 قراءات نقدية

فيلم "نباح" يرصد تفكّك الأُسَر المهجّنة في بلدان الشَتات

عدنان حسين احمدلا تختلف الأفلام الروائية القصيرة في بنيتها المعمارية كثيرًا عن قصائد الومضة التي تحتاج إلى سرعة الدخول في الحدث والتعجيل في حسمه، وعلى كاتب السيناريو أن يصل إلى الانعطافة الأولى خلال الربع الأول من مدة الفيلم أو قبلها بقليل ولا مجال للإسهاب والترهّل الفائض عن الحاجة. وفي فيلم "نباح" للمخرج جمال أمين تحْدث هذه الانعطافة التي تمهّد للحظة الحاسمة خلال الدقائق الثلاث والنصف الأولى قبل أن يتأثث النص البصري بلقطاته ومَشاهده السردية التي تُعرّي هذه العائلة المهجّنة التي تزوج فيها الأب من امرأة إنجليزية لا نعرف عنها شيئًا فهي غائبة أو متوفاة كما تقول القصيدة أو كما يُفصح واقع الحال لأنّ الأب هو الذي يحلّ محلها، ويقوم بالواجبات المنزلية كلها، وقد رأيناه يغسل الصحون في المجْلى، وهذه إشارة كافية إلى أنه يتبضّع، ويطبخ، وينظّف البيت ويلبّي كل الاحتياجات الأخرى التي يطلبها هادي، الابن الشاب، وهنادي، البنت المراهقة. يتأخر هادي في النوم وتهاتفه صديقته جوليا فيخرج مُسرعًا بعد أن يطلب من والده أن يُقلِّه على وجه السرعة لكننا سنكتشف أن السيارة عاطلة وقد حاول غير مرة تشغيلها لكنه لم يفلح، وبما أنّ ابنه هادي على عجلة من أمره وقد تأخر عن الموعد أصلاً فلاغرابة أن يشتبك مع أبيه في شجار لا يخلو من كلمات عنيفة متوترة الأمر الذي يدفع الابن إلى المغادرة بعد أن يرفس إطار السيارة بقدمه في إشارة إلى سقوطه في دائرة الانفعال المُطلق. حين يعود الأب إلى البيت يحاول الإتصال بابنته هنادي لكنها لا ترد لأنها منشغلة بعالمها الخاص فهي ترقص، وتتكلم بالهاتف النقّال مع صديقها الذي لم نرَه، وهذا الأمر لا يختلف مع هادي لكنه أخفّ وطأة من البنت المتمردة التي لا تستسيغ هذه الحياة الأسريّة المقيّدة، وقد أصبح الأب مثل الكائن الغريب بين أهله وذويه، فيلتجئ إلى صديقته "شفاء" ويعترف لها بأنه مُتعَب جدًا لأنه لا يستطيع السيطرة على أبنائه. فبينما كان منهمكًا بغسل الصحون وهو يستمع إلى أغنية "كيفك أنت" لفيروز تنزل هنادي مسرعة من غرفتها وتوبّخ الوالد بطريقة فجّة لأنه لم يُسدّد فاتورة الإنترنيت فينهار الأب وينخرط في البكاء لكن هادي يأخذه إلى الحديقة ويخفّف عنه وطأة المحنة التي يعيشها ويدخل معه في حوار جديّ قد يبدو غريبًا على ذهنية الأب القادم من ثقافة مُغايرة حين يصارحه بالقول:"بابا أنتَ ضعيف جدًا، لماذا لا تتركنا؟" فيأتيه الرد التقليدي المُتعارف عليه بأنّ قانون الحياة هو الذي يفرض علينا أن نعيش مع بعضنا بعضا. وفي خضم هذا الحوار الحميمي نُمسِك بفكرة القصة السينمائية بأنّ قانون الحياة الذي يتحدث عنه الأب ما هو، في حقيقة الأمر، إلاّ "قانون الضعفاء" وأنّ هذا الأب الواهن الذي قضى حياته مُنغمسًا في قراءة الكتب لم يستطع أن يقرأ ولده وابنته جيدًا، ويتعرّف على رغباتهما وتطلعاتهما في الحياة. لا تقتصر إشكالات الأولاد مع أبيهما فقط، وإنما تمتد إليهما أيضًا، فالعلاقة بين الأخ وأخته متوترة أيضًا. فبينما هم يتناولون الطعام تخبرهم هنادي بأن لديها سفرة إلى إيطاليا لكن هادي سرعان ما يتدخل متسائلاً إن كانت السفرة مدرسية أم أنها تروم الذهاب مع صديقها، ويطالبها بأن تجلب ورقة من المدرسة تبرهن فيها صحة هذا الإدعاء، وهو يعني، من بين ما يعنيه، أنها كذّابة، فلاغرابة أن تنفعل وتتهمه بأنه مُدمن مخدرات مع أننا كمتلقين لم نلحظ عليه ما يشير إلى هذا الإدمان. يشتبك هادي معها مرة أخرى حينما يكتشف أنها تناولت مشروبه الغازي المفضل Red Bull وفي مشهد درامي معبّر ينتهي الفيلم نهاية مدروسة حينما تتعالى أصوات الشجار بين هادي وشقيقته بينما يتدخل الأب من دون أن يصغي إليه أحد طالبًا منهما التوقف والسكوت بعد ألقى على الأرض الكتاب الذي بين يديه، إضافة إلى كتب أخرى كانت موجودة على مقربة منه، فتتصاعد دوامة النزاع لتختلط الأصوات المتصاعدة بنباح الكلاب وكأنّ كل الذي يدور بين أفراد هذه العائلة المُهجّنة ما هو إلاّ نباح لا غير، وتهديدات علنية لا تضمر المحبة، والتفاهم، أو إمكانية المُضي قُدمًا في حياة أسَرية بدت مستحيلة بعد رحيل الأم الذي أسقط الأب في دائرة اليأس والعزلة والتوحّد.

على الرغم من أنّ سيناريو الفيلم يتوفر على بعض الاشتراطات الفنية في الانعطافة الأولى التي أفضت بالقصة السينمائية إلى الذروة ومنها إلى حلّ العُقدة بعد أن توضحّت أبعاد الحبكة التي أدركها المتلقي وتوصل إلى نتيجة منطقية مفادها أنّ هذه الحياة الأُسرية باتت مستحيلة، وأنّ المضي بها إلى أمام هو ضرب من العبث والجنون.

لابد من الإشارة إلى أن أداء الشخصيات الرئيسة الثلاث كان مُقنعًا، ولعلها المرة الأولى التي أرى فيها الفنان جمال أمين بدورٍ إشكالي مُعبِّر ينطوي على عنصري الضعف والتماسك في آنٍ واحد، كما كان الانفعال أو الانهيار في محله دائمًا، وهذا التوازن الذي لا يتجاوز الحدود المُفتَرضة يؤكد على حِرفية الفنان الذي يعطي كل شيء حقه. كما أن دور الابن هادي الذي جسّده "الحسن صفاء" كان مستوفيًا للشروط، وقد نجح في تقمّص الشخصية المزدوجة التي تحث الأب على مغادرة حياة الأبناء، ولكنه بالمقابل كان يتعاطف مع ضعفه وفشلة الواضح في إدارة هذه الأسرة أو الانسجام الكلي مع طريقة تفكير الأبناء الذين ينتمون إلى بيئة اجتماعية غربية بامتياز. وهذا الأمر ينسحب على "مليكة شيرازي" التي أدّت دور "هنادي" وأجادت فيه على الرغم من أنّ المَشاهد التي ظهرت فيها لم تخرج عن حدود الانفعال والتهور المتواصلين في التعامل مع الأب أو الشقيق على حد سواء. وفي السياق ذاته لابد من الإشادة بدور المصور السينمائي يحيى الحسني الذي يتوفر على عين سينمائية حسّاسة قدّمت لقطات ومشاهد جميلة لا أثر فيها للترهل البصري، كما أن المونتاج الذي تألق فيه سوران سوراني كان سلسًا جدًا بحيث يجعل المتلقي يتابع أحداث الفيلم بانسيابية عالية، واسترخاء شديد.

 

عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4707 المصادف: 2019-07-26 17:00:35