 قراءات نقدية

الكينونة كانبثاق أنطولوجي في رواية: الخاتم الأعظم

وليد خالديللكاتب زياد كمال حمامي

حينما يتعلق الأمر بالغيرية كبنية أنطولوجية نابعة من صميم العالم كحركة تؤسس لمشهد ثقافي، بحيث تستحوذ على الآخر بلا استئذان للوعي كجائحة تعطل جهاز الرقابة العقلية، فإن هذا بالنسبة للكاتب في حقيقته مصادرة للحرية سواء تجلى ذلك في حالة الحضور أو الغياب، وتتحقق هذه الفاعلية على أرض الواقع كمعادلة موضوعية تصب في قالب الممارسة والسلوك، على اعتبار " أن الوجود بدون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين " بتعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر. وبما أن الإبداع في توجهاته يعقد صلة وثيقة بالقضايا الإنسانية يحاول هو الآخر بناء عالم جديد متجاوز لما هو مألوف بالارتداد إلى عوالم الذات، أملتها الظروف الراهنة بكل معضلاتها وملابساتها وحيثياتها.

1- الكينونة/ الوطن... وأسئلة الراهن:

 الرواية التي بين أيدينا الموسومة بـ " الخاتم الأعظم " لمؤلفها زياد كمال حمامي الصادرة عن نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، المنشية القديمة، حلب- سورية في طبعتها الأولى 2015م، تروم من خلال مديات تعبيرية مفتوحة والتي جمعت بين ما هو واقعي وما هو متخيل استنطاق الواقع الأليم والمر والمتردي، الذي أصبح فضاءً للنزاعات والتصورات المغلوطة والمرجعيات المتكلسة، مما ولَّد حالة من حالات الفوضى والعنف والإرهاب.. ومدار هذه الإشكالية في سياقها العام مرتبط بالأساس بالكينونة كما يرى صاحبها، ولا شك " أن وعينا البائس أو حصادنا الفكري العقيم هو نتاج مراحل تاريخية تجمدت بعنف الخطاب وتأسيسات إيديولوجية ووطنية ترسخت في الوعي والذاكرة بقسوة الزمن والخطاب وعبثية الحراسة والعقاب. واللحظة البطريكية أو الأبوية  زادت من سطوة الرقابة وهيمنة القرابة بانتفاء الحس النقدي وأفول الرؤية العميقة الملتمسة للآفاق الواسعة والأعماق الغائرة " بتعبير محمد شوقي الزين.   

من هذا المنطلق، فبطل الرواية الدكتور زين في علاقته الجدلية المتبادلة مع الوطن المنضوية تحت عباءة السؤال، تشكل البؤرة الرئيسة داخل المتن الحكائي كانبثاق أنطولوجي تتكشف عبره الكينونة الإنسانية عن طريق إضاءة مناطقها المعتمة من منظور الروائي، يقول في هذا الصدد  " تدور عجلة الزمن بالدكتور زين، تجرده من وجوده.. هل أنا هو: أنا..؟!  أم أنتَ هو أنا؟!  بل من نحن جميعا؟! وأين نعيش؟! ماذا يحدث لي ... وكأنه يحدث/ ولا يحدث؟!  ثم ما معنى أنني رأيتُ وحدي انفجار الغيمة الغريبة، ذات الأجنحة المتكسّرة " ولعل هذا ما يفسر لنا سبب التساؤلات الطالعة من المقطع السردي، بمعنى أن الذات في علاقتها بالحقيقة تأخذ بعدا تشريحيا تحليليا، أي موضوعا للتأمل والتفكير يسبر أغوار الذوات في حوار منولوجي داخلي، ويبرز بهذا بشكل دقيق في التصدي للوجود الفيزيائي المرئي المتعين، الذي تحكمه القوميات الإثنية داخل الحقل الاجتماعي الخاضع في صورته غير المباشرة إلى صياغات خطابية تستند إلى خلفيات فكرية ومعرفية وثقافية مسطرة، فهذا الوجود في نظر الكاتب هو وجود زائف، يتكئ في جوهرانيته للنمطية المتغلغلة في عالم الموضوعات والأشياء، وبالتالي، هي نقيض التجربة المعاشة واسعة النطاق، إذ أن هذه الأخيرة تقضي على كل تنصل للمسؤولية التي هي إحدى مقومات الوجود الإنساني " هنا ألف وجه يشبهني، وألف نازح مثلي يتألم، ولكنني رغم ذلك أتساءل: هل كنتُ في كل خطواتي أخوض معركة حامية بين نفسي ونفسي؟!  أم أنني كنتُ أبحث عن روحي التائهة؟ أو عن مكان ضيق صغير اختفى و ضاعت دوريه؟!  هل كنتُ أدور، وأدور مثل أجنحة مروحة كهريائية؟ أو مثل طواحين الهواء؟!  وإلا ما معنى أن كل ما فعلته حتى الآن مجرد تبديل للمكان، انتقلت من مخيم إلى مخيم آخر، هاجرت، أو بالأصح نزحت قسريا، والزمن لا يمكن أن يتوقف، وأن يعود إلى الوراء، والمكان هو المكان، أو كما هو في حالتي اللامكان، ولكن مع فرق أنني هنا فقدت هويتي ".

واستنادًا إلى ذلك، فإن الاضطراب الواقعي الذي تعيشه الذات كاغتراب، يحيلنا إلى قضايا باثولوجية فضت بكارته في المجال التداولي عبارة (هنا فقدت هويتي) لأن أي شكل من أشكال الثرثرة نجده مغلفًا بغطاء القمع والإقصاء والتهميش للخصوصية المحاطة بدوائر التفكير أحادي الرؤيا في نضالاته، وبالتالي، فإن الكينونة كلما انزاحت إلى الكثرة كلما ابتعدت عن إنسانيتها وهويتها وتاريخها، مما يترتب عن هذا الانزياح الذي يتشكل كحدث إلى حصد الأرواح وإراقة للدماء، واجتياح المحرمات وكل ما له علاقة بالحياء الذي تجرده التصرفات المشينة من لباسه وثوبه، الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف بالوطن بكل ما يحويه من معان عرضة للانتهاك والاعتداء الفاقد للحس الأنطولوجي المعتدل في رؤاه عبر الفحص والقراءة، وهو ما يمكن إدراك مراميه من خلال الصراع الطبقي والإيديولوجي المستكين لفخ الازدواجية، ونرصد ملامح هذا الاعوجاج عندما يتخذ أشكالا ترمي بنا في أحضان الجشع والتملك مؤداه القتل والنهب والخراب والدمار... " تدبُّ الخلافات الحادّة بين الأخوة...بين الأهل، والأقارب، وأبناء الخال، والعمّ ، والجيران الذين كانوا يتعايشون بمحبّة ووئام عبر عشرات السنين، ومئاتها، وكل واحد من المختلفين ينحاز إلى فريق من المتخاصمين، منهم من هو مع الثورة، ومنهم من هو مع النظام الحاكم، ولم تعد للوسطيّة أو السلميّة مكان ، وما أكثر أخوة الدم والياسمين الذين انضموا للاقتتال ببعضهم، وصار السلاح، والقتل المباح هو كلمة الفصل بين المتخاصمين..."

 

2- القلق كبناء أنطولوجي... الأنا ووجود الغير:

مما لا شك فيه، أن الشعور بالقلق بالمعنى الأنطولوجي يستمد مشروعيته من الدازين بالمفهوم الهيدجري، إذ يحدد مواقف الأنا وأدوارها داخل العالم، والتي من خلاله تتجسد المصائر كإدراك يحقق للذات وجودها الأصيل بعد أن استقر بها المقام في البعد عن معطيات الوعي المنضوي تحت مظلة الممارسات الخطابية المنتصرة للحقائق المزيفة على حساب الحقائق الموضوعية       " أحلق بعيدا في عالم الضياع، تمزقني وحدتي، تهلكني سنوات الجمر، أطير، أجوب الآفاق، تائها، حائرا، يظهر الطير الأفعى بأجنحته النارية مرّة أخرى ، يرسم حولي دائرة من نار، يقهقه عاليا، ترعد السماء، يهتز السحاب من قوته، أدرك أنّ المعركة مع هذا المخلوق طويلة، وصعبة، وها أنا الآن معلق بين السماء والأرض، وأنني ضحية لا مهرب منها، ولكن يجب عليّ أن لا أستسلم لقدره، وليس أمامي إلا أن أفكر كيف أستطيع الخروج من دائرة النار؟! "

فالانزلاق في النحن بالنسبة الروائي زياد كمال حمامي يشكل معضلة كبرى كونه يصب في المصلحة الخاصة وليس تحت الإرادة المستقلة في مسايرة روح العصر، ويتعلق الأمر من خلال الانتماءات الضيقة التي تجعل من الأنا في بوتقة ترنسندنتالية، وهي مظنة للفرقة والشتات والضياع، والذي يقع تحت المظلة العظمى الوطن بسبب انهياره وضموره في ذواتنا أولا ومن ثم في العالم الخارجي، لهذا السبب  " فالمساءلة تتحقق ضمن تحليلية الدازاين تحطيم الأنطولوجيا المشحون بتراكمات المعنى الذي يقتلع الدازاين من أصالته وتحمله على أن لا يرى في المأثور الميتافيزيقي إلا بداهة الأنواع والمواقف والاتجاهات " على حد قول محمد محجوب، وعلى هذا الأساس، يطالعنا السرد الحكائي في منح النص إمكانية تحدد طبيعة العلاقة مع الغير المشوبة بالأسئلة المتدفقة  " يفقد في طريق العودة ذاكرته، ولم يعد يعرف:  هل هو الرجل الذي يبحث عن سرّ الطريق الثالث؟!  أم أن هذا الإنسان هو غيره؟! "

 لأن الانغماس مع الآخر بدون عملية استنطاقية هو في حقيقة الأمر اختراق يحول الذوات إلى موضوعات مفعولا بها مما يعكس سلبا وجودا زائفا يتخذ عدة صور وأشكال تفقد فيه الذوات إمكاناتها في صناعة الوجود المأمول الخالي من كل الصراعات الطائفية " يمضي بلا إحساس، بلا شعور أنه هو نفسه..! هل هو فعلا زين، الذي ولد من أب وأم مختلفين مذهبيا؟!  وها هي الأيام تمر، وتصبحان طائفتين تتقاتلان بضراوة ولا رحمة، الأولى تنشد الانعتاق من الاستبداد، والأخرى التي تعتبر من الأقلية تدافع عن وجودها، مَن أنا؟! آه ه ه.. أنا إنسانٌ آخرُ في روحين، وكلّ روح تتجلى ، وتتماهى، وتقودني إلى حيث لا أعلم ولا أدرك؟!  ولعلك أنتَ نفسكَ تدركُ خطورة هذا الأمر أكثر منّي، ونتائجه، وهذا مصدر شكي وألمي، وأنا لا أعرف الآن نهاية المصير ". وإن ما يستوقفنا في هذا السياق، كون نهاية المصير في ظل بحث الكينونة عن موقعها مع الآخر يشكل تحولا حقيقيا وفق مسارات تحمل وظيفة مشتركة ومحددة غياب الحرية في طابعها الاستلابي، وأمام هذا الاعتراض من قبل الروائي على لسان شخوصه، فيرى أن  الوطن كحاضنة لا تتمتع فيه الأنا مع الغير إلا من خلال العودة إلى الوجود الأصيل، بحيث يضمن لكلا الأطراف الحرية التي سلبت بفعل الهبوط الذي يسكنه الابتذال والانحطاط الناجم عن الحيثيات التي ساهمت في بلورة مخيال يحمل كثافة رمزية مشحونة، انطلاقاً من إضفاء صفة القداسة عليه، وبصورة أخص يضع الذوات بطريقة لا شعورية تتعارض تصوراتها ومفاهيمها مع الذاكرة والتاريخ داخل نظام الممارسة الذي يشكل في مبناه العام تهديدا وخطرا، وهذا ما يؤدي إلى أزمة وجودية من خلال تضليل وتعتيم الكينونة بفعل الوسائط المرذولة التي لا تمت بأي صلة للحقيقة المستساغة.

يقول في السياق " يشعر أنّ الأرض ضاقت على الأجساد، وسكن الوجود، في عتم الليل: يتأوّه في سرّه هاتفا

- ي- اااا لحرب الوجود! ...؟

يهتف )أبو فراس )، موافقا:

- نعم، إنها حرب وجود.. أو لا وجود!؟

يفكر د.زين، قليلا، يشعل لفافة تبغ، يسحب نفسا عميقا ثمّ يجيب الحاضرين بلهجة آخر السطر:

- ليس  لنا الخيار في الولادة أو الموت، ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا."

إن ما يمتاز به هذا الموقف كون الموت يطالعنا في هذا المقطع السردي كطاقة جوانية تنفلت من قيود الشهوانية والإيروسية المتعلقة بالحياة، ويظهر هذا جليا في تفعيل كل ميكانيزمات الذات أو الكينونة التي بواسطتها يتجلى الوجود عبر إنارته وإضاءته، يعكسه الملفوظ الآتي (ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا) أي أن العلاقة بين الذات والوجود هي علاقة مبنية على الفهم وليس على المخيال الجمعي المرتبط بالعلية المشوهة بفضل التداعيات، وهذه المسلمة هي التي تدفعنا الآن إلى القول: بأن الكينونة التي تقيم وجودا بدون هذا الغير انطلاقا من الإرادة الحرة المتجاوزة للأجهزة الإيديولوجية، تتكشف من جرائها الحقيقة التاريخية في الزمان والمكان وفي العالم أجمع بصورة أدق.    

وتبعًا لذلك، فهاجس الوطن جعل من اللغة السردية نفسها وقودًا لكي تتكلم أي تستدعي الأشياء والموضوعات، لأن " اللغة تتكلم بنا لا نحن من نتكلم بها " بتعبير مارتن هيدجر، واستنادا إلى ذلك، فإن الكاتب عشقه للوطن وهوسه به حول الأشياء اللامرئية إلى مرئية بفعل الدازين، المنحدر ضمن مقتضيات التفكير الذي يتجاوز المدلول المتعالي كقوة ضاغطة بطريقة لاشعورية تضعنا في مصاف الاحتجاب الذي يقذف بالذوات في عالم الغياب، وهنا، تكشف الرواية عن نوع من أنواع التصادم بين الذوات التي تحركها الجوانب الإيديولوجية والانتماءات الضيقة وكل أنماط الدعاية والإعلام.. كصناعة ثقافية محشوة بالأطر التمجيدية كما يراها الكاتب، إذ جعلت من الكينونة تدخل في عالم الاحتجاب والتواري، وهي لحظة من لحظات تكلس الوعي المقيد للسلوك الإنساني المبرر للأنساق السلطوية، وهو شكل من أشكال السيطرة والضبط والتحكم، والتي أغفلت في حقيقة الأمر بالنسبة له فكرية جوهرية، والتي تجمعهم تحت سقف واحد الوطن بكل ما يحمله من شحنة عاطفية ووجدانية وعقلية وروحية.. بحيث يدخل ضمن حيز الإمكان الذي من خلاله يبرز الوطن كحالة متجردة تقودنا إلى الغاية المنشودة والمطلوبة كحل للأزمة الحالية، يستشرف بها الروائي زياد كمال حمامي مستقبلا مشرقا للإنسانية  في صورتها المكتملة.

 

بقلم. خالدي وليد/الجزائر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4958 المصادف: 2020-04-02 04:38:39