 قراءات نقدية

المثقف بين الانتماء والاغتراب

تعتبر رواية خمسة أصوات (النموذج الفني الأكثر تعقيداً)(1) وذلك لازدواجية الوعي والايديولوجية، لوجود وعي لخمسة أشخاص مع أفكارهم المتعددة أيضاً على خط متوازٍ، فالمؤلف وأبطاله يمارسون الوعي (وعملية الوعي) مع أنهم أصحاب مذهب آيديولوجي كلهم، ولكن مما يجعل المؤلف يفترق عنهم أنه وعياً داخل الوعي بمعنى أنه يحمل وعيه هو ووعي أبطاله، ولكن وعي غائب، وغائب نفسه لا يتجادل مع أبطاله ولا يتفق معهم. إنه لا يتحدث معهم بل عنهم مع أن كل واحد منهم له وعيه المواز للآخر، وهذا ما يقوله باختين بخصوص هذا [مؤلف الرواية المتعددة الاصوات مطالب لافي أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما أن يتوسع إلى اقصى حد أيضاً في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادراً على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق](2).

وهي في الأصل منولوجات مستقلة وواضحة و (ان هذا المونولوج حاسم لانه يبدو ان كل شيء في الرواية قائم عليه او منبعث منه)(3)، لذا سميت بالاصوات، كل صوت له تجربته الخاصة به وله تفكيره وشخصيته وله طابعة الخاص به، وصراع الاصوات الايديولوجية في أساس الشكل الفني للرواية وفي أساس أسلوبه.

وأبطال غائب يشتركون جميعهم… في صفة واحدة هي أنهم يحملون الوعي المأساوي بواقعهم وبالحياة، ويحاولون الخروج من مفهوم الواقع للانطلاق نحو الواقع المفهوم – وهذا يمتلكه المؤلف – المستمر بذاته في انسيابية كثيفة وتنحية الافكار اللاعقلانية اللاواعية، لكنها تبقى افكار مثقفين – برجوازيين لم يتجاوزوا الحاجز النفسي المصنوع من خيوط اللاتجربة العملية بالحياة والانحدار الطبقي واستيعابهم للمضمون الاجتماعي لم يكن كاملاً لذا لم يصبحوا اناساً كاملين، ولم يستطيعوا خلق العالم بصورة حقيقية، لذا كان عليهم الاصطدام بطريق مسدود. معاناتهم لم تصل الاعماق رغم انها حقيقة بل تتحرك ضمن دائرة المحافظة على توزان طرفي الخيط.

إن (خمسة أصوات) رمز لازمة المثقفين التي عانى المثقفون العراقيون في الخمسينات منها لانعدام الحريات وللحالة الاقتصادية المتدهورة والاجتماعية المختلفة ولا يجمعهم في هذا الوسط المديني سوى البؤس والفقر والتذمر وليس لديهم تصور شامل للتغيير ولا تصور سياسي ذو وزن متبلور رغم امتلاكهم لثقافة رصينة.

ففي رواية (النخلة والجيران) كانت الشخصية المحورية هي المجتمع العراقي اما في (خمسة اصوات) فالشخصية المحورية هي شريحة المثقفين البرجوازية الصغيرة والمتبرجزة الصغيرة رغم تناول غائب طبقة الفقراء ومواقعهم وبيئتهم لكنهم يظلون خلف الصورة المرسومة.

أما الطريقة السردية التي يتبعها غائب في الرواية فهي الانتقال من شخصية إلى أخرى ولكل منها فصل مستقل، ولم يتدخل غائب فيها وظهرت وجهة نظره متخفية غير ظاهرة مما أتاح الحرية الكاملة لشخصياته، لذا بقينا نسمع في الرواية خمسة أصوات او منلوجات داخلية أصبحت المحور الرئيسي لها، مكونة التحاماً بنائياً متجانساً في فصولها.

والرواية تتكون من سبعة وثلاثين فصلاً كل فصل باسم شخصية طارحة وجهة نظرها باستثناء فصلين تلتحم فيهما الاصوات الخمسة التحاماً فنياً مذهلاً يبرز فيهما السرد المتداخل(*) بوضوح، والفصلان هما السادس عشر والفصل الاخير حيث تتزاوج فيهما الرؤى ووجهات النظر وهذا ما تميز به غائب من اسلوب السرد المتداخل، ويذكرنا هذا البناء الفني للرواية بمبدأ تعدد النغمات وتداخلها في الموسيقى.

إن غائب قد استفاد من تجارب روائية عربية وبشكل خاص من رواية نجيب محفوظ (ميرامار) من حيث تعدد الاصوات فقط، ونحن لانقول بانها استفادة حرفية او مطابقة تامة، لا فكل رواية لها وشمها الخاص بها، ولها اسلوبها وبناؤها الروائي.

والملفت للنظر، وهذا يجب ان يوضع بالحسبان بانه لايوجد صوت نسائي ابدأ لدى غائب في هذا الرواية. انها رواية متعددة الاصوات رجالياً، أي عالم رجالي، والنساء فيها مهمشات او في مواقع دون الثانوية، صورهن تخطيطات شاحبة باهتة مظللة بظلال قاتمة لاتنفذ منها الالوان، سطحية لان (كل فتاة عراقية تقضي اغلب عمرها حبيسة الجدارن) ص34، ومسحوقات اجتماعيا ونفسياً، بينما نشاهد ان هذه الصورة تتغير وتكون اكثر انفتاحاً ومشاركة اجتماعية للمرأة في رواية (المخاض)، التي يعطيها المؤلف حرية اوسع كمشهد حفلة الوكالة. والسبب في هذا هو تطور الوضع الاجتماعي – الاقتصادي للمرأة العراقية نسبياً بعد ثورة 14 تموز.

هذا بينما المثقف العراقي يعيش بين نقيضين، حالة الانتماء والاغتراب في وقت واحد، فالانتماء لدى المثقف العراقي هو بالضرورة يعني التغيير، يلازمه شعور حاد بالاغتراب بسبب ما يحيط به، أي عدم التمكن من الاندماج والتآلف مع المجتمع فيكون وهذه الحالة "المنتمي المغترب".

ومن هذا الفهم والتصور لرؤية فرمان نستطيع الاحاطة بشخصيات الرواية الخمس المثقفيين او نتوغل في دواخلهم باضاءة جوانب كثيرة معتمة فيها، واستخراج طروحات مبعثرة موجودة بين الكلمات ولتزداد قرباً وتحسساً لسبر أغوارها الدفينة وللدخول إلى الدائرة ذات البوابات النصف مواربة والنصف مضاءة.

من هنا تتدفق الرواية بالتفاؤلية والسوداوية والسخرية والادانة الصريحة لوضع قائم ولتتحول مشكلة المثقفين الخمسة الحياتية ومعاناتهم اليومية لتصبح هموم وطن أوسع وأعمق يتسم بالقلق المسكون المترقب، ولازاحة استار الذات والموضوع ولاستئصال زوائد الداخل والخارج وللتواصل بين الجزء والكل، هكذا تكون قراءة الواقع في الرواية لينبثق منها قراءة رواية من الواقع.

يقول غائب عن رواية (خمسة أصوات):

(اما "خمسة أصوات" فهي ايضاً مرحلة من المراحل التي ارتبطت بها حياتي، فمرحلة 1954 القوية لاتخفي أهميتها بالنسبة لتاريخ العراقي أحسست ان أعبر عن فترة قوية وحساسة في تاريخ العراق)(4). ان البوابة العريضة التي نلج منها للرواية هي بوابة السياسة ولايمكن ان نسلخها عنها والا جاءت كالرأس المقطوع، وليس من الممكن استخلاص رؤية جدلية صحيحة لزمنها الواقع دونها، فلقد تركت ظلالها على مداخل ومخارج الرواية رغم تحيز غائب لعلاقة الخارج المحكوم بالنص المتحرر الخاضع للجدل المفتوح بين النص والتاريخ اكثر من علاقة الداخل المحكوم بالنص المقيد الخاضع للجدل المغلق بين النص وذاته.

ومن خلال هاتين العلاقتين، علاقة النص المتحرر المفتوح على التاريخ بالنص المقيد المغلق على الذات تنشأ علاقة جدلية بينهما وهي ما أراده غائب من أن لا تطغي ولاتنفي جمالية العمل الادبي.

البعض من النقاد حاول ان يطبق عليها تنظيراته النقدية الغربية على وفق قياسات قسرية، لتأتي النتيجة تجريدية مفرغة من محتواها الإنساني لذا نقول ان أي ابتعاد عن هذا الجانب المهم الا وهو الجانب السياسي لتلك (المرحلة) يكون حكماً نقدياً غير رصين ومجحفاً في حق العمل الادبي والتاريخ، خاصة ان (لسنة 1954 في تاريخنا السياسي والثقافي خصوصية و (كثافة) لاسباب معروفة)(5).

ينسحب هذا على الاصوات – الخمسة المثقفة التي تعيش حالتين غير متوازيتين، الحياة الفكرية / الحلم والحياة العملية / الواقع وما بينهما من صراع وتناقض وتطلّع والمواقف المتباينة ازاءهما وأول الشخصيات (سعيد) شخصية ايجابية ملتزمة لكنه متردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، وخجول تعوزه (الثقة بالنفس) ص25- كما يصفه ابراهيم – وأنه (لايدير شيئاً ولايحل اصغر مسألة) ص20، وسط هذا الواقع / الحلم تاه وبدأ يبحث عن نفسه (لو أعرف من أنا؟) ص115، وتفاءله بالشعب العراقي لاحدود له لكنه تفاؤل ساذج ورؤية ثورية مغرقة بالرومانسية لاتخضع لأسس موضوعية: (لماذا لم تتحسن حياة الشعب العراقي بشكل بناسب تذمره، فالتذمر كما يقولون أول خطوة نحو التغيير، والتذمر كان عنوان الشعب العراقي. ومرضه منذ البداية) ص26.

ورغم ان سعيد يعمل في احدى الصحف الوطنية المعارضة للسلطة الرجعية، الا انه خير من يمثل شخصية وهموم ونفسية البرجوازي – الصغير في تطلعاته ومواقفه وهمه هو أنه: (مهدد دائماً، وأعيش ثقافياً على ما يرسمه الآخرون لي، وأحاط بالممنوعات والمحذورات، والحكام ينظرون إلي كمشبوه) ص56.

ومحاولاته تباء بالفشل في اصلاح ذات البين بين حميد وزوجته وهذه المحاولة تأخذ حيزاً كبيراً من بداية الرؤية حتى نهايتها.. بحيث تصبح مشكلته هو .. من دون أن يدري تكون معه في البار في الجريدة.. وهذا يعطينا دلالة على أن سعيد مفرط في حساسيته تجاه الاحداث والمواقف وتنتهي بموت الطفلة وطلاق الزوجة ورحيل سعيد الى …

وفي الفصل الاخير… يفصح سعيد عما يعتلج في نفسه من قهر واضطهاد في حديثه مع أمه عن الوضع العام في العراق وهو يشكل ذروة ايجابيته.

(لماذا يتدخلون هم ويحكمون ولانتدخل نحن?) ص296.

ويعزز ذلك سفره أو هجرته نحو الداخل نحو البحث عن الهوية الحقيقية لإنسان سحقته الظروف الاقتصادية والاجتماعية ثم السياسية الرجعية.

قد يتساءل قارئ الرواية لِمَ لمْ يبق سعيد في بغداد / مدينته ومع اصدقاءه للوقوف والتصدي لكافة الظروف كما تصدى للفيضان. أهو جبان حقاً كما يقول عنه عبد الخالق ام شجاع لاتخاذ قراره الحاسم؟.

هو هارب ام مناضل يترجح بين الاختيار والضياع؟ أم يود أن يتحرك ويحطم الجمود الجاثم على حياته؟.

الصوت المتميز والمتوازن والاكثر عقلانية وايجابية هو (ابراهيم) الصديق المقرب لسعيد الذي يعمل معه في صحيفة (الناس) ذاتها نائب رئيس تحرير بينما سعيد مسؤول عن صفحة شكاوي الناس أي المسؤول عن المنبر الحر لقضايا الشعب الآنية، ويتعرف بنا ابراهيم في الفصل الثاني من الرواية، وهو متلبس للخروج من دائرة اللا استقرار وللدخول إلى دائرة الاستقرار، لبناء اسرة واتخاذ زوجة ليتدفأ بحضنها مستعيضاً عن دف الخمرة. (سيتزوج هو، سيخرج من خط بليقس، والسهر خارج البيت ويستعيض عن دفء الخمرة المحموم بدفء جسد إنساني) ص141-142. هذه النظرة البرجوازية المؤمن لها ابراهيم، تقابلها نظرة عملية – عقلانية عندما يقول ان (مشكلة المثقفين ليست القراءة بل معرفة الحياة) ص13، نظرة واقعية ومهمة في آن، فالاصدقاء الخمسة يشتركون جميعهم في خاصية (القراءة) بمعنى أنهم ينظرون ويتعاملون مع الحياة مع الواقع اليومي من خلال الكتب، لا من خلال الحياة وطقوسها المتنوعة، لذا فعندما تحتك هذه المفاهيم بـ الاغلبية تهتز(6).

انا لا اتفق مع الدكتور نجم عبد الله كاظم بأن ابراهيم يسعى و(يكافح من أجل تحقيق أهدافه … السياسية)(7)، فـ ابراهيم لديه موقف سياسي هو واصدقاءه، ولكن ليس التزاماً سياسياً، هذا الموقف نشأ نتيجة رد فعل لقراءتهم وظروفهم المادية، ولم نعثر من خلال قراءتنا للرواية بأن أي واحد منهم كان منتمياً لاي حزب سياسي قط، رغم ايمانهم بالتغيير، وخاصة ابراهيم فالتغيير لديه (يعني زوال السلطة) ص171، فهي (حماسة سياسية إلى التغيير)(8).

شخصية شريف شخصية متناقضة بينهما وبين العالم وبينها وبين ذاتها، له عالمه الخاص به جداً، له معبده الذي يتلو صلواته بمفرده به، عالم متوحد وهو (شخصية حسية واضحة المعالم، ومعروف جيداً أن هذه الشخصية الروائية تستلهم سيرة الشاعر الراحل حسين مردان)(9)، يعيش في العالم الذي اختلقه من الوهم: (أنا بودلير العصر) ص13 ص38.

والعالم الواقعي المحيط به أو المقذوف به حسب التعبير الوجودي لايعرفه الا من خلال النساء والشعر والخمرة وهو يقول (خلقت لأعربد كما فعل بودلير في زمانه) ص40.

والقارئ يحس بالأفكار الوجودية وتأثيرها على شريف حين يقوم بوصف الظلمة، التي تعني عنده الظلمة التي تتوجه إلى الداخل إلى ذاته الزاحفة من الخارج:(كانت تملأ حواسه، يشمها يتلمسها يحس بها كائناً حياً يزحف على جسمه)ص41، لايفصله عن العالم الا ستارة شبيهة بستارة عشيقته المومس صبرية وعند ازاحتها كأنما تزاح (عن كل قذارة العالم)ص43.

فهو الطفل – النقي غير الملوث بقذارة العالم والشيء الذي يربطه به هو بودلير وصبرية والعرق، رغم هذا فهو يشعر بوطأة العالم عليه الذي يجعله دائماً في حالة من السأم الثقيل (كان السام، هذا الحيوان الخرافي ذو الألف والسبعمائة ذراع يطوقه بقوة حتى يكاد يخنقه) ص120.

حتى تعامله مع الآخرين تحس به يتهكم به ويسخر مع مسحة لتأكيد الذات (الأنا) مع شعور حاد بالتفرد الحوار التالي الذي يدور بينه وبين صبرية المومس:

[- هل تعرفين بودلير؟

- اعرفه يمثل في سينما الحمراء. سمين مثلك

- كفرت ياخنساء

- ومن هو؟

- شاعر عظيم

- يعني ممثل.] ص93.

هل قام شريف برفض العالم؟ لا أظن ذلك وخاصةً كما قلنا سابقاً انه يعيش عالمين ومشدود اليهما بقوة رغم تفوق احدهما لذا فإن (البطل الذي يفترض أنه يرفض المجتمع لم يقم في الحقيقة الا برفض رؤيته)(10)، وهذا ما لم يؤمن به ، انما آمن بأن (الإنسان يعيش حياة واحدة فيجب ان يعيشها ممتلئة طافحة إلى الحافة بكل شيء)ص29.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية شريف في خطها العام من حيث تمردهما ولكن يختلفان في التفاصيل، شريف متمرد على الوضع العام برمته، لكنه اكثر انفتاحاً على ظلمته غير المتفاهم معها بينما حميد متمرد على وضعه الشخصي فالعام لايعنيه البتة أكثر انغلاقاً على وحدته المتفاهم معها.

و(حميد) الشخصية الرابعة (خفاش من خفافيش الليل، ملك متربع على عروش الحانات، ويسهر حتى الساعة الثانية عشرة.. وبعدها يهيم في الشوارع)ص18، انتهازي يفتقد الصراحة والوضوح والصدق يعيش في كذبة كبيرة من حيث تمثيله لشخصيتين مختلفتين، الأولى رب اسرة قاسي جدا بخيل عليها غير مبال بها بحيث يموت له ثلاثة اولاد ولايهتم ولا يرمش له طرف ولايعود إلى البيت الا في ساعة متأخرة جداً ويخرج مبكراً انه مأوى لقضاء ليله فقط. يعيش مع زوجته كـ (غريب) ، يقول لـ سعيد معللا ذلك:

(ما تسميها عائلتي ليست عائلتي، بل من مخلفات والدي الذي زوجني وأنا صغير) ص204.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية حسين في (النخلة والجيران) من حيث إنهما يخسران كل شيء حتى نفسيهما.

والثانية عازب، كريم، مرح، واقع في الحب يسهر حتى منتصف الليل، كل ذلك ينقلب عندما يعلم بأن سعيد يعرف سره بعد أن كانت حياته سراً وملكه الخاص (ولا أحد من اصدقائي يعرف أني متزوج) ص112 ، وأزمة حميد أزمة مختلفة كما يقول له سعيد:

- أنت تخلق لك مأساة وهمية ص112.

كذلك يشير عبد الخالق إلى إزدواجية حياة حميد حينما يقول:

- أنت شخص تضحك على مأساتك محاولاً إخفاءها وراء سنك الذهبية ص107.

ولكن رغم هاتين الشخصيتين يعيش حميد الوحدة بكل أبعادها كبطل رواية سارتر (الغثيان)، روكنتان، حينما يفكر بانه (ملقىً ومتروك في الحاضر. أما الماضي فأحاول عبثاً أن أتصل به: انني لا أستطيع أن أفر)(11).

فالوحدة تؤام لـ روكنتان، جزء منه اما عند حميد فالوحدة وحش خرافي مخيف (اللعنة على الوحدة، لو كانت وحشاً لقتلته) ص113 ويكرهها ويخافها (أنا أخاف الوحدة) ص100.

ومن هذا التناقض تكون سلبية حميد العميقة التي تؤدي إلى الضياع والتشرد ويفقد عمله ويدمن على الخمرة، ويسير في نهاية الرواية إلى الموت وحيداً.

أما الشخصية الخامسة الاخيرة فهو (عبد الخالق)، يمتلك ثقافةً عالية ووعياً عميقاً، ونضوجاً فكرياً. لكنه غير مندمج في المجتمع فهو مستوعب المجتمع والمجتمع غير مستوعبه من هذا ولدت الرتابة والملل لديه:

يوم آخر من حياتي، يوم لن يختلف عن يوم

أمس وما قبله … ثم رفع ساقه المتوترة

واولجها في بنطلونه، وترك سترته تلبسه) ص53.

وفي مقطع آخر يتكلم بحرارة وشعور بالانسلاخ عن الحياة:

(أحس بأنني أعيش حياة مستعارة مزيفة….

وأحس بالغربة في بيتي) ص58.

ويحس بشعور خفي بان شيئاً ما سيحدث في العراق وهو شخصية ايجابية مبدعة يكتب القصة ، لكنه يعرف بأن (قراء الفأل يحظون بشعبية أكثر من أي كاتب) ص108.

متفائل بالرغم من كل الاخفاقات والنكسات التي يمر بها البلد ويحمل صليب الايمان نحو الجلجلة / المستقبل.

في (خمسة أصوات) ينعدم الرمز تقريباُ. فهي رواية مباشرة صريحة لاتحمل الكثير من التلميحات والاشارات والدلالات الا ما ندر مثل الفيضان الذي يجتاح بغداد فهو يمثل اجتياح القوى الرجعية للبلاد وتشريد الآف المثقفين خارج العراق:

ومشهد التابوت والمهد الذي يواجه سعيد وهو ذاهب إلى زوجة(حميد). انه جاء عفوياً وغير مقحم وغير متعمد مما أكسبه زخماً فنياً ناجحاً.

والرواية (يمجملها صورة روائية فنية للمجتمع العربي ولفئة المثقفين بخاصة، وللزيف الذي يعيش فيه معظمهم ومحاولتهم الهرب من الواقع بالانغماس في الخمرة او الجنس، وللغربة التي يشعرون بها في مجتمعه)(12).

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش والاحالات

1- م. باختين- قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي – ت د. جميل نصيف، ص390 دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1986.

2- المصدر السابق، ص97.

3- مالكم برادبري- جيمس ماكفارلين، الحداثة جـ2 مؤيد حسن فوزي، ص212، دار المأمون، بغداد، 1990.

(*) أطلق الناقد تزفتان تودوروف على هذا الاسلوب اسم ((التناوب)) وهو يعد من الأساليب الحديثة المستخدمة في الرواية الحديثة. ولكني أرى أن تسميته بالمتداخل أكثر صوابية وموضوعية لأنه يأخذ طابع الحوار المجازي ويقول في هذا الشأن باختين (ان الرواية المتعددة الاصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع).

4- د. نجم عبد الله كاظم- الرواية في العراق، ص227. دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987.

5- د. عبد الجبار عباس- الحبكة المنغمة، ص293- دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1994.

6- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77، دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1992.

7- الرواية في العراق، المصدر السابق، ص59.

8- طراد الكبيسي، كتاب المنزلات، جـ2، منزلة النص، ص49، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1995.

9- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77 ومحمد الجزائري، خمسة اصوات صرخة في الوعي، جريدة الوان، العدد 14 في 27/12/1997.

10- عدد من الباحثين السوفييت، نظرية الادب، ت. جميل نصيف التكريتي، ص381، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.

11- جان بول سارتر، الغثيان، ت. سهيل ادريس، ص51، منشوؤات دار الادب، بيروت، ط2، 1964.

12- جورج سالم، المغامرة الروائية، ص149، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1973.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5087 المصادف: 2020-08-09 12:36:28