 قراءات نقدية

أفق الكتابة وانبثاق الهامش.. مفارقة الاسم

وليد خالديقراءة في رواية: أصابع الاتهام لجميلة زنّير

ننطلق من مسلمة مفادها، أن الخطاب النسوي كان ولا يزال يطرح العديد من الأسئلة الشائكة والمعقدة، مما جعل منه موضوعا جديرا بالاهتمام من قبل الدارسين والباحثين والنقاد على اختلاف مشاربهم، وتزداد هذه الصورة إيضاحا، كلما اقتربنا شيئا فشيئا من عوالم الكتابات السردية ذات الأصداء الصارخة، والتي تشي بنبرة خطابية رافضة  للتراتب الأنطولوجي والتفاضل الأخلاقي داخل الواقع المعيش، وبالتالي، شكلت هذه الإبداعات في جوهرها منعطفا حقيقيا داخل صرح الفكر العربي المعاصر.

وبناء على ما سبق، فإن رواية "أصابع الاتهام"  للكاتبة جميلة زنّير، الصادرة سنة 2008م، عن دار النشر والطباعة موفم بالجزائر، تعد من بين النصوص السردية التي فقست بيضة الصمت وكسرت حاجز الممنوع والطابو، عبر ممارسة خطابية تطالعنا في بناء لغوي محكم، يشعّ بالدينامية والفاعلية، ويمكننا رصد هذه الصورة الحيّة ضمن براديغم يؤثث لوظيفة جوهرية، تتبدى في نقد التمركز وتعزيز فكر الاختلاف والتعدد الهوياتي، تجسدت معالمه في ضوء بنية فنية بجميع ما تحويه من تشكيلات رمزية ومعلنة، حيث حاولت الروائية من كل ذلك، القبض على تجربة إنسانية تعاني الإحباط والتمزق والاغتراب الأنطولوجي، في ظل أنظمة حكم السلطة البطريكية الأبوية، ويبرز هذا بصورة أكثر وأجلى في انكفائها على الدوائر الضيقة المحكومة بأنماط الرؤية المتصلبة والمغلقة، وهو شكل من أشكال الهيمنة والسيطرة على الآخر المختلف جنسيا/ الأنثى، والنظر إليه داخل بوتقة الجسم الثقافي العام نظرة استخفاف واحتقار، وهذا ما دفع بالكاتبة إلى أن تقوم بعملية حفر أركيولوجية؛ جنحت إلى استنطاق الأعراف والتقاليد البالية التي تحدد أشكال الوعي، كبنية تحتية تشتغل بطريقة لا مرئية، وهي تتشكل حسب فوكو "من شبكة مفهومية تؤسس ما يسميه بالأوليات التاريخية A prioi historique  أو الشروط القبلية". والمثال الذي استنطقت به الساردة هذه الحقيقة المرَّة، قولها: يكفيك أن تلفظ اسمها عند مدخل البلدة لتتجه أصابع الاتهام نحوها "زيزي" الاسم المصغر لـ "زينة " إن أي أحد لم يدللها ولكن صغر الاسم لتحقيرها والتصغير من شأنها وحسب، يراها الناس كأرنب مذعورة تقطع الدرب الطويل، طريقها الوحيد بين البيت والمدرسة حيث تعمل، فلا يحييها أحد ولا يكلمها أحد ومن يكلمها وهي المتهمة قبل أن تأثم؟ المذنبة قبل أن تخطئ.. "وقد نفهم من هذا المقطع السردي، نقطة في غاية الأهمية، تتجلى في محاولة التأكيد على تلك الحركة الاحتجاجية المضادة، ملمحها الجوهري تمرد الأنا على كل أنماط التفكير السائد، وتكمن هذه الخاصية من خلال تقنية المفارقة الاسمية، كأفق دلالي مغاير، يقوض أقانيم المركزية الذكورية، حيث تمظهر في إطار قالب فنيّ، يستند إلى منطق يدحض التراتب الهرمي القيمي، ويطيح بكل أسباب الجور والتعسف في صورة بانورامية، استدعت في جوها العام التأمل والتفكير من الظاهرة المعاشة، سعيا منها إلى تجسيد مشاعر الإنسانية في أسمى معانيها، ولن يتأتى هذا الأمر، في منظور الساردة، إلا ضمن المحمولات الثقافية والحضارية التي تسترشد بالمنظومة الأخلاقية النبيلة.

فكلمة زينة بمعناها الواسع، توحي إلى كل أشكال الجمال والحسن والإعجاب، حتى النفس تهفو إليه، وتكون في حالة تطلع واشتياق لرؤية صاحبه، لذلك بمجرد سماع هذه الحروف المتكونة من أربعة حروف (زينة)، تقرع الآذان قرعا، وتهز الوجدان هزا، فاسم زينة يصرف الذهن من أول وهلة إلى تلك الفتاة المدلّلة التي تحظى بمكانة سامية وسط عائلتها، تصل إلى درجة العيش الكريم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، والروائية في هذا الموضع تصور لنا حياة الفتاة زينة بطريقة مقلوبة، تنم عن تلك الأوضاع البائسة التي تعيشها، والأزمات الخانقة التي تمر بها، نتيجة فقدانها لأبويها، مما تسبب لها بشكل أو بآخر إلى توجيه أصابع الاتهام لها، كونها وحيدة في هذا الوجود، حيث تقول: وحدها في الدنيا بلا أهل ولا سند..وحيدة على درب الحياة الموحش..لا أحد يخرجها من الدوامة التي تغوص فيها، لقد ودعت عالم الأحياء وصارت تسبح بأفكارها في عالم سكانه أطياف رحماء كخالتها "فيكون التشظي على هذا النحو يشكل محورا أساسيا في الخطاب مشحونا بدلالات القهر والضياع والاغتراب والإحباط والتشرد والتمزق الذي لا تحده تضاريس الواقع.

ومما يستوجب الإشارة إليه أيضا، أن لقب "زيزي"  في عرفنا السائد يأتي في مقام المدح بمعانيه الإيجابية، وهو ما يحيلنا في المقام الأول إلى نقيض الدلالة المتوخاة من النص، وهو نوع من أنواع المحاكمة التي تدين الضمير الجمعي، ونعاين هذه المساءلة والمراجعة كون لقب " زيزي " من حيث الشحنة الدلالية يقزم من قيمة الشخص، ويجعل منها ذاتا ليست جديرة بالاهتمام والتقدير، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حينما يصبح هذا اللقب مدعاة للنظرة الدونية الهابطة من على سلم الترتيب الاجتماعي. بهذا المعنى، جاء التوظيف يشكل حملة شرسة وعنيفة، تنقب عن بؤر التوتر في ثنايا المجتمع، إذ ولّدت في سياقها العام حالة من حالات صراع الذات مع الآخر/ الرجل، ووسيلة للمواجهة أمام الأفكار والتصورات والممارسات والأحكام المسبقة، التي تنتظم في إطارها الأشياء هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إدخال العقل في مناطق جديدة للتفكير، تستند لحركة الوعي الموضوعي، بالاحتكام إلى بنية التوازي بحمولتها الثقافية المطلوبة، ويتعلق الأمر  في صورته الإيجابية ترقية الوضع الإنساني.

 

د. خالدي وليد/ الجزائر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4912 المصادف: 2020-02-16 00:57:10