 قراءات نقدية

ما بين يافا والدوايمة

بكر السباتين"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني يناقش الهوية الفلسطينية في ظل الاحتلال

طرح عميق للقضية الفلسطينية.. صفق له طويلاً في مهرجان كان السينمائي.. يافا وقرية الدوايمة كانتا حاضرتين..

"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني للمخرجة الأمريكية من أصل فلسطيني (آن ماري جاسر) هو انحياز للحياة في فلسطين السليبة واستعادة رمزية لها عبر اعمال تدل على امكانية استعادة الحق وتقول ان الحرية تنتزع انتزاعا بقوة الحجة وبقوة الانتماء الى المكان.

الذاكرة كانت حاضرة بقوة من خلال معالم يافا المتبقية وقرية الدوايمة قضاء الخليل تذكيراً بمذبحتها المدوية. عرض الفيلم الفلسطيني "ملح هذا البحر " للمخرجة آن ماري جاسر في اطار قسم "نظرة خاصة" الذي يتضمن فيلما عربيا اخر وهو فليم لبناني يتنافس مع "ملح هذا البحر" على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان الدولي للسينما في دورته الـ61 عام 2008.

الفلم يعبر عن رؤية إنسانية عميقة لتداعيان الرغبة الملحة للعودة إلى الديار الفلسطينية السليبة وكيف تتبدل الرؤية الشخصية للبطلة ما بين التفاؤل في تفهم الوضع الفلسطيني الراهن والصدمة من الواقع الإحتلالي المخيف. أحد منتجي الفيلم الممثل والمنتج الاميركي "داني غلوفر" القى كلمة قال فيها ان "الفيلم قصة عاطفية وحكاية عن الذاكرة وانا فخور بأني كنت من بين منتجي هذا الفيلم".

وانتج الفيلم بأموال سويسرية وبلجيكية واسبانية وبريطانية وهولندية اضافة الى اموال اميركية وفلسطينية بينما تكفلت شركة "بيراميد" الفرنسية بعملية التوزيع. المخرجة آن ماري جاسر خلال تقديم فيلمها في عرضه الاول عالميا قالت" انها فخورة بان يعرض الفيلم في مهرجان كان وتحديدا في الوقت الذي احيا فيه الفلسطينيون ذكرى مرور ستين عاما على النكبة". القاعة تأججت بتفاصيل الذاكرة الفلسطينية من خلال عرض صور قديمة عن يافا وبحرها الأسير الذي رحل جد بطلة الفيلم منه على مراكب صيد صغيرة ليواجه الأقدار في رحلة اللجوء الفلسطيني وحياة الشقاء في المنافي، من خلال استعادة تفاصيل النكبة بمصاحبة موسيقى اغنية "يا بحرية" لمارسيل خليفة.

ويحكي الفيلم قصة الشابة الفلسطينية ثريا (سهير حماد) التي ولدت في بروكلين بنيويورك وقررت العودة للاقامة في بلدها الاصلي فلسطين. لكن بمجرد وصولها الى المطار حاملةً جوازاً اميركياً تكتشف معنى الحواجز والإغلاق ومعنى ان تكون فلسطينيا تعصف به الأزمات في عالم يتناساه على هامش الأحداث. والمفارقة أنها جاءت بدافع الإستقرار لتلتقي بالشاب عماد (صالح بكري) الذي يحلم بالحصول على تأشيرة للرحيل الى كندا. ويطرح الفلم أزمة الهوية الفلسطينية باقتدار في حسبة لا يتخاطفها الطرح السياسي نحو التشرذم على حساب الرؤية الإنسانية الحقوقية الشرعية.. هذا ما تقوله ثريا للجندي على الحاجز "انا من هنا".

الرمزية في الفلم وعبق الأماكن بعيداً عن التسجيلية الطاغية وظفت للرؤية الواقعية للفلم.. والتلازم بين مسارات الفلم كثف من تداعيات الأحداث وتماسكها.. فالبحر كأنه يحاور العائد فيلتقي مع ثريا بحميمية تلمسناها من خلال عومها الحالم في بحر يافا المملوء بالشوق الجارف، كأنه مكبل بقيود الأسر.. تشاطئه البطلة العائدة ثريا حيناً وتأخذه بالأحضان حيناً آخر. واللحظة الصادمة التي أججت في رأسها التداعيات كانت حين ذهبت ثريا لزيارة بيت جدها في يافا الذي تسكنه اسرائيلية محتلة، والذي بقي كما هو.. تقول ثريا في سياق الفلم" انها مستعدة للتخلي عن هذا البيت للاسرائيلية لكنها تريد اعترافاً بانه كان لها ولأهلها فيما سلب منها عنوة وعلى رؤوس الأشهاد.

ربما في ذلك تعبير عن قابلية الفلسطيني في الإعتراف بالكيان الإسرائيلي اذا ما اعترف هو بحقهم المسلوب؛ وأن يتوقف عن الكذب الدؤوب على الاجيال المقبلة في الدولة العبرية؛ هذا على المستوى السياسي المتماهي مع الفكرة دون طغيان. والصراع على الهوية يدفع ثريا نحو التحدي والثبات عليها معتبرة بأن الوثائق الورقية لا تعني شيئاً إزاء حقها الشرعي بالهوية الفلسطينية النابع من إيمانها بذلك. ويتجلى ذلك من خلال ذهاب ثريا لاستعادة حق جدها من الاموال التي كان يودعها في "المصرف الفلسطيني البريطاني" يقول لها الجميع حينئذْ متسائلين: " لماذا عدتِ!؟" لكنها تجيب باستمرار في أنها من هنا وإن الاوراق الرسمية لا تصنع هوية. وعندما تفشل في استعادة حق جدها الذي تحفَّظ المصرفُ على اموالِهِ بعدَ النكبةِ؛ تسطو معَ رفاقِها على المِصرفِ وتستعيد فقط المبلغَ الذي تم التحفظ عليه وبعضَ الاموالِ الأخرى "كفائدة".

المتابع لمجريات الأحداث التي يفترض في بعض تفاصيلها العنف ورائحة الدم لارتباط الموضوع بقضية مسكونة بهاجس الاحتلال والقتل اليومي ونزف الدم البريء؛ خلت المشاهد من العنف حتى عملية السطو تمت دون إراقة دماء. الذاكرة كانت حاضرة في الفلم بحكم الرابط الذي يجمع اللاجئ بالمكان.. فجدة صديقها خرجت من قرية الدوايمة عام 48 التي حدثت فيها أكبر مذبحة في فلسطين, ثم تعود بعماد في لقائهما الأول إلى ذاكرة يافا المكانية فتعيد على مسامعه اسماء الحواري والشوارع والمقاهي والاسواق في يافا التي هرب منها جدها عبر ذلك البحر المالح.

وفي كل مرة كانت ثريا تجد نفسها في مواجهة جندي يسألها عن أصلها لترد على السؤال بآخر: : انت في الاصل من اين؟. وحين تقرر ثريا ورفاقها سرقة المصرف يقررون ايضا الذهاب للعيش في القدس من دون تصاريح. وكما تغيرت هوية الاشخاص على اوراقهم في فلسطين فان هوية واسماء القرى التي هدم منها نحو 500 بعد النكبة تغيرت وبينها قرية "الدوايمة" التي هدمت كليا ووقعت فيها مجزرة والتي يقرران المجيء اليها فتطوف الكميرا المحمولة في معالم قرية الدوايمة بلغة تجمع بين الرمزية والتسجيل. الفلسطينية آن ماري جاسر وقعت هنا اول عمل روائي طويل لها لتصبح اول امراة فلسطينية تنجز فيلما روائيا طويلا.

وسبق للمخرجة ان وقعت افلاما قصيرة ووثائقية كان آخرها فيلم "كأننا عشرون مستحيل" الذي اجيز في الدورة الماضية من بيانالي السينما العربية في باريس. والفلم في محصلة الأمر نجح في كثير من رهاناته رغم الوهن الذي طغى على آخره نتيجة استخدام ممثلين غير محترفين واتساع مساحة الحوار على حساب السيناريو؛ وهذا لم يؤثر سلبياً على رؤية الفلم وتماسكه.. الفلم طموح وحظي بمكانة رفيعة المستوى على مستوى العال

 

بقلم بكر السباتين

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4542 المصادف: 2019-02-11 01:28:50