 قراءات نقدية

الكوجيتو الجسدي.. المرئي واللامرئي

وليد خالديمقاربة نقدية في رواية "قيامة البتول الأخيرة" (الأناشيد السرية) للكاتب السوري زياد كمال حمّامي.

مقدمة لابدَّ منها:

لا شك أن موضوع الجسد على مستوى التفكير الغربي والعربي ما زال يشكل هاجسا كبيرا في أدبيات الخطاب الفلسفي المعاصر أولا وبقية الحقول المعرفية الأخرى المتباينة من جهة ثانية، ونعاين هذا الأمر ضمن تمظهراته الثقافية المتنوعة في تحريك الثوابث الراسخة والماهيات المتجذرة، استنادًا إلى تحطيم سلطة الكوجيتو الديكارتي عبر قراءة أركيولوجية تستدعي في سياقها العام قضايا ومضامين تحتكم إلى إنتاجية معرفية تخضع في ميدان الفكر إلى إعادة بناء حقيقية، من خلال مساءلة الأنظمة العقلية المنتجة للمعارف والقيم والأشياء داخل الوعي التاريخي، ويظهر هذا جليًّا مع المشروع النتشوي الذي " جاء من أجل تحرير الدال/ الجسد من المدلول المتعالي المثالي السابق أو الروح، الذي يحظى بأسبقية على الدال/ الجسد.. حيث يصبح الجسد مفكرا عند نيتشه بدل كوجيطو ديكارت، فإذا كان الجسد في الميتافيزيقا الغربية مكمن شهوة ومنذور إلى هامش مدنس ولا يكون مصدر معرفة باعتباره كيانا ماديا، فالجسد هو المفكر، الحكيم المجهول عند نيتشه " (مديحة دبابي).

وهنا تتجلى فلسفة ما بعد الحداثة كنسق فكري منفتح عمل على اختراق حجب المشروع الحداثي، من خلال عملية الفحص المعادة والمراجعة النقدية للفكر المتمركز حول الذات في طبيعته الحضورية " أنا أفكر إذاً أنا موجود " هذه الذات المفكرة في تعاليها وتساميها جعلت من الجسد وجودًا مستقلا كونه يمثل بؤرة للدوافع والغرائز والشهوات في بنيته العضوية الجسمانية، وأمام هذا المنطق المتعالي قذف بالجسد في بحر معاني السلبية والانحطاط والرذيلة والدونية الخاضعة للتراتب القيمي، في حين نجد أنه مع أنصار ما بعد الحداثة أضحى يمثل أحد العناصر الأساسية من خلال تدشينه لمرحلة جديدة داخل رحاب أفق التفكير الفلسفي، الذي يراعي في أنساقه المعرفية قضايا الراهن بكل معضلاته ومشكلاته، وتتحقق هذه الفاعلية في نظر الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي عندما نسلط الضوء على تضاريس الجسد ليس كمحمول ثقافي حامل للخطيئة، بل ككيان حيّ يشع بالدينامية والفاعلية متجاوزًا في ذلك الطرح الفلسفي الكلاسيكي، بحيث يقيم فعلا تواصليًّا بينذاتيًّا باعتباره دالا ومدلولا يحقق قدرًا كبيرًا من الرمزية والإيحائية والحركية وفق الأطر التداولية أي كأيقونة ترتبط بأشكال الوجود المرئي واللامرئي المدرك بواسطة الأبعاد القصدية، ويبرز هذا بجلاء في اتصال الذات العارفة بالعالم الخارجي في علاقة تلازمية، بهذا المنظور، يغدو الجسد بنية مورفولوجية تحمل قيمة مضافة في كل عملية إنشائية وبنائية، وتكمن المفارقة في كون " الجسد ذاته ليس كتلة فيزيائية- كيميائية أو مجموعة من القوى أو آلة منتظمة وفق مبدإ هو النفس، بل هو كيان قادر على الفعل، وهو وحدة تتم في كل لحظة من خلال الرسيمة الجسدية schéma corporel le التي هي وحدة القدرة التي تحرك مختلف أعضاء الفضاء العضوي، أو هي المفصل أو الوسيط اللامرئي بين أعضاء الجسد وأشياء العالم " بتعبير عبد العزيز العيادي، وبالتالي، فإن هذا التصور يتمخض عنه التخلص من بقايا اللّوغوس من خلال تجاوز منطق فلسفة الوعي التي تقيم تمايزًا بين الأشياء انطلاقًا من التقابل الشهير بين الذات والموضوع، الذي يؤثث لفكرة الحضور المتمركزة في التصورات الميتافيزيقية الغربية، من هنا، ندرك أهمية الجسد كقوة ضاغطة مسكونة بتجارب محملة بإمكانات رمزية وعوالم دلالية قابلة للفهم والتأويل في لحظته المعاشة.

1- تمظهرات الجسد.. جدل الأنا والآخر:

من البديهي أن القراءة النقدية في حاضنة العلم المعاصر تنتج لنفسها خطابًا إبداعيًّا يجعل من الخطاب الأدبي أكثر متعة تحت ظلال القراءة التي تصل إلى درجة العشق الشهواني بتعبير رولان بارت. وبخطى زاحفة نحو عوالم الرواية الموسومة بـ " قيامة البتول الأخيرة " لمؤلفها زياد كمال حمّامي، الصادرة عن نون4 للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى 2018، المنشية القديمة، حلب، سورية، تجتاحك ترسانة من الأسئلة التي تتشابك وتتضافر فيما بينها، ويجدر في هذا السياق أن نشير إلى تبيئة النقاش التي تحدد طبيعة هذه العلاقة، حيث تجعل من القارئ يحلق في فضاءات الممكن، كما نجد أنفسنا نرزح تحت نير إيتيقا كونية تدغدغ شغاف القلب تحت وطأة الحميمية التي تندرج ضمن القواسم المشتركة التي تجمع بين الروائي والمتلقي، وهو أمر يمكن إدراك أبعاده في حاضنة الوظيفة الحاملة للحركة الاحتجاجية المناهضة للأوضاع المزرية، التي أعلنت عنه طقوس الكتابة بما يتساوق مع مشهدية الواقع الراهن. ومن خلال هذا العرض فإن الجسد كمعطى ثقافي متجاوز للأطر البيولوجية في تشكيلاته الإيحائية والرمزية: حركة وصوتا وإشارة... يكون " وسيلة تعبير، وآلية للرفض، وأيضا صورة للعجز، أي إنه يجمع متناقضات في آن، وهذا ما يشار إليه ضمن استراتيجيات التفكيك في القراءة النصية التي يمكن الإفادة منها، في السعي إلى كشف التناقضات في النص، بدلالاتها الإيجابية، من أجل المزيد من تشريح النص، والكشف عن أبعاده الدلالية " على حد تعبير مصطفى عطية جمعة.

وتبعًا لذلك، فإن جدل الأنا والآخر قد أدى بالسارد إلى اللجوء لعملية استذكارية، وتتجلى بوضوح في استعادة لحظات الماضي الكفيلة من منظوره النهوض بأسباب مخاطبة الحاضر المرتبط جوهريا في انبنائه بعملية الكتابة والتلقي، ويتعلق الأمر باستنطاق الجوانب السيكولوجية والفكرية والإستطيقية ولا يتم هذا إلا عن طريق التنقلات الحاصلة التي تجمع بين السرد الداخلي والخارجي مثلما نجده في المقطع السردي الآتي " يتعالى صوت الإزميل فوق الحجر كنغمات موسيقيّة متأوّهة، حزينة.. يتوقّف، يرتجف الإزميل بين يديه.. يتلفّت يمنة ويسرة.. يتفرّس في أركان هذا القبو "الكهف"، المُكتَظّ بمنحوتاته وأيقوناته، وعدّة تماثيل نصفيّة لشخصيّات تاريخية وفنّيّة، وبعض رسوماته السورياليّة ".

لذا فالحركة الجسدية كمظهر مادي خارجي يشكل انحرافا في أدق تفاصيله، عندما يتعلق الأمر بمظاهر التواصل، حيث  يتعدى في بنيته السردية منطق الفحولة الجسدية إلى الفحولة الثقافية والفكرية بمفهوم عبد الله الغذامي، وفي هذا الإطار، فإن الإدراك الحسي لهذه الحركة المشكلة للنص في صورتها الاسترجاعية، هي في حقيقة الأمر انفتاح على العالم أي العودة إلى العالم الذي كانت فيه الأنا جزءا لا يتجزأ منه قبل الوعي الذي تتحقق بداخله كل الإدراكات الحسية، فالانتقال من كوجيتو الحضور إلى كوجيتو الغياب يمثل الحجر الأساس في فلسفة الكاتب كمال زياد حمامي، وما يمكن ملاحظته في هذا الشأن أن الغياب يحضر كنسق مرئي تكشف عنه عوالم الكتابة كنفي للحاضر بما يحظى به من قهر وظلم وطغيان، وهي جدلية محكومة بموقف معارض للآخر كشكل من أشكال المواجهة، التي تحاول قدر المستطاع تقويض النظرة السلبية الانهزامية، من خلال فتح الآفاق أمام المستقبل في خط تصاعدي متطلع في طابعه الثوري المنتفض، وهذا ما ألفيناه يتناسب مع إحداثيات الخطاب الروائي ومع طبيعة المراجعات التي تمس التاريخ والذاكرة والقيم "هل تعرف المدينة أنّها تعيش نهايتها الآن، مثل رجل مريض ميؤس من شفائه؟!"، هكذا يفكّر، وإلّا ما معنى أن ينصبَّ التدمير في الأماكن الأثريّة القديمة؟ وفي الأحياء الشرقيّة التي تفخر بتاريخها ووئامها الإنسانيّ؟ !ها هو أكبر سوق مسقوف في العالم يحترق وَيُهَدَّم! المساجد والكُنُس والمقامات والأوابد تُدَمَّر!  أبوابها وحماماتها وخاناتها ومزاراتها صارت حُطاما! أبيحت بيوتها، وذلّت نسائها، وحدها القلعة، أمّ المدينة الأولى، ما زالت صامدة، تقاوم الفناء، والموت، والخراب، رغم مئات الصواريخ، والمتفجّرات المختلفة، إلّا أنّها لم تستسلم، ظلّت شامخة في قلب المأساة، تعلن تحدّيها بكلّ ما تملك من أصالة، وعراقة، وتاريخ مجيد".

والأنا بين الوعي وحركية الجسد جعلت تيماتية البؤر السردية ذات الأصداء الصارخة؛ تتفجر ينابيعها عبر منظومة أخلاقية تؤكد على انكسارات وانحطاط القيم والمبادئ على كافة الأصعدة، مجسدًا الروائي من خلال ذلك كل الجوانب الحياتية في أسمى معانيها الروحية والسامية بطريقة غير مباشرة، فاختزال معنى الوجود محكوم بأسئلة تعتاش في سياق يضطلع في دواله ومدلولاته عبر اختراقات تستنطق الكينونة الإنسانية، في مقابل أشكال العنف التي تمارس على الجسد من خلال ما ألحقته المعاملات من أضرار وخيمة، وقد تأكد هذا في الشخصية الرئيسية "عبد السلام"  الرافض لكل أنواع القمع المرتمي في أحضان العلاقة المرتبطة بين الأنا والآخر، فبهاء الحضور تتكشف في ثناياه الدهاليز الحاملة للرواسب المتوارية العالقة في أعماق المنطق الإيروسي الذي يقتات على فضلات الصور والتمثلات العبثية والعدمية المجسدة للوعي الإنساني، من هنا، فإن انتهاك الجسد هو انتهاك لروح البشرية وكرامتها، ويتجلى ذلك بصورة واضحة في اغتصاب البتول، وهو حضور جسدي مكثف مشحون بالأبعاد التاريخية والإنسانية والدينية " يتذكّرُ بألم شديد ليلة سقوط البتول المريع) صورة بنت الحارة الصبيّة:"البتول"، وهي تتقلّص على مرافئ العار ككتلة بشريّة متحرّكة، تتكور في زاوية الغرفة نفسها التي شهدت حالات اغتصابها اللعين، تتنفس بصعوبة، تبكي، تنتحب، تحاول أن تخفي عُريها المدنَّس، ودماءها المتخثّرة تحت ثرى ساقَيها، وثيابها الداخليّة البيضاء، وتلك الكدمات الموشومة على وجهها المصدوم، وآثار الشذوذ الجنسيّ الوحشيّ الذي تعرّضت له، بعد أن تمّ اغتصابها مرارا وتكرارا، بوحشيّة همجيّة ".

2- الجسد كأفق للانبعاث من الموت:

إن التحليق البانورامي وهو يغوص في أحشاء الخطاب الروائي المرتبط بالجوهر الأنطولوجي، يتيح للقارئ إمكانية الارتداد إلى الأصل الذي يلقي بظلاله على مقتضيات التفكير الذي يسعفنا في تبيين مقدار الأهمية التي يعيشها الراهن، مما يساهم الجسد بشكل أو بآخر كعملية محركة للأحداث إلى اجتياح الكينونة برمتها في منحناها التطوري، إذ يحقق بعدا ثقافيا إنسانيا ينتهج وظيفة استمرارية تخرج من الحالة العدمية إلى الحالة الوجودية، بعدما تخلقت الذات في تجربة روحية تذوقية لازمت الصمت ردحًا من الزمن تكابد الصعاب، وهذا ما يتضح لنا من خلال أعماق التجربة التي تعمل على استزراع الأمل ضمن وضعية خاصة وملموسة، انطلاقًا من تجاوز صدمة الوعي بالواقع عبر إيقاع متنامي يحتوي عبر علاماته السميوطيقية لغة ترميزية متدفقة تصب مجاريها السردية في قالب فني، يكشف عن بنى دلالية عميقة تستهجن كل أنواع الممارسات المنحرفة، وتؤسس لمشاهد طافحة بالمشاعر والأحاسيس والأفكار والصور في نشدانها للحرية المرتبطة بدفء الحياة الروحية والمادية، من خلال الانبعاث المؤسس على الإيقاع المقصود الحسي والعقلي المتكرر المتتابع، إذ يطالعنا في صورة وصفية جمالية تعكس كل سبل الانعتاق من الطبائع الاستبدادية والدكتاتورية المتسلطة، يقول في هذا السياق " تتوالى الضربات المتتالية من يد: "عبد السلام"، الرشيقة، تُظهر ملامح الخصب، والانبعاث من الرماد لجسد تمثال "الحرية " هذه الصورة الحية تجعل من المتلقي يندمج كلية في ثنايا العمل الإبداعي متطلعا ومتلهفا لما ستؤول إليه الأحداث، وعلى أي حال، فإن " الحركة تقوم بتفكيك ما هو مركب لإعادة تركيبه من جديد ولإنجاح عملية التواصل، لا بد أن تتوافق الدلالة التي يرسلها الجسد مع الرموز التي تصل إلى ذهن المتلقي " بتعبير راسل كاظم، وقد جاء الجسد معبرا بحركة اليد عن حالة من حالات الرفض المنضوية تحت قصدية واضحة الملامح؛ كانتفاضة شعورية طافحة بالغضب والثورة على الواقع المأزوم، وتكرار المشهد  المتناثر في جسد البنية السردية للرواية دليل على التحدي والصمود والرغبة في التغيير، وبالتالي، يصبح الجسد طاقة فاعلة من خلال استنبات منحة تتشوف للمستقبل القريب  " يضرب عبد السلام بإزميله الكتلة الصخريّة السوداء، بعد رحلة الذاكرة الخاطفة، المؤلمة، يستمرّ في تساؤلاته، وخيالاته" وقوله أيضا " يطرق بإزميله بسرعة، بغضب، بقهر، وحيرة ".

3- فينومينولوجيا النحت/ الوعي الممكن:

يقول ميرلوبونتي " لم تعد المسألة هي أن نتحدّث عن النور والمكان، بل أن نجعل النور والمكان الموجودين يتحدّثان " لذلك يكتسي هذا القول أهمية مركزية في عملية التسريد كمثير خارجي يغلب عليه الوعي الحسي في مجالات التعبير والتواصل، والكاتب على حسب تقديرنا كان منساقا وراء هذا التوظيف، حيث أضفى على نصه السردي مسحة جمالية من خلال عملية حرفة النحت التي يتزعم مشهديتها الشخصية الرئيسية "عبد السلام" في صورة مرئية كنواة صلبة تندرج تحت عباءة تأملية تسوقنا بخطى حثيثة ضمن دوائر فلسفة الحياة، وهذه الدعوة تؤكد على أن " الفنان يعبر عن المعنى أو الفكرة من خلال معالجته اليدوية للسطح المحسوس، بحيث تكون المعاني والدلالات مباطنة في هذا السياق المحسوس من الإيماءات كالخطوط والبقع اللونية في حالة التصوير " بتعبير سعيد توفيق.

واستنادا إلى ذلك، فلغة النص في مظاهرها الإشارية والإيحائية تستجيب لمقتضيات النشاط الذهني والمستوى الإدراكي بصورة مطمئنة في سياقها العام، إذ تعتمل في بوتقة تشع بالإيجابية في انبثاق الوجود الكاسح المركوز في النفس البشرية، وهو شكل من أشكال التمرد الذي لا تحده حدود، وذلك في ظل استشراف واقع مختلف يفترض من الناحية البراغماتية القفز على الوعي الفعلي إلى الوعي الممكن، وتتمثل هذه الأهمية انطلاقا من دمج اللامرئي في المرئي بحيث تجعل من المستحيل ممكنا في جوانبه الخصبة المتجاوزة لكل أشكال الوجود الهلامي.. " ضربات إزميل ناعمة تتنزَّل على الرأس.. تفتح حدودا ضيّقة، ومتاهات متشابكة، تتشكّل على جسد الكتلة الصخريّة الصمّاء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها، بنفسها، وتنبض بكلّ ما هو مدهش ومختلف ومذهل..." ولابد هنا من التأكيد على أن زهرة اللوتس تلعب دورا أساسيا بين الأطراف المشاركة المؤلف/ القارئ في امتلاءاتها الرمزية وطاقاتها التعبيرية المعلنة والمضمرة، وعليه، فهذه الإشارة الذكية من قبل السارد تأخذ أبعادا ثقافية واجتماعية محمّلة بمقاصد دلالية وجمالية، ترتفع بالإنسانية على مستوى التفكير من السلب إلى الإيجاب بأي حال من الأحوال، بمعنى هو مطلب من مطالب التنوير الذي يدعو للتفاؤل، ويطمح في كافة أشكاله إلى تجاوز منطق الدعة والخمول والخسة والوضاعة، كما يكشف في الوقت ذاته عن الدوافع الحقيقية التي تنشد عالما جديدا مفعما بالطهر والنقاء والصفاء العقلاني والوجداني.

وهذا الجنوح المنتصر للحرية المضطهدة يعمل في حركيته الدينامية على تعرية الواقع المعيش، منظورا إليه من زاوية العدالة والإنصاف التي تلزم الصمت، ويتجلى هذا في حجم المعاناة التي تعيشها الذات تحت وقع الأنظمة الشمولية، عكستها شخصية الحاج الهلالي من خلال  حضور الوطن في نفسه نتيجة الدمار والخراب الذي لحق به " يفكّر فيما يحدث بالبلد، هو تابع نشرات الأخبار، لا بدّ أنّ العالم كلّه، قد تابعها أيضا، تمتطي تلك الصور والمجازر ذاكرته المرهَقة، صور مأساويّة، تتلوها صور: صورة تفجير دار العجزة للمسنّين في حيّ السريان، وصور تفجير مدارس الأطفال، وموت العشرات من طيور الجنة! ناهيكم بنشر تلك "الفيديوهات"، والتصفيات الجسديّة لمن هم تحت الاعتقال، أو الأسر، وما أكثرها! " وكلها بواعث تأخذ بناصيتنا نحو تلك القيم المسؤولة تجاه الأفعال والسلوكيات في ظل التحولات الكبرى، التي تخطت الطبيعة البشرية في تداعياتها ومعاملاتها.

والرواية منذ البداية تضع القارئ يستشرف معالم الخطاب في مسالك الإرادة المشفوعة بالإقدام والإحجام المنحوت في الذاكرة الجمعية، والتي تتماشى مع رؤيته للعالم المجسدة لقيم الاختلاف والتعددية الثقافية، ويتأكد هذا ضمن خارطته الجغرافية في شكله الملموس من خلال ما جاء في خاتمة الرواية " يترنَّح عبد السلام فوق دمه الساخن، ونزيفه، وقد انهار جسده، وتوقّف الزمن في خفقات فؤاده، ولومضة خاطفة، تهيأت له البتول. ها هي ذي تقفز أمامه بفرح، تطير كفراشة، ترتدي ثوب زفافها الأبيض، تنظر إليه بمحبّة، وشوق، يمدُّ يده إليها، تشير له أن يطير مثلها، فوق حقول القمح، وبساتين الورد، فوق قلعة المدينة، أسواقها، ودخان مصانعها، يبتسم، يتدفّق الدم من فمه ساخنا  نديّا. فجأة .. ظهرت في سماء المتحف الوطني حمامة بيضاء..."

 

بقلم. خالدي وليد/الجزائر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4949 المصادف: 2020-03-24 01:32:55