 قراءات نقدية

قلق الموت في رواية: الجرس الزجاجي

صالح الرزوقبقلم: جين إينيس

ترجمة: صالح الرزوق


واحدة من أولى الملاحظات التي يمكن للمرء أن يلاحظها على (الجرس الزجاجي) أن الرواية مليئة بالخوف من الموت. حتى أن (الجرس الزجاجي) نفسه ضريح خانق، مكان دون تهوية وتلقى الروح فيه، إن ليس البدن،  حتفها. انظر لأول صفحة من الكتاب بما تتضمنه من إشارة لإعدام آل روزينبيرغ (يوليوس وإيثيل المتهمان بالتجسس لمصلحة الاتحاد السوفياتي - المترجم) وعجز المتكلم  من إلغاء صورة رأس الميت من ذهنها - كل هذه المخيلة والأفكار تقودنا للهم الأساسي في الرواية: الموت.

وحينما أرادت إيستير من بودي ويلارد أن يريها “بعض المشاهد الهامة في المستشفى”، تضمنت الرحلة إلقاء نظرة على أربع جثث وعددا من الأحواض الزجاجية المعبأة بأطفال ميتين. كانت إيستير فخورة بهدوئها حينما شاهدت تلك “الأشياء المرعبة”. حتى أنها مالت بلا تردد على كوع الجثة التي يحنطها بودي. ولاحقا، شاهدت ولادة طفل لم تشعر معه بأي إحساس بالولادة والحياة. وقالت عن هذا الطفل إنه يبدو مثل خوخة زرقاء. وأزعجها حقيقة أن الأم كانت تحت تأثير المخدر، وافترضت أنها بحالة غيبوبة غير مؤلمة.

وليس غريبا فعلا، من ناحية الموضوع، أن رواية بلاث بدأت فورا بالتركيز على أفكار إيستير بخصوص الانتحار، أو على التفكير بالموت. فالتصورات المشابهة للموت تتصدر حبكة الرواية منذ بدايتها، وقد كانت سباقة في ذهن إيستير طوال الأحداث. وحتى عندما تعرى بودي أمام إيستير، أخبرته أنها رأت الرجال العراة بشكل تماثيل في المتاحف فقط. وكانت أعضاء ذكورة بودي بنظرها مثل “رقبة ديك الحبش  وقوانصه”. وهذا مدعاة للطرافة، ولكنه يذكرنا أن بلاث اختارت الموت بصورة مجازية مجددا، فقد كانت ترى أن أعضاء بودي المانحة للحياة هي مشابهة لأجزاء من أحشاء طائر ميت.

وشمل انغماس بلاث في التفكير بالموت كل الكتاب. وفعليا، هناك قدر كبير من الإحساس بالموت في كل رواية بلاث. وقد سبق قلق إيستير من الموت  كل أنواع القلق الأخرى في حياتها. وفي الحقيقة إن إيستير، المصدومة بالرعب، لم يكن لها أي ردة فعل متكررة حيال الأشياء التي تجري - باستثناء أن تكذب. على سبيل المثال، حينما سألها بودي هل تحب أن تراقب ولادة طفل، ردت:” إنه شيء رائع، يمكنني أن أشاهد شيئا من هذا النوع يوميا”. وفي الحقيقة، غلبتها “المحنة الفظيعة” التي على المرأة أن تمر بها. وأغضبها موقف الأطباء الذكور. ولكنها لم تجهر بشيء من هذا القبيل. ولا حتى لبودي. ومخاوفها وقلقها حفظها من التعبير عن عواطفها الصادقة. لقد دفنتها أيضا، وبسبب غياب الشجاعة، رزحت تحت حالة من الكآبة.

إن رعب الموت هو الوجه الثاني لرعب الحياة. وإيستير، مثل طفل، تخاف من الحياة. أما عدم التعبير عن هذه الحالة، وتوفير مجال تنفس للمشاعر، والتمسك بالكلام عن سلامة واقعها، وحياتها، كانت تلقي نفسها للخلف باتجاه مصادر الرعب. أو باتجاه الرعب الأخير الناجم في النهاية وهو: الخوف من الموت. 

وهذا ليس مجرد خوف من الموت، أو خوف من الحياة. بل هو أكثر من قلق أو كآبة. هذا نوع من الحب، أو الإدمان، على النهاية الشخصية. وربما هو نوع من غريزة الموت نفسها. ومع ذلك يمكننا القول إنه لدى كل إنسان شيئ يود أن يستسلم له. وفي حال توفر الظرف المناسب ، فإن بعض الأشخاص - ومنهم بلاث - يدمنون على هذه الغريزة بمعناها السلبي وباستمرار، ونادرا ما تتغلب عليها غريزة الحياة.

في كتاب “إنكار الموت” لإيرنيست بيكير كلام عن التحويل وكيف أن الناس بحاجة لذلك للمحافظة على “كلية” أنفسهم أمام رعب الموت والقلق. عموما، التحويل هو تشويه للواقع. ”ولكن نحن الآن نرى أن لهذا التشويه بعدين اثنين: تشويه نتيجة الخوف من الحياة والموت.  وتشويه السعي الدؤوب والبطولي لربط الذات الداخلية بالطبيعة المحيطة.

وفي محاولة بلاث للتعامل مع ألم الحياة وقلقها، ركزت مخاوفها على الخوف من الموت. وقد أصبح ذلك في النهاية هوسا بالنفس الأمر الذي قادها إلى محاولة الانتحار. وقد “عملت على توسع ذاتها” بالكتابة عن تجاربها النفسية من الداخل. وهذا هو الجانب البطولي في حياتها - أنها كتبت شعرا جيدا، وكذلك أنها كافحت ما بوسعها لضمان نوع من الخلود. ولكنها لم تنجح في تخطي ثيمة الموت باتجاه  تيار الحياة المشرقة - وعلى الأقل لم تبرهن لنا كتابات بلاث أنه بمقدورها أن تقعل ذلك. وفي الشهر الذي ماتت به كتبت بلاث قصيدة كتبتها  تصور فيها  “ رأس جثة”. وتشببهه “ببالون أسود بلا أنف ويفوح منه رائحة الخل”، وهذه الصورة وردت في أول صفحة من “الجرس الزجاجي.

وفي قصيدتها “بالون” تحاول بلاث أن تكتب عن الحياة، وتركز على عطلة أعياد الميلاد التي احتفلت بها للتو، وعلى طفل يلهو ببالون. ثم ينفجر البالون، ويترك فقط بقعة حمراء على قبضة الطفل. ولكن تبدو البداية دون علاقة مع النهاية. وتأخذ الخاتمة شكل صورة غيرر منطقية.

وهذا يذكرنا بالسطور الأولى من آخر قصيدة لبلاث  وهي“حافة”، وقد ورد فيها:

“المرأة كاملة/

لكن جسمها/

ميت...”

يقول الدكتور جونسون، وهو كاتب مقالات إنكليزي من القرن الثامن عشر، إن موضوع الموت يساعدعلى تركيز الدماغ. ونحن نلاحظ أن هذه الفكرة صحيحة في حياة بلاث الغريبة. وأفكارها عن الموت، في كل الأحوال، قادتها إلى شعرية متألقة. ولكن شعريتها لم تتحول إلى ممر يقودها للحرية انطلاقا من تفكيرها الأسود. ونحن نشاهد في “الجرس الزجاجي” محاولة لتحليل الذات، وربما هي أيضا محاولة من بلاث لشفاء نفسها. ولكنها لم تنجح في هذا الشأن. وإذا كانت  قادرة على تحويل مخاوفها وفوبياها ووساوسها إلى أدب، هذا الأدب لم يكن طريقا تنقذ به نفسها. فهل كانت تأملاتها الشعرية بالحفرة الإنسانية عبءا عليها؟. وهل وقعت بحب تلك الحفرة؟. وهل إن فورة الإبداع، وكتابة الشعر، جعل بلاث تعتقد أنه بمقدورها أن تهرب من آلام الحياة بطريقة ما، وعندما لم تنجح، صبت هذا الغضب على نفسها؟. لسبب من الأسباب، لم تكن بلاث قادرة على أن تصل لما بعد أو فوق مخاوفها الطفولية من الحياة والموت. كما أنها لم تكن تعلو عليها. وربما هذا تضمن أيضا الخوف من الجنس. لم تكن قادرة على الوصول لتلك النقطة التي ينظر بها البالغ إلى الحياة  كفرصة علينا أن نعيشها. أو أنها عمل من أعمال الإيمان أو الشجاعة. وأنه على الإنسان في لحظة ما أن يقرر اختيار الحياة، وليس الموت.  عند هذه اللحظة، يصبح الموت نافيا. فالموت ليس هو “الدواء الناجع”، وكذلك ليس صديقا طيبا.

نحن نتعاطف مع بلاث، التي تعبت من صراعاتها، ونتذكر كيف أن موت أبيها، حينما بلغت الثامنة من العمر، أثر على مسار بقية حياتها. وكيف أنها بعد بلوغ  الثامنة عشرة، وإنفاق صيف في مدينة نيويورك، أصابها هوس القلق. وفكرت أن ترقد مع والدها في قبره. وهذا يعني أنها كانت ترى فيه شيئا أقوى من الموت.  فهو السلطة العليا، والقوة. أو مصدر الرغبة بالحياة والتماسك. ومنبع السعادة أيضا. ودون شك هو  مصدر ذكريات أيامها الأولى في الحياة. ولكنه الآن وقد رحل عليها أن تعوض خسارتها. في قصيدة “والدي”  تقول عن ذلك بمرارة: “صنعت منك نموذجا/ رجلا بالأسود له هيئة تشبه هيئة  كفاحي Meinkampf” (عنوان كتاب هتلر - المترجم).  وعليه كانت فنيتها محاولة لكسب  لشيء مليء بالحياة وع احتمال بالخلود. ولكن للأسف، في النهاية، انتصرت لديها قوة الموت، وقوة الغضب. وعبرت عن ذلك في بيت شعر من نفس القصيدة المذكورة. وتقول فيه: ”والدي، والدي، أيها الرجل الساقط، لقد انتهيت منك”. وكما يبدو أن السحر انعكس على الساحر. ولم يبق لها غير الموت فقط. فالموت لا يمكنه أن يخيب رجاءها مثلما فعلت حياتها المعقدة والكئيبة.

 

.....................

المصدر

Jeane Inness. CliffsNotes on The Bell Jar. 21 Jan 2020

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

المقال محاولة لتحليل شخصية بلاث تحليلا سيكولوجيا من خلال تحليل شخصية بطلة روايتها الجرس الزجاجي وثيمتها الرئيسة الموت. ولكن إلى أي مدى يمكن للدراسات النقدية ان تذهب في اعتماد نص ادبي بوصفه اشبه بالوثيقة التي يمكنها تزويد الباحث بحقائق ووقائع معينة يمكن ان توصلنا إلى نتائج حاسمة في بحثنا عن الحقيقة؟ اعتقد ان الإجابة عن تساؤل كهذا ستكون صعبة وملغزة مثل الغاز حياة الشاعرة وموتها..

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم معك حق. مغالطة القصدية يمكن أن تقودنا لأوهام و اضاليل عن حياة الكاتب و دوافعه و ظروفه.
و بالأخص بالنسبة لشخصية مضطربة تمر بأطوار وعي و غيبوبة نفسية. فقد كانت تخضع للتحليل النفسي.
و عموما. صورة بلاث لا نستطيع أن نفهمها إلا من خلال فهم واسع لمشهد جيل الغضب (البيت Beat) الأمريكي. و من خلال علاقتها بزوجها المشبع بالأنانية و النرجسية. ناهيك عن أنها من العالم الجديد و زوجها من بلد التاريخ و الماضي القروسطي. ان تضع أبناء مجتمع رعاة البقر مع أبناء فرسان المائدة المستديرة يضعنا حيال لغز آخر يحتاج لدراسة مفصلة عن تطور الذهان الحضاري. فالإبداع بمجمله صراع ضدالحياة الطبيعية الروتينية الخاملة. إن احتكاك عقليتين و حضارتين و مذكر مع مؤنث و مكان دائم مع آخر مؤقت يجعل من حياة بلاث دراما تستحق الدراسة و المتابعة.
لكن مدخلي الحقيقي لبلاث و مأساتها كان من اهتمامي بجيل أنتجته الرأسمالية و لكنه اختار أن يرفضها أو أنيحتج عليها. بارتكاب جنايات موجهة ضد الذات و الآخر.
شكرا لاهتمامك.
أتمنى لك أياما طيبة.
صالح

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4889 المصادف: 2020-01-24 01:16:21