 قراءات نقدية

هان شر زمان ومنطق الطير والحيوان

خلود البدريعن مؤسسة ثائر العصامي للنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية هان شر زمان للقاص اسماعيل ابراهيم عبد (1)، وتم تبويب المجموعة إلى خمسة أقسام وست وخمسين قصة قصيرة جداً، بواقع220صفحة . وقد تصدرها تقديم الدكتور الفيلسوف رسول محمد رسول بمقال عنوانه " اللفظ .. الصورة .. السرد ".

وتضمنت المجموعة في قسمها الأخير ملحقاً نقدياً بعنوان "هان شر زمان الصورة والزمان، فوتو ـ قص أم فوتو نص" بقلم حسين محمد شريف.

بينما في المحور الثاني فوتو ـ قص (الاشارة ـ المعنى) قد جاءت الشروط الآتية: "مما يفيد هذا التركيب القصصي أن يختر أقرب الموضوعات لأبسط وأهم أدوات الطبيعة أو البيئة قدرة على انجاز الحدث السردي حتى لو استغنى عن الراوي . ولتخليق الـ "فوتو ـ قص" ضرورات حقيقية تتمثل في نظريات التخطيط العالمي للاهتمام بالهوامش من الموجودات، والهوامش من العناصر، والاستثنائي من أفكار الوجود المادي والنفعي، وتلك جميعها تقتضي أن يتطور الأدب، والقصة ضمنه، على نحو يتضامن مع افكار إنصاف المهمشات.." ـ هان شر زمان، ص11.

قسّم القاص المجموعة إلى عدة محاور. في كل محور كَتَبَ ما يشبه التعريف ابتدأها بـ "حيوات ضالة"، ضمت القصص التالية: هُمْ، فوز، العشار، سبابتي، خطأ ما، تكسر، سآتيك به، خمرة أو البلد .

وفوتو ـ قص المحور الثاني (الاشارة ـ المعنى) نصوص كان العنوان: [حياة غضة وفظّة، كل ما فيها يترتب على تكافل الآكل بالمأكول، فعناصر الوجود لا تمتثل لغير وظيفتها، ووظيفتها تمتثل للحاجة، وما ينتج عنها من عدم] ـ هان شر زمان، ص33 . ضمنها القصص الآتية:

(واجهة تسلل، يباس، جذاذات، خشية، علّيق، بلل، ثوب، أبو جُعل، الأوامر، الشيء، احتضان، عناق، عمى، تودد، دأب، شراكة، تجمهر، حرب.. اما المحور الثالث فكان بعنوان ["حيوات دافئة". انها حيوات لا تهتم بالموت ولا تفهم قيمة الاستمرار ولا يهمها الخلود، لكنها تعاند وتصر على ان الوجود فرصة "واحدة مفرطة الجلال والمتعة والاداء الجمالي، يكفيها دفء محيطها"] ـ هان شر زمان، ص71 . ضمت القصص الآتية:

ثيل حائل، نوم لذيذ، اشارة، الصعود الكبير، رآها، قبته، حافته، أثر، ظلمة قصية، لهو، سيحلم سادسة، سليل النوارس، سعادة كبرى..

اما المحور الرابع فهو بعنوان: "حيوات مفرطة مُذِلّة "، و.. أيضاً ـ قدم لها توطئة، أعقبها بالقصص الآتية: يوم ليس أخير، الدخول، اعجاب، بصيرة الراحلين، حطبهما، خليط سابق، نظافة.

وتضمنت المجموعة أيضاً، "حيوات مظللة "، وفيها من القصص: طفو، ألوان الأسماك، وإذ يقسو النور، رائحتها، وسادة، الحفيدة، أمانة .

والجزء الاخير من القصص اعطاها عنوان عام هو "حيوات كأنها عالقة "، وفيها تتسلسل القصص على النحو الآتي: ساقية، رشفة واحدة، غبار، "وروز، بهار، نهار" خيّرتني، هان شر زمان، القصة التي أخذت المجموعة عنوانها.

لو دققنا بالعنوان فسنتوقف، ويدور بخلدنا السؤال: ما الذي أراد أن يوصله القاص في اختيار هذا العنوان " هان شر زمان "؟.

لنقف ـ أولاً ـ عنده بلحظة السؤال: لماذا (شر زمان) وليس (شر الزمان)، والجملة هنا يجب ان تكون فيها كلمة الزمان مُعَرّفَةً، لكن القاص نكّر هذا الزمان وكأنه يستهين به ولسان حاله يقول: ليس من الحكمة ان يُعرّف زمن الهوان فهذا الزمان نكرة لا يستحق (الـ) التعريف.

وهان الشخص بمعنى: ذل وحقر، ضعف، عكس عزّ .. " ويقال (من يهن يسهل الهوان عليه) ... ولعل القاص قصد من اسم مجموعته: هان شر الزمان، بمعنى: أن الشر تعدى العراق وسيكون البلد بخير . وكلمة هان هنا بمعنى: ضعف. كما ان عنوان المجموعة هو ذاته عنوان القصة الأخيرة من مجموعة (هان شر زمان).. ليؤكد القيمة الاشمل بالانحياز للمستقبل المضيء!.

لقد اتسمت أغلب قصص المجموعة بنقل صورة حيوات الحيوانات والطيور وكأن القاص يحمل كاميرا يلتقط كل ما يشاهده من صور الطبيعة، وما يَدبّ عليها، وظلت البيئة الريفية هي المسيطرة على المشهد القصصي، بما فيها من حيوان وطير ونبات ونهر وساقية . وفي قصة " أبو جُعل " يكتب القاص:

[انه (يقصد: أبو جُعل) من أوائل الباحثين عن وسائل لتحسين النسل وتجميل الصورة .. كأنه أحس بأن جسمه متسخ ووجهه دميم .. كأنه يخجل من شكله المفزع فكان ينهي أعماله ليلاً وينام أو يتظاهر بالنوم نهاراً . صدّق أنه (سيجعل) نسله من الأصلاب والأنساب الطاهرة الجميلة .. كأنه كان نادماً على زواجه الأول . صدّق أن الحل في اقترانه بواحدة جميلة، فائقة الجمال] ـ هان شر زمان، ص50.

ان قصص المجموعة سلطت الضوء على الطبيعة بما فيها من طيور وحشرات وحيوانات، كقصة: " دأب، الجرذ الذي لا يشبع، تودد، قصة طائر، قصة (عمى) عن الحية التي أكلت الصغيرين، وقصة عناق، نحلة، شراكة التي محورها السنونو الذي ابتنى عشه في حضيرة الابقار " فالمكان بيت جدران الطين وسقف القش لبيت المواشي الثلاث، الأُم، الثور، العجل الوحيد الرضيع المدلل " ـ هان شر زمان، ص65.

ونلاحظ من تتبعنا لقصص المجموعة ان القاص يمتلك حِس المراقبة للتفاصيل كلها حتى صغيرة التي لا تلفت انتباه نظر الناس عادة، كالكائنات الحشرية والمجهرية المتناهية الصغر، فضلاً عن الكائنات الأخرى الكبيرة . انه بمجساته الحساسة الدقيقة استشعر بما تَمُرُ به هذه المخلوقات وما يطرأ عليها في مختلف أطوار حياتها. وفي هذا الشأن نستذكر هنا المقارب القدسي معلمنا الازلي الأول، القرآن الكريم، إذ اننا نجد ذلك واضحاً في "سورة النمل" وقصة النبي سليمان معه، وكيف تحدثت النملة، بسم الله الرحمن الرحيم:

"حتًّى إذا أتوا على وادي النّمل قالت نملةٌ يا أيُّها النّمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سُليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسّم ضاحكًا مّن قولها ...".

وبمتابعتنا للأدب القصصي نقرأ الكثير من الكتب التي تتحدث ـ مجازاً ـ بلسان الطيور والحيوانات، بلسان حالها او بلسان الراوي لحكاياتها، وهي كثيره، لكن أبرزها منظومة (منطق الطير لفريد الدين العطار) و(رسالة الطير لابن سينا) وكذلك رواية (مزرعة الحيوان لجورج اورويل).

ان القارئ عند مطالعته للمجموعة القصصية، سيجد خارطة طريق ترشده إلى كل قصة من قصصها وإلى إي محور تنتمي، وذلك طبيعي لقاص عنده تجربة جيدة في القص والنقد.

 

خلود البدري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4965 المصادف: 2020-04-09 04:25:49