أو الشاعر، ولا تكتمل هذه العملية  الا عندما يبني الناقد قراءاته على أسس ورکائزمتينة يتجلى من خلال بناءه جماليات النص أو مساوئه، ولو ان کل نص يحمل بشكل من الاشكال بين طياته دلالات ولمحات ابداعية ومكامن روحية، وكما قيل: الوردة جميلة في البراري حتی وان لم يتطلع عليها أحد.

 اذا ليس أمام الناقد الحاذق التريث والتقاعس بحجة ضعف مستوى النصوص وبساطتها، في حين يصنف معظم الشعراء في زماننا هذا من الطبقة المغبونة والمنبوذة وهم المطرودين من جمهوريات عدة، بل احيانا يعلن وفاتهم وهم على قيد الحياة! كما أشار اليه الاستاذ عدنان الصباح في مقاله "حين يذبح الشاعر قبل موته" اشارة منه الى قصة الشاعر المرحوم خالد أبو خالد.

صحيح ان  نبرة الحياة في الأصل حزينة فلا حاجة الى لوم الشعراء وتسميتهم بالمتشائمين؟ لنا ان نتسائل هنا هل ان بلوغ مفاهيم الفراق ومعرفة  طبيعة قصر الحياة ونهايتها الخاطفة والاحساس بعذاباتها تعتبر شوءما ام  تبلورا لأصل موجود فعلا وهو مخفي عند الأكثرية؟ وتظهر هنا هذه المعرفة الفلسفية العميقة في صور ودوال شعرية نابعة من أغوار نفس الشاعرة کقناعات راسخة.

فلنسافر هذه المرة مع الشاعرة الموهوبة خديجة بوعلي الى المغرب حيث الضوء يختفي من وراء السحب الظلماء، ولنبدء بنقاش العنوان  (يزهر العمر حزنا ). فكما قيل ان النص من دون عنوان يعتبر کالبيت دون الباب، هنا في هذا العنوان نلاحظ ونتلمس نقطتين متضادين، فالمفارقةparadox  واضحة في العنوان وهو جمع ضدين وهما الزهر مع  نقيضها الحزن، فهل يعتبر الحزن زهرا؟ وهذا الاسلوب الجميل يذكرنا بحائية د.ناديا حين  تقول:

مع الجيناتِ السياسية

و جوقة الحاء السخية:

الحب  و….الحرب

الحزن و…الحنين

الحق و….الحقيقة

الحلم و…الحسرة

الحزم و..…الحنان

البحر  و….الحريق

الحديقة و….الحبق

ثم ان وضوح العنوان "يزهر العمر حزنا" يتناقض مع المتن المجازي المصقل بماء الاستعارات  ودفء  الرموز، وربما يرجع السبب هذا الی تعمد الشاعرة اختيارها لهذا العنوان الواضح والصريح، كي لا تتهم بالغموض الغير الهادف، فتصبح العنوان بمثابة المفتاح لدخول الصرح  الشامخ  للنص، كما ان هذا العنوان يأتي على شاکلة نصها السابق (العمر سيل جارف) حيث تکتب الشاعرة  فيه:

لم تنتبه

أن الموت أهون من حياة على صفيح ندم ساخن

***

فلو تحدثنا عن اللغة المستعملة في متن هذا النص لنراها لغة شعرية راقية لأسباب عدة:

١- تجنب البساطة والصراحة والأسلوب الخطابي المباشر.

٢- الخروج عن الثيمة الرومانسية المألوفة.

٣- تخطي حاجز الذاتية والسرد الشخصي.

٤- الاستعانة بالرموز ومصطلحات لغوية نادرة.

 فهي تتداول مصطلحات ندرة الاستعمال کالـ(جدائل، العوسج، قفار، فاهرة، لجين ) بل تحاول جاهدا ان  تستعين على سبيل المثال بصيغ المبالغة كما في (الصموت) أو استخدام (صَبيب) لكونه صفة ثابتة للمفعول من صبَّ: مصبوب.

أما اذا أتينا الی الفكرة والروءية الشعرية سنواجه لأول وهلة أفعال مضارعة وماضية في منتهى السوداوية والقنوط كالـ: (تفتر، يتضاءل، تتدلى، تمزق، يخفت، تبعثر، يبست، تخلت، فقدت، أفرغت)، فجلها ذات ايحاءات سلبية تقرع على التوالي أجراس الخطر، ترى هل هذه دقات انذار بأنتشار  نظام الدجل قبل المجيء الفعلي والمتبلور في ذات المشعوذ؟  أم ان الغربة المعنوية ووقوع الشاعرة بين كماشة الحياة والموت جعلتها تنغمس في وحل الحيرة والفزع مناديا ومحذرا الجميع  من خطر ما يحيط بالانسان من مخاطر وتنبههم بهول المشهد وسوء المنقلب! وکأن الشاعرة واقفة فوق الأعالي وترى النهايات الحتمية  والمصائب النازلة وتخبر الناس بحقيقة القصة، فما قيمة الانتظار دون أمل منشود؟ وهكذا ينبت  شجر العوسج أو العوشز في  صحاري الحياة القاحلة أينما توجهنا داخل أسوار هذا النص، حيث لا بشرى ولا رسالة أمل تأتينا بها الرياح شرقا ولا غربا الا ان نرجع الى رشدنا ونبني المستقبل بالتعاون الجاد بيننا وحل العدالة الاجتماعية مكان الجور السائد والفوضی الممنهج، اذا يمكن للمرء ان يحاول صنع السعادة بنفسه في محيطه الصغير واسعاد نفسه بالاشتغال مع الجزئيات والاستسلام للقدر کما يفعله معظم الناس ولكن الشاعرة هنا تقف ضد التيار وتتفرد بقناعاتها الوجودية منبثقة من تجارب حياتية خاصة ومعرفية راسخة.

 وها هو ميخائيل بافلوفيتش شيشكين(١٩٦١- .....) الكاتب الروسي المشهور يقول: نحن الكائن الحي الوحيد الذي يدرك حتمية الموت، لذا لا يجوز أن نؤجل السعادة إلى زمن قادم، يجب أن نكون سعداء الآن.

رتيبة … خطوات الريح…

لم تعد تخبر عن الوجود شيئا

ميكانيكيا… أوتوماتيكيا تقلب الصفحات

تزرع العوسج

في عيون فاهرة

أفرغتها الإنتظارات

من لجين الحياة

وهكذا في نهاية المطاف نجد أنفسنا مع الشاعرة خديجة بوعلي متحيرا في مستنقع الوجود والموت يحصد جميع الأرواح عاجلا أم آجلا، أوبئة وحروب ومجاعات وكوارث تحتل مانشيتات الصحف وتتساءل الشاعرة في نهاية نصها لم هذه الرتابة يا ريح؟ وقد وقع آدم في ورطة وخداع  شوقا الی الخلود، كما عاد جلجامش من رحلته بحثا عن الخلود خائبا دون جدوى! أم ان الاعتراف بالحق فضيلة من منظور الشاعرة المرهفة كما نظر اليه  د.علي الطنطاوي عندما قال: فرأيت (البلد الحبيب) نصفه مقبرة للأموات، ونصفه مستشفى لمن ينتظر الموت.

***

سوران محمد

شاعر ومترجم وناقد

 

 

حسين علي خضيرتدور أحداث هذه الرواية في القرن التاسع عشر، وتحديداً في زمن الكاتب الكبير دوستويفسكي، ويبدو للقارئ من اول وهلة ان بوريس إكونين واقع تحت تأثير هذه الحقبة، ولكن نصه ملغوماً بالمفاجأة، سيتمكن القارئ من الحصول على بعض المعلومات التاريخية. يبلغ عمر بطل الرواية عشرون عامًا فقط، وهو موهوب جدًا، ويتضح أنه في المستقبل سيصبح محققًا ممتازاً ذا شخصية قوية وشجاعة. تبدأ الرواية بقصة انتحار شاب غريب الاطوار وكان وريث ثروة كبيرة جداً، عند التحقيق في هذه القضية ، يكتشف إراست أن منظمة تقودها امرأة عجوز مجنونة تُدعى الليدي إستر. هذه المرأة تريد السيطرة على العالم. احيانا تبدو ايجابية جداً فهي تعمل في الأعمال الخيرية ، ومن ناحية أخرى ، تبحث عن الأطفال الموهوبين وتعمل على تعليمهم ، وتضع المعلومات التي تحتاجها في رؤوسهم. بعد ذلك، تشجع هؤلاء الأشخاص على تولي مناصب قيادية في بلدان مختلفة. وبالتالي ، فإنها تريد الحصول على السلطة في يديها. اما منظمتها تحمل اسم " عزازِل "، وتعتقد تلك العجوز أنها من خلال تعليم أطفالها بشكل صحيح، فأنها تصنع منهم سلاحاً سيساعدها في الصراع على السلطة، ولا تتوانى ابداً في ضرب عنق كل من يقف في طريقها.

 حبكة الرواية مبنية بطريقة غير عادية، ويبدو دائما أن الحل قد اقترب بالفعل، حتى عندما يتم الكشف عن الحقائق، ولكنها تدور في دوامة الأحداث بشكل أكبر ، مما يثير أسئلة جديدة. سيضطر إراست فاندورين إلى المخاطرة بحياته أكثر من مرة بحثًا عن الحقيقة ، الأمر الذي لن يمنعه من تجربة الحب وفقدانه، حتى نهاية القصة، تظل المؤامرة قائمة، وستكون نتيجة الأحداث غير متوقعة للغاية. جميع ابطال الرواية مستقلون في تفكيرهم، البعض منهم طائش والبعض الاخر طموح وغيرهم مفرطون في التفكير.

3203 عزازل من خلال قراءتي لهذه الرواية المليئة بالأحداث والتلميحات الادبية والتاريخية وجدت أن الكاتب يعرف جيداً كيف يستغل الوقائع التاريخية ويعكسها في روايته، فقد تطرق إلى مواضيع عديدة، ومن ضمنها موضوع (العدميين) الذي ناقشه الكاتب ايفان تورغينيف في روايته " الآباء والبنون "، ولكنه في هذه الرواية صورهم الكاتب كمنظمة تقوم بأعمال اجرامية، فيقول: (وأن اولئك العدميين من مختلف البلدان يرفعون بشكل دوري تقاريرهم المشفرة بأرقام إلى مجلس الثوري المركزي عن الأعمال الإرهابية التي قاموا بتنفيذها!) (1)، وايضا حاول الكاتب ان يقحم رواية (الشياطين) للكاتب الكبير دوستويفسكي بالأحداث التي تجري بالرواية، فيقول: (مالم يتم استئصال السرطان في بداية ظهوره، فإن هؤلاء الرومانسيين سوف يفجرون لنا بعد حوالي ثلاثين سنة، وربما قبل ذلك، مثل تلك الثورة التي سوف تبدو معها مقصلة الثورة الفرنسية مجّرد مزحة لطيفة جداً. لن يمنحونا فرصة لكي نهرم بهدوء، تذكّر كلمتي هذه. هل قرأت رواية " الشياطين " للسيد دوستويفسكي؟ عبثاً. لقد تنبأ بكل ذلك بشكل بليغ.) (2). اما أسماء الشخصيات الرئيسية إراست وليزا وردت في الرواية ليس من باب الصدفة، بل الكاتب كان مخططا لها بعناية فائقة، فيقول على لسان ليزا زوجة البطل إراست: (بيد أن تخيلاتي كانت تنهي على الدوام وفي كل مرة بطريقة مؤسفة ومأساوية. وكل هذا بسبب " ليزا التعسة ". ليزا و إراست، هل تذكر؟ كنتُ معجبة على الدوام بهذا الاسم – إراست، إلى اقصى درجة. فأتخيل لنفسي التالي: أنا مستلقية في تابوت شاحبة وفاتنة، مغمورة بورود جورية بيضاء، تارة أتعرق وتارة أموت بداء السل، أما أنتم فتنتحبون جميعكم) (3)، وفعلا، في نهاية الرواية تحقق تخيلاتها وتموت بثوبها الابيض في ليلة عرسها. وهنا المقصود بليزا ووإراست رواية الكاتب نيكولاي كارامزين التي نشرت في عام 1792 وبطلاها ايضا يحملان نفس الاسم وهذا دليل قاطع على ما قلنا سابقاً الرواية مليئة بالتلميحات الأدبية والتاريخية، وليس هذا فقط، بل حتى الإشارات التاريخية حاضرة في هذه الرواية: رجل يُدعى غبهاردت – هو حاول في نهاية الرواية إجراء تجربة على بطل الرواية إراست وهو نفس اسم احد المتهمين الرئيسيين بإجراء تجارب على الناس خلال الحرب العالمية الثانية، وهو من الشخصيات النازية المعروفة آنذاك.

 واخيراً، لابد ان اعترف ان المعرفة العميقة لتاريخ روسيا والاطلاع الهائل لهذا الكاتب جعلته يعكس صورة واقعية لحياة روسيا في القرن التاسع عشر، والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا، كيف استطاع هذا الكاتب ان يصف الأحداث بدقةٍ متناهية ؟ وهذا الامر يُحسب للكاتب بوريس أكونين، ويذكرني بقراءتي لرواية (لاوروس) للكاتب يفغيني فودولازكين حين يصف الفترة التي انتشر فيها الطاعون وكيف كان دقيقا في وصف هذه الاحداث، ولكن مشكلة بطل أكونين في هذه الرواية لا يبحث عن اسباب الجريمة ومعرفة القاتل فحسب، بل يبحث عن أثبات ذاته والمجد وهذا الشعور ظل يرافقه حتى نهاية الرواية، لذلك الكاتب كان صوته طاغياً حول هذا الامر، فيقول: (لقد سخر القدر بقسوة من فاندورين، أغواه المجد ودفعه بعيداً عن المسار الرئيسي للأحداث إلى طريق فرعي ليس ذا شأن...) (4) . أذن، يلوح في الافق بأن أزمة اثبات الذات لدى الشباب موجودة في كل عصر وزمان، اما بطل فودولازكين يعرف علته ولا يحتاج إلى اثبات ذاتهُ ولا يبحث عن المجد.

 

حسين علي خضير – كاتب ومترجم، يعمل حاليا تدريسي في جامعة بغداد / كلية اللغات – قسم اللغة الروسية

.........................

المصدر:

(1) بوريس أكونين: " عزازٍل "، ترجمة: د. ابراهيم استنبولي، الناشر: دار سؤال للنشر، الطبعة الاولى، 2019، ص 202.

(2) نفس المصدر، ص 122.

(3) نفس المصدر، ص 304.

(4) نفس المصدر، ص 265.

 

ليلى مناتي محمودإن التأثير بين اللغات قانون اجتماعي إنساني، وإن تلاقي الثقافات، واحتضان بعضها لبعض، مظهر طبيعي وصحي للثقافة الإنسانية، ويمكن الإشارة إلى حركتي التأثير والتأثر بين الثقافتين العربية والغربية، على مر المراحل التاريخية، وداخل هاتين الثقافتين ايضاً كانت هناك على الدوام تيارات أدبية تنقل من بلد الى آخر، إما للتأثير في الآداب الاخرى، وإما نشدانا لما به يُغني ويُكمل ويساير الركب الأدبي العالمي .

ولابد أن نذكر أن التواصل بين الشعوب القاطنة بين بلاد العرب والبلد ان الاجنبية،لم ينقطع أبداً منذ بداية التاريخ، وانه قد  أشتد وتوثق بعد رسالة النبي محمد (ص)- او ما يسميه المؤرخون الحضارة الاسلامية، إذ امتد سلطان العرب من اسبانيا والبرتغال غرباً الى الصين شرقا، ومن سفوح الاناضول شمالاً الى وسط افريقيا جنوباً .

مما جعل الحضارة الاسلامية رافداً رئيساً مؤثراً في الحضارة الغربية بما  حملوه معهم من فنون وآداب .

فمجر التشابه او التقارب بين نص أدبي عربي او غربي لا يُعّد دليلاً على التأثير والتأثر بينهما، ولكن الموازنة بين أوجه هذا التشابه على اساس تأريخي وتقني لعناصر اي جنس أدبي هي التي تحدد  امكانية الأخذ والعطاء بينهما، ومن الاشكال الابية المتأثرة هي :

الشكل الاول: (الفابلولا): تعّد الفابلولا احد الاجناس الادبية الاولى للقصة، ظهرت في فرنسا منذ منتصف القرن الثاني عشر الميلاد، وحتى اوائل القرن الرابع عشر وهي أقصوصة شعرية تحمل روح ومعنى الهجاء الاجتماعي، يقول (جاستون باري) احد أعمدة الادب المقارن الاوائل عن الفابولا، انها استمدت عناصرها وروحها من كتاب (كليلة ودمنة) الفارسي الاصل،  الذي ترجمه ابن المقفع وكانت فكرته الاساسية هي الحِكَمْ والفلسفات التي تقال على ألسنة الحيوان، وتُعّد الترجمة العربية لـ(ابن المقفع) اساساً مباشراً أخذت عنه الفابلولا ومن أمثلة الفابلولا الغربية أقصوصة تسمى (اللص الذي اعتنق ضوء القمر) تحكي عن لص يخدعه احد الاشخاص بأن للقمر سحراً خاصاً في نقل الاشخاص  دون صوت من مكان إلى آخر، ويصدق اللص الخدعة، ويقع في يد الشرطة، ونجد هذه الاقصوصة نفسها بالكيفية والفكرة والتفاصيل الدقيقة نفسها في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع .

اما الشكل الثاني : قصة حي بن يقطان

من اشهر القصص العربية التي تأثر بها الادب الغربي – قصة حي بن يقظان – التي كتبها الفيلسوف ابن طفيل في القرن الثالث عشر الميلادي في اسلوب قصصي رمزي في شكل صوفي يدعو فيها الى معرفة الله عن طريق العقل والتأمل الواعي، وقد تُرجمت الى العبرية واللاتينية والانكليزية في القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وراجت في اوربا رواجاً كبيراً، فألفوا على منوالها، وتأثربها الكلاسيكيون، والرومانتيكيون، وترجمت الى الفرنسية والروسية وقد تأثر بهذه القصة الكاتب الاسباني (بلتاسار حراثيان) حتى انه كتب قصته (النقاد) على نفس خط حي بن يقظان لابن طفيل الأندلسي ولو تأملنا الفضاء المكاني للرواية للاحظنا تشابهاً كبيراً، فنحن امام فضاء واحد (جزيرة نائية) كذلك نجد فيها إنساناً وحيداً، يحاول أن يفهم وسيتكشف ما يحيط به فهو يعيش العزلة والبدائية، يصل الى الايمان عن طريق استعمال العقل اولاً ثم الحدس، وكأنه يطلب من الناس أن يمنعوا النظر في هذا الكون ليتوصلوا الى الايمان بعقولهم وقلوبهم، لا أن يكون ايمانهم ايماناً تقليدياً .

المحور الثاني:  تأثر الادب الغربي في الادب العربي

الاسطورة (بيجامليون) وتأثيرها في مسرحية توفيق الحكيم

يُعّد الاديب المصري (توفيق الحكيم) من الادباء القلائل الذين اعادوا صياغة الاساطير اليونانية، وتجسدها على شكل مسرحيات ذهنية، ولعل اسطورة بيجامليون تحكي قصة فنان ينحت تمثالاً من الرخام يتوسل الى الالهة في أن تبعث الحياة في هذا التمثال حتى اذا ما استجابت الالهة الى دعائه يتحول التمثال الى جالاتيا الإنسانة ويتزوج بها بيجاملون

اما عن تأثر توفيق الحكيم بهذه الاسطورة فيعود في اساسه الى حكايته فيقول : انه شاهد فلماً سينمائياً في القاهرة عن بيجامليون مأخوذة من مسرحية برناردشو، وهذا يدعونا الى تأمل في قيمة التلاقح بين الآداب .

الا ان توفيق الحكيم قدم تجديداً واضافات  على إبداعه حيث جعل الصراع يدور في روايته بين روعة الفن عندما يبلغ درجة الابداع، وبين واقع الحياة .

اما الشكل الثاني : الشعر العربي الحديث قصيدة (الارض الخراب) للشاعر ت.س.اليوت واثرها في (انشودة المطر): إن دراسة السياب للادب الغربي في نماذج الحداثية لاسيما شعر اليوت هي العنصر الحاسم في تغيره باتجاه حادثة شعرية عربية رائدة، تذهب الناقدة ((سلمى الخضاء الى ان السياب، قد استعمل أسطورة الخصب والحياة بعد الموت بمهارة الفنان في قصيدته المفتاحية (انشودة المطر) بدراسته لقصيدة اليوت الشهيرة (الارض الخراب)، وكما استعمل (اليوت) اسطورة الخصب والبعث، استعمالها السياب ايضا، فجعل من الماء محور القصيدة، ماء الخليج الذي يحمل الموت للمهاجر وماء المطر الذي يجيء بعد زمن القحط والسياب ليبعث الربيع النضر من قلب الشتاء، إشارة الى امكان انبعاث الحياة الطبية بعد زمن الموت والفناء .

إن تلاقي الثقافات، واحتضان بعضها لبعض، مظهر طبيعي وصحي للثقافة الانسانية، والنماذج السابقة تبين أن عملية التأثر بالآخر عملية  طبيعية لتطوير عملية الإبداع، وتنويعها.

 

الاستاذ المساعد: ليلى مناتي محمود

 

عاطف الدرابسةلا أعرفُ لماذا أخذتني لغةُ (صبري يوسف) نحو عالمٍ يقعُ خارج لغته، وهو عالمٌ يتجاوز اللغةَ، ربَّما أُسمِّيه هنا تاريخَ الذاتِ، وجدليَّةَ هذا التاريخِ مع الذاتِ، وكأنَّني إزاء ذاتٍ كاتبةٍ، تُعيدُ إنتاجَ سيرتِها بالأدب .

كلُّ نصٍّ أقرؤه تكشفُ ليَ لغتُه عن ذاتٍ تُحاول أن تنتزعَ نفسَها من الواقعِ، وهنا لا بدَّ لي أن أُشيرَ إلى لغةٍ سرديَّةٍ، يحضرُ فيها الواقع على غير شكلٍ، مرَّةً يحضرُ على شكلٍ رومانسي خالصٍ، يُمكنُ أن نلمحَه في مجموعته القصصية الأولى (حافَّات الرُّوح)، ولو تأمَّلنا قليلاً في لغةِ قصته : احتراق حافَّات الرُّوح، سنجدُ أنَّ وظيفةَ اللغةِ تُعبِّرُ عن لحظةِ الرَّحيلِ، وعن قرارِ الانفصال عن المكانِ:

- (تمعنَّتُ فيهم واحداً واحداً)

- (لا أُصدِّق نفسي أبداً أنَّني مررتُ بتلكَ اللحظة)

- (عبرتُ البحار)

- (أكلني الشوق)

- (مشاهد الوداع تتراقصُ أمامي الآن، وأنا محاصرٌ وسط أخطبوط الغربة) .

لغةُ هذه القصة قائمةٌ على التداعي، واستدعاءِ لحظة الرحيلِ عن الوطن، تتبادلُ فيها الأفعالُ مواقعها بين الماضي والحاضر، الماضي حيث البلد الأم، والحاضر بلد الاغتراب، لذلك من الطبيعي أن تتداخلَ الأزمنةُ، ومن الطبيعي أن يكونَ الصراعُ نفسي خالص، صراعٌ أطرافه متنوعة ومختلفة : الذَّات والأُم، الذَّات والأب، الذَّات والمكان، وهنا أخذت لغةُ السَّرد تتجه نحو شعرية خالصةٍ، كأنَّها عمارةٌ من المجاز : (توغَّل ألم الفراق في مساماتِ جلدِي، حافاتِ روحي تحترقُ بنارٍ ملتهبة، تصاعدت ألسنتها من مسامات قلبي، هذا القلب الذي تبرعمت فيه خلاصةُ مرارات الحياةِ، مشاهد الوداع تتراقص أمامي الآن، وأنا محاصر وسط أخطبوط الغربة).

إنَّ هذه اللغةَ المُشبعة بالشِّعريةِ تجرفُ المُتلقي إلى قلبِ الحدثِ، وتأخذه نحو آفاقٍ من المواقفِ، والأفكار، تتمحورُ حولها ذاتٌ كاتبة، تستعيدُ بألمٍ لحظة الانسلاخِ عن الوطن، ومشهد الوداع الأخير، لذلك جاء سلوك اللغةِ متماهياً مع لحظةِ الانفصالِ عن المكان، ومتماهياً أيضاً مع لحظةِ استدعاءِ ذلك الموقف : موقف الوداع .

لقد اختار (صبري يوسف) أن يكتبَ جانباً من سيرته، وكأنَّه اختارَ أن تكون لحظةُ الانسلاخِ تلك موضوعاً أدبياً، وقد حمَّلَ اللغة مسؤوليةَ التعبيرِ عن الذَّات لحظةَ الرحيلِ، فجاءت اللغةُ متماسكة، عميقة، تحجبُ وراءها أسرارَ الرحيلِ، وتكشفُ عن حلمٍ لم يتحقَّق في مسقطِ الرأس، وعن ذاتٍ تسعى إلى تحقيقِ أحلامها في المهجر، وفي الاغتراب .

والأمرُ الغريبُ هنا أنَّ (صبري يوسف) بقي مُتعلِّقاً بالمكان، بالرغمِ من أنَّه عاملٌ طاردٌ له، وقدَّم المكانَ على هيئةٍ جماليةٍ مدهشة، بلغةٍ خدعت المُتلقِّي، هذه اللغةُ الخادعةُ جاءت لتُقدِّم أخلاقياتٍ سامية، فلم تجرحْ لغتُه المكان، ولم تجرحْ الإنسان في ذلك المكان، غير أنَّ مشاهدَ الوداعِ التي استحضرها، وحجمَ الأنينِ، وحجمَ البكاء، وحجمَ الحزنِ، كلُّ هذا يدعو الذَّات أن تبقى في المكان، أن تبقى حيث دجلة، وشجرة التوت، لكن تلك الذَّات آثرت الرحيل، من هنا بدَتْ اللغةُ خادعةً، وحافلةً بالأسرار، والمساحاتِ البيضاء، التي يمكن للقارئ أن يملأها .

وفي قصَّته الموسومةُ ب(قتلَ الناطورُ الحمامة)،  تأخذُ لغةُ السَّرد منحىً رمزيَّاً، شفافاً، وتبقى الشعريةُ المُشبعةُ بالغموضِ الشفافِ مسيطرةً عل حركةِ السَّرد، وتبقى الطبيعةُ الخزَّان الكبيرَ الذي يُغذِّي تلك الشِّعرية، فجاءت هذه القصةُ لتطرحَ علينا سؤالَ الوجود : لماذا جئتُ إلى العالمِ يا أُمَّاه ؟ هنا يُواجه (صبري يوسف) سؤالَ الوجود، من خلالِ صوتِ أمِّه : إنَّنا لم نأتِ إلى العالمِ باختيارنا الحُرِّ .

إنَّ (صبري يوسف) يواجهُ سؤال الوجود، وعذابَ الإنسانِ بثقافةٍ فلسفيةٍ، تدورُ حول ثنائيةِ (النُّور والظَّلام) : لماذا لا نخرجُ يا أمَّاه إلى النُّور؟ لماذا نغرقُ هكذا في الظَّلامِ الدَّامس؟

إنَّ (صبري يوسف) في هذه القصة يُواجه الحضارةَ، يُواجه الحداثةَ، يُواجه العولمةَ، يواجهُ كلَّ ما حمله إلينا القرنُ المُنصرم، أي القرنُ العشرون بقوله : (إنَّه ظلامُ القرن العشرين) .

إنَّ (صبري يوسف) يتضادُّ على نحوٍ واضحٍ مع مخرجاتِ القرنِ العشرين، القرن الذي خرج فيه الإنسانُ من الأرضِ نحو الفضاء، والقرنُ الذي اكتُشف فيه الخريطةُ الجينيةُ، والقرن الذي أعلنت فيه الثَّورةُ الرقميةُ عن آفاقها الواسعة، إذ يصفه ب(قرن الجهل)، و(قرن الدمار)، الذي استغلَّ فيه الإنسان النُّور الباهر (العلم) لتعميةِ أخيه الإنسان .

إنَّ (صبري يوسف) في هذا النَّص الخلَّاق يُحدِّثنا بلغةِ شاعرٍ، ولغةِ فيلسوفٍ معاً، فهو لا يبحثُ عن نورٍ يعمي العيون، وإنَّما يبحثُ عن نورٍ خافتٍ يجعلنا نرى بعضنا بوضوح، فالنُّورُ الباهر حارقٌ، لا يرحمُ الإنسانَ، ولا يرحمُ الطبيعة .

ثمَّ ينزعُ (صبري يوسف) نحو مفهوم الإنسان بعيداً عن العرقِ والجنسِ والدينِ، ويطرحُ سؤالَ الحياةِ : لماذا لا يُنشدُ الإنسان أنشودةَ المطر ؟ هذا السؤالُ تتجسَّد فيه فكرةُ خلاصِ الإنسان من عقدةِ سيزيف، لا يريدُ للنَّاطورِ الذي يُمثِّل رمز الوحشيَّة، والتسلُّط أن يقتلَ العصافيرَ، ويقتلَ الحَمَام . إذن صبري يوسف ينسجمُ هنا مع فلسفته الإنسانيَّة، ومع ثقافته التي تُعلي من شأن قيمِ السلامِ .

إنَّ قصةَ (قتلَ النَّاطورُ الحمامة) تميَّزت بلغةٍ سرديةٍ شفَّافة، وبأساليب سرديةٍ متنوعةٍ، تنهضُ على جملةٍ من التراسلات النَّصية : الفلسفية، والفنية، كما يظهر من توظيفه للوحةِ السفينة مكسورة الشراع، التي تُصارع البقاء، ويُصرُّ ملاحوها إلى إيصالها إلى الشاطئِ بأمان، وكأنَّ هذه السفينةُ صورة عن العالمِ الذي يبحثُ عن الخلاصِ برغم قسوةِ الموج وشدته .

 

د. عاطف الدرابسة - الأردن

 

3177 دوليزبقلم: جيل دولوز وفليكس غوتاري

ترجمة: صالح الرزوق


 حتى الآن تكلمنا عن ما يتجاوز المحتويات وأشكالها قليلا: الرأس المحني - الرأس المرفوع، وخطوط مثلث الهروب. ومن المؤكد أنه في فضاء التعبير، يرتبط الرأس المحني بالصورة الفوتوغرافية، والرأس المنتصب بالصوت. ولكن بما أننا لم نتناول الشكل والتدهور أو التعبير المجرد، لا توجد طريقة فعلية للخروج، وهذا صحيح حتى في مجال المحتوى. غير أن التعبير وحده هو الذي يقترح علينا الطريقة. ولم يتابع كافكا مشكلة التعبير بطراز تجريدي وكوني، ولكن بالعلاقة مع تلك الآداب التي ننظر إليها على أنها ثانوية، على سبيل المثال، الأدب اليهودي في وارسو وبراغ. والأدب الثانوي لا يأتي من لغة ثانوية، ولكنه الذي تتكون ثانويته داخل لغة أساسية.

أول صفة للأدب الثانوي، في أية حال، أنه لغة تأثرت لدرجة عالية بالخروج من أرضها. وبهذا المعنى، يحدد كافكا الاختناق الذي يمنع قبول يهود براغ في مجال الكتابة، ويحول أدبهم إلى شيء مستحيل - استحالة أن لا تكتب، استحالة أن تكتب باللغة الألمانية، واستحالة أن تكتب بلغات غيرها (1).

واستحالة أن لا تكتب سببها الوعي الوطني، وسواء كان غير متيقن أو مكبوتا، هو موجود من خلال الأدب (“الصراع الأدبي له مبرراته الفعلية في أعلى مستويات ممكنة”). واستحالة الكتابة بغير الألمانية،  بالنسبة ليهود براغ، يعني الشعور بالمسافة غير القابلة للاختزال في أراضي شيكيا الأصلية.

واستحالة الكتابة باللغة الألمانية يعني خروج الجمهور الألماني نفسه من أراضيه، حيث أن أقلية متسلطة تتكلم لغة مفصولة عن الجماهير، مثل “لغة ورق” أو لغة صناعية. وهذا صحيح تماما بالنسبة للألمان الذين هم بنفس الوقت جزء من هذه الأقلية واستثناء منها، مثل “غجر سرقوا طفلا ألمانيا من مهده”.       

باختصار الألمانية في براغ هي لغة في غير أرضها/ خارجية، ومناسبة للاستعمالات الغريبة والثانوية (ويمكن مقارنة ذلك في سياق آخر بما يمكن للسود اليوم أن يفعلوا في أمريكا باللغة الإنكليزية).

والصفة الثانية للآداب الثانوية في أن كل شيء فيها سياسي. وبالمقارنة مع الآداب الأساسية يشترك الهم الفردي (العائلي، الزوجي، وهكذا) مع اهتمامات أخرى لا تقل فردانية، وتعمل البيئة الاجتماعية كبيئة فقط أو خلفية. وفي هذه الحالة لا يوجد أي من العناصر الأوديبية في حالة تمكين أو ضرورة مطلقة، وتصبح كلها واحدا في فضاء واسع.

الأدب الثانوي مختلف كليا. وفضاؤه المزدحم يجبر كل عنصر استقبال على التداخل مباشرة مع السياسة. والهم المستقل يصبح، بالنتيجة، ضرورة كلية، ولا استغناء عنه، ومجسما، لأن قصة تامة أخرى تتحرك داخله. وبهذه الطريقة، يرتبط المثلث العائلي بمثلثات أخرى - تجاري واقتصادي وبيروقراطي وقانوني - وهو ما يحدد قيمته. وحينما أشار كافكا أن أحد أهداف الأدب الثانوي هو “تنقية المعضلة التي تعارض الأب والابن وإمكانية حل تلك المشكلة بالحوار”، وهذا ليس جزءا من التوهم الأوديبي، ولكنه جزء من البرنامج السياسي. “حتى لو أننا غالبا فكرنا بشيء ما بهدوء، لا يمكن للإنسان أن يبلغ الحدود التي ترتبط بأشياء متماثلة، والإنسان يبلغ الحدود بواسطة السياسة بشكل أسرع، فعلا، ويجاهد الإنسان لرؤيتها قبل أن تكون هي هناك، وغالبا ما يرى هذه الحدود المحددة في كل مكان... وما يهبط للأسف في الأدب العظيم، يؤلف ليس قبوا لا بد منه في البنية، ولكنه يأخذ هنا مكانا في رابعة النهار، وما تجده هناك هو عبارة عن اهتمامات عابرة للقلة، أما هنا فهي تمتصك وتصبح موضوع حياة أو موت” (2).

الصفة الثالثة للأدب الثانوي أن كل شيء فيه ينحو لتكون له قيمة تراكمية. وفعلا هذا لأن الموهبة ليست كثيرة الحضور في الأدب الثانوي، ولا توجد احتمالات لتلفظ أو نطق فردي يمكن أن يحيل إلى هذا “المعلم” أو ذاك، ويمكن عزله عن النطق التراكمي العام. وندرة الموهبة، عمليا، هي في الحقيقة مفيدة وتسمح لتبلور شيء ما غير العبقرية الأدبية. وكل شيء يقوله الكاتب بذاته يتضمن بالضرورة فعلا عاما، والأقوال والأفعال هي بالضرورة سياسية، حتى لو لم يتفق معك الآخرون. والمجال السياسي يلوث كل عبارة 'e'nonce. فالوعي الوطني والتراكمي هو “غالبا غير نشيط في الحياة الخارجية ودائما تتخلله آلية التفكيك”، وهكذا يجد الأدب نفسه مشحونا بشحنة على نحو موجب وله دور ووظيفة النطق التراكمي، وأيضا الثوري. إنه الأدب الذي ينتج التضامن الفعال رغم الشك. وإذا كان الكاتب على الهوامش أو خارج المجتمع الهش تماما، فإن هذا الوضع يسمح للكاتب بإمكانية التعبير عن مجتمع ممكن آخر، وليزور الوسائط التي تقود إلى وعي آخر وحساسية أخرى، مثلما كان كلب “التحري” يدعو في عزلته لموضوع علم آخر. وعليه تصبح الآلة الأدبية مخططا لآلة ثورية ستظهر لاحقا، ليس لأسباب إيديولوجية، ولكن لأن الآلة الأدبية وحدها قد عزمت أن تملأ ظروف النطق التراكمي التي لا تجدها في مكان آخر ضمن هذه البيئة: فالأدب هو شاغل الشعب (3). 

من المؤكد أنه بضوء هذه الشروط نظر كافكا للمشكلة. والرسالة لا تشير إلى فاعل ناطق سيكون هو موضوع الرسالة، ولن يحيل إلى موضوع - سوجيت - الرسالة (sujet d'enonce) والذي سيمثل أثرها. ودون أي شك، ولبعض الوقت، اعتقد كافكا حسب هذه التصنيفات التقليدية التي صنفت الاثنين، المؤلف والبطل، الراوي والشخصيات، الحالم ومن نحلم به (4). ولكنه سيرفض حالا دور السارد، مثلما سوف يرفض أدب الكاتب أو المعلم، على الرغم من إعجابه بغوتة.

وقد تخلت الفأرة جوزفين عن الفعل الفردي - الغناء - لتذوب في النطق الجماعي التراكمي الذي تمثله “الحشود الهائلة من أبطال شعبهـ”ـا””. وهذه نقلة من حيوان مفرد باتجاه الجماعة أو الكثرة التراكمية - سبعة كلاب موسيقيين. وفي “تحريات كلب” كان كلام الباحث المعزول يتحول إلى تجميع النطق التراكمي للكلاب حتى لو أن هذا التراكم لم يتحقق أو أنه لم يئن أوانه. لا يوجد ذات، ولكن هناك تجمع تراكمي فقط للملفوظ، ويعبر الأدب عن هذه الأفعال كما لو أنها بلا مرجعية، وبالتالي كما لو أنها موجودة بشكل قوة إبليسية قادمة على الطريق، أو قوة ثورية ستظهر لاحقا. وتفتح العزلة كافكا وتجعله متاحا لكل شيء يجري حوله في تاريخ عصره الراهن.

والحرف “ك" لم يعد يدل على سارد أو شخصية ولكن على حزمة أصبحت تشبه آلة، أو وسيط أصبح أقرب ما يكون للتراكم والجماعة لأن الفرد محبوس فيها وضمن عزلته/ها (ولكنه مرتبط فقط بذات، وهو شيء منفرد وسيكون قابلا للعزل عن الجماعة وسيباشر ويتحكم بحياته الخاصة).  والصفات الثلاثة للأدب الثانوي هي إخراج اللغة من أرضها، وترابط المفرد مع حالة سياسية مباشرة، والتجميع التراكمي للألفاظ. ويمكننا أن نقول أيضا أن الثانوي لا يعين بعد الآن الآداب النوعية ولكن الظروف الثورية الخاصة بكل أدب ضمن جوهر ما يدعى أدب عظيم (أو متحقق وموجود). وحتى الذي شاء سوء حظه أن يولد في بلد الأدب العظيم عليه أن يكتب بلغته الخاصة، مثلما يكتب التشيكي اليهودي بالألمانية، أو الأوزبيكي بالروسية. الكتابة مثل كلب ينبش في حفرة، وجرذ يحفر جحره. ولكي يفعل ذ لك يعني أن يجد مغزاه غير المنتهي، ومنصته، وعالمه الثالث، وصحراءه. وهناك نقاشات كثيرة للرد على السؤال التالي:”ما هو الأدب الهامشي؟”، و“ما هو الأدب الشعبي، والأدب البروليتاري؟”. وإرساء المعايير صعب بشكل واضح إن لم يبدأ الإنسان من مفهوم موضوعي - يعبر عن الأدب الثانوي. وإمكانية تأسيس آلية ثانوية بلغة أساسية ومن داخل التجربة يسمح للإنسان بتعريف الأدب الشعبي، والأدب الهامشي، وهكذا (5). 

وبهذه الطريقة فقط يمكن للأدب فعلا أن يكون آلة تعبير جماعية ويمكنه فعلا أن يتحرك ويطور مضامينه.

يقول كافكا بحماس إن الأدب الثانوي قادر بجدارة على العمل على مادته (6). 

لماذا هذه الآلة التعبيرية، وما هي؟.

نحن نعلم أنه لدينا أمثلة عن الحالة المركبة لأرض خارج أرضها، ومنهم اليهود الذين استغنوا عن اللغة التشيكية وفي نفس الوقت عن البيئة الريفية، ولكن هذا أيضا هو حال اللغة الألمانية لو نظرنا إليها على أنها “لغة ورق”. حسنا، يمكن للإنسان أن يذهب لشوط أبعد، يمكنه أن يدفع هذه الحركة الخاصة بطرد التعبير من أرضه لمسافة أطول. ولكن لدينا طريقتان لتحقيق ذلك.

طريقة تتلخص بإغناء هذه اللغة الألمانية بممارسات غير طبيعية، أن تمددها عبر كل المصادر الرمزية، المصادر الشمولية، الحساسية الباطنية esoteric، والدال المستتر. وهذه هي المقاربة التي تبنتها مدرسة براغ، وغوستاف ميرينك وآخرون عديدون، من ضمنهم ماكس برود (7). 

ولكن هذه المحاولة تتضمن محاولة يائسة للتمكين الرموزي لهذه اللغة في أرضها، وهو ما يقوم أو يستند على الأنماط البدئية والقبالا والخيمياء، وبذلك يضع النقاط على الحروف بما يخص انفصالها عن الناس وستجد النتيجة السياسية المرجوة في الصهيونية وأشياء من قبيل “الحلم بصهيون”. ولكن كافكا سيختار سريعا الاتجاه الآخر، أو بالأحرى، سيخترع طريقا آخر.

وسيميل إلى اللغة الألمانية الخاصة بمجتمع براغ كما هي، ورغم فقرها وبساطتها المفجعة. وسيذهب دائما لما هو أبعد باتجاه لغة خارج الأرض، ولدرجة العناد. وبما أن اللغة جافة، فهو يضفي عليها كثافة جديدة حية. ويعارض الاستعمال اللغوي الكثيف بالرموزية أو حتى أنه يجعله دالا أو ببساطه يوظفه في استعمالات دالة. ويصل إلى تعبير مثالي ولكنه غير متشكل، تعبير مشدود ومكثف ماديا. (بالنسبة لهذين الاتجاهين المحتملين، ألا يمكننا أن نجد البدائل نفسها، تحت ظروف أخرى، عند جويس وبيكيت؟. فهما رجلان إيرلنديان، وعاشا ضمن ظروف منتمية للأدب الثانوي. وهذا هو مجد هذا النوع من الأدب الثانوي - أن تكون قوة ثورية في الأدب. استعمال اللغة الإنكليزية وكل لغة أخرى في عمل جويس. واستعمال الإنكليزية والفرنسية في عمل بيكيت. ولكن السابق لم يتوقف عن العمل الدؤوب وبإصرار وحقق كل أنواع تمكين اللغة في أرضها عالميا.  وتابع الآخر بالاقتصاد والعناد والعوز الاختياري، ليدفع طرد اللغة من أرضها لدرجة قصوى لا يبقى معها شيء سوى التكثيف والشدة). كم عدد الناس الذين يعيشون اليوم في لغة هي ليست لغتهم؟. أو لم تعد لغتهم، أو أنها ليست ذلك حتى الآن، مع أنهم يعرفون لغتهم ويعرفون بأضيق الحدود اللغة الأساسية التي أجبروا على خدمتها؟. هذا هو حال المهاجرين، ولا سيما أطفالهم، ومشكلة الأقليات، ومشكلة الأدب الثانوي، ولكنها أيضا مشكلة تواجهنا جميعا: كيف ننتزع أدبا ثانويا من لغته الخاصة، ونسمح له بتحدي اللغة ونجبره على اتباع ممر ثوري صعب؟. كيف يمكننا أن نكون مع لغتنا نوعا من البدو والمهاجرين والغجر؟.

يرد كافكا قائلا: اسرق الطفل من مهده، وسر على السلك المشدود. سواء كنت غنيا أو فقيرا كل لغة تتضمن دائما طردا للفم من أرضه، وكذلك اللسان والأسنان. الفم واللسان والأسنان تجد أرضها البدائية في الطعام. وبالاستسلام لنطق الأصوات يتخلى الفم واللسان والأسنان عن أرضهم. ولذلك تجد فصلا معروفا بين الأكل والكلام، وفوق ذلك، ورغم كل الظواهر، بين الأكل والكتابة.

وبلا أي شك، يمكن للمرء أن يكتب وهو يأكل بسهولة أكبر من أن يتكلم وهو يأكل، ولكن الكتابة تذهب لشوط أبعد في تحويل الكلمات إلى أشياء يمكنها أن تنافس الطعام. الفصل بين المضمون والتعبير. يمكن أن تتكلم وأن تكتب بسرعة. وكافكا يبدي بامتياز هوسا دائما بالطعام وشكل الطعام. بكلمات أخرى، الحيوان أو اللحوم - هوس بالفم والأسنان وبالأسنان الكبيرة غير الصحية أو المغلفة بالذهب (8). وهذه واحدة من المشاكل الأساسية لكافكا مع فيليس.

الصيام كذلك موضوع دائم في كتابات كافكا.  وكتاباته تاريخ طويل من الصوم. “الفنان الجائع” يتعرض لمراقبة من الجزارين، وينهي مشواره المهني بجوار وحوش تأكل اللحم غير المطهو، ويضع زواره أمام اختيار محرج. والكلاب تحاول أن تسيطر على فم الكلب المحقق وتملأه بالطعام كي لا يتمكن من إلقاء الأسئلة، وهذا أيضا اختيار محرج آخر: “كان الأفضل لهم لو طردوني ورفضوا الإصغاء لأسئلتي. كلا، لم يرغبوا بهذا، وكذلك لم يرغبوا بالاستماع لأسئلتي، ولكن لأنني سألت هذه الأسئلة لم يريدوا أن يردوني على أعقابي”. والكلب المحقق يتأرجح بين علمين، أحدهما الغذاء - علم له علاقة بالتربة والرأس المنكس (“متى أنتجت الأرض هذه الأطعمة؟”) - وآخر له علاقة بالموسيقا وهو علم متعلق بالهواء والرأس المنصوب، مثلما يبدو من الكلاب الموسيقيين السبعة في الافتتاحية، والكلاب المغنين في الخاتمة. لكن بين الاثنين هناك شيء مشترك، بما أن الطعام يأتي من أعلى وعلم التغذية يمكن أن يتطور بالصوم، تكون الموسيقا صامتة على نحو مستغرب. بالعادة، في الواقع، اللغة تعوض الابتعاد عن أرضها بواسطة تمكينها من أرضها بمجال حاسة واحدة. وأن تمتنع أن تكون عضوا لحاسة من الحواس، تصبح أداة لواحدة من الحواس (حاسة). والحاسة، الحاسة الصحيحة، هي التي تعلو على تعيينات الأصوات (الشيء أو حالة الأشياء التي تعينها الكلمة) والحاسة التصويرية تعلو على عاطفة الصور والاستعارات (تلك الأشياء الأخرى التي تقررها الكلمات في حالات أو ظروف معينة).         

وعليه ليس هناك استبعاد روحي من الأرض فقط، بمعنى من المعاني، ولكن فيزيائي أيضا. وبالمثل توجد اللغة فقط من خلال تمييز واستحسان فاعل الملفوظات، وهو بدوره على علاقة مع المعنى، وموضوع المقولة، وهو على علاقة، مباشرة أو استعارية مع الشيء المتعين. ويمكن تسمية هذا النوع من الاستعمال العادي للغة إنه استعمال استنفاذي أو تمثيلي - وظيفة إعادة توطين اللغة (والكلب المغني في نهاية “التحريات” يجبر البطل على إبطال صيامه، وهو سلوك تكرار الأودبة).

وبذلك نكون أمام شيء ما يحدث: وهكذا إن حالة اللغة الألمانية في شيكوسلوفاكيا، باعتبار أنها لغة سائلة متداخلة مع التشيكية واليديش، ستسمح لكافكا بإمكانية الإبداع. وبما أن الأشياء هي ما هي عليه (“هي كما هي، هي كما هي”، وهذه صيغة عزيزة على قلب كافكا، وتؤشر لحالة من الحقائق)، سيبتعد عن المعنى، وسيعدله ليكون ضمنيا. وسيحتفظ فقط بهيكل المعنى، أو بقصاصة منه. بما أن الصوت المنطوق كان صخبا خارج أراضيه ولكنه سيعاد توطينه في المعنى، هو حاليا ينطق ذاته وسيحرم من أرضه دون عودة وبشكل مطلق. والصوت أو الكلمة التي تتجاوز الخسارة الجديدة لأرضها لا ينتمي بعد الآن للغة المعنى، ومع ذلك يشتق منها، ولا هو -أي الصوت- موسيقا منظمة أو أغنية، ولكن يمكنه أن يبدو كذلك. وقد انتبهنا لتأتأة غريغوري، والطريقة التي يقسر بها كلامه الغامض، صفير الفأرة، وسعال القرد، وعازف البيانو الذي لا يعزف، والمطربة التي لا تشدو وتكون أغنياتها من هرائها، والكلاب الموسيقيون وهم موسيقيون في طبقات الأعماق، لأنه لا ينبعث منهم أي موسيقا. وفي كل مكان الموسيقا المنظمة يتخللها خط نفي - مثل لغة معنى يتخللها خط هروب - بغاية تحرير كائن حي ومادة تعبيرية تعبر عن نفسها ولا تجد ضرورة لتكون شكلا (9). هذه اللغة مقتبسة بالقوة من معنى، وتحتل معنى، وتقودنا إلى تحييد معنوي فعال، ولا تجد قيمتها في أي شيء سوى تنقيط الكلمة، أو إجبارها: “أنا أحيا هنا فقط أو هناك في عالم صغير وحرف علة... وأفقد رأسي غير النافع لدقيقة من الوقت. وأول وآخر حرف هو بداية ونهاية عاطفتي التي تشبه الأسماك” (10).         

 ولدى الأطفال مهارة عالية بتكرار الكلمة، والتي لا تشعر بمعناها إلا قليلا، ولتجعلها حية وتدور حول نفسها (في مطلع القصر، يتكلم أولاد المدرسة بسرعة عالية ولا يفهم المرء ماذا يقولون). ويخبرنا كافكا كيف أنه في مرحلة الطفولة كان يردد واحدا من تعابير أبيه ليجبرها على التدحرج على طول خط لا معنى له:” في نهاية الشهر، نهاية الشهر” (11). والاسم الكامل، الذي لا معنى له بحد ذاته، يناسب هذا النوع من التجارب. وميلينا بلفظ مختلف لحرف “ي” تبدأ بالقول “إغريقي أو روماني ضاع في بوهيميا، واعتدى عليه تشيكي، خدعه بلهجته”. ثم بمقاربة أكثر حساسية، يقول “امرأة تحملها بيد واحدة من هذا العالم، من هذه النار” واللهجة هنا تدل على سقوط  محتمل أو العكس، “القفزة التي تقفزها شخصيا مع أثقالك” (12).  ويبدو لنا أنه هناك فرق معين، وحتى لو أنه هراء نسبي أو كلي، بين القولين حول اسم ميلينا: أحدهما يربط نفسه بمشهد مكثف وتصويري من نوع تخيلي. الثاني أكثر كثافة ويشير لسقطة أو قفزة باعتبار أن عتبة التكثيف متضمنة داخل الاسم نفسه.  في الحقيقة لدينا هنا ما يجري حينما يتم تحييد الحاسة. وكما قال فاغينباخ: ” الكلمة سيد، وهي مباشرة التي تلد الصورة”. ولكن كيف يمكن تعريف آلية المعنى مع أنه لا يبقى هناك إلا ما يكفي لتوجيه خطوط الهرب. فالتعيين لم يعد موجودا بواسطة تسمية أسماء تامة، ولا إطلاق استعارات بواسطة معنى مجازي. ولكن مثل الصور، الشيء لا يشكل أي شيء سوى سياق من الحالات المكثفة، سلم أو دارة من الشدة والتي يمكن للمرء أن يجري حولها بمعنى أو آخر. من المرتفع للمنخفض، أو من المنخفض للمرتفع.  والصور هي هذا السباق نفسه. إنها تصبح صيرورة - الكلب المنتظر المتشكل من إنسان والرجل المتوقع المتشكل من كلب، والقرد المنتظر أو الخنفساء المتحولة من إنسان والعكس صحيح. لم نعد في وضع لغة غنية وعادية حيث أن كلمة كلب، على سبيل المثال، ستحدد مباشرة حيوانا وستطبق بواسطة الاستعارة على أشياء أخرى (ليمكن للإنسان أن يقول “مثل كلب”)(13).

***

........................

هوامش الكاتبين:

 

 

1- انظر رسالة إلى ماكس برود، كافكا، الرسائل، حزيران 1991، 289، وتععقيبات في فاغينباخ، فرانز كافكا، 84.

2- كافكا. المذكرات. 25 كانون الأول. 1911.194.

3- مرجع سابق. 193: “اهتمام الأدب بالتاريخ الأدبي أقل من اهتمامه بالناس”.

4- انظر “تحضير عرس في الريف”. كافكا، القصص الكاملة: “ما دمت تقول الواحد عوضا عن أنا، فأنت لم ترتكب شيئا”. (ص53). ويظهر الفاعلان بعد عدة صفحات: “أنا لست بحاجة حتى للذهاب إلى الريف بنفسي، هذا غير ضروري. وسأرسل من يرتدي ثيابي”، فيما الراوي يبقى في السرير مثل حشرة أو خنفساء (ص55). بلا شك هذه الحركة واحدة من بدايات ظهور الحشرة غريغور في “المسخ”.  (وبنفس الطريقة سييأس كافكا من الذهاب للقاء فيليس وسيفضل أن ينتظر في السرير). ولكن في “المسخ” يكون الحيوان قد حقق نفسه فعلا ولم يعد لديه شيء من طبيعة الذات الناطقة. 

5- انظر مشيل راغون، تاريخ أدب البروليتاريا في فرنسا (باريس: ألبين ميشيل، 1974). عن مصاعب المعيار وحول الحاجة لتطبيق مفهوم عن “أدب المنطقة الثانوية”.

6- كافكا. كانون الأول 1911. 193: “ذاكرة الأمة الصغيرة ليست أصغر من ذاكرة الأمة الكبيرة ولذلك يمكن أن تهضم المادة الموجودة بشكل أعمق”.

7- انظر الفصل الممتاز بعنوان “براغ في منعطف القرن” في كتاب فاغينباخ: فرانز كافكا، وفيه نقاش لوضع اللغة الألمانية في شيكوسلوفاكيا ونقاش عن مدرسة براغ.

8- تكرار موضوع الأسنان عند كافكا. حفيدة الجزار، ثقافة شوارع في حانوت الجزار، وفكا فيليس الاثنان، رفض أكل اللحوم إلا حينما ينام مع فيليس في سرير ماريين. انظر مقالة ميشيل كورنو”من لديه أسنان كبيرة” في النوفيل أوبزيرفاتير، 17 نيسان 1972. وهو أفضل نص عن كافكا. ويمكن أن تجد تعارضا بين الأكل والكلام في لويس كارول، وهروبا مشابها من المعنى إلى اللامعنى.

9- فرانز كافكا. القضية. ترجمة ويلا وإدوين موير. (نيويورك: شوكين بوكس، 1956). :”لاحظ أنهم كانوا يتكلمون إليه، ولكنه لم يفهم ماذا يقولون له، ولم يسمع شيئا سوى طنين ملأ المكان كله، وبدا له أن نغمة رتيبة وثاقبة تشبه جرس إنذار ترن في أرجاء المكان”.

10-  كافكا. المذكرات. 20 آب 1911. 61-62.

11- كافكا. المذكرات:”دون كسب حاسة، عبارة ’نهاية الفم’ تحتوي على سر مرعب بالنسبة لي” لا سيما لأنها تتكرر شهريا - كافكا نفسه يقترح إذا كان هذا التعبير يدل على حاسة،  فهذا بسبب كسل و“اضول الضعيف”. “التفسير السلبي يشير لعجز أو ضمور القوة، كما يرى فاغينباخ. ومن المعروف أن كافكا يقدم هذه الأفكار السلبية ليصور أو ليستر موضوعات عاطفته.

12- كافكا. رسائل إلأى ميلينا. 58. افتتان كافكا بالأسماء الكاملة، بدءا بتلك التي وضعها: انظر كافكا. المذكرات. 11 شباط 1913 (افتراض الأسماء في الحكم).

13- دارسو كافكا يكونون في أسوأ حال بهذا الخصوص حينما يحكمون على كل شيء بالاستعارة. ولذلك تذكرما مارثا روبيرت أن اليهود مثل الكلاب. ولو أخذنا مثالا آخر “منذ أن أصبح الفنان شخصا معرضا للجوع حتى الموت صوره كافكا بشكل فنان جائع، وحينما أصبح بمثابة طفيلي، صوره كافكا بشكل حشرة عملاقة”. الأعمال الأدبية الكاملة. دائرة الأدباء الخالدين. 5:311). ويبدو لنا أن هذا مفهوما مبسطا عن الآلة الأدبية - التي أصر روب غرييه على تحطيم كل استعاراتها الواردة في أعمال كافكا.

*هذه ترجمة أولية لمقتطفات من الفصل الثالث من كتاب دولوز وغوتاري عن كافكا.

 

 

عاطف الدرابسة١- ثمَّةَ إشاراتٌ لغويةٌ، ورمزيةٌ، وابستمولوجية، وسيسيوثقافية تحتجبُ خلف هذه البِنى اللغويةِ، وتخرجها عن عذريَّتِها، وعن فطريَّتِها، فالشاعرةُ تكشفُ عبر لغتها عن تجربةٍ غنيةٍ، وعميقةٍ في آنٍ، لا يمكن أن نفصلَها عمَّا هو خارجي؛ إذ اجتمعَ في هذه النصوصِ ما قبل الشعورِ، والشعورِ، واللاشعورِ، وأعني هنا بما قبل الشعوريةِ الدرجةَ المتعاليةَ من الحريةِ في التخييلِ الرَّمزي (allegory)، وفي التخييلِ الشكلي .

إنَّ موادَّ ما قبل الشعورِ حين تتحوَّلُ، وتجدُ لها شكلاً تعبيرياً تدخلُ إلى حيِّزِ الشُّعورِ، وتتخذُ شكلاً لغوياً شعرياً، عندها يجبُ أن ندخلَ إلى منطقةِ اللاشعورِ الجمعي، وهي ما يمكن أن أُسميه (المعرفة العميقة)، وهذه النصوصُ تكشفُ عن بِنيتين: بِنيةٍ مُدركةٍ ظاهرةٍ، وبِنيةٍ محتجَبَةٍ خفيةٍ، ويبدو أنَّ (دوريس خوري) ذات قدرةٍ لغويةٍ فعَّالةٍ، تستطيعُ من خلالها إعادةَ إنتاجِ موادِّ ما قبل الشعورِ، وتحميلِها دلالاتٍ معاصرةٍ، تستجيبُ لواقعها، وتُشكِّلُ في الوقتِ نفسه رؤيتَها لهذا الواقعِ، وموقفَها منه .

٢- ففي قصيدتِها (لجفرا مُقلةُ العين)، تتجاوز الشاعرةُ كلَّ ما ورثته من أفكارٍ ومعرفةٍ عن جفرا الحقيقية، التي ثارت على زواجها، وانتصرت للحبِّ، كما أنَّها ثارت على جفرا الشهيدة، التي استُشهدت في لبنان، تلك الطالبةُ التي كانت تدرسُ في الجامعةِ، فجفرا عند دوريس أكبر من امرأةٍ، إنَّها (فلسطين)، بكلِّ ما تعني فلسطين: من تاريخٍ، وأساطير، ودينٍ .

إنَّ إعادةَ إنتاج جفرا على مستوى الدلالةِ فرضَ على الشاعرةِ شكلاً روائياً (شكلاً سردياً)، فظهرت الشاعرةُ راوياً، يسردُ روايةً من شخصيتينِ: اللاجئِ وجفرا، وهنا يمكننا أن نقولَ بثقةٍ إنَّ هذه القصيدةَ روايةٌ بالشعرِ، تقومُ على شخصيتينِ رمزيتينِ: الأولى شخصية اللاجئِ التي تختزلُ فكرةَ اللجوءِ بكلِّ أبعادها النفسيةِ، والحركيةِ، والمعنويةِ، وشخصيةِ جفرا تخنزلُ مفهومَ الأرضِ، الوطنِ، المأوى .

ويمكننا أن نلمحَ الشكلَ الروائيَّ في المقطعِ الأولِ، هذا المقطعُ ينهضُ على فعلينِ: الأولِ الفعل المضارع، الذي جاء متماهياً مع رمزِ اللاجئِ، لأنَّه يشيرُ بلاغياً إلى التجدُّدِ والاستمرارِ، والحركةِ الدائمةِ التي تنسجمُ مع حالِ اللاجئِ من مثل:

يسابقُ الطيور.. يسافرُ مع الريحِ.. يجوبُ القفارَ ... يزرعُ بين كفيه حباتِ القمح (وهذه صورةٌ فيها إدهاشٌ، ويمكننا أن نتخيَّلَ كيف يزرعُ اللاجئُ بين كفيه القمحَ، فالفعلُ يزرع يوخي بالثباتِ، لكن شبه الجملة الظرفية -بين كفيه- جعلت الفعلَ (يزرعُ) ينزاحُ إلى إشارةٍ أخرى، فبين كفيه توحي بأنَّ هذا اللاجئَ لا أرضَ له) .

وتتوالى الجملُ الفعليةُ، التي تشيرُ إلى حالِ اللاجئِ كما يظهرُ من قولها:

قال اللَّاجيءُ:

ما لكِ يا جفْرا لِلاجِيءٍ مِثلي

يُسابقُ الطُّيورَ في الصَّباحِ يُسافرُ مع الرِّيحِ

يجوبُ القِفارَ يبحثُ عن لقمةِ عيشٍ

يزرعُ بين كَفَّيْهِ حبَّاتِ قمحٍ

فتأْتي العصافيرُ أسراباً وجحافلَ

تَنْقُدُ حبَّاتي بِصَمْتٍ فَتَطْرَبُ

وتُغرِّدُ شحاريرُها

يُنْشِدُ الموالَ يعودُ في المساءِ

يَعْتلي قبّةَ السَّماءِ

ينامُ بين طيَّاتِ الغيْمِ

يَسْمعُ أنينَ المُتَألِّمينَ  وخُوَارَ الجائِعينَ

فماذا يفعلُ لاجيءٌ مِثلي في المنْفى؟ ..

لا مكانَ لهُ

ولا مأوىً

حتّى اللهُ لمْ يقْبَلْهُ في قبّةِ سمائِهِ ..

ففي هذا المقطع المُثقلُ بالإنزياحِ، أشارت فيه الكاتبةُ إلى حالةِ التيه والضياعِ التي يمرُّ بها اللاجئُ، وهنا نلاحظُ فكرةَ قلقِ المصيرِ، وقلقِ الوجودِ .

ثمَّ يأتي صوتُ جفرا، بأسلوبِ الأمر:

قالتْ جفرا:

هيَّا أيُّها المنفيُّ

أنْزِلْ شِراعَ سفينَتِكَ

واصْعَدْ فوقَ كَرْمِلي

واعبُرْ نفَقَ القلبِ

ها كبُرَتْ أنوثةُ مُفْرَداتي

وحَرْقةُ الوردِ لِشَمِّ رعشةِ عِطْري

هيَّا ألبسْكَ ثوبَ مَطري

كيْ أُلْغيَ طُفولَتي

واكتَشِفَ فيكَ أبعادَ لُغَتي وقاموسَ غِوايَتي

هيَّا أُعبُرْ إلى منْفاكَ

حيثُ لا عسكرَ ولا بنادقَ سِوى

وصْوَصاتِ مناقيرِ عصافيري تدوي

في جنباتِ قلبِكَ المذبوحِ

هيا اقتَرِبْ وأنْزِلْ شِراعَكَ فوقَ صَدْري

واهْجَعْ كالقتيلِ في خليجِكَ كي تنامَ

هنا...  تَجِدُ ملاذاً آمِناً !

هنا تكشفُ الشاعرةُ عن أنَّ جفرا هي الوطنُ البديلُ لهذا اللاجئِ المنفي، غير أنَّ هذا الوطنَ لا يُعدُّ بديلاً موضوعياً عن هذه الأرض، إنَّه بديلٌ حالمٌ، وبديلٌ نفسيٌّ، وكأنَّ الشاعرةَ هنا تُمارسُ طقوسَ التحويلِ، كما تمارسُ في الوقتِ نفسه طقوسَ التعويضِ، كما يظهرُ من قولِها:

أُعْطيكَ ... إقامةً دائمةً في قلبي

لكَ شجرةُ حُلمي ...

لك كلُّ ما تتَمَنّاهُ

أنا عُصْفورَةُ المَنْفَى

مِنْ شرايينِ قلبي

نَسجْتُ لكَ خَيْمَتي

مِنْ أورِدَةِ شراييني

حِكْتُ لكِ ثوباً بنفسجيَّاً

نَصَبْتُ لكَ أُرْجوحَةً

لِقَلْبِكَ المُتْعبِ

كي تَعْتَلي عرائِشَ كَرْمَتي

المُطِلَّةِ خلفَ أسْوارِ حدائِقي

حدائقٌ أبْهى مِنْ حدائقِ بابلَ

حدائِقٌ تُطِلُّ على مرْجِ السُّنْبُلِ

تجوعُ فأطْعِمُكَ مِنْ حبَّاتِ سنابلي

هيا اعْتَلي

كيْ أُهَدْهِدَ أجفانَكَ مثلَ طفلٍ صغيرٍ

تَعْطَشُ ... فأسْقيكَ ذوْبَ أحاسيسي

أرفعُكَ إلى قُبَّةِ هَرَمي

تُطِلُّ على دهاليزي

ومع كلِّ رُكْنٍ

ألفُ حكايةٍ وحكايةٍ ..

في هذا المقطعِ نلمحُ صورة الوطنِ البديلِ، حين يصيرُ القلبُ موطناً، وشرايينُ القلبِ خيمةً، والأوردةُ ثوباً، ثم تتحوَّلُ إلى حديقةٍ، وسهولٍ، وتصيرُ الأحاسيسُ ماءً .

غير أنَّ الخطابَ هنا يأخذُ منحىً جنسياً، لا بغرضِ الجنسِ أو التهييجِ، وإنَّما بغرضِ التوحدِ مع الوطنِ، وهنا يأخذُ النصُّ بعداً رومانسياً خالصاً، تبدو فيه العواطفُ وهميةً، لكنها تمنحُ اللاجئَ القوةَ للسيطرةِ على أوجاعِ غربته، ومنفاه، فالشاعرةُ هنا تجعلُ من جفرا رمزاً للحياةِ، والتجددِ، والأملِ في العودةِ، فالمرأةُ هنا معادلٌ موضوعيٌّ للحياةِ، ورمزاً يخرجُ اللاجئَ من دائرةِ ضعفه، كما يظهرُ من قولِ الشاعرةِ:

اللّاجيءُ:

جفرا يا مقلةَ العينِ ...

يا وطنَ المنفيينَ

ما لِقلْبِكِ ...

يعْشَقُ لاجئاً مِثلي

لا مكانَ له .. ولا مأوًى

جِئتُكِ بِيَدينِ فارِغَتينِ

جِئْتُكِ بِيَاسمينِ الشَّامِ

جِئْتُكِ بِشُلوحٍ من أرزِ لبنانَ

أرْسُمُكِ فوقَ السُّطورِ ...

أخُطُّكِ فوقَ الحروفِ

فوقَ الجَداولِ ..

فوقَ الحدائقِ .. فوقَ الشِّفاهِ

أرسُمُكِ لوحةً سِرْياليَّةً

لا يفْهَمُها سِوايَ

أرسُمُكِ فوقَ نِقَاطِ دهشتي ...

فَتَعودينَ مثلَ طفلةٍ صغيرةٍ

تَسْألينَ عن سِرِّ القُبلَةِ الأُولى ...

عن طَعْمِها عن لَوْنِها ...

عنْ قُبْلةٍ تَعْصِفُ بِجَنَباتِ خَيْمتِكِ

تَجْتاحُكِ من مُحيطِكِ لِخليجِكِ

أُعْطيكِ قُبْلةً كيْ يَتَذَكَّرَني

توتُ الجليلِ على شفتيْكِ

قبلةً ما زالتْ ساخِنةً

كَرَغيفِ القُبْلَةِ الأُولى

لكِ جمعتُ أشعاري حبَّةً حبَّةً

لكِ ضَمَمْتُ غِماري

وأغْلى حَصَادِ سِنيني ...

- يحفل هذا النصُّ بالرموزِ الدينيةِ والأسطورية التي تؤكدُ فكرةَ الخلاصِ.

- تحتوي القصيدة على سؤال الوجود، على لسان جفرا: لماذا لا يقبلنا الله في عرشه ؟

- من تحولات الرموز الدينية:

- جفرا هزي جذع نخلتك .

- يا ربة العشق .. يا ربة الجمال .

- أنتِ ديني وأنتِ عهديَ الجديد .

***

د. عاطف الدرابسة - الأردن

 

 

حيدر عبدالرضاقصيدة (أمّا وقد فتح نافذة) إنموذجا

النواة الشعرية واستقصائية الدال المتمحور في عين السواد

توطئة: أن القارىء إلى خطاب مجموعة قصائد (في هذه الحديقة السوداء) للشاعر عبد الزهرة زكي، قد يواجه ذلك الشكل النواتي من محتوى النص الشعري الذي تصاغ من خلاله جملة تراكيب متحولة في القيمة العلائقية والدلالية والبلاغية، عدة اتجاهات من الضرورة والإمكانية الزمانية والمكانية والملفوظية التي من شأنها التعامل مع موجهات دوال النص عبر مقصديات سرانية، وكأنها حديثا لمخطوطة من قاع عميق القرار، ولو تحدثنا من جهة هامة حول خصائص هذه النصوص لوجدنا من خلالها ذلك النسق المزاح في مؤشراته التكوينية والتوالدية والاستعارية، مما جعلنا نتعامل وإيها من ناحية قصدية متحفظة في الإجراء والمعاينة القرائية المؤولة في الأحوال النصية.عندما أتاح لي عن طريق دار شهريار للطباعة والنشر إقتناء هذه المختارات من شعر عبد الزهرة زكي، تم لي التعرف على محتوى آليات وتشكيلات وخطابية هذه النصوص، لذا أثرت لنفسي تناول كل قصيدة على حد من الحدود الأولية والمعيارية في مقاربة كل قصيدة من قصائد هذه المجموعة.في الواقع أقول أثارتني بادىء ذي بدء ما تحمله قصيدة (أمّا وقد فتح نافذة) ليس لأنها في أول تصديرات نسق المجموعة، لا أبدا؟ولكن لكونها من الموجهات البنائية والأسلوبية الملفتة في وظيفة تكوينها، والتي تعد إضافة متماسكة في شعرية استقصاء ما هو مسكوت عنه في الأواصر الثيمية من مختزلات الموضوعة المحفزة في مدار ملفوظها الباعث على التأويل والتحول في كيفيات الأحوال والعوامل النصية المكثفة في وسائل واصلاتها الدلالية.

ـ المسلمة العنوانية وآهلية خواص البنية الشعرية.

أن المهمة الأحداثية في مسار الإفصاح الشعري عبر مفتتح القصيدة يحملنابالمعنى إلى ذلك المحدد الثيمي في جملة العنونة (أمّا وقد فتح نافذة) لنستخلص من وراءه حجم مرجحات تلك العلاقة الدلالية المفترضة ما بين هيئات المحقق أو اللامحقق أو ذلك الاقتران بالفعل أو اللافعل أو اليقين أو اللايقين، فيما تلعب العلاقة العنوانية على قيمة ظرفية قد لا تكون مشروطة بالصيغة الفعلية من الحال، بقدر ما تسهم في بلورة ذلك الحاصل المتحقق بالفاعل القصدي من أفق كفاءة الدال نفسه:

لم يكن يدري لماذا كان عليه أن يفتحَ النافذةَ على الليل

وكانت مغلقةً منذ قرون. / ص5

أن سياقية الأسطر الشعرية الأولى من النص، تفتح لذاتها قابلية تصورية خاصة قادمة من معطى الحال المتعالق (لم يكن يدري) فيما تجتمع المنظومة الدوالية في صيغة الاستفسار المحاك بطريقة تتردد في منطوقها الحلمي ثمة إيقاعات متصلة ما بين العلامة وقطع الملفوظ الأحوالي: (لماذا كان عليه أن يفتح النافذة على الليل) يمكننا تأمل وتجزيء حركية الجملة على النحو الذي يشعرنا من جهة ما بأن المقصود الأحوالي من جملة (لماذا كان عليه) هو بمثابة الأداء الخياري في منحى من القيمة الاستفسارية في التمثيل وبالتوجه التفاضلي، إي بمعنى ما هنا تكمن أولية رافضة وجازمة بعملية فتح تلك النافذة، لأن سلطة الآخر في النص جاءتنا محمولا بصوت المشار الآنوي كوحدة مرسلة نحو فعل منفذ غير حاضر، ذلك جزما بدلالة (كان عليه )وحتى لو افترضنا بأن الذات الفاعلة هي ما راح يؤشر لذاتها ذلك المرسل بالغائب من الحال التصوري.وعلى هذا النحو تظل علامة الغائب بالحاضر، كمحاولة في ترهين مهيمنة الزمن المهمل من خلف النافذة أو المتحول من خلف النافذة قدما، إلا أننا نعاين في الوقت ذاته بأن دال (النافذة) ودال (الليل) هما في دائرة التمثل الرمزي الذي من شأنه اعتبار عملية فتح تلك النافذة بما يعادل زمن حلول ذلك الليل القاهر والذي قد يمتد في توصيفه إلى درجة طوالع الشر والشرور، نظرا إلى ما صار مؤكدا من جملة(كانت مغلقة منذ قرون)أي أن الكيفية التي تم بها تجميد ذلك الزمن الظلمائي منذ غياهب الزمن الحقيقي، ما يعادل ذلك الاحتمال بمهجورية ذلك الآخر ومنذ منطقة المقترح التأويلي في العنونة والذي غدا في حالة مشتغلا بفعل الاستعادة المقصودة من الذات الراوية:

أمّا وقد فتحَ النافذة

فقد ظَل يحدَق بالليلِ،

ولم يرَ الظلام.

بمعنى ما أن مستوى الفتح جاء بصيغة الاثبات والترتيب الإقراري المرهون في صحة الحقيقة الفعلية من الذات، إذ أنه ظل متماهيا مع دلالات مراقبة الليل في الطرف المنفرد من عزلته الذاتية، غير أن ما تحمله جملة (ولم ير الظلام) ما يحفز التأويل في النظر إلى حيثيات هذه الصورة النافية من زمن الدلالة المفترضة، بما راح يوسع من ظنية ذلك التعدد في أوجه المساءلة حول ذلك الليل.فالشاعر غدا(يحدق بالليل) غير أنه في فعل ذاته المحتمل (لم ير الظلام) وهنا ما يفسر ثنائية (الليل ـ الظلام ) بخاصية وصفية مغايرة، ذلك لأن عنصر دال الليل هو طبيعة انعكاسية كونية متحولة، إلا أن الظلام قد يعرب عن ذاته بذلك الحضور العمائي الكوني الملتبس على مرئية الذات الناظرة، ويمكننا أيضا وضع حساسية التلقي في حالة التفاعل بين الباث والمستقبل على محامل أوجه خاصة من التأويل.

1ـ استثارة التمظهر الشعري بالمرموز الاستجابي:

قد يكون الشاعر أحيانا في نصه ممن يميل إلى استظهار قابلية متحولة في أداة الوظيفة الشعرية المستنكرة بمزيد من روح القناع اللفظوي الذي من شأنه الغور في شرعية فرض اللغة المزاحة عن مواضعها الدالة بطرائق مستوعبة.فعندما نتعامل مع أوجه الأسطر القادمة من النص، تتبين لنا ثمة لغة إيهامية في تصوير واقع أحوالي قد لا يمت إلى مصادر العلامة والرمز أو حتى الإحالة إلى شيء من الانخراط في تكوين دلالة المعنى القصدي:

كان طيرٌ ما زالَ محلقاً كلّ تلك القرون.

وكانت أمامه، في الظلامِ، قطراتُ مطرٍ تيبست،

فظلّت نائمةً معلقةً في الفراغ.

 

من هنا لعلنا نعاين سلطة العلائق المرمزة، وكأنها تكشف عن كينونة أحوالية في أزل الآزال أو كأنها إعادة للتكوين الوجودي ضمن رؤية ميتافيزيقية أختص بها الشاعر لوحده؟ إلا أننا عندما نتعامل مع دال (طير) أو (محلق) أو(القرون) تتضح لنا حقيقة الذات المقيمة في إلتباس دوامة الأزمنة (في الظلام، قطرات مطر تيبست) الذات تروي هنا عن أحوال إقامتها في ذلك الفصل اليبابي من حكاية (الماقبل، المابعد) بدليل أنها بقية (نائمة معلقة في الفراغ) أن مستوى شيفرات المرمز هنا لا تنفك وهي تلاحق وجودها داخل تلك الفصول الحياتية من كوميديا الظلام.فهي تستنطق أحوالها وتنطوي معلقة عبر فواصل مشهدها من النافذة التي تشكل بدورها ذلك المعادل العلامي الذي يشير بدوره إلى ذات الراوي الشعري.إذا فالراوي في النص هنا هو ذلك الشبح الذي يستسقي لنفسه (قطرات مطر تيبست)وعلى هذا النحو تظل قطرات المطر بمثابة الدلالة اليبابية التي تسعى إلى تعميق مدى الاحساس بشحوبية وجفاف وهوان تلك الفصول من الحياة الآنوية:

وكان ثمةَ مصباحٌ يُطفأ

حينما قطرةُ دمٍ جاءت من الظلامِ عبرَ النافذةِ المشرعة،

فسقطت على قميصهِ. / ص6

تتواصل آلية الخطاب بالحكي نحو سياق تتلخص منه، جملة الدوال لتستأثر لذاتها ذلك النوع القريب من السرد السريالي، بل أنها فعلا قصيدة سريالية في مشروع خاص من رسم المعنى التقاطعي بأداة اللون والخط وتعرجات الوصول إلى غاية دلالية مجسدة.ولكننا عندما ننظر إلى طبيعة جمل (ثمة مصباح يطفأ ـ حينما قطرة دم جاءت من الظلام عبر النافذة المشرعة) قد تتبين لنا عدة دلالات شهودية ما، تتلخص في كون المصباح الذي هو أداة للإنارة عادة، لاينفك في غياب عن وظيفته المعتادة، وهذا الأمر بدوره ما يجسد حالة الظلام المطبقة في المكان تماما.أما ما يخص جملة(حينما قطرة دم جاءت من الظلام عبر النافذة المشرعة) ما يدل على أن ثمة حالة استنزاف موجودة(فسقطت على قميصه)بالمقابل أيضا هناك ما توحي به النافذة المشرعة على حالة تعاضدية مع ما كان من قبل(لم يكن يدري لماذا كان عليه أن يفتح النافذة) الشاعر في كل هذا وذاك كان يسعى إلى خلاصة صورية شعرية تحكمها الملامح وليس الوجوه، الأصداء وليس الأصوات، الظلال لا الأجساد، وربما القصيدة هي من خصائصها أنها متحصنة رغم أفول الخفاء الذي هي عليه، لتدخلنا إلى مراحل الرؤية والرؤيا، وصولا إلى تسخير معادلات الموضوعة الشعرية إلى أقصى مجالات التشكيل الدوالي المبهم.

2ـ قصيدة الرؤيا بين الممكن الامكاني والطاقة التصويرية:

أن القابلية الاحتوائية في مستوى بنيات ارتباط القصيدة في العلاقة التشكيلية، لربما هي مرحلة متعددة في نتائجها الدلالية وهيئاتها المركزة في صنيع الطاقة الحسية المتلاحمة ومحققات فواعل النص، وعلى وفق هذه المدخلية من قراءتنا للقصيدة، أود القول بأن قصيدة الشاعر موضع بحثنا، تمتلك في ذاتها غواية التأويل في المعنى، ناهيك عن سلطة ذلك المعادل في محامل موضوعة المرسل النصي وما يحتمله من مضامين مركزة في دليلها الإحالي:

قطرةُ دمٍ كان بالكاد قد رآها،

جاء بها هواءٌ كان غريباً وليس كالهواء.

كان ينظرُ إلى القطرة،

وكانت القطرةُ تكبرُ على القميص،

وكان يشمّ في الهواءِ، عبر النافذةِ، رائحةً للدم. / ص6

من هنا قد يكتسب الدال الشعري هوية المخصوص النواتي في الموصوف التشكيلي، وصولا إلى مستويات ممكنة من الصوغ البنائي وسلامة العلاقة المتفاعلة التي تتلخص في جملة (قطرة دم بالكاد قد رآها) وجملة اللاحق أيضا (جاء بها هواء كان غريبا) أن الدقة الصياغية في عوالم شعرية عبد الزهرة زكي الموسومة بـ (قصيدة الرؤية) بمثابة معالجة الحال الذواتي بجرعات تشكيلية ذات نفحة رثائية خاصة بحكاية الأوطان التي سلبت ونزفت ذواتها في الظلمات القادمة من جراء تلك النافذة التي بقية مشرعة نهبا لموجات سموم الرياح والأمطار المتحجرة بآثار نحر الذوات، فيما تبقى روائح الدم والجثث عائمة في بياض المعادل عن الوطن والمتمثل بـ (القطرة تكبر على القميص)أو (عبر النافذة، رائحة للدم).

ـ تعليق القراءة:

لاشك أن آليات قصيدة (أمّا وقد فتح النافذة) هي بمثابة منظومة دوالية ذات حساسية تشكيلية ـ تبئيرية، أخذت من خلالها دوال المتن النصي عمقا في تحولات الروح الدلالية المتحفزة نحو زمن القلق وظلام الاغتراب وليل الوحشة، وهي تواجه مصير ذاتها ووطنها في حدود معبرة من هذه الجمل الأخيرة من القصيدة:

وظلت العينان مفتوحتَين على وسعِهما

فيما كان خلفَ النافذة ليلٌ،

وكان ليلاً أحمرَ. / ص7

هكذا تنتهي دوال القصيدة بوسائط ممعنة بتلك الأسئلة النواتية المتصلة بدائرة المعنى القصدي المؤول، لتقودنا نحو علامات استقصائية متمحورة على نبوءة الذات في استشعاراتها الإيحائية المدعومة بالسؤال الشعري نحو ماهية ذلك الظلام الملطخ بدماء الأصوات والأصداء والأعمار والمصائر والقمصان الملوثة ببقع الدماء المنحورة في الظلمات الدامية.

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

 

 

 

محمد المحسنإلى مجاهل الذات في مزيج من الشعر والسرد

يا طارق الباب أهل الدار قد رحلوا/ يا مُهْرِق الدمع فالأشواق تبتهل/كلّت سواعدنا من هول محنتنا/والباب موصود بالأصفاد يكتحل/يا خل دربي كفى نوحٌ ولا عتب/إن المآقي لمنها الدمع ينهمل (طاهر مشي)

“النص الإبداعي في تجلياته الخلاقة - لا يتشكّل لديَّ إلاّ بوصفه استجابةً جماليةً بالغة التعقيد لعاملين متداخلين: لحظة الحياة ولحظة الشهادة عليها.ضغط اللحظة الواقعية، كونها الباعث الأول على القول، وضغط اللحظة الشعرية، بما تشتمل عليه من مكوناتٍ ذاتيةٍ وثقافيةٍ وفنية.. ”(د - طاهر مشي)

"القصيدة المشتهاة هي التي تسكننا ولا تفارقنا مدى الحياة، في كل مرة نكتبها نقول لا ليست هي، ونبقى نبحث عنها بين طيات أفكارنا وذاكرتنا حتى ولو عشناها، القصيدة ” المشتهاة “هي نداء الروح العميقة التي لا تأججه إلا الكتابة، فهي تمنحنا الحياة للبقاء على ناصية الفرح، كلما ضاقت بنا سبل الدنيا، نبحث عنها بين طيات الحروف، ربما كتبتها .. لكنني أبقى أبحث عنها حتى لا أضيع بوصلة الفرح في حروفي.. ” (د - طاهر مشي)

يصاحب الحرف والقلم - في حله وترحاله، ليكتب للفرح والشجن، يصافح الورق بين بهجة وألم، في رحاب عشقه للأرض والوطن والمرأة والإنسان، بحسن العبارة وينحتها فتستحيل تحفة فنية مدهشة، بالتحرر يحلم، لا يوقفه بطش ولا وهن.تأخذنا عباراته نحو الأعماق، فنلمس الوجع والأمل وكذا عشق الحياة والمرأة والإنسان، من إحساسه ننهل الحنين والأشواق..

كلماته في عرض الوجع أطواق، تحملنا نحو اشراقة لا بد لها أن تكتمل - وحتما ستكتمل -

هو الشاعر التونسي الذي ذاع صيته في أرجاء الوطن العربي وخارجه - د - طاهر.مشي يقول في حديث - مقتضب - معي، وأزعم أني - سرقت منه - بضعة كلمات مازال رنينها يداعب شغاف القلب.. فالرجل يسكنه الشعر، ويمتلكه - قسر إرادته - القلم - وتحكمه بالتالي إمبراطورية - عمياء - لا ترى النور إلى حين ينبلج صبح القصيدة.. *”

بانتمائنا للمكان، بملامسة الحياة، سنجثوا على أثر ابتسامة ركبها المجهول في رحلة تفتيشها عن عنوان اطمئنان، باحتضاننا السماء، وتقبيلنا الأرض، سنواصل نحو ذاك الحلم، بتأبّطنا الحرية بنزفها المتهاطل، والماسح لكل حزن، لن نبحث عن الصرخة الضائعة في غياهب الظلم، سيقطف وجداننا تربة الرحيل وسيحمل كل المسافات، عندها ستصغر أيها الألم، فما عاد العمر يثمله صهيلك، وستبقى أيها الوجع تنتحب على أنقاض الأنين، فيعود الياسمين لحقول الوطن وجناحاته محمّلة بالحب والسلام والحنين الوقّاد لكل ماهو جميل في هذا الكون الفسيح..

بحبر الرّوح ودم القصيدة.. سنمحو هذا الخراب الذي يسكننا.. “

سألته - سؤال مخاتلا - : ”كيف تنظر إلى خريطة الشعر العربي اليوم؟ومَن من الشعراء جذب اهتمامك وشعرت عبر أعماله بنكهة التجديد والأصالة والعمق؟

فأجاب دون تردد: “ - خريطة الشعر العربي ما زالت واضحة المعالم على الرغم من محاولة بعض المتشائمين طمسها، فللخارطة رموزها وتضاريسُها الإبداعية، وهناك شعراء رواد شكّلوا قمماً إبداعيَّة لهذه الخارطة لا تطالها رياح التعرية المحملة بغبار العولمة، من أمثال السياب والبياتي والفيتوري والماغوط وصلاح عبد الصبور والجواهري.. وغيرهم.”

ثم أردفت سؤالي بسؤال فأنا - بكل تواضع ودون نرجسية عمياء - لا يعتريني الكلل والممل حين أحاور قامات شاهقة في الشعر بحجم د - طاعر مشي: -

كيف يقيّم د - طاهر مشي - حركة الشّعر الحديث؟

فقال : ”هي حركة، كما التي نعرفها مسطرة في كتب التاريخ الروحاني للإنسانية، تشتمل على الجيد المُغاير، والسيئ الرديء، والزمن سيكونُ حاكماً عادلاً يفرزُ ويفصل، ويحكم بالإستمرار والخلود لكل ما يستحق ذلك، الجميل في الحركة الشعرية الجديدة أنها تنحى منحى تجريبي يُنتج أحياناً ما هو مُدهشْ، وقادر على التواصل مع روح عالم جديد، ومُستمر في تجدّدهُ، والشّعر كذلك.”

وبسؤال مغاير سألته علني أظفر منه بجواب يشفي الغليل.. : حين أنادي في هدأة الليل: ”أيا شاعرنا القدير - د - طاهر مشي “أيكون في النّداء معان قويّة كتلك التي قالها الفلاسفة عن شعر هولدرلين؟!

وكان جوابه هذه المرة مربكا وينم عن دراية عميقة بمفاصل الشعر العربي الحديث، إذ يجيب: لأنني لازلت أجهل - د - طاهر مشي–لم يحدثْ أن فعلتها.ولكنني دائماً ما أقرأهُ بوضوحٍ على البياض، ذاهباً به نحوَ اعترافاتٍ أعمق، كي يتسنى لي قراءتهُ بشكلٍ أوضح.حينَ أعرفهُ تماماً، وقتها سوف أفعل، وأخبرك ما إذا كانت معانٍ قويّة كائنة في ندائي عليه، أم لا، دون تشبيهٍ بأيّ آخرْ.”

أذكّرك أيها القارئ الكريم بما يلي : حين أحاور شعراء معروفين على الساحة التونسية والعربية أمثال الشاعر الألمعي د - طاهر مشي، أستلّ قلمي من - غمده - أبسمل، ثم أشحذه جيدا، وأخوض بالتالي “معركتي” التي طالما أخرج منها خاسرا.. لكن هنالك هزائم هي إنتصارات، كما هنالك أنتصارات أكثر إيلاما من الهزائم، وأعتقد - جازما - أنّ - طاهر مشي - أجبرني على - رفع الراية البيضاء.. !

يتشكّل - النص الإبداعي - لديك.انفعال، عزلة، انكسار، أم لحظات صفاء ؟؟

ردا على هذا السؤال يقول - محدثي - د - طاهر مشي - : “النصّ يتشكّل من مجموع هذا وذاك، بمعنى أنّ حالة الكتابة تكون تتويجا لإرهاصات تقدّمت عليها بصمتٍ بالغٍ، وترقُّبٍ مصحوبٍ بارتفاع تأمُّليّ.ما يهمُّني هو اللذّة التي تنتجُ عن هذا الكلّ، باتصالي مع عمق ذاتي والبُعد الإنساني اللذين تنصهرُ بهما الأشياء والأسماء والأفعال…الخ. وهذا يعني أنّ - النص الإبداعي في تجلياته الخلاقة - لا يتشكّل لديَّ إلاّ بوصفه استجابةً جماليةً بالغة التعقيد لعاملين متداخلين: لحظة الحياة ولحظة الشهادة عليها.ضغط اللحظة الواقعية، كونها الباعث الأول على القول، وضغط اللحظة الشعرية، بما تشتمل عليه من مكوناتٍ ذاتيةٍ وثقافيةٍ وفنية.

في اللحظة الثانية تتجلّى فاعلية التشكيل السردي - مثلا - حين يتلقّف اللحظة الواقعية، أو لحظة الانفعال بالحياة التي لا تزال مادةً خاماً، ليلقي بها في مصهره الداخليّ، ويعرّضها لانكساراتٍ عديدةٍ، وتحولاتٍ جمّة، حتى يخلصها من شوائب اللحظة ومن تلقائيتها الساذجة، أو غبار اندفاعها الأول المتعجل.ويظل النص الإبداعي: شعر.. نثر.. قصة.. رواية.. إلخ في تشكله ملتقى كلّ رفيفٍ روحيّ أو لغـويٍ : اللذةُ وشحنةُ العذاب، الذاتُ والعالم، حركةُ الحياة ونضحُ المخيلة.”

كاد - د - طاهر مشي أن ينصرف بعد أن أرهقته - نسبيا - بأسئلتي الملحاحة لولا خجله النبيل ودماثة أخلاقه العالية، إذ استجاب للرد عن سؤال الأخير: - ما هو رأيك بالنقد الآن، وهل واكب مسيرة الشعر التي نشهد فوراناً لها منذ سنوات قليلة؟*“

فأجاب: "ما يثير الحزن حقا هذا التراجع والنكوص الذي يعرفه النقد الأدبي في جامعاتنا وأوساطنا الأدبية، فالمشهد اليوم يبدو فقيرا لغياب مدارس نقدية عربية حقيقية، في المقابل يمكننا الاستشهاد بالتجريدية الأوروبية والسريالية والبنيوية والتفكيكية وغير ذلك، أما التراث العربي القديم فإنه مليء بالشواهد التي ما زلنا نستنزف قواعدها، لقد أصبحت المناهج القديمة مستهلكة تكرر نفسها دون أن نجد نقدا حقيقيا للنصوص الشعرية مما شجع - كما أشرت - على انتشار الرداءة والإسفاف والشعر الهابط، ومن ثم كان على النقاد (وأنت واحد منهم - قالها بإبتسامة عذبة) أن يقوموا بأدوارهم وأن يصطفوا جنبا إلى جنب مع الأدباء والشعراء لأن الشعوب المغلوبة في وطننا العربي تعول عليهم في قراءة الواقع ونقد مساراته، وهنا يبدو دور الجامعات المتخصصة في دمج الأدب المعاصر بالعمل الأكاديمي وتفعيل دور النوادي الأدبية والمؤسسات الثقافية المعنية لأن التغيير لا يحدث إلا بشكل جماعي.. ”

ارفع قبعتي.. أيها الشاعر العظيم..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

 

 

سوران محمدكنت أعرف بأن  ندوب الشاعر الموهوب رياض ناصر نوري متعددة وعميقة وان كلماته الرنانة الفياضة تقرع أبواب الوجدان قبل العقول، وان هذه الصرخات الشعرية قد تأسرني يوما ما، وقد أستسلم لرسالته الخالدة وأعجز عن الاحاطة الكاملة بأحاسيسه الجياشة ونضاله الدءوب معلنا نصر الشعر على رعونة ووحشية الصيادين، الذين لا يأبهون بقتل أصغر مخلوق في السماء الى أكبرهم في البراري، فبأس الصناعة هي صناعة الموت!عندما يموت الضمير والنخوة والانسانية داخل النفوس، فلا يساوي القتل بعد الا أعدادا وأرقاما  بعدما  شطبت الحروب الاحساس بالذنب في جوف الأنسان، بل ان جوقة الاعلام تزين الجرائم وتسمي أصحابها أبطالا بدلا من ان تطلب سحبوا بجرهم الى أقفاص العدالة في سبيل اعادة اللحمة للوطن والكرامة للأنسان.

في 14 حزيران / يونيو 2011، وسط القمع الدموي، كتب أدونيس رسالة مفتوحة   إلى الرئيس  في صحيفة السفير اللبنانية  كمواطن . ووصف الدولة بأنها دولة بوليسية وحشية وهاجم حزب الحاكم ودعا الرئيس للتنحي وحذر من أنه "لا يمكنك سجن أمة بأكملها".

وهو الذي کان يوءمن منذ بدايات مسيرته الشعرية بأن الأدب وحده لا يمكن أن يحقق تجديد المجتمع وأنه يجب أن يكون مرتبطًا بحركة ثورية أكثر شمولية للتجديد على جميع المستويات.

وهكذا عندما لا يستمع الوطن الی نداء الشعراء يحصل ما لم يحمد عقباه، لأن خطاب الشاعر يعتبر انسانيا بحتا وينبع من ضمير الامة،  فلا شعب دون الشعراء ولا شعراء دون الجماهير. فالشاعر الصادق منهم ولهم يشارکهم الافراح والاتراح دوما.

يقول معتز رشدي في جريدة القدس "أكتب ما شئت، بالطريقة التي تشاء، على أن تظل محتفظاً باثنين لا غنى للشعر الحقيقي عنهما: البساطة والعمق، بهما وحدهما يفتح الشعر ذراعيه لقرائه، مهما تنوعت مشاربهم وانتماءاتهم".

من هذا المنطلق قد نرى شاعرنا الواعي الاستاذ رياض ناصر هنا لا يضحي بشعرية النص وتقنياته الفنية من أجل الخطاب والثيمة، بل نجد ان هذين العنصرين يمتدان على خطين متوازيين فوق جسم النص من أول حرفه الی آخره، ويشعر القاريء بنشوة ولذة من التفنن والتلاعب بالالغاز بحثا عن طريقة جديدة مبتكرة  للتعبير والذي لم نتعود عليه في الغالب، هنا نتلمس لغة شعرية غير مباشرة ترتقي بمستوی النص من الانغلاق على نفسه الى الانفتاح نحو العالم والمزيد في الطريق آتي، وليست هذه نهاية القصة أو ختاما للنص.

ان هذه الطريقة الشيقة المسمى بالسهل الممتنع، تعطي مرونة لأستنباطات القاريء وتجعله يكتب المغزى والمقصد بنفسه حسب ما يراه على ضوء تجاربه وأبجدياته المعرفية والثقافية وقدرة استيعابه واستنباطاته.

النقطة الثانية المهمة والتي تتميز هذا النص من غيره، هي أنه يحتوي على نصين داخل نص واحد، أي ان المقاطع الاربعة الأولی هي في حد ذاتها نص مستقل وقصة مترابطة، تلونه الدم والحرمان واليأس، في حين ان المقطع الأخير هو الکتابة  التعبيرية للمقاطع الأربع السابقة بطريقة مختلفة، وهذا التفنن في الأسلوب يعتبر محاولة جادة لبلوغ جمالية الشكل ولبس النص ثوبا جميلا غير مألوف.

 في نظري قد نجح الشاعر في محاولته هذه واستطاع  ان يعطي قيمة جمالية لشكل النص وتذكير القاريء بمضمون ما قد سلف من النص بأسلوب  شيق ومختصر، كما أن المقطع الخامس يعتبر صورة شعرية مستقلة في حد ذاته، اذ ان القاريء المتمعن الحفيص يميز هذا المقطع من حيث المحتوى من المقاطع الاربع السالفة، هنا في المقطع الخامس يحلق الحمام فوق الطفلة والرجل الاعمى وضفة النهر كي يرسل الشاعر رسالته للجميع بأن الوطن سيسوده السلام ويقفل الشاعر الباب على المآسي المتراکمة التي بدءت قبل  عقد من الزمن أو أكثر، هذه هي أمنية الشاعر وکل ما يملك من جهود لأعادة الامور الی طبيعتها وطي سجل أحمر ثم فتح صفحة جديدة للأجيال القادمة، ولو ان العتمة احتلت المقاطع الأربع الأولى، الا ان الخاتمة قد يکتبها الحمام السلام وهو يحلق في جو السماء دون ان يوجه الصيادون الشرسون بندقيتهم صوبه، ويد الطفلة تلوح لها في حين انها شلت وسقطت الدمية من يدها في المقطع الثاني! وهكذا ينتصر فطرة  الحق على الباطل الدخيل. بالتأكيد  اذا نقارن المقطع الاخير مع سائر المقاطع سنرى بأن هنالك مفارقة كبيرة بين الواقع الموءلم ويوتوبيا الشاعر الذي بناه هنا، آملا ان يتحقق في المستقبل القريب. 

أما المحور الثالث في هذه الدراسة والذي اشتغل عليه الشاعر قبل الانتهاء من كتابته النسخة الأخيرة من شعرە هو اتقانه في استعمال الرموز لتزين صوره الشعرية وجعلها أكثر قوة وانبهارا لانه يستمد بلاغته  من هذه الاستعارات. فهي مفردات يومية (الحمام، الطفلة، النهر، الرجل الاعمی) لكنها مرت بماكينة الابداع وقد صنع الشاعر  من هذا الرخام بناءا شاهقا ومتميزا، كما يتضح لنا من خلال هذه المهارة قوة التخيل والابتكار لدى الشاعر، فهو ليس فقط استطاع تغيير مسار الموضوع من الغزل الموروث  الى التداول الشعري لأحداث الساعة ومواضيع يومية حساسة ذات صلة بحياة الانسان وبني جلدة الشاعر، بل هو ابتكر لغة رمزيا ومجازيا كي يتداول هذا الواقع من منظوره الشعري والانساني ويكتب التأريخ بقلمه کشاهد على هذه الحقبة الهزيلة.

في هذا الرسم البياني قد نوءول الرموز حسب ما نراه بحيث يتناسب مع هذا التحليل فكا لشفيرات المستعملة في النص، لكن في الأخير ان الشاعر هو المرجع وهو يملك أصل المعنى، لكنني كقاريء لي الحق في النظر من زاوية قراءتي، وقد سئل الشاعر الشيلي المعروف بابلو نيرودا يوما عن الغرض من استعمال الحمام   في قصائده هل له وجه مجازي يدل عليه؟ فهو أجاب ان الحمام هو الحمام.

الرسم البياني للرموز وايحاءاتها:3168 الرموز

وفي الختام أود أن أشير الی قول للناقد رولان بارت ينقل عنه المصطفى رياني بصدد أفقية أسلوب اللغة في الشعر والذي يعطي زخما شديدا للنص وبدونه يفقد النص قيمته حيث يقول: "وإذا كان الكلام اللغوي يشكل بنية أفقية فإن الأسلوب يتخذ شكلا عموديا وكثافة لغوية ينحت عميقا في التعبير والمعنى ليصبح سرا دائما يتطلب التحليل والتفكيك والنقد".

***

نص الشاعر:

أخبارٌ نَاقصة

تعملُ بنادقُ الصيادينَ

طيلةَ الليلِ والنهارْ

في قتلِ الحمامِ الأبيضِ

سربًا سربًا ..حمامةً .. حمامهْ

ليسَ هو الخبرُ

الذي أريدُ أنْ أكتبَه لكمْ .

.

الدميةُ التي سقطتْ

مِنْ يدِ الطفلةِ بغتةً

لحظةَ عبرت الطريقَ ثلّةٌ من الجندِ

وما أحدثتْه عيونُ تلك الدميةِ

من علاماتٍ فارقةٍ في رصيفِ الشارعْ

ليسَ كذلكَ هو الخبرُ الذي سمعتُه

و تمَّ تداولُهُ كعاجلٍ

عبرَ الإذاعاتِ المنزليّةِ

والذي نويتُ أن اكتبَهُ لكمْ .

.

أمَّا النهرُ الذي أضاعَ

في خضمِ الحربِ

الطريقَ إلى البحرِ

ونشرتْ لهُ الغيومُ

أكثرَ من إعلانٍ مصورٍ

في صحفِ المطرْ

كي يتمَّ العثورُ عليه

ولم يتمّ حتّى اللحظة.

ليسَ كذلكَ هو الخبرُ

الذي كنت أرغبُ

أن أفسِّرَ لكمْ تفاصيلَه

عبرَ كتابةِ نصٍّ أخضرَ .

.

والرجلُ الأعمى

الذي كانَ يجلسُ منذُ ولادتِه

أمامَ النافذةِ الوحيدةِ للربِّ

منتظرًا صدورَ البطاقةِ

التي تخوِّلُهُ دخولَ مملكةِ النور

ماتَ وقوفًا

في الطابورِ منذ هنيهةٍ

كذلك ليسَ هو الخبرُ

الذي أريدُ أنْ أكتبَ لكمْ عنهُ .

.

أردتُ فقط أن أكتبَ لكمْ :

عَنْ أسرابِ الحمامِ الأبيضِ

عن يدِ الطفلةِ وهي تلوِّحُ لها

حينَ حلّقتْ بهدوءٍ

فوقَ الطوابيرِ

قبل أن تذهبَ

صوبَ ضفةِ النهرِ .

***

سوران محمد  شاعر ومترجم وناقد

 

 

محمد المحسنقراءة في كتاب: كيف قطعت الطريق إليَّ..؟ للشاعر التونسي صلاح الدين الحمادي.

* (لماذا نكتب؟.. لكي لا نهلك).. دوسارتو

تمثل تجربة الشاعر التونسي صلاح الدين الحمادي نقلة نوعية في صرح الشعر التونسي المعاصر، إذ تؤسس لحداثة شعرية متميّزة عبر مجاميعه الشعرية التي نخص منها: -“وجع الأسئلة”(1994)-“وادي الليل”(2000)-“”مدونة الملاعين الطيبين (شعر بالإشتراك).(2001).

ويعتبر ديوان”كيف قطعت الطريق إليَّ” لصلاح الدين الحمادي مرحلة جد متقدمة في نضج تجربته الشعرية وتبني خطاب الشمولية والإستمرارية في بعث الأسس الجديدة للشعرية المعاصرة على ركائز ودعامات قوية تمتح من تجدد المواقف لدى الشاعر وخلق بدائل جديدة لفهم العالم والإنسان.

نحت الشعر.. في دروب الإغتراب

لعلّ الإحساس بالإغتراب في زمن-ظللنا فيه الطريق إلى الحكمة-يشكّل أبلغ محفّز للأداء الكتابي، بإعتباره يمثّل إنقلابا حادا في سياق الحياة الإنسانية وعلى كل المستويات، الزمان والمكان وأبعاد شخصية الإنسان وتداعيات تحولاتها على مستوى الأحداث التي مرّت وتمرّ به.كما أنّ-الإغتراب-يحرّض لدى الشاعر موجهات جديدة لمواقفه إزاء الوجود .مما يفضي به إلى إتخاذ أو تبني رؤى وتطلعات تتباين في مديات إندياحاتها الفلسفية.وذلك بنسب تأخذ بالإزدياد صوب العمق والبلاغة كلّما تتوغّل المواجع في ضراوتها وتزداد وعورة تضاريسها.غير أنّ درجة حساسية الشعور بالأسى تتباين من إنسان إلى آخر تبعا لمرجعياته المعرفية ومديات إنغماره في سبر أغوارها أفقيا وعموديا.وهذا ينسحب أيضا على مستوى الكتابة الشعرية.فكلما كان الشاعر يمتلك ثراء معرفيا معززا بتجربة شعرية، كلما تمكّن من إنتاج نصوص تداعب الذائقة الفنية للمتلقي وتدفع به إلى إعادة قراءتها لإكتشاف الفسح التي تمنحها إياه لمزيد من التأويل المفضي إلى إنتاج نصوص ما بعد القراءة.فكيف بنا والشاعر صلاح الين الحمادي الذي انبجس من مدينة شاعرة / حالمة-المهدية-ونهل من -غيمها-الماطر، تمرّس على الكتابة الإبداعية على ضفاف البحر كما على تخوم المواجع، وتعلّم بالتالي هضم الأسى الذي ينتاب الشعراء أثناء تحليقهم في الأقاصي، بمخيلة أضراسها المعرفة.“مهموما.. أنتظر دواء الله.. ثورة بعضي على بعضي أو ما قد تسفر عليه لجان التفكير بعواصم جسدي العرجاء(ص57).. حزين؟!

ولكنّ هذا الذي أنت فيه من السخط لا يستحق الألم / إذا غيبوك / شعارك يضحى إحمرارا / ورمزك نارا / وكل الحروب دروب / وكل الدروب حروب / وإنّ السلاح القلم (ص53).. ”لا يخلو هذا المنجَز الإبداعي من بعد مجازي تتلاقح عبره دلالات النصوص الشعرية وتتوالد لتمحص الهم الشعري، والرؤية الغدية، في إرتقاء من الذاتي إلى الجمعي، ومن المحلي إلى الدولي، وتتوالى الصور المجازية، والإستعارية، بأساليب يتعرى من خلالها عالم الشاعر الشعري، فيعرض الضيق النفسي، والواقع المر المكبّل بظلام الحاضر، والمدثر بنار الإنعتاق، ويصاعد الضيق والحرج بالنفس حتى تصرخ(أحلامنا انكسرت يا أيّها النّاس / نجماتنا سُرقت / قد أُترع الكأسُ / أرواحنا انفجرت.. )(ص114).لنركس، بهذا التوجّع، في تاريخ المشهد العربي المترجرج، ونسمع صداه لدى المسلم الأوّل: ”متى نصر الله” ويجذبنا بعد الصور المجازية، والإستعارية وإدراكها، بما تخلقه من مفأجأة القارئ بإنعتاقها من عقال الوهم، وبجنوحها الموغل في الغرابة والتخييل، بما يشبه ما أسماه”إمبسون”بالنمط السادس من أنماط الغموض، حيث المخالفة قائمة بين وضع الصورة في النص، وبين وضعها في الذهن، لأنّها تتخطى توقيع علاقات محسوسة، ومعقولة، يعيها المتلقي، إلى البحث عن إيجاد علاقات يمثل اللاوعي مصدر تشكيلها الوحيد، تجوز من خلاله المرئي والمسموع والملموس، والمعقول إلى الحلمي والوجداني، حيث تبدل معاني الألفاظ غير معانيها، وتتلبس بالسياق، لتنبجس منها علاقات متعددة، ومختلفة نحو التناقض الذي يولّد الإنسجام.. ومما راقني في هذا القلب وهذا الكشف قول الشاعر: ”في جديد الزّمان أسئلة وغموض رهيب / خيوط من اللّيل تغتال أحلامنا / نجوم تفاجئ عشّاقها بالرّحيل / عذاب التذكّر / عذاب البديل / سراب الذين يريدون بعض المقاعد في البرلمان / ضيق المكان.. ”(ص45).

وفي أثناء هذا النشاط النصي والنموّ الشعوري تتخلّق اللغة الشعرية بتخصيص خصائص نصية علائقية من خلال حركة ذات أهمية قصوى في البناء الشعري، تتفاعل فيها العديد من الآليات والمؤثثات الشعرية تتغيأ إنتاج رؤية للمحيط والخارجي، وتتعمّد تفعيل الإنفعال في الآخر.. ما من شك إنّنا نواجه شاعرا ذا فطنة ودراية بالشعر.

شاعر ناهض-المواجع-ولم يستسلم لوحدته.فقد حرّض القلم كيما يكون أنيسا له“حزين؟!

ولكنْ هذا الذي أنت فيه من السخط لا يستحق الألم / إذا غيّبوك / شعارك يضحى إحمرارا ورمزا ونارا / وكل الحروب دروب / وكل الدروب حروب / وإنّ السلاح القلم.. ص(53)”تلك هي فلسفته الداحضة للإغتراب والمواجع.. ”والجدير بالذكر أنّ معرفة المعجم الشعري للتجربة يساهم بوضوح في كشف عوالمها الداخلية، كما يسهم في تلمُّس معالم رؤياها ذلك أنّ اللغة مقرُّ كينونة الأشياء، وأنّ الوجود يكتشف فقط من خلال اللغة، ويبدأ وجوده عند الإنسان لحظة كشف اللغة عنه كما يقول هيدجر: والدراسة الإحصائية تضع أيدينا على بعض الترددات ذات المغزى، والتي تسهم في رصد المحاور التي يدور عليها الخطاب.

والملاحظ أنّ المتن اللغوي للخطاب الذي بين أيدينا شأنه شأن الشعر الحديث عامة يغلب علية مفردات الوجع والغربة والخواء والإستباحة والموت والإستبداد، فقد هيمن على هذا الخطاب ما يربو على تسع وأربعين مفردات من هذا القبيل، علما أنّ غير قليل من هذه المفردات يتردّد كثيرا لدى الشاعر، فقد تردّد الحزن إحدى عشرة مرّة وتردّدت النّار أربع عشرة مرّة، أما الليل والموت فقد ترددا سبع عشرة مرّة، في هذا الخطاب الذي يقع فعليا في 128صفحة من القطع الصغير، وفي ذلك ما فيه من الدلالة على الإيغال في السوداوية، وحتى تكتمل الصورة بإستقراء مقنع يحسَن أن نقف على المتن اللغوي للعالم الآخر الذي يتمثل بمفردات من قبيل الجمال والصبح والورد والضّوء والحب والعشق والأزهار والشوق والغرام، فقد بلغت مفردات هذا العالم تسعا وأربعين مفردة وفي هذا الأمر هامش فسيح من الأمل ورسم خلاّق لمعالم المستقبل المشتهى.. وجليّ أنّ مفردات عالم الحب والخير والنماء والخصب لم تعد دالة على هذه المعاني في علاقاتها التركيبية هذه، على أنّها-وهي كذلك-تدلّ على أنّ الشاعر مسكون بهذه المعاني التي تشكّل مفردات عالم مشتهى ومطموح إليه، مما يشي بأننا أمام رؤيا على ما توحي به من إستباحة بالهم اليومي وبالمنظومة القيمية تعي جيدا ما هي فيه فتشهد معترفة بالحرص الذي ندب نفسه للشهادة، وإدراك الذي يعي جيدا ما يشهد به، ويطمح إليه، فهذه الرؤيا على كونها مستباحة منهكة بهمومها اليومية والمصيرية ما تزال من الناحية الفكرية صلبة قادرة على رسم معالم المستقبل المشتهى، وهذا ما يمكن أن يشي به قول الشاعر: “الطريق التي كنت أحرس آخرها / أينعت بعد فيض من السنوات / الذي فات مات / علينا إذن أن نؤجّج بالقول أحلامنا / ونقطع حبل التوهّم والأمنيات.. (ص49).ومما يشي بوعي رؤيا هذا الخطاب الشعري للعالم المشتهى المتخيّل عالم المستقبل قول الشاعر: “أهلا وسهلا يا حبيبُ / اللّيل مرّ من هنا خببا / يلوّح لي بمنديل الأمل / ويقول هل.. / طالتك أيدي الياأس فآنهدّ الجبل؟ / أو لم تكن دوما جبل؟.. وبي شوق إلى الهوى / يأتي إلىَّ على مهل.. / يأتيك قبل خروج هذا العام / نجم فآقتنصه ولا تكن متردّدا.. (ص93 / 94).

بعد ما تقدّم يمكن القول إنّ صلاح الدين الحمادي كان عارفا بأهم ميزات قصيدة النثر، فبنية القصيدة الداخلية والخارجية تقوم على التنوّع في الإيقاع واللغة والسرد والشخوص.هي عالم من وحدة نقائض-هدم وبناء-وتنوّع في الصيغ الشكلية والإشراقية وعلى كل المستويات.وهي بالتالي إنجاز إبداعي يتسوّر محراب المعاناة والواقع المؤلم ويقدّم في ذات الآن حلما باشلاريا عبر صور وعلاقات شعرية وثنائيات وأضداد، وإيقاعات سردية وفنية تركس في الماضي وتعمّق الإحساس بالحاضر وتستشرف المستقبل.و”كيف قطعت الطريق إليَّ”بهذه الصورة ينم عن دراية ومران كتابي من جهة، ومع فكرة الشعر من جهة أخرى، وليست فكرة الشعر سوى الأرق والسؤال، نحسهما في كل كلمة، في كل نبضة، في كل صورة، في كل قصيدة، فيوحدنا مع الشاعر قلق الصور وبلاغة الشعر بمنآى عن التقليد المفتعل المثير للشكوك، والذي درج عليه الطارئون..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي

...............................

الهوامش:

* صلاح الدين الحمادي: عضو اتحاد الكتّاب العرب بسورية.رئيس إتحاد الكتّاب التونسيين.-صدر له من الكتب: -وجع الأسئلة (شعر) الدار العربية للكتاب.تونس1994.-وادي الليل (شعر) الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم.تونس2000.-مدونة الملاعين الطيبين (شعر بالإشتراك) أديكوب. تونس2001.. كيف قطعت الطريق إلي.2008 .أحلام متقاطعة، كتاب إلكتروني .تونس 2009 . قيظ حذو بحر الشمال.. ثلج في صحارى العرب. الجزائر 2012.. عدا عن ثلاث قصص موجهة للأطفال.1-) المرايا المحدبة / 305 / للدكتور عبد العزيز حمودة.ط1 الكويت 1998.2-) المرايا المحدبة / 153-154 / .3-) تحليل الخطاب الشعري / 60 / ط 1 الدار البيضاء 1968.الدكتور محمد مفتاح..

 

 

محمد المحسنقد لا يحيد القول عن جادة الصواب، إذا قلت أنّ الكاتبة التونسية سميرة بنصر تمثّل على خريطة الإبداع التونسي أيقونة مهمة لها خصوصيتها، وحالة خاصة من حالات الشأن الإبداعي الذي يجمع داخله ما بين المتخيل والسيرة ووقائع اجترار تاريخ الذات الاجتماعي والأيديولوجي في تجربة إنسانية وإبداعية مستمدة من واقعها الخاص الذي عاشته فعلا ومازالت تعايش فيه مراحل تحولات حادة في الزمن العربي المعاكس..

وتمثّل مرآة الذات التي انعكست عليها مسيرة حياتها الحافلة والمفعمة بالإبداع في تجلياته الخلاقة بؤرة كبيرة انعكست بدورها على إبداعها السردي في المقام الأول وشكّلت عالمها الإبداعي الخاص، كما تمثّل صورة الآخر في منجزها الإبداعي جانبا مهما استعادته-سميرة-في نسيج أعمالها النثرية والشعرية جميعها، وجسّدت من خلاله تجربة لها أبعاد متعددة كان لها تأثيرها الخاص على إبداعها الشعري على وجه التحديد، بل وعلى ملامح أخرى من منجز الإبداع العربي المعاصر.

وذات -سميرة بنصر- في حد ذاتها وهي الباحثة عن نفسها، والمتفتحة على الآخر وعلى العالم من حولها، تريد أن تدرك المعنى وتمتلكه.فكل علاقة للذات بذاتها هي علاقة بالعالم والآخر، كما أن كل علاقة بالآخر هي علاقة بالذات. وهذا (الازدواج) تعبير عن وحدة صميمية مفقودة بين (الأنا) و(الآخر) في عالم تشترك فيه أكثر الدلالات النثرية لدى الكاتبة التونسية سميرة بنصر برموز متماثلة، وهو شعور يتجاوزهذه الدلالات، والإيحاءات بإستمرار نحو تأكيد خصوصية الوضع البشرى، حيث يكون الإنسان غائبا عن ذاته.

تعيش الكاتبة التونسية -سميرة بنصر-نصها الإبداعي كما يجب أن يعاش، و”تسرد” وّتروي”، وكانت ذاتها في خضم هذا-الطوفان الإبداعي-مرآة للواقع الذي اختارته هي والذي كانت سطوة الآخر بصورها المختلفة دائما ما تشكّل تجاهها عقبة كؤود لواقع ما كانت تنشده.فنراها تعيش شتات الذات وترتطم بالآخر في شتى صوره، ويحاول هذا الآخر في ذات الآن بشتى الطرق أن يسقطها ويكسّر حدة تمردها، ومن ثم تصادمت ذاتها مع سطوة القمع عند هذا الآخر المتمثل أولا في السلطة المناوئة لفكرها،  كما تمثل أيضا في صورة المرأة كما جسدت خطوطها برؤيتها وفلسفتها الخاصة، وقد انعكس ذلك كله على منجزها -السردي- الذى أبدعته عبر مسيرة حياتية لا تزال مفعمة-كما أسلفت- بعطر الإبداع.

وإذن؟

عالم الكتابة عند “سميرة” إذا، هو عالم قائم بذاته، يكاد أن يكون معادلاً للمجتمع الخارجي ترتبط عناصره ارتباطاً سببياً ويستمد كل عنصر قيمته النسبية من علاقته بالأجزاء الأخرى، وتلتقي ممراته الجانبية وأزقته الخلفية بشارعه الرئيسي، فكل وقائعه منتظمة في إطار ثابت يحدد لكل واقعة وزنها الخاص، وقد تتساوى فيه إحدى النزوات الشخصية، فكل الأشياء المحيطة بنا قد اندمجت في شبكة من الدلالات الفكرية والإنفعالات الجاهزة؛ويتحدد شكل النص الإبداعي عند -سميرة-بالفعل المتبادل بين الشخصية ووضعها، فنصوصها تتميز من زاوية رئيسية بالطابع الانتقالي، بالصراع بين عدة متناقضات، بذلك التيار المتدفق المتغير دائماً في مواجهة التسلسل الطبقي المتحجر، إن ملحمة الحياة الخاصة عند -سميرة- تتنفس بالدلالة العامة.

وليست -الحبكة النصية-عند -سميرة-إلا حركة المقدمات لتجنب نتائج وفقاً لمقاييس مضمرة،  فإن ما يحدث في النهاية هو التعقيب الأخلاقي والفكري على سلوك الشخصيات، وهي لا تختلف في ذلك عن سائر كتاب الرواية البلزاكية، فالخاتمة يحددها السياق الموضوعي العام لكل لحظات الفعل المتعاقبة، تدفع أخلاقاً كريمة وتلتزم بقواعد اللعبة وتأخذ نجاحاً أو العكس..وهنا يتجانس الشعر بالرواية في علاقة حميمية من الصعب فصل عراها.

ومن هنا أبضا، فإن الحبكة القصصية-كما أسلفت- لدى -سميرة-تنسج في صبر شبكة من “العلاقات”اللاواقعية خلف الإسهاب في سرد التفصيلات الواقعية، فالعلاقات السببية المحركة للواقع والمحددة للشخصيات تحتوي على تصورات مثالية عن الإنسان ومكانه في العالم، وهي تطبع بطابعها ما يسود تلك المرحلة من بحث عن قيم حقيقية في عالم يبدو زائفاً، بتحقيق الوفاق السعيد بين الإنسانية والأرض والسماء.

على سبيل الخاتمة:

ليس مشكلة في أن تستحيل-كاتبا مبدعا-، فالمفردات والألفاظ مطروحة على-رصيف-اللغة، لكن الأصعب أن تكون ذاك المبدع القارئ، وهذا الدور المزدوج يجعل -الكاتب-كرها ملتزما أمام قارئيه في أن يقدّم لهم قدرا معرفيا ومعلوماتيا مهما يشارف اكتمال ثقافة الآخر الذي يجد ملاذه المعرفي عند كاتبه، هذا الدور قامت به ببراعة واقتدار- سميرة بنصر- عبر مشروعها القصصي وكذا النثري، ومن خلال – إبداعاتها - المدهشة (وهذا الرأي يخصني) وكبار الكتاب والشعراء من أمثال توفيق الحكيم ويوسف إدريس وأدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط مرورا بالاستثنائي محمود درويش وجمال الغيطاني وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وغيرهم.. كانوا يمررون قدرا معرفيا مذهلا عبر سياقاتهم النصية الإبداعية أو السردية مستهدفين خلق حالة من الوعي المعلوماتي لدى القارئ الذي اختلف دوره عن السابق بعد أن استحال شريكا فاعلا في النص، غير هذه الشراكة الباهتة التي أشار إليها رولان بارت بإعلان موت المؤلف/الشاعر.

فالمؤلف أو الشاعر، لم يعد ميتا كما استحال في سبعينيات القرن الماضي، ولم يعد إلى أدراجه القديمة منعزلا عن نصه، بل هو الصوت الآخر الذي يدفع القارئ إلى البحث عن مزيد من التفاصيل واقتناص الإحداثيات السردية أو الشعرية بمعاونة الكاتب نفسه.

و-سميرة بنصر-الغارقة في تفاصيل الوطن وتراثه الأصيل والمنغمسة في ذات الآن في العشق في آبهى صوره، استطاعت أن توفّر هذا الوعي المعلوماتي لدى قارئها، الأمر الذي يدفعنا بأن نجعلها في زمرة الكاتبات/المبدعات الحجاجيات، أي اللاتي يمتزن بإقامة الحجة عن طريق تدعيم الطرح الفكري بطروحات فكرية وفلسفية ذات شراكة متماثلة بعض الشيء..

يبدو هذا الطرح المعلوماتي في تفاصيل المشهد الإبداعي للكاتبة-سميرة-والذي نجح-السرد- بقوالبه أن يفرض سطوته وقوته القمعية في إحداث التأويل والإمتاع، ومن قبلهما الدهشة لدى القارئ من خلال الصورة والتصوير الفني لأحداث تبدو عاطفية محضة، وفيها تدعم -سميرة بنصر-طرحها الفكري بأفكار ومساجلات فكرية تؤدلج الدور الثقافي للمثقف، وأنها ليس بالقطعية تنظيريا أو مكتفية بالمتابعة بدون المشاركة في صنع العالم الإبداعي، وأنها بمثابة أيقونة شرعية للحراك المجتمعي الثقافي.

ختاما أقول أنّ الكاتبة التونسية -سميرة بنصر-تؤسس-ببراعة واقتدار-لنص إبداعي مختلف،  إذ تراها-أحيانا-أشبه بالمسرحيين وهم يدشنون أسسا لفنهم، فهي كذلك في معظم كتاباتها، تعتلي مسرحا يكاد يكون أحيانا شعريا يقص التاريخ بعدسات غير متمايزة رغم أنها لا تدخل في قالب المسرح وكنهه، فهي لم تتبع القوالب الفنية الجاهزة لكتابة النص الإبداعي في مختلف تجلياته،  بل عمدت منذ البداية إلى تأريخ السرد والحكي عبر لغة “شعرية” عذبة تداعب الذائقة الفنية للمتلقي.

وأعتقد أن -سميرة بنصر-منذ خطها لسطور نصوصها الأولى، وضعت رهانات جديدة للنص الإبداعي وهي حضور المتلقي بقوة رغم انفصاله-أحيانا-زمنيا عن سؤال الوجع، وأنين الألم.

وأخيرا:

سُئل ذات مرة الشاعر محمود درويش،  فأجاب بكل تلقائية،  “نحن،  حتى الآن،  نحاول بكل الأشكال الشعرية الجديدة أن نقول سطراً واحداً للمتنبي. كيف؟ كل تجاربي الشعرية من أربع سنوات حتى اليوم (1982-1986)،  كتبت حوالي المائة قصيدة،  ثم انتبهت إلى أن المتنبي قال: (على قلق كأن الريح تحتي)”… !!؟

والشاعر، هو من يبني مجدا، ويترك خيرا، ويستظل تحت ظل كل الشعراء من جلجاميش حتى آخر يوم من سنوات عمره، فالموت حقيقة تُعلن نهاية سجال الحياة، والحب حُلم وغاية يلهث وراءه الإنسان،  لأنّه بُرهان ودليل على البقاء والخلود،  سواء علم بذالك أم لم يعلم،  ومهما تطلب منه ذالك من تعب ومن صراع،  يؤكد دوريش ذلك بقوله “سنكتب من أجل ألّا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا” ..

والكاتبة التونسية-سميرة بنصر- تكتب لغد أفضل تشرق فيه شمس  الحب والإنسانية على الجميع

ولنا عودة إلى المنجزات الإبداعية لهذه الكاتبة التونسية الشابة عبر مقاربات مستفيضة..

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي