 قراءات نقدية

الشخصيّة في (برج العقرب) للكاتبة ساهرة سعيد

عدنان عباستقدّم الكاتبة ساهرة سعيد "مسلسلًا" قصصيًّا جديدًا بعنوان (برج العقرب) على صفحتها في الفيسبوك، بعد أنْ أغنتها ب"مسلسلات" (بريكفست)، و(تراخوما)، و(الآنسة كوفد 19). تشحن في فضاء هذا "البرج" دفقًا حيويًّا من الأحداث والمتغيّرات العائليّة والاجتماعيّة، وتختار شخصيّاته بعناية، وتحرّكها في أماكن مثقلة بمعاناتها الإنسانيّة وفقرها ورثاثتها وأسرارها واعتقاداتها، و"تمرح" في بيوتها الطينيّة ذات السقوف المرصوفة بالسعف، عقارب وأفاعٍ، بما في ذلك في برج أحد بيوتها القديمة. يمكن أنْ تشير كلمة "العقرب" في هذه الحالة إلى الفقر والرثاثة، كما يمكن أنْ تقودنا إلى تصوّر بعض ما يُقال عن صفات مواليد هذا البرج بشكل غير مباشر، ك"الهدوء والغيرة والحزم والوفاء والإرادة القويّة والصدق والجدّيّة، والغضب والعصبيّة وعدم النسيان، إلخ". يعكس عنوان حلقات "البرج" بلا شكّ دلالات رمزيّة أسوة بعناوين نصوصها الأخرى، ويحفل فضاء متونها بأفكار ومغازٍ غير قليلة.

يبدو العمل في حلقاته الثلاث والثلاثين، غير الصادر في كتاب مستقلّ بعدُ، رواية اجتماعيّة تسجيليّة أو سيرة لحيّ شعبي. هو عمل ذو اتّجاه واقعي، بلْ ويحمل ملامح المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة وإرهاصاتها، فزمانه ومكانه وحدثه وشخصيّاته، ولغته وأفكاره وانحيازه وفضاءاته تشير إلى ذلك، مثلما يعطي انطباعًا بأنّ الكاتبة تعرف معالم أحيائه الشعبيّة ومجتمعاتها "الجنوبيّة" وعاداتها، فضلًا عن تعاطفها مع هموم شخصيّاتها الاجتماعيّة.

من جانب آخر، لاحظت بعض التقارب بين (برج العقرب) ورواية (خلف السدّة) للقاصّ عبد الله صخي، الصادرة سنة 2008، ويتعلّق هذا التقارب النسبي بأحوال المجتمع وطبيعة المكان أو بعض الشخصيات، أو بينهما كعملين سرديين "تسجيليين"، وعلى الرغم من ذلك فقد خلت حلقات (برج العقرب) من أيّة أحداث سياسيّة، إذا ما قورنت برواية (خلف السدّة)، فالكاتبة تركّز فيها على الجانب الاجتماعي كثيرًا، ولاسيّما قاع المجتمع. هناك أيضًا فرق في زمن العملين، ووجود بعض التشوّش في تحديد المكان والمصطلح المرتبط به في "البرج" كالحيّ والمحلّة، بخلاف رواية (خلف السدّة).

1631  ساهرة سعيدلقد أثار انتباهي كثيرًا في حلقات (برج العقرب) رؤية المؤلّفة للشخصيّات وتركيزها الكبير على علاقتها بصنع الحدث وزمانه، ومكانه بمستوياته المختلفة، ولذلك سأقوم بالتركيز في قراءتي النقديّة هذه على شخصيّات "البرج"، ولاسيّما النسائيّة الرئيسة التي كانت بارزة فيه، بهدف إعطاء صورة مفصّلة لها، ومنها صفاتها وبعداها الاجتماعي والسيكولوجي، ودورها في حركة الأحداث أيضًا، فالشخصيّة بشكل عامّ، تتمتّع مثلما هو معروف، بمكانة مهمّة جدًّا في الأعمال السرديّة، سواء من حيث بنيتها وأنواعها وصفاتها ووظائفها وأبعادها، أو من حيث طاقاتها غير القليلة التي شحن المتن بالأفكار والرؤى.

ترتبط الشخصيّات بعنصر سردي مهمّ هو المكان، وتصفه الكاتبة في (برج العقرب) كحيّ شعبي تقليدي في مدينة بغداد، وتسمّيه "حارة" (تشير "الموسوعة الحرّة" إلى أنّ الحيّ يتكوّن من محلّتين أو أكثر بحسب التصنيف الإداري العراقي، وتعتبر كلمة "محلّة"، أكثر شيوعًا في الاستعمال من كلمة "حارة" في العراق)، على الرغم من شكوك تراودني من أنْ يكون حي الفضل "وليس محلّة الفضل"، جزءًا من حيّ الصرائف، خصوصًا عند تحديده من قبل الكاتبة كمكان في الحلقات الإحدى عشرة الأولى. يتّصف هذا الحيّ بأنّه فقير ومتواضع جدًّا وصاخب ومزدحم بساكنيه، وأكثر بيوت شخصيّاته مؤجّرة أو مشتركة، ومبنيّة بالطين وسعف النخيل (صرائف)، وتنتشر فيها الديدان، ويقع برج للطيور وآخر للعقارب في أحدها، وقد عوّض عن هذه الصرائف بمدينة الثورة التي بناها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم للفقراء. يشير تاريخ العراق الحديث إلى أنّ الهجرات الفلاحية الأولى بدأت من جنوب العراق، ولاسيّما من العمارة إلى بغداد، بعد الحرب العالميّة الثانية بسبب ظلم الإقطاع للقلّاحين، واستقرّ القادمون في مكان خلف السدة أول الأمر، ومن ثمّ في مدينة الثورة وسواها. تدور أحداث "البرج" في أمكنة ثلاثة، ابتداءً من حيّ الفضل، مرورًا بحيّ الطوبجي، وانتهاءً بالحيّ الجديد المبني بدور حديثة (أحد أحياء مدينة الثورة) بعد التجريف الأوّل للصرائف. وحيّ الفضل الذي ورد ذكره كمكان في الجزء الزمني الأوّل من "البرج" هو بحسب "الموسوعة الحرّة"، "حيّ بغدادي قديم جدًّا يقع في منطقة الرصافة"، ويتكوّن من محلّات العَزّة والجوبة وسيّد عبد الله، وتقع في أطرافه ما سُمّي بمحلّة "المعدان"، وقد تكون الكاتبة تعني بالمحلّة الأخيرة، المكان الذي تتحرّك فيه أحداث "البرج" الأولى. وبقدر ما تقدّم الكاتبة المكان بأشكاله الثلاثة أعلاه كأحياء يعشعش فيها الفقر والعقارب والأفاعي، أحدهما قديم يحتوي على صرائف، وآخران يضمّان دورًا جديدة بعد تحديث بغداد، فإنّها تقوم بوصفها من الداخل - بيوتها وأبوابها وغرفها وطرقها والأسواق التي تجاورها، وأعمال شخصيّاتها ورثاثتها وكوابيسها وأحلامها، وتثير انتباه القارئ إلى الفروق النسبيّة، ولاسيّما بين الحيّ القديم (أطراف حيّ الفضل) والحيّ الجديد (أطراف مدينة الثورة). تتراوح مستويات الأماكن في "البرج" بين الألفة والتواضع والضيق والحشر وكثرة الروائح الكريهة، فضلًا عن الغموض والرهبة والخوف فيما يتعلّق ببيت الدرويش أو الساحر المشعوذ أبي جودة، وبيت صبيحة.

يتحدّد الزمان، مثلما تذكر المؤلّفة في أوّل حلقة من (برج العقرب) بفترة ما "قبل السبعينات بعشر سنوات" من القرن الماضي، وتستمرّ على امتداد الحلقات الإحدى عشرة الأولى، أيْ تستدعي فيه زمنًا مضطربًا وحافلًا بالمتغيّرات (ولا أدري ما هي العبرة في عدم ذكر الكاتبة فترة العقد الأوّل من القرن العشرين بشكل مباشر - "الستّينات")، وتتواصل أحداث "البرج" في العقد الثاني من سبعينات القرن الماضي في متون ما تبقّى من الحلقات. تسترجع الكاتبة أيضًا زمنًا آخر، يتمثّل بسيادة الإقطاع في العهد الملكي بالعراق قبل قيام النظام الجمهوري.

أمّا الحدث فتعرّج الكاتبة فيه على الحالة الاجتماعيّة لمجتمع حيّ ما قبل التجريف، وحيّ ما بعده، حيث معاناة الوافدين الفقراء والفلّاحين إلى بغداد من مناطق العراق الجنوبيّة الريفيّة وغيرها، ويرتبط هذا الحدث بمشهدي التقارب والتباعد في التفكير بين جيلين، وبمنظومة من القيم والفضائح والأسرار والمواقف والتصرّفات، وبمظاهر وظواهر شعبيّة عراقيّة تتوزّع بين الأعراف التي جلبها القادمون معهم، ومدى تفاعلهم مع المجتمع البغدادي، وأحوال "البرج" الداخليّة وعلاقاتها بما يحدث خارجه. توصّف الكاتبة الأحداث التي مرّت بها بطلات وأبطال الحيّين، وكذلك حيّ الطوبجي، وتخوض غمار أحوال متشابكة كثيرة، فتراها تفصّل هنا وتختصر هناك، معالجة في الآن ذاته طبيعتها وحركتها الاجتماعيّة ومعاناة شخصيّاتها، وتشكيل كياناتها الخاصّة بها، أو انصهارها في بوتقة العالم الجديد (بغداد). تركّز كذلك على حدث ما بعينه يتعلّق بهذه الشخصيّة أو تلك، بدون أنْ تغفل الشريط الجامع للأحداث، مثلما تشير إلى التباين بين الأحداث بسبب جهل وبساطة الشخصيّات من جهة، أو وعيها ودخولها إلى مؤسّسات العالم الجديد بالعمل والتعليم المدرسي والأكاديمي من جهة أخرى.

تفصّل المؤلّفة في لغة الحلقات، ولا تخلو بعضها من هفوات لا يُستثنى أيّ عمل منها، وخصوصًا في منشورات الفيسبوك، أمّا أسلوبها فمثير للمتابعة، تتحاشى فيه العرض السياسي من أجل التفصيل في الحدث الشعبي العراقي الاجتماعي وصورة شخصيّاته البسيطة، معتمدة على الوصف والاسترسال والتكثيف أكثر من الحوار، ومستخدمة في هذا المفصل أو ذاك أساليب، مثل المفارقة والمفاجأة والسخرية والمقارنة والتساؤل، ومستفيدة من بعض التفاعلات النصّيّة بالأقوال السائرة والأمثال والاعتقادات التراثيّة، على الرغم من أنّ بعض الصياغات الأسلوبيّة جاءت ضعيفة من حيث التقديم والتأخير والتكرار.

تعتبر الشخصيّات في (برج العقرب) شعبيّة وكادحة فقيرة، تنحدر من الريف أو المدن الصغيرة وتستقرّ في بغداد، تعاني الجهل والتخلّف، وبعضها من القاع الاجتماعي، ويؤمن بعضها الآخر بالسحر والشعوذة، وتتّسم هذه الشخصيّات بأبعاد متنوّعة، تفرزها الحالة أو الحدث فتتشكّل عندئذٍ الصورة النهائيّة لها. تعتني الكاتبة باختيار أسماء الشخصيّات في (برج العقرب)، بما توحي به دلالاتها الواقعيّة الشعبيّة، النسائيّة منها كهاشميّة وشكريّة وجاسبيّة وبدريّة وصبريّة وحرّيّة، والرجاليّة كحمدان وغسّان ونعيم وأبي جودة، وأسماء الجيل الجديد التي يميل بعضها إلى العصريّة قليلًا كهناء ونجاة وصفيّة وسنيّة وزكيّة وأشواق. تتّضح معالم هذه الشخصيّات الشعبيّة كذلك من خلال لهجتها واعتقاداتها وزينتها ولباسها ك"الدشداشة" وغطاء الرأس "اليشماغ" للرجال البالغين (الذي لا يستخدمه البغداديّون كثيرًا، باعتقادي)، و"العباءة" وغطاء الرأس للنساء البالغات، بما فيها التجميل الذي يقمن به بمكياج صارخ، والملابس غير التقليديّة بحكم التأثير المدني للعاصمة أو درجة الانصهار الاجتماعي والثقافي في المجتمع البغدادي، بينما تظهر أزياء الأطفال والشباب على وفق ما هو معروف في الأوساط الجديدة اجتماعيًّا أو مدرسيًّا.

تعكس حرف الشخصيّات الرجاليّة في "البرج" حياة الطبقة الكادحة والمرهقة، مثل الحمالة وبيع الشاي وعمل الخبز والحدادة وجرف الأراضي والسياقة، ووظائف حكوميّة، في الوقت الذي تتفشّى البطالة في أوساط النساء إلّا قيامهنّ بأعمال البيت وتربية الأطفال والاهتمام بالأزواج، ويعمل أو يدرس قسم من الفتيات، ويتعلّم بعض التلميذات في المدارس.

يبرز في حلقات "البرج" أيضًا صراع بين الماضي والحاضر، التريّف والمدنيّة، صراع يقوى ويضعف بجدليّة الخير والشرّ، والانطواء على الماضي والانفتاح على الحاضر، وبتناغم العلاقات بين الشخصيّات أو التقاطع فيما بينها. يبرز هذا الصراع طبقيًّا بشكل غير مباشر، وهو أيضًا صراع بين جيلين (قديم وجديد) متفاوتي الطموح والإمكانيّات، بين أفكار الجيل القديم القادم من الجنوب وأفكار الجيل المولود في بغداد من خلال مجاراتهما متطلّبات الحياة الجديدة أو رفضهما لها، ولو أنّ السمة الغالبة للجيل القديم لم تتغيّر كثيرًا، مثلما لم تتغيّر حالته المعيشيّة البائسة.

تضفي الأحداث والصراع الدائر فيها عل الشخصيّة بعدًا اجتماعيًّا وآخر سيكولوجيًّا، ويتّسم البعد الاجتماعي والطبقي بأهمّية كبيرة في تصويرها في "البرج"، فهو يتشكّل بمعاناة الفقراء الفلاحين الهاربين من الاضطهاد الإقطاعي، والقسوة والعنف اللذين كانا سائدين في مجتمعهم القديم وانعكاسات ذلك على أوضاعهم في المجتمع الجديد، وحياتهم بعد أحداث ما بعد الحكم الجمهوري عام 1958. يرافق ذلك بعد ثقافي يرتبط بالقيم القديمة الموروثة والاعتقادات والجهل والثأر والعلاقات العشائريّة، وقيم المجتمع الجديد بعد الاستقرار، وبعد بغدادي يحاول الجيل الجديد الانخراط فيه، وما يترتّب عليه من توجّه إلى التعليم الأوّلي والجامعي، وممارسة أعمال جديدة، والبحث عن وظائف مدنيّة وعسكريّة، ومن استعانة بلباس ومظاهر مدنيّة متنوّعة التشكيلات، إلخ.

يفرز البعد الاجتماعي للشخصيّة في "البرج" أيضًا بعدًا سيكولوجيًّا، سواء فيما يتعلّق مثلًا بالشكوك التي حامت حول حمدان وتناقضاته، أو حول ما تقوم به الغجريّة والساحر "الجنّي"، والصراع النفسي الذي تعيشه شكريّة وهاشميّة، وتوجّسهما وريبتهما من جاسبيّة، على الرغم من استغلاله لها، والشكوك اللاحقة المتعلّقة بأبوّة صالح ومراد. تعكس تصرّفات الساحرة" صبيحة وتدخّلات أمّ جاسم مثلًا واقعًا نفسيًّا يثير ريبة وألم هناء وعائلتها، وأوضاع صالح وأبيه وغسّان وعنبر واقعًا يحفّز إلى الألم والشفقة، وحالة المحبّين أشواق ومراد وزكيّة وشمخي دافعًا إلى التعاطف، ونموّ وعي هناء وأشواق مع الزمن وتطوّرهما من الناحيتين التعليميّة والثقافيّة أمرًا يثير الانتباه والاهتمام معًا. يترك قرار تحديث بغداد أيضًا أثرًا على الشخصيّة، يحوم حول الشكّ ممّا يمكن أنْ يؤدّي ذلك العمل إلى تشرّد أهل الحيّ، كما أنّ استدعاء حوادث مأساويّة من أيّام الإقطاع والعبوديّة، مثل الاضطهاد وغسل العار والثأر له تداعياته النفسيّة على الشخصيّات.

ترسم الكاتبة صورة عدد من الشخصيّات الرجاليّة وفقًا لعلاقتها بالحدث والشخصيّات النسائيّة، فشخصيّة حمدان – زوج هاشميّة  تظهر بشكل محوري في أوّل حلقة من (برج العقرب)، وتضفي الكاتبة عليها صفات عديدة، فهو قصير القامة وحمّال و"مطيرجي" منشغل ببرج طيوره من ناحية، وكثير الغضب والاستياء والتذمّر، وعدم الرحمة والقسوة وانشغاله ب"اللهو ومطاردة ذكور القطط"، وإثارة العجب من ناحية أخرى. يتشكّل البعد الاجتماعي لحمدان في ضوء قسوة عاشها في الماضي، أثّرت على مجريات حياتها لاحقًا، وعبر حالته الكادحة من أجل سدّ رمق العيش، عاكسًا بذلك بعدًا سيكولوجيًّا لشخصيّته، جامعًا النقيضين "الماء والنار"، أي الرقّة والشدّة، الهدوء والغضب، فحمدان، مثلما تقدّمه الكاتبة "أخذ عن الطيور طبعها الحرّ وحبّها اللامشروط، ولكنّه تعلّم قسوة الجلّادين من القطط الجائعة"، وتستعين بأسلوب المفارقة، إذ بقدر ما "تفقّس فيه بيوض حمائمه، يزداد تعطش القطط لدماء أفراخه"، كما تحوم الشكوك حول علاقته المريبة بجاسبيّة "اللعوب"، وخصوصًا من قبل زوجته هاشميّة. تتخلّل الحلقات بعض الحيوانات المرافقة للشخصيّات الإنسانيّة، كطيور "حمام" حمدان "المدلّلة"، والقطط "المشاكسة... سليلات الضواري"، والفئران، والعقارب والثعابين، وبعض الأسلحة التي يستخدمها حمدان في "حربه القاتلة" ضدّ القطط. ينطلق بعدا شخصيّة حمدان من طبيعة الحدث المتعلّق في أحد جوانبه بعمله أوّلًا، وتصرّفاته ثانيًا، التي تشير إليها الكاتبة بأنّها "غريبة ومضحكة"، ومنها "جريمة قتله لآخر قطّ تجرّأ على أكل طيوره"، واسترقاقه النظر من فوق سطح المنزل لمتابعة "خصوصيّات عاطفيّة بين أزواج وزوجات" الحيّ. يغيب حمدان بعد ذلك كثيرًا من المشهد أسوة بزوجته، ليعودا بهذا الشكل أو ذاك في حلقات قليلة أخرى، حيث تصف الكاتبة حمدان وهاشميّة في إحدى الحلقات المتأخّرة عند زيارتهما لعائلة أخيه غسّان، بأنّهما يظهران بمظهر من يعاني "شظف العيش" والبؤس والهم"، و"الخنوع لجبروت الزمن"، ثمّ يعود حمدان مرّة أخرى إلى المشهد السردي، عند مرضه بالسرطان ورقوده في المستشفى، واهتمامه بما تضمره جاسبيّة لكلّ من زوجته وصديقتها شكريّة، واستعداده للانتقام منها. يرسم البعد الاجتماعي هنا صورتي الفقر والمرض اللتين حلّتا بحمدان وعائلته، بما في ذلك حالة الصريفة الرثّة التي تسكن فيها هذه العائلة، أمّا البعد النفسي فيتمثّل باندفاع حمدان والخشية من وفاته. يعكس هذا الحدث سلوكًا حمله حمدان معه من بيئته السابقة، يقوم على الثأر، ويبرز بتهديده لأمّ جاسم، و"قتله المومس جاسبيّة التي كان يعاشرها".

تشير الكاتبة في "البرج" إلى شقيقه غسّان - زوج شكريّة إلى إنّه مقعد وعاطل عن العمل، وعليل، وتختلف طباعه عن طباع أخيه حمدان، ويتّسم بالغضب من زوجته بسبب عدم إنجابها صبيًّا، وتأليب أمّه المسنّة له على زوجته بسبب ذلك، وبمعاناته المرضيّة التي انتهت بوفاته لاحقًا. تقدّم الكاتبة كذلك نعيم الخبّاز ككادح يعيل أمّه وزوجته بدريّة وأطفالها، ومرهق في عمله ليلًا وعدم شعوره بالراحة نهارًا بسبب ضجيج حمدان وطيوره وصراخ الأطفال"،  و"في الوقت الذي كان فيه حمدان مرحاً ونزقاً وقاتلاً للقطط، كان الخباز نعيم مسالماً يميل إلى الكآبة، والانطواء والحزن"، مثلما تكتب المؤلّفة. تبرز شخصيّة رجاليّة مؤثّرة أخرى في "البرج"، أيْ أبو جودة (الدرويش)، شخصيّة تتّصف بالشعوذة والطلبات الكثيرة من شكريّة وهاشميّة اللتين قامتا بزيارته في كوخه لمساعدتهما في إنجاب الصبيان عن طريق "الجنّي" الذي يدّعيه، ويفرز هذا البعد الاجتماعي حالات نفسيّة تتمثّل بالابتزاز والتصرّفات المثيرة للريبة والرذيلة لديه، وبالشكوك التي حامت حول أبوّة ولدي شكريّة (صالح ومراد) بعد فترة من هذه الزيارة.

تتشكّل شخصيّة صالح "المشكوك بأبوّته" من قبل جاسبيّة والذي التحق بالجيش وخدم فيه ثمّ سُرّح منه لأسباب صحيّة، من خلال الآفاق التي انفتحت أمامه بالخدمة العسكريّة من جانب، وبالاعتلال من جانب آخر، فأمّه (شكريّة) التي تعتقد بأنّها قادرة على علاجه بحليب السخلة والبقرة، لم تفده، إذْ تضغط "نوبات الفزع"، التي ""تنتابه" في أثناء نومه" على مزاجه كثيرًا، تاركة وراءها سيلًا من الهواجس والوساوس. يظهر عنصر آخر في حياته هو الزواج الذي تقترحه أمّ جاسم لعلاجه، بدون أنْ تهمل الدور الذي يمكن أنْ تلعبه السخلة في توفير الحليب في هذا العلاج، وينعكس هذا الأمر بشكل سيّئ على نفسيّته، يتمثّل بالقلق والاشمئزاز والتوجّس والتخوّف والابتعاد عن أمّ جاسم خشية من مرضها، وممّا تضمره بالاقتراب منه. أمّا شقيقه شارد الفكر، مراد الشاب الصغير "الوسيم جدًّا"، فتتّضح صورته عبر حبّه لزميلته أشواق - ابنة جاسبيّة في قسم "فنّ التمثيل" بأكاديميّة الفنون الجميلة"، وعلى الرغم من فقره، فإنّ البعد الاجتماعي يتشكّل ب"مظهره الذي يلفت النظر، بملابسه الأنيقة ورشاقته، وجمال وجهه، وحركاته الدراميّة المفتعلة والطريفة أحياناً"، وتميّزه الذي يثير انتباه زملائه و"إعجاب الفتيات"، مثلما تذكر الكاتبة، ويرتبط هذا البعد أيضًا بالإشاعات المتعلٌّقة بجاسبيّة وأختها المتّهمتين بأنّهما كانتا "من مومسات حيّ الفضل الشهيرات"، وبموقف أحد المدرّسين في زرع الشقاق بينه وبين حبيبته أشواق، وتلميحات عائلة مراد التي عمّقت هذه الشكوك أيضًا وأثّرت على نفسيّته بشكل سلبي، من حيث ارتكابه وقلقه وغضبه وحزنه وذهوله، على الرغم من استمراره في حبّه لأشواق واهتمامه بنشاطاتها الفنّيّة. تظهر في الحلقات شخصيّات رجاليّة أخرى، ثانويّة أو عابرة، مثل سائق الجرّافة، وصاحب عربة بيع النفط وشمخي حبيب زكيّة، والأستاذ الأرمل الأناني، وزوج جاسبيّة، وحسين فتى أحلام هناء، وصاحب ابن جاسبيّة "المشكوك بأبوّته"، إلخ.

من جانب آخر، تولي الكاتبة اهتمامًا كبيرًا للشخصيّات النسائيّة - هاشميّة وشكريّة وجاسبيّة وأمّ جاسم وهناء في "البرج"، إذا ما قيست بالشخصيّات الرجاليّة، وتركّز بشكل أكبر على شكريّة وبناتها، وخصوصًا هناء. تتوقّف عند شخصيّات الجيل القديم، فتشير إلى هاشميّة زوجة حمدان، وترسم شخصيّتها في المشهد عبر علاقتها اليوميّة بصديقتها شكريّة الساكنة معها في بيت مؤجّر واحد، والحافظة أسرارها والمتقاسمة وإيّاها التنظيف اليومي والثرثرة الصباحيّة، وزيارة الدرويش من أجل المساعدة في إنجاب الصبيان. تستعرض الكاتبة الحالة الاجتماعيّة المزرية لها ولعائلتها بسبب التجريف الأوّل الذي تعرّض له حيّها القديم، وانتقالها إلى غرفة بائسة في حيّ الطوبجي، بعد أنْ قامت إحدى النساء بالإشفاق عليها بتوفير صريفة لها ولعائلتها، والمأساة التي حلّت بها لاحقًا عند وفاة زوجها حمدان بالسرطان. لم تستحوذ هاشميّة على المشهد كثيرًا بخلاف شكريّة التي تلعب دورًا واضحًا في أحداث (برج العقرب)، سواء من حيث علاقتها بهاشميّة، أو من حيث الريبة والتوجّس من مواقف وتصرّفات كلّ من جاسبيّة التي أغرتهما بزيارة الدرويش الساحر، وأمّ جاسم التي تحاول التقرّب من ابنها صالح والتدخّل في شؤون عائلتها، وصبيحة الساحرة التي تفرض إرادتها على صفيّة. تصف الكاتبة بنات شكريّة التي تحاول إنجاب صبي، فتكتب: كان بعض من هؤلاء البنات الجميلات المهجّنات من تزاوج أبوين لا يمتّان لبعضهما بقرابة"، وتصف إحداهنّ ب"النحيفة الشقراء" والأخرى ب"السمينة السمراء"، أمّا البكر فقد تركت الدراسة المتوسطة و"التحقت بالعمل ككاتبة في إحدى دوائر الدولة" من أجل مساعدة أبيها غسّان. يرتبط أحد الجوانب الاجتماعيّة لشخصيّتي شكريّة وهاشميّة بشماتة جاسبيّة، وابتزاز المشعوذ لهما، ليعكس بذلك بعدًا نفسيًّا يستند إلى إحساس الصديقتين بالريبة والصدمة والخوف من الابتزاز والفضيحة، والاعتقاد بأنّ جاسبيّة تريد الإيقاع بهما عبر دفعهما إلى زيارة الساحر، ردًّا على وصف الاثنتين لها ب"المومس". تفاجئنا الكاتبة بولادة ابنين لشكريّة، هما (صالح ومراد)، وإشاعات جاسبيّة حول التشكيك بأبوّتهما، والإشارة إلى دور الدرويش في الإنجاب. تبدو شكريّة من الناحية الاجتماعيّة كثيرة الاهتمام بعائلتها على الرغم من عدم تعلّمها، ولاسيّما بعد توجّه بناتها وابنيها إلى بعض المؤسّسات البغداديّة للدراسة أو العمل أو الخدمة، وبعد وفاة زوجها واعتلال صالح، وقيام هناء وزكيّة بمساعدة العائلة، إلّا أنّ الفقر وثقل الحياة على شكريّة تركا وراءهما قلقًا وحسرة وألمّا، وحدّة مزاج وعصبيّة، الأمر الذي أدّى إلى اختلاق شكريّة للمشكلات، وتحوّلها من "أم رؤوم خانعة إلى امرأة ذات قلب حجريّ، تسوق بناتها بعصاً غليظة"، ولكن أيضًا إلى عزيمة بتجاوز المصاعب وطرد شرور أمّ جاسم وجاسبيّة وصبيحة عن حياة أفراد العائلة.

أمّا جاسبيّة فتصفها الكاتبة بأنّها شابّة في الثلاثين من عمرها، وجميلة بشكل "كافر"، ملابسها "زاهية" وعطرها "فوّاح"، وذات سنّين ذهبيين، وزينة وجهها صارخة بالمساحيق، يرتبط البعد الاجتماعي بسمعة جاسبيّة السيّئة، والإشاعات التي تدور حول علاقتها بالرجال الغرباء الذين يزورونها، والكلام عن "معاشرة حمدان" لها، ومقتلها على يده، أمّا البعد النفسي فيتحدّد بسلوكها المستند إلى "التفنّن" بالمجاملة، وتصّرفاتها المريبة المثيرة للخوف. تدخل أمّ جاسم كذلك في المشهد عبر حشر أنفها في حياة عائلة شكريّة، ومحاولة التقرّب من صالح العليل، وإقامة حلف بينها وبين جاسبيّة ضدّ شكريّة، لينتهي بها المآل إلى الطرد على يد حمدان.

ومن الشخصيّات النسائيّة الأخرى المثيرة للاهتمام حرّيّة، وتصفها الكاتبة بالسمراء "ذات الملامح الفاتنة"، و"الأسمال الباليّة" المتّسخة، و"الرائحة العطنة"، و"المعتوهة" و"المظلومة"، وأنّها "ابنة عائلة فلاحيّة، غادرت ريف مدينة العمارة، هروبًا من عبوديّة الإقطاع"، وجاورت هاشميّة وبدريّة وشكريّة في الحيّ، كما "تزوّجت من صاحب دكّان صغير لبيع السكائر والحلويّات". تصف الكاتبة كذلك ابنها القتيل جبّار ب"الشاب الوسيم والطالب حادّ الذكاء"، وتتوقّف عند ابنتها الشابّة التي "قتلت ببربرية على يد مجرمي عشيرتها"، بعد هروبها "مع عشيقها تخلّصًا من زوجها المسنّ، تاركة وراءها أربعة أطفال "يفترشون الشوارع". يدور الحدث إذًا حول معاناة حرّيّة وزوجها، واستمرار معاناتهما في الأوضاع الجديدة، وتعكس مأساتها الاجتماعيّة وفقرها بعدًا نفسيًّا مؤلمًا، بسبب فجيعتها وفجيعة زوجها بمقتل ابنتها وابنها جبّار، وتعرّضها إلى صدمة سابقة، بقيام زوجها بالزواج من امرأة أخرى، ودورانها في الحارات على غير هدًى، و"سخرية الأطفال" منها. أمّا صبريّة فتصفها الكاتبة بأنّها "فاتنة وسمراء فارعة ممتلئة"، و"عطرة برائحة الحنّاء والمسك" وذات "ضحكة ترتعش لها فرائص الرجال"، الأمر الذي يجعلهم يقعون في "شراكها"، بينما تمرّ مرورًا عابرًا أو ثانويًّا على شخصيّات نسائيّة أخرى، مثل بدريّة زوجة نعيم، والمرأة الأرملة التي قامت بتأجير بيتها إلى عائلتي حمدان وغسّان، والعجوز المسنّة التي تملأ البيت برائحة تبوّلها "العطنة"، وأمّ صبيحة الساحرة، والساحرة مساعدة الدرويش، وجدّة هناء، والغجريّة التي تقوم الكاتبة بتوصيف حالتها من خلال دورانها في الحي وضجيجها واحتيالها من أجل جمع المال، وذلك ب"الضرب في موضع الضعف من النساء"، وقراءتها للطالع وادّعائها بطرد الجنّ من ثياب العانسات، وإمكانيّاتها بتزويج البنات، والوقوف بوجه الضرائر.

تقدّم الكاتبة في (برج العقرب) أيضًا شخصيّات شابّة من الجيل الجديد، ومنها هناء على وجه الخصوص، عبر التوقّف في البداية عند درس الزمن "الأوّل الثمين" لهذه الفتاة اليافعة الذي ستصل مع الوقت إلى أجوبة لتساؤلاتها المتعلّقة بأشواق وأمّها جاسبيّة وأمور أخرى، وعبر عدم فاعليّتها في البداية باستثناء كونها "جاسوسة" لا يتجاوز دورها تقديم "المعلومات" لأمّها، إلّا أنّ موقفها يأخذ بالنمو والتطوّر بمرور الزمن، وإنْ كان ليس مرحليًّا، متفاعلة مع أختيها زكيّة وصفيّة، وأخويها صالح ومراد، وأمّها شكريّة وأبيها غسّان، فضلًا عن عمّها حمدان وزوجته هاشميّة. تتناول الكاتبة كذلك ولع هناء الطفولي بابن الأرملة "الحبيب حسين شقيق صديقتها نجاة"، ومواقفها الرافضة لصبيحة وأمّ جاسم وجاسبيّة، ثمّ تركّز على شخصيّتها الناضجة لاحقًا. ينعكس البعد الاجتماعي لهذه الشابّة على تصوّراتها وسيكولوجيّتها في الآن ذاته، وتستعرض الكاتبة الحدث المرتبط بنضجها ووعيها، وإنْ لم يكن مقنعًا تمامًا، ففي الوقت الذي تركّز على هذه الشخصيّة بأنّها "نضجت... على نار وقودها الفقر"، وعلى تساؤلاتها وقلقها على عائلتها – زكيّة وصالح من تصرّفات صبيحة وأمّ جاسم، وذكرياتها المرتبطة بالسخلة وحمليها، يشعر المتابع أنّ هذا النضج المتمثّل بالدراسة الجامعيّة و"الهوس" في "دراسة فلسفة الحياة" والمرجعيّة العائليّة في حل المشكلات، والعلاقة مع الأستاذ الجامعي، جاء سريعًا ومفاجئًا، بسبب القفز على الأحداث ووروده بدون مقدّمات. فهي، في الحلقات السابقة كانت على سبيل المثال مجرّد صبيّة مراقبة، وإذا بها تصبح في الحلقة الأخيرة "سفراً مشهوداً لعائلة نُحتت عليه بخط مسماري كل عواتي الزمن الذي أعطاها عمراً أكبر منها"، كما نجدها تطّلع "على جديد الكتب والإعلام والفن والسينما"، وتصبح رمزًا يسم "سحنتها بسمرة معجونة من طين دجلة ومسك أرض العراق". يظهر الوضع الاجتماعي الجديد لشخصيّة هناء بهذه الصورة المرسومة لها من قبل الكاتبة، أي الحياة الجامعيّة الجديدة، واهتماماتها العميقة، وتأثيرات الماضي على تصوّراتها الجديدة، لتتشكّل بذلك سيكولوجيّتها الجديدة، المتّسمة بالقلق على عائلتها وعزيمتها لحل مشكلاتها، وطموحها في إيجاد طريق ناجع لحياتها، وتعويض حنان الأبوّة بمعرفتها ب"مدرس جامعيّ أرمل وسيم يكبرها بأكثر من عشرين سنة"، ونسيانها الدور السلبي الذي قام به أستاذ جامعي آخر إزاء علاقة أخيها مراد بأشواق. تتابع الكاتبة حياة هناء بعد نضجها، عند التطرّق إلى الأحداث التي مرّت بعائلتها جرّاء وفاة أبيها ومرض أخيها صالح، وزفاف شقيقتيها زكيّة وصفيّة، ويسبغ هذا الأمر لونًا خاصًا على حياتها وعلاقاتها وذكرياتها، وتترك أحداث الحيين اللذين ترعرعت ونمت فيهما، آثارًا عميقة على حياتها العائليّة والشخصيّة والأكاديميّة، خصوصًا بعد أنْ أصبحت "مركز اهتمام عائلتها". وبقدر ما  تضعها الكاتبة في جوّ فلسفي ينطلق من الصراع بين الشكّ واليقين، وفي إطار ما تعكسه الكتب الفنّيّة والأدبيّة والأفلام الإيطاليّة على حياتها، فإنّها تتوقّف عند تساؤلاتها المتعلّقة ب"النقاء الروحي" الذي تبحث عنه نساء الرذيلة عبر تحوّلهن إلى راهبات في الأديرة. تتشكّل شخصيّة هناء إذًا من خلال صراع داخلي يمور في أعماقها، بين ظروف حياتها والأحداث العائليّة والشخصيّة وذكرياتها في الحيّ الفقير، وبين ظروف حياتها الجامعيّة الجديدة، واعتقاد زملائها بأنّها أرستقراطيّة. وقد خلّفت الأحداث في نفسها شعورًا بالحزن والألم والاكتئاب من جانب، والتأمّل والثقة بالنفس من جانب آخر. تنتهي الأحداث المتعلّقة بهناء على وقع هذا الصراع والتناقضات والذكريات والآلام التي تتجاذبها، ومضيّها "في طريق البحث عن الحقيقة"، وحبّذا لو كان تكثيف السرد حول هناء في خاتمة الحلقات قد جاء كذلك في حلقات سابقة أخرى، أيْ عبر متابعة تطوّرها كصبيّة مراقبة، ومن ثمّ شابّة متعلّمة ناضجة، فمثقّفة واعية وواثقة من نفسها.

تظهر في "البرج" كذلك شابّات أخريات، مثل نجاة والصبيّة العليلة عنبر أخت الساحرة صبيحة، وتأخذ الأخيرة دورًا واضحًا فيه، فهي، مثلما تصفها الكاتبة، امرأة شابّة نحيفة ذات "شعر مصفّف" بدون اعتناء أنثوي، و"ذات نظرات مخيفة" وغريبة الأطوار، وفضوليّة، وهي كذلك شاحبة، ولها "عيون متعبة دون أهداب"، و"أسنان صفراء". تظهر غرابة أطوار صبيحة عبر علاقتها بصفيّة وانقياد الثانية لها، وإقحام نفسها فيما لا يعنيها من أمور ترتبط بعائلة أمّ صالح، ولاسيّما مسألة خطبة صفيّة من قبل أحد الموظّفين. أمّا زكيّة ابنة شكريّة فيرتبط الحدث بخطبتها من شمخي ابن تاجر القماش وحبّ الأخير لها، وعدم اكتراثه بسنيّة المراهقة ابنة أمّ جاسم، بينما تبقى صفيّة ابنة شكريّة في "استلابها". تبرز في مشاهد "البرج" كذلك الشابّة أشواق ابنة جاسبيّة، وتصفها الكاتبة ب"الجميلة جدًّا" و"الفتاة ذات الشعر الطويل الفاحم والملفت للنظر"، وتمرّ على علاقتها بزميلها في أكاديميّة الفنون مراد، والحبّ المتعثّر بينهما بسبب ما أُشيع عن أمّها، وتدخّل أحد المدرّسين في قسم التمثيل بإفشال هذه العلاقة، مثلما ذكرنا سابقًا، كما تبرز أشواق في مشهد الخروج من مأساة مقتل أمّها لاحقًا بتطوير معارفها الفنّيّة وعرض أعمالها، واستخلاص الدروس من ألاعيب أمّها المقتولة. يبدو في النصّ أنّ أشواق غير مكترثة أو غير متفاجئة بهذا الحدث الذي أصاب أمّها "بعد أنْ عاشت معها في عوالم غريبة وموحشة"، بحيث أخذت الكاتبة تجد لها مخرجًا يساعدها على دراسة "الفنّ الحقيقي" انطلاقًا من هذا الواقع "لكي تبرع في تجسيد مآسي المرأة التي تتلقّفها طرق الرذيلة، بعد انغلاق أبواب الحياة الكريمة أمامها"، وبذلك تكون الكاتبة قد اختصرت مسافات غير قليلة، وقفزت على الأحداث لتضعنا في سرد متسارع أمام فنّانة تقيم نشاطات فنّيّة غير قليلة.

تعزّز الكاتبة الحدث وصورة الشخصيّات ببعض الأمثال الشعبيّة العراقيّة، والعادات والاعتقادات الموروثة في المحيط الاجتماعي الريفي والمدني، وتستعين بعض فئات مجتمع الأحياء الشعبيّة في "البرج"، وخصوصًا الجيل القديم، بموروثاته القديمة من عادات واعتقادات، على الرغم من تواصله بهذه الدرجة أو تلك مع الأوضاع الجديدة. تذكر الكاتبة، على سبيل المثال، عادة عراقيّة معروفة تتمثّل بالنوم على السطوح أيّام الصيف اللاهبة، وما يترتّب على ذلك من رفض اجتماعي لقيام بعض الرجال بالنظر إلى سطوح الجيران، وتكتب عن الأعراف المتّبعة في التكافل بين بعض الفئات الاجتماعيّة أو بين النساء الجارات، والعادات بين الشباب بالتخاطب عبر أسيجة المنازل بقصاصات ورقيّة، وعن الاعتقاد بالسحر والشعوذة من قبل عدد من النساء غير المتعلّمات بقراءة الطالع وزيارة الأضرحة وإعطاء النذور لجلب الحظوظ، وتجريب السحر. تشير الكاتبة كذلك إلى بعض العادات المعروفة التي يقوم بها المشعوذ والغجريّة مثلًا، وما يرتبط بذلك من زيّ وحلي فولكلوريّة وأبخرة وتحضير مزعوم للأرواح والجنّ، فضلًا عن عادات شعبيّة أخرى يميل أغلبها إلى الريفيّة منها شقّ النساء لعباءاتهنّ حزنًا على الميّت، والعويل واللطم على جثّته، بما في ذلك قيام بعض الرجال بلطم وجوههم، وتأنيب النفس عند ممارسة بعض الطقوس الدينيّة الحزينة. تستعين الكاتبة أيضًا باعتقادات مرتبطة بالأفاعي، حيث تذكر عند الحديث عن هناء أنّ "مرور الأفعى بالقرب منك دون أن تؤذيك، هو مؤشّر على أنّك ستنعمين بعمر طويل"، أو الاعتقاد ب"نعيق الغراب" كنذير شؤم، وحليب السخلة أو البقرة كقوّة مانحة للشفاء. تعكس هذه الاعتقادات اهتمام الشخصيّة البسيطة أو الجاهلة بالحكايات الخرافيّة، واستعانتها بسحر المشعوذين، خشية من الجنّ، ودفعًا للوساوس التي تراودها بسبب ما يُشاع حول ذلك.

لقد عكس (برج العقرب) في حلقات جزأيه الزمنيين كفاءة كتابيّة لمشروع أدبي محدّد، يصوّر الشخصيّات، ولاسيّما النسائيّة، وشكريّة وعائلتها على وجه الخصوص، واهتماماتها ومعاناتها، قياسًا بالشخصيّات الرجاليّة، التي مرّت هنا واختفت هناك كثيرًا، مثل حمدان وغسّان ونعيم، في الوقت الذي أخذت أسماء أخرى دورًا واضحًا في صنع الحدث، مثل أبي جودة "الدرويش" وصالح ومراد. تواترت أحداث "البرج" في ثلاثة أمكنة ببغداد، إلّا أنّها تبقى بحاجة إلى إزالة بعض الالتباس من الناحية الاصطلاحيّة، والتدقيق في رقعتها الجغرافيّة، سيّما إذا عرفنا أنّ المكان هنا ليس افتراضيًّا، وأنّ تحديده بشكل دقيق يمتلك أهمّيّة كبيرة في الأعمال الواقعيّة التسجيليّة. من ناحية أخرى، على الرغم من أنّ الكاتبة كانت واضحة في تحديد زمني الأحداث، وتخصيص ثلث حلقات "البرج" لستّينات القرن العشرين، وثلثيها للسبعينات منه، إلّا أنّها أبقت على الفترة الثانية مفتوحة، ولم تتّضح نهاية لها بشكل جلي. قدّمت الكاتبة شخصيّات "البرج" من خلال سرد واقعي مفصّل لأحداث شعبيّة في أكثر من حيّ شعبي جنوبي الانتماء مرتبط بها، يستقّر رويدًا رويدًا في المجتمع البغدادي، وإنْ بدت التأثيرات البغداديّة في الأوّل منها قليلة على وجه الخصوص، واغتنى العمل بأحداث دارت في أوقات استفادت من متغيّرات الواقع العراقي وتناقضاته.

عزّزت الكاتبة صورة الشخصيّات النسائيّة الرئيسة من "الجيل البالغ" فيه بشكل بارز، سواء من حيث علاقتها بشخصيّات رجاليّة ونسائيّة ثانويّة أو هامشيّة أو عابرة، وبشخصيّات من "الجيل الشابّ" وخصوصًا التلميذة هناء، عندما جعلتها شاهدًا غير فاعل على الأحداث، فواعية مثيرة للانتباه وصانعة لها مع مرور الوقت، كما أعطت الانطباع للدور الكبير الذي لعبته الشخصيّات في منظومة القيم والعادات والتراث الشعبي والديني، والتحديات التي واجهتها في الانخراط في الحركة اليوميّة للأحداث المتغيّرة. عبّرت نصوصها أيضًا عن إمكانيّة فنّيّة وتوثيق موضوعي "تسجيلي" لحياة حافلة بالمتناقضات، ولاسيّما بين واقع قديم بموروثه الشعبي وعاداته، وآخر بغدادي جديد يختلف مع سابقه في هذا المنحى أو ذاك، وإنّْ أخذ التأثير مجراه بشكل تفاعلي بين حياتي الريف والمدينة، الجنوب وبغداد، وتشابكت القيم هنا (وهو الأقلّ)، أو تنافرت هناك (وهو الأكثر).

هناك ملاحظات عامّة تتعلّق بالشخصيّات في حلقات (برج العقرب)، منها سيادة شخصيّة معيّنة وغياب شخصيّة أخرى بشكل مفاجئ على الرغم من أهمّيّة كلّ منهما، كالمرور على حمدان وغيابه فجأة ولفترة طويلة حتّى موته في الحلقة ما قبل الأخيرة، وبقاء زوجته هاشميّة متواصلة نسبيًّا، وإنْ كان ذلك في حلقات بعينها، وغيابها في حلقات أخرى أو المرور عليها بشكل عابر. هناك أيضًا تركيز على عنصر مهمّ ما مرتبط بالشخصيّة وغياب عنصر مهمّ آخر، بلْ و"نسيانه" لفترة غير قصيرة، أو "سكوت طويل" عن بعض الأحداث، ومنها الحدث المرتبط بأبوّة صالح ومراد المشكوك بها، واتّهام الدرويش أبي جودة بأنّه الأب الفعلي لهما، الأمر الذي انتظرت الكاتبة فترة غير قليلة للتذكير بهذا الحدث من جديد، وعودته بشكل مفاجئ بعد حلقات كثيرة. الأمر يسري أيضًا على هناء وعلاقتها ب"دورة الزمن" ومسألة تحوّلها من مراقبة على الحدث إلى فاعلة فيه، فهي أيضًا تغيب في حلقات، أو تكون هامشيّة في أخرى، وتصبح في نهاية الحلقات "مؤهّلة ومتعلّمة تعليمًا عاليًا وذات معارف كثيرة في حقول شتّى"، وكنت أتمنى لو أنّ الكاتبة قامت بتسليط الضوء عليها عبر متابعة تطوّر شخصيّتها وتأهيلها مرحليًّا لا "مفاجئًا"، وتبدو هذه الحالة شبيهة بحالة أشواق ولو بدرجة أقلّ.

لقد نجحت الكاتبة في رسم صورة لشخصيّاتها، وتقديمها إلى القارئ بحلّتها الشعبيّة العراقيّة، وإيصال أفكارها إلى القارئ بدقّة ويسر بشكل مباشر، كما برزت أهمّيّة الموضوع المطروق في الحلقات في تبصير القارئ بحياة هذه الشخصيّات والطبقات المسحوقة في أحياء فقيرة مسحوقة، بما في ذلك هواجسها وشكوكها بعد التجريف، والصراع بين ما حمله الفقراء القادمون من معتقدات وعادات معهم وبين الواقع البغدادي الجديد، وقد استخدمت الكاتبة عناصر من التراث الشعبي، وتفاعلات نصّيّة "تناصّات" لتعزيز تصوّراتها، وإنْ كان ذلك قليلًا.

لقد تحرّكت الكاتبة في حلقات "البرج" بثقة باستخدام سرد مفصّل لأحداث شعبيّة في أحياء شعبيّة، وبتأثيرات بغداديّة تبدو قليلة، وأحداث تدور في زمن يعود إلى التأثيرات الواقعيّة وانتشارها مستفيدة من إرهاصات التغيير بعد الحرب العالميّة الثانية، وتطوّر المدرسة الواقعيّة، ومنها الاشتراكيّة، وإنْ بقيت بعض النصوص بحاجة إلى التكثيف أكثر من السرد الميكانيكي. عبّرت حلقات "البرج" عن رؤية الكاتبة لمشروعها ذي الخاتمة المفتوحة، إذْ يبدو هذا الأسلوب وكأنّه يتعامل مع كلّ حلقة ككيان ذاتي نسبيًّا، على الرغم من وجود خيوط رابطة بين الشخصيّات، ويبدو أنّها حرصت أنْ تكون كذلك، متأثّرة بهذا النوع من الأساليب في الأعمال السرديّة العالميّة، فقد نجد أحداث حلقة ما وحركة شخصيّاتها لا تتواصل مع أخرى بشكل مباشر، كما أعتقد أنّ صدور العمل كرواية أو نصّ واحد سيعطي صورة أكثر وضوحًا لأسلوب الكتابة، كقصّة طويلة أو رواية.

من جانب آخر، أرى من المفيد أنْ تقوم الكاتبة بضبط الأسماء، وتنقية العمل من الشوائب المطبعيّة والإملائيّة واللغويّة، وإعادة صياغة بعض العبارات والجمل في الحلقات أسلوبيًّا، و"ترويض" اللغة الفصيحة كي تعكس حالة التباين بين قدرات المتحاورات والمتحاورين، وتحاشي الخطاب الإنشائي، وذلك من أجل النهوض بالعمل لأهمّيّته قبل نشره في كتاب واحد. يمكن القول أخيرًا، إنّ الكاتبة ساهرة سعيد، على الرغم من الملاحظات المذكورة أعلاه، قد استطاعت من إيصال أفكارها إلى القارئ بوعي معرفي يحترف الكتابة المنتجة بآليّات واضحة، ونجحت في صياغة مشروعها الإبداعي الجديد هذا بشكل سليم.

 

بقلم: عدنان عبّاس

.....................

* تُنظَر حلقات (برج العقرب) الثلاث والثلاثون على صفحة الكاتبة ساهرة سعيد في الفيسبوك.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5062 المصادف: 2020-07-15 13:21:11