 قراءات نقدية

النظرية النقدية الماركسية

ماهر حميدالماركسية والأدب

توطئة: تعد النظرية النقدية الماركسية من أهم النظريات الأدبية النقدية في الدرس النقدي، لِما تتمتع به من قدرة على قراءة الواقع وما به من نتاجات مختلفة، وهي بالأساس نظرية في الاقتصاد السياسي وضعها كارل ماركس بمشاركة فريدريك إنجلز في منتصف القرن التاسع عشر، إذ ترى هذه النظرية أن الأفراد يدخلون في علاقات إنتاجية، وأن مجموع العلاقات الإنتاجية هذه يشكل البنية الاقتصادية للمجتمع .

الماركسية والأدب:

يمكن أن نرجع الحافز وراء هذا التطور الحاصل في مجال النظرية النقدية إلى صعود الماركسية، بعد أن أوجد لنا ماركس وأتباعه نظرية شاملة، أو حكاية كبرى، إذ يرى ماركس أن النظرية الماركسية انبثقت من الواقع بهدف معالجة الواقع وقضاياه المختلفة، ولهذا يمكن أن نحلل أية ظاهرة ثقافية – في مجتمع ما – ونكوّن أحكاماً قيمة عنها، ومنها الأدب، الموسيقى، الأنظمة السياسية، الرياضة، العلاقات العرقية ..إلخ .

ويؤكد أيضاً على أنه يمكننا أن نضع ثقافات كاملة تحت ميكروسكوب النظرية النقدية الماركسية تفادياً للطريقة التي تعمل بها أية نظرية نقدية أخرى.

بداية من الماركسية فصاعداً، ارتبطت النظرية النقدية ارتباطاً وثيقاً بالأوضاع السياسية، ولا يمكن أن تنفصل عنها، إذ ينبع قدر كبير من قيمتها – من قدرتها على أن تظل منخرطة في السياسة فالنقدي من وجهة نظر ماركس هو السياسي.

ولذا يرى ماركس أن النظرية الماركسية قادرة على أن تحلل كل الظواهر على ضوء نظريتها في المادية الجدلية، وتصاحب هذه النظرية رؤية تاريخية معينة. ويؤكد أيضاً على أنه توجد هناك بنية ثالثة مستورة بحسب رأيه وهي بنية عامة وأساسية في كل المجتمعات، بما فيها المجتمع الرأسمالي. إذ يتكون المجتمع دوماً من أساس اقتصادي أوبنية تحتية، وبنية فوقية . وأما البنية الفوقية هي كل ما هو ثقافي – أي الدين والسياسة والقانون والتعليم والفنون...إلخ. وأي تغيير في البنية التحتية التي هي (الاقتصاد وغيره) يؤدي إلى إيجاد ثقافات مختلفة تنتج بدورها آداب أو أدب مختلف عن سابقه. وهذا يعني أن البنى الفوقية هي الإيديولوجيات، أي طرق التفكير المميزة للسلوك الطبقي.

هناك شيء واضح إذا فهمنا أسس التحليل الماركسي وسنكتشف كيف أنها شكلت النظرية النقدية بطريقة تجعلها تبحث تحت سطح النصوص، وهذا ما يوضحه المثال التالي:

المادية الموجودة بالفعل                    المثال في ذهنك

 

النظام الاقتصادي              النص                 الثقافة

النص هنا لا يعني مجرد كتابة على ورق معين، بل يعني إنتاجاً مشفراً وتغريباً. وفي هذه الحالة فقد أضاف ماركس معنى جديداً للاغتراب ليس بوصفه عملية هيجيلية عن الوعي الذاتي، بل بوصفه تغريباً لا واعياً عن الذات يحدده الوضع الطبقي للمرء، وكيفية مواجهته للإيديولوجيات السائدة المتحكمة في وضعه السياسي والاقتصادي وحتى حياته.

وهذا ما أكده تيري إيغيلتون الذي يرى أن وظيفة الإيديولوجية هي تسويغ سلطة الطبقة الحاكمة في المجتمع. وفي التحليل الأخير للماركسية توصل إلى أن الأفكار السائدة لأي لمجتمع ماهي إلا أفكار الطبقة الحاكمة، ولهذا فأن الفن إذن بالنسبة للماركسية هو جزء لا يتجزأ من البنية الفوقية للمجتمع. ولهذا يرى ماركس أن المجتمعات الرأسمالية قادرة على أن تنشر معتقداتها الإيديولوجية دون أن تلجأ إلى القوة، لذلك فأن إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي متناسج قبل كل شيء وعلى نحو مباشر مع العلاقات المادية للناس، والتي هي لغة الحياة الحقيقة. ولذلك ترى الماركسية أن التاريخ يجري وفقاً لقوانين موضوعية، معرفتها تساعدنا في السيطرة على العملية كلها وتحقيق غاياتنا التي هي غايات الطبيعة ذاتها طالما أننا جزء منها، يسري علينا ما يسري عليها.

من هنا أمكن للعمل الأدبي أن يحمل شكل الواقع الخارجي، والظرف التاريخي الذي أنتج فيه عبر تركيبته أو بنيته ذاتها وصار دور القراءة النقدية هو العثور على الطريق التي من خلالها عبر الواقع التاريخي والاجتماعي عن نفسه من خلال الحساسية الفردية للمبدع داخل العمل الأدبي أو الفني الذي نحن بصدد دراسته، أي أن الماركسية ترى الحقيقة تصور مطابق للواقع. ولذا فمن الواضح أنها تستند على التقابل بين الذات والموضوع، فالتصور ينشأ في الذات ولكنه يجب أن يكون مطابقاً للواقع، أي لموضوع ما ؛ لأن الماركسية تؤمن بأن الحقيقة التي مفادها أن الأدب ينشأ ويعكس الظروف المادية والتاريخية، والحقيقة تساعد الماركسيين في منحيين، أولاً: قد يحاول العمل الأدبي دعم أيديولوجيات داخل نفس القارئ.، وثانياً: إن العمل الأدبي قد يدعو القارئ لانتقاد الأيديولوجيات التي يطرحها .

وبناءً عليه فإن بناء الثقافة الأدبية وما تنتج من تيارات أو اتجاهات نقدية، وما يتبلور عنها من نظريات من خلال تطبيقها على النصوص الأدبية المتأثر بهيمنة الإيديولوجيا السائدة، وهذا مما لا شك فيه أن النقد كان قوياً بما يكفي لينتج أشكالاً واتجاهات لا تتوقف عند تيار أو اتجاه معين، فالنقد النفسي قد تمكن من تثبيت موقعه في الخارطة النقدية، إذ اهتم بالكشف عن المعاني الإيديولوجية الكامنة في الأعمال الأدبية انطلاقاً من فرضيات مختلفة ونموذجه الأبرز فرويد الذي لم ينشغل بالنص الأدبي بقدر انشغاله بالحالة السريرية التي تحتاج إلى تدعيم، وقد وجد ذلك سانحاً في النصوص الأدبية، إذ عدها أداة تحليلية قادرة على تحقيق نتائج علمية رغبة في تجاوز ما فوق السطوح إلى ما تحتها، الأمر الذي انتج اتجاهين لهذا التيار هما: النقد النفسي للمؤلف، والنقد النفسي للنص، وهكذا انسحب التيار النفسي لحقل الدراسات الأدبية ليصبح منهجاً نقدياً يعنى بالكشف عن طبيعة النصوص الأدبية وما يحيط بمنتجها من ظروف أثرت فيه وأسهمت في إنتاج أدبه.

الحال نفسه ينطبق على النظرية النقدية الماركسية، التي وجدت تطبيقاتها في الأدب؛ لأن الأديب لا يمكن له أن يكتب إبداعه بعيداً عن واقعه، فيحاول أن يصور الواقع السياسي، والاقتصادي في نتاجه الأدبي المبني على إيديولوجيات قائمة على نقد الإيديولوجيات السائدة، ولهذا يؤكد ماركس على أن النقد الماركسي ليس مجرد (سوسيولوجية أدب)، وإنما غايته هي تحليل العمل الأدبي على نحو أكثر كمالاً للكشف عن التغيير في البنية التحتية وما نتج عنه من تغيير في البنى الفوقية.

ولذلك نجد أن بعض الماركسيين يفضلون المدرسة الواقعية على غيرها من المدراس الأدبية ؛ لأنها ببساطة تعرض العالم الواقعي من حولنا بصورة دقيقة، أي أنها تعرض الظلم الاقتصادي والاجتماعي وتضارب الأيديولوجيات المتصارعة، وبالتالي تمنح القارئ الفرصة لرؤية الحقائق البغيضة عن الواقع المادي التاريخي، ولاسيما بعد أن اتسمت مرحلة ما بعد الماركسية بإعادة صياغة كثير من أطروحات الفكر الماركسي على يد عدد من النقاد والمفكرين من أمثال ألتوسير، وهذه المابعد الماركسية بلا شك أنها تقابل ما بعديات أخرى، مثل (ما بعد البنيوية)، و(ما بعد الحداثة)، و(ما بعد المجتمع الصناعي)، وغيرها.

فإن نجاح الفكر البنيوي في فرنسا أدى إلى ظهور فرع من الماركسية يسمى (الماركسية البنيوية)، يمثلها منظرها الرائد، لوي ألتوسير(1918- 1990م)، ولهذا أصبحت الماركسية بشكل عام (علم المجتمع) الذي يمكننا من الكشف عن ألاعيب الإيديولوجيا المهيمنة على الحياة الواقعية وما يمكن أن ينتج عن هيمنتها من تأثير على النتاج الأدبي لتنتقل من طور إلى أخر، ولهذا لا يمكن تجاوز الماركسية أو نفيها نفياً مطلقاً، وإنما نفيها نفياً ديالكتيكياً، يحتفظ بأفضل ما فيها وينتقل بها إلى طور جديد من أطوار الفكر الإنساني. وهكذا أمسى النص الأدبي مجال عمل الماركسية، لتصبح نظرية في مجال النقد الأدبي الغربي .

 

الباحث ماهر حميد

جامعة البصرة – كلية الآداب

.........................

قائمة الماصادر والمراجع:

1- النظرية النقدية، ستيوارت سيم، بورين فان لوون، ت: جمال الجزيري:14- 15.

2-الماركسية والنقد الأدبي – الادب والتاريخ، تيري إيغيلتون، ت:عبد النبي اصطيف، الآداب الأجنبية، ع48، س13، 1986م: 90 وما بعدها.

3- دليل الناقد الأدبي، ميجان الرويلي، وسعد البازعي:323- 329.

4- استقبال الآخر – الغرب في النقد العربي الحديث، سعد البازعي: 71-72.

5- النظريات النقدية المعاصرة- الدليل الميسر للقارئ، لويس تايسون، ت: أنس عبد الرزاق: 70.

6- تجاوز الماركسية إلى النظرية النقدية، هشام عمر: 70.

7- النقد والإيديولوجية، تيري إيغيلتون، ت: فخري صالح: 36- 38.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي ماهر حميد
اولا اعترف كماركسي قديم ومتحول فكريا باطار النظرية الماركسية اني تمتعت بقراءة نصك وكنت اود ان اكتب بتوسع لكني غارق باعمال كثيرة، لكن الموضوع سيبقى برأسي حتى اعود اليه.
مشكلة النظرية النقدية الماركسية انها صيفت لمجتمع لم يتطور حسب المفاهيم المادية الجدلية لماركس. والنظام الراسمالي اليوم ليس هو نفسه النظام الذي طرح فيه ماركس نظرياته، طبعا هناك اختلافات لا يراها الا شخص يتابع التطور الفكري والفلسفي والاقتصادي لعالمنا وللأنظمة الراسمالية.
لا يمكن اليوم التعامل مع النظام الراسمالي وبالتالي النقد الماركسي الفكري بنفس الألية ونفس الأدوات ونفس المضامين.
نحن في مرحلة ما بعد الراسمالية. التطور الاقتصادي احدث نقلة هائلة. التطور العلمي واندماج الطبقة العاملة بالعملية الاقتصادية والتطور العلمي غير تركسيبتها كليا. امر صغير فقط . الرأسمالية تميزت بانها سلطة واقتصاد. اليوم يوجد تحول هائل. النظام حقا بقي سلطة واقتصاد لكن جرى تحول ممنوع ان نتجاهله ، وهو صعود المجتمع المدني. اي ان مضمون المجتمع الراسمالي اصبح سلطة اقتصاد ومجتمع مدني.. هذه قفزة هائلة في فهمنا لتركيبة المجتمع الراسمالي المعاصر. وللتحولات العميقة في التوزيعة الاقتصادية والاجتماعية. لا ادعي انها اصبحت عادلة، لكن الفكرة القديمة عن الروليتاريا والبرجوازية لم تعد الا فكرة تلاشت وانتهت بالطريقة التي طرحتها الماركسية وورثائها.
الموضوع واسع جدا ومثير جدا وانت تستفزني ان اكتب.. اشكرك على مداخلتك الممتازة. لكن الحوار هام جدا لنفهم ان اهم النظريات التي اشغلت عالمنا في القرنين التاسع عشر والعشرين تحتاج الى تطوير للاسف لم تقم به الحركة الشيوعية.. بدل ذلك لينين شوه الماركسية وستالين دفنها. وهذا للأسف ينعكس اليوم على هذه الحركة العظيمة سلبا وتفككا!!

نبيـــل عــودة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4965 المصادف: 2020-04-09 13:42:47