 قراءات نقدية

لمحة مبسطة عن صرامة فكر الهايكو وأثر كتابته البلاغية

فموضوع هذه المقالة "لمحة مبسطة عن صرامة فكر الهايكو وأثر كتابته البلاغية"، لما له من تحديات تعكسها الفلسفة وسياقات تحكمها في تدوين الحياة اليابانية، وأهمية أحقية موضوعاته المتجددة، وحقل بكارته، التي تخص ـ من قبل ـ بعض من ألهم لهم الشأن بخصوصه، وثمرة الدراسة الجديرة في جديد موضوعاته، وحقول قضية الإبداع فيه، وآثار فهم الهايكو في تلاحق أطواره المختلفة عن تطورات جديرة به من إضافة على الآخر. وقد يأخذ منا في هذه اللمحة إيجاز للمحات ثلاث أو أكثر، مبسطة، لتسليط الضوء عليه، والوقوف على وجه صرامته وإبداعه؛ نشأة ونموا وازدهارا.

ولأجل ذلك سأجعل هذه المقالة مدخلا أوليا مبسطا، تدفعنا متابعين حلقات لمحاتها القادمة؛ أو إفاضة اكثر بقليل مما ورد (من كيف إلى لماذا، واين، ومتى ومن هم شيوخه ومريدوه)؟ حتى تبادل أنتقال لغة ترجماته، إن تطلب لاحقا للأمر ضرورة.

وإن كان هناك منا أغفال أو سهو غير مقصود "فنحن بشر"، سبحانه. ومن وجد إصابة، نأمل من الأخرين تسديدها ودفعها للقاريء ليسود سؤدد الحوار والتواصل، بارفع قيمة مضافة تعمها الفائدة فهما للجميع. مع الشكر الخالص لفريق عمل تحرير موقع الناقد العراقي لعونه وتحمله أعباءنا وحرص الاستاذ د. حسين سرمك من تقويم وتعاون ودعم نبيل معنا. ونأمل دوما من الله العظيم التوفيق.

أما بعد:

هيمن تصور المهتمون بكتابة "الهايكو" الياباني، من الربع الأخير للقرن الماضي، أن البحث في الهايكو ومعالجة إشكالياته ومهامه سيقتصر على طريقة الكتابة الموجزة البارقة؛ أي قصيدة "الومضة" اليابانية كما يحلو للبعض تسميته، خصوصا بعدما أفلحت الأخيرة في الخروج من معطف المحلية على غرار أنفصال خصائص تعلم اللغات و الكتابة في فنون ترجمة لسانياتها، بمعنى اخذا اتصال تصور الكتابة فيها كحجوم للأشياء أو سائر المتخيل عن التكنولوجيا المحمولة بساطتها.

لكن بقدر ما أنصلت وصغرت بذاتها عن معارف فنون الكتابة الشعرية أشتد ارتباطها بالفلسفة وتعمق. بحيث ألفت نفسها ـ أي الهايكو ـ نفسها موضوعا لتأمل أم معارف. وخير المعارف من تأملها هو معرفة كيف تتجاوز منها نبذ مساوئ اتصالها من قطائعها، أو العكس. وتزيد نفعا مجالا من مجالات أشتغالها، ونظرا لأهمية تلك التأملات أو المعارف في كتابة به، تطور بأعتبار أن أغلب الفلاسفة والمفكرين عنوا الأسلوب والمنهج به وبإشكالاته، خصوصا في القرن العشرين والعقدين الأخيرين ليومنا هذا على مستوى الثقافة العالمية أو العربية خاصة (=كتاب المغرب العربي ـ بنحو أدق، لأسباب معروفة لدى لجميع).

ولعل سبب أهتمام الفلسفة بنظم كتابة قصيدة "الهايكو" يرد إلى كونها تفكيرا في الحاضر، والغرض، قبل كل شيء، وأنتباها إلى ضرورة التعايش في المنجز الإنساني العام، والأنخراط بالمشاركة والإسهام في بناءه عبر أنتشاره بين شتى الثقافات العالمية. وبالعمل على توجه الأفاق نحو المستقبل. وجلي أن انشغال صرامته في طريقة نظم نشأته الأولى منذ القرن الخامس (كما تظهرها حفريات الدراسات المتخصصة)، وصرامته هذه فكرية، غير أنه لا ينفي أتجاها نحو الماضي، وأن مرونته تروم، في الحال ذاته، إنتشال القبلية بإنقاذ الذاكرة وضمان استدامتها واستمرارها، فهو بذلك يشكل تقاطعات مع الفلسفة (ظاهرا ومحتوى) في مجالات عديدة. بمعنى أن تكون المعنى تشكل علينا المراد لا بالمجاز فحسب، بل، أيضا مقياسا لبلاغة الكلام، في حرص منهج الكتابه فيه على أيجاد صيغة الأبداع له، فيه تفسيره الموازن بين قوة دور الحقيقة وأقتدارالمجاز في التعبير الفني ـ عند وقع الأختيارـ أي حينما يكون موضوعا للتأمل، الذي يتقدم به للحصول على درجة من المعرفة وآثرها في تدوين، وأبلاغ قضيته الجديرة بالدراسة أو المراجعة لوقعها في رسالته ـ الهايكو.

لكن العلاقة ولقاء الحقيقية بينهما يتكشف في أرتباطهما في حيز الموسيقى، العلامات اللغوية، فكلتاهما قوة "أقتدار" يعلن عن ذاتهما بصفتهما صحبة تمكن مع ما تحثه تلك العلامة من جاعلية، أي حمولة شحناتها الثقافية والنفسية والمعرفية بالعمل على توجه الأسماء الأفعال في تحولها لصفات حقيقة نحو المستقبل، مما تكون كلتاهما مضطرة. إلى فك علاماتها. فيكون كلهما، أي الشاعر والفيلسوف يوثقان تأملاتهما لما سيصدرانه عن قراءة إشارات، هي كلمات في صرامة نظمهما، وسياقات تؤلف نصوصا بلاغية رفيعة الفكر، وهما يستخرجان اسرارها الخفية من جمل أسمية تعمها٫ معززة بنبع مصدري، وجعل الجلة فعلية خفية بالدوافع التحفيزية تحرك جمالا جوهريا لمعنى مادي ملموس وأستدعاء توظيف للحواس بمدارك تتلذذ بالجمال المعرفي الحسي في أعماقه.

ويحدث للشاعر من خلال صرامة أسلوبية فكر الهايكو، أن يتعرف كثيرا من تلك الإشارات تأملات لم يسبق له أن تعمق بجوهرها أو ظاهرها تمام المعرفة، وما يخفي وجه الحكمة في رفض أو قبول تفسير النطم الشعري بمعنى الطريقة والأسلوب في الكلام أو إطلاقه على توالي الألفاظ في النطق والإسماع أو تلاؤم الحروف وانسجام أجراسها أو إنكارها أن تكون بمثابة الميزة البلاغية كامنة في اللفظ ذاته، ما يعني دون أن يستنفد إمكاناتها الدلالية؛ فهو يمر جانبها في كثير من الأحيان، أثناء بحثه في النص في لغته الأصلية عن الحقيقة، ولذلك تبقى معرفته بالنص وإحاطته به ناقصة، مما يسوغ تعدد تأملات القصيدة الواحدة من جهة، ويبرر قراءات متنوعة هي في الواقع أطر حوار محددة وتبادل لوجهات النظر، ودعوة إلى مجتمع المحبة والمعرفة والصداقة في تعبير عن أن الحياة سريعة الزوال. وبكلمة واحدة تغدو قصيدة الهايكو تفكيرا، لمرورها أثناء بحثها عن الحقيقة بالفهم والشرح والتفسير فالتحديث، وهي لعمرية بساطة الظاهرة سهولة الفهم نفسها والوصول إلى دلالاتها، كما هي التي تحرض عليها عمقها الفلسفة والجمالي أيضا، التي تفتأ تعيد قراءة الإشارات/العلامات، وإعطاءها معان مغايرة عما ألف، نظرا للقراءة الجديدة التي تخضعها لها، مما يحول مسير الفكر والمعرفة لتوضيح مشاكلها العلمية الجادة لقضية الإبداع "الهايكوي".

ويؤكد الأستنتاج السابق كما هو معظم الشعراء اليابانيين الذين أسهموا في تقدم موضوعاته الفلسفية وثقافته المعرفية وأزدهارها قد يكون من العسير تفسير آرائهم وخططهم الفكرية والبلاغية تفسيرا سليما ما لم تمخض قضية الشذرية الموجزة بقيمة الدقة الوامضة، من إضافات إضاءة البرق، الذي يرى أن سر التفكير يكون نفاذ ضوئيته دوما تأويلا، أي تفسيرا وتطويرا، وترجمة لإشارات متغيرة سريعة، فلا يترك ألا وجود إيجازه سوى لمعان تكمن في إشارات قبلا في السر، تابعة  معانيها ملفوفة المقياس ومطوية لبلاغة كلام، وفي حرص حال، موازنة غامضة لما يجبر على التفكير إنسجام أجراسها بين دور الحكمة والمجاز في الأسلوب الفني.

ومن ثم دفعت العلماء في وقت مبكر إلى بذل ما رخص للعين ظهورا أوغال للقلب غناه ضموره وأفصحه، بجمع الكلام له، وحفظه وتدوينه وتعليمه، مع جهد عرض تقبله، وتفسيره، ودراسة أساليب نظمه البيانية ومقابلتها بأساليب البلغاء، ثم أستخلاص عناصر الجودة في اساليبه البيانية ومواضع فجوة التقصير في سلاستة؛ ليظهر امتياز العبارة على وضح الكلام من موضع قويم أو اعوجاج، توكيد رفعة الأجراس القويمة الذين استوت لديهم ملكة البيان، ومن أجل خدمتها خاضوا في مسائل الفلسفة والبلاغة كالقول في الهايكو البلاغي، وتفضيل الكلام على كلام، وكانت أيضا وراء زيادتهم للمقايس البلاغية وتعميقها، وإرساء نظرية النظم وتقرريرها فيه، وبيان مكانته في التعبير الجميل، والتشبيه والتعمق فيه، والإيجاز والإطناب والإلتفات بالتماثل (إن صح التعبير) وبيان الميزة البلاغية من خلال أجراسه في مقاطعه الثلاثية (=النشأة والنمو والنتيجة) وأين تكمن موازنتها لمقاطع ثلاث مكونة الـ(17) صوتا/أجراسا، بطريقة (5 ـ 7 ـ 5 )، أو، 5 ـ5 ـ7 أو أيضا 7 ـ 5 ـ5 ) حسب فهم علمية الأسلوب؟ والمقاطع "الثلاث" تعني؛ بالنشأة والنمو والأزدهار. بمعنى رسم المنهج السليم لثقافة التربية الفنية والتعاليم الأدبية القادرة على الخلق والنقد والإبتكار وتوليد المعاني الخلقية الجمالية قبل فقدانها أو الزوال؛ للوقوف على وجه إبداع الهايكو البلاغي؛ وظيفة أنبثاق المثال، حكمته، والقول بعمله المأثور.  فمنذ أن وجد الهايكو أصبح سر تجدد الفكر الياباني دوما طريقا للإيمان بنور وصف لنفس الطبيعة برسمها الحياة واستمرار تجديدها بالبدء الفطر الخلقي الفطري، وأعمار الكمال، وسيادة الذوق والجمال، لتقلد تعلمه من أمور الحياة، و تعميم ثمرة فهم الهايكو في فهم قول اللحظة، و وقوف الهايكو على وجه تفرده بالزمان وإبداعه بالمكان. فهو، مثلا، يعود بأستمرار إلى تراثه الفلسفي، ويعيد قراءته قراءات جديدة؛ كحال شيخ البلغاء من اللاحقين في تاريخ هايكو اليابانيين (باشو ماتسويو 1644 ـ1694)، الذي يستحدث بأستمرار، وليس على كل مائة سنة، ومن ثم تفهم إبداعية الغرب، الذي يستلهم أرتقاءه وتطوره من إعادة ترجمة تراثه الياباني وفهمه وفك إشاراته وتأويله وتفسيره. وهذا يعضد ذهاب ما رسل إليه حق أثار لاحقة من مريدوه بعده، مثل (بوسو يوسا 1716 ـ 1783 ، شيكي ماساوكا، 1867ـ 1902 ، كيوشي تاكاهاما، إيبيرو نوك تسوكا 1874ـ 1959 ...وآخرون) إلى أن (الهايكو) هو تواصل للتفكير في العصر الذي تأتي منه وقائع حال التفسيرات والشروح، قبل أن تكون له تأويلات لنص من النصوص، لاستعداد همة اليابايين للنهوض المستمر للفهم البارق لتغيير واقعهم وإحداث أنعطاف في معيشه وذهنيته.

وعلينا ألا ننسى، أيضا، بأن الأصل في الأختلاف بين نظم قصائد الهايكو ليس النص بعلاماته التي قد ينظر إليها بصفتها جوهرا موضوعيا، وإنما يرد إلى إلى ما أمتازت بوصوله الذوات إليه خاليا من التبديل والتحريف والزيادة والنقص، التي يفترض فيها أنها مختلفة وأنها جوهر ذاتي متعدد، وأن كل "هايكو" يكشف في النص الذي يكتب فيه عن معنى غير متوقع، وهو ما ينعكس مباشرة على الفكر، أي على الفلسفة التي تتغذى عليه الهايكو، لميزته المرموقة هو الأشغالات اللامتناهية لحظة بلحظة، وفقا لما يتغلغل ويسود الحواس الواقعية من مصادر الحياة اليومية، أما التجريد والتعميم فهو مطلق الغياب.

تسعفنا نظم قصيدة الهايكو في تخطي ذاتنا وعالمنا، وفي الخروج إلى عوالم أخرى ما كان لنا نطلع عليه إلا بإتقان لغاتها جميعها؛ في الدلالة للتواتر وتاريخ الهايكو نفسه. ويسمح تعدد المبدعيين وكثرتهم في تيسير المهمة التي يمكننا من الوقوف على الفلسفات وفنون ومعارف وغيرها كانت ستظل في حكم المجهول بالنسبة إلينا. والأكيد أن المبدع يقدم من خلال نصه الشعري قراءته الخاصة للنص مرحلة نضج الأصل والكمال، وهي إبداية بيانية لغة تخاطب القوب والعقول معا، ادخرها أصل الشيء، حتى بلوغ الحواس مرحلة بدء النشأة ونمو الكمال ونضجه، وازدهار الجمال بفهمه، أي نصا مختلفا بالضرورة، ما يعني أنه يبسط أمامنا أختلاف قراءته عن قراءة الآخرين بالضرورة، وما يفيد بأن النص المكتوب لا يوجد إلا في الصورة البلاغة التي هو عليها في لغة الوصول، وأن لا مثيل له خارج ذاته.

يتبعها مقالة: وقفة وامضة عن تمييز السمات الفلسفية للهايكـو والتانكو/ أو(تفكيك التشابه وقطيعة التواصل من أختلاف)

 

إشبيليا الجبوري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4791 المصادف: 2019-10-18 00:43:15