 قراءات نقدية

جنائز الحرب الأخيرة.. إشراقة واعدة

ثامر الحاج امينجميل ٌ ان تولد تجربة شعرية شابة تؤمن بالسلم وتتبنى قيم الجمال والعدالة والتحرر، وسط عالم تسوده الفوضى والعنف وتزيّن دروبه دعوات الانحراف والتطرف، فما قرأته في (جنائز الحرب الأخيرة) ــ المجموعة الشعرية البكر للشاب اسلام كاظم ــ عالم مضيء يدعو الى الفخر والتفاؤل، فهذه التجربة رغم وعورة طريقها الا انها اهتدت الى طريق الشعر ببوصلة سليمة، فهي ولدت من رحم انتفاضة تشرين الخالدة وتلونت بسخام قذائفها واكتوت بهراوات عسعسها ومع كل ماشهدته هذه الشعرية الفتية من قمع واختطاف الا انها ظلت مشرقة بالأمل، عصية على الخذلان وبعيدة عن القبح، حالمة في ارض (لاتنزف دما ومقاتلين) ومؤمنة بقدرة الانسان العراقي على تحقيق هذا الحلم متخذة من صمود امهات الشهداء أملا في التغيير المنشود:

كلما تمتليء ساحة التحرير

بالغاز المسيل للدموع

وحدهن أمهات الشهداء

يقفن كالنخيل بلا أية دموع

لأن فقد الأبناء

يكسبهن مناعة ضد هذا الغاز

بهذه الروح الثائرة والمؤمنة بقيم الثورة يلج بنا " اسلام كاظم " الى عالمه المثخن بجراح المتظاهرين وغازات القنابل وصراخ الثوار وخسة العسعس وشجاعة المرأة وخراطيش الصجم المنطلقة من بنادق القتلة صوب طيور التحرير التي لم تكن احلامها سوى التحليق في سماء آمنة والغناء بحرية على اشجار الوطن الوارفة لهذا يدعو الثوارفي قصائده الى السلمية والوفاء لدم الشهداء:

كن أمينا للدم الذي يسيل عليك

احفظ اسماء الشهداء عن ظهر قلب

واطلق رائحة الحب في الدم

فالعراق يجري في العروق والحبيبات ايضا

قصائد المجموعة رغم عالمها المتشح بالسواد والحزن نتيجة الخطوب والملمات التي أصابت العراق اذ انها تستحضر الموت ورموزه من حروب وجثث ومقابر و جنائز وقرابين وتوابيت ورصاص ومشانق وشهداء والتي استحوذت على مساحات واسعة من المجموعة بدءاً من عنوانها (جنائز ....) مرورا بالاهداء (أقف هادئا انظر الموت) وصولا الى نصوصها الداخلية التي تظهر وكأنها قادمة من الجحيم لكنها ضمت اشارات واشراقات تبعث على الأمل بنهاية هذه اللوحة المعتمة، ففي قصيدة (سيناريو لقيامة شهيد) يطرح الشاعرايمانه اليقين بحتمية انتصار الثورة وبقاء جذوتها متقدة لن تنطفيء وان تعثرت ولاقت من البعض الخذلان والتراجع فالطغاة مصيرهم الزوال:

ربما يربحون المعركة

وتضيق القبور بشهداء الثورة

لكن يوم ينفخ في الصور

لقيامة أخرى

لن يجد الطغاة وقطعانهم

إلهاً ليستنجدوا به

كما ويحذر فقراء الوطن من الغفلة والاطمئنان الى سلطة القتلة:

لاتنامي ياجياع الشعب

الآلهة التي تحرسك

تطهو مستقبلاً أسودا

كما ان قصائد المجموعة وان بدت واضحة الخطاب الا انها تحاشت المباشرة الفجة في الطرح، فقد انطوت على توليفات ذكية وبراعة في تكثيف الصورة الشعرية بقدر كبير تجاوز فيها الشاعر مستوى الخطاب البسيط فهو يكشف عن جمال الحياة في ظل السلام والحب وجمال الانسان عندما ينبذ العنف ويتسلح بالأمل:

التوابيت ستعود أشجارا جميلة

اذا ما ألقينا كل البنادق في البحر !

وكذلك في تقديم النصح لمن ابتلى بالحزن فهو يهمس له بلسان العارف الكبير .

سأقترح للحزن حلا ً

خذ قلبك للنجار

وصيره بابا

يصد كل قادم جديد

وكذلك استخدام الشاعر المفارقة السوداء حيث يشير في قصيدة (رصاص الصكاكة) الى الغدر فيصفه على انه موغل في القدم وان تبدلت الأدوات حيث صارت الآن أكثر راحة وأمان:

الصكاكة) الأوائل استعملوا السيف    (

الرصاص مريح الآن

لا تضطر لتلطيخ ملابسك بالدم

الدم العراقي حار

يتدفق منذ ان تدفق دجلة والفرت

وثمة قصائد غير قليلة في المجموعة ينحوا فيها الشاعرالخوض في المناطق المحظورة، قد يجد فيها الكثير من الشعراء مغامرة لا تخلوا من عواقب في ظل وجود التابوات المتعددة، مغامرة تحتاج الى شجاعة وجرأة في اثارة الأسئلة حول الموروث الديني، وقد يرى البعض هذه المحاولة انها مبكرة على تجربة ماتزال في مرحلة التجريب، فالشاعر في هذه النصوص يطرح جملة من التساؤلات تتعلق بوجود الكون وحيرة الانسان فيه، نقرأ ذلك في قصائد (من سفر الخليقة) (حوار مع سلحفاة محتضرة) (خطة لكون فاشل) (حجر البدايات) ومنها مايتعلق بوجود الانسان على البسيطة في كونه مسيرا أم مخيرا:

تولد عاريا من كل شيء

أنت جاهز لتركبك الأفكار والمسميات

الى ان تعرى من جديد

من سوق الأديان الكبير

ينتقي لك والداك ماكان عليه اجدادك

لتعتنق اليهودية، المسيحية أو الاسلام

أو ربما تكون هندوسيا يعيش في الهند

فالجغرافية هي التي تُلبسك درقة السلحفاة

وكذلك في نظرته لنشأة الخليقة على الأرض التي يتخيلها وفق رؤيته البريئة في قصيدة (من سفر الخليقة):

قد استمع لبعض الأغنيات

عن الأرض التي تشكلت قبل 4 مليار عام

وأين التقت أولى الخلايا بحبيبها الفريد

لم أكن مخطئا في اعتقادي البريء

القبلة هي أولى الوسائل لارتقاء الحب وانتشاره

حيث لا قضيب ولا فروج طازجة بعد

(جنائز الحرب الأخيرة) تجربة تستحق الالتفات اليها وقراءتها بتمعن ووعي وشاعرها " اسلام كاظم " ينطلق فيها الى فضاء الشعر بثقة كبيرة ويحاول ان ينسج خيمته الخاصة وسط مضارب الشعراء الشباب وهو قادر على ذلك لما يمتلكه من مقومات شعرية جديرة بالتطور يضاف الى ذلك مثابرته واصراره على ان يقدم شيئا مختلفا ينال به ثقة الشعر .

 

ثامر الحاج امين

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5244 المصادف: 2021-01-13 00:50:25