 قراءات نقدية

الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (6): جمالية الشعرالمعاصر

فالح الحجيةإن المتعة الجمالية هي الوسيلة الشعرية في الوصول إلى الغاية، فالجمال وسيلة الشعر إلى غاية الجمال (فهو إحدى وسائل غرس الجمال في الوجود ويعد من وسائل غرس الجمال الكبرى الصورة الشعرية).

فالشعر على العموم يتمثل في كلمة جميلة تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها فتسجل اسمى معالمها و اعمق بواطنها كحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها فهو معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية الخارقة و الاحساس النابع من القلب فهو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء، وقد يكون تعبيراً عن العلاقات الصوتية بين الحروف التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها ليبين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه متدفقة منها مشحونة بها لتبحر قصائد عبر مسارات النفس الشاعرة فتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا وحالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة الحياة وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية. يقول الشاعر لاحظ ذلك في قصيدة الشاعر ضياء صكر:

يا قُدْسُ لا تصرخي، فالنُطْق مُستلَبُ

الشّمسُ تبكي دَماً والعُرْبُ قد شجبوا

 

لا تأمـني زمَـــناً والخــــونُ مؤتمـَــــنٌ

عكّـا" وما بعـدهـا، مَنْ خانَ هُمْ عَرَبُ

 

همُ الرعــاعُ إذا الفحشـــــاءُ تجمعُهــــم

مِنْ فــرطِ خُـبْثٍ بهـــم، واللهِ قــدْ ذؤبوا

 

يا قُدْسُ قــدْ أزفَ الخـــــــذلانُ ذروتَهُ

في أمّةٍ، صَهْرُها، في العَهْرِ مُغتصِبُ

 

باعـــوكِ رَهْطٌ مِنَ الإســــلامِ، أرْذلُهم

وليسَ مِنْ مريمَ العـَــــذراءَ هم نُسـبوا

 

لا ترتجي الخيرَ والعــوراتُ ناشـــزةٌ

هيهـاتَ ينفعُهمْ، في صــومِهم، رَجَـبُ

 

فمَـنْ أعـــاتبُ والعِمّــــاتُ نعـــبدُهـا ؟

أمضى علينــا مِنَ الآيــاتِ، أحتســـبُ

 

ومَنْ ألومُ إذا القــــــــوّادُ يحــــكُمنا ؟

مِنْ آلِ لوطٍ وذاكَ الحُكـْـــمُ منتَخَـــبُ

 

كيفَ الكرامـةُ والإذلالُ ينخـــــرُهــــا

وكيفَ إنْ نَـزِقٌ مِــــنْ طيشــِـهِ يَثِبُ ؟

 

فمَــنْ يكفكفُ دمــعَ الضفتيـنِ كمَـن

يأتي ليلجـــمَ بحــراً موجُـــهُ لَجِــبُ

 

صـلّي لوحـــدكِ فالأعـــــرابُ لاهيـةٌ

حُضنُ النّسـَاءِ لهم في الشّرعِ مكتسَبُ

فالشعرإصل الجمال يستلهمه الشاعر في شعره في حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرته الحساسة في سبر اغوار نفسيته الشاعرة المرهفة لتنمو في مفاصل الحياة و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها فتجتمع في بوتقة تسعد اليها الانفس وتسمو اليها الارواح ووتهفو اليه الافئدة ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري المنبعث في الموسيقى الكلامية المنبثقة بامكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج و تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها لتعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية الشاعرية الفذة ومقدرتها على الخلق والابداع بطريق السمو بالروح نحو مسارات ذات نغمات تنبثق عن مشاعرها وعواطفها وامكانيتها لتسجيل الإيحاء النفسي والفكري وللتعبير البلاغي واللغوي بما يعجز عنه الاخرون. تقول الشاعرة المغربية لطيفة تقني:

يا طائِراً في السَّما هَيَّجْتَ أَشْجاني

حَرَّكْتَ شَوْقي لِمَنْ غابوا بِمَيْداني

 

قَدْ صارَ حُبّي لَهُمْ كَالدّاءِ يُرْديني

صَرْعى أُداري حَنيناً زادَ أَحْزاني

 

يَسْري بِذا الْقَلْبِ آهٍ مِنْ مَواويلي

لَيْتَ الْمَواويلَ تِرْياقٌ لِشَرْياني !

 

هَلْ مِنْ طَبيبٍ يُداويني بِلا قَوْلٍ

إِنّي مِنَ الدّاءِ لا أُشْفى بِأَحْضانٍ ؟

 

هَلّا تَرَكْتُمْ عِتاباً لا يُواسيني

أَسْلَمْتُ أَمْري لِرِبّي سَوْفَ يَرْعاني

 

يا طائِرَ الْحُبِّ خُذْ مِنّي مُصافاةً

أَذْكَرْتَني مَنْ حَمَوْا بِالصِّدْقِ وِجْداني

 

إِنّي تَذَكَرْتُ وَالذِّكْرى غَدَتْ حِبْراً

يَحْكي لَيالي مَضَتْ قَهْراً بِنيسانٍ

 

يَحْكي رَماداً مِنَ الْأَشْلاءِ في قانا

مِنْ مَجْزَراتٍ تَرامَتْ فَوْقَ لُبْنانٍ

 

يا لَيْتَ شِعْري هَلِ الْأَحْزانُ تَهْواني

هَلْ مِنْ قَوافي تُواسي حُزْنَ أَغْصانٍ ؟

 

هَذي طيورُ السّنونو فَوْقَ أَشْجارٍ

تَبْكي ضَياعاً لِأَعْشاشٍ بِأَفْنانٍ

 

تَبْكي لِأََشْجارِ جَوْزٍ ماغَدَتْ جَوْزاً

قَدْ دَمَّرْها أَيادٍ مِلْءُ و بُهْتان

 

صارَتْ رِياضُ السُّرورِ الْمُنْقَضى حُزْناً

كَمْ قاوَمَتْ ظُلْمَهُمْ ظَمْآى لِإيمانٍ !

 

كَمْ ساءَلَتْ لَيْلَها عَنْ عِزَّةٍ غابَتْ

مِنْ دَيْدّبانٍ حَمى قَوْماً بِأَثْمانٍ

 

يا طائِرَ الشَّوْقِ حَلِّقْ فَوْقَ شُطْآني

غَرِّدْ تَغاريدَ سِلْمٍ تُحْيِ أَوْطاني

 

يا عالَمَ الْخَيْرِ هَلْ مِنْكُمْ مُواساةً

إِنّا بِرَغْمِ الشَّجا صَبْرٌ وَصَبْرانِ

والوزن سمة قاهرة من سمات الشعر، ولئن لم يركز الرومانسيون والرمزيون على البعد الإيقاعي الصوتي بصورة خاصة، فإن المتأثرين بالمدارس اللسانية الحديثة يتفقون ان العنصر الإيقاعي الدال الأكبر والعنصر الاظهر من مكونات الشعر، فالنص الشعري حقيقة هو نوع من الأوزان تتولد من قاعدة اتحاد وانسجام بين مختلف مستوياته وخاصة بين حروف اللغة وابراز ذات الصوت المتشكل من الحرف اللغوي واتصاله باخر وفقا لامكانية الشاعر ومقدرته على الاتيان بالافضل ويشكل العروض الجانب الأبرز في الشعرية، الا ان القصيدة المعاصرة واقصد قصيدة الشعر الحر ,التزمت عن بعد بحور الشعر الصافية مع ايغالها المفرط في الزحافات عند اغلب شعرائها اوقصيدة النثر الرافضة لكل المفاهيم الشعرية القديمة والثائرة على كل الاوضاع الموروثة سائرة في خط الحاضر اوالمستقبل .

والشعر على العموم بجماليته وقوته وطموحه وأحلامه، يبقى بماهيته شكلا ومضمونا ومنابعه الصافية محيراً للعقول ويظل جمال ماهيته شيئاً مثيراً جاذباً للنفوس وعواطفها معبرا عن خوالجها يكتسب جماليته من وظيفته الإيحائية الغامضة فنياً . صائغا ماهيته من انبثاق عالم مكبوت في داخل هذا الشاعر الثائر وعلى هذا انبثقت جمالية هذا الفن من روحية عالية ونفسية شاعرة ملهمة .

*

ولعل وقائع الاحداث التي رافقت هذا العصر ربما أسهمت في كثير من الاحيان في اختلال بعض القيم والمعايير الإنسانية ،و كانت السبب المباشرالذي دفع بالشاعرالمعاصرالاهتمام بالمعطيات الموضوعية والفنية لهذه الأسطورة ليهرب من واقعه المرير إلى عوالم اخرى قد تسودها المثالية ويحلق فيه الخيال الجانح نحو الارتقاء والتمكن ،فيبني الشاعر عالمه الخاص به والذي يملأ عليه فراغات من ذاته المكبوتة. وقد طفق الشاعر المعاصر ، نتيجة لهذه المتغيرات السياسية والأحداث المأساوية التي شهدها العصر الحديث يتلمس او يتفهم المقومات القادرة على الإفصاح عن رؤيته الإنسانية الشاملة إلى أبناء وطنه او انسانيته وقد تكون هذه الأسطورة او تلك خير وسيلة للتعبير عن النوازع النفسية اوالحوافز الداخلية عنده او تعبر عن نفسية الاخرين . ربما جاءت لتعبر عن تجسيد للتوق الإنساني الشديد وشكله الخيالي المناسب لهذا التعبير لاحظ قول الشاعر علاء الاديب :

هذا العراق مصاعب وســـــوادُ..

.هُدِم البنــــــاء وشُــــرّدَ الأولادُ

 

فلمن نعايد والمصـــــائب جمّة .

.والمفسدون بأرضنا أســـــيادُ

 

ماعاد في بلدي الحزين سوى الردى

..حزنت على أولادها بغـــــــــدادُ

 

لاعيد بعد اليوم يُفرِح أهلنـــــــا .

مادام يرتع بيننــــــا الأوغـــــــادُ

لذلك أصبحت الفكرة او الاسطورة من أهم احداث القصيدة الحديثة التي عبأ الشاعر فيها هواجسه وارؤاه وأفكاره و تجربته الشعرية بدءا من مستواها الذاتي إلى المستوى الارقى لتمثل بوا سطتها الواقع الإنساني في هذا العصر بصورة عامة.

تقول الشاعرة ميسون الارياني من اليمن:

كانت جدتي عندما تغني

تخبئ صوتها في علبة البخور

مشتعلا

لجداول الورد القادمة

غارقة في مراة الإنتظار

لحبيبها السريع

في الركض

للنجمة الهائمة بين عينيه

ليتها أنجبت الحب

خفيه عن الزمن

وذرفت أصابعها على قلبه البض

لأضاء صدرها

بمصباحين

للشجن

والنشوة

بينما ينغلق صندوق الشمس

وتنصت الأهلة

ومن خلال دواوين الشعراء وخاصة المعاصرين منهم نجد فيها او نرصد فيها أنماطا متعددة من الرموز والأساطير التاريخية على مر العصور ، فقد أولى عدد منهم اهتماما واضحا بالأساطير البابلية والآشورية والسومرية او الفرعونية او الامازيغية التي قد ترتبط بأحداث تميزت بالقدرة على إظهار إحداث العجائب والخوارق، واوجدت شكلية جديدة للشعر المعاصر وعاملا مهما من عوامل التحفيز والإثارة وتجسدت بشكل حيوي في أنشطة هذا الإنسان منذ القدم في الوقت الحاضر او بمعنى اخر غيرت اسطوريته الى واقع حاضر ليستلهم منها كل جديد.

وتعد الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الشاعر المعاصر خلاصة افكاره وجديد عواطفه ونزعاته، وان هذه الأساطير تمثل ما تبلور في أذهان الانسان القديم في العراق اومصر اواليونان والرومان اوالفرس وغيرهم من الاقوام القديمة ذات التاريخ العتيد والثقافة الرفيعة من قصص وحكايات أسطورية فعبرالشاعر في تصويره الشعري لخلق عالم جديد ،ولوجود هذا الإنسان على الأرض ،ومصيره المجهول وما يحيط به من مظاهر الكون الطبيعية وتساؤلات واسعة او ربما تكون في بعض الاحيان غامضة يتكهن الاجابة عليها وربما تفلت منه فتبقى سرا سرمديا قديما وحديثا .

 

اميرالبيـــــان العربي

د.فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــــد روز

.........................

* راجع كتابي (دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر) 2017 عمان الاردن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4857 المصادف: 2019-12-23 01:32:34