حسين فاعور الساعديللشاعر العراقي المميز كريم الأسدي

مرة أخرى قراءة في قصيدة من قصائد هذا الشاعر العراقي الكبير الملتزم والمميز.

وللمتقولين، وهم كثر والحمد لله، أقول: لا أعرف كريم الأسدي إلا مما يكتب. ولا تربطني به أي علاقة شخصية سوى حب عميق لما يصوغه يراعه. لا أعرف ماذا يعمل وليس لدي أي معطيات عن حياته الشخصية لتكون سبباً لخلق تعاطف ما معه.

لكنني أحبه كما أحب محمود درويش الذي لم أعرفه شخصياً ولم أحاول التعرف عليه رغم علاقتي الوطيدة والشخصية مع أفراد أسرته الكريمة. عرفت والديه رحمهما الله وأعرف إخوته وأخواته (ما عدى رمزي). لم أحاول التعرف علي محمود درويش لفرط حبي له. وربما أردت أن يظل محاطاً بهالة من الإجلال أو القدسية. وهذا ما أشعره مع كريم الاسدي الذي ربما يكون في جيل أبنائي أو أحفادي.

عندما أكتب عن نص كريم الأسدي لا أتجاهل شخصه. صحيح أنني اكتب عن النص وأنادي للكتابة عنه وليس عن الشخص. لكن الواقع أقوى منا جميعاً. بمعنى أنني حتى وأنا أكتب عن النص هنالك صورة تراودني وتحوم في اللاوعي عن الشخص. هذه الصورة هي الخلفية، التي حتى وإن كانت بعيدة أحياناً، هي التي تشكلت عليها لوحة النص ولذلك لا يمكن تجاهلها. ومن الأفضل أن تكون هذه الخلفية دائمة التشكل والتبلور المعتمد على خيال الناقد أو اجتهاده الفانتازي وليس على معطيات جامدة ماثلة وملموسة من الواقع المر والقبيح في معظم الحالات. لأن المعطيات الملموسة تلقي بظلالها على النص في عيني الناقد مهما تجرد فهو من لحم ودم.

هنالك سبب آخر، وربما أكثر وجاهة، يجعلني اكتب عن نصوص كريم الاسدي وهو أن هذا الشاعر يشبهني كثيرا كما اشعر كلما قرأت نصوصه. يشبهني ليس في الشكل ولكن فيما يمر به أثناء مخاض الكتابة. ربما يكون ذلك مجرد فنتازيا ليس لها أي وجود في حيثيات الواقع. لكنها تجعل نصوصه قريبة من روحي وتدفعني لفهمها من زوايا خاصة جداً.

فهذه القصيدة، في رأيي، هي صرخة في وجه الظلم. كريم يعرف، أو أنا أعرف أن الظلم لا يدوم ومهما تجبر الظالم فإنه يحفر قبره بيده. هذه هي سنة الحياة. لكن شوق الشاعر ولهفته لرؤية هذه النهاية الحتمية تجعله يغضب وينفعل بسبب تأخر حدوثها. هذا الغضب في جوهره هو على عمرنا القصير وخوفنا ألا يتيح لنا رؤية هذه النهاية والمشاركة فيها والاحتفال بها. لذلك يحدث هذا الغضب غير الإرادي وهذا العنفوان الذي يرفض الضعف رفضاً تاماً. يرفضه بقوة ويتحرر من كل ما هو معيق ومقيّد كالجسم، العمر القصير، الفناء، الموت وعدم القدرة على الفعل المباشر. أمام هذه العوائق أو المعيقات التي تجعل الإنسان يشعر بضعفه يحلّق الشاعر عالياً في النجوم والكواكب والمجرات كرد فعل على هذه العقبات التي هي من صفات المخلوق الذي اسمه الإنسان والتي سببت له الضعف.

وأمام هذه العوائق التي تجعل الشاعر يتوجس أنه ربما لن يتمكن من رؤية تبدل الأوضاع وانتصار الحق على الباطل يتحرر الشاعر من هذه العوائق بمغادرته لجسده والتسرب لما هو أكثر بقاءاً ودواماً وهو الوطن أو التراث. في الحقيقة يتمنى لو يكون إلهاً طمعاً في البقاء والمشاركة في النصر على الباطل لكنه يخفي ذلك لروادع دينية واجتماعية . الوطن أو التراث أيضاً عصي على الفناء لذلك هو الملجأ الآمن لكريم الأسدي ولكل الأرواح التي تحلق باحثة عن السبل لدحر الباطل البشع والقبيح.

من هنا على كريم أن يكون كبيراً بحجم الوطن الذي يحاول الإمتزاج أو الاختلاط فيه وشامخاً كشموخ حيثيات التراث الذي يتجه نحوه.

سأتناول بداية ونهاية هذه القصيدة ولن أدخل أعماقها خوفاً من الغرق ولأن ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة لا أملكها الآن.

تبدأ القصيدة بهذه الأبيات:

لا تكتبوا...إني سأكتب قائلا    ولسوف تسمعني النجوم جلاجلا

ولسوف تنفذ في الأديم قصائدي   ولسوف أسري في الأثير قوافلا

في هذين البيتين يقول الشاعر أنه سيكتب. واستعداداً لطقس الكتابة وفي حضرة المخاض يطلب من الجميع إلقاء أقلامهم والتوقف عما يكتبون. لأنه سيكتب ما لم يكتبه أحد. هذه هي نيته والأعمال بالنيات ولكل امرئٍ  ما نوى. لا تكتبوا! لان غضب الشاعر لا يمكن لأحد غيره التعبير عنه. غضبه شديد وعنيف لذلك أيها الكتاب ألقوا أقلامكم. لأن ما سيكتبه الشاعر سيصل دويه إلى النجوم. فهو مهم وعظيم لأنه يعالج قضية مهمة وعظيمة هي قضية العراق وتحرر العراق وعودته إلى الصدارة. الشاعر ملتزم بقضيته التي هي قضية القضايا بالنسبة له. لأن العراق في نظره هو أب وأم العالم. منه خرجت الحضارة وفيه ولدت الأحرف.

عندما يحمل الشاعر قضية ويكتب لها ومن أجلها ينكر ذاته ويصبح بحجم القضية. لكنه في الوقت ذاته ينتابه الشعور الباطن بالغصب الشديد على عوائقه ككائن من لحم ودم: عمره محدود قدراته محدودة ومجال تحركه محدود ولا يلبي متطلبات القضية التي يحملها.

هذه الفجوة بين ممارسة البطولة وبين التغني بها أنتج شحنة الغضب المتقدة في نفس الشاعر وأوصلها إلى هذا المدى من العمق والاشتعال الذي جعل ليس النجوم فقط تستمع لقصائده وإنما الأديم أيضاً. قد يكون أديم الأرض وقد يكون أديم السماء فهو لم يحدد ذلك لأنه قصد كل الاتجاهات.

الشاعر يمزج بين القصيدة وبين ذاته فالقصيدة كريم وكريم القصيدة. يبدو ذلك واضحاً وجلياً في هذين البيتين كما في كل القصيدة. فهي ستنفذ إلى الأديم وهو سيسري في الأثير. والنجوم ستسمعه من خلال قصيدته.

غضب الشاعر يعلو وينخفض خلال القصيدة كموجات بحر متموج بفعل تحركات باطنية داخله توطئة لانفجار كبير قادم. هو كل شيء لأنه العراق: هو الماء متفرتاً أو داجلا ومن الماء خلقنا كل شيء وهو الحقول والسنابل. هو الموسيقى في أشجار النجوم وهو أبناء وبنات سومر قلم وسيف ينصر الحق ويزهق الباطل حتى لو أمطرت عليه الدنيا المصائب. هو حروف الأبجدية والنار والماء شاء من شاء وأبى من أبى. غضب كألسنة اللهب يسري في كل شيء ويضع حقيقة لا لبس فيها: إذا خسرت فكل العالم سيخسر وإن زلت فكل العالم سيزول.

في وسط نار الغضب هذه لا ينسى الحب فهو أهله وروحه وهو من يحيل به الصحارى سواحل خضراء نضرة.

أما بيتي النهاية فهما:

ورسمتُ فيهن السماءَ، دروبها   زرقٌ وخضرٌ: كم وصلتُ فواصلا

ما غبتُ لكنْ غيّبوني عنوةً      وبقيتُ وصلاً واصلاً متواصلا

الحر الأبي هو الذي يقدر على الحب. فالعبد الذليل لا يقدر على ذلك لان الحب عطاء والذليل لا يعطي.

الحب يجعل الإنسان فارساً فكل الفرسان على مدار التاريخ كانوا عشاقاً ولهين. الحب أوقد في قلوبهم شعلة العطاء والتضحية وجعلهم يستصغرون هذه الدنيا أمام سمو وأنفة نفوسهم الكبيرة.

البيت الأخير من هذه القصيدة هو طعنة قاسية يوجهها كريم الأسدي أو أوجهها أنا لذوي القربى من الأهل أو من الزملاء المدعين الأدب. هذا الظلم هو الأشد مضاضة لأنه يأتي ممن من المفروض أن يكونوا هم الداعمين والمساندين.

الأديب الذي لا يحب زميله ليس أديباً والشاعر الذي لا يشعر مع غيره ليس شاعراً. الناقد أو الشاعر أو الأديب الذي يغيّب أبن بلده ويتنكر له لأنه يرى فيه تهديداً لمكانته أو لأنه يغار منه ويحسده لا يمت إلى الأدب بصلة ولا يمكن أن يكون إلا صعلوكاً ضعيفاً مزيفاً ومهزوماً. الناقد الشجاع يتناول النص الجيد بمبادرته وليس بطلب من صاحب النص أو إرضاءً  له. لا أدري ما هو الوضع في العراق في هذا المجال. ما اعرفه هو أن الوضع عندنا في الداخل لا يطاق فكل شيء مبني على الأحزاب والعلاقات الفئوية والشخصية التي تحدد قيمة النص وليس لمضمونه أية قيمة.

هذه المحاولات القذرة لتغييب المبدعين هي جرائم يقترفها أناس وقحون يلبسون ثياباً عصرية ويحملون في كثير من الأحيان ألقاباً جامعية ويتحدثون في القيم والمبادئ والأخلاق وهم أبعد ما يكون عنها. هؤلاء هم مجرمون لا يختلفون كثيراً عن المجرمين الذين لا يترددون عن ارتكاب المجازر.

التعتيم على مبدع هو إطفاء شمعة كانت من الممكن أن تنير طريق الملايين وتنقلهم من الظلمات إلى النور، وهو تكريس لهذا الظلام الدامس الذي يلف حياة الملايين من امتنا. فأي جريمة أكبر من ذلك؟

هؤلاء المنتفعون الذين لا يختلفون كثيراً عن الثعالب الجائعة يخدمون نزواتهم الشريرة التي تحثهم على إخفاء وتجاهل كل ما هو جيد ويخدمون أسيادهم المنتفعين من هذا التردي في الساحة الثقافية حفاظاً على مناصبهم ومصالحهم. لكنهم مهما تنكروا لكريم وأمثال كريم فلن يستطيعوا أن يغيبوهم لأنهم هم الوطن بوصله ووصاله وتواصله وهم العروة الوثقى لا انفصام لها مهما حاول الجبناء المرتزقة.

***

حسين فاعور الساعدي

................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

لا تكتبوا.. اِني سأكتب!! / كريم الاسدي

 

نزار سرطاوي"حـانُ ديـكِ الـجِـن: وَرْد"

يحملنا الشاعر جمال مصطفى على متن قصيدته "حان ديك الجنّ: ورد" الفًا ومائتي عامٍ أو نحوها إلى الوراء – إلى ذلك الشاعر العربي العباسي الذي ما عبئ يومًا بالشهرة أو المجد – ولعله كان بهما أجدر وأولى من الكثيرين من شعراء عصره. لكنه نأى بنفسه عن بلاط الخلفاء والولاة ومجالسهم وترفّع عن التزلف إليهم بالمدائح، مكتفيًا بحِمْصه وورده وكأسه – الشاعرِ الذي سعى معاصرُه أبو نواس إلى ملاقاته، وأستعار أبو الطيب المتنبي شيئًا من عباراته ومعانيه الشعرية الجميلة، كما يشير بعض النُقاد، وتأثر به شعراءُ كُثر تأثّرًا يستحق أن يكرس له النقاد ومؤرخو الأدب والأكاديميون شيئًا من الجهد.

اللافت في قصيدة "ديك الجن" أنها تشتمل على إحالات تراثية ذات دلالات فنيّة تستحق الوقوف. وهذه سمة يلمسها القارئ في العديد من قصائد جمال مصطفى.  وعلى سبيل المثال، فإنّ قصيدة "سهرة مع التوحيدي والخيام"، التي جعل الشاعر قافيتها مماثلة للسجع القرآني في سورة "الرحمن"، يتكرر فيها التناص مع تلك السورة بعينها. وعلاوة على ذلك فإنّها تزخر بالإحالات التاريخية والجغرافية والفكرية والمعرفية والعلمية والفلسفية والأدبية والشعرية والفلكلورية وسواها، التي ربما أراد الشاعر من خلالها أن يعبر عن إجلاله لهذين الأديبين العالِمين الفيلسوفين اللذين ينتميان إلى حقبتين تاريخيتين مختلفتين يفصل بينهما ما يزيد على 12 عقدًا من الزمن. والأمر نفسه ينسحب على قصيدة "هاروت وماروت". فبالإضافة إلى التناصّ مع الآيات القرآنية، يستحضر النصُّ شيئًا من التراث الديني الإسلامي (البراق) واليهودي (يهوه، وبابل التي بلبل الله ألسنة شعبِها، كما هو مذكور في العهد القديم، سفر التكوين)، والأسطوري (العنقاء، والرخ)، والعلمي (الجاذبية) والطقسي (الأضاحي) وغير ذلك.

لعل من نافلة القول إن الإحالات في قصيدة "ديك الجن"، كما في القصائد الأخرى للشاعر، ترتبط في معظمها بالثقافة العربية والإسلامية – الثقافة التي تَربى جمال مصطفى في أحضانها؛ لكنها لا تخلو من فلتاتٍ فيها استدعاءٌ للثقافة الغربية، التي من الواضح أن الشاعر نال منها نصيبًا غير قليل. لكن الفرق بين هذه وتلك لا ينحصر بالكم وحسب، بل يتعداه إلى أسلوب التناول. فالإحالات المرتبطة بالموروث الثقافي العربي والإسلامي تأتي على الأغلب صريحةً ومباشرة؛ وفي وسع القارىء أن يلتقطها دون عناء يُذكر. فثمة الكثير من حالات التناص القرآني والإشارات الدينية التي تتناثر في القصيدة، ابتداء بالعبارة التي تسبق النص الشعري: "يا أيتهـا الـوردة الـمذبوحة/ اصعـدي إلى ربكِ نافـورةً قانية"، والتي تحاكي في تركيبها اللغوي الآيةَ 27 من سورة الفجر؛ مرورًا بمفردات إسلامية (الوحي، فردوسي، وضوء، نهر خمور، سلسبيل، كوثرية، السورة، الآية، وقل جاء)؛ وانتهاءً بأذان الديك (في تورية يُقصَد بها ديكُ الجن نفسه) وصلاته في ختام القصيدة. علاوة على ذلك فإن القصيدة تشير إلى طقس العمادة المسيحي، كما تستحضر الشاعرَ العباسي المتصوف الحلاج، الذي جاء بعد ديك الجن بنحو 80 عامًا، وزرقاءَ اليمامة، التي عاشت في العصر السابق للإسلام.

بالمقابل فإنّ الإشارات والإحالات التي تستدعي التراث الغربي في القصيدة تبتعد ابتعادًا بائنًا عن المباشرة. فليس ثمّة ذكرٌ لأية أسماءٍ أو شخوصٍ أو أماكن أو أحداثٍ بارزة يرشدنا إلى الأصل. بل هي لمحاتٌ عابرة تتعلق بمصدرين، أحدهما أسطوري، وهو مأساة إيكاروس الإغريقي، والثاني درامي وهو مسرحية عطيل للشاعر الإنكليزي وليام شكسبير. وما نحن بصدده هو أن نقرأ هذه اللمحات في سياقها لنقرر إن كانت قد جاءت بمحض الصدفة أم أن الشاعر أوردها بصورةٍ واعية لتأخذ مكانها في بناء القصيدة.

 * * *

تتحدث أسطورة إيكاروس، التي تعرّض لها الشاعر، عن شابٍ مغرور أفضى به طيشه إلى الهلاك. وإيكاروس هذا هو ابن المهندس والحرفي اليوناني ديدالوس، الذي كان رمزًا للحكمة والمعرفة والقوة. تقول الأسطورة إن مينوس، ملك جزيرة كريت، سجن ديدالوس وابنه إيكاروس في المتاهة التي بناها له ديدالوس. فوضع ديدالوس خطة للهرب من الجزيرة، إذ صمم لنفسه ولابنه إيكاروس جناحين من الريش جمعهما وثبتهما بالشمع ليتمكنا من الطيران. ثم أوصى ابنه أن يطير على ارتفاع معقول، فلا يبالغ في الارتفاع حتى لا يقترب من الشمس فتذيبَ جناحيه ولا في الانخفاض فتُحدِثَ رطوبةُ البحر فيهما انسدادًا يشل حركته. لكن إيكاروس تجاهل نصيحة والده وراح يعلو ويعلو إلى أن اقترب من الشمس فذاب جناحاه، وهوى في البحر ميتًا.

لم يأتِ جمال مصطفى في قصيدته على ذكر إيكاروس بصورةٍ مباشرة، بل اكتفى بإشارة سريعة إلى الشمع والريش في بداية القصيدة حيث يصف الهبوط إلى "ورد - حان":

أهـبـط الآنَ إلـيـهـا

بِـ

جَ

نـا

حَـ

يْـنِ

وقـد ذابَ فـلا شـمْـعَ يَـشـدّ الـريـشَ

يـا أرضـي الـوحـيـدهْ

وهكذا لا يلتزم جمال مصطفى بالأسطورة كما هي؛ بل إنه يعكسها على ما يبدو لتنسجم مع حكاية ديك الجن، عبد السلام بن رغبان الحمصي، وورد بنت الناعمة. ففي الأسطورة الأصلية يسعى إيكاروس إلى مغادرة جزيرة كريت، في حين أن ديك الجن، الذي يتقمص بطلُ القصيدةِ شخصيتَه، يعود إلى ورد، التي غدت بالنسبة له مكانًا ابتدع له جمال مصطفى أسمًا خاصًا: وردَ – حان، هو أقرب إلى اسم مدينة أو دولة. لكنه مكان ذو حدودٍ لا كالحدود:

حدُّهـا الـبحـرُ شمالاً

وصحارى التيهِ والوَحْيِ جنوبا

والغواياتُ التي ـ ـ ـ ـ ـ ـ غرباً

وكـانْ

شرقَها الأخضرَ غابُ الخَيزرانْ

كذلك فإن الشمع الذي ثبّت به إيكاروس جناحيه ذاب بسبب اقترابه من الشمس، بينما يذوب الشمع عن جناحيْ ديك الجن، على ما يبدو، بسبب اقترابه من ورد - حان، وكأن حرارة ذلك "المكان"، أو ربما التهاب مشاعره عند الاقتراب منه، يذيب الشمع. وقد جعل الشاعر حروفَ كلمة "بجناحين" منفصلة ورسمها بصورة عمودية بحيث تمثل الهبوط وتَبعثُرَ الريش معًا بعد ذوبان الشمع. أما المفارقة الأخيرة فهي أن إيكاروس يهوي فيلاقي حتفه، بينما "يهبط" ديك الجن بسلام عائدًا إلى أرضَه الوحيدة، معشوقته.

لقد جاء اختيار وتوظيف جمال مصطفى لأسطورة إيكاروس في "ديك الجن" فريدًا. فهو لم يستخدمها بصورة عشوائية، بل أعاد صياغتها لتتسق مع غرضه الشعري. وفي هذا شيء من الشبه – وإن بصورة جزئية، مُصغرّة، وعابرة – لما فعله برنارد شو بأسطورة بجماليون في مسرحية "بجماليون" أو "سيدتي الجميلة". ففي مسرحية شو يختفى النحات الإغريقي بجماليون لتحل محله شخصية البروفسور هنري هيجنز، كما يختفي تمثال جلاتيا الذي نحته بجماليون، لتحل محله إليزا دوليتل، بائعة الورد الفقيرة التي يتعرف إليها هيجنز، ويبرم معها يأخذها بموجبها إلى بيته حيث يقوم بتعليمها وتهذيبها، ثم يقدمها إلى أرقى طبقات المجتمع اللندني، لتبدو كأنها نشأت في ذلك الوسط. وبعبارةٍ أخرى فإن جمال مصطفى تمكن من أن يُشكّلَ من حكاية إيكاروس أسطورةً جديدة بحبكة درامية مختلفة شكلًا ومضمونًا – هي أسطورة أو مأساةَ ديك الجن.

 * * *

إذا بدت استعانة جمال مصطفى بأسطورة إيكاروس مستترة بعض الشيء، فإن تأثره بمسرحية عطيل، إن أقررنا بأن تأثرًا كهذا قد حدث بالفعل، هو أشد تخفّيًا وأبعد عن الخاطر.

تعتبر مسرحية عطيل، التي عُرضت على المسرح للمرة الأولى في أواخر عام 1604، واحدةً من أبرز الأعمال التراجيدية العالمية على مر العصور. وتدور أحداثها حول القائد العسكري المغربي الأصل، عطيل، الذي يوهمه أحد أتباعه أن زوجته ديدمونة تخونه مع رجل آخر. ويدفعه شعوره بالغيرة إلى قتلها، ثم يقتل نفسه حين يدرك أنه وقع ضحيةً لتهمةٍ ملفقة. الأمر المثير للاهتمام أن قصة عطيل وديدمونه تحمل في تفاصيلها شبهًا كبيرًا من قصة ديك الجن وورد. وربما يقودنا هذا إلى الظن بأن شكسبير اطّلع على قصة ديك الجن واستعار بعضًا من تفاصيلها. لكن الحقيقة أنه استوحاها من قصةٍ بعنوان Un Capitano Moro"" (ضابط مغربي) للكاتب الإيطالي جيرالدي سنْثِيو، كان قد نشرها ضمن مجموعةٍ من الحكايات في عام 1565، أي بعد ميلاد شكسبير نفسه ببضع سنين.

لا شكّ أن التقاط جمال مصطفى لحكاية ديك الجن مع ورد واتخاذها موضوعًا لقصيدته فيه اقتراب من نهج شكسبير، لا في استعارة حكايةً أخرى ليست من إنشائه ليبني عليها عملًا أدبيًا وحسب، بل أيضًا في اختيار قصة حبٍّ جارف تنتهي بمأساة تَدمى لها القلوب أسىً – مأساةٍ تتمثل في قتل العاشق لمعشوقته بدافع الغيرة العمياء.

والحق أن الحكايتين تتشابهان أو تتوازيان في جوانبَ عدّة بصورة تثير الدهشة. أحد هذه الجوانب هو أن نشوء علاقةٍ بين البطل والبطلة في كلتيهما كان مرفوضًا اجتماعيًا. ففي حالة ديك الجن وورد ثمّة حاجزٌ ديني يجعل من الزواج مطلبًا عسير المنال؛ إذ هو مسلم وهي مسيحية. أما عطيل وديدمونه، فيحول بينهما حاجز عرقي. فعطيل رجل مغربي ذو بشرة داكنة، بينما ديدمونه فتاة بيضاء تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، حيث أن أباها عضو في مجلس شيوخ مدينة البندقية في إيطاليا. وثمّةَ وجهٌ آخرُ للشبه، هو أن كلتا العلاقتين تنتهيان بالزواج على الرغم من هذا التباين، حيث تعتنق وردُ الإسلام، أما ديدمونه فإنها تعاند أباها وتتزوج من عطيل بمباركةٍ من دوق البندقية، الذي يُعين عطيلًا قائدًا عامًّا لقواته ويوجهه إلى قبرص لدرء خطر العثمانيين. لكن التشابه الأكثر أهمية يكمن في تطور الأحداث. إذ يتعرض كلٌّ من البطلين لخيانة شخص قريب منه. فديك الجن، كما تقول المصادر، تعرض لخيانة ابن عمه أبي الطيب، الذي حاول التقرب من ورد فلم تُلقِ إليه بالًا، فدبر لها ولديك الجن مكيدة تقوم على زرع بذور الشك في صدر ديك الجن بوجود علاقةٍ بينها وبين صديقه بكر. وبالمثل فإن ياغو، أحد جنود عطيل، يُدخِل في روع سيده أن ديدمونة تعشق صديقه كاسيو. الطريف أن هذا الشعور بالغيرة قد دفع كلّا من البطلين إلى قتل زوجته. إذ أقدم عطيل على خنق ديدمونه، وغرز ديك الجن السيفَ في جسد ورد. ثم إن كليهما أحس بندم وحزن شديدين حين أدرك الحقيقة. فأقدَمُ عطيلُ على الانتحار، فيما ملأت الحسرة قلبَ ديك الجن وعاش حياةً ملؤها البؤس والشقاء.

لكن هذا التماثل المذهل بين الحكايتين الأصليتين لا ينعكس من حيث الشكل على قصيدة جمال مصطفى. فشكسبير أخذ حكاية عطيل من مصدرها وحولها إلى مسرحية من خمسة فصول تروي القصة بكاملها. أما جمال فقد اكتفى بالمشهد الأخير من حكاية ديك الجن مع ورد، وقدمّه بصورة مونولوغ، أو مناجاةٍ للبطل مع نفسه، لأن عمله قصيدةٌ قصيرةٌ نسبيًا، لا تتسع للأحداث الدرامية التي تتضمنها الحكاية بكامل تفاصيلها. وفضلًا عن ذلك فلا يبدو أن جمال وجد في "عطيل" ما يمكن أن يضيفه إلى قصيدته. 

على ضوء ذلك نتساءل: هل تأثر جمال بمسرحية عطيل؟ ربما لا نعثر في قصيدة "ديك الجن" على ما يؤكد مثل هذه الفرضية. فليس ثمّة ذكرٌ لمسرحية شكسبير أو أحد من شخوصها. ورغم ذلك فقد نتفاجأ ونحن نقرأ قول الشاعر على لسان ديك الجن: "أنـا كـنـتُ أراهـا: الـزانـيـهْ" إذا علمنا أن عطيلًا هو الآخر يستخدم هذا الوصف في الفصلين الأخيرين من المسرحية في معرض اتهامه لديدمونة، فيدعوها “whore” (عاهرة)، و“strumpet”  (مومس). لكن الأمر الأشد إثارةً للاهتمام هو ما تنطوي عليه الكلمات الأخيرة من قصيدة "ديك الجن": "لَـم تَـكـنْ ]ورد[ تَـحـسـبُ إنـي فـي الـسَـحَـر/ ديـكُـهـا: أذّنَ، صـلّـى،/ وانـتَـحَـرْ". هذه الخاتمة مخالفة تمامًا لما حدث  مع ديك الجن. فهو لم ينتحر، لا بَعد أن قتل وردًا مباشرةً وهو في ذروة الشكّ، ولا بعد أن عرف أنه قتلها ظلمًا، إثرَ اعتراف ابن عمه أبي الطيب بتدبير المشهد الذي يوحي بأن وردًا كانت تخونه مع صديقه. لكن هذا ما حدث مع عُطيل، الذي لم يتردد في الانتحار حين اكتشف أن ديدمونة لم تخنه. فلماذا ارتأى جمال مصطفى أن يضيف هذا الانتحار الرمزي في قصيدته؟ هل أراد أن ينقل إلينا الحالة النفسية للعاشق، الذي أمست الحياة والموت عنده سيّان؟ أم قصد أن يحقق العدالة الشعرية في خاتمة القصيدة؟ ربما! فديك الجن يستحق الموت كما استحقه عطيل، ليس لأنه قتل زوجته فحسب، بل لأنه سمح للريبة والغيرة أن تتسربا إلى نفسه. لذلك ذيّل جمال قصيدته بموته.

هل تمثّل جمال مصطفى مشهدَ الانتحار في مسرحية عطيل وهو يكتب قصيدة "حان ديك الجن"؟ ربما لن نعرف الجواب إبدًا ما لم يُصَرّحِ الشاعر نفسه بذلك. لكن من حقًنا أن نفترض حدوث مثل هذا التمثُّل، خصوصًا أننا نقرأ قصيدةً لشاعر مثقف واسع الاطلاع لا يمكن أن تفوته قراءة عملٍ هامٍّ كـعطيل، ولا أن يغفل عمّا بين الحكايتين من تشابه. لذا يمكننا أن نفترض أنّ هذا التأثر قد حدث فعلًا، متراوحًا بين الفعل الواعي الذي يتعمده الشاعر والإشارة العفوية التي تغترف من كهف اللاوعي. لكنه في نهاية المطاف يشكّل إضافةً هامة إلى القصيدة، إذ يحولها إلى مأساة حقيقية تتوازى مع المشاهد الختامية للأعمال التراجيدية الكبرى لشكسبير مثل "عطيل" و"روميو وجولييت" و "أنطونيو وكليوبترا".

 * * *

لقد نجح جمال مصطفى في إثراء قصيدته "حان ديك الجن: ورد" من خلال توظيفه للتراث العربي والعالمي بصورة سلسة لا تكلف فيها ولا اصطناع، فأضفى عليها بانورامية نادرة رفعت من شأنها.

كذلك فقد استطاع الشاعر أن يبرز قصةً فريدةً لا يمكن زجّها بين سائر قصص الحب المعروفة في التراث العربي مثل "قيس وليلى" و "قيس ولبنى" و "جميل وبثينة" و "كُثيّر وعزة" و"عروة وعفراء"، تلك القصص التي داعبت الخيال العربي عبر التاريخ، ربما لأنها تشترك في تقديسِ وتمجيد فكرة الحب العذري، رغم أن هذا الحب يتسبب على الأرجح في أزمة عاطفية غير مبررة كثيرًا ما تؤدي إلى موت أحد العاشقَيْن أو كليهما. فالجانب المأساوي في هذه القصص يستند في العادة إلى فكرة أحادية تتمثل في مقاومة أهل الفتاة لتزويجها ممن أحبها وملأ البيداء بالأشعار التي تتغزل بها. لذلك فإنها تبدو ساذجة وسطحية، إذ تفتقر إلى المقومات التراجيدية الحقيقية. بالمقابل فإن قصة ديك الجن التي يقدمها جمال مصطفى في قصيدته، هي قصة حبّ جادة، مركبة، متكاملة الأركان ومتعددة المضامين، تنطوي على حبكة درامية ربما لا نجد لها نظيرًا بين قصص الحب العربية التراثية المعروفة.  

 

نزار سرطاوي

..........................

يمكن الاطلاع على قصيدة "حان ديك الجنّ: ورد" للشاعر جمال مصطفى على الرابط التالي:

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/946999

 

صالح الرزوقتذكرني أميرة بطلة “خطوات في الضباب”* للعراقية ذكرى لعيبي بقصص قمر كيلاني في “امرأة من خزف” و” اعترافات امرأة صغيرة”. ففي شخصيتها صفتان:

الأولى: ضعف المرأة وانكشافها في مجتمعاتنا الشرقية. وتستعمل عوضا عن كلمة “الخزف” الصفة العربية المعروفة وهي القوارير. فالنساء معرضات للانكسار مثل الزجاج، وهن هدف لتعنت الذكور ولتسلط المجتمع، ولذلك تعتقد طوال الحبكة أنها ضحية. ويفرض عليها هذا الاعتقاد الدخول بمرافعة طويلة أمام قضاة غير موجودين. وهذا يقود الرواية للتحول من أسلوب السرد والوصف إلى أسلوب المناجاة والمونولوج.

ومن المؤكد أن كل شخصيات الرواية يستعملون نفس المستوى من اللغة، وبمفردات تعبر عن الندم والإدانة. ومثل هذا التعارض لا يعكس نفي الذات لنفسها أو الإقرار بذنب لم يرتكبه أحد، وإنما هو طباق نفسي يحمل علامات نزاع الإنسان المغلوب على أمره مع القدر. وهذه اللغة هي المدخل الصحيح لتفسير مضمون وشكل الرواية، مع أنها عمل غير تقليدي، وتميل لبنية مفتوحة. بمعنى أن الحدود غير متوفرة، ويوجد تداخل بين الشخصية والخطاب. ولذلك يمكن القول إن هذا العمل لا يشبه روايات المرأة الجريحة التي وضعت أسسها رائدات الحداثة العربية.

إن لغة لعيبي أكثر انضباطا، وليس فيها أي نوع من أنواع الهجاء، وتستغرق ببكائيات مطولة تعبر فيها عن عذابها من طرف وعن رغبتها بتضميد جروحها من طرف آخر. وأحيانا يأتي في ذهني أن خطاب أميرة ابن شرعي للصالونات المخملية. فهو يتطور على مستوى واحد من الحياة، وهو النخبة. . فالبطلة تفتح قلبها وتترك أفكارها وحياتها في الظل، وكأن الرواية مجموعة من العلب نصفها مفتوح والنصف الآخر مغلق. وتلقي هذه التقنية بظلها على جو ونفسية أميرة وتضعنا معها على حافة الحياة، بكل ما تتضمنه من أوامر وقوانين وممنوعات. وربما هنا نواة الحبكة، صورة امرأة تنتمي للمجتمع وإن اختلفت مع الهدف المرجو منه.

1590 ذكرى الصفة الثانية: (حياة النساء الصغيرات) وتصوره الرواية بسياسة رفع الراية البيضاء أو استسلام المرأة لظروفها القهرية. أو أقله مجاراتها حتى نصف المسافة. فالزمن الذي تعيش فيه (كما ورد بالحرف الواحد) تحكمه السياسة والتقاليد والخوف. وهو زمن يموت فيه الحب (كما ورد أيضا). ثم تضيف بصوت عالي النبرة: الإنسان الذي يضع نفسه داخل هذا الإطار يكون قد قتل بداخله أحلاما كثيرة.

لقد كانت أميرة طوال الاحداث دون سلاح، ومعها تذكرة تخولها للركوب بعربة القدر الأسود، بمعنى أنها تركت للرياح وللتيار توجيه حركتها. وما يضاعف من هذه المأساة أنها فعلت ذلك وهي بتمام وعيها. بمعنى أنها ارتكبت هذا الخطأ الفاضح عمدا، وتبعت نداء القلب وليس منطق العقل.

وبهذا الاتجاه تقول: نحن كنساء نستسلم لنداء قلوبنا ونريد منه أن ينتصر.

وقد غلبت على الرواية فلسفة الوجدان النسائي وهو يئن تحت مطرقة الواجب والقانون، كما هو حال معظم تجارب رائدات القصة النسائية في نهاية القرن التاسع عشر وبواكير العشرين أمثال واد سكاكيني وألفة الإدلبي. وليس حال نوال السعداوي أو أمينة السعيد، أو حتى حال كاتبة عراقية معاصرة هي عالية ممدوح.

لقد تعاملت أميرة مع نفسها على أساس أنها امرأة بالفعل (مواطن من درجة ثانية، أو شخص من فئة العبيد ويعادل بدونيته الطبقة المغلوبة على أمرها). ولم يخامرها الاعتقاد أنها عضو نشيط في مجتمع بحركة إيجابية وصاعدة. كان كل شيء يربطها لحجرة ثقيلة ويجرها إلى الأسفل. وهذه الروح النسائية فرضت اعتماد لغة رقيقة دون استعارات. وكانت العلاقة بين الكلمات ومعانيها مباشرة ولا تحتمل التأويل، أو أن الدلالة كانت من الدرجة الأولى. بلغة أوضح كان المعنى هو النتيجة والسبب بنفس الوقت. وهو ما ضمن لأميرة مرتبة ثالثة في سلم التصنيف الاجتماعي، كأنها واحدة من مجموعة أقليات وليست من نصف المجتمع. وترتب على ذلك مسألة تتعلق بالبنية، وهي تواري بعض التفاصيل أو ما نسميه روافد الحبكة (ومنها أسباب طلاق أميرة، وزواج حبيبها أحمد، ثم مشكلة شامة). لم تكن هذه التفاصيل تبدو مثل جزء من الدراما والحبكة، ولكن بشكل موجات ميلودرامية، أو فعل جمالي يستبيح جزءا سريا من سيرة امرأة. وهكذا أمكن للرواية أن تتملص من بنية العقل السردي التنويري لبنية الحداثة الأوديبية الدموية. فالاعتراف ليس مثل التحريض، والإقرار ليس مثل الاستباحة. وهو ما ضمن للعمل كله شخصيته المركبة. فقد كان مبسطا على شاكلة البدايات المبكرة لرواية المرأة العربية، وكان أيضا ضد المعايير على شاكلة بواكير الحداثة. وقد قسم هذا التكنيك الرواية لمساحتين غير متساويتين: ذات تفشي ما لديها من هموم، وتفاصيل تضيء العلاقات المتشابكة بين الشخصيات. بلغة نقدية: توزعت الرواية على الذات المتكلمة التي تتوجه لقارئ افتراضي بخطاب يشبه النجوى، وسارد عليم يلخص أحداث عدة سنوات بسطور قليلة.

وبلغة بارت: اعتمدت الرواية بشكل أساسي على الدلائل (الشخصيات)، ولدرجة أضعف الوظائف (الأفعال). ويمكن أن تقول إنها تجاور ما بين حداثة الأسلوب واعتدال المضمون لتقديم صورة عن استلاب واغتراب المرأة من كل النواحي. وعلى وجه الخصوص حياتها النفسية المدفونة تحت رماد احتراقها البطيء، ثم سيرتها الاجتماعية. وباعتقادي إن أهم فرق بين أسلوب لعيبي وبواكير الحداثة يندرج في فلسفة المكان. فالبيت احتل مكان المقهى والنادي والملهى. وأدى ذلك للتوسع بتفاصيل الحياة الشخصية ولضمور دور علاقات الأفراد بمجتمعهم.    

وفي النهاية أرى أنها رواية عن أزمة منتصف العمر. ولو لا القشرة الوطنية الرقيقة، وبعض الإشارات العسكرية لحروب العراق مع جيرانها، لقلت إنها نسخة عربية من فرانسواز ساغان وكوليت. فهموم الحياة تغلب على هموم الأرض، ومشاكل الوجدان النسائي تلون كل أجزاء الحبكة من أول سطر لآخر سطر.

 

صالح الرزوق

.....................

- صدرت الرواية عن دار الدراويش للنشر والترجمة، بلغاريا، 2020.

 

وليد العرفي للشاعر: نجيب القرن

ترتبط قصيدة الشاعر: نجيب القرن بالواقع الذي يحيلها على ظروف البلاد العربية فيما سُمّي بالربيع العربي الذي كان خريفاً وشتاء لم تحمل غيومه إلا مزيداً من دخان الأجنبي وسطوته على مقدرات البلاد العربية التي أصبحت مرتهنة بشكل أو بآخر للأجنبي الذي عاد إلى الوطن العربي تحت مُسميَات وأغطية من تحرير إلى  مساعدة؛ وإحلال ديمقراطية؛ وإحلال عدالة؛ وما كانت في حقيقتها إلا أشكالاً من أشكال الاحتلالات أو الانتداب في أحسن حال .

بداية نتوقف عند تاريخ القصيدة الذي يبدو إشارة مرجعية إلى تحديد الزمن الذي كُتبت فيه وهو العام 2013 م؛ وهو ما يشير إلى ذروة احتدام الربيع العربي الذي كانت غيومه قد  بدأت بجلاء كثير من انقشاعات بواطنها؛ وما تخفيه من تغييرات عصفت بالبلاد العربية؛ وبذلك يبدو الشاعر ناقلاً الحدث بوصفه شاهداً للحدث؛ ومشاركاً في مواقفه التي لم يكن بلده اليمن بعيداً عن أتون نارها؛ وما زال يعاني مأساتها .

يبدأ النص باسم الإشارة؛ وهو ابتداء يشي بالعلمية والوضوح؛ وهو ما يُجلي حقيقة الموصوف بتجاوز جمالية التسمية التي أريد لها مخادعة البصر؛ وحرف البشر عن المجرى الحقيقي لسيرورة الأهداف المرتسمة لما وراء هذا التنميق اللفظي للتوصيف الذي لم يُضمر للأمَّة العربية إلا مزيداً من الانهدام النفسي قبل الانهزام الواقعي في ميادين المعركة التي جاءت بأبعادها الإيديولوجية لتمحي الوجود الحقيقي لكل ما يمت بصلة إلى العروبة والإسلام على حدٍّ سواء؛ وعمَّقت الهوَّة ليس بين الأقطار العربية وحسب؛ بل بين أبناء الوطن الواحد؛ والمدينة الواحدة؛ والحي الواحد؛ وحتى وصل الأمر إلى التفريق بين الأخ وأخيه في المنزل الواحد؛  فهذا الربيع الذي كان يؤول منه الخير ويحمل البشارة إلى منتظريه في تحقيق الآمال بنهاية مظالم وزوال مظاهر مفاسد الذي حُمّل برمزية قرقوش الذي يرمز به إلى كل حكم جائر وغريب1؛ وهو ما قصد إليه الشاعر في تحميله تلك الرمزية فقراقوش لدى الشاعر رمز للحاكم العربي الذي تحوّل من طبيعته البشرية ليصبح إلهاً يستبد بحكمه في الشعوب العربية

هذا الربيع الذي انتظرته المدينة

قبل حلول الخَرَف

لينهي حكاية (قَرَقُوشها)

حين تعالى

حتى استوى فوق عرشٍ إلها

فأضحت بيوتُ المدينةِ شاحبة

والنوافذ عطشى

وكل المسافات ليس لها مبتدأ

إنه الحاكم الذي يبني يجمع حوله فئة من التابعين الذين يُجندهم لخدمته؛ فيطبلون ويزمون له ليل نهار :

الإله الذي

ظل ينفخ أرواحنا بالسديم

ويفتح جنته لزبائنه المخلصين

الإله الذي

على فلك العمر يسبح دون انتهاء

ويوم يؤرقه ومض مشكاتنا

تجيء العبيدُ إليه بعشر لغات

تترجم سيرة نطفته في الهواء

هذا الربيعُ الذي انتظرته المدينة في ولهٍ

ليطمس كل فصول العناء

ويخضر شارعنا

وتبدو المأساة في حالة المفارقة التي آلت إليها تلك الرغبات في أن يحمل الربيع ما يأمل الفقراء منه؛ وهنا تنهض على لسان الشاعر الأسئلة الموجعة التي تبحث عن إجابات لها من غير أن تجد لها أية إشارة إلى إمكانية وجود رد عليها؛ فتتردد الأسئلة بين السؤال عن الزمن الذي أتى في غير أوانه؛ و بين الهيئة التي جاء فيها :

هل أناخ على غير موعده

كيف استطاع خداع جماهيرنا بسراب الخلاص

إنه الربيع الذي منح الأفواه المكبوتة قدرة  على القول؛ وطاقة  على الحراك؛ والمجاهرة؛ والمواجهة؛ ولنلاحظ كيف عبّر الشاعر عن مدى العفن الضيق الذي أطلق تلك الحناجر؛ وسيّر تلك الحشود لتخرج في وجه حكامها بتصويره اللافت: (رصيف تكلس بالأمنيات)

أطلق حنجرة البؤساء

فوق رصيف تكلس من سَفَر الأمنيات

جاء يردد أنشودة نصفها حائرة

ينثر حول الميادين ريش حمام

وهتاف سقوط بغير ارتطام

هذا الربيع

زمجرة من وعود

تاهت عقارب ساعته فجأة

ليرحل دون اكتراث بأنوائه

غادرنا

والعصافير بين فضاءاتها واجمة

أسلمنا للحقود يرمم آمالنا

لغزاة يجيئون رغم أنوف شوارعنا

يمدون ظل إله جديد

على ظهر خارطة تائهة

يا لهذا الربيع الذي

يمنح الأرض زهراً بلا رائحة

غير أنَّ ذلك الحراك السلمي الذي جاء  كان في غير أوانه؛ وقد غادر من دون أن يُحقّق ما كان، وهم يعيدون تشكيل خارطة الوطن العربي بأشكال جديدة؛ وبمرتسمات حدود مصطنعة أخرى تؤدّي كلها في النهاية إلى متاهة جديدة لم يكن العرب قد وجدوا أنفسهم من قبل للخروج من متاهتهم الأولى؛ وبذلك البعد المأساوي وشّح الشاعر نجيب القرن قصيدته بوشاح الحزن والإحباط انطلاقاً من واقعية الحال و راهنية الحالة التي عاشها الشاعر ويعيشها العرب جميعاً؛ ليكون ربيعهم الموعود ربيع استلاب واستعمار لم يمنح منتظريه غير أشكال أزهار صناعية لا حقيقية؛ فما هي إلا أزهار زينة لا حياة فيها؛ ولا رائحة تنبعث منها؛ وهل الأزهار إلا بجمال عطرها؟!.

***

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

يمنح الأرض زهراً بلا رائحة / نجيب القرن

 

د. وليد العرفي

...........................

1 ــ  قراقوش أحد وزراء صلاح الدين الأيوبي وحول شخصيته اختلاف كثير بين من يقول بصلاحو ومن يدّعي ظلمه وجور أحكامه وغرابتها .

 

ليث الصندوقتعالق نصّي، أم تكامل دلالي؟

أضواء على أدب الـ facebook: (10)


 

هذا شاعر جاء إلى عالم الشعر الصاخب والمتمرّد من عالمه المهنيّ الأكثر هدوءاً وانضباطاً، بل ربما على الضدّ من هذه الصورة هو انتقل إلى عالمه المهني الهاديء  والمنضبط هرباً من عالم الصخب والضجيج . ومهما تكن جهة الإنتقال فما يهمنا هنا ليس عالم المنضبطين الذين يقيسون خطواتهم بالمسطرة، كما لا يهمنا سلوك شاعرنا المهني فيه بقدر ما يهمنا صدى الصخب الذي أحدثه خلال وجوده في عالم الصاخبين، ومدى ما ساهم به معهم في إقلاق سكون النائمين الحالمين . كتب أفضل فاضل في كل أنماط الشعر بادئاً بالقصيدة التقليدية التي أسِرته واستحوذت على كامل اهتمامه، فلم يتخلّ عن أبّهتها وانتظامها ليلحق بتيارات أقل منها التزاماً، وأكثر منها دعوة للخروج عن طاعة الأبوين . واستمرّ الأمر على هذه الحال حتى فترة متأخرة من مراحل نضوجه وتطوره . فبينما كان أقرانه، وحتى الأكبر منهم عمراً وتجربة قد قطعوا أشواطاً مع التجريب والتمرّد سواء من خلال قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، كان هو ما يزال مصراً على اختياره، يُجاهر متغنياً به حتى من على المنبر الشعري الوحيدة في العراق، وأعني به (مهرجان المربد الشعري) الذي تحفظ لنا مدونات دورته الثالثة عشرة لعام 1997 مشاركته بقصيدته (أرفق بروحي) (1):

بلدي العراقُ وهل أقول تملقاً        لا كنتُ ما وردَ الخنا أحرارُها

ولربما نحار في إيجاد مسوغات لهذا الإنجذاب إلى القديم، والإلتزام بقواعد انضباطه اللغوي والتعبيري، والتحسب لكل خطوة خارج سياقات حساباته النمطية التقليدية، والتوجس من كل اندفاعة تمرّد وتفلّت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشاعر ما زال في زهرة العمر . وقد نبالغ فنردّ دواعي هذا الإنجذاب إلى تأثر الشاعر بشروط عالمه المهني الذي ألمحنا إليه سابقاً والذي هو أكثر التزاماً بالقواعد التنظيمية والأطر المنهجية من عوالم الشعر والشعراء، وعوالم الفنّ بعامة .

وبالرغم من ان المعجزة قد حدثت في غفلة منا، وكسر الشاعر فيما بعد قيوده، ووسّع من حدود تمرده محاذياً، بل ومتجاوزاً أحياناً تمرّد المجددين من مجايليه مخترقاً حدود مملكة قصيدة النثر، إلا أنه ما زال حتى اليوم يحنّ إلى هواه الأول، فيعود بين فترة وأخرى يكتب القصيدة التقليدية، وينشرها على صفحته في ال facebook . ولكن الملاحظ أنه حتى إذا ما تخلى عن قصيدته التقليدية واتجه إلى أكثر أنماط قصيدة النثر تمرداً وتنمّراً فانه يتخلى عن تلك الأولى ليستحضرها في تلك الثانية، فإذا بالقصيدتين المفارقتين لبعضهما ظهراً لبطن قد تحولتا إلى أختين توأمين، وإذا بقصيدة النثر تُشابه أختها بلغتها القاموسية الفخمة المتباهية التي لا تتهيب حتى من الحوشيّ والمندرس، وبإيقاعاتها الداخلية العميقة، وسلسلتها البنائية الموضوعية المتراصّة، لتصدم ذائقة القاريء، وتُربك أفق توقعه، فيحار بأي سياق يوجه قراءته .

هكذا قد تبدو الأمور نوعاً من التوفيق ما بين المتناقضات إذا ما أردنا أن نقاربها بسوء الظن الذي عادة ما يحكم العلاقة ما بين المستهلك / القاريء، وما بين المنتج / الشاعر، بيد أنّ شاعرنا نظّم العلاقة ما بين نقائضه الإبداعية ليخلص إلى منحى يكون له ميزة نشط في إطارها، واستثمرها بعد أن طوّرها فصارت خصيصته، وبالعموم يمكن توصيف نصوصه النثرية اليوم بانها تواشج ما بين رصانة لغوية هي أقرب إلى رصانة الأقدمين، وانزياحات صوريّة حرّة هي أبعد من انفلات المتمردين .

هذه القراءة غير معنية بالدرجة الأولى بتلك الميزة، ومع ذلك فعبرها ستنفذ إلى تقنية كتابية جديدة لا تقل عنها توقاً للتجريب وارتياداً للمغامرة، بل ربما تفوقها لفتاً للانتباه، مع ملاحظة أن المقصود بالجدّة هنا ليس السبق في الإكتشاف، فقد سبقه إلى التقنية المعنية شاعر عراقي آخر، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً، بقدر ما تعني الجدّة التطوير والإنضاج بقصد ووعي حاضرين . والتقنية التي أعنيها هي  نمط من التوسع في مفهوم التعالق النصّي الموازي ليشمل الفوتوغراف تحديداً، ليس من باب الشرح أو التفسير أو التبسيط، بل من باب التكامل، لتتحوّل بذلك القراءة من اللسان وحده، إلى اللسان والعين معاً مما يدفع بالقاريء إلى مساءلة الميثاق الأجناسي الناشيء عن هذا المزج من أجل توصل الطرفين المرسل، والمرسل إليه في النهاية إلى إجابة يعيدان من خلالها وضع تعريف جديد للرسالة وجدواها في ضوء المتغير الجديد المقروء والمرئي .

وكما سبق القول فإن تلك التقنية ليست جديدة تماماً على الشعرية العراقية، فقد سعى إليها في ستينيات القرن المنصرم - ضمن محاولاته التجريبية الكثيرة - الشاعر فاضل العزاوي، وتحديداً في المقطع (8) من قصيدته (تعاليم ف . العزاوي إلى العالم) المنشورة في مجموعته الشعرية (أسفار)(2) حيث رافقت المقطع صورة الشاعر الفوتوغرافية بالبيض والأسود . وفي حين اقتصرت الدلالة النصية على الإشارة إلى الصورة، أو إلى الرجل في الصورة، أي أن حركة الدلالة في المقطع النصي هي باتجاه واحد من النص إلى الفوتوغراف، لم تقدّم الصورة أية دلالة فارقة متجهة بالعكس إلى النص .

ويبدو أن الشاعر العزاوي قد فطن إلى عدم فعالية محاولته الأولى والوحيدة هذه فلم يكررها، ولم يطورها، بل أنه غضّ البصر عنها حين طبع مجموعته الشعرية الكاملة(3) بعد أكثر من ثلاثين عاماً على نشرها للمرة الأولى والأخيرة في (أسفار)، فظهرت القصيدة فيها خلواً من الفوتوغراف من دون أن يؤثر ذلك على تقبل القاريء الذي لم يسبق له الإطلاع على النص الأول في الطبعة الأولى من مجموعته سالفة الذكر .

ثمّ عاد العزاوي ثانية إلى تكرار المحاولة ذاتها، بيد أنه لم يعد إليها هذه المرّة شاعراً، بل عاد في نص ترجمه عن الشاعرة البولونية (فيتسلافا تشيمبورسكا) من مجموعتها (ناس على الجسر) (4) . وعنوان النص هو (الصورة الفوتوغرافية الأولى لهتلر) وقد ألحقت بالنص صورة فوتوغرافية لطفل في عامه الأول، والصورة تتبادل اكثر من إشارة مع النص المكتوب . وهذه المحاولة التي ليس للعزاوي فيها سوى فضل الترجمة هي أنجح من محاولته الأولى الخاصة به في (أسفار) .

وعدا ذلك، فحسب علمي ان الشعرية العراقية لم تقدم – عدا تجربة العزاوي غير المكتملة – نموذجاً آخر مماثلاً في استخدام الفوتوغراف تحديداً، وليس في التحرر الجزئي من نمطية الحروف الطباعية ومقاربتها بأنماط من الرسوم اليدوية والأشكال الهندسية، والرموز الكتابية، والتلاعب بالبياض والسواد (فتلك المحاولات يمكن أن تُقرأ في سياق آخر) كما في مجموعة الشاعر رعد عبد القادر (جوائز السنة الكبيسة) (5) التي كتبها ورسمها بخط يده حكمت الحاج، ومن قبلها مجموعة قحطان المدفعي (فلول) (6) التي يمكن عدّها محاولة في الكتابة الميكانيكية مستنسخة عن تجارب غربية أفرزتها الظروف المضطربة في أعقاب الحربين الكونيتين الأولى والثانية، أكثر من كونها محاولة لخلخلة القيم السائدة في الكتابة الإبداعية وفرض شعرية جديدة .

ثمّ جاءت تجربة الشاعر أفضل فاضل في الكتابة المتعالية الغيرية لتقدم تجربة تستحق الإنتباه والفحص . ولكن السؤال الذي تطرحه هو كيف يمكن تصنيف أو تجنيس هذا النمط من الكتابة؟ وكيف تحدد العلاقات التي تحكم هذا النمط من التعالقات ما بين نوعين ينتمي كل منهما إلى آليات قراءة مغايرة؟ وما هي وظيفة الفوتوغراف في النص؟ ومدى  تكامل أبعاده الدلالية مع ما يشعه النص المكتوب؟

حدد جيرار جينيت خمسة أنواع من العلاقات الخاصة بالمتعاليات النصية، هي:

1 - التناص

2 - ألنصيّة المصاحبة

3 - الميتانصيّة (أو النصية الواصفة، أو البعدية)

4 - النصية الجامعة

5 - النصية المتفرعة

وما يهمنا من تلك الأنواع ما يتعلق بالنصية المصاحبة التي قد توهمنا بنوع من العلاقات النصية المقاربة لما نحن بصدده، فهي تشمل (ألعنوان، والعنوان الفرعي، وألعنوان الداخلي، والديباجات، وألتذييلات، والتنبيهات، والتصدير، وألحواشي الجانبية، والحواشي السفلية، والهوامش المذيلة للعمل، والعبارة التوجيهية، وألزخرفة، وألأشرطة، والتزيين الذي يتخذ شكل حزام، وألرسوم، ونوع الغلاف، وانواع أخرى من إشارات الملاحق والمخطوطات الذاتية والغيرية التي تزوّد النص بحواشٍ مختلفة، وأحياناً بشرح رسميّ، وغير رسمي) (7) . ولو بحثنا لقصائد أفضل فاضل عن مكان بين هذه التمثلات فلن نجده، ذلك لأن فوتوغراف الشاعر هو جزء أساسيّ وجوهريّ من بنية الدلالة العامة، لا تكتمل إلا باجتماع النوعين معاً (المقروء والمرئي)، وأن أحد  النوعين يشوّه معطى كليهما ويُقدم قراءة ناقصة لا تتوافق مع ما ألمح إليه جيرار جينيت من إمكانية إبقاء تلك العتبات خارج النص في مرحلة ما من مراحل إنتاجه، وذلك في معرض حديثه عن العناوين الفرعية التي خصّ بها جيمس جويس روايته عوليس في مرحلة إعدادها الأولى، والتي أسقطها عنها فيما بعد حين أصدر الرواية في كتاب مطبوع، وبهذا الصدد يتساءل جينيت (أيمكن اعتبارها جزءاً من نص عوليس أم لا؟) .

من اليسير ملاحظة أن صور افضل فاضل تختلف عن العتبات في كون الدور الوظيفي للأولى لا يتوقف عند حدود النص / المكتوب، كما أن وجودها العلاماتي ليس تزويقاً خارجياً يحيط بالنص الأصلي، بل هي تخترق النص وتتوحد فيه بحيث يصبح الفهم متعسراً بدونها . وبدونها أيضاً تجنح العلامات الكتابية منعزلة نحو تأويل ضدّي مخادع قد يُسيء إلى نية النص ومقاصده . فالصورة ليست هنا نظاماً إشارياً خارجياً موجهاً أو وسيلة إيضاح، بل هي الجزء المرئي من نظام خطابي متكامل ومركب واحد، تتبادل فيه الإشارات حركة الدلالة باتجاهين:

- من (النص / المكتوب) – إلى – (النص / المرئي)

- ومن (النص / المرئي) – إلى – (النص / المكتوب)

وإن الإستغناء عن أحد النصين يقطع حركة الدلالة، ويُربك المعنى .

وبالرغم من أن الفوتوغراف هو صور بأجهزة الإتصال selfie ألتقطت بعفوية دون تكلف أو حِرفية لنقل وقائع محددة ضمن إطارها العاطفي وفي لحظتها الآنية، إلا أنها لا تفتقد وضوح القصد ولا تنحرف عن هدف الرسالة خصوصاً حين تقترن بظهيرها النصّي / المكتوب، عندئذ يذوب النوعان في بعضهما متحولَين معاً إلى خطاب جديد متكامل في طبيعته التكوينية أو التجنيسية، لا يحتكر أحدهما فيه المعنى، ولا ينفرد بتمثّله، بل يفتح حدوده لاختراقات النص الآخر لينتقل مركز التلقي بانسيابية وعفوية ما بين النصين، وتتولد علاقات جدل متبادلة بينهما . وبذلك، فوظيفة الصورة ضمن استراتيجية القراءة هي توليد وضخّ دلالات نوعية يفتقر إليها النص المكتوب بنفس الطريقة التي يولّد فيها ذاك الأخير دلالات وإشارات تفتقر إليها الصورة، ومن التقاء نمطي الإشارات يتولد المعنى ويكتمل بصيغته المفتوحة دوماً على مفاجآت التأويل . وبالتالي يمكن النظر إلى كلّ نص من الإثنين على أنه مولّد شفرات من جهة، ومن جهة أخرى أنه مستودع لشفرات الآخر .

وبالعودة إلى سؤال جيرار جينيت السابق حول إمكانية اعتبار النصيّة المصاحبة جزءاً من نص عوليس أم لا، لا بأس من البحث عن إجابة أولية على هذا السؤال في نصوص الشاعر أفضل فاضل، و(ألنص – 3) يمهّد لهذه الإمكانية، كما أنه يفتح مجالاً لردود محتملة عن إجابات الأسئلة التي سبقت عرض متعاليات جيرار جينيت الخمس .

يُشكّل (النص – 3) بسطوره الطويلة المتداخلة ببعضها كتلة طباعية شبه متراصة تجعله أقرب شكلاً إلى قصيدة النثر الفرنسية . أول ما يُلحظ على سطح النص هو لغته  في مستوى بنائها الأقرب إلى اللغة التراثية التقليدية والتي تنبّه الشاعر إلى إمكانية توظيف طاقاتها الصوتية وتفجيرها لتكون إطاراً تعبيرياً خارجياً مائزاً يُشير إليه، ويُذكّر بشعريته من جهة، ومن جهة أخرى لتكون حاضنة لانزياحاته المبنية في أغلبها على قاعدتي المفارقة والضدية وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .

أما ثاني ما نلحظه على سطح النص، والذي سيتبين لنا فيما بعد بأن تأثيره لا يقتصر على السطح، بل يتسلل إلى بنيته المعنوية العميقة فهو إقامته على قاعدة نصية مزدوجة، لسانية ملفوظة، وصورية مرئية . فالنص لا يمكن أن يُفهم بأحد هذين العنصرين ما لم يتمازجا، ويتعالقا معاً، ويتبادلاً بينهما الدلالات كلّ بأدواته . فالصورة الفوتوغرافية هنا تقدم نصاً مرئياً لشباب الإنتفاضة التشرينية العراقية / 2019، وتلك التوصيفات هي عناوين عامة تكشفها الإشارات المرئية في الصورة والتي سنأتي على تفكيكها وربطها بدلالاتها لاحقاً .

تبرز في إطار تشكل الغرض الهجائي للنص الكتابي ظاهرتان بلاغيتان هما الطباق والمقابلة، الأولى عُرّفت عند البلاغيين على أنها الجمع ما بين اللفظ وضدّه في سياق واحد، بينما الثانية فهي الجمع ما بين أكثر من معنيين متضادين في سياق واحد (9)،  وقد عدّ البعض هاتين الظاهرتين أو النوعين نوعاً واحداً أو ظاهرة واحدة وأضاف إليهما تسمية ثالثة هي التضاد (10) . يفتتح الشاعر نصه بالظاهرة الثانية (المقابلة) التي تهيمن على كامل الجملة الخبرية (تأكل من حنظل تاريخها زاداً يومياً)، حيث:

- ألضدان الأولان: هما (حنظل / زاد) على افتراض عدم استساغة السليقة السليمة للزاد ما لم يكن لذيذاً، ومن البداهة أن صفة اللذاذة هي على الضدّ من مذاق الحنظل .

- ألضدان الثانيان: هما (تاريخ / يوم)

أما بالنسبة لظاهرة الطباق، فهي في النص على نمطين:

ألنمط الأول:  يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد لضدّ واحد، كما في:

- حفيها / كلّ عتلّ زنيم

- كريمها / ممتهن

- شريفها / منبوذ

- فراشها / قراد

- مشربها / مهل

- مأدمها / ضريع

ويلاحظ انعكاس أثر هذه الأهاجي من الناس / الأمة على كل ما يحتازونه من جماد، ومن مأكل ومشرب .

ألنمط الثاني: يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد وضدّين معطوفين على بعضهما إمعاناً في تضخيم وتعدد معاني الهجاء .

- سُراتُها / سقط المتاع - و– السفل

- زرعُها / خضد – و– قنب

مع نفس الملاحظة السابقة في انعكاس أثر الأهجية من الناس على زروعهم .

هذا، ويمكن تمثيل بنية النص بمادة كتابية محصورة بين مزدوجين ملفوظين مجازاً، ألملفوظ الأول تمثله جملة الإستهلال (أمة من تراب) مع ملاحظة أن نسبة الأمة إلى التراب تكتسب طابعاً دنيوياً منحطاً هو على النقيض من طابعه الديني المتعالي لدى المتصوفة والزهّاد والذي يكتسب دلالته العميقة من قوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة)(11)، والمتربة هي الفقر الشديد الذي هو من صفات المتصوفة والزهاد، كما في قول إبن الخوّاص (ألفقر رداء الشرف، ولباس المرسلين، وجُلباب الصالحين، وتاج المتقين، وزين المؤمنين، وغنيمة العارفين، ومنية المريدين، وحصن المطيعين، وسجن المذنبين، ومُكفّر السيئات، ومُعظّم الحسنات، ورافع الدرجات، ومُبلغ الغايات، ورضا للخيار، وكرامة لأهل ولاية الأبرار)(12) . أما مزدوج الختام في النص / المكتوب فيمثله مقتطع الحديث النبوي (رفعت الأقلام وجفت الصحف) بعد إجراء تحوير عليه، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .

تقود جملة الاستهلال الإسمية سلسلة معاني الهجاء بدءاً من موقعها، وحتى نهاية النص، ثمّ تهيكلها ضمن ستة مستويات من الجمل الخبرية، وفي جميعها يفيد خطاب المتكلم / الهاجي الأحكام التي تضمنها الإخبار .

ينماز كل مستوى عن الأخر بعناصره النحوية، ووجهته الدلالية، وإيقاعاته الصوتية والبلاغية بما يمنح كل مستوى إستقلاليته السياقية النسبية عن المستويات الأخرى، ويتولى الصوت الوحيد / صوت الهاجي تنظيم تلك المستويات على شكل ملفات، كلّ ملف / مستوى يتناول المهجو / الأمة من جانب نحويّ محدد، ومن ثمّ يوصله بدلالته وبشكل يضع (داخل النص) و(خارجه) متقابلين ضمن مستوى حواري واحد:

ألمستوى الأول: هو المستوى الفعلي، وعبره تتكشّف دواعي الهجاء من خلال فعلي الأمة الترابية النقيضين، فعل المَلءِ (تأكل) وفعل التفريغ (تغتسل)، مع تجاوز الفعل الثاني دلالته التطهيرية الظاهرة إلى المجاز الذي لا يفيد معه الغسل الجنابة، فهي أي (الأمة):

- تأكل / من حنظل تاريخها الخطيئة

تغتسل / من الجنابة

ألمستوى الثاني: هو مستوى إسميّ، وعبره يتجلى الهجاء من خلال الإخبار عن المبتدأ ممثلاً بالخواص من أبناء الأمة، مع ملاحظة خلو النص من أية قرينة بينة تجعل للصنفين الأوليين دالة في امتهان ونبذ الصنفين الأخيرين، وربما تُقدّم عناصر النص المرئي القرينة، وهذا ما سنحاول تبيّنه لاحقاً:

- سراتها / سقط المتاع والسفل

- حفيها / كلّ عتلّ زنيم

- كريمها / ممتهن

- شريفها / منبوذ

ألمستوى الثالث: عود إلى صيغ المستوى الفعلي الثاني مع التقنين في استخدام الأفعال والإقتصار على فعل واحد (تطيع) من دون تكراره لأكثر من مرّة واحدة، والتعويض عنه بأداة العطف التي من دونها كانت حلقات هذا المستوى ستبدو بالشكل التالي:

تُطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه عقل

تطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه روح

تطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه بصيرة

تطيع (كالقطيع) – من ليس تحت جلبابه إلا الزور

تطيع (كالقطيع) – من ليس تحت جلبابه إلا البهتان

ألمستوى الرابع:عود إلى صيغ المستوى الثاني، ولكن بعد إسقاط المهجو البشري والإستعاضة عنه بملحقاته الدنيوية المادية، وقد أشرنا سابقاً إلى هذه الملحوظة:

- زرعها / خضد وقنب

- فراشها / قراد

- مشربها / مهل

- مأدمها / ضريع

ألمستوى الخامس: وهو مستوى القرار النهائي بالمفهوم القانوني، حيث كف الشاعر عن تعداد اتهاماته وتفصيل أهاجيه ليُعلن رأياً نهائياً في الإصلاح، مع ملاحظة تعارض إتجاهي قوتي الإصلاح (سماء × أرض) واللتين تمثلان كل مصادر القوى الأخرى المفترضة (ألسماوية × الأرضية) وكلّ الإتجاهات الموقعية التي يُحتمل أن تنطلق منها (شرق × غرب) و(شمال × جنوب)، مما يعني بالضرورة أن إمكانية الإصلاح كما يرى الشاعر معدومة، بل مستحيلة:

- ليس يُصلحها أمر من السماء

- ليس يُصلحها فعل في الأرض

ألمستوى السادس: عود أخير إلى صيغ المستوى الرابع حيث ينسف الشاعر كامل القاعدة الروحية والأخلاقية التي قامت عليها الأمة مُبرئاً ذمته من تبعات اللوم:

1 - لم تتعلم بالقلم

2 - لم تتعلم بالصفعات

3 - صحفها كتب مزورة

4 - هداتها أنصاب

مع ملاحظة أن ترقيم وحدات المستوى السادس ضروري وذلك لتيسير الإشارة إلى نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الفرديين (1 × 3)، في مقابل نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الزوجيين (2 × 4):

- فعدم تعلم الأمة بالقلم (ألتسلسل الأول) سببه أن صحفها كتب مزورة (ألتسلسل الثالث) فأيّ علم يُرتجى من كتب مزورة؟

- وعدم تعلمها بالصفعات (ألتسلسل الثاني) سببه أن هداتها أنصاب (ألتسلسل الرابع) ومن البديهي أن الأنصاب لا تحسن التعليم حتى ولو بالصفع .

وكما ألمحنا سابقاً يُختم النص بالمزدوج الثاني ممثلاً بالجملة المجتزأة من  الحديث النبوي المروي عن طريق عبد الله بن عباس (رفعت الأقلام وجفت الصحف) بعد أن استبدل الشاعر ما للأقلام بما للصحف، وما للصحف بما للأقلام (جفت الأقلام ورُفعت الصحف) وكأنه يشير إلى إنسيّة خطابه وخصوصية انتسابه إليه بذاته، وذلك بانحرافه عن سماوية الحديث النبوي (وما ينطق عن الهوى) . أما فحوى الخطاب المحوّر فهو تلميح إلى أن النص بظاهره أهجية، لكنه في الباطن إنذار بمُقدّر واقع حتماً، من دون تحديد طبيعته .

وابتداءً من الجملة الأولى / المزدوج الكلامي الإستهلالي الأول (أمة من تراب) وحتى المزدوج الكلامي الأخير / ألحديث النبوي المحوّر أو الإنسي، وما بينهمل من الإنتقالات لا تُسعف كلها في إنضاج قراءة مقنعة لدلالة التعميم في مفردة (الأمة) بل هي تزيد القراءة التباساً وغموضاً ما لم تتم الإستعانة بنص مكمل آخر،  فالنص الهجائي الملفوظُ لا يُحدد إطار الأمة التوصيفي بدقة، بل يُذيب ملامحها التاريخية في بوتقته البلاغية فيشكُلُ على من يكتفي بالمقروء تبيّن القصد، وسيظنّ أن الشاعر لا يستثني من أهجيته أحداً في أمته، على العكس من ملفوظ المتنبي الهجائي:

هل غاية الدين أن تحفوا شواربكم        يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

إذ جمعت آليات الهجاء في بيت واحد ما بين المعموم (غير المقصود بالهجاء) وهو (الأمة) وبين المخصوص (ألمعني بالهجاء) وهم الذين يَرَون أن غاية الدين أن (يحفوا شواربهم) ومن اليسير على القاريء الوقوع على القصد وتبين المستثنى منه . أما في نص أفضل فاضل / المكتوب فليس هناك سوى مهجوّ واحد هو (الأمة) مما يوهم القاريء المكتفي بالمكتوب بأن الشاعر لا يستثني بأهجيته منها أحداً .

هذه القراءة لم يقصدها بالتأكيد شاعرنا أفضل فاضل فهي قراءة في نصف النص، أي هي للنص المكتوب فحسب، أما النصف الثاني الذي بدونه لا يكتمل المعنى فيمثله النصف الآخر / المرئي، أي الصورة الفوتوغرافية . وإن كان جزء من الوظيفة الخبرية متحقق في النص المكتوب، إلا أن المعنى ما زال غير مستقر، وهو يتأرجح – بحسب البلاغيين – ما بين احتمالين، فإما أن يحتمل الصدق، وأما عكسه . وعلى الضد من ذلك فأن الوظيفة الإخبارية للنص المرئي لا تحتمل سوى احتمال واحد هو الصدق فهي قراءة العين التي لا تكذب، وبهذا الإحتمال الذي لا بدّ من الرجوع إليه يستقر المعنى الذي  حاذاه النص المكتوب ولكنه إبقاه رجراجاً .

وبستراتيجية مخالفة لستراتيجية المتنبي في أهجيته التي جمع فيها معاً في بيت واحد ما بين المعموم والمخصوص، أو بمعنى آخر هجى فيها المعموم وأراد المخصوص، فإن أفضل فاضل فرق بينهما ما بين نصّيه المكتوب والمرئي وجعل لكل منهما وظيفته التي تباين الأخرى، وبذلك فإن تشخيص المخصوص منهما بالأهجية لا يتحقق من تفحص أحد النصين أو النمطين . فوظيفة النص المكتوب أن يعمم الأهجية، ووظيفة النص المرئي أن يستثني ويُخصص ويُقصر الأهجية فقط على من تسبب في (إهراق الدماء على الأرصفة، ودفع بموقدي الشموع إلى الشوارع) . وفي ضوء ما يقدمه الفوتوغراف من إشارات يمكن إعادة تأويل القصد من شمولية الهجاء / المكتوب على (الأمة) باعتباره من قبيل (دلالة الكلّ على الجزء)، وبمعنى أدق دلالة الأمة على سراتها، وليس على ضحايا أولئك السُراة .

ولا بأس من استدعاء عناصر صورية إضافية من النص المرئي لتدعيم الرأي بالاستثناء والتخصيص والقصر، فالفوتوغراف يقرن المعموم / الضحايا بالورود والعلم والشموع، وكلها عناصر رمزية كريمة تدعم تداولياً مفهوم المناصرة والتعاطف من دون اضطرار إلى إقحام المفردتين في النص المكتوب وتحويله إلى خطاب إيديولوجي موجه . بل أنه بالإمكان دعم هذه الدلالة بقراءة نص صوريّ موازٍ آخر لنفس تلك الإشارات المرئية مجتمعة في الفوتوغراف المقرون مع (نص – 5) موجه – بلغة أكثر تعاطفاً – إلى أحد ضحايا المهجو / الأمة (أمة من تراب) وهذه المرة في صيغة المخصوص وليس المعموم، فقد تغير القصد، وتغير معه المقصود، وحلّ الرثاء مكان الهجاء:

(و أُمُّكَ مازالت تنتظر،

تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ

و الثياب)

مع ملاحظة كثافة دلالات العناصر الصورية في الفوتوغراف المرافق لهذا النص (نص – 5)، حيث التركيز على الثوار، وعلى العلم الذي لفوا به جثة أحد ضحايا (الأمة) . كما يقدم ال (نص – 6) المرئي علامات أخرى لعل أكثرها إيلاماً الصورة الفوتوغرافية لوجه الشهيد بعد استشهاده وهو مغمض العينين وملطخ بدمه وقد وضعت الصورة على مقربة من نعشه المكلل بالورود يحفّ به زملاؤه ومحبّوه، ويجاور العلامات المرئية النص المكتوب مستحضراً من عمر الشهيد المقابلة ما بين (الغياب / الحضور) و(الكبر / الصغر) من أجل أن تستمرّ دورة الحياة، ويحدث التمازج ما بين الموتى والأحياء من خلال اكتهال الأولين في الآخرين:

(في غيابهم الممعن بالحضور

سيكبر الشهداء الصغار

سيكتهلون فينا)

وأنه لمن البداهة القول بأن دوافع الهجاء وأطرافه المخصوصة والمعمومة التي ترشح من وحدات وعناصر الصور الثلاث المرافقة للنصوص (نص – 3) و(نص – 5) و(نص – 6) ليست بحاجة إلى مزيد من التنقيب والبحث فهي مفهومة بدلالاتها الصورية المرئية العامة .

من كل ما سبق يتبيّن لنا إن القراءة المزدوجة (اللسانية البصرية) لدى افضل فاضل ليست صرعة إبداعية أو نزوة فنية كتلك التي تستهوي المرء في فترة ما من مراحل تدفقه العاطفي، وتحت تأثيرات آنية سرعان ما تزول، وتُزيل معها ما أتت به من نزوات وصرعات . إن الأمر مع الشاعر يوشك أن يكون نهجاً خُطط له بوعي ونُفذ بإصرار، ولعل من المدهش في معطيات هذا النهج أنها تمثل محطات فارقة من مسيرة النضال الوطني في صيغته الشعبية الشبابية ضد الفساد والظلم والرجعية في صيغتها البدائية وضد الإجتراء على الإنسان وحقوقه . وإن كان (النص – 3) يمثل إحدى حلقات الإدانة والهجاء ضمن سلسلة الحلقات التي تُشكّل المشهد البانورامي لتلك المسيرة، فإنّ (النص – 10) يمثل حلقة أخرى نوعية تنفتح على مشهد المأساة العراقية عبر ضحية حيّة من ضحايا النظام السياسي، ليس عبر نافذة الهجاء هذه المرّة، بل عبر نداء الجوع والعوز الذي يدفع الثائر / الطريد إلى ساحة المواجهة .

يستهلّ الشاعر المستوى اللساني ل (النص – 10) بنداء إلى مخاطب ما / طريد، وإن كان النص قد عرّف المنادى بصفته النمطية العامة كما هي في القواميس والمدونات الأدبية والإجتماعية، إلا أن النص المرئي / الفوتوغراف قدمه بذات الصورة ذات الملامح النوعية التي أصبحت ذات يوم إيقونة من إيقونات ثورة شباب تشرين / 2019 . وبمعنى أدق إيقونة لإدانة الظلم في نظر الثوار، بينما نظرت الطبقة الحاكمة إلى تلك الإيقونة نظرة إستعلائية وأطلقت عليها تسمية (حسين الوسخ)، وتلك ميزة الثورات على مدى التاريخ أنها تصنع المفارقة، ومن ضمنها المفارقة اللغوية، حيث كل فريق من المتخاصمين يرى الشيءَ ذاته وكأنه نقيضه، وبذلك تتعدد التسميات بتعدد الجبهات .

يشرع الشاعر بعد افتتاحيته الخطابية بتفصيل تداعيات مشهد المواجهة غير المتكافئة ما بين الجوع من جهة، والطريد من جهة أخرى، والتي ستفتح فيما بعد جبهة أخرى أوسع، ولكنها متداخل مع الأولى . والجبهة الثانية هي ما بين الموت / الرصاص من جهة، والطريد والرفاق الهاربين من جهة أخرى . وعلى مشارف الجبهة الأولى يواصل الشاعر نداءه إلى الموصوف مباشرة بضمائر المخاطب من دون الإضطرار للاستعانة بالتوصيف أو بأداة النداء، فقد توحّد الإثنان عبر تراجيديا الجوع والفقر وعبر أواصر التعاضد والتعاطف الإنسانيين والتي فتحت جميعها أمام الشاعر بوابات المجاز على مصاريعها لتحوّل جسد الشاعر إلى مأدبة:

(فإذا انتهيت من نهش قلبي فانتظر

فما تناثر من الوليمة، فُتاتي

فاجمعني

وادّخرني لجوعك القادم

لا مجدَ أعظم من أن تسدّ رمقاً لثائر فقير)

وتفتح الوليمة الجسدية التناصّ مع الكتاب المقدس – العهد الجديد:

(وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزاً وباركَ، وكَسَرَ، وأعطى تلاميذه، وقال: خذوا كلوا هذا جسدي . وأخذ الكأس، وشَكَرَ، وأعطاهم، وقال: اشربوا من هذا كلكم . لأن هذا هو دمي . (متى / 26 – 28 / الفصل السادس والعشرون)(8)

مع تجريد التناص من وظيفته التقديسية، والاستعاضة عنها بوظيفة دنيوية هي من متطلبات التعاطف الإنساني الذي لا يكتفي من المشهد بالمساواة ما بين المتكلم والمُخاطب، بل يجعل من الأول أقل مقاماً من الثاني في الموازين السماوية:

(وفي الميزان

عند خالق الجوعى

تميل كفة الماعون

فهل لي أن أقاسمك

مائدة انتصارك النحيلة)

وفي هذه المرّة أيضاً يجترح التناص صورة جديدة أخرى للشاعر هي أقرب إلى صورة المذنب الذي يقرّ بهزائمه وانكساراته في مشهد أقرب إلى مشاهد الإعتراف الكنسية امام الراهب الذي تجلى في صورة  ألطريد:

(فهزائمي بضّة وسمينة،

ولي انكسار سافر لا يقبل بالمشاركة

سأبقيه لنفسي)

وفي كلّ الأحوال فتلك المفاداة هي صدى الحاضر لتلك المفادة المسيحية الأولى مع الفارق في المقامين والهدفين، بل حتى في الوظيفتين . فبالرغم من أن المفاداتين تستندان إلى قاعدة روحية واحدة مفادها تمجيد المطلق، إلا أن الفارق هو في المفهوم، فالمطلق المسيحي هو الله، بينما المطلق النصّي عند الشاعر هو الإنسان في صيغته المسحوقة والمعذبة / ألطريد، والتي هي أقرب ما تكون إلى صورة المسيح قبل الصلب، لأن المسيح بعده تحول إلى إله يعلو على ناسوتيته، وعلى آلآمه وانسحاقه .

هذا، ولا نعدم أن نجد أصداء أخرى لهذه الروح الفادية مبثوثة في أكثر من نص من نصوص الشاعر مع تنويع في (المَفدِين)، فمفاداته غير مقصورة على أبناء جلدته وأخوته في الإنسانية والمعاناة فحسب، بل تتجاوزها إلى عناصر الطبيعة وكائناتها في تجسيد لمبدأي وحدة المصير، ووحدة الوجود كما في المقطع التالي من ال (نص – 2):

(لو فقط

أعرف كيف أدلّ أفواه الجياع إلى جسدي

إلى دمي

والعصافير، تلك التي صمتت

لحنجرتي

لو فقط

أعرف كيف انثر جسدي بذوراً

وعوداً إلى (النص – 10) / المكتوب، حيث يتعاطى صوت المتكلم / الشاعر أخذاً وردّاً مع فضاء الصورة إذ يتجلى فيها الطريد غير عابيء بالموت، يجلس قبالته القرفصاء في ساحة المواجهة، ينظر إليه بعينين جاحظتين، فارشاً خوانه الفقير ليأكل، دافعاً لقمته باصبعه في فمه المفتوح في مشهد يتراوح ما بين السخرية من الموت، أو تحديه، أو الرضوخ لسطوة الأقوى منه وهو الجوع (لكنّ الجوع أقوى من الرصاص) بينما يتوافق النصان المكتوب والمرئي على رصد حركة هروب انعكاسية من المشهد لزملائه الثوار الآخرين، واتجاه حركة الهاربين في الصورة يحدد موقع السلامة، وبعكسه اتجاه موقع انطلاق الرصاص / الموت:

(رصاص كثير

رفاقك يهربون)

وفي المواجهة مع الجوع والموت يُظهر النص المرئي تمسّك الطريد بالعلم، يُثبته في طوق سترته ولا يحمله بيده دلالة على حرصه ألا يسقط فيما لو خارت اليد برصاصة . وتلك ابرز دلالات الشريد النوعية التي من أجلها كُتب النص الملفوظ . وبالرغم من محدودية الإشارات المتبادلة ما بين الفضاءين المرئي والمكتوب، إلا أن المتيسر منها كان حاسماً في تقديم نص متكامل، فبدونها كان النص الكتابي سيفقد مرجعيته الموضوعية، واستقراره الدلالي النسبي، ولم يعد للشريد أكثر من المعنى القاموسي العام والمفتوح على دلالات لا نهاية لها، والتي لا يقصد الشاعر بالتأكيد أياً منها، فشريده المعني هو رمز لقضية تختزن دلالات محددة بدقة، ولا يمكن فهم النص من دون الإلمام ولو بطرف منها .

وفي نص مدهش آخر عن الموت من دون أن يسميه الشاعر، أو حتى من دون أن يتوجه بخطابه إليه مباشرة، بل هو يتوجه إليه عبر مخاطبته لضحية من ضحاياه في لحظة صعود روحها إلى السماء التي تحولت في النص إلى (مدى) . هكذا ينفتح ال (نص – 4) على مشهد السفر ما بين مكانين نقيضين مبتدئاً من مكان الوصول / المدى وهو مكان واسع، بينما المكان الثاني موقع الإنطلاق فهو على نقيضه (زقاق البيت) ، أي بيت الراحل، وهو على عكس المكان الأول مكان ضيق . والمقارنة تحث القاريء على أن يفتح بوابات النص المغلقة مزوّداً بحساسيته التأويلية بحثاً عن الدلالة المتوارية خلف السطرين الأوليين:

(واسع هو المدى الذي تطير به روحك الآن

وضيّق زقاق بيتك)

وبالتأكيد لن يُسعف النص الملفوظ بمفرده القاريءَ في حل دلالات الإشكال العلاماتي المتواري خلف الطباق البلاغي في السطرين الأوليين من دون توسط عامل خارج المكتوب يستدعيه الشاعر من فضاء الفوتوغراف في محاولة لاستنطاق الخارج وإدماجه في النص بحيث يتحول المرئي / الخارج، إلى جزء حيوي ومؤثر من المكتوب / الداخل، يتبادلان ما بينهما الدلالات، ويملأ أحدهما فراغ الآخر وذلك باقتراح وسائل تعبيرية تتجاوز الحواجز التقنية ما بين اللسان والعين .

تقدم الصورة الفوتوغرافية الملونة الملحقة بالنص توضيحاً تراجيدياً لجماعة من المشيعين يحملون فوق رؤوسهم نعشاً يحاولون جاهدين إخراجه من زقاق ضيق لا يتجاوز عرضه عرض النعش إلا قليلاً، ولعل دلالة تفكيك المقابلة البلاغية، أو بمعنى آخر دلالة المقارنة ما بين طرفي كل من الثنائيتين الضديتين المكانيتين في السطرين الأوليين من القصيدة (واسع / ضيّق) و(المدى / زقاق بيتك) لا تستقيم من دون دخول الصورة الفوتوغرافية إلى أفق التأويل كمفتاح ييسر الوصول إلى المقطع الثاني من النص / الملفوظ، وهو مقطع مخصص لذات المقارنة المكانية مع فارق جوهري يتمثل في هيمنة دلالات الطرف الثاني من الثنائية الضدية الأولى (ضيّق) وانعكاس دلالاته على طيف واسع من عناصر المشهد الأرضي، لتتحوّل المفردة من دلالتها المكانية إلى كناية ذات بعد شمولي تحيل إلى ضيق الحال، بل وضيق كل منافذ الحياة، ف:

- ألتابوت الخشبي الرخيص = ضيّق (مع ملاحظة المفارقة الذكية التي أوجدتها العلاقة ما بين المنادى بصفته السامية (أيها الأمير) وبين تابوته (الخشبي الرخيص)

- زقاق بيتك = ضيّق

- ألشبابيك = كذلك (أي ضيّقة)

- أنفاس المشيعين = تضيق

- ألغبار = يضيق

- ألمرآى في العيون = يضيق

- حيطان بيتك = تضيق

- ألعراق = يحفّ ويضيق

- كلّ شيء = ينهار ويضيق

ويتحقق التبادل العلاماتي مع المرئي / الفوتوغراف من خلال عناصر المشهد، فالزقاق في الصورة ضيّق والبيوت ضيقة وواطئة والنعش ضيق، بل وحتى بقية العبارة على جدار البيت  الأمامي في الركن الأيسر بخط يدوي مرتبك والتي التقطت عين الكاميرا جزءاً منها (دار للبيع) كلها علامات تؤكد معنى الضيق سواءً بشقه المكاني أو بشقه الحياتي والمعاشي .

وعدا هذه العناصر الأرضية الضيقة والقريبة، يبقى المدى، وهو الكناية الجامعة والوحيدة في النص لكل العناصر السماوية البعيدة، يبقى هو الإستثناء الوحيد الواسع، أو هو فرصة الإنفراج والخلاص الوحيدة من هذا الضيق الأرضي الخانق والشامل:

(إلا المدى الشاسع الذي به تطير روحك الآن

واسع جداً، وبعيد)

 

ليث الصندوق

......................

(1) مربد التضامن العربي – وقائع مهرجان المربد الشعري الثالث عشر – ألجزء الثاني – إعداد وتقديم عبد الجبار داود البصري – دار الشؤون الثقافية / 1998 . ص - 57

(2) أسفار – فاضل العزاوي – مطبعة أوفسيت الحديثي – الطبعة الأولى – بغداد / 1976 . ص / 65

(3)    ألأعمال الشعرية الكاملة – فاضل العزاوي – الجزء الأول – منشورات الجمل – ألطبعة الأولى / 2007 . ص / 174

(4) ألرائي في العتمة – شهادة – فاضل العزاوي – دار الجمل / 2016 . ص / 285

(5) ألمجموعة الكاملة للشاعر رعد عبد القادر – الجزء الأول – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد - 2013

(6) فلول – قحطان المدفعي – شعر – مطبعة الأهالي – بغداد - 1965

(7) أطراس - جيرار جينيت – ترجمة المختار حسن – فصل من الأنترنيت

(8) ألكتاب المقدس – العهد الجديد – أنجيل ربنا يسوع للقديس متى - دار المشرق – أيلول 1987 – ألفصل السادس – ص _ 50

(9) صورة بخيل الجاحظ – أحمد بن محمد بن أمبيريك – دار الشؤون الثقافية – ألنشر المشترك – 1986 . ص / 75

(10) ألإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني – حققه وعلق عليه وفهرسه الدكتور عبد الحليم الهنداوي – مؤسسة المختار – ألقاهرة – ألطبعة الثالثة 1998 . ص / 288

(11) قرآن كريم – سورة البلد – الآية / 16

(12)  في التصوّف الإسلامي – قمر كيلاني – دار مجلة شعر 1962 . ص / 33

..............................

نماذج من نصوص أفضل فاضل

(نص – 1)

في غفلة ٍ من السماء

صار الجميعُ أنبياء

المُهرّج

و الطَبّال

و الجارُ بالجَنب ِ

و البَهلوان ....

مِن بَعد جَلالة الوَحي ِّ

و قَـداسَة المُرسَلين

صارَ للدّيـن ِفي حَيينـا

فِـرقة ٌ للتَرفيـه،

رائعة ........!

 (نص – 2)

لو فقط

أعرفُ كيف أدلّ أفواه الجياع الى جسدي

والسواقي التي نَضَبتْ

الى دمي

والعصافير، تلك التي صمتَتْ

1592  افضل 1لحنجرتي ...

لو فقط

أعرف كيف أنثر جسدي بذوراً

فيأكل الطيرُ

و يُعشبُ المرعى ...

لو فقط

أعرف كيف أقنعُ هذا الأفق أن ينفقني

مطرا

يشتري به قيظ المنتظرين

على تخوم اليباب،..

...

الناسُ هزائمٌ

تملأُ القبور

(إنّ موتي انتصار)

(نص – 3)

أُمّةٌ من تُراب، تأكلُ من حَنظل تأريخِها زاداً يومياً هُوَ الخطيئةُ عينُها وتحرص أن تغتسل من الجنابَة .

سُراتُها سَقطُ المَتاع والسِفَل، وحَفِيُّها كلّ عُتُلٍّ زنيم ؛ كريمُها مُمتَهَن وشريفُها منبوذ، تطيعُ كالقطيع كُلَّ أكمَهِ عقلٍ وروحٍ وبصيرة، ومَن ليس تحت جلبابه إلّا الزُورٌ والبُهتان، زَرعُها خَضَدٌ وقُنَّب،

و فَرَاشُهـا قِـرّاد، مَشرَبُها مُهَل ومأدَمُها ضريع، ليس يصلُحها أَمْرٌ من السماء ولا فِعلٌ في الأرض،

لم تتعلّم بالقلم ولا بالصفعات ؛ صُحُفُها كـتُبٌ مزوَّرة وهُداتُها أنصاب ْ

جفّت الأقلام ورُفعتْ الصُحُف . .

(نص – 4)

1592  افضل 2واسعٌ هُـوَ المدى الذي تطيرُ به روحُك الآن

و ضيّقٌ زقاقُ بَـيـتِـك،

هل للأسى مِن لُغةٍ أُخرى غير خَشَب التوابيت ِ !

أعرفُ أنّ لقَلبِ أُمّكِ الآنَ سكاكينٌ موغِلَة في الرَهافةِ،

و لأَهْلِكَ زَهرتان تذبلانِ، هُما عيناك،

و لَهُم، مما تبقّى

قُبلةٌ أخيرةٌ سَقَطَتْ مِن خَدّك عند باب البيت في عُجالَة الوداع الأخير،

لم يَعُد هناك مِن فرصة ٍ لعناق ٍ جديد،

لماذا لا تَشِـي اللحظاتُ بقُرب حلول السَفَر الأخير !

لكان العِناقُ قَبَل أن يجيءَ أطول َ

و إغفاءة الشِفاه على أعناق مَن نُوَدّعَ

أشَدّ وَطأةً واشتعالا...

..

تابوتُك الخَشبي ُّ الرخيصُ - أيّها الأميرُ - ضيّق ٌ

و زقاقُ بَيتِك ضَيقٌ،

و الشبابيكُ المُتعَبةِ من الإنتظارِ الطويلِ كذلك،

و أنفاس المُشَيّيعين َ، أيضاً تضيق،

و الهواء المَشنوق بغبار الدرب الذي سيفتقد خطواتكَ يضيق،

و المَرأى في العيون التي يَزحَمُها الدَمعُ يضيق

و حيطان بيتك التي تتشبّثُ بملامح وجهك عليها وهي تهربُ،

تضيق

بل حتّى العراقُ، ذو النهرينِ، فوق الخرائط يَجِف ُّ،

و يضيق ...

كلّ شيء ينهارُ،

و يضيق

إلّا المدى الشاسع الذي بهِ تطيرُ روحُكَ الآن َ،

و اسعٌ جداً وبعيد ..

....

لَـوِّح ْ لنا الآن َ

مِـن هناك َ

لَـوِّح ْ

إنّا نَـراك ......

(نص – 5)

1592  افضل 3و أُمُّكَ مازالت تنتظر،

تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ

و الثياب

......

الثياب التي مازالت في غرفتك

مُعلّقة،

أشرعة ً

لرحيلٍ مُقيم،

هيَ تعرفُ حقّاً

أنّك لن تعود

لكنها

عراقيّة ٌ

تتناسلُ في عمرها انتظاراتُ الأرضِ كُلِّها،

و تُقيم

فتعلّمتْ أن تنتظر،

لها، في تمادي الأسى

بُرهةٌ

من الأَمَل الرَثّ تسقطُ فيها

كلّما استفاقتْ من نوم ٍ رَخـو ٍ

(لعلَّ موتهُ كان كابوس نوم ٍ)

(لعـل َّ ........،

كلّا،.. ... ..)

لتوقن بعدها رحيلك من جديد،

و تفتحُ باب القلب

لانتظار ٍيَنهَش ُ

ذي أنياب ..

(نص – 6)

1592  افضل 4في غيابِهم المُمْعن بالحُضور

سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ

سيكتهلون َ

فينا

غيابةً للفَقدِ الفادح ِ

و نشتاق ُ

إلى نظراتهم الأخيرة

تلك التي ظلّت معلقةً منهم على شفاهِنا،

قُبُلات ......

سينتظرهم العراقُ

عند أقصى الوصول،

و أنتظرُهُم

أنا أيضاً

عند أقصى العمر، مُكتَهلاً،

عَلّ واحداً منهم

يقفزُ راجعاً

من الطلقة إلى رأسه

و من دمِهِ المسفوح في الشارع

الى قَلبه،

فيُبعث ُ

عِراقاً

بين يديه ِ

- مُطمئِنّاً -

أموت ..

.... .

 (نص – 7)

لا أدري إن كانوا سيعودون إلى البيت)

و أنا حزينٌ جداً،

و مُشفقٌ جداً،

و قلبي وجوهُهُمْ

مُذ غابوا عن البيت .

أنا حقّاً لا أدري

إن كانوا سيعودون يوماً إلى البيت

لكنني أذكُرُ أنهم كانوا دائماً يقولون لي

ماجدوى العودةِ إلى البيت

و الوطن

قد خرجَ - منذُ أن وِلِدوا -

و لم يعدْ ...

أنا لا أدري إن كانوا حقّاً سيعودون إلى البيت

و هذا يُدمي حدّ النَزف ِ

قلبي

فأنْثَني، على كبِدي

مُؤثّثاً حُزنا،

فكلّما ناديتُهُم،

سَمِعوا الوطن

و ازْدَروني !

و كلّما توسّلت ُ

أوغلوا في الرحيل إليه

و تركوني ؛

يقولون َ:

ليس الوصول مانبغي

بل الرجوع َ يوماً

إلى ضِفَّة ٍ

غادَرَنا منها ؛

نريدُ

أن نعودَ كُلّنا إليه ِ

لا إلى ما يُشبهُ البيت

لأنّـه ُ ....

- ثمّ أشاروا للوَطَن –

1592  افضل 5

(نص – 8)

مت ّ ُ،

وفي الطريق الى السماء

أعاقني الغَمام،

أحالَ بَرقُهُ هُلامَ روحي مطرا،

هَطَلتُ غزيراً

غزيراً

غزيرا،

فوق قَبري،.... فأَعْشَب ْ !

.....

... ألم أقُل لكِ،

لأنّكِ معي،

آخرتي

عُشبٌ وماء ْ .......... !

(نص – 9)

تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر،

تعالي،

دائماً ما يحتاج البَـرقُ الى حُلُمَـين

ليُومِـض ...

واليقينُ،

الى وَهْمَـين،

ليكون !

تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر،

دائماً ما يحتاج البَـلَـل ُ إلى قطرتين

ليكتمل،

والذَنْـب ُ

الى براءتين،

وَوَهْـم ٍ

وامرأة ٍ مثلُك ِ،

مَعَها،

كُلُّ خطيئةٍ مَغْفِـرة ....

 (نص - 10)

1592  افضل 6jpgيا طَريد

هل لي أن أُقاسِمك؟

ربّما في الصَحْنِ الوَرَقيّ الرَثّ مايكفي للَوْعَتَين،

و في اللُّقمَة التي تكاد ُ

و لا تكاد ُ

مايكفي من العَنى

لقَضْمَتين

و دمعتين

و شَهقَتين ؛

فإذا انتهيتَ من نَهْش قلبي فانتَظِر ْ

فما تناثر من الوَليمَةِ، فُـتاتي

فاجمَعْني

و ادّخِرني لجوعِكَ القادم ِ

لا مَجْدَ أعظَمَ من أن تَسدّ رَمَقاً لثائر ٍفقير .

.....

رصاصٌ كثير

و رفاقُك يهربون

لكنّ الجوع أقوى من الرَصاص ِ،

و في الميزان ِ

عند خالِق الجَوعى

تَميل كفَّةُ الماعون

فهل لي، أن أُقاسِمك

مائدةَ انتصارِك النَحِيلَة

فهزائمي بَضّةٌ وسمينة،

و لي انكسارٌ سافرٌ لا يَقْبل المُشاركة،

سأُبْقيه لنَفْسي

حتى إذا ما رُحت ُعنك َ

و رُحت َ عَنّي

و استَفْرَدْتُ بروحي خالياً

بكيت ُ

و دعوتُ لك:

يا مُطعِم الطَير، أعْطِهِ جناحين،

يا مُنزِل المَطَر، أَنْزلْهُ هنا،

عليه ِ

حيث يَتَفَتّتُ طِينُك،

يا مُنبِت َ الفَلَوات أنْبِتْ بين يديه القَمْح َ،

و ازرَعْ تُرابَ جَسَده القَحْط بالطواحين ؛

يا ربَّ الجائعين

إنّي لا أُشيرُ إلى ما نسَيت َ

بل إلى ما يَفِتُّ كبدي،

...

يلوكُ السُحتُ وللجوع فَم ٌ

يدعو الله

ببراعـة

خلف كلّ دجّال ٍ بَطيـن !

 


 

(نص – 11)

تعالَ نطِر .....!

هناك احتمالٌ ضئيلٌ،

لكنّهُ

جديرٌ بالمحاولة ..!

تعالَ نتسرّب

مثل قطرة ٍ

الى أيّ جذرٍ بعيد،

تعال نفعل أي شيء ٍ

غير هذا التشبّث المضحك بأطراف المهزلة،

بعيداً

عن كلّ هذا الغبار،

والقُبح ِ

واللاجدوى ......

تعال ....

(نص – 12)

أبـي

مِن أين لي بوجهك َ الآن؟

و المَدى، شاسعٌ وضنين ْ

و بغدادُ

بعيدة ٌ،

إلّا عن الوَجَع ...

من أين لي بكَ ألانَ،

و الطفولة ُ

أوصَدَتْ بابها الطريّ في وجهي

منذُ سنين،

و كهولتي،

لا تُصدّق أني مازلتُ طفلا ً

لقد حَلَفتُ لها

بما تبقّى من دَبَق الحلوى القديمةِ على أصابعي !

فَمنْ أين لي الآن براحَتَيكَ؟،

إنّ عطشي شديد ....

وأنا،

أستحي أن أطلبَ الماء

فموسمُ الأمطار ما زال بعيدا

واللقاء،..... بعيد ْ .......

..

..

..

في شتائي القَصيّ هذا،

الصباحات ُ

مازالت - كما كانَتْ في الطريق الى المَدرَسَة -

باردة ً،

ولكن هذه المَرّة،

أنتَ بعيد .....

...

(نص – 13)

أُمّي

لماذا تصنعين من نشيج دُعائك جسراً

للعبور إليَّ

وحَبْلُ البكاءِ قصير،

والسماءُ شاهقة !؟

أُمّي

كيف يشفّك الحزنُ مثل صبّارة ٍ، وأنتِ المَطَـر !؟

كيف لاشتياقي إليكِ أن يمشي على قدمين،

وهو من ماء؟

وكيف سيلتقي الماءُ بالمَطَـر،

والغيومُ انقرضَت ْ

والسمواتُ حديد !؟.....

...

كانت خلسةً، ليلاً، تُوصدُ بابَ غرفتي بعد أن تُعبّئ نومي بما يكفي من أحلام، وتنسى دائماً بابَ الحنين، على مصراعيه مفتوحاً ....!

. . .

وفي مرّة ٍ هرَبتُ

من ذلك الباب !،

......

من غيركِ أنتِ، يُرْجعُني ويوصدُ الباب .......!؟

. . .

...

..

.

طفلُكِ أُمّاهُ

مازال ذاك ....

يخاف أن ينام

وقلبُهُ مفتوح ...!

(نص – 14)

سيكونُ مؤلماً جداً أن أموت َ هذا الصباح !

تبقّى فيَّ الكثيرُ، من الحُبِّ

ليتّسعَ قبرٌ، لمداهُ الشاسعْ !

سيكون حزيناً ؛ وصادماً

وهتكاً، لحُرُمات الله !

فأصابعي، ليستْ لي …

بل هيَ للشجَرِ الذي أزرع

وللفَجر الذي أوقِظُ ؛

كُلَّ صباح ٍ

قبل أن يستفيق الناس

وعيناي َ،

ليسَتا هُما ... عيناي

بل شُرفتان حَطّتا على وجهي

مصادَفَة ً

وخطوتان ِ، لقَمَرٍ هارب ْ!

وجسدي، …

قايَضْتُهُ، بحقلٍ مُعشبٍ

منذُ خمسينَ عاماً

و ......... ونسيَ الحقلُ أن يأخُذه، !!

،،

سيكونُ مُمِضّاً، رحيلي

ولمّا يزل ذلك الطفلُ فيَّ

في انتظار العيد، والحلوى

سيكون عاصفاً

وكُلّ تلك الزوابعُ المُخبّأة ؛ تغادرُني

وجارفاً،

وأنا انزفُ بحاري ؛ دُفعة ً واحدة !

،،

سيكونُ خطأ ً أن أموتَ،

قبل التأكّد من استمرار مواسم المَطَر

وسيكونُ خسارة ً ؛ أن أموتَ

وقد بدأت تَوّاً مواسمُ المطر …!

وسيكون ظلماً مُجحفاً، كَذلك

أن أموت

في يومٍ، لم يَتَساقط من مَطَر

… هل لي رجاءاً أن أنتظر

… إلى يومٍ مطير؟!!

فكيف يسقي الله الأرض بالمطر

دون جسدي !؟

ومن سيُدلُّ _ غيري _

قطراتِهِ التائهه ؛ تحت التراب

إلى مسارب الجذور؟!

،،

سيكون مُعضلة ً

أن أموت

فلم أُعطِ _ حتى الآن _ أي تصريحٍ لأحّدٍ بذلك

وما قرّرتُ

حتى الساعة َ

إن كنتُ سأُدفَنُ

دون موافقة الحقل ِ ؛ _ الذي قايَضْتُهُ _

أو تصريح ٍ خَطيّ من المطر

،،

سيكون مشكلة ً لا حَلَّ لها، حتماً

فالأمر ليس سهلاً، حين يخلقُكَ الله أُفقاً،

وحقلاً،

ومَطَراً …

ويريد النَّاسُ جمْعكَ في حفرة !!

.

.

.

الله

كم سيكون مُدهِشاً

بعد كلّ هذا

أن أموت َ

كلّ صباح ....!

.

.

_______________________________________-

(نص – 15)

ها قد عاد الجميعُ الى ما كانوا عليه،

الجنودُ الى ثكناتهم

والناسُ الى أعمالهم

و حَجَرُ الأرصفة ِ إلى وَجَع الخطوات

والشوارعُ،

إلى اللغَط البَشَريّ المُريع ؛

................

وَ حْدَها،

عيونُ الأُمَّهات

ظلّتْ تَرتَقب

مَن راح َصباحاً بعدَ (وْداعْةَ الله يُمّهْ)

و لم يَعُدْ

 

 

 

(نص – 16)

في غيابِهم المُمْعن بالحُضور

سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ

سيكتهلون َ

فينا

غيابةً للفَقدِ الفادح ِ ؛

و نشتاق ُ

إلى نظراتهم الأخيرة

تلك التي ظلّتْ معلقةً منهم على شفاهنا،

قُبُلات ......

سينتظرهم العراق ُ

عند أقصى الوصول،

و أنتظرُهُم

أنا أيضاً

عند أقصى العُمر، مُكتَهلاً،

عَلّ واحداً منهم

يقفزُ راجعاً

من الطلقة إلى رأسه

و من دمِهِ المسفوح في الشارع،

الى قَلبه،

فيُبعث ُ

عِراقاً

بين يديه ِ

- مُطمئِنّاً -

أموت ..

....

. .

 

 

(نص – 17)

ليس ثلجاً

هذا الذي يَتَساقَط،

قلب ٌ أبيض هناكَ في الأعالي،

يَـتَـفَـتّـت ْ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(نص – 18)

ستجدونهم هناك َ

حتماً

واقفين بانتظاركم ؛

نحيلينَ

مثل وتر الرَبابة

و منكسرين،

مثل حُزنِـها ...

يحتفلُ عند أرواحِهِم وجعٌ لم يُغادر

منذ أن اخترق الرصاص أبدانَهم !

ستعرفونهم ببساطة:

لهم في جراحِهِم مَساربُ للضوء لا تنتهي

و من عيونهم يطلُّ وطن ٌ، هو العراق ...

قَبّلوا لي عيونهم

قَبّلوا الجِراحَ المُمطِرَة َ التي فيهم

قَبّلوا

إنّكم، حقاً، تُقَبّلون العراق،

 

 

 

 

_________________--

 

(نص – 19)

في الحفلِ الأخير،

أَلبَسوا الوطن المُوغل بالنخيل

ثيابَ الراقصات،

....... كان عُريُـهُ مُمِضّاً ....

والأكفُّ التي تُصَفّق، ليرقُص

تَصفَعُني، ...

.... سأُعيرُكَ دمعي ثوباً، وأنا أَشيحُ

عن جسدِك َ المُسْتَباح .

وطـنـي

كُلُّهم حضروا الحَفْل،

كُلّهم ...

تمادوا بنَهْش لحمكَ العاري

واقترفوا الحضور .....

..... ووحدي،

بعيداً كُنـت ُ

أستُرُ ماتبقّى من ظِلّك في روحي بالغياب .....

 

(نص – 20)

في اليوم الأوَّلِ

بعد موتي،

كان مؤسفاً أن أرى

أنَّ كلَّ شَيْءٍ تركتُهُ بعدي

بقيَ تماماً

كما كان قبلي!

ظلّت الأشجارُ التي كُنْتُ أراها خضراءَ، خضراء !

والبحرُ،

أزرقَ الوجهِ،

ندوبُهُ الموجات

والرملُ، ظَلَّ كما كانَ

مَهيل عطشٍ، يلفظهُ الملحُ ..

والسماءُ،

ظلَّت، كما كانت

تتزَوَّقُ بالغيمِ

وتبكي بالمطر....

ظلَّ كل شيء تماماً كما هُوَ،

حتى الدروب التي كانت في خطوي تُسافر،

والعصافير التي تلتقطُ الحَبَّ من حُنجرتي كل صباح،

بل حتى أرغفة الخبزِ

تلكَ التي حَشَتني تنانيرَ، وجَذَوات ...

كلّ شَيْءٍ ظلَّ كما هُوَ،

كل شيء .......

...... ماعدايَ أنا!

أنظرُ في صورة الأشياء غيابي

وأنكَسِر،

أوصِلُ ظِلّي الى مكاني الفارغ

وأنتفي !

....

..

.

ياأيّها الموتُ:

ماأيقنتُ حقّاً قبلكَ حضوري،

فلماذا تتعسَّفُ في مَحوي

لتُسفِرَ لي عن غيابي؟!

.

..

.....

الحضورُ، رماد

والغيابُ، رماد

خَمَدَت نارُ الحطب،

طابَ خبزُكَ

ياصاحبَ التنور ......!

 

.

 

بليغ حمدي اسماعيل1 ـ بِطَاقَةُ تَعَارُفٍ:

 (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي*****روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي*لم أقضِ فيهِ أسىً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،*في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛****يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي***ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ).

كل شخوص المشهد الصوفي في تاريخ الإنسانية يسبق الحديث عنهم تقدمة يسيرة إلا سلطان العاشقين عمر بن الفارض، فأبياته وحدها كفيلة بخير تقديم له، وكلما اقترب المطالع والمريد والمحب من سبر أغوار التصوف كلما اصطدم بمقام المحبة التي يعد عمر بن الفارض خير وأصدق تمثيل لهذا المقام بغير منافسة أو اشتراك أو منازعة .

إن عمر بن الفارض كما يقول عنه رائد الدراسات الصوفية جوزيبي سكاتولين ليس بمجهول في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن العربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة . وعمر بن الفارض يعد أحد أقطاب الصوفيين الوحيدين الذين ولدوا في القاهرة ونشأ بها وترعرع وصار صاحب حال ومقام وبها توفي أيضاَ، وله من الأسماء والكنى والألقاب ما تشتهيه الأسماع، فاسمه عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، وكنيته أبو القاسم، وأبو حفص، ولقبه شرف الدين، وله من النسب حبل متصل ببني سعد، وبنو سعد هم قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولقد عاصر عمر بن الفارص أحداثاً مجيدة في التاريخ الإسلامي، أو تلك الحقبة التي شهدت انتصارات عرفت بالنصر الإسلامي، فالبداية أنه أينع زهره في فترة الصعود البطولي للناصر صلاح الدين الأيوبي لسدة مجده وذروته، وعاش في ظل وكنف الملك الكامل في مصر، وشاء الله أن يقبض روحه قبيل سقوط الدولة الأيوبية العتيقة على أيدي المماليك .

والحياة العلمية والبيئة الصوفية والمعرفية لم تكن بجديدة على عمر بن الفارض، حيث تذكر كتب التأريخ لأقطاب ومشاهير الصوفية أن أباه عمل بالفقه حتى أصبح فقيهاً مشهوراً لاسيما وأنه صاحب قضية إثبات ما فرض للنساء على الرجال من حقوق، فكان بذلك أشهر رجال عصره من الفقهاء ولقب في هذا الوقت تحديداً بالفارض، وتولى بعد هذا الإثبات الفقهي نيابة الحكم، ومن الدهشة أن نرى كيف عُرض عليه أن يتولى منصب قاضي القضاة في مصر، وهو أسمى وأرفع المناصب في الحكم، لكنه أبى وانقطع للعبادة في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر وظل كذلك حتى مات . وهذا الأب الذي آثر الزهد في المنصب والولاية وفضل الورع والتقوى والانقطاع للعبادة والتفكر والاطلاع والبعد كل البعد عن مظاهر الجاه والسلطان وفتنة الدنيا كان كفيلاً لأن يكون خير مرشد ومرب لهذا الفتى الذي سيصير فيما بعد سلطاناً للعاشقين ومحباً بغير انقطاع أو ملل . يقول بن الفارض:

(ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ***سر أرق من النسـيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها***فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله***وغدا لسان الحال مني مجهرا).

وواصل عمر بن الفارض رحلته وسياحته العلمية والمعرفية في مصر، ولك أن تعرف أنه تعلم الحديث على يدي واحد من كبار محدثي عصره وهو العلامة الشافعي أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي . . والغريب في أمر شهرة عمر بن الفارض أنه لم يترك لنا من آثار تجربته الصوفية سوى ديوان واحد فقط اشتمل على ست عشرة قصيدة، ولم يعثر له على أية رسالة أو كتاب صغير يمكن أن نتلمس آثار تلك التجربة والرحلة الروحية توضح لنا مذهبه واتجاهه الصوفي، ورغم ذلك يظل أرق من تحدث عن العشق الإلهي.

2 ـ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ للتَّصَوُّفِ:

ولقد ولد عمر بن الفارض في القرن السابع الهجري، وهو القرن المعروف تاريخياً بالقرن الذهبي للتصوف الإسلامي، إذ أن التصوف وصل فيه إلى قمة  التعبير عن نفسه في مختلف نشاطه عملاً وفكراً . والواقع أن هذه الحقبة كما يشير المؤرخون ظهر فيها أساطين وأقطاب التصوف الإسلامي عبر عصوره، ومنهم عبد القادر الجيلاني، ومحي الدين بن عربي، وأبي حفص السهروردي، وشهاب الدين السهروردي،  وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ويونس إمري،  وشاعرنا الصوفي الكبير عمر بن الفارض .

وفي هذا القرن الاستثنائي في تاريخ التصوف اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بعد نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا القرن انفتح التصوف الإسلامي على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك . وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات، مثل الشعر والموسيقى والفن المعماري .ولقد أطلق على هذا العصر لقب عصر التصوف الفلسفي .

3 ـ التَّائِيَّةُ .. رِحْلَةُ ابن الفَارِضِ تِجَاه المَعْرِفَةِ:

وكعادة أهل الحب، أعني الصوفيين نجد كلامهم غامضاً بعض الشئ وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

(سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي ** وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم ** بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ *** شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ *** بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي)

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي  حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات . ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: (حـ ـ ب ـ ب)، و(حـ ـ بٌ)، و(هـ ـ و ـ ى)، و (وـ لـ ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها .

بجانب بعض الألفاظ التي تشكل محوراً مهماً في القصيدة الأهم في الشعر الصوفي المعروفة بالقصيدة التائية لابن الفارض، ومن هذه الألفاظ: (نفس ـ روح ـ ذات)، وحينما نجد ابن الفارض يتحدث عن ذاته فهو يكشف عن ذاتيته العميقة من خلال عملية يندمج بها مع حبيبته، وهي عملية يسميها النقاد وأهل التأويل النصي بالصيرورة نحو الذات، ولقد عبر عمر بن الفارض عن هذه الصيرورة بعباراته مثل: أنا إيَّاها، وهي إياي، وأخيراً أنا إياي .

ولفظتا نفس وروح من الألفاظ المحورية في شعر عمر بن الفارض وفي الغالب يأتيان دوماً في موقع التوكيد لضمير المتكلم (أنا)، أو في موقع الإضافة إليه مثل: نفسي وذاتي . أما كلمة (روح) فكما يشير جوزيبي سكاتولين في شرحه لديوان بن الفارض فليس له استعمال كاسم توكيد للأنا، وكثير من اعتاد الحديث عن مفهوم الحب والعشق في قصائد عمر بن الفارض، رغم أن جون آرثر آربري (1973) أشار إلى أن قمة التجربة الصوفية عند ابن الفارض لا يمكن اختزالها فقط في تجربة العشق الإلهي، بل تبلغ القمة مداها حينما نجد الشاعر نفسه يتحدث عن الأنا الجمعي، وهذه الأنا نفسها اللفظ المركزي في قصائده بغير منازع، وربما مقصد التجربة الصوفية الروحية لعمر بن الفارض الأسمى هو الاكتشاف والتحقيق لذاته لأبعد حدود لها . يقول ابن الفارض في تائيته:

(ولولا حِجابُ الكَونِ قُلتُ وإنَّما

                   قيامي بأحكامِ المظاهِرِ مُسْكِتي

فلا عَبَثٌ والخَلْقُ لم يُخلَقوا سُدىً

                   وإنْ لم تكُنْ أَفعالُهُمْ بالسديدَة

على سِمَةِ الاسماءِ تَجري أمورُهُمْ

                   وحِكْمَةُ وصْف الذاتِ للحكم أجرَت

يُصَرِّفُهُمْ في القبضَتَيْنِ ولا ولا

                   فقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وقَبْضَةُ شِقْوَة

ألا هكذا فلتَعرِفِ النّفسُ أو فلا

                   ويُتْلَ بها الفُرقَانُ كُلَّ صبيحة)

وسرعان ما يتحول مركز الثقل في تجربة عمر بن الفارض الصوفية والتي عبر عنها بالشعر من الأنا إلى بحار الجمع، فيتخذ من الأنا الفردية سلماً للصعود إلى الأنا الجمعي أو الأنا الجمعية، وعن هذا نجده يقول:

(فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها  *** المحيط بها والقطب مركز نقطةِ

ولا قطبَ قبلي عن ثلاث خلفته **** وقطبية الأوتاد عن بدليتي) .

4 ـ الاتَّجَاهُ صَوْبَ القَلْبِ:

وإن كان حديث المعرفة قد تم الإغفال عنه كرهاَ من جاب الذين اهتموا بتاريخ التصوف الإسلامي لاسيما  عند الإشارة إلى عمر بن الفارض كونه شاعراً، فإن تجربة العشق الإلهي هي الأبرز والأكثر حضوراً ونحن إزاء سلطان العاشقين، ولما لا، وقصائد عمر بن الفارض تحتل المكانة الكبرى في أشعار المتصوفة من ناحية، وقصائده التي تناولت هذا المنحى لها النصيب الأكبر من الاحتفاء والاهتمام نقداً وإنشاداً ودراسة من ناحية أخرى، يقول عمر بن الفارض:

(شربنا على ذكر الحبيب مدامة **** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

لها البدر كأس وهي شمس يديرها *** هلال وكم يبدو إذ مزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها *** ولولا سناها ما تصورها الوهم)

والمحبة عند الصوفية أمر يحتاج إلى تفسير دائم لاسيما وأن كثيراً من الأقلام المتطرفة تأخذه بجانب يخرج صاحبه عن الملة والمعتقد، فالحب عند أهل الحب وهم المتصوفة الأماجد حب لله وهو كما قال عنه الإمام المحاسبي حب محكم رصين، ودوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار مستدام للنعم . وللإمام المحاسبي نص في ذلك، يقول فيه: " إنَّ أَوَّلَ الْمَحَبَّةِ الطَّاعَةُ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حُبِّ السَّيِّدِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى غِنَاهُ عَنْهُمْ فَجَعَلَ الْمَحَبَّةَ لَهُ وَدَائِعَ فِي قُلُوبِ مُحِبِّيهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهُمُ النُّورَ السَّاطِعَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مِنْ شِدَّةِ نُورِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَرَضَهُمْ سُرُورًا بِهِمْ عَلَى مَلائِكَتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُمُ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ لِسُكْنَى أَطْبَاقِ سَمَوَاتِهِ نَشَرَ لَهُمُ الذِّكْرَ الرَّفِيعَ عَنْ خَلِيقَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَدَحَهُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ شَكَرَهُمْ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُمْ مَا كَتَبَ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى خَلِيقَتِهِ وَقَدِ اسْتَأْثَرَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَّ أَبْدَانَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْخَلِيقَةِ، وَقَدْ أَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ الْغُيوبِ، فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِمُوَاصَلَةِ الْمَحْبُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيُحْيِيَ الْخَلِيقَةَ بِهِمْ أَسْلَمَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، ثُمَّ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَاسْتَخْرَجُوا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةَ بِالأَدْوَاءِ وَنَظَرُوا بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مِنْ أَيْنَ يَهِيجُ الدَّاءُ، وَبِمَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى عِلاجِ قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِصْلاحِ الأَوْجَاعِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّفْقِ عِنْدَ الْمُطَالَبَاتِ، وَضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ نَادَى بِخَطَرَاتِ التَّلْبِيَةِ مِنْ عُقُولِهِمْ فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا مَعْشَرَ الأَدِلاءِ، مَنْ أَتَاكُمْ عَلِيلا مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ، وَفَارًّا مِنْ خِدْمَتِي فَرُدُّوهُ، وَنَاسِيًا لأَيَادِيَّ وَنَعْمَائِي فَذَكِّرُوهُ، لَكُمْ خَاطَبْتُ لأَنِّي حَلِيمٌ، وَالْحَلِيمُ لا يَسْتَخْدِمُ إِلا الْحُلَمَاءَ وَلا يُبِيحُ الْمَحَبَّةَ لِلْبَطَّالِينَ ضَنًّا بِمَا اسْتَأْثَرَ مِنْهَا إِذْ كَانَتْ مِنْهُ وَبِهِ تَكُونُ فَالْحُبُّ لِلَّهِ هُوَ الْحُبُّ الْمُحْكَمُ الرَّصِينُ، وَهُوَ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلَّهِ وَشِدَّةُ الأُنْسِ بِاللَّهِ، وَقَطْعُ كُلِّ شَاغِلٍ شَغَلَ عَنِ اللَّهِ، وَتَذْكَارُ النَّعَمِ وَالأَيَادِي وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْجَوْدِ وَالْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ اعْتَقَدَ الْحُبَّ لَهُ إِذْ عَرَفَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ هَدَاهُ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ فِي الأَرْضِ شَيْئًا إِلا وَهُوَ مُسَخَّرٌ لَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاسْتَقَرَّتْ هَاجَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَثَبَتَ الرَّجَاءُ، قُلْتُ: خَوْفًا لِمَاذَا ؟ وَرَجَاءً لِمَاذَا ؟ قَالَ: خَوْفًا لِمَا ضَيَّعُوا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ لازِمًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَوْفًا ثَابِتًا لا يُفَارِقُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ خَوْفًا أَنْ يُسْلَبُوا النِّعَمَ إِذَا ضَيَّعُوا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَفَادَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الْخَوْفُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَشْرَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى حَمْلِ الْقُنُوطِ عَنْهُمْ، هَاجَ الرَّجَاءُ بِذِكْرِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، فَرَجَاءُ الْمُحِبِّينَ تَحْقِيقٌ، وَقُرْبَانُهُمُ الْوَسَائِلُ، فَهُمْ لا يَسْأَمُونَ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَنْزِلُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلا عِنْدَ أَمْرِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ لَهُمْ بِحُسْنِ النَّظَرِ " .

ويختتم الكلام عن عمر بن الفارض سلطان العاشقين بإطلالة على عجل بأبيات رائعة من قصيدته " تِه دلالاً " والمعروفة بالدالية:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

                   وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

                           فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فه ائتلافي

                        بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

                   فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

فعلى كُلّ حالَةٍ أنتَ مِنّي

                      بيَ أَوْلى إذ لم أَكنْ لولالكا

وكَفَاني عِزّاً بحُبّكَ ذُلّي

                    وخُضوعي ولستُ من أكْفاكا

وإذا ما إليكَ بالوَصْلِ عَزّتْ

                   نِسْبَتِي عِزّةً وصَحّ وَلاكا)

              ***

الدُّكْتُور بَلِيْغ حَمْدِي إسْمَاعِيْل

أسْتَاذُ المَنَاهِجِ وطَرَائِق تَدْرِيْسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الإسْلامِيَّةِ (م)

كُلِّيَّةُ التَّرْبِيَةِ ـ جَامِعَةُ المِنْيَا

 

 

صادق السامرائيمنولوج النفس الفاعل في أجيال الأمة رثائي بكائي جنائزي، ويبدو كنمطية سلوكية جاثمة على وعي الناس منذ عصور بعيدة، ولايزال للرثاء والبكاء دورهما في بناء التفاعل الجمعي في مجتمعاتنا، المنكوبة بالدموع والدماء والأنين والتشكي المتدفق الذي لا يعرف الإنقطاع.

وهذه القصيدة الرثائية الذاتية تختصر ديناميكيات التفاعل النفسي القابضة على سلوكنا، وما تتسبب به من تأثيرات وتداعيات مأساوية قاتمة، تتكثف في كلمات وعبارات مشحونة بالعواطف والمشاعر والتمنيات السرابية المستحيلة النوال، فواقعنا النفسي يطارد خيط دخان، أو يلهث وراء سراب.

والقصيدة ملحمة موتية يسكب فيها الشاعر ما يعتريه وهو يتقدم نحو الموت الداب في عروقه والمتمكن من وجوده، والذي يخبره بأن النهاية قد أزِفَت، وعليه أن يلتحف التراب، ويذوب فيه كالسابقين واللاحقين، لكنه إنسان يتمحور حول ذاته ويغوص منفردا في موضوعه.

وفي قصيدته يسجل مراحل المواجهة مع الموت بدقة متناهية، ويكتشفها قبل أن يتكلم عنها الإختصاصيون النفسيون في القرن العشرين، والتي تشتمل على النكران والغضب والمساومة والكآبة والقبول.

وفي هذه اللحظات الوجيعة تنثال الذكريات ويستيقظ ما في الأعماق من مطمورات، وتجد الإنسان في مواجهة صارخة مع الحياة بما فيها وما عليها، وما يتصل بها من مرغبات ومنغصات، إنها يقظة الموت التي عندما تجتاح البشر تضعه على شفا مفترق طرق رهيب.

 الموت الذي تهرب منه المخلوقات لتسقط في حبائله وتنتهي كما يريد، فلا قدرة لمخلوق على الفرار من الموت، إلا بالموت الواعد بما هو أرقى وأسمى من الحياة الدنيا، وهذه الكينونة التصورية المتحكمة بالبشر تساهم في تهذيب سلوكه، وأخذه إلى مدارات الرؤية القادرة على إستجلاء المخاوف والتوجسات المرعبة، التي تجثم على وعيه وتقضي بنفيه من الدنيا وإطعامه للتراب.

وحالما يكون البشر في مواجهته الأخيرة مع الحياة بعد أن تحاوطه الموت وأطبق عليه، يتفاعل بآليات تكاد تكون متشابهة، وفي هذه القصيدة إختصار مكثف لمعنى أن يتقدم البشر نحو الموت مرغما بسبب، وأسباب المنايا لا تعد ولا تحصى.

يبدأ الشاعر قصيدته بالتمني المستحيل، وكأن ما كان قد حضر أمامه حيا نابضا ومتوهجا، فاستشعر طيبته ولذته وقيمته التي ما كان يعرفها من قبل، فقيمة الأشياء الماضية تنبض في وعيه ووجدانه وتستعيد حيويتها وكأنها تطمئنه بأنه من الأحياء.

فيقول:

الا ليت شعري هل أبيتن ليلةً

بوادي الغضى أزدي القلاص النواجيا

فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه

وليت الغضى ماشى الركاب لياليا

لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى

كزارٌ ولكن الغضى ليس دانيا

هنا يستحضر لذة السعادة القصوى التي أغفلها، فرائحة الحطب وطعم أجيجه وصور نيرانه تتفتح في ذهنه وتشرق في نفسه فيعيشها بعذوبة ونشوة خارقة، وترتسم في وعيه لوحة تلك الأيام بلياليها ومفرداتها ومعطياتها، وما يساهم بإبداعها وتلوينها وتحبيبها وبلوغها ذروة الجمال والإفتنان.

وفي هذا نزوع نحو الماضيات الطيبات، وهو نوع من التحليق والهرب من الواقع الذي يعيشه، والحرمان الذي يقاسيه، وكأنه السمكة التي غادرت بيئتها المائية، وراحت تلفظ أنفاسها، منتظرة مَن سيتلذذ بطعم لحمها.

أ لم ترني بعت الضلالة بالهدى

وأصبحتُ في جيش إبن عفان غازيا

وأصبحتُ في أرض الأعادي بعدما

أراني عن أرض الأعادي قاصيا

وقصة البيتين معروفة، فهو كان جميل الطلعة قويا مهابا، إحترف مهنة قطاع الطرق، فأقنعه سعيد إبن عثمان بن عفان لترك ذلك والتوجه معه لغزو خراسان، ففعل، وكأنه يريد القول أن ثمن إهتدائه أن يكون بعيدا عمّا يحبه ويهواه، أو أنه إرتضى الإنضمام للحملة تعنيفا لنفسه، وتكفيرا عمّا إقترفه من جرائم بحق الأبرياء الذين كان يسلبهم وربما يقتلهم.

 ويظهر الندم واضحا وتأنيب الضمير، وشعوره بأن حياته التي يتهم إبن عفان بخطفها منه كانت أسهل وأهنأ، وفيها ما ينشده ويتلذذ به من القوة والقدرة على إستلاب الآخرين، والإتيان به لأهله وهم فرحون بما غنمه وجناه من المؤن والمتاع.

وكأنه يقارن بين ما كان يجمعه من حرفة قطاع الطرق وما يغنمه في الغزو، والفرق أن ما جناه من الغزو لا قيمة له لأنه بعيد عن الأهل والأحبة، ولا يقدم له شعورا بالقوة والقدرة على التحكم بمفردات الحياة، وما يمنحه محبيه له من مشاعر إيجابية ذات قيمة تلذذية تزيد من حماسته ونشوته.

دعاني الهوى من أهل أودَ وصحبتي

بذي (الطِبسين) فالتفتُّ ورائيا

أجبتُ الهوى لما دعاني بزفرةٍ

تقنَّعتُ منها أن ألامَ ردائيا

أقول وقد حالت قرى الكُرد بيننا

جزى الله عمرا خيرَ ما كان جازيا

الغربة تلتهب وتتأجج في هذه الأبيات التي تنسجر فيها نفس الشاعر وروحه، بما إلتهب من جمر الشوق والهوى، وما كان منه إلا أن يطلق زفرة ألم وحسرة وخيبة، فهي الجواب الأصوب على نداءات الهوى المتوقدة في دنياه، وراح يصف تفاعله مع صرخاته وصيحاته المدوية في أعماقه، حتى صار يخشاها ويتوهم بأنه سيتفاداها بتغطية وجهه بردائه، الذي ربما حسبه قد أجّ من حرارة الحسرات المنتدفقة من تنور صدره.

وحالما تبين له أن المسافة طويلة وأنه أصبح في حالة لا تعينه على الخطو والحياة، إتجه إلى الله الذي يرى أن بيده مقادير مُجازاة عمره الذي أفناه، وها هو على حافة الفناء المبيد.

إنِ الله يُرجعني من الغزو لا أرى

وإن قلّ مالي طالبا ما ورائيا

تقول إبنتي لما رأت طول رحلتي

سِفارُكِ هذا تاركي لا أبا ليا

لعمري لئن غالت خراسان هامتي

لقد كنت عن بابَي خراسان نائيا

فإن انجُ من بابَي خراسان لا أعد

إليها وإن منَّيتموني الأمانيا

وتمثل هذه الصورة حالة التمني المستحيل الذي يعلقه على الله الذي يتمنى أن يشافيه ويعيده إلى موطنه، وتنثال ذكريات لحظة فراقه لأهله وإلتحاقه بالغزو، ويعاتب نفسه ويعنفها، فهو الذي كان بعيدا عن خراسان فكيف به يكون على أبوابها، ويُصاب بما أصيب به من دواعي الموات والإحتضار القاسي، منقطعا عن مشيمة وجوده وحبل وصاله بالحياة التي عشقها وقاتل فيها.

كما أنه يُظهر من المشاعر السلبية والغضب والتذمر المؤلم لأنه تورط بوجوده في خراسان، ولو تجاوزته المنية وتمكن من الرجوع إلى أهله فأنه لن يعود إليها أو يلتفت لذكرها، لأنها أوجعته ووضعته في مواجهة متوحشة مع مصيره المحتوم.

فلله درّي يوم أترك طائعا

بنيّ بأعلى الرَّقمتين وماليا

ودرُّ الظبَّاء السانحات عشية

يُخَبرنّ أنّي هالك مَنْ ورائيا

ودرُّ كبيريَّ اللذين كلاهما

عليَّ شفيقٌ ناصح لو نهانيا

ودرّ الرجال الشاهدين تفتكي

بأمريَ الاّ يَقْصُروا من وَثاقيا

ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي

ودرُّ لجاجاتي ودرّ انتهائيا

ويعود محاورا نفسه ومطمئنها بأن ما قام به في سبيل الله، فهو خرج مجاهدا في سبيله، وقد حقق هذا السلوك وعبّر عنه بقوة وصدق وإخلاص وإيمان مطلق، لكنه في ذات الوقت يعود إلى موطنه الأصلي ويتذكر الحياة فيه، وأن موته قد أنقذ الظباء من قسوته وكأنها تحتفل بهلاكه، لأنها نجت من سطوته ومهارته في صيدها.

ويمضي على هذا المنوال ليشمل كبيريه والرجال في بلاده، وحتى الهوى الذي يطعمه من نضارة قوته وعنيف ما عنده من الطاقات الفياضة.

تذكرتُ مَن يبكي عليّ فلم أجد

سوى السيف والرمح الرُّدينيّ باكيا

وأشقرَ محبوكا يجرُّ عنانه

إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

ويرى أنه لو كان بين أهله لبكى عليه مَن بكى، ولكنه يواجه نهايته الأليمة في غربته ووحشته ، ويتصور أن حصانه وسيفه ورمحه ستبكيه فيستعيض بها عمّن سيبكيه لو كان بين أهله وعشيرته.

ولكن بأطراف (السُّمينةِ) نسوةٌ

عزيزٌ عليهنَّ العشيةَ ما بيا

صريعٌ على أيدي الرجال بقفرةٍ

يُسوّون لحدي حيث حمّ قضائيا

ولما تراءت عند مَروٍ منيتي

وخلَّ بها جسمي، وحانت وفاتيا

أقول لأصحابيْ ارفعوني فإنّه

يَقّرُّ بعيني أنْ (سهيلٌ) بدا ليا

لكنه في مكان بعيد مقفر خالٍ من الأحبة والمعارف الذين سيشاركون بتشيعه وحمله إلى مثواه، ولا يجد سوى بعض الرجال الذين يعالجون إنحداره نحو حتفه المحتوم، والذي سيحل به بعد ساعات أو بضعة أيام، فهو يشعر بأن الموت أزف وهو ميتٌ لا محالة، ويُقال أنه لُدغ بأفعى أو طُعن في الحرب، فأحس بالموت يسري في عروقه ويخطف قواه وقدرته على البقاء.

ويبدو قد توطنه شعور غريب أن يكون بعيدا عن التراب الذي سيلتهمه ويفنيه، فيحلم بأن يكون مرفوعا أو نائيا عن ملتهمه الشرس، وياليته كان قرب أبعد نجم في السماء، وفي هذا تعبير عن تمام بنيته وجماله، وما يفتعل فيه من نرجسية لا تزال مؤثرة بسلوكه.

فيا صحابيْ رحلي دنا الموتُ فانزلا

برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا

أقيما عليَّ اليومَ أو بعضَ ليلةٍ

ولا تُعجلاني قد تبين شانيا

وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيّئا

ليَ السدرَ والأكفانَ عند فنائيا

وخطا بأطراف الأسنةِ مضجعي

ورُدّا على عينيَّ فضلَ ردائيا

يفترش موتا ويتخيل روحا تفيض من بدنه، ويرغب أن يحفروا له قبرا بالرماح فهو المقاتل المغوار، الذي يأبى أن يُحفَر قبره بالمعاول والمساحي، وفي هذا تعبير عن سمو ذاته وعلو همته، وأنه يواجه الموت بإباء وأنفة وإقدام مقاتل همّام.

ولا تحسداني باركَ الله فيكما

من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا

خذاني فجراني بثوبي إليكما

فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا

وقد كنت عطّافا إذا الخيل أدبَرَت

سريعا لدى الهيجا إلى مَن دعانيا

فطورا تراني في ظِلالٍ ونعمةٍ

وطورا تراني والعِتاق ركابيا

ويوما تراني في رحا مستديرةٍ

تُخَرّقُ اطراف الرماح ثيابيا

في هذه الأبيات وصف دراماتيكي لقبول الموت الذي سيأتيه، ويرغب بقبر واسع، وعليهما أن يأخذانه بثوب ويجرانه كتعبير عن وصوله إلى ذروة التفاعل مع الموت، ففي الحياة كان صعب القياد والمراس ولديه قوة طاغية وقدرة قتالية عالية، ولا يهاب ويندفع للقتال بشراسة وعنفوان، والآن قد خمدت قواه وخارت عزيمته، وما عاد بدنه يتوافق مع إرادته المستعرة، فتجده وكأنه نار ملتهبة تأكل ذاتها وتنتهي إلى رماد، فهو يريد معالجة رماد وجوده كما يتصوّر.

وقوما على بئر السُّمينة أسمِعا

بها الغُرَّ والبيضَ الحسان الرَّوانيا

بأنّكما خلفتُماني بقفرةٍ

تهيل عليّ الريحُ فيها السوافيا

ولا تنسيا عهدي خليليَّ بعد ما

تقطّعُ أوصالي وتَبلى عظاميا

ولن يَعدم الوالون بثّا يصيبهم

ولن يعدم الميراثُ منّي المواليا

وتبدأ المناجاة والمعاتبات الفياضة الحارقة القاسية التي تلهب البدن وتزعزع خلاياه، فيدب شعورٌ ساخن في عروقه يستحضر ذكريات متوافقة مع درجة سخونته.

وكأنه يتخذ من الإسقاط آلية للتعبير عن وجيعه في قفرة وبُعدٍ ووحشةٍ تتناهبه فيها الرياح وتأتيه بما لا يرغب ويحب، ويصدح برجاء التواصل حتى بعد الموت ويأمل بزيارة وتذكر جميل، وإستحمام بالمشاعر والأحاسيس المبثوثة بحرقة وتألّم.

يقولون : لا تبعَدْ وهم يدفنونني

وأين مكان البعد إلا مكانيا

غداةَ غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ

إذا أدلجوا عنَي واصبحتُ ثاويا

وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ

لغيري وكان المال بالأمس ماليا

وهنا يتصور أن أصحابه يخاطبونه وهم يدفنونه لشدة تأثرهم بوجيع غربته، فيقولون له لا تبعد، فأنت لست غريبا، ويرى أنهم سيدفنونه ويرحلوا عنه وكأنه نسيا منسيا، وكل ما عنده سيصبح لغيره، وتلك حكاية الحياة بإختصار حزين.

فيا ليتَ شعري هل تغيّرت الرحا

رحا المِثل او أمست بفَلْوَجٍ كما هيا

إذا الحيّ حلوها جميعا وأنزلوا

بها بقرا حُمّ العيون سواجيا

رَعينَ وقد كاد الظلام يُجّنها

يَسُقنَ الخزامى مرّةً والأقاحيا

وهل أترك العيس العَواليَ بالضُّحى

بِرُكبانها تعلو المتان الفيافيا

إذا عُصَبُ الرُكبان بين (عُنيزةٍ)

و(بولانَ) عاجوا المُبقيات النَّواجيا

وتمضي التداعيات ويقظة الذكريات المطمورة في أعماقه، ويتواصل إنثيالها بإندفاقية متسارعة، كأنها تسابق اللحظات لأنه ينحدر بسرعة على سفوح الغاديات، ويقترب شيئا فشيئا من مثواه الأخير.

فيا ليتَ شعري هل بكت أم مالكٍ

كما كنتُ لو عالوا نَعيَّك باكيا

إذا متُّ فاعتادي القبور وسلِّمي

على الرمس أسقيتِ السحاب الغَواديا

ويحسب أن أم مالك ستبكي كما لو بكى عليها إذا نعوها إليه، وبذلك يعبّر عن حبه الشديد لإمرأة قد تكون زوجته التي تركها ومضى غازيا، ويرى أنها ستعتاد على زيارة القبور، لكن قبره في قفرة نائية، ولن تسترشد إليه لأنه سيمحى مع الزمن وبسبب الرياح العاديات.

على جَدَثٍ قد جرّتِ الريحُ فوقه

تُرابا كسَحق المَرْنَبانيَّ هابيا

رهينة أحجارٍ وتُرْبٍ تضمَّنت

قراراتُها منّي العِظامَ البواليا

فيا صاحبا إما عرضتَ فبلِغا

بني مازن والرَّيب أو لاتلاقيا

وكأنه يبلغ صاحبه رسالة إخبار لأهله بأنه قد مات وتم دفنه، فهو رهين الحجارة والتراب وستبلى عظامه ويغيب كالسابقين واللاحقين من البشر.

وعرِّ قلوصي في الركاب فأنها

ستفلقُ أكبادا وتُبكي بواكيا

ويتخيل أن فرسه سيبكي عليه، إن لم يبكه أحد في هذا العالم الذي يواجه الموت فيه لوحده مغتربا في فلاة الله الواسعة.

وأبصرتُ نار (المازنياتِ) مَوْهِنا

بعلياءَ يُثنى دونَها الطّرف رانيا

بعودٍ ألنْجوجِ أضاءَ وقودُها

مها في ظِلال السِّدر حورا جوازيا

غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفرةٍ

يدَ الجهر معروفا بأن لا تدانيا

عند إقتراب الموت تتداعي المشاهد والذكريات، وكأن البشر كان نائما فإجتاحته إنتباهة عارمة عصفت بكيانه وزعزعت أركان وجوده، وأوجعته بطاقاتها التحفيزية المطلبية التي تريده أن ينجز ما لا يستطيع إنجازه في لحظة يقظة الموت.

أقلب طرفي حول رحلي فلا أرى

به عيون المؤنساتِ مُراعيا

وبالرمل منّا نسوة لو شهدْتني

بَكينَ وفدَّينَ الطبيب المُداويا

فمنهن أمي وإبنتايَ وخالتي

وباكيةٌ أخرى تهيجُ البواكيا

وما كان عهدُ الرمل عندي وأهله

ذميما ولا ودّعتُ بالرمل قاليا

وراح يقيم مأتما إفتراضيا متخيلا يراه شاخصا ومتصاخبا ونائحا على فقده المأساوي المفاجئ الذي ما كان يتوقعه، وأنه ذلك القوي الشجاع العامر البنية والهيئة والجمال، وإذا به يتهالك ويتهاوى فوق التراب، وكأنه يجذبه ويسعى لإلتهامه وإبادة وجوده المادي فوقه.

وفي هذه المرثية الذاتية يعبّر عن مراحل الموت التي دبّت في عروقه وصاغها بمهارة شعرية، إستلهمت واقع مكانه وزمانه، وأرّخت لرحلته التي إنطلقت من الضلال إلى الهداية، ومن فعل الشر إلى الجهاد في سبيل نشر الدين والتضحية في سبيل الله، وقد أجاد بروحه من أجل ذلك الهدف السامي النبيل.

وتلك محاولة لقراءة القصيدة بمنظار نفسي وإقتراب مكثف ومختصر، أرجو أن يكون موفقا ومنصفا لهذه القصيدة العصماء!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

انعام كمونة للشاعر دكتور وليد العرفي

القصيدة الحديثة امتداد لتاريخ أدبي عريق للشعر العربي القديم، والقصيدة العربية الموزونة تراث أدبي أصيل رغم تضارب الآراء واختلاف المشارب لمتذوقيها وروادها باختلاف العصور،  وسابقا كانت عناوينها تنسب لحرف الروي فتسمى بـ التائية أو الرائية اما الحديثة فقد أصبح العنوان من العناصر المهمة بصيغته البنيوية ودلالته الموحية،  وقصيدة الشاعر دكتور وليد العرفي قصيدة معاصرة موزونة بالبحر الفراهيدي الطويل،  يتكون هيكل القصيدة من 23 بيت نستقرأ بعضها ونبحر في ضفاف بحرها...

-  يُعد العنوان للقصيدة أو النص الأدبي استراتيجية تقنية لاستفزاز ذائقة القارئ،  لأنه اللبنة الأولى لبنية النص وحلقة الوصل للتوقع عن مغزى القصيد،  منه تضئ الدلالة وتتسع أو تنحسر فتغيب،  واستجلاء المتلقي لسمة العنوان (رمز أو علامة أو اشارة) كمفردة أو مجاز،  ببنيته الدلالية وتركيبته الفنية وتعبيراته الشعرية،   تتمظهر طوبوغرافية الفكرة كخطوة ممهدة لتوتر ذهن القارئ لاستقبال بقية العتبات للتفسير او التأويل.....

-  العنوان(بيتي) استهلال جميل بدال لفظي سهل وصيغة حيوية الوقع حميمية الشعور بإيقاع سمعي لألفة محببة ذات تأثير نفسي مريح،  فمن بنية العنوان يتبادر لذهن القارئ العمق الدلالي المادي والمعنوي لرمز تراث خصب الإيحاء بأصول انتماء اجتماعي وثقافي وسياسي لذات مكان عام أو خاص باستمرارية الزمن،  فلكل كيان وجود بيئة زمانية ومحيط مكاني هو ملاذ  طبيعي مرتبط به بهوية تاريخية وجغرافية، ولأن الله خلق الأنسان اجتماعي بطبعه كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)*1،  وكما يشي العنوان بصيغته المختزلة لمأوى عاطفي تلجأ له الروح كملجأ للحواس بما يوحي بالشعور النفسي لضرورة عيش مستقر لتطمئن النفس وتكتفي الذات،  فالبيت هو طموح استحقاقي لا يخلو من فكر اي إنسان ...

- ورغم ان بنية العنوان من مفردة واحدة،  الا انه معجمية (بيتي) رمزية بهيمنة مكانية مشتملة كل الازمان متداولة الألسن،  تداولية التواصل بتفاعل الوعي،  لها قدسية واسعة الايحاء في كيان الوجود الإنساني بأصالة انتماء،  فالبيت لبنات حياة،  و(الياء) : ضمير المتكلم يدلُّ على خصوصية التملك الفردي والجمعي، ، فالعنوان وقفة تأمل بحد ذاته القريبة والبعيدة،  بظاهرهِ وباطنهِ لما يُوحي بدلالات عدة تضمّن الاحتواء والدفء والذكرى والأمان،  تُعوم في ثنايا ذهن القارئ،  فيسترجع دقائق عمره ....

- ندرك من العنوان (بيتي) هو المعادل الشعري لمنطلق الفكرة،  ومن براعة الشاعر توظيف العنوان كثيمة للقصيد ليفتح شهية القارئ لتأويلات رؤياه،  لاستنطاق أبعاد الدلالة فضول تساؤل لمتعة أدبية،  فهل يشي الشاعر لمكان يسكنه أو وطن رحل عنه ..، لربما ما زال يسكنه.. قد يكون البيت يسكن نجوى الشاعر،  فأي مكان يعني..؟،  لربما ما اشتمل على الأحاسيس الدافئة كالعائلة أو الحبيبة فهما الوجدان الحاضر في العقل والقلب،  ولربما جميعهم هم بيته،  فما المقصود بجوهر رؤياه ... يستوقف القارئ استفهامه لاستجلاء أبعاده المتوارية،  فيتسلق بقية العتبات لينهل من فحوى الإيحاء ويستنير بباقي القصيد...

- نسترسل لجسد القصيد ونستقرأ بعض رؤى الشاعر لاستكناه مكنوناته

أعودُ إلى بيتي غريباً وما درى     بما كنْتُ ألقاهُ ببُعدي وما جرى

 فما مرَّ يومٌ دونَ ذكرى وغصَّةٍ     وما ذقْتُ طعمَ الفرحِ إلَّا تمرمرا

 وأنّيَ في بُعدي القريبُ بلهفتي     وما اخترْتُ بُعدي طائعاً كنْتُ مُجبرا

- استهل الشاعر قصيدته بتركيب لفظي لجملة فعلية بالفعل المضارع (أعود) باستمرارية تواجد مقترن بجار ومجرور (بيتي) لأقول بياء الانتماء للشاعر فيعود بعد طول غياب موجها خطاب للبيت،  الا أنه يصف نفسه غريبا،  فلما هذا الشعور..؟،  ان للبيت دلالة لإشباع الأنا فاعلة التأثير مرتبط بالأحاسيس الإنسانية وهوية نفسية طبيعية لامتداد الأجيال،  ولنصغي لهذه المناجاة العذبة الأحاسيس لحبيب يسمعه وينتظر رجوعه بما أضفى عليه من حسية الفعل وأنسنة الحواس كائن واعي فينقل له صورة معاناة الماضي في الغربة كما في (بما درى / وما جرى) أفعال خبرية عن لوعة الاشتياق في البعاد، وكأنه يقدم له الأعذار ويلتمس الأسباب،  هي محاكاة الروح للروح الا وهو قوة الارتباط بالمكان وعلاقته ببيته،  وأن ثنائية التضاد الزمني بين الأفعال انعكاسية للشعور كما في  (أعود/ والبعد) تتمثل بما يؤكده الحضور أعود وما يؤكده الغياب البعد،  والذي يدعو القارئ للتساؤل ان الشاعر ما زال في مرارة الغربة وهو في بيته،  لأنه مجبر على الرحيل ؟...

- نتوقف على مقاربة للحواس افصحت عما نزل به من مكروه بتوظيف أفعال حسية  كما في (ما مر/ ما ذقت) استمرارية مرارة الغربة يحيلنا الى ثنائية حسية بليغة التعبير في (غصة / فرح) بتناقض ملموس  فالغصة مرارة التذوق إحالة تأكيد شعور بالحزن وضد الفرح شعور البهجة،  اجاد الشاعر بتكثيف بلاغة  الصورة وجمال التعبير بعمق الإشارة لطعم الغربة باستعارة الشعور بعامل الحواس ...

- وما زال الشاعر ينقل احاسيسه ويستمر تأكيد غربته في و(إني) بذاتية الموضوع،  ويستمر بحواره المجروح ومنه يبدو لنا ثنائيات تضادية زمكانية ايضا ما بين حضور وغياب كما (في بُعدي القريبُ)، وثنائية اخرى تتمظهر في حسية الشعور الإنساني المضطهد في (طائعاً / مُجبرا) تتوهج دلاليا بوجع الذات،  ونستشعر ما بين وجع قسري وحرمان لذة التواجد في الوطن معاناة إنسانية، وإرغامه على الرحيل والاغتراب الذي يتقد باللوعة والحنين لذكريات الطفولة المبنية في تراب الوطن...

- أما حالة الحضور تتمركز بسيمائية عاطفية كما في معجمية (لهفتي) والتي يوكده الضمير المتصل الياء، فهي صيغة جمالية لصفة حسية توحي الى قوة الانتماء لواقعه،  فكلاهما ارتكز عليهم الشاعر كمعادل موضوعي لرصد الزمن المتفاوت بين الماضي والحاضر بعاطفة وجدانية وبصورة فنية التشكيل حماسية  الشعور مؤلمة الدلالة تفتح افق التأويل، ولبث مشاعره الجياشة بالوجع استخدم الشاعر صورة مكثفة بليغة التعبير بتركيبة فنية رائعة النسجة  ...

- لنعود الى أبيات أخرى ونستنطق جمال الشعور الدافئ ...

 فجلْتُ بِهِ عيني أراقِبُ ساحَهُ        وفي الأرضِ بلّورُ الشَّبابيكِ بُعثرا

وفي البابِ مفتاحُ الحنينِ يهزُّني      وقدْ أسقطَ الرُّكنُ العزيزُ وهرهرا

ومِنْ سقفِهِ المودي إلى عرصاتِهِ     رأيْتُ بهِ وجهَ السَّماءِ مُنوّرا

- وتستمر المناجاة بوقفة وجع مرئية ومواجهة فعلية مؤثرة روحيا،  تسرح رؤى القارئ لمتابعة مشهد سينمائي أجاد الشاعر تصويره،  فيراه على شاشة رؤاه بذهنية الذهول،  فبما يجول الشاعر..؟ يجول بروحه في ثنايا البيت ففي (جلتُ) يتراءى للقارئ طواف عينيه وقلبه بشغف ملهوف ليشبع حواسه من بيته بعد فراقه القسري،  فها هو الآن يحتضن كل جزء من أجزاء المكان بروح مشتاق ولا يكتفي ولكن ماذا يرى..؟...

 -  لنعير رؤانا لحركية الصورة بتداخل الحواس لنسترسل بدينامية (مفتاح الحنين) بارتجاف كيانه الشعوري،  ليشي بدلالة أول خطوة على تراب الوطن،  فالخشوع في حضرة قبلة البيت إحساس وجداني مقدس،  فكل ذره من جزيئات العمر تبلورت نواة حنين،  ومشاعر الحنين للشاعر هي المعادل الموضوعي للبيت/ الوطن،  وهي الدافع الأول والمحفز الأقوى للرجوع لمسقط جذوره،  فنستذكر قول الشاعر أبو تمام (كم منزل في الأرض يألفه الفتى  وحنينه أبداً لأول منزل)*2،  فالحنين عاطفة انسانية قوية الجذب لأول منزل وهذا ما أوحى به الشاعر ...

- فكل من الأجزاء المادية للبيت متهدمة ومخربة ومتكسرة من (ساحة،  الأرض،  بلور، الشبابيك، الباب،  المفتاح، الركن، السقف، العرصات)هي رموز فاعلة نفسيا اشتغل عليها الشاعر بتقنية رائعة لنقل أحاسيسه فأسقط عليها كل مشاعر الشوق والحنين الملبدة بالذكرى فكانت المعادل الموضوعي بتكثيف متسع دافَ احساسه بجزيئات البيت ووظفها بلغة شعرية معبرة تحاور معنويات الروح انسانيا ونفسيا فتزيد الوجدان تعلقا وعشقا لبقعة صغيرة او كبيرة قد تكون بيتا أو وطنا  فكلاهما حبيب واحد ...

- وننحو لتكملة بقية الأبيات وما فيها من رموز الطبيعة ونستنطق دلالاتها البعيدة والقريبة...  

وشجرةَ زيتونٍ تسوّدَ جذعُها       وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا

بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني بدهشتي      كأنّيَ أستجدي الدُّخولَ مُحيَّرا

وقفْتُ غريباً إذْ أحاورُ مَنْ سطا       وقدْ بدَّلَ الألوانَ فيهِ وغيّرا

- وبدفقات شعورية تنبض بالألم بتشكيل جمالي لصور شعرية عابقة بخلجات النفس المتلهفة تتجلى استعارة مكانية بلغة رائقة البوح،  تتماهى بعدة دلائل تأويلية يستشفها القارئ بذهنية مستكشف لغائر الدلالة،  من خصوبة رمز شجرة الزيتون الذي يحيلنا الى مفهوم البيت والوطن،  وكما معروف لها قدسية  من ذكرها في الآية الكريمة (التين والزيتون) في القرآن الكريم، واحالة لرمز الأم التي فقدت أبناءها فلبست السواد، يقول الشاعر بودلير (على أن كل لون أو صوت أو رائحة هو انفعال تحول إلى مفهوم،  وأن لكل صورة بصرية مثيلتها في الحقول الأخر)*3، فنرى ما بنى عليها الشاعر من تاريخ الذكريات تتمثل في البيت الحنين والاحتواء،  وتأويلية عن المرأة العربية المعطاء رغم ما عانت من الاعتداء،   وما للشجرة من دلائل مثيرة لذهن القارئ فهي شجرة السلام وغصن الحرية...

- ثم نجد الشجن والحزن العميق بتحولات الزمن في الصورة المتموجة الألوان التالية (وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا) منها تتجلى احالة لتغيرات ما يحدث في وطن الشاعر من تدمير وقتل وتخريب،  بصيرورة الحدث من الفعل (صار) نتيجة حتمية لاستمرارية التخريب،  ويبدو من الثنائية التضادية تغير الالوان احتمالات تأويلية مثل (الحرب والسلام،  الحرية والعبودية،  الحياة والموت..) وغيرها،  فمن تعدد الدلالات تفتح شهية التأويل وتنقلنا من تجربة خاصة لذاكرة عامة لعواصف الربيع العربي بانعدام السلام...

- كما منح الشاعر لشجرة الزيتون أحساس أنساني كما في  (بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني) فالبكاء انفعال مؤثر والرؤية في البصر والاشجار صديق البشر وتاريخ  ذكرياته،  لذا فالألم ينبجس من أعماق الروح حين فراق فهي مؤرخ تاريخي لعلاقات المحيط والمناخ العائلي،  كما يبدو في الإشارة  لمن تطاولوا في تخريب البيت ب (مًن) دلالة توحي لأشخاص عدة مجهولي ومعروفي الهوية، كما في(مَنْ سطا،  وقدْ بدَّلَ،  وظنَّ بأنَّ) فالغائب هو الذي سطا وبدل وظن،  وهذا المتخفي الحاضر الغائب هو والمسبب لغربته المعتدي على ممتلكاته اذ تحول المكان على غير عهده السابق،  فشجرة الزيتون هي المعادل الموضوعي الذي اتخذه الشاعر ليسقط عليه عواطفه المحمومة بالغربة والموجوعة بتخريب بيته... 

- ولنتابع بمتعة قارئ لرموز مكتنزة بهية الإيحاء حيوية الدلالات في ... 

فها هيَ (غفرانٌ) تُضاحكُ لعبةً   وما زالَ منها الرَّسمُ يحضنُ دفترا

وصوتُ أبي في الفجرِ يُسمَع خطوهُ    يقومُ إلى ماءِ الوضوءِ مُشمّرا

-  استشهد الشاعر بماضي ذاكرته لبيته ومرتع شبابه بصورة شعرية رائعة الإيحاء تختزل زمن ماضي وحاضر ومستقبل،  مستهلها (فها هي) باستحضار رؤى بصرية تتجلى وجودها الحقيقي،  واستخدام الأفعال المضارعة (تُضاحكُ/ يحضنُ) استمرارية الزمان والمكان بإشارات حسية،  (وما زال) يشي لذاكرة مخلدة ممتدة عبر عنصر الرمز الذي وشح الصورة بأطر الطفولة وعطر البراءة،  فوظف رمز ابنته (غفران) بفنية التشكيل وجمال التعبير بقصدية بارعة،  احالة نفسية موشية لتاريخ وطن و دلالة تأويلية لأجيال المستقبل تستجلي رؤى القارئ لاستمرارية الحياة...

- بإحالة تأويلية لقوة ارتباطه بتراثه وعقائده وظف رمز (الأب) بدلالات لتاريخ جذوره،  ومدى ارتباطه بمحيطه نلاحظ اشاراته في(وصوتُ أبي في الفجرِ) مستوى صوتي اعتمد فيه على إيقاع حسي في تشكيله الصوري ب (صوت) لينقل للقارئ أجواء الطقوس الدينية،  واستعان بأحد عناصر الطبيعة بمعجمية الفجر لما لها من دلالات ثرية،  و تأويلية فجر الحضارة في وطنه،  وأردفها  بالأفعال المضارعة (يُسمًع، يقوم) لتناغم دلالي للحواس وشعور حركي حسي مستمر الإيقاع،  ليوقد الشعور في ذهن القارئ لاستذكار شعائرية الذات والانتماء الوجداني للوطن،  فيتحول خصوصية الرمز إلى عام من خلال صفة الزمن ...

-  نتابع الدلالات العميقة من استعارة رموز مختلفة بمستوى بلاغي ::-

بكى منزلي لمَّا رأى الذَّئبَ حارساً    وأنَّ قُطيطَ الحيّ فيهِ تنمَّرا

وأنَّ شموسَ الأمسِ غيرَ رواجعٍ     وأنَّ سوادَ الَّليلِ أمسى مُقدَّرا

- لما البيت يضج بالبكاء ..؟،  باستذكاره المكاني يضفي الشاعر هالة الشعور الحي بأنسنة المنزل فيقلده إياه شعوره بصورته الحسية وهو مستوى  بدلالة عكسية احالة عن استفزازه النفسي،  نستقرأ مقاربة حسية باستعارة من الطبيعة لرموز حيوانية وتشكيل صورة تجريدية،  عميقة المعنى بتشبيه خصب الدلالة اتقنها الشاعر بتضاد ثنائي ما بين رمز (الذئب) دلالة التيارات الغاصبة لأصول الوطن،  وبين استعارة رمز (القطيط) بتصغير مقصود من الشاعر دلالات تأويلية للتآمر ضد وطنه...

- ويستمر الشاعر باستذكاره الزمني للحدث بصورة استعارية، وإيحاء تشبيهي غائر مكتنز التعبير باستخدام رموز من الطبيعة للتشكيل الصوري،  فيتجلى في (شموس الأمس) هو احالة للوعي الاجتماعي باستقرار الوطن،  أما (سواد الليل) احالة لتفشي الجهل ويشي بالقتامة النفسية والكآبة الروحية،  وبدلالات تأويلية كثيرة تزدحم في ذهن القارئ بتخيله ورؤاه،  إشارة التغير الفجائي لزمن يؤكد فيما بين (الأمس وأمسى) تضاد زمني مستمر،  وكأنه يقول بين ليلة وضحاها تبدل حال الوطن فينبثق شعوره بانفعال عاطفي بيأس وقنوط ينتاب غربته،  فنستقطب من ذاتية الموضوع دلالات عامة عن كل الأوطان حاليا...

-  نستوضح  شعور الشاعر بعد ما وقف على خراب وطنه فتدفق احساسه وجعا ::-

فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ مُودّعاً    ومسَّحْتُ بالأخرى الدُّموعَ تصبُّرا

وعظَّمْتُ بالإنسانِ يسرقُ أهلَهُ    وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا

زمانٌ بهِ صارَ الغواةُ هداتُهُ    وفي عرفهِمْ شيخُ المساجدِ كُفّرا

- نلاحظ  زخم التضاد الثنائي بتشكيل مدهش كما في(فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ/ ومسَّحْتُ بالأخرى) استعارة حركة الحواس وتوظيفها للتعبير عن مشاعر الحزن ببنية جمالية رائعة،  وبمستوى تركيبي (وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا)تضاد باختلاف مؤتلف رائع،  ومجازات معبرة وتصوير انشائي جميل في (الغواةُ هداتُهُ/ شيخُ المساجدِ كُفّرا)،  وبإحالات زمنية متوازية ما بين ماضٍ وحاضر،  وغياب وحضور صيرورة التناحر السياسي والاجتماعي تأويلية ازمات... 

- ولدفقات ختامية بدلالات متنوعة بشعور وجداني عميق ::-

 وكمْ زيَّفَ التَّاريخُ خطَّ كتابِهِ     وغيَّرَ شُهَّاد الرَّواةِ وزوَّرا

فيا وطناً باعَ الجباةُ هواءَهُ    ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى

وراحَتْ بيَ الذّكرى تُردّدُ كالصَّدى   وما انْهدَّ بالجدرانِ بالرُّوحِ عُمّرا

- استأنف الشاعر بدلالة عددية ونوعية في (كم) هي اشارة للكمية احالة لكثرة المخربين وأعداء التاريخ،  وليخبرنا عنهم نتواصل مع بقية الأبيات فنلاحظ ثنائية سلوك نفسي تنم عن الرغبات والميول ما بين (باعَ/ يُشترى) احالة عن خونة الوطن ونرى رده عليهم باستنتاجية حتمية في (ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى) تأويلية لعبوديتهم للآخر،

-وبدفقة شعورية رائعة لخاتمة مكثفة صورة شعرية بانزياح دلالي نستشف منها هتاف حماسي للتصدي للعدوان بإصرار عزيمة لاسترجاع حياة الوطن،  فنستقرأ من رؤى الشاعر استمرار الاستذكار لأزمات سابقة مر بها الوطن وخبر تجربته فيردد على مسامع بيته حكمة أو مثلا يُطمئنه أملا يرقى بالمشاعر الإنسانية ويسمو بالحب والوفاء لتراب الوطن،  فلا بدَّ أن يُبنى بالفداء والتضحية،  له ترخص الروح ثمناً،  ومهما حصل سيزول العارض وإن تراكمت غيومه، لا خصام ولا انفصام عن البيت والأرض والبيت والوطن…

- خلاصة

- نلاحظ سياق القصيدة اسلوب السهل الممتنع بعناصر حديثة ومضمون معاصر يشهده تاريخ الشاعر بتجربته الشخصية عن بلده ،  ببنية تركيبية فنية ثرية المعنى مترابطة الأنساق سلسة الانسياب،  تتشكل ما بين صور شعرية بانزياحات دلالية انثيالات جميلة وبين إنشائية التعبير بجمال باذخ لم تخل بمستوى القصيدة،  عميقة الحزن بشعور نفسي،  وإحساس إنساني، أجادها الشاعر بتقنية رؤى فاعلية التأثير تخلق تداولية للحدث وانطباعها في ذهن القارئ ولأنه واقع نقل برؤى التخيل  صور ما يحصل من خراب ..هدم ..كسر ..تشوية.. تشتت.. فهو مضمون تاريخي ..اجتماعي ..انساني ..سياسي ..ثقافي، شملت جانب مهم وحساس من الحياة يعيشه ابناء الوطن العربي قاطبة حاليا،  تميز نقل الحدث ببراعة ما نقش بإحساس باذخ ومناجاة حنين بانفعال سايكولوجي، مع سعة أفق رؤى الشاعر وتعددها ولا ننسى ايقاع القصيد بقافية خفيفة رشيقة اللفظ على لسان القارئ....

- وقد أتقن الشاعر استخدام الحواس كعلامات واشارات ورموز تشي بباطن الدلالة وميزة اقتناء زمن الأفعال بفاعلية متغيرة ضمن النسق لتشي بحاضر أو ماضي وتوظيفها ببعد دلالي مفعم  بإيحاء نوع من الحواس،  وبرع  في اختيار عنصر الرمز وتوظيفه بأسلوب ايحائي متمكن،  ويبقى تهجد العنوان في معظم الأبيات،  وإنْ تغيَّرت المفردة إلى الوطن أو المنزل فهي استعارات موازية للعنوان متسلسلة الفكرة بذاتية شعور وعمومية موضوع بخطاب موجه لكل عربي ….

- القصيدة أقرب ما تكون لقصة وطن بما اشتملت على عناصر مثل (الحدث.. الحوار.. وعنصري المكان والزمان..) ر وهي سمة تثري الشعر بصيغة فنية،  اتبدو صرخة تاريخ مدوية من حناجر الروح وضمير الإنسانية فنجدها قضية عامة وخطاب لكل الشعوب

- يستنتج القارئ دلالات قَيمة من موضوع القصيدة ان المستوى الفكري للشعوب أساس التحرر،  والطموح المعرفي غذاء التوحد لازدهار الوطن ورفاه الشعوب، وبقاء الوجود الإنساني المرتبط بالجذور في وطنه الأم،  بيته وشغاف قلبه بضمير واعي.

 

قراءة: إنعام كمونة

.......................

1- سورة الحجرات آية 13

2- الشاعر ابو تمام (هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي) من شعراء العصر العباسي

3- ويمزات وبروكس،  النقد الأدبي،  ج4

 ..................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

بيتي / د. وليد العرفي

 

 

نجاة الزبايرارتجاف الحسرات في مهاوي الذات

عند الشاعر المغربي محمد بنميلود

كل أصدقائي شعراء موتى

إلا أن قصائدهم ما تزال حية

الشاعر

***

تأن قليلا وأنت تفتح باب قصائده

قد تخاله طفلا يلهو بقطعة غيم

أو جنديا يكتب بدم الكون عذاباته

***

محمد بنميلود، هذا الشاعر الذي يأخذ البياض بتلابيب حبره، كي يكتب بدمع أصابعه عن شتاء مُرٍّ يقيم بين أطراف روحه.

فهل هو ذلك الشاعر الذي يلعب بأوتار الريح، فتأخذنا عباراته نحو هذا المدى العاري، حيث تتناثر كأس الأحلام شظايا لا يجمعها غير خيط ناي حزين؟

أم هو ذلك المستحم بماء القلق أنى اتجهت ركائبه انمحق؟

انخطاف فوق شفاه اللغة

فوق كتفي التمرد تسافر قصائده، حاملة قيثارة الذين عبروا أرض الروح، إذ لا تسمع غير صدى خطاهم وهي تتأوه بين أنامله، مطلا من سور شريد على شمس غادرت صهوة النهار. فلا نكاد نرى غير آثار ضائعة في اللامكان، تردد مع امرئ القيس: (ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي).

يقول:

كثيرون ذهبوا

وكان الشتاء يبلل أضواء النيون

ومعاطفنا قصيرة على الرعشات

ووقفنا نتوسل إليهم بنظراتنا المبلولة

كثيرون انعكسوا في صفاء دموعنا وهم يبتعدون دون التفات

عادت الفصول في أوانها

عادت الطيور وأزهر الأصيص عند النافذة

ولم يعودوا. (من قصيدة "الوداع")

يختزل الشاعر المتمرس بنميلود آلامه في سياق لغوي شفاف، فقوته الرؤيوية للواقع، تجعلنا نمشي على ضوء هذه النزعة الدرامية كي نتوغل في الظاهر المرئي، حيث يشحن مجموعة من الدلالات ليعبر عن معاناةٍ تُحَوِّل النص الشعري إلى موت مرتقب، ثائرا على الحياة العبثية التي تحصد أرواح الأبرياء المشنوقين بحبال الفقر والجوع والتشرد.

يقول:

كثيرون، كثيرون

ناموا كالأطفال على أسرّة العجزة

لم نسمع أنينهم في الليل

لم يطلبوا ماء ولا دواء ولا حكاية نوم أخيرة

وفي الصباح

حين أشرقت الشمس

ورفرفت الفراشات في الحديقة من خلف زجاج المطابخ

وكان نهارا جميلا

وصباحا مستسلما لرائحة البن

لم يستيقظوا

لم يستيقظوا أبدا.. (من قصيدة "الوداع")

تتلاءم الأصوات وتنسجم داخل هذه القصيدة التي حاول من خلالها الشاعر ترجمة انفعاله النفسي، موظفا التكرار بوصفه قيمة جمالية. هكذا نجد تكرار كل من (كثيرون، كثيرون ـ الصباح، صباحا ـ يستيقظوا، يستيقظوا)، فجرس هذا التكرار اللفظي، يكثف الدلالة الإيحائية، ويمنح للقارىء مساحة حرة للتفاعل مع الإيقاعات التعبيرية المُتناولة، والتفكير في المفردات التي تحمل إيحاء نفسيا مفعما بالعواطف.

فالدكتورة أماني سليمان داود ترى بأن التكرار يضفي " ضربات إيقاعية مميزة لا تحس بها الأذن فقط، بل ينفعل معها الوجدان كله مما ينفي أن يكون هذا التكرار ضعفا في طبع الشاعر أو نقصا في أدواته الفنية، فهو نمط أسلوبي له ما يسنده في إطار الدلالة." 1

هذا التكرار الذي يضع الذات الساردة في بؤرة دلالية كي تخلق نوعا من الامتداد داخل النص. إنها ترجمة للمعاني الدفينة التي تقول الذات والآخر من خلال جمل انسيابية تعزز جماليته، لاستقطاب اهتمام المتلقي من خلال رفع مستوى الإحساس بالقصيدة.

فمن خلال رحلته الشعرية لا نلمس غير الخيبة وانكسار الأحلام، فهل هي نزعة تشاؤمية استوطنت وجدان الشاعر العربي المعاصر؟

يقول:

بكثير من الصمت

والحنو

والنظرات الطويلة إلى الأبواب

وإلى الغمام فوق محطات القطارات

وفوق المقابر في أواخر الخريف

وبالموسيقى التي بلا أغان

وبلا راقصين

علينا أن نألف الوداعات

كما نألف أسرّة نومنا.

إن الحركات الداخلية للقصيدة تستحضر هزة عاطفية، تقدم في عُجالة مؤلمة حكمة الشاعر التي استخلصها من عذاباته:

(علينا أن نألف الوداعات

كما نألف أسرّة نومنا.)

فكما قال شارل بدلير في قصيدته LA MORT DES PAUVRES / موت الفقراء:

إنه الموت الذي يعزّي واحسرتاه

وهو الذي يحملنا على الحياة .

ضوضاء الذات:

يسرق الشاعر بنميلود الدهشة وهو يدعو القارىء كي يدخل إلى مدنه الجريحة التي تقرأ أسرار العواصف، فلماذا يضرب لنا موعدا فوق سهول ومرتفعات تمشي فيها القصيدة كدموع الشموع، يجتاحه غضب شتوي مثل غجري طريد..؟

يقول:

أنا شاعر من الطبقة الغاضبة

من العمال المسرّحين من الخدمة

والجنود الذين يكرهون الجنرالات

والنجارين الذين لا يملكون ورشة ولا أدوات نجارة

واليساريين المتطرفين الذين أنهكت الزنازين السرية أجسادهم

ولم تنهك أرواحهم.

إن (الأنا) المُغَيَّبة داخل البياض، قد خلقت توازيا مع المتن الظاهر، فبين إظهارها وإضمارها يجسد النص فعل الهوية.

و الشاعر؛ هو ذلك المتعدد في الواحد الذي يتنفس آلام البسطاء والمطحونين بين فكي رحى الوطن. إذ على أنقاض الإنسانية المفتقدة يشرب قهوة تمرده تاركا قلقه الوجودي كي يُفرد أجنحته المكسورة بين ثنايا واقع يستمد منه صوره الحسية.

يقول في أحد حواراته: "الكتابة الشعرية بالأساس هي موقف صارم وواضح من العالم، ومن الوجود، ومن السلطة، مفارق وصدامي، ويقدم بديلا جماليا، ضد القبح، وضد السلطة والظلم والجهل، ويكون انتصارا للحق والمعرفة والعدالة والإنسان. كل شعر أو أدب يفتقد لذلك يعاد فيه النظر في نظري".2

لكن؛ كيف سينساب الرماد النحيل من كفيه وهو ذاهب إلى اللامكان؟

لوحة من مرارة الاغتراب

إن الشعر؛ هو ذلك الجسر الضوئي الذي يمد حبال جماله بين الشاعر والقارىء، فبين نوتاته يتدفق ظله نهرا محاولا أن يغسل أوجاع الأرض.

ولكن؛ ماذا لو فرت الحروف أسرابا مثل غزالة يائسة نحو فجر بعيد؟

يقول:

عبر المسرب الغامض

لم يعد لي مكان هنا

ولم يعد لي مكان في أي مكان

عيناي حزينتان

كرائحة قرنفلٍ قديم

مدقوقٍ بالزلزال

ضباب يتخطّفني

باب حديدي لأطلال دارنا الميتة

الحُجرات تحت الأرض

وعلى العتبة تجلس حياتي

سيجدونني معلقا في شجرة المدخل

بحبل البرق

لأصير غصنا يابسا

شبحا من حفيف

ريشة الطائر الشتوي الحزين

الثمرة المشنوقة

التي ترعب العالم.

من قصيدة " أنا ذاهب الآن"

إن أغلب قصائد الشاعر محمد بنميلود، مراثي لأحلام موغلة في المرارة والوجع، وتعب هائم في فلوات الروح. فهل هو اغتراب نفسي في أقصى تمزقه؟

يقول:

إننا نحبك أيتها المدن المشلولة التي ولدتنا ولادة عسيرة

وطردتنا كما تفطم الوحوش صغارها في العاصفة

ونحن نغادر

في قطار المحرقة القديم

في العربات الأخيرة

أو على نعش

نلوح لك بمناديل الغرباء

الذين بلا عائلات .

يدخلنا الشاعر إلى كهف مرعب وقاتم، تتحرك فيه عبارات تُسقط في ذاته أحاسيس حزينة، مستعملا كلمات دالة على الشجن الرهيب (المدن المشلولة/ نعش/ الوحوش/ العاصفة / الغرباء/ بلا عائلات).

إنها المدينة التي تطرد أبناءها رغم حبهم لها، فتسقط أقنعتها القاتمة تباعا وهي تدوس بأقدام اللامبالاة قلب الشاعر المرهف .

يذكرنا هذا بما قاله الشاعر صلاح عبد الصبور في "مذكرات الصوفي بشر الحافي"3:

ها أنت ترى الدنيا من قمة وجدك

لا تبصر إلا الأنقاض السوداء.

هذه الأنقاض التي يسندها الشاعر محمد بنميلود بقصائده، يقول:

في المساء

عائدا بصمت الخاسر

إلى خرائب المدن

أتكىء على الجدران الأخيرة

لا لأستريح

بل لأسندها.

فهل نحن أمام تجربة متفردة تلاكم الواقع بقفازات شعرية؟

يقول:

"أُكتبْ كأنّك داخل حلبة الملاكمة/ في جولة أخيرة/ مُخفيًا مسامير في القفّازات/ كمن يصفّي بوساخة حسابًا وسخًا مع الوجود." 4

هكذا يكتب الشاعر محمد بنميلود بحرقة ووعي، فشعره صدى لأزمات المواطن المطحون، وكأنه يقول مع الشاعر عبد المعطي حجازي في قصيدته "ميلاد الكلمات"5:

الكلمة تنمو بالدمعة

وليزرعها كل شقي مثلي، عرف الجوع،

وعذابات الحب الخاسر.

قدح من ماء السرد

نجد في جغرافيا الشعر المغربي المعاصر شعراء عانقوا التجارب الإنسانية من خلال خطاب يلج الفضاء الحكائي. ويشتغل الشاعر/ السارد محمد بنميلود على السرد المباشر في العديد من نصوصه بعيدا عن اللغة الكثيفة الموغلة في المجاز، منصهرا في لغة اليومي الغنية ببساطة كلماتها. متجاوزا تعبيره الذاتي نحو أفق مشبع بتفاصيل يتقاذفها الزمن الماضي والحاضر.

يقول:

كانت لنا بلاد

كان لنا ب يت

كانت لنا عائلة وإخوة صغار من الكريستال

لكن الضباب جاء وغطى العالم

وحين انقشع الضباب

لم نجد العالم

نجلس كل مرة على رصيف سكة بعيدة

بحقيبة واحدة

دون أن نكون قد أتينا من مكان

أو ذاهبين إلى مكان

منازلنا محطات القطارات البطيئة

مطارات على أطراف المدن بسقوف عالية

ومراس فسيحة للسفن في الشتاء

منازلنا محطات

وأهلنا المسافرون

نتوسد حقائبنا

وننام بعين واحدة

محاذرين أن يسرق اللصوص بريق

الكريستال.

يُحَوِّلُ الشاعر نصه لوثيقة تتواشج فيها لغة الشعر والسرد بأسلوب غنائي، يغلب عليه طابع استرجاع ما كان. فهل هو صوت الذين فقدوا أوطانهم؟

لقد أخصبت قصيدته ظلالا وألوانا قاتمة، ترجمها معجم دال على الفقد والضياع مثل: (كانت لنا بلاد، بيت، عائلة،ضباب..غطى العالم، لم نجد العالم، منازلنا محطات القطارات..)، إذ وظف حكاية تُشَخِّصُ موضوعا إنسانيا يرمي بظلاله على ما يجري في كل البلاد العربية التي اغتصبت حريتها، ليصبح العالم رقعة شطرنج صغيرة تضيق فيها أنفاسه، حتى فقد الإحساس بالأمان. (وننام بعين واحدة). يقول

مستحضرا قول الشاعر:

يَنَامُ بإحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِى // بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهْوَ يَقْظَانُ نَائِمُ

فبين تناقضات العالم، تناثرت ذات الشاعر المقهورة فوق عتبة الوجود، لتتسكع قصائده خارج السِّرب، مرفرفة في أفق سردي يتنامى عن طريق لغة تنهل من معجم نفسي غني بصور فنية، تحاول هدم الواقع المعاش لبناء آخر من خلال التخييل، فتتحول القصائد إلى أغنية خريفية ترمي بظلالها على فضاء مليء بالخيبات.

يقول:

العالم كله

يتجه

إلى أقرب حافة. (من قصيدة دخان)

فبقدر ما يضيق قدحُ العالم، يتسع سمرُ الشاعر محمد بنميلود الذي يتقاسم مناجاته مع الليل، محاولا أن يلملم شتاته من خلال قصائد تلتقط الألم بعدسة سينيمائية دقيقة، فهل (الحي الخطير) الذي يحمل عنوان أولى رواياته، كان مخاضا جماليا ليعانق عالم الكتابة، وليكون صوتا شعريا كثيف الإنسانية تتحرك أمام مراياه أزمنة وأمكنة تعلن عن ميلاد صرخاته؟

يقول

ولدتني أمّي بلا إخْوة

في الحيّ الخطير

كان عليّ

أن أدافع عن نفسي

بأظافر قطّة الميناء

 

والآن أيضًا

ها أنت ترى

لاشيء في العالم يتغيّر

بعد مرور الحِقب

سوى انهيار الإمبراطوريات

وتفرّق الصِّحاب بين القارّات

ملاحقين الغبار.

ظلال النهاية

هذا هو الشاعر محمد بنميلود الذي يحمل حطب ذاته ليتدفأ به المارون من عوالمه، والذي جعل من الكتابة خندقا كي يحمي هشاشته . يقول:"إنني أكتب الآن تقريباً فقط كي أدافع عن نفسي وليس كي أبدع، فالدفاع عن النفس وعن الوجود لا شك يسبق الإبداع، إن لم يكن إبداعاً في حد ذاته." 6

إنها المرارة التي يعيشها جيل بأكمله، كشفت عن رؤية إبداعية تحاول ترميم الذات من خلال رحلة البؤس والموت والانحطاط الذي يمر مثل الإعصار داخل نصوصه، باحثا عن الحرية وإعطاء قيمة للإنسان.

فهل سيجد بابا للخروج لعناق حلمه المطلق؟ يقول:

أبحث عن باب للخروج

لكن عدد الداخلين المستمر الغفير

يسد كل الأبواب.

***

 

نجاة الزباير

......................

* محمد بنميلود.. كاتب مغربي. يكتب الشعر والقصة والرواية

1- جريدة القدس العربي5 - نوفمبر – 2014/ حوارمصعب النميري

2- أماني سليمان داود: "الأسلوبية والصوفية دراسة في شعر الحسين بن منصور الحلاج"، دار مجدلاوي، عمان، ص 67، ط2، 2002

3- ديوان أحلام الفارس القديم،صلاح عبد الصبور. ص: 83 https://www.kutubpdfbook.com/book

4- https://elmawja.com/blog/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7

5- ديوان مدينة بلا قلب، صلاح عبد الصبور ص: 77 / منتديات مكتبة العرب

6- https://al-akhbar.com/Kalimat/233007

 

 طارق الكناني(عندما تحوك لي من خيوط معاناتك قلب وفيّ فهذا هو الحب)

 في خضم هذه العبارة التي الزمت الكاتب ان يستحضر كل تداعيات المرحلة العمرية التي وصل اليها، لوصف حالة انسانية أو مرحلةٍ عمريةٍ منصرمةٍ، خالط فيها عدّة مشاعرٍ قد تكون مزيجًا من الحب والرغبة مصحوبة بالنقاء النفسي الذي غالبًا ما يصاحب الإنسان في مرحلةٍ ما، حيث تتنامى لديه هذه المشاعر، تؤجّجها ما يسكن في اللاشعور من ذكرياتٍ يعتقد الإنسان إنها قد انتهت وتخلّص منها في فترةٍ ما، ولكنها تبرز للظهور ضمن نسق حياتي اعتاد عليه خلال مسيرته. وهذا يتطلّب تأجيج حالة الصراع العاطفي بين ما هو مرغوب وبين ما يثير عقدة الشعور بالذنب لدى هذا الإنسان ،لأن هذا الذنب ناتجٌ عن الإيمان بأنساقٍ فكريةٍ قد يعتبرها البعض متأزمة،لأنها تقع ضمن نطاق المثالية المتعالية، ولكنها في الحقيقة مغروسة في النفس البشرية (تؤتي أكلها كلّ حين)، ففي حالة الجدب الروحي والتيبّس العاطفي يستدعي العقل الباطن للإنسان كل هذه المشاعر ليبدأ مرحلةً مختلفة، كما بدأ محسن بطل روايتنا (فضاء ضيق) في مرحلةٍ ما عندما اكتشف أن زوج عشيقته قد أصيب بذكورته مما حرمها من ممارسة حقّها وجاءت عنده تبحث عن هذا الشيء، أنكر عليها حاجتها لممارسة الحب، لا لشيء إلّا لكونها زوجة جريح حرب، حيث قال عبارته (أنا وأنت والحرب على زوجك) فهو يعرف إنها كانت متزوّجةً وترتكب فعل الخيانة الزوجية معه، وهذا لم يحرّك مشاعره المتبلّدة والمشحونة بالشغف الجنسي وعشقه لهذه المخلوقة، ولكن هناك دافعٌ آخر هو ما أوقظ حسّ التعاطف مع الزوج المخدوع، هو كونه جريح حرب. فإيمانه بهذه الحرب هو ما جعله أن يتخلّى عن سلوى . 

1578 فضاء ضيقإن صراع عواطف بطل رواية فضاء ضيق التي جاءت نتيجة حنين لجسد امرأة تركها في لحظةٍ يقظةٍ للضمير، وفي مرحلةٍ تختلف بأنساقها الفكرية عما يعيشه الآن، فحالة الحرب التي يعيشها البلد هي واحدة لم تتغيّر طبيعتها، فالموتى والجرحى والأرامل واليتامى هم أنفسهم عراقيون، ولكن الجهات المتحاربة فقط هي من تغيّرت، وهذا ما استدعى تغيير نوع الثقافة، فبالأمس كان العدو مختلف عن اليوم مما استدعى حالة التعاطف الوجداني مع الزوج، أما وقد أصبح عدو الأمس صديق اليوم، هذا بحدّ ذاته يفرض قيمًا وأخلاقًا جديدةً لما يجب أن نكون عليه، فالكاتب والروائي محسن (بطل الرواية) الذي كان يكتب للحرب الأولى أصبح اليوم في مفترق طرقٍ وتغيّرت لهجة بعض أصدقائه معه، هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يصحبونه الى جلسات الخمر ويسامرهم بالرغم من كونه لا يعاقر الخمرة، إلّا أنه في جلساتهم كانت راحة له، لقد تغيرت بوصلة الصحبة من الجلوس على ساحل بحيرة الرزازة الى الاتجاه الى المعاكس.. إن تواجدهم  في مقرات الأحزاب الدينية واطلاق اللحى والتختّم باليمين، هذا بحدّ ذاته تحوّلٌ كبيرٌ أوضح لدى محسن حالة البراغماتية لدى أصدقائه من الكتّاب ،وهذا يستدعي إعادة النظر بالثقافة المجتمعية التي أفرزتها الحالة الطارئة. فهو قد عرف بوفاة زوج سلوى وهو يعرف تماما استحالة الزواج منها فهو مازال ضمن الرقعة الجغرافية للثقافة المجتمعية لم يستطع مغادرتها ،(فلا يمكن لك الزواج من كانت عشيقتك) والسبب (قد خانت زوجها مهما كانت الأعذار لذا ستخونك).

 إن عملية تسليط الضوء على الأنساق الفكرية والعقدية خلال رحلة البحث عن سلوى، أفرزت حالة شعور بعدم الانتماء، مما أضافت أزمةً نفسيةً أخرى، ملاصقة لما يختزنه، فازدادت حالة التمرّد على واقعٍ لم يألفه سابقا. إن قوة السلطة التي تمتّع بها النظام السابق تمكّنت من إخفاء معالم وقيم وثقافات كثيرة.. ففي مدينة مثل (كربلاء) والتي تدور فيها أحداث الثلاثية ( فرواية  فضاء ضيق هي الجزء الثالث من رواية علي لفتة سعيد بعد روايتي الصورة الثالثة ومزامير المدينة).

 إن محسن لم يستطع  أن يكتشف نوع الثقافة المحلية التي أراد الانتماء إليها في فترةٍ معينة، ففي الجنوب تختلف أنماط الحياة، وباختلافها يتأثّر الناتج الثقافي ونمط التفكير والأنساق المعرفية والفكرية بشكلٍ عام، مهما تظهر لنا الصورة البعيدة من كونها تشابهها كون هذه المدن يجمعها، مكوّن عشائري واحد، ومعتقد واحد، وربما حتى لهجات متعارفة بينهم، إلّا أن الاختلاف يكمن في طريقة العيش، لم يتمكّن الكاتب من الغوص بأعماق المجتمع الذي يعيش فيه بسبب حالة الانغلاق التي يعيشها المجتمع ذاته، فهو لم يطلّع على نمط الحياة وأسرار المجتمع إلّا من خلال صديقه (مجتبى) مما أظهر خللًا في النسق الفكري، ولو كان في ظاهره بسيطًا في البنيوية حيث استطاع أن يخفيه بشكلٍ أو آخر، إنما هناك عملية قلب حقيقية، فالسيمياء التي تحدّث عنها علي لفتة سعيد وأراد من خلالها إنشاء علاقة بينها وبين النموذج اللساني البنيوي هي علامات حدّدها المنحدر الجنوبي للكاتب، ولعلنا نستطيع أن نرى تأثيرًا للمتصوّر اللغوي في اللاوعي الفرويدي  في حالة الكاتب هذه، فلقد كانت مقاربته توفيقية في جوهرها التي مازالت تتعاظم على امتداد السنين .

صراع  ثقافات

في حديث خاص لي مع الروائي الدكتور علاء مشذوب والذي هو احد شخوص هذه الرواية عن طريقة بناء الرواية والامساك بحركة الشخوص ضمن اطار الحبكة الدرامية ،يقول الدكتور علاء: ان الرواية عندي تبدأ برسم شجرة للعائلة اتحرك من خلالها واوزع الادوار فيها حسب الحبكة سواء كانت حبكات مصير مثل: حبكة فعل، او ميلودرامية ،او تراجيدية ،او تهكمية ،او عقوبة ،او عاطفية . أو حبكات الشخصية أو حبكات الفكرة والتي تتضمن حبكة الكشف والحبكة الانفعالية وحبكة الخيبة . فنرى من خلال هذه المشجرة التي يرسمها علاء تمكن من محاكات الواقع في مدينته ،وكذلك علي لفتة عندما كتب (السقشخي) كان متمكّنا في الكشف عن مدى تعلّقه في تراثه الأدبي الأصلي فقد أظهر براعةً غير مسبوقةٍ وهو لم يبرع بنفس القدر عندما غادر الرقعة الجغرافية التي ينتمي اليها.

إن لكل مجتمع أسراره وخفاياه، فما يظهر من أنساق فكرية في مجتمع مثل المجتمع الكربلائي لا يمثل حقيقة الصراع الفكري المتأجج بين ثقافتين إحداهما طارئة حالية اصطبغت بصبغة دينية مطلقة، وأخرى تنطوي عليها البيوت المغلقة وما تمثله من ثقافةٍ متحرّرة هي أبعد ما يكون عما تظهره بعض الجهات التي كانت الى عهدٍ قريب، هي الرائدة في حالة التحرّر. ما يهمنا هي رؤية الكاتب نفسه الى هذا المجتمع فهو يظهر معاناة حقيقية في كيفية فهم مجريات الأمور وطريقة التعامل مع شخوص الرواية والذي استمدّها من شخصيات حقيقية تعيش نفس تناقضات المرحلة، مما جعل (علي لفتة سعيد) يتقمّص دور الضمير للكاتب محسن فهو يعيش ضمن شخصيتين لا يمكننا أن نقول عليهما متناقضتين، فهما يبدوان على توافق كبير ويتمّم أحدهما الآخر.  فهذا الضمير هو من كان يتكلّم باسم الشخص الأول في الرواية، وربما استوقفه معاتبًا ليعكس صراع الذات.. ففي هذا النوع من الروايات يكون الضمير حاضرًا ليردع ويوجه الشخوص لأنه يمثل الوجه الاخر لشخصية بطل الرواية .

 اختلاف في الرؤى الفلسفية

هناك جنبة فلسفية أضفت على الرواية نوع من الحيوية والديناميكية، وعكست تنوع الفكر المجتمعي وحرية إظهاره ،وأخرجت الرواية من رتابة البحث المستمر عن (سلوى)، عندما كان الثلاثة يقفون على أرض محايدة وهي (مصر) فهناك (محسن) الذي يجمع بين طرفي المعادلة وهناك (حليم) الفيلسوف الإسلامي هناك (علاء) الذي تبنى الفلسفة المادية.. لقد انعكست حالة الصراع الفكري والفلسفي بين المقدّس والمدنّس، فهم قد يتّفقون في مرحلة معينة، ولكنهم لا يتّفقون مع  الخطّ الوسطي لهم، وقد اطلقوا عليه اسم (المقندس) وهي كلمة تم مزجها من كلمتي (المقدس والمدنس). ففي كلا الاتجاهين الذي يمثلهما حليم وعلاء هم متّفقون على زيارة الاضرحة والغور في العمق التاريخي للطقوس والإرث الحضاري، وكلاهما يعشقه، ولكن الفرق بالنظرة الموضوعية لهذا الإرث، حيث ينظر له (حليم) على إنه مقدّس ويجب أن يمارس بشكلٍ مميّز ومقنّن لا يمكن المساس بهذه التقاليد.. وكذلك (علاء)  يحب أن يمارس هذه الطقوس والتي يعتبرها إرثًا حضاريًا نتج عن ثقافةٍ مجتمعيةٍ متجذرةٍ في الحزن والبكاء، ولا علاقة لها بالمقدّسات، فهي طقوس موروثة ربما تمتد قبل ظهور الدين..  مثال ذلك (اللطم)*1 وربما تكون مستمدة من شعائر دينية لديانات أخرى.. مثال ذلك (الزنجيل )*2.وهذا دليل آخر على إن اليسار المتطرّف واليمين المتطرّف هما من منبعٍ واحد، وأنا إذ أورد هذا الرأي لا يعني أني أتّهم شخوص الرواية بالتطرّف فهم أكثر اعتدالّا في طرح أفكارهم ..

إن مفهوم الدين وتطوّره يعكس لدى الأطراف الثلاثة مفهومًا حضاريًا ومتّفق عليه وهو مفهوم غير مؤطّر بقيودٍ تفرضها الحالة الإنسانية أو الحاجة لتشريعٍ معيّن، فهو مفهومٌ واسعٌ غير معني بالعبادات وتطوّرها لدى الديانات المختلفة، ويبدو لي أن الحوار كان فيه امتداد لرسائل أخوان الصفا * (مجموعة فلسفية اسلامية). التقى الثلاثة خلال هذا النقاش في الإطار العام، وهو جانب المعاملات وهو ما تؤكّد عليه الديانات الحديثة.

إن الخوض في هكذا موضوعات يتطلب منّا معرفة (بأن النصّ المقدس بطبيعته نص إشكالي، هذه السمة الإشكالية تنطبق على النص الاسلامي مثلما تنطبق على غيره من النصوص المقدسة لأديان الثقافات القديمة)*3. اعتقد ان الروائي علي لفتة سعيد كان موفّقًا في طرح هذه الرؤية الفلسفية على لسان شخوص الرواية .

 فقد استخدم الكاتب  أسلوب التكثيف في طرح كل الانساق الفكرية المعلنة للمرحلة الراهنة، والتي ادّعت الأحزاب الدينية تبنّيها وترسيخ هذه الأفكار لدى النشء الجديد، من خلال تكريس الطقوس واشغال المجتمع بنمطٍ معيشي جديد، لا يعتمد على الكدح والعمل الجاد، بل يأتي من خلال منظمات مجتمع مدني أوجدت لتقديم المعونات والهبات للمعوزين، لهذا جاءت رواية (فضاء ضيق) لتتحدّث عن كلّ الانساق الفكرية المضمرة، التي تعاملت بها أحزاب السلطة وكشفت زيف المعلن منها.

ففي المشهد الأخير الذي صوّر عملية اغتيال الكاتب الروائي علاء، كان بمثابة إعلانٍ عن اللغة الحقيقية لما يجري في البلد، وتذكير لحرية الرأي التي مارسها الأصدقاء الثلاثة، وهم في مصر من خلال طرح أفكارهم بشفّافيةٍ عالية، دون خوفٍ أو وجل، وكشف الزيف الفكري لهذه الأحزاب وما تطرحه من فكرٍ لا يطابق ما تمارسه على أرض الواقع .

 

 طارق الكناني

.........................

 1- وهو (ارث سومري )

 2- وهو (ارث نصراني ) ومارسه الهندوس ونقلوه للشعائر الحسينية مؤخرا.

 3- فراس السواح (طريق اخوان الصفا) ص9.

 

بكر السباتينلصبحي فحماوي

في هذه العتبة سنغوص في أعماق الرؤية التاريخية لحقبة احتلال مصر الفرعونية لبلاد كنعان من خلال قصة حب جمعت بين إخناتون الفرعوني ونفرتيتي الكنعانية.. في سياق رواية صبحي فحماوي التي استلهمت التاريخ ولم تستنسخه.. وقد خالطت في مضمونها الحقائق مع الخيال في إطار رواية أدبية بكل المقاييس الفنية.. إنها رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الحادية عشرة التي صدرت في فبراير 2020 عن الدار الأهلية للطباعة والنشر- بيروت- عمّان- وهي قصة حب شهيرة للأمير إخناتون، ابن الإمبراطور المصري أمنحتب الثالث، والأميرة الكنعانية إلهام- نيفرتيتي، ابنة رفائيل ملك مملكة مجدو.. ولكنهما عند التقائهما وجهاً لوجه، على أبواب معركة مجدو الشهيرة، يتوصلان إلى عقد اتفاق يقول لها فيه:

” نيفرتيتي… ستكونين الزوجة الملكية.. الملكة العظمى. ولن يكون حب كبير كحب كل منا للآخر.. وستبقين جميلة وسعيدة إلى الأبد.”..

وفي هذه العتبة سنركز على تداعيات النهاية المؤساوسة لعلاقة جمعت بين هذين الأميرين الذيْن أقاما بنيان مملكتهما في إطار دولة اتخذت لها عاصمة جديدة وكيف أن هذا الحب لم يصمد أخيراً أمام النزعات الشخصية للملك إخناتون حيث فرقت بينه وبين معشوقته وزوجته نفرتيتي الكنعانية، وكيف إن الصراعات على الحكم التي دبت بين أفراد العائلة وخصوم الملك أدت إلى تهاوي حلم العاشقين بطريقة أفجعت تفاصيل البداية المفعمة بالحب الصادق والإلهام الجميل.

هذا النهر الذي يعيد إلينا بينابيع الحياة الكنعانية بتفاصيلها المدهشة وتفاعلها مع الآلهة التي ما لبثت لها بصماتها في بعض عاداتنا.. حيث تجري أحداث هذه الرواية بين طيبة عاصمة مصر الفرعونية، وممالك بلاد كنعان الممتدة من البحر الكنعاني إلى بابل، مروراً ب عجلون وعمون وموآب، وصولاً إلى صيدا وبيروت وجبيل، وأوغاريت.. وقد زودت الروافد نهر الرواية الهادر الجاري، بمعطيات الحياة الحافلة بالتنوع والحكايات المسرودة بنكهة التاريخ والأساطير التي ساهمت في تشكيل الوعي الذي حدد ملامح الشخصية الكنعانية.. وفي هذه الرواية، يتعايش القارئ مع قصة حب عظيمة وملهبة للمشاعر، حيث الصعود إلى ذروة الحدث ثم الهبوط.. وتداعيات المؤلمة.. نحن نتحدث عن رواية تكشف لنا الكثير من خبايا التاريخ السحيق حينما احتل المصريون الفراعون بلاد كنعان، فاشتبكت السيوف والقلوب وخرجت الملاحم التي خالطتها الأساطير وأنعشت تفاصيلها قصة الحب التي جمعت بين إخناتون ونفرتيتي.. رغم النهاية غير المتوقعة لمسارات القلوب التي خالفت مسارات العقول ومآربها. في سياق إنساني منفتح على الخيال داخل إطار تاريخي محسوس وليس منسوخاً بحذافيره.. أي أن الرواية تنقل عبر النهر الدفاق نبض الحياة في تلك الحقبة الكنعانية بتفاصيلها الإنسانية بعيداً عن السرد التاريخي، لذلك فقد وظف الكاتب كما سنرى الصور الفنية الجميلة لتقريب المشهد إلى قلوب القراء قبل عقولهم.. حتى يراها العقل الباطن فتتحول لديه إلى مسلمات.

وفي سياق هذه الرواية يعرفنا الراوي” العالِم” بالتلسكوب الصيني الذي سمح له باستخدامه لاسترجاع الماضي من قلب الفضاء بصرياً. وهذا ينسجم مع فيزياء الكم لو أمعن القارئ التفكير.. فحدقة التلسكوب الصيني تتبع افتراضياً ما تلاشى من انعكاسات الضوء للأحداث عبر الكون اللانهائي الامتداد.. وكأنه يذكرنا بنظرية الحسن ابن الهيثم في أن الأجسام تعكس الضوء الذي يسقط في عيوننا فنستطيع رؤيتها.. ووفق الكون الأحدب والبعد الزمني في نسبية أينشتاين، ومبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم، فإن الأجسام ومنها النجوم، لا ترى بالعين المجردة عبر السنوات الضوئية، إلا بعد أن تلتقي الأشعة العاكسة للحدث بعيوننا فتتبلور الصورة.. لذلك ففي الكون الأحدب توجد بعض النجوم المولودة التي لا نراها لأن أشعتها العاكسة لم تصافح عيوننا بعد، والعكس صحيح إذ توجد نجوم تلاشت بعد أن استنفدت طاقتها لكننا نراها لأن الشعاع الذي انقطع عن الحدث ما زال في حالة تواصل مع عيوننا فنراها قائمة.. هذا يترجم لنا مبدأ عدم اليقين.. من هنا فالروائي صبحي فحماوي استغل هذه الحالة الفيزيائية ليأتي لنا بالدليل البصري على أن أحداث روايته حدثت كما وصفها الراوي.. فالتلسكوب الصيني استطاع ملاحقة الأشعة الكونية من خلال المرايا لرصد تفاصيل الأحداث عن كثب.. وقد كتبها فحماوي وفق الشروط الموضوعية للرواية بدءاً من الشخوص الرئيسة والثانوية المساندة، والحوار المتنقل ما بين المباشر وتيار الشعور، مروراً بالحدث فالذروة والمكان وصولاً إلى الزمن الذي استعادته المرايا بدقة بالغة.

وفي إطار عتبة هذه الرواية أيضاً نذكر بما قاله الراوي المثقف في سياق عملية الولوج من المستقبل إلى الماضي، مروراً بتداعيات الحاضر الذي سادت مفرداته عقله الواعي:

” قال لي العالِم الصيني المسؤول؛ إنني بصفتي روائياً معلوماتياً عربياً، أستطيع بهذا المنظار أن أشاهد ما أريد من أحداث الماضي” إلى أن قال:

“ولتأكيد أنني في علم ولست في حلم، ثبّتَ العالِمُ سماعتين على أذنيّ، فكانتا تُسمعاني قرقعة الأسلحة، وأصوات حوافر الخيول المطاردة في ذلك التاريخ السحيق، والصرخات، والآهات، وأحاديث الحب والغرام، وحتى الأحاديث المترجمة بنظام الترجمة الفورية من الكنعانية والهيروغليفية إلى العربية الحديثة…هكذا أفهمنى منظار الزمن، الذي لم أتوقع بأي حال من الأحوال أن أنتقل برمشة عين إلى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد”

ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى في سياق قصة عاطفية إنسانية مستلهمة من تاريخ منهوب، في ظل سياسة تضليلية من قبل المؤرخين المعاصرين المجيرين لصالح الرواية الصهيونية المزورة، التي دأب أصحابها بكل ما لديهم من قوة على نفي الآخر، وانتحال تاريخه الكنعاني المجيد وتراثه الفلسطيني الأصيل.

وهنا يتحول الراوي السارد إلى إحدى “شخصيات الرواية المستقبلية” في زمن يكون باستطاعة الإنسان  فيه استرجاع تفاصيل الماضي بالتلسكوب الصيني، حيث أسقطت هذه الشخصية وعيَها الذي يتجاوز الزمن على تفاصيل “الماضي”، في الوقت الذي استعاد فيه الراوي التاريخ الكنعاني المنتهك، من خلال استلهامه في إطار حكاية مروية، وإسقاط ذلك التاريخ على الحاضر بكل تجلياته ومفرداته.. فالتاريخ الممتد عبر الزمن التراكمي يتكرر في تفاصيله الإنسانية، حيث يتجلى ذلك في الثنائيات التي أتخمت بها رواية فحماوي، وكان أهمها ثنائيات: “ما بين مركز الفعل والهامش”، الخير والشر، الحب والكراهية، “سطوة الدين ومؤسسات الدولة واتباع سياسة القطيع ومن ثم تجيير المواقف، مقابل المواجهة المباشرة والحوار لحسم الواقف”.. ليخرج القارئ الحصيف من خلال هذه الثنائيات بخلاصة تمثل الحقيقة المليئة بالتقاطعات والثنائيات المتنافرة على أرضية فسيفسائية تمثل واقع الحال آنذاك.. وتتكرر اليوم وربما مستقبلاً حيث يقف الراوي أمام التلسكوب ليستعيد الماضي التليد والمحجوب عن الأنظار.

وقد جمّل فحماوي روايته بالخيال المجنح على متن لغة سردية مثقفة، رزينة ومستقرة، مفعمة بالصور الفنية واللوحات الجميلة من خلال الوصف الجميل لتفاصيل المكان البيئي حيث بين الكاتب ملامح تلك الحقبة من التاريخ الفرعوني الكنعاني المشترك.. إنها الرواية التي لفتت انتباه المبدعين العرب، حيث جاء السياق التاريخي فيها وفق المصادر التاريخية المنصفة.. وقد تفاعلت الشخصيات النامية والثابتة، الرئيسة والثانوية، على صعيد إنساني منذ بداية الأحداث ونمو الصراع فيها فالذروة حتى الخاتمة القاسية التي أقيمت على تناقض النفس البشرية ونزعاتها الشهوانية والسلطوية وصعود الأنا إلى الذروة.. في تداعيات عاطفية إنسانية تخللتها صراعات عززت من عنصر التشويق في الرواية، من خلال وصف حياة الكنعانيين المتحضرة التي كانت تتمتع بالتنوع والازدهار، واستلهام روح وثقافة المجتمع.. حيث تمازج الأدب الرفيع والفن الراقي وديانة ايل الكنعانية، إذ تعلقت قلوب المؤمنين وفق قناعاتهم آنذاك بالإله الموحد المنير الكنعاني إيل مقابل عبادة الإله الفرعوني “أمون” حيث كان الكهنة يقيمون شعائر عبادته في معبد الكرنك بعاصمة مملكة مصر “طيبة”، أولئك الكهنة الذين تحالفوا مع السلطة في سبيل الاغتنام غير المشروع من المواطنين.. الذين أرهقتهم الضرائب.. سواء في بلادهم أو في الممالك الكنعانية التي كانت خاضعة لسيطرة ملك مصر أمنحتب الثالث.

وسوف يتنفس القارئ الصعداء وهو يعيد قراءة هذه الرواية من جديد بعين السائل المتأمل.

 وفي الختام فإنه يمكن استخلاص عدة عبر من هذه الرواية.. فالحب الذي تختلط فيه المصالح يحتاج إلى تجيد والعودة به إلى ذكريات اللقاء الأول المغسول من الخطايا.. فذلك سيضع الكوابح في طريق الزلات المدمرة.. وهذا لم يحصل في قصة حب نفرتيتي وإخناتون.. لأن الحب يحتاج إلى رعاية مستمرة حتى لا تشيخ.

وتقول المعادلة التوفيقية في الحياة أنه لا بد من الحفاظ على صداقة من هم إلى جانبك، وصناعة صديق، وتحييد عدو.. ومواجهة الخصوم إذا أتت منهم الأذية بجاهزية تامة.. وهو ما نجح فيه في معركة مجدو لكنه لم يتحقق معه إبان حكمه..  فكل أفعاله أتت بعكس ذلك تماماً.. لذلك واجه المؤسسة الدينية وخصوم مشروعه السياسي الذين يشكلون الدولة العملق دون جاهزية معتمداً على إيمانه بفكرته ومشورة زوجته فقط.. وربما لو وسع من دائرة مستشاريه واستقطب خصومه بحنكة أكبر لظفر بنصيب أكبر من النجاح..

وأخيراُ فإنه إذا اجتمع المال والسلطة والجشع واللهو والتسيب فقد الحاكم توازنه.. وإن العاقبة لا شك ستكون وخيمة.. وقياساً إلى الرؤية الخلدونية التي تحدثت عن مراحل سقوط الدولة، وكما أشرنا إلى ذلك في سياق المقال، فإنه بعد ظفر أخناتون بالحكم، وتعالي "أناه" في سياق منصبه الذي تفرد به وتنعم بخصائصة، مهمشاً بذلك من صاروا فيما بعد خصومه الذين استغلوا الفراغ الذي دفع به إلى حياة الدعة والبذخ واللهو والصرف دون حساب على حساب الدولة، فانقضوا عليه بقسوة؛ كانت نهاية الدولة الهلاك، وبالتالي أتت خاتمة العاشقين مأساوية.

 

بقلم بكر السباتين - الأردن

 

 

عبير خالد يحيىإنّ داريدا وضع التّفكيك بين الأحاديّة والثّنائيّة، رفض الثّنائيّات، واعتبر الجانب الثّاني أقلّ أهميّة من الأوّل، أقرّ الوعي ولكن قلّل من شأن اللّاوعي، واعتبر أنّ اللّاوعي أرضًا غير آمنة للدّلالة، بذلك وقعت فلسفته (الحضور والغياب) بين الأحاديّة والثّنائيّة، ولم تبلغ أيًّا منهما، لذلك صار التّفكيك رفضًا للترانسندنتالية وثيولوجيّة سوسير، وكان الهدف من ذلك هو سحق البنيويّة، وبدء مرحلة سمّاها ما بعد البنيويّة .

لذلك صارت الكتابة – وهي الجانب الثّاني من اللّغة(صوت- كتابة)- وبما أنّه يقلّل قيمة الجانب الثّاني كما قلنا سابقًا، فقد أصبحت الكتابة بالنّظرة الدّاريديّة هي (اختلاف) لاختفاء الصّوت فيها حسب تمركزه اللّاغوسي، فسمّى جانب الكتابة بالمفهوم المتدنّي، والدّلالة فيها دلالة ثانويّة لغياب المدلول المقترن بالصّوت الغائب، فكان (الإرجاء والأثر) بديلًا ل (المدلول)، لذلك صار المدلول بعيدًا عن متناول اليّد تفكيكيًّا، وظهوره يعني موتًا للإله والكاتب، ويعني بموت الكاتب تفكيكيًّا (الإله)، والله أوّل من كتب النّص المقدّس، فموت الكاتب تفكيكيًّا يعني موت الإله

و مادامت كلّ علامة تؤدّي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتّأجيل، فصار الاختلاف عند الذّرائعيّة حضورًا بمعانٍ مؤجّلة، تنطلق من مرحلة الإرجاء الذي وقف عنده (داريدا)، لكون داريدا يعتبر الاختلاف غيابًا، لأنّ الدّلالة فيه كاذبة، لكونها مكتوبة ومرئيّة، وتشهد موت الإله، أمّا الذّرائعيّة فقد نظرت لمنظور (داريدا) بشكل معاكس ينطلق من كينونة الدّلالة لغويًّا، والتي تعني شيئًا مرئيًّا وصورة شاخصة تشير لمدلولات أخرى، ودلالة داريدا هي شيء ملفوظ غير مرئيء، يضمحل بعد لحظة التّكلّم مباشرة، بذلك يكون مفهوم داريدا عند الذّرائعيّة معكوسًا، ويبرهن ذلك عمليًّا عند حدود النّصّ، فلا نصّ محكي في التّراث الأدبي، بل جميع النّصوص وخصوصًا المقدّسة جاءت مكتوبة، وأُثبتت حضورها وحضور كتّابها بالرّغم من موتهم، فغياب الكاتب عنها لا يمسّها بشيء.

نشاهدها جليًا في النص العربي المكتوب الذي لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس، فهو يعطيه خلودًا دائميًّا ميتافيزيقيًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب التفكيكية، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النّصّ كيان من دلالات حيّة لا تمسّها يد في التّغيير وإن مات كاتبها، فالنّص الجيد خالد لا يموت، طبقًا لمبدأ أينشتاين في التّضاد النّسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاته ومفاهيمه مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتّراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصّة الملفوظ، فقد تبعثر وانتسى...

موت الإله جدليّة معتمة وطريق مغلق لا شأن لعلم النّقد فيها، فقد أراد داريدا إثبات فكرة وجوديّة، بفحوى قوله : من أنّ الكتب المقدّسة السّماويّة أقرّت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتّفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها([1])، وهذا الرّأي بعيد عن آليّة تعقب المنقوص بالنّظرة الأحاديّة في نقد النّصوص، والحقيقة اللّغويّة تثبت بأنّ تسمية النّص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنّه في لفظه إعلانًا لغيابه واضمحلاله بعد لحظة التّكلّم مباشرة، وهذا الرّأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربيّة الأحاديّة وفلسفة الاختلاف والإرجاء التّفكيكيّة باتجاه السّاحة الذّرائعيّة العربية، بتوافق معقول مع الواقع العربي  المتدّين بالخلق والإنسانيّة، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السّماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما فكرة موت الكاتب فهو رأي خبيث يشير به داريدا نحو موت الإله لكونه أول كاتب للنّصوص المقدسة، فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا الفلسفة الأحادية، لكن الحقيقة، عند التّحليل اللّساني أو النّقدي علينا أن نصوّرالكلام المنطوق عن طريق  الكتابة، كصورة للّغة المحكيّة الأصليّة التي رسمها الدّماغ الإنساني في مركز اللّغة في المخ، وحاجة الكتابة قرّرتها موجودية التحليل والعلوم المتعلقة به كعلم اللّغة واللّسانيات والنّقد والأسلوبية، فحين نحلّل شيئًا لايمكن أن يكون غير موجود، بل يجب أن تقرّ موجوديته أولاً قبل تحليله ببنيته وكينونيته التي تكون صورة من العالم الخارجي نحو العالم الداخلي، لكن ما نريد تأكيده بالفعل، هو أنّ الدلالة صورة وعلامة سيميائيّة للاستدلال، ظهرت مع الكتابة ومع التّحليل والدّراسات التّحليليّة التي تشعّبت إلى تفسير وتفكيك وتشريح....الخ... بشكل أعمق من ظهورها مع الكلام المنطوق، لأنّها في المنطوق لا تبقى شاخصة لتقوم بواجبها الاستدلالي والإشاري والتّحليلي، لاضمحلالها السريع بعد لحظة التّكلّم مباشرة، لذلك فالدلالة المكتوبة هي الأرسخ في التّحليل النّقدي، وليس الدّلالة المحكيّة.

وخلاصة القول، فإنّ داريدا صاحب التّفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذّاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفةُ والباحثون في متاهة النّقد الأدبي بكتاباتهم المستمرّة عند حياته، حتى كسر ظهر الدّلالة بغرافيّة التّمركز والاختلاف، باعتباره أنّ الدّلالة اللّغويّة المكتوبة تصبح ظلًّا للدّلالة اللّغويّة المنطوقة التي تمثّل ذاتيّة حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة، ومن هنا انطلقت الذّرائعيّة بتثبيت أقدامها على أرضية النّصّ المكتوب، بشكل معاكس تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله......

 

د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية 21 يونيو 2020

......................

[1] - الدكتور نبيل راغب – موسوعة النظريات الأدبية – ص230 و231

 

صادق السامرائي

"الشعراء إكتشفوا اللاوعي ولستُ أنا"

قراءة نفسية لقصيدة "بيتي" للدكتور وليد العرفي.

هذه القراءة ضمن المحاولات التي جربتها منذ سنوات فيما أسميه بالتشريح النفسي أو النقد النفسي، وقد بدأتها بقصيدة أنشودة المطر ومعلقة إمرؤ القيس،  وغيرها من القصائد التي يحثني على قراءتها ما تكنزه من طاقات نفسية، وتعبيرات سلوكية تعيننا على فهم الإنسان، وهذه القصيدة تقع ضمن الموضوعات التي أهتم بها، وأحاول فهمها وتشريح آلياتها النفسية.

البيت موطنٌ ووطن والذي لا بيت له لا وطن عنده، والوطن الذي لا يأوي مواطنيه يخلعهم من ذاته وموضوعه، والبيت كيان أهملته الأجيال وقلّ الإبداع فيه، فكأن المنهج المطلوب أن يتحقق تغييب البيت من الوعي الفردي والجمعي،  ليتحقق إستباحة الأرض والهوية.

وتناولتُ هذه القصيدة لأنها تجمعني بذات الموقف والمشاعر عندما وقفت على البيت الذي ولدت فيه وأمضيت بعضا من طفولتي بأرجائه، وقد تحوّل إلى ركام، وشكله وغرفه وطوابقه منحوتة في ذاكرتي، وما كان يدور فيه من نشاطات إجتماعية، ووجدتني في محاورة دامعة معه.

"والأهم أن موضوع البيت قد تناوله شاعر من وطن مُستلب يتم الإستحواذ على بيوته، والعمل على محق هويتها ودلالاتها الإنسانية والوطنية"*.

فالقصيدة تشكل إنثيالات نفسية وفكرية ذات قيمة معرفية، وكأنها رعدة مدوية في فضاءات الصمت العربي، التي تتمادى بالقنوط والتماهي بالخسران.

القصيدة تبدأ بصرخة عودة، وثورة إرادة ونداء روح يجزم بأن البيت بيتي، والوطن وطني والصوت صوتي، فشلال الذكريات والتفاعلات الإنسانية يتردد في أرجاء بيتي وإن توطنته أيها الغريب، نعم أعود إلى بيتي الذي لم يفارقني أيامَ بُعدي عنه، وقد عانيت كثيرا من هذا النأي عن بيتي، وأني أعود وسأعود إلى بيتي!!

أعود فعل مضارع يفيد الحاضر والمستقبل، ويكشف عن الإصرار والمثابرة والعمل الدؤوب الذي عليه أن يُثمر، ويقضي على الشعور بالغربة في المكان الذي عاش فيه الإنسان.

وهي ذات المشاعر عندما يعود المهاجر إلى وطنه ومدينته وبيته فيمتلئ إحساسا بالغربة، لأن نهر الأجيال قد جرى فيبدو وكأنه غريب بين أهله وناس مدينته.

 أعودُ إلى بيتي غريبا وما درى

بما كنتُ ألقاه ببُعدي وما جرى

فما مرّ يومٌ دون ذكرى وغصةٍ

وما ذقت طعم الفرح إلاّ تمرمرا

أيها الغاصب لبيتي حرمتني من الفرح والبهجة لأنّ بيتي يمثل حياتي ويحمل ذكرياتي، ومسيرة طويلة من الأحداث والتفاعلات الإنسانية المدوية في أرجاء أعماقي.

حوارية رائعة بين البيت والإنسان الذي غادره عنوة، فأول ما تتأجج في أعماقه في هذا الموقف هي الذكريات النابضة بالحياة والمشحونة بالعواطف والإنفعالات، التي تجعل أي فرح لا يُقارن بفرح الكينونة الإنسانية في البيت.

وأنّيَ في بُعدي القريبُ بلهفتي

وما اخترتُ بُعدي طائعا كنتُ مجبرا

ومن ديناميكية التفاعل مع الموقف أن يحضر الإجبار، وأن يُقنع الإنسان نفسه بأنه لم يهجر مكانه بخياره وإنما لأسباب خارج إرادته .

فجلتُ به عيني أراقبُ ساحهُ

وفي الأرض بلّور الشبابيك بُعثرا

وحالما تتحقق المواجهة بين البيت والإنسان تنهض المراقبة وتتجسد، لأن النفس تريد أن تفتش عن آثارها وما يشدها للمكان من مفردات وعناصر أسهمت في تحرير الذكريات وتوثيقها، فيتحوّل كل ما في المكان إلى حيٍّ ناطق، وقد تناول هذا الموضوع العديد من الشعراء منذ سالف الأزمان، وهناك الكثير من القصائد التي تترنم بالوقوف على الأطلال.

وفي الباب مفتاح الحنين يهزني

وقد أسقطَ الركن العزيز وهرهرا

وأول ما يشد الإنتباه عند النظر إلى البيت هو الباب المشحون بقوافل الذكريات، فكل حدث ينطلق من الباب ويأتي منه، وعند الباب تتسع مساحة الرؤية وتحضر المشاهد والتفاعلات التي تحققت في أوانها.

ومن سقفه المودي إلى عرصاتهِ

رأيتُ به وجه السماء منوّرا

وفي هذا البيت حضرت السماء بما فيها من تبدلات وتصورات نهارية وليلية وكيف تترسم مواضعها، التي تخيَم على البيت بألوانها ونبضات نجومها وغيومها.

وشجرةَ زيتونٍ تسوّد جذعها

وما اخضرّ من أوراقها صار أصفرا

إنها مواجهة توقظ الموجودات وتبث فيها الحياة والقدرة على التواصل مع خيط الذكريات المتين، فأغصان شجرة الزيتون تتحدث عن تلك الضحكات والكركرات واللعب الذي كان يدور حولها، فهي تتذكر ولا تنسى وتبتهج برؤية أهلها.

وكأنها حزنت على فراق أصحابها وشحبَ لون بعض أوراقها المشحونة بالذكريات، ومن شدة الشوق إحترقت.

بكتني لمّا أبصرتني بدهشتي

كأنّيَ أستجدي الدخول محيَّرا

هذه الشجرة المثقلة بالذكريات أصابتها الصدمة وانفجرت باكية، وهي تنظر إلى أهلها الذين عاشروها ردحا من الزمن، وقد ترددوا وتحيّروا من الإقتراب منها، وكأنها ترفض الغرباء الذين ألقموها مشاعر السوء والبغضاء والتأسّد على الآخرين.

وقفت غريبا إذ أحاور مَن سطا

وقد بدّل الألوان فيه وغيّرا

وظنّ بأن اللون يُذهبُ أصلهُ

وأنّه بالمرئي يحجب مُسترا

فها هي (غفرانٌ) تضاحِكُ لعبةً

وما زال منها الرسم يحضنُ دفترا

وهكذا تبلغ المواجهة ذروتها وتنطلق الروح محاورة الغاصب المستحوذ على حق الإنسان، فصاحب الحق صار غريبا والغاصب مالكا حقيقيا، وحاول أن يعبث بكيان البيت ويغير ملامحه ومواصفاته لكي يخدع نفسه بأنه يعيش في بيت يمتلكه، وليبرر لنفسه بأنه لم يغتصبه، لكنه يعجز عن محق ذات البيت وكيانه وروحه وما يعج فيه من الذكريات والتفاعلات، التي توقدت أمام صاحبه الذي تسمر أمام بابه متحيرا.

وصوتُ أبي في الفجر يُسمَع خطوه

يقومُ إلى ماءِ الوضوء مُشمّرا

وتنهض الطقوس السلوكية والروحية التي كانت تؤدى في البيت وتتحرك بحيوية كأنها تحدث لتوها، وأظن الكاتب حين كتبها،  كان يسمع خطوات أبيه وصوت الماء الذي يتوضأ به، وما يرتله من آيات وهو يؤدي صلاة الفجر.

بكى منزلي لما رأى الذئب حارسا

وأنَّ قُطيط الحيّ فيه تنمرا

وأنّ شموس الأمس غيرَ رواجعٍ

وأن سواد الليل أمسة مقدّرا

وأنّيَ أصبحتُ المُذلَّ بموطني

وأنّيَ بعد العزّ أغدو مهجّرا

ونأتي للإنحدار ووصف واقع الحال المرير الذي يحفل بالدموع والتأوهات والحسرات، فالبيت يبكي وأهله في المهجر، ولا قدرة لديهم على إستعادته والسكن فيه، لأنّ مَن حوله قد تغيّر، وداهمته آفات العدوان الأليم، فأهل الحي قد تبدّلوا وتذأبّت الموجودات وتنمّرت، وساد التوحش والإفتراس.

توكأتُ عجزي فالعصا ليس مُعجزي

ولا البيت بحري كي أشق وأعبرا

وفي هذا البيت وما يليه حوارية تبريرية وإقناعية  لتفسير واقع الحال المرير، والشعور بعدم القدرة على تبديل الموقف وإستعادة البيت المغتصَب، ولا بد من تعليل ذلك بوضوح كما في الأبيات التالية.

وهذا زمانٌ اسودٌ بغرابهِ

يُذلُّ به الأسيادُ والعبد أمّرا

زمانٌ به صار الغواة هداته

وفي عرفهم شيخ المساجد كفّرا

فلوحت بالكف اليمين مودعا

ومسحت بالأخرى الدموع تصبّرا

فاللوم يقع على الزمان الذي أذل الأسياد وتسيّد فيه ما دونهم، زمان منكوب بالموبقات والسيئات وفقدان الحق والعدل والإنصاف، ولابد من وداع البيت الذي توقفتُ عنده باكيا مستحضرا ما لا يمكن عودته من الأحوال والحياة، التي كنتُ أتمتع بها وأمارسها بعزة وكبرياء وإنتماء صادق.

وعظّمْتُ بالإنسان يَسْرق أهله

وأكبرني عمّا بفعله صغَّرا

وكم زيّفَ التأريخ خطّ كتابه

وغيّر شُهّاد الرّواة وزوّرا

ويمكن القول بأن في هذين البيتين إعتراف بأن الإنسان يجحد حقوق الآخرين، ويفعل ما يستطيعه لأخذها منهم، والتأريخ يمكن تزويره وتلفيقه لكي يضمن تلك الحقوق، وهذا ما يجري للأرض المستباحة والبيوت المسروقة من أهلها.

فيا وطنا باع الجباة هواءه

ومَن باع بالمال البلاد سيُشترى

ويحضر الوطن الذي فيه البيت، ويُلام لأنه صار مباعا مباحا، والذين باعوه تحوّلوا إلى بضائع في مزادات الإمتهان والإذلال والنيل من الإنسان.

وراحت بي الذكرى تردد كالصدى

وما انهد بالجدران بالروح عمّرا

والبيت الأخير يعبّر عن آلية التسامي التي إستبدلت البيت بكيانه المادي، بهيكل معماري خالد في أروقة الروح، التي تتمكن من بنائه والإرتقاء به ليكون صورة حية في أعماق عاشقه وصاحبه المنتمي إليه.

وبهذا تتم القراءة النفسية النقدية، التي تحاول أن تسبر أعماق الكلمات وتستشف منها المشاعر والأحاسيس والتصورات والتجليات النفسية المرافقة للوقوف قبالة البيت الذي ترعرع فيه الإنسان.

تحية للدكتور العرفي على حواريته الشعرية المكثفة، الكانزة لعبق التذكر والإنثيال الروحي والفكري، أمام رحم الوجود الإنساني الذي يمثله البيت، وكأنها صيحة إستغاثة تشعرنا بأنّ الإستقرار في بلداننا مفقود.

*عندما قرأت القصيدة حسبتُ كاتبها فلسطينيا، وأدهشني بعد أن إنتهيت من كتابة هذه القراءة بأنه سوري، فرأيت أن أبقيها على حالها، لأن أبناء الأمة أصبحوا يشتركون بذات المعاناة اليومية المتصلة بالبيت والأرض، فالغاصب غاصب وإن تنوّعت هويته، والظالم ظالم مهما كان أصله ومعتقده، وتلك عجيبة من عجائب ويلات بلاد العُرْبِ أوْطاني!!

 

د. صادق السامرائي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

بيتي / د. وليد العرفي

 

 

 

 

مصطفى النبيهتبحر في عوالم النفس البشرية

رواية تجريبية للروائي المبدع ناصر رباح

" منذ ساعة تقريباً" سيمفونية بصرية تعج بالصور الفنية, تدور في فلَك أناس مهمشين, فقراء ومضطهدين، يعيشون نفس ظروف القمع والجوع، يعانون من ازدواجية الشخصية، يهربون بأفكارهم من واقعهم اللئيم إلى ماضيهم الرحيم. الرواية تعرينا أمام أنفسنا لنكتشف صورتنا الوقحة في المرآة فنصطدم بكمية الشر التي تسكننا، والتي نسقطها دوما على ضحايانا الذين يخضعون لسلطتنا، هروباً من الأمراض المعلقة في أرواحنا.

"منذ ساعة تقريباً" اسم مثير يجذب الانتباه، تتلخص في وقت زمني محدد يسرد بها الكاتب تجربته الإبداعية المكثفة، فدلالة الاسم تحمل في طياته الكثير من الغموض والتأويلات، وتشوق القارئ المشاهد للمتابعة حتى يكتشف ما يدور من أحداث في هذه المساحة الضيقة .

فما بين أناقة السرد وتقنيات السينما، واللون وعلاقته بالحالة النفسية، يخرج علينا الروائي "ناصر رباح" في خمسة فصول متبنياً مسرح بريخت ليكسر حاجز الوهم، " الجدار الرابع"، يريد الكاتب من القارئ أن يكون فاعلاً وليس مفعولا به، كي لا ننساق قطيعاً وراء عاطفتنا وندركُ حقيقة أننا نعيش بين أفكار حملت شخوصا ابتكرها الروائي بين السطور لتدق جدران "الثالوث المقدس "، الدين والجنس والسياسة، وتحكي بصوت عالٍ بعيداً عن الخوف والقيود التي تحرمنا من التعبير عن مشاعرنا. بُني العمل على المونتاج المتوازي في السينما والقطع السريع، حيث نرى خطين يسيران في آن واحد.. الخط الأول يتناول أبطال الرواية وما يسردون من أحداث، والخط الثاني يوثّق سيرة الراوي "ناصر" وصراع الأفكار وما يدور برأسه، وبأسلوب المزج الفني نسج تحفة فنية حيكت بحرفية عالية لينتقل بين الأزمنة بانسيابية.

كيف تم ابتكار شخصيات الرواية؟

نسج الروائي ناصر من سيرته الذاتية ملامح الشخصيات التي يحركها في تجربته الإبداعية. فمثلاً عند الحديث عن الرسائل التي منحها الكاتب حياة وجعلها تنطق لتبني علاقة مع" سلامة" ساعي البريد و"منير الساكت" فهو يستقيها من تجربة في صحراء ليبيا حين وصله خطاب من خطيبته في يناير عام 1990 بعد مشقة حيث قال في صفحة "213: " الخطاب الذي وصلني في ذلك الصباح الشتويّ البارد حمله المدير وسلمه لي وتركني دون كلمه كمن يصافح جاره الممل،" كيف كان سيدرك أي فرح سيثيره في روحي خطابٌ كهذا؟", ومن هنا استوحى شخصية "سلامة", وماذا تعني للفلسطيني المهجّر وصولُ رسالة في الغربة , ولمدى تأثيرها قام في صفحة "9" بتوثيق افتتاح مكاتب البريد في فلسطين، هناك قاسم مشترك بين شخصية "منير الساكت " الشخصية الرئيسية في الرواية والروائي "ناصر" وهو اليتم والحزن والشعور بالوحدة، حيث يحدّث الروائي والده قائلاً في صفحة " 78 – 79":  "أنا أكتب الآن الرواية هذه في العام 2017, وأنت الذي مت قبل عامين.. نحن معاً في الرواية - نعم لا فرق في الجنازة أو في الرواية.. هل تريد أن تقول إنك تكتبها بسبب حزنك؟ أنا حزين لأنك غادرتني، ثم مرضت أمي، ثم لحقتْ بك "، المشاعر الإنسانية التي تفيض حزناً وحرماناً هي نفس مشاعر "منير الساكت " الذي عاش طفولته يتيماً وصاحبه الموت حيث انتزع جدته التي تمثل له الحرية والحياة.

إنَّ الموت يحاصر أبطال الرواية من كافة الاتجاهات، الروائي والمواطن العربي يشاركونهم اليتم والانكسار بعد رحيل الزعيم "جمال عبد الناصر"، حيث يستسلم الجميع للموت المؤجل.        تعد "هالة " الضحية الثالثة من المحاور الرئيسة في العمل، فهي رمز النقاء، تشع حياة بريئة ناصعة البيضاء في الشكل والمضمون، استوحى شخصيتها من أخته الطفلة "هيام "التي ولدت قبل موعدها وظل الوالدان يترقبان نجاتها بمعجزة، لكنها فارقت الحياة، حملت صدقها وبراءتها ورحلت، فكلما كبر "ناصر" عاماً تخيلها تكبر عاماً، كان يدّعي أنها الآن في المرحلة الثانوية، الآن هي مخطوبة، سأزورها في بيتها حين تضع طفلها الأول.". لقد صنع الروائي من الأحداث المأساوية التي مر بها مجتمعاً عنيفاً ، بدأ يحرك شخوصه فوق الورق ليعيشوا نفس السوداوية التي مر بها، ولكي يفصل تماهي القارئ مع شخصياته المتخيلة اعتمد على مسرح "بريخت" في كسر (الجدار الرابع ) وتوعية عقل المشاهد بكل ما يحدث في الواقع ليكون على دراية بتفاصيل جذور المرض ومناقشته والبحث عن أسباب علاجه، والهدف  من ذلك إيجاد حياة أفضل للناس، فكان ينتزع  القارئ من انفعالاته بعد أن سيطر عليه عاطفياً أثناء الحديث عن موت جدة "منير" في الرواية إلى مفهوم الفقد بالنسبة للروائي "ناصر" الذي ذاق ألواناً من الوجع ما بين  الغربة  وموت أخته الصغيرة "هيام" ورحيل والديه .  الكاتب مزج بين حالتين مختلفتين بالشكل لكنهما تلتقيان في المضمون، فالضحية "هالة " صورة عن الطفلة "هيام " التي مرت مرور الكرام في الحياة، وحتى لا ينصهر القارئ مع الأحداث ويصبح عاجزاً عن إصدار أي حكم، جعل الروائي مسافة بينه وبين الشخصية التي يقرؤها، كما اعتمد على التغريب في الفصل الأخير "ناصر 5 " , حيث يقول في صفحة ( 301 ): كل يوم ألتقي بشخصية من الرواية تشتكي لي وتتهمني بالتقصير والمحاباة لشخصية أخرى، وفي صفحة " 309"  : "وفي الخلف ركبت امرأتان وانهمكتا في حوار عميق عن تجهيزات لعرس قريب" , وفي صفحة   " 315 و316 "  "هل يمكن أن تعرّفني الآن على السيدتين؟", هز "رزق" رأسه وربت على كتفي وقال مواسياً: "لا بأس هذه أعراض طبيعية، فالانتهاء من رواية  يشبه كثيراً وداع شخص عزيز، عموماً فها أنت تلتقي بها، أقدم لك السيدة الفاضلة، روايتك التي كتبتها, وأما هذه الشابة فهي روايتك الثانية التي لم تكتبها بعد." يرصد لنا الكاتب حالة الهذيان التي يمر بها الروائي "ناصر" وحالة التيه الذي يحياها ما بين الواقع والحقيقة، وهنا يظهر مفهوم التغريب، بمعنى تقديم الأمور المألوفة في صورة غريبة، وهذا يؤكد أن الروائي استعان بأدوات مسرح بريخت في بناء تجربته الروائية، فالشخصيات نامية متطورة تتجسد في مراحل مختلفة من الرواية. فما بين ساعي البريد المهمش الخانع المستسلم والذي كان رمز البهجة لأهل المدينة، والذي أصبح يخجل من عمله بعد ثورة التكنولوجيا وينتظر إحالته للتقاعد وإغلاق مكتب البريد، و"منير" اليتيم المضطرب الذي ترعرع على فلسفة زرعتها جدته، ".. كن أنت ولا تحن رأسك لمخلوق كان.."، تشبّع بجوع الحنين بعد أن عاش في بيت الأموات كما سرد، ومازال شاخصاً أمام صورة والديه اللذينِ سقطا ضحايا حادث مفتعل، بعد تتابع الأحداث يكتشف زيف الواقع، بدايةً من مدرس الرياضيات ومروراً بصديقه الصيدلي الاستغلالي.  يثور "منير"  المذبوح ويقرر أن يطبق العدل من وجهة نظره ، فيقتل شيطان المدينة البلطجي "حميش"  الذي اغتصب زوجته " هالة" التي ذاقت ألواناً من الموت قبل أن يوارى جسدها تحت التراب، " هالة " المثقفة البريئة النظيفة التي ترجمها الألسن وتنهشها العيون ، حاول أن يخلصها من عارها ومن النظرات الوقحة  التي تفترسها والألسن الثرثارة التي تأكل لحمها فقتلها بدون قصد، وقتل الطفل الضحية الذي  يسكن أحشاءها بعد أن دس لها الدواء وأسقاها القرفة حتى يجهضها،  سقط جسدها النحيل وفارقت الحياة ، ككل شيء جميل يُهجَّر من حياتنا ، عاش  "منير" عقدة الذنب . منذ اللحظة الأولى وضعنا الكاتب أمام واقع أليم يسرد حقيقة مجتمع يغرق بالجهل والتخلف، ويبشر بالجوع، فوالد "هالة" باع المكتبة، رمز المعرفة، و"مريم العذراء" باكية حزينة في بيت" دولت" المسيحية صديقة " هالة "، والشخصيات مضطربة و"ناصر"_ الخط الثاني الموازي في الرواية للشخصيات_ يفيض حزناً وهو يوثّق  سيرته الذاتية, ويتناول من خلالها  المحيط  العربي, والواقع البائس ،حيث يشعر بالضياع، يفتقد لسماته  الرئيسية فيصيبه اغتراب نفسي،  وهذا سينعكس لاحقاً على شخصيات الرواية ، ففي صفحة" 273" يقول ناصر: "طلب منا أستاذ التربية الفنية المصري في المدرسة الإعدادية أن نرسم (عروسة المولد النبوي)،فرسمتها كما كنت أشاهدها في محالّ الحلوى بالقاهرة، لكنَّ التطريز الشهير على الثوب الفلسطيني كان قد قفز دون أن أشعر على أكمام الفستان وصدره وتدلى على جانبيه ،المعلم_ والذي كان يعرف أنني فلسطيني_ رفض الرسم تماماً وقال غاضباً: "إنها لا تعبر عن هويتين، بل عن فقد هوية". هذا الانكسار والشعور بالعجز رافق الروائي وشخصيات الرواية، حيث تناسقت الأرواح الفنية لتشكل مجتمعاً مضطرباً عنيفاً يفتقد لملامحه، تم صناعته من خلال قصص أحيكت بحرفية عالية تشد بعضها بعضاً لتقدم لنا تحفة فنية،

" منذ ساعة تقريباً" تجربة رائدة من نوعها، تأخذنا لفضاءات كونية، تسرد الوجع بانسيابية لأناس مضطهدة، أسيرة، واقع مريض يشدها للقاع ولن تنجو من ثرثرة المتطفلين، تبحث عن طوق نجاة فتستصرخ العالم أن يخرجوا من" الأنا"، فقد فاض الشر حتى ابتلع الحياة.  سر جمال العمل أنه مغامرة مدروسة لروائي عليم بكل ما يدور حوله.

إنَّ القاسم المشترك بين أبطال الرواية هو الحنين، فما قيمة الحياة عندما ينتهي دورك وتصبح مجرد فراغ ينام في ألسنة الثرثرة، وتستعبدك العاطفة البائسة وتشعرك بالدونية؟ حتماً كل هذا الضغط سيقودنا في نهاية المطاف لمسرح الجريمة، فالتراكمات الكمية على مر العصور تؤدي لتغيرات نوعية تدعو للتطرف. كل هذه المفردات تسهم في تكوين عمل سينمائي.

بداية من " الإهداء " صفحة " 5 " إلى أبي.. مت، فمات البيت.."، الإهداء مشهد تعبيري يحكي الرواية.

م/1 – نهاري " وقت الغرب" – خارجي، داخلي – بيت قديم

بيت قديم شاحب اللون, وحوله أوراق أشجار جافة ، سكون يخيم على المكان ، مع غروب الشمس ، يخترق هذا السكون  خطوات ثابتة للروائي "ناصر" بقبعته الداكنة وظهره المنحني للأمام قليلاً وهو يحمل بيده بعض الكتب ، يتأمل البيت ويمضي حزيناً ، يقف أمام  صورة والديه الفقيدين ويغمره الحزن، يكسر السكون مزيج من الأصوات التي تتناول الأزمنة التي مر بها الكاتب ، ما بين بكاء طفل وفرملة سيارات وصوت انفجارات ومظاهرات ، ونواح على الزعيم "جمال عبد الناصر" ، يضع الكاتب يديه على رأسه , تتشقق صورة والديه ويخرج منها صورة صحف تتحرك بشكل دائرة تحاصره ، تلتف حول رأسها فينفض رأسه بعنف وبشكل دائري ليهرب من هذه الأفكار ثم ينهار باكياً.

قطع

الأب.. يشكل رمز الحماية وقد سقط منذ البداية، وهذا يؤهلنا للإبحار في عالم مهزوم يعيش النقص، وهذا ما سنراه في شخصيات الرواية، حيث يرسم لنا الكاتب الشكل الخارجي للشخصية والفعل الجسدي من خلال حوار يدعم المستوي البصري، حيث اختار الجمل القصيرة وتفادى الاستطراد ليحافظ على الإيقاع، فنحن أمام صراع مستمر لتحقيق دوافع، وسنرى مدى تغلّب الشخصية على تلك العقبات التي تعترض طريقها. حيث تسير الأحداث باتجاه التعقيد فتضطر الشخصيات للقيام بأشياء معينة مما يؤدي إلى خلق سلسلة من الأزمات والمصاعب والتوقع وعكس التوقع الذي يأخذنا لعالم التشويق.

في صفحة رقم "9"  يوثق الروائي افتتاح مكاتب البريد في فلسطين وتبادل البريد فيبدأ المشهد الثاني.

م/2 – ليلي – خارجي – البحر

صوت أمواج البحر تتلاطم، إضاءة طبيعية متمثلة بالقمر، الروائي يتحدث عن أول رسالة وصلته، وعن نشأة مكاتب البريد في فلسطين والحنين التي كانت تتركها الرسالة على المتلقي.

قطع

الحكاية الأولى في الرواية:

م/3 – نهاري – داخلي – مكتب بريد

"سلامة" ستيني ذو شعر أشيب، وملامح محايدة، وجه باهت بدون تجاعيد عميقة، شاربه محفوف بعناية مع سالف طويل يصل إلى منتصف الأذن، عينان فوقهما جفون مرتخية، وحاجب رمادي كثيف، أما بخصوص الحالة النفسية للشخصية، شخصية خانعة مستسلمة محايدة تشعر بالنقص والضعف. وتبحث عن ذاتها الضائعة.

يقف "سلامة" محايداً ينظر إلى المظروف الأبيض المستطيل ذي الحوافّ المزينة باللونين الأزرق والأحمر، يرمق "سلامة" المظروف بنظرة تساؤل ويقوم متكاسلاً من مكانه ويغسل غلاية القهوة ويملؤها بالماء، ويضيف ملعقتين من البن، ونصف ملعقة من السكر، ويفتح درج المكتب ويخرج علبة الثقاب ويشعل موقد غاز صغيرا يضع فوقه الغلاية، ويجلس كي يشرب فنجانه الأول في هذا اليوم، ينظر ساهماً في وجه الماء الذي بدأت فقاعاته بالتصاعد ثم ينظر مرة أخرى إلى الخطاب ويبتسم وهو يحدث الخطاب قائلا: "مرحباً يا أخي، أتشرب قهوة؟". صمت يخيم على المكان يواصل "سلامة" الكلام، "لماذا يكتب الناس خطابات حتى الآن وقد أصبح لديهم هواتف." نظر الخطاب إلى الرجل المحبط بكراهية وأسف واصل سلامة حديثه " أنت تعرف أنني رجل في حالي، لماذا يصبح العمل الذي كنت أفتخر به شيئاً معيباً؟!".

حمل سلامة الخطاب وبدأ يقلّبه بكراهية ويقرأ ما كتب عليه..

سلامة: "نعم، نعم أعرفه، "منير الساكت"، ابن "خلدون" الله يرحم، لكن من سيرسل له خطاباً؟" هو يوم أسود من أوله، هذا خطاب نحس. هل أمزقه؟ هل أضعه في الدرج وأنساه؟ أنا لا أستبشر خيراً؟ أستر يا رب!".

قطع

م/4 – نهاري – خارجي – الشارع

"سلامة" يسير في الشارع يحدّث نفسه..

سلامة: "لماذا لا أركب سيارة عند عودتي فيهتم بي سائق سيارة الأجرة؟ لماذا لا أجلس بعد العصر في هذا المقهى فيهتم بي النادل؟ أنا من دفنت نفسي حياً ما بين المكتب القبر والبيت الكئيب، اخترت العزلة مرغماً والسبب وراء ذلك أبي"،  يواصل حديثه: "أبي كان رجلاً شديداً وصعباً، يضربني كلما عدت من المدرسة لأي سبب، بلغت المرحلة الثانوية فقال لي:،" كفى تعليماً، إلى هنا"،  في اليوم التالي، قادني إلى بيت أخيه وزوجني ابنته، دون أن أعلم يومها إلى أين كان يسحبني مثلما سحبني ذات يوم إلى هنا، كنت أخرس، ولم أقوَ على الكلام، يواصل "سلامة" المونولوج الداخلي مضطرباً ويخشى أن يكتشف أيٌ من حوله أنه يحمل بريداً يتيماً في وقت لم يعد فيه أحد يرسل أو يستقبل خطاباً، يتابع حديثه: "لماذا تتغير قيمة أفعالنا في عيوننا إذا ما قمنا بها هي نفسها حين يتغير الوقت؟", يصل سلامة إلى بيت "منير الساكت" لاهثاً.

"منير " شاب في العشرينات يصبغ شعره دائماً بألوان غريبة، ويرتدي ملابس أكثر غرابة غالباً فسفورية فاقعة، لا يكف عن الغناء أينما كان بصوت لا ينم عن ذوق أو موهبة. فقط ابتسامة عريضة دائمة حتى في مجالس العزاء وأثناء صلاة الجنازات. يقف منير على الباب ينتظر سلامة.

منير: عم سلامة, لماذا تأخرت؟

سلامة: هه؟

منير: نعم! تأخرت، أنا هنا منذ ساعة أنتظرك؟ ألم يصل الخطاب منذ ساعة يا رجل؟ لماذا لم تحضره فوراً، ألا تعرف قلقي وظروفي المعقدة؟

مد منير يده وخطف الخطاب من يد سلامة وأغلق الباب بوجهه.

قطع

مشاهد تأسيسية قدمها الكاتب لتسهم في بناء العمل ،حيث حمل معلومات وأحداثا يسير عليه الخط الدرامي، شرح الكاتب في هذا المشهد سيكولوجية شخصية "سلامة" المنهزمة من الداخل وملامحه الخارجية والواقع الاجتماعي الذي يدور في فلكه، فهو يعيش حالة من الرتابة والقهر والتهميش، وقدم لنا معلومات خاصة تتناول الوضع النفسي وتأثيره الخارجي على "منير الساكت"، ابن صديقه الذي مات في حادث وهو يقود سيارته نتيجة صبيان كانوا يلقون بقطع خشبية بها مسامير، يتحدث مع الخطاب الذي يحمله  ثم يتوجه لبيت منير ابن صديقه الذي مات في حادث ، بعد لقاء "منير" تنشط في رأس "سلامة" الهواجس فيعود مرة ثانية إلي منير ليكتشف سر الخطاب، يطرده منير فيغضب "سلامة" من تصرفه، يدور حديث بينهما عن أخلاق "خلدون" وعلاقته بسلامة قبل موته ، يراود منير  شك بأن هناك أمراً ما دعا سلامة  للعودة والسؤال عن الخطاب ،فيقرر زيارته في المكتب، أثناء الزيارة يضع منير مخدراً لسلامة في القهوة وقبل أن يستسلم سلامة للنوم، يدور حوار عن والد منير وأثناء الحوار يغفو "سلامة"،  يقوم منير بغسل كوب القهوة ثم يخرج،  يغرق "سلامة" في غيبوبة من النوم، فيعتقد الجميع أنه مات، ويتم وضعه في ثلاجة الموتى وبعد أن يستيقظ من غفوته يدق الجدار الحديدي فيلتفت الحارس لحركته، يخرج سلامة من المستشفى بعد أن فقد صوته نتيجة الصدمة ،وليبرر الدكتور خطأ تشخيص الحالة، يتهمه بأنه يتعاطى  المخدرات، وتنتشر الاشاعة بعد ذلك، وحين  يذهب إلى البيت ويرونه قادماً يفر الناس من بيت العزاء المعد له .

تتواصل الأحداث، ويتم تشويه سمعته واتهامه بتجارة المخدرات، فيتذكر القهوة وما حدث له من تخدير من قِبل "منير" ، فيقرر الانتقام، يذهب إلى البريد ليبحث عن كوب القهوة ليبرئ نفسه، فيجده مغسولاً ، تستغل السلطة انهياره وحالته النفسية ويطلب منه الضابط أن يعمل مرشداً ليراقب منير ويكشف أسراره ، يتجه" لمنير" المقموع المذبوح ليكشف خفاياه وفي نهاية الأمر وبعد جدال بينهما يدرك سلامة أن منير ضحية مثله ، فيصارحه بأن " حمش " البلطجي من تسبب في قتل والده "خلدون"،  وعندما يرسل منير رسالة بكل اعترافاته والأخطاء التي ارتكبها  لسلامة  يرفض سلامة  تسليم الاعترافات للشرطة ويبرر له ما حدث.

المشاهد السينمائية الأكثر تشويقا في حكاية سلامة

مشهد سلامة بعد أن يستيقظ من الغيبوبة وهو في ثلاجة الموتى ، مشهد هروب الناس من عزاء سلامة بعدما يرونه قادماً،  مشهد لقاء سلامة في بيت منير الساكت بعد أن فقد النطق والصراع النفسي الذي يدور بينهما,  مشهد سلامة وهو يطوف في المدينة  ويقرأ اعترافات منير الساكت الخاصة بقتل " حميش "، والتسبب بدون قصد بقتل زوجته  "هالة"، فيقول "سلامة" عن منير  : في صفحة "305 " الله ، طول الوقت يرسل لنا رسائل لا نقرؤها ، فهذا الرجل مثلاً دون أن يقصد اقتص للبلد من تاجر حشيش ومغتصب وهاتك أعراض دون أن يقصد, خلص هالة من عذابها الذي سيلازمها ويلازم أطفالها حتى الأبد ، منير يفعل أشياء مباركة دون أن يدري, وأنا أرى أنه مبروك.".

اعتمد الروائي في بناء الرواية على إيقاع منظم، يحمل لغة بسيطة واضحة قصيرة، تغذي مخيلة القارئ المشاهد وتنسج صوراً بصرية ترصد طبيعة الموقف.

الحكاية الثانية: "منير" الضحية الثانية وهو شخصية متمردة عكس شخصية" سلامة"، عاش يتيماً مع جدته المريضة صحياً، بعد أن فقد والديه نتيجة حادث سيارة.. فقد انفجر إطار السيارة (الفولكس واجن) الصفراء وانحرفت لتصطدم بشجرة كينيا بجوار الطريق، ويموت الأب الذي كان يقودها وأمه التي كانت بجواره، أما هو والذي كان بعدُ رضيعاً بالمقعد الخلفي فقد نجا إلا من جرح في خده الأيمن ترك ندبة تحك وجهه فيحكها كلما تذكر والديه.

في صفحة " 20 " يرصد الكاتب الحالة النفسية لمنير وشعوره بالوحدة والحنين للعائلة حيث يدور حوار بينه وبين الخطاب.

م/5 – نهاري – داخلي – بيت منير الصالة

منير بعد أن يأخذ الخطاب من ساعي البريد، يغلق الباب بوجهه ويمسك بيده اليمنى سكيناً وبيده اليسرى خطاباً، يرمي الخطاب من يده اليسرى عالياً في الهواء ثم يرشقه قبل أن يهبط بالسكين، ليستقرا معاً على لوحة زيتية لعائلته، يجلس منير على أقرب كرسي في المكان وعيناه معلقتان بالخطاب المطعون والصورة العائلية المشوهة، رفع سبابته اليمنى باتجاه الخطاب وكلم نفسه،

منير: " الحياة كريهة، بلا بيت، بلا أب، إن البيت ليس مجرد طاولات وكراسي، ولوحات معلقة على الجدران لميتين " أنا مستعد لتحمل أب بذيء وتافه وسكّير، وأم مستهترة ومبذرة فقط أنْ يكونا في البيت.".

قطع

المشهد يضخ وجعاً فمنير يعيش حالة من التناقض في تكوين شخصيته، حيث يوحي لمن يراه بأنه تمرد على النقص والفقد والحرمان وفي الحقيقة بقيت الغصة في قلبه، رفض أسلوب العطف والشفقة كما نقرؤها في صفحة "32" و "33"

م/6 – نهاري – داخلي – الفصل

منير يجلس بين زملائه بالفصل متذمراً يصغي لحديث المدرسين.

المدرس: " هذا ولد يتيم لا تضربه, لا تهتم بالتفتيش على دفاتره، الولد يتيم فليس لديه من يتابعه".

يضحك منير بشكل هستيري، فيلتفت له الجميع، يتوقف عن الضحك ويلتزم الصمت ويحدث نفسه من خلال مونولوج داخلي.

منير: " كلمة يتيم، لم أكن أشعر بأي داع لها عند تعريفي بين المدرسين، هذا التعريف الذي كانوا يقصدون به الرحمة الكاذبة، كان يجعلني شيئاً مهملاً بين التلاميذ، لذا فقدت الرغبة, لم أعرف أباً ولا أماً كي أحزن لفقدهم. استيقظت فوجدتُني في هذا البيت مع امرأة ترعاني أقول لها يا جدتي، وتقول لي يا منير هذا كل شيء.  هل من الضروري أن أرسم صورتي كما تريدون؟"

قطع

حرصت الجدة الصارمة على ألا يكون حفيدها يتيماً ومحط شفقة أهل البلد، ركزت على مظهره وأناقته ولا سيما لكونها تمتلك ماكينة خياطة في البيت. قالت: "سيعيش منير بن خلدون الساكت عزيزاً ومكتفياً ومرفوع الرأس".  ففي صفحة "70 " تتلو عليه الوصايا...

م/7 – نهاري – داخلي – بيت منير

منير يستعد للذهاب إلى المدرسة، الجدة ترتب هندامه، وتعد له وجبات الطعام.

الجدة: "منير، اسمعني جيداً، لا تأخذ أبداً رغيف أحد، ولا تدعْ أحداً يعطيك رغيفاً. رغيف الآخرين مر لا تضعه في فمك، وإن وضعوه في فمك لا تبلعه. قميص الآخرين شوك لا تلبسه وإنْ ألبسوك إياه فمزقه، كلام الناس دود لا تضعه في أذنك، لا تجعل أحداً يطيل النظر إليك، أنظر مباشرة في عينيه، قل له: أنا منير خلدون، أفهمت؟".

قطع

هذه المعطيات أسست لتكوين شخصية "منير"، ومنحتنا فضاء من المعلومات التي ستتناول الخط الدرامي في رحلته، فمثلا ً عندما كان يعود من المدرسة مخدوشاً لم تكن تسأله عمن عاركه أو لماذا، كان السؤال: "هل أوجعته ضربا؟"، إن تردد بالإجابة تطلّب منه ذلك ألا يعود حتى يثأر لنفسه.

نشأ منير على عدم التسامح  والحكايات الخرافية المرعبة التي تسردها جدته ، كقصة الغولة وعائلته التي باركتها ، فيسخر "منير" من الأكاذيب والخزعبلات التي تحاول زرعها في رأسه، ويرفض كل وسائل العطف من قبل الآخرين، يتعامل نداً يحارب ويقاتل ليحمي نفسه ، ففي مشهد الفصل الدراسي ،عندما بدأ معلم الحساب  في اختبار تلاميذ الصف بشكل عشوائي, كان منير متحفزاً للإجابة والأستاذ يتجاهله حتى لا يخطئ أمام طلاب الصف,  وعند إصرار منير على الإجابة  ألقى عليه سؤالا سطحياً هزيلاً لا يروق لطالب يحفظ جدول الضرب  وهو( ما ناتج اثنين في اثنين؟)،  شعر منير بالمذلة فجدته ربته على ألا يتلقى صدقات الآخرين ، فقرر أن يصفع المدرس بإجابة صادمة فقال:  "الإجابة يا أستاذي 25"، ثم تمادى بسخريته فقال: "أعتقد أن الإجابة  597"،  فقام المدرس بطرده من الفصل. خرج منير من الفصل وحينها قرر أن ينتقم من المدرسة، فتح محبس المياه ليغرق الساحة وبمسمار شوه لوح الفصل وكسر زجاج النافذة وأخرج عضوه من السروال أمام الطلاب في الدقائق الخمس التي تفصل بين الحصتين.. الفعل الحركي هو امتداد للفعل البصري، يخطف المشاهد لعالم التشويق " فالجمل عبارة عن نغمات فنية مترابطة كالبنيان المرصوص تشد بعضها بعضاً، وتقدم معلومات نفسية وبصرية.   لم يكن تفوقه في المدرسة موضوعاً ذا بال ليشغل الجدة، فقط كان ما يؤرقها أن يشب هذا الفتى قوياً صلباً لا ينكسر، شب منير بنفسية سوداوية مضطربة " يا الله! أنا ما زلت أعيش مأساة لم تنته مع بلد تكرهني وتكره الأرض التي أمشي عليها"، أصابه إحساس بأنه منبوذ في المجتمع، فأصبح لا يبالي بكل ما يدور حوله، نفخته الأحقاد فعاش الازدواجية ما بين الأحقاد التي تسكنه وتنفجر بين الفنية والأخرى، وتكوينه الخارجي واختياره ألوانا زاهية جذابة تنتصر لنرجسيته. وقد تجسد العنف بأبشع صوره في الصفحات: "132 ،133،134 " .                                      م/8 – نهاري – داخلي- محل بيع الدجاج

منير يدخل محل بيع الدجاج متجاوزا الجميع وينادي بصوت آمر،

منير للبائع:" أعطني دجاجة 2 كيلو بسرعة يا حاج، أنا مستعجل، اذبحها أيضاً، ولا تنسَ أن تسمي عليها، بسرعة هيا"، البائع يتجاهل منير وينظر له نظرة اشمئزاز، يغضب منير ويكرر: "هات دجاجة 2 كيلو وأعطني السكين لأذبحها أنا، ودع يوم الجمعة يمر على خير."،        يتجاهله البائع فيتقدم منير ويأخذ دجاجة ويحاول انتزاع السكين من البائع وعندما يفشل يحلل الذبح على الضحية وبحركة خاطفة ينتزعه من مكانه بيده العارية.

قطع

الصورة البصرية واللغة الحوارية تتجلى في تكوين هذا المشهد

ما يميز الحوار السينمائي في هذه الرواية أنه يعبر عن ثقافة الشخصية والحالة النفسية التي تمر بهاK فالأصوات المختلفة صنعت لتتناسب مع طبيعة الموقف، فلكل شخصية لغتها التي صمم لأجلها المشهد، هناك هَرموني وتناغم في وحدة البناء،

فمثلاً منير تخيل للحظة أن صاحبه الصيدلي صديقه الصدوق، فهو قضى صباه في الصيدلية حتى حفظ كل أنواع الدواء، وهو الصدر الحنون الذي يشكو له أحزانه ومن اجتهد في مساعدته في البحث عن زوجة، لم تمضِ علاقته بالصيدلي كما كنا نعتقد، فقد حرف الروائي البوصلة ليقدم لنا عكس التوقع. في صفحة "191 " مشهد البحث عن عمل.  يأتي منير للصيدلية ويطلب العمل.. منير:" أود العمل معك هنا" الصيدلي:" منير، أجننت؟ كيف خطر ببالك هذا الخاطر؟"" منير:" أنت من ترحب بي، الصيدلي: " أيها المغرور.. كيف تفسر كلماتي؟ نعم صحيح، فالزبائن تحب أن تراك هنا، لأنهم يعرفون أنك يتيم، وعصبي، متهور، ويفسرون حضورك أنه لشراء دواء ما وهذا يجعلهم يثقون بي وبأدويتي، وفي كل مرة كنت تخرج من عندي ومعك دواء سواءٌ لجدتك أو لك أو لزوجتك. أنت زبون جيد لا أكثر". رفع منير رأسه محدقاً في الصيدلي مندهشاً، كشف طبيعة العلاقات الإنسانية في المجتمع المبنية على المصالح، فهو الصبي اليتيم جسر بين الناس والصيدلية لتسويق الأدوية.  لم تكن علاقته بالصيدلية عبثا بل كان مخططا لها ليخدم العمل لاحقاً، فهو يعلم تأثير الأدوية وفعالياتها على صحة الإنسان، فنراه يضع حبوباً تسهم بالإجهاض لزوجته هالة..  في صفحة "73 " –" جدتك تفرط في المسكنات، هذا يضعف القلب ويجعله عرضة للجلطات المباغتة  – جدتك لا تأكل وتهتم أكثر بشرب دواء السعال، هذا يضعف الرئتين ويجعل الإصابة بالتهاب الرئة وارداً – لم يبق شيء لم تتناوله جدتك إلا المخدرات". أصبحت لديه حصيلة عامة عن تأثير الأدوية.

يعد مشهد موت الجدة من المشاهد السينمائية التي تترك بصمة إنسانية بوجدان القارئ المشاهد، فجدته الأب والأم والأشقاء، ومعلمته الأولى وصديقته الدائمة. في صفحة

"73،74 "، يحرك هذا المشهد الإنساني عاطفتك فلا تستطيع حبس دموعك وأنت ترى منيراً يقترب من جثة جدته ويهذي ويقول:" جدتي، جدتي.. سأتزوج، حاضر، موافق، سأنجب طفلاً تحملينه.. لن يتوقف اسم الساكت عندي.. حاضر.. قومي أرجوك، سأجد عملاً وألتزم به، فقط قومي، برحمة أبي"، ينهار منير وينفجر بالبكاء، يتكرر هذا المشهد المؤلم مع زوجته هالة والتي قتلها دون قصد بعد أن دس لها دواء الإجهاض في الطعام، ففي صفحة ""228, يعض منير على أصابعه وهو يهمس: "سامحيني.. أرجوك"، تنهمر دموعه فتغيم عيناه فلا يرى شيئاً، ينظر منير للحارس:" أرجوك، أريد أن ألقي نظرة أخيرة على زوجتي"، يواصل منير توسله بيديه المضمومتين أمامه باتجاه الرجل بعينيه الدامعتين بصوت منتحب، ثلاثة أيام لم يغادر منير جثة هالة.

يزداد حزن منير، يحترق قهراً، فما بين الموت والموت يعانقه موتٌ آخر، فهو محط استياء دائم لكل من حوله وخاصة لأفراد الجماعة لا بسبب صفيره الذي لا ينقطع أثناء سيره، وارتدائه لملابس ملونة، الكل ينفر منه، فبعد موت جدته قرر الزواج فلم يجد من يرحب به باستثناء الضحية الثالثة " هالة، وقد اختار الروائي عنوان الجزء الثالث باسمها، حيث لخص في المشهد التأسيسي واقع حياتها وخفايا تكوين شخصيتها، فهي الوجه المضيء.. فتاة نجيبة ، ذكية، مثقفة وجميلة، تعشق جمع الطوابع ، تعيش بين مكتبة ورثها والدها عن أبيه العالم الواعظ, مرتل القرآن في بيوت الله ، كما ورث "حجازي" والدها عن  أبيه  صوته الجميل ، فاستغل صوته في الغناء, فشخصيته تتناقض مع شخصية والده العالم ، عمل في مطلع حياته مغنياً مع الفرق الموسيقية  التي تحيي حفلات الزواج، وسرعان ما كون فرقة خاصة به ، وذاع صيته، وعندما حلت سنوات البطالة والكساد وعزف الناس عن إقامة الحفلات توقف عن الغناء وعمل في أكثر من مهنة، وأخيراً استسلم لواقعه، وعاش على الأطلال يتغنى بأمجاده الغابرة ويسردها لأبنائه ، وضع لنفسه مبررات وفلسفة في العبادة حتى يتخلص من عقدة الذنب، فعندما سألته ابنته هالة: "لماذا لا تصلي يا أبي؟"_" لماذا أصلي يا هالة؟"، "كي يدخلك الله الجنة"، "هل تعتقدين أن الله لديه بضاعة جيدة ليعرضها بهذا الثمن؟  الله لا يريد مني ثمناً كي لا يعذبني سوى ألا أكون شريراً وأخطئ بحق من خلقهم، أشعر أني أرضى الله حين أغني فأسعد الناس، أنا شخص يحبه الله، ولذا فإن خلقه يحبونني". هذه الأفكار شكلت شخصيته التي ستتنازل بالمستقبل عن ميراث والده المتمثل بالمكتبة. هالة الانثى الجميلة، المتفوقة الخلوقة الشغوفة في البحث عن المعرفة، والابحار بالثقافات، ملجؤها في البيت مكتبة جدها، الحصن الذي تأوي إليه من العتمة، تحتمي بالكتب من عدمية الحياة، التي ينحدر إليها أب لا يملك قوت يومه، يعشق دور الضحية ويسهم في الخراب، وعندما يبيع الكتب، تستسلم هالة لواقعها البائس، تجتهد لحل واجبات زميلاتها مقابل حصولها على وجبات الطعام والهدايا.

تشرح لصديقتها المسيحية" دولت" درس الرياضيات وهي تأكل وترتشف الشاي، وبجوارها يرقد الحذاء (الجائزة). عندما خرجت "دولت" تبدل ملابسها للخروج، التقت عينا هالة بعيني "العذراء" الدامعة في الصورة. في صفحة "29 "، هذا المشهد امتداد لحديث والدها عن الله ولكن بوجهة نظر هالة العليمة التي لا تفرق في الأديان وتدرك أن الله واحد لا شريك له، يحب الجميع. حيث تقول " يا مريم الجميلة، يا مريم الحزينة، خذي فرحي وامسحي دموعك، خذي ضحكاتي وابتسامتي، يا مريم، دعي أبي يصلي وأمي تهتم بي "، وهي تناجي صورة "العذراء" يخترق خلوتها" هاني "_ أخو دولت_ الذي تحب رائحة عطره وتطرب لسماع الأغاني التي يستمع لها، يتحرش بها فتكسر فوق رأسه صورة العذراء التي تتغير ملامحها الحزينة وتبتسم احتفاءً بدفاع هالة عن نفسها، يصاب هاني بجرح في رأسه، وعندما تأتي أمه وأخته يخبرهما أن الصورة سقطت عليه. تعود هالة للبيت وينهض بداخلها شعور غريب بأنوثتها، يُحيي هذا الشعور رسالة الاعتذار من "هاني" والتي حملتها دولت ، بعد أن  قرأت الرسالة تنسمت الحب، فهامت عشقاً, غزاها شعور غريب فحلقت في عوالم الخيال، أخفت الرسالة بين أحضان الكتب في المكتبة، وخرجت للمدرسة ، وعندما عادت إلى البيت كانت الفاجعة تنتظرها أطلق عليها والدها الرصاصة الأولى، اغتصب عالمها، باع المكتبة التي تمثل لها رمز الحياة و المعرفة، ليقول الكاتب إن الآتي مرعب، فالناس بدون معرفة سيعيشون نظام الغاب، القوي سيأكل  الضعيف وستنتشر الأمراض والإشاعات في زمن التخلف .كُسرت هالة، فقدت غذاء عقلها ، فانطلقت في البحث عن غذاء قلبها، اتجهت لبيت دولت وهي تحلم بالحب ،التقت  بهاني ودار بينهما حديث جميل, وعندما قررت العودة إلى بيتها  رافقها هاني إلى الحديقة ، وهناك ضمها وقبّلها، متناسياً أن حديقة بيته تطل على الشارع . لمح مشهد العناق البلطجي "حميش "، رمز الشر، اضطربت هالة فشعرت بالخوف وفرت هاربة إلى بيتها وارتجف هاني خوفاُ، قرر أن يترك ضحيته ويفر هارباً خارج البلاد ليحمي نفسه، استعان بأخته دولت بعد أن شرح لها ما حدث، وعلاقته بهالة، وكيف اكتشف الشرير "حميش "عناقهما بالمصادفة ثم طلب منها أن تتوجه إلى هالة وتحدد لقاءً في حديقة البلدية حتى يودعها ويشرح لها سبب هروبه من المكان. خرجت "هالة" من بيتها للقاء هاني، كان يراقبها "حميش" والذي خطط مسبَّقاً لاغتصاب فريسته، وعندما وصلت الحديقة ترك "حميش" رفيقه على الباب ليؤمّن له المكان، بعد أن طردا "هاني" ومنعوه من دخول الحديقة، فعاد إلى بيته خائباً وهو يعلم أن حبيبته ستذبح، يغتصب "حميش" هالة ويطفئ بهجتها، وتصبح كرة منبوذة يتقاذفها أهل البلد بألسنتهم الوقحة. فهي تعرضت للاغتصاب الجسدي مرة, والمدينة الثرثارة تغتصبها كل ثانية مليون مرة وتأكل لحمها. استسلمت هالة لواقعها المريض. وتزوجت من" منير" المكروه من مجتمعه, فالجميع رفضوا أن يناسبوه باستثناء والد المغتصبة هالة.. الأب في صفحة " 143":" يا ابني, مبروك، بدت غيمة من الدمع في عين الأب، لا يعرف إن كانت دمعة فرح أو كانت دمعة حسرة على نصيب ابنته. أخلصت هالة الوفية الرقيقة الجميلة لزوجها وكانت تشعر بالامتنان له لأنه أنقذها من عارها، حتى جاء يوم وأخبرته بحملها فأصابه هذيان من الضيف القادم، فهو يعلم أنها ضحية وأي ثمرة منها في هذا الوقت ستتعرض للعنة، كتم انفعالاته أمامها وانفرد بمونولوج داخلي في صفحة "178"، "هل تريدين أن ألقي إلى الحياة بطفل أو طفلة لتعيش وسط الجو الخانق والكلمات السوداء؟ تعال يا ابن اليتيم، اذهب يا ابن المغتصبة، ابتعد يا ابن الحرام، اسأل أمك: من هو أبوك". هذه الكلمات الساخنة، القاسية، جعلت "منير" يدس لها حبوبا في طعامها تساعدها على الإجهاض، بالإضافة إلى شرب القرفة.

كان يشعر بالألم لأنه يخون ثقتها وطيبتها فهو يقول في صفحة "181،180 "، "ربما أكون شريراً لكني لست خائناً، لكن يا الله، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك؟!" تتوالى الأحداث، وبعد أنْ يعترض "حميش" طريقها تستنجد هالة بزوجها منير وتخبره بما حدث لها وبأن هذا المجرم هو من اغتصبها وبعد أن يقتحم حميش بيت منير هو ومجموعة من البلطجيين طمعاً بزوجته، يحمل منير أنبوبة الغاز ويفتح النار ويتصدى لهم، فيفرون هاربين، يعود منير إلى البيت في صفحة "200 ،201" " يجد هالة ساجدة على الأرض دون سجادة صلاة، فيقترب منها حتى اعتدلت وسلّمتْ، فإذا بها تنكب على قدميه الحافيتين تقبلهما: "سامحني، سامحني" – منير:" أستغفر الله.. أستغفر الله!"، ظل يشدها نحوه ويستغفر وهي ملتصقة بقدميه مواصلة بكاءها.  مشهد يتدفق منه مشاعر إنسانية، يعتمد على الحركة والتشويق، يجيّش العواطف ويؤهلك أنْ تتعاطف مع قاتل "حميش" لاحقاً. تنتشر حكاية تصدي منير لحميش وجماعته في البلدة، وبعد أيام تخرج مسيرة لجماعة "لا " المتطرفة لمحاربة دور الفساد والفسق والفجور بالنسبة لهم، فيندس منير بينهم، يحركهم خلفه، يشدهم باتجاه قهوة " حميش " وهو يهتف ضد الفساد، يحرقون القهوة وهو يجر " حميش " ويشنقه على الشجرة. تسعد "هالة " بانتقام زوجها لشرفها لكنَّ سعادتها لن تطول، يصيبها نزيف حاد نتيجة الأقراص التي يدسها لها منير في الطعام حتى يتخلص من الجنين,

تموت هالة ويشعر منير بعقدة الذنب, ويكتب رسالة يعترف فيها عما اقترف من ذنوب ويعطيها لسلامة الذي ينتظر اعترافاته ليسلمها للشرطة، لكنَّ "سلامة" يرفض تسليمها, ويصارح منير بأنَّ   حميش" هو المسؤول عن قتل عائلته بعد أن وضع القطع الخشبية بالمسامير تحت عربة والده.

يتمرد "سلامة" على ضعفه ويقرر أن يحطم جبنه ويكون له موقف يستند عليه، كما ويبرر فعلة منير. إنَّ الكاتب  يتركنا أمام نهاية مفتوحة وتساؤلات وخيال.

الرواية تضج بالمشاهد السينمائية التي تقع تحت مصطلح " ماستر سين"  والمقصود " بماستر سين" في لغة السينما هو أعلى مشهد في الفيلم من الناحية الفنية، المشهد الذي لا يموت مع نهاية العمل ويبقى في الذاكرة. غالباً ما يكون في العمل السينمائي "ماسترسين" واحد أو اثنان, أما في هذا العمل الروائي  والذي ينبض سينما، نحن أمام نهر متدفق من مشاهد "ماستر سين" التي تستوطن الذاكرة، وقد تناولتُ بعضها خلال هذه القراءة، وسأضيف عليها بعض المشاهد: مشهد "ناصر" في نهاية العمل، والفانتازيا التي قدمها من خلال علاقته بالشخصيات وبمن حوله، مشهد الروائي والشاعر ناصر في فرنسا ولقائه مع أحد أبطال روايته، "هاني " الهارب من الرواية والذي غيّر اسمه وشكله وجنسيته بعد أن انفضح أمره وترك حبيبته هالة تواجه مصيرها، مشهد لقاء الروائي ناصر مع والده الميت والحديث عن معنى الموت، مشهد بيع المكتبة، مشهد اغتصاب هالة في الحديقة، مشهد موت الجدة، مشهد موت هالة، مشهد جماعة "لا " وحرق القهوة وإعدام "حميش"، ، مشهد أنبوبة الغاز ومطاردة حميش وسجود هالة على الأرض وتقبيل أقدام منير، المشهد الإيمائي الذي يجمع "سلامة" في بيت منير بعد أن فقد قدرته على الكلمات نتيجة صدمة وجوده في ثلاجة الأموات، مشهد المقبرة في صفحة "301، 303"، منير هادئاً مثل شجرة أمام القبور الأربعة، قبر أبيه وأمه وجدته وزوجته هالة. يكتب رسالته إلى أبيه ليطهر نفسه من الخطيئة، " يا أبي، لو عبرت معي سنوات المدرسة، سنوات المدرسة فقط، ربما كنت سأصبح صيدلياً أو حتى سائق سيارة جيداً. أتعرف أني لم أفتقد أمي فقد كانت جدتي تملأ فراغها بعض الشيء، لكن لم يكن في البيت قدوة لأكسرها أو أقدسها."   وقف منير أمام القبور مثل شجرة تمد أمامها ظلها الطويل، فيبدو الظل وكأنه يفترش مكاناً مجاوراً لقبر خامس.

الرواية تزخر بالمشاهد البصرية الصادمة والتي تحتاج فقط لترتيبها كي تعطيني عملاً سينمائيا أو مسلسلا تلفزيونيا يسهم في صناعة بصمة سينمائية.

انتهت الساعة وسيبقى الروائي ناصر يعيش صراعاً داخلياً، ماذا يقول بعد ذلك؟ هل سينتصر "سلامة" الواقعي لنفسه ويخرج من حيادتيه ويتمرد على جبنه، كيف سيواجه "منير"_ الشخصية الحقيقية _التي تتشابه مع شخصية الرواية مجتمعا مريضا ينهش لحمه بالألسن الثرثارة ليجعله مجرماً، كل يوم تذبح هالة، فما قيمة الحياة ونحن لا نبصر الجمال؟ وأخيراً، سأقول ما قالت "هالة"، " الكتب أرواح يؤنسون البيت".

 

قراءة المخرج والكاتب / مصطفى النبيه

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة "ماذا لو...!" للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

- النّصّ:

ماذا لو...!

ماذا لو أنّ الشّاعر كان في تلك الليلة عِنّيناً

كان عقيما والمرأة عاقرْ

أو لم يشرب كأسا من خمرْ

أو أنّ المرأة كانت حائضْ

أو كانت غير جاهزةٍ لم تنتف إبطيها

وتفوح منها رائحة العرق البدنيّ

أو أنّ العانة نابتة الشّعرِ

ولم تحسن صنع السُّكّرْ

لتصقل فخذيها، ذراعيها ونهديها

ويكون لها كل ذاك المكرُ المكّارْ

وتربّي الأطيار في حدائق صدرها المهووس بالشاعر والأشعارْ؟

هَبْ لو على حين غَرّة فاجأته القصيدة مثل وحيٍ ماج وهاجْ

هل كان سيأوي إلى عصفورها الوهّاجْ

حيث السّحرُ، السّاحرُ، والأبراجْ

هبْ لو أنّ المرأة لم تكن ذات حسنٍ

أو لم تتقن نصب الأشراكْ

وتُرعرع في خدّيها الوردَ، تعرّبُ أسراب الأفلاكْ

هل كان السّرّ سينبت في سرير عابرٍ ليولد مثل هذا "الاشتباكْ"

ليطير من بين شفاه الشّاعر حيث أذن واعية تلتقط الحَبّ والحُبّْ

وتُقرع آلاف الأجراسْ؟

هَبْ لو أنّ الشّاعر كان نبيّاً والمرأة محض ملاكْ

هل كان البحر سيهذي ويقدّم للجوعى هذي الأسماكْ؟

- القراءة:

"وجع السّؤال... تعب الحقيقة" (فراس حج محمد)

الحياة الإنسانيّة سؤال موجع يتمدّد بين قلق المعرفة والحقيقة ووهم الحقيقة. فالسّؤال واحد وإن تشعّبت الأسئلة، ومنفرد وإن تفرّع إلى تساؤلات عديدة.

(ماذا لو) السّؤال العلامة، مفتاح القصيدة الّتي أرادها الشّاعر نصّاً نقديّاً يشرّع أبوابه على عدّة أسئلة مرادها إحداث انقلاب فكريّ يؤدّي إلى نتائج مختلفة عن المعهود والمتعارف عليه. فيوجّه العقل باتّجاه معاكس ومخالف لما اعتاد عليه بهدف الارتقاء به حتّى يتّزن، ويتّخذ لنفسه منهجاً عقليّاً خاصّاً يعزّز وجع السّؤال في سبيل الحقيقة المتعبة.

لا ريب في أنّ هذا النّصّ كُتب على خلفيّة مقال طال الشّاعر الكبير محمود درويش، ولا ريب في أنّ هذا النّصّ أتى بعد تأمّل خاصّ في حال الواقفين عند التّفاصيل السّخيفة أو حال المعترضين المدافعين. وفي هذه الحال يكون العقل الجمعيّ متأثّراً بمنظومة فكريّة واحدة تؤدّي إلى نتيجة واحدة لا غير. وأمّا سؤال (ماذا لو) فيخترق هذه المنظومة، ويبدّل مسارها ويخلق سؤالاً متمرّداً يصدم العقل ليقوده باتّجاه منحىً آخر.

يستخدم الشّاعر (ماذا لو...!) مرّة واحدة، ويرفق سؤاله بعلامة الحذف أو القطع وعلامة تعجّب. ومن المرجّح أنّه ينبّه القارئ إلى التّركيز على النّص واستجماع أفكاره لفهمه بحسب منهج عقليّ جديد والغوص في الأفكار الّتي طرحها الشّاعر ثم التّجاوز إلى بناء رأيّ خاصّ مفاده حذف الأفكار/ الأحكام المسبقة وقطع الجهل بالوعي، الوعي الإنسانيّ. وغالب الظّنّ أنّ الشّاعر استتبع هذا السّؤال العلامة بعبارات قد تكون منفّرة للقارئ، لكنّها مناقضة تماماً للحالة الأصليّة. وبذلك فصل التّساؤل الافتراضيّ بشكل قاطع بين ما عُدّ حقيقة أو ضلالاً، وبين ما قد يكون الواقع الحقيقيّ. ولعلّه يدخل في حوار مع القارئ باستخدامه ثلاث مرّات حرف الاستفهام (هل) بهدف طلب التّصديق الموجب وليس بهدف الاستفهام، فيستفزّه للبحث في وسائل مغايرة حتّى يبلغ النّتيجة المغايرة، فيعرض له تساؤلاً افتراضيّاً مقابل استنتاج يحدّد من خلاله مبدأ التّساؤل الهادف إلى التّخلّي عن وجهة النّظر الأحاديّة والانتقال إلى رؤية الأمور من زوايا مختلفة.  وباستخدام (هل) ثلاث مرّات يؤكّد الشّاعر هدفه من النّص بشكل عامّ.

يختتم الشاعر نصّه ببيتين يبيّنان تناقضاً قاسياً بين مشهد العلو ومشهد الانحطاط . الشّاعر النّبيّ والمرأة المحض ملاك والبحر الهاذي غير المتّزن الّذي يمنح للجوعى ما يشبع بطونهم لا عقولهم.

هَبْ لو أنّ الشاعر كان نبيّاً والمرأة محض ملاكْ

هل كان البحر سيهذي ويقدّم للجوعى هذي الأسماكْ؟

فيشكّل هذا التّناقض هوّة بين التّساؤل الإنسانيّ الواجب والتّساؤل السّطحيّ الباحث عن الثّرثرات والسّخافات بعيداً عن الأصول. كما أنّه يبيّن الفرق بين الجوعى إلى المعرفة والجوعى إلى القوت الفاني. ويزيد حرف الاستفهام (هل) من هذا التّباين ليشدّد على أنّ سؤال العقل حركة  باتّجاه الإشباع المعرفيّ نافياً إمكانيّة إشباع العقول الهشّة الباحثة عمّا لا أهمّيّة له.

إلّا أنّ أهميّة هذا النّصّ الشّعريّ النّقديّ يتجاوز خلفيّته ليرتقي إلى نصّ نقديّ يمكّننا من إسقاط السّؤال (ماذا لو...!) على مفاهيم كبرى فنعيد النّظر فيها على مبدأ تعدّديّة الأسئلة والآراء والأفكار، وليس على مبدأ الحكم المسبّق أو القفز إلى النّتيجة بمعزل عن التّحليل وإعمال العقل في الخبر كما يعلّمنا ابن خلدون. كما أنّ النّصّ إذا ما انتُزع من خلفيّته يصلح نقديّاً لأيّ خلفيّة أخرى تجيز لنا الانقلاب على مفاهيم عدّة وحقائق عدّة نتشبّث بها عناداً، أو وهماً، أو انغلاقاً وتقوقعاً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

صالح الرزوقترجمة وإعداد: صالح الرزوق

دارين أنديرسون Darran Anderson كاتب وناقد إيرلندي. آخر مؤلفاته كتاب (المصادر: نهر ومدينة وعائلة). وهو مذكرات عن حياته في شمال إيرلندا في فترة الاضطرابات. وفي استفتاء نظمته الأوبزيرفير وجهت له السؤال التالي: هل تتكرم بتزكية رواية تناولت الذكورة ومعنى أن تكون رجلا في أوروبا في الوقت الراهن؟.

قال أنديرسون: حينما كنت شابا، أنفقت قدرا كبيرا من وقتي بالتجوال بسبب حالة سوداوية تنتابني. وكنت أقرأ حينها كتبا مثل "الجوع" لكنوت هامسون، وهو رواية عن شاب متشرد وكآبي. وخلال استعدادي لأكون أبا قرأت عدة مرات "الطريق" لكورماك مكارثي، وكومت الأغذية المعلبة والأسلحة. وبالبحث عن إرشادات تهديني في حياتي فقد وجدتها في أفكار أباطرة روما. سواء الحقيقية (التأملات لماركوس أوريليوس) والمتخيلة (مذكرات أدريان لمارغريت يورسينار). ويبدو لي أن حياة الإنسان، من ضمن مجالات أخرى، هي شيء عبثي.

وقبل أن أصل إلى آخر أعمال أوليبيك، يجب التذكير بعدد من المؤلفات المعاصرة الممتازة والتي تناولت مضاعفات الذكورة. ومنها "كل  ذلك في الرجل" لدافيد سيزالي، وهو مجموعة رائعة من قصص صادقة لدرجة صادمة ولكنها لا تخلو من التعاطف.

وتم دراسة الجوانب المقلقة والمضطربة فيما يتعلق بالرجولة في كتابين مختلفين جدا ولكنهما بمنتهى التأثير والعمق وهما: نهاية إيدي لإدوارد لويس والألبوم الأسود لحنيف قريشي.

وأنوه أيضا بروايات ممتازة جديدة لـ “بين مايرز.” فهي تتابع الرعب الفولكلوري وظواهر قوطية من الشمال. وبقليل من التساهل أذكر مذكرات "جولي لاد" لجون دوران، وهو كتاب مؤلم جدا عن الإدمان، غير أنه لا يتخلى عن المرح والفكاهة. ومن المناسب العودة إلى “يام الصبا في كتب ذكية مثل "صبا كيرون سميث" لجيمس كيلمان و"القراءة في الظلام" لشيموس دين (وللثاني تأثير واسع على كتابي "مصادر" وقد تشارك بهذا التأثير مع أفلام تيرينس دافيز).

وهناك كتب تسبق حدود هذه الفترة. ومنها "الخروج إلى الهواء الطلق" لجورج أورويل وهو رواية متألقة لم ننتبه لها كثيرا. وفيها لحظات عالية الصوت تدل على الخيبة والتبدل والرواقية. ورواية "قصب سكر" لجين تومير الصادرة عام 1923، وهي تركز أساسا على الموضوعات العنصرية في الولايات المتحدة، ولكن يتخللها قصص مؤثرة تتكلم عن طريقة رؤية الرجال للعالم والعواقب المترتبة على ذلك. و"الخريطة المتهدمة" لكوبو آبي وهي رواية مخدرة عن أوقات الشك والوعي. ويبدو أن الذكورة تأخذ شكل نوع من التحدي وليس حالة نوعية فقط: وتطلب منا أن نتحلى بالقوة لنكون رقيقي القلب ومتعاطفين، على سبيل المثال. وهناك إطار متكامل من القصص عن الرجال الذين يتغلبون على المصاعب، أو الذين يسقطون في طريقهم، وهو ما يحيلنا إلى شيء أعمق، أكثر مصداقية وأوسع وأغنى، منها: السقطة لألبير كامو، البحر.. البحر لآيريس مردوخ، وأهالي دبلن لجيمس جويس.

وإن كانت هذه الأعمال ثقيلة وصارمة جدا هناك طريق للهروب منها يمكن أن تجده في سلسلة روايات الطيران لأنطونيو دو سانت أكزوبري. أو يمكن أن تقرأ عن العزاء الكئيب في رواية "ريدلي واكير” لراسيل هوبان. أو في "كينت" وهي رواية بعد قيامية عن شباب يخرجون بحثا عن موضع لهم في العالم.

 

 

هيام الفرشيشيعادل بن رحمون هو أستاذ وباحث دكتوراه، ولديه دراسات علمية. وكتاباته هي شذرات من سيرة ذاتية تعبر عن تشكلات  حالات الوعي، يلبسها ثوب الراوي الذي يختزن ذكريات متشابكة وتفاصيل رهيفة تجعله يتقلب بين الحنين لماض سعيد (عالم الطفولة)، وبراءة الإحساس الوجودي بالزمن والأشياء و(عالم الشباب) وفوران الغضب إزاء الخيبات الاجتماعية والعاطفية..

ورغم هذه التقلبات والعواصف والاهتزازات فهو يغمس فتيل الماضي في الحاضر لينير شعلة يتلمس بها شعاب الاتي على يقينه بأنه يسير في طريق متشعب ويكابد رحلة القلق والتوجس.. فالسرد ليس مجرد إدراك حسي وتجارب الحواس  بل هو إدراك تصوري مرتبط بقدرة الذهن على الاستفادة من صور الذاكرة، ثم نلاحظ هذا الارتقاء بالوعي حيث يضع ثقل المواجهة عن طريق العقل إذ لم يعد العلم تمارين ومعادلات صعبة بل هو طريق نحو إثبات الذات في المجتمع. ومن هنا نستشف قصدية الذاكرة في كتابات عادل بن رحمون  عبر استرجاع الانفعالات والأحاسيس، وربط صور الحاضر بالماضي، وعبر المرتكزات الاجتماعية للتذكر وخاصة الأمكنة وملامح الشخصيات الراسخة. وتنبري الذاكرة ككتلة مشاعر  تحاكي لحنا حزينا، تتدفق كالأمواج التي تعلو كلما لامست عمق الذات وخاصة في لحظات التأمل والاسترخاء، فغالبا ما يبدو الراوي في وضع نفسي معين يعبر من خلاله عن حزنه.

فالراوي في قصة "أمطار لا تتوقف"  كان في القسم يتأمل المشهد الخارجي من بلور النافذة ليشاهد مشهدا متحركا ومألوفا:  حافلة صفراء بأبواب متهتكة تكاد تسقط المسافرين البسطاء المتشبثين بقضيب مترنح، فهو يحدق في مشاهد الذاكرة ويعيش حالات التذكر، فالحافلة هي الفضاء الذي تشكلت فيه الحكاية وانطلق منه الحدث حين  عادت به الذاكرة لأيام كان ينتظر فيها حبيبته في محطة الحافلات لكنها سافرت وتزوجت برجل مقتدر ماديا. فيضع القارئ أمام مشهد محطة الحافلات القديمة غير عابئة بالزمن، ما فتئت تشكل فضاء للصراع من أجل التشبث بالحياة رغم صعوبتها وارتباك سيرها، تاركة وراءها عجوز تنتظر  حافلة أخرى، ذلك أن المواجهة تعتمد على توقد الحركة والذهن، لهذا ينطلق من مشهد داخلي في القسم و يضع الراوي/ الأستاذ تلاميذه أمام معادلة صعبة، ويصور أجواء القسم الصاخبة، وتوعد الأستاذ تلاميذه بالعقاب إن لم يعملوا العقل، فهو يضعهم أمام الامتحان الصعب لأنه يدرك أن الاستمرارية للأقوي كركاب الحافلة، ثم ينتقل لمشهد خارجي كمرآة لما ينتظر بلورته داخل القسم، ولا يعود إلى الفضاء الداخلي الذي انطلق منه إلا بإعلان أحد التلاميذ (سامي) بحله للمعادلة.

فلعبة الداخل والخارج، والحاضر والماضي  من أجل تحديد صورة المستقبل عن طريق العلم، فهو يخرج الصور من الذاكرة ويعكسها في مرآة الحاضر في بحث عن التجاوز  رغم كل الهزائم ها هو ينتصر في صنع نجاح وإن كان صغيرا. قد يعترضه ذلك التلميذ يوما وهو إطار جيد في بلد باتت فيه فرص النجاح شحيحة على الفقراء.

ولو ربطنا هذا النص بشذرات سردية ينشرها عادل بن رحمون هنا وهناك ندرك أن التلميذ سامي هو صورة للراوي حين كان تلميذا، ورغم أنه يبرز نفسه في صورة الأستاذ الفظ الذي يتوعد تلاميذه بالعقاب إن لم يكفوا عن الضجيج ولم يحلوا المعادلات، إلا أنه ينقد ذاتيا صورة ذلك الطفل الصغير في ذاكرته " لن أطيق أن أبقى بين أربع جدران ورجل غاضب على الدوام يأمرنا" ويقصد الأستاذ. ففي ذاكرته خوف من عالم أبوي صارم يحثه على العمل والتفكير ورغبة في تطليق الدراسة والعودة إلى حضن الأم والبيت وما يبعث فيه السعادة "كم أنا سعيد بعودتي لحضن أمي، لبيتي، هناك في دوار بوربيع مهد طهر وصباي، سأخبر أمي بكل شيء، سأقول لها أني لا أرغب في الدراسة". عالم أمومي من الجمال كامن في عمق الذاكرة، متحرر من الحزن والخوف والقهر، عالم الحرية المطلقة: "وأجري لا ألوي على شيء سوى العودة لعصفوري حسونة". وحيث أمه الجميلة وخالته التي تأتي في العطل صيفا وهي لا تقل جمالا.

فالتذكر يرتبط  بمفارقة صورة الأب الرحيم والقاسي، فالأب وهو يسعل في ليالي البرد والابن الذي يغطيه جيدا يذكره بملامح المعلم القاسية الذي أودعه له أبوه في اليوم الأول للدراسة. ويقارن بين صورتين للأب، صورة الأب الرحيم الذي يحميه من العالم الخارجي، وصورة الأب التي تتميز بالغلظة إلا أنه يدرك أنها صورة مرغوبة فالعلم ليس سهلا...

 كما أنه يعي بأنه اخترق المشهد الخارجي بعدما كان ضبابيا ليتحول إلى مرآة تعكس ما يريد التعبير عنه وإفراغ شحنة الحزن التي كانت تلازمه أثناء التدريس: "أنفاسه ترتسم على بلور الشباك في شكل طبقة تحجب عنه المشهد في الخارج"، وفي موضع آخر "سيجارة في شفتيه، مستلقيا على فراشه، أفكار حزينة بعد منتصف الليل. موسيقى تعود إلى عهد التسعينات، يعود إلى فراشه البارد وتسرح به الذاكرة بعيدا". كتلة من الأنفاس تعبر عن دواخله: "حزن داخلي بل تمزق شنيع"، لكنه يلازم رحلة البحث وتحرير الذات: "ظل هو هنا يقارع الرياح ويواجهها بكفه الأعزل". فالحل هو علمي لا غيره، الإيمان بالعلم.

كما يضعنا القاص أمام مرتكزات مادية للتذكر وخاصة الأمكنة التي لها علاقة بالذاكرة، فهو يدرس الكيمياء في نفس القسم الذي درس فيه الرسم وهو تلميذ ويذكره بمقعده القديم وأصدقائه ومن له صلة معهم في الحاضر. ونكاد نجزم أن المؤلف يغذي نصوصه بشذرات من السيرة الذاتية حين يحدثنا عن الاختصاص الذي يدرسه، أو الأمكنة التي يعيش فيها في الحاضر.

ورغم جمالية الأمكنة الأمومية في الماضي إلا أنه يحدثنا في موضع آخر عن ماض مستلب حين يتحدث عن المكان الذي عاش به  الراوي ومازال. ثكنة عسكرية حذو الحنايا العظيمة الشاهدة على مجد روما التي استعمرتنا"،  حتى المنزل الذي تقيم فيه العائلة فقد كان على ملك المستعمر.chappi.

فالكتابة عند عادل بن رحمون هاجس وجودي تتأمل الماضي، وتنشط الذاكرة وتسترجع بعض تفاصيلها لتنسج غطاء يقيها من تقلبات الزمن.

 

هيام الفرشيشي

قاصة وناقدة – تونس

.......................

أمطار لا تتوقف

بقلم: عادل بن رحمون

أمطار لا تتوقّف..أنفاسه ترتسم على بلّور الشبّاك العتيق في شكل طبقة تحجب عنه المشهد بالخارج. تلاميذه في القسم يصرخون، ويهملون إنجاز التمرين الصعب. يدير وجهه المكفهّر مهدّدا اياهم بالعقاب. تهدأ موجة التمرّد. يعود لمواجهة البلّور. يرمق حركة الذاهبين والعائدين بلا هدف، من شبّاك القاعة المطل على الشارع الضاج بالحركة…

حافلة صفراء بأبواب متهتّكة تكاد تسقط المسافرين البسطاء المتشبّثين بقضيب مترنّح. عجوز لا تلحق بتلك الدابة الصفراء، كما لو فاتها العمر بكل فصوله.

يشعل السيجارة الأخيرة في العلبة.

 يتذكّر آخر حوار دار بينه وبينها كما لو أنه دار بينهما البارحة. كان نقطة النهاية لعلاقة كان الفقر كان كفيلا بإنهائها من غير رجعة. بدا يومها مكابرا رغم يقينه بحجم الدمار الذي سيلحق به حين اختار إمرأة ذكية وجميلة...وفي بلده يسمى هذا  انتحار بيّن لأن المرأة الذكية تخلق المشاكل.

عادت به الذاكرة لأيام كان ينتظرها بمحطّة الحافلة من أجل أن يراها فقط، لا ليحدّثها، أو يقبع حذوها في الحافلة المتراصّة. ينزل بعد نقطة هبوطه فقط حتى يشيّعها بعينيه وهي تصعد تلك الربوة الحادّة كي تصل لبيتهم. ويعود هو أدراجه سعيدا بصور مزدحمة في ذهنه، وجهها الملائكي، ضحكتها الساحرة وحتى غضبها الرائع.

تسافر به الذاكرة ليوم خطوبتها. يومها أحسّ بأنه لم يحافظ على معدن ثمين بات يمتلكه، أو ربما صروف الدهر جعلته يخسر الرهان ليتصدّع قلبه، ويصاب بوعكة باتت تمنع تسرّب أي شعاع حب لإمرأة أخرى.

تركته حبيبته. وسافرت هناك وراء البحار ليظل هو هنا، يدير معارك دونكيشوطيّة يدرك أنه سيخسرها حتما. سافرت هي للمال والجاه والبذخ والأضواء والراحة، وظل هو هنا يقارع الرياح ويواجهها بكفّه الأعزل...

ما يقوم به لن يخرج عن دائرة التصعيد.فكل الحروب كانت بسبب النساء، وستظلّ. ما الفائدة من جلد الذات اليوم.

لقد ضاع كل شيء ولا إمكانيّة لاسترجاعه.لن يعدم ذلك الماضي. سيحتفظ به بكل مرارته. سيتحدى الطبيعة التي لا تقبل الفراغ. فليكن قلبه مجرّد آلة لضخّ الدماء..

يقطع خلوته صوت تلميذه النجيب "سامي"، ويقول له: "لقد وجدتها سيّدي". يمضي لدكّة ذاك التلميذ. ويطّلع على عمله بعينيه المنتفختين من أثر السهر، من أثر الخمر، وخيالات الليل السرية. ترتسم على محيّاه إبتسامة. رغم كل الهزائم هاهو ينتصر في صنع نجاح، وإن كان صغيرا لينمو، وقد يعترضه ذلك التلميذ يوما ما وهو إطار  في بلد باتت فيه فرص النجاح شحيحة على المعوزين. يربّت على كتف تلميذه، ويقول له بصوته الأجشّ: "أحسنت إبني". ويعود للمصطبة بخطاه المتثاقلة. يجلس على الكرسي القديم منتظرا ناقوس المعهد. ينظر ناحية الشبّاك.  لا تزال تلك العجوز منتظرة للحافلة الأخرى التي قد لا تأتي. يضحك بشكل يجعل التلامذة يهمزون ويهمسون: "ما الذي يضحك أستاذنا المتجهّم"..

 

 

وليد العرفي تُحيل قصيدة حنين للشاعر: عبد الإله الياسري متلقيها على العاطفة التي جاءت في استهلال عنوانها بكلمة مفردة جمعت، ومنعت في الآن ذاته ما بين اتّصال معنوي بموطن، وانفصال بجغرافية محققة حسياً باغتراب الشاعر، وهو يُكابد ذلك التغيير الحاصل ليس على الصعيد النفسي وحسب، وإنما على مستوى الطبيعة والمناخ المُتبدّل؛ ما بين مناخ العراق وشمسه التي كانت لافحة، وما وجد الشاعر نفسه  أمامه، وهو في أتون برد وشتاء مختلف في منفاه عمّأ عهده:

أصدُّ الثلجَ مُغترباً بكفٍّ          وبالأخرى أصدُّ لظى اشتياقي

إنه تجسيد للحالة التي  يجد الشاعر نفسه أسير جانبيها في إطار المعاناة  ما بين واقع موجود مرفوض، وآخر مغيب مرغوب؛ وهذه الثنائية في الأضداد ستشكل لدى الشاعر رؤية جديدة، وهو يتحسس مرارة الموقف، وقسوة الحالة التي يكابد معاناتها ما بين حضور وغياب وإظهار وإضمار تلك الثنائيات التي لا تقتصر على الجانب الذاتي، وإنما تتعداه إلى الموضوعات المتصلة بالذات من إنسان، و مشهدية ما تزال صورتها تعبر على شريط الذاكرة  فلا يجد مؤنساً له من أبناء وطنه، ولا لحظة تجمعه بأصدقائه ممن كانوا ندماءه في  الوطن  يقول:

فلا للكأسِ في كندا نديمٌ                  ولا للكأسِ في بغدادَ ساق

إنها الغربة التي أجبر عليها؛فكانت محاولة تخلص وفرار من واقع مأساوي، ولكنها لم تكن في الوقت ذاته خلاصاً من معاناة عاطفية وحنين دائم يستدر مشاعر الشاعر، ويستهلك عاطفته  حيث تبدو الغربة باعثاً على انعدام توازن الإنسان، وعدم قدرته على التلاؤم مع واقعه؛ فتتساوى الأشياء في تماثلها النفسي، وإن اختلفت قيمتها على مستوى العاطفة والمشاعر التي تظل متعلقة بالوطن:

أُعاني في المكانينِ اغْتراباً             تساوى البينُ عندي والفراق

وبهذا الاستحواذ العاطفي جاءت انتقائية الشاعر لعنوان قصيدته الذي اختاره بكلمة مفردة (حنين) الذي وسم به  قصيدته  بما تشير إليه من دلالات رامزة إلى العاطفة؛ لتكون ليس مجرد علامة سيميائية على النص وحسب، بل لتحقّق ارتباطأ وثيقاً بالحالة النفسية التي تنثال منها اللفظة عبر القصيدة كلها بمرادفات جاءت صيغاً تعبيرية تتعالق معها في الدلالة، وإن اختلفت معها في اللفظ، والصيغة، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي المشكل للنص؛

فقد وردت مفردة الحب، وما يتصل بها من ألفاظ مثل هوى، حبيبة، (13 ) مرة، هذا ما يجعل من مفردة الحب مقولة ًفي القصيدة التي  لم تفارق بحمولاتها الدلالية مفردة  الحنين وانثيالاتها الدالة عليها، والحنين إنما يتولد لمحبوب مفتقد عزيز، ومتخٍّف عن العين الباصرة لكنه مشاهد بالعين البصيرة، إنه العراق بلد الشاعر الذي يخاطبه مصوراً  حالته قائلاً:

تعِبْتُ ولمْ يتعَبْ بأَعماقيَ الحُبُّ

وشبْتُ ولم يبلغْ صباباتيَ الشَّيبُ

وأَشغلَ جنحيَّ الزمانُ بغربةٍ

ولمْ ينشغلْ عمّنْ أُحبُّ بيَ القلبُ

تتبدى ثنائية المطلع عبر اتكاء الشاعر على مقولة الزمن الذي يستدعيه بدلالات الفعل الماضي تعبت، وشبت المسندين إلى ضمير المتكلم ( التاء) الشاعر نفسه،والحاضر في الفعلين المضارعين يبلغ وينشغل، وعبر هذين الزمنين يبدو مشهد التحول ما بين حدث حاصل بفعل قوة الآخر ( الزمن)، وثبات بفعل ردع وتحدٍّ بفعل قوة ( الذات) وهو  ما يُعلّل استخدام الشاعر أسلوب النفي؛ ليفيد بقلب الحاضر إلى الماضي محاولةً منه في إيقاف دولاب الزمن، وحركته المستعجلة عبر تلك الثنائيات:

تعبت ــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يتعب

شبت ـــــــــــــــــــــــــــــــ لم يبلغ

أشغل ــــــــــــــــــــــــــــ لم ينشغل

 

لينقل إلى تعميق تلك الرغبة بتجذير حقيقة وجوده؛ فينتقل من ثنائيات التضاد بين الأفعال التي تعني الحركة والتغيير المستمر إلى ثنائية السكون و الثبات برمزية الأسماء؛ فنجد الثنائية الضدية تقع بين الاسم: (حضوري) الذي أراد منه الإشارة إلى الثبات الذي يسعى إلى تأكيده،والفعل: (غيَّبني ) رمز الحركة والتغيير الذي يرفضه وفق هذه الثنائية:

غيَّبني ــــــــــــــــــــــــــــــــ حضوري

لئنْ غيَّبتْني عن بلادي عصابةٌ

ففي كلِّ ليلٍ من حضوري بها شهبُ

وسنلاحظ سيطرة الأسماء في في بقية الأبيات على حساب  حضور الأفعال، وهو ما يتساوق مع ما أشرنا إليه من رغبة تأكيد المواطنة، وانغراس الشاعر في عراقه، وقد تبدَّتْ تلك النزعة عبر دوال: " جذري، مائي، طيني "، وهي تكشف بما لا يحتاج إلى تأويل عن حالة العشق التي تسكن الشاعر، وتأخذ عليه كل مشاعره،إذ جاءت تلك الألفاظ بما تحمله من معان مستقلة بمفردها مسندة إلى ضمير الشاعر (الياء) التي تعني الملكية واستحواذ تلك الدلالات على كيان الشاعر ووجدانه، وهو ما يجعله يعيش ألم بلاده وأملها، كما يشاركها البسمة والدمعة  في توحد عاطفة،  والتصاق كيان روحي / جسدي:

بلادي بها جذري ومائي وطينتي

وضوئي وإنّي من قطافٍ بها اللبُّ

إنْ ابتسمتْ بِشراً فإنِّي شفاهُها

وإنْ دمِعتْ حزناً فإنِّي لها هدبُ

وإنْ أَصبُ في شعري لوصلِ حبيبةٍ

فإنّيَ أَعنيها، وإنِّي لها أَصبو

وتتجلى هذه الوحدة وذلك الاتحاد بين الوطن والشاعر بما في بلاده من ملامح في الطبيعة من نبات  وطير مُتَّخذاً منه رمزيات دالَّة مُوحية بإحالاتها، ومقاصدها الرامية إلى تدعيم مقولته المحورية التي لم يبتعد عنها إلا بالمفردة (حنين)؛ لكنها بقيت مُسيطرةً على النص في توجّهه معنىً ومبنىً :

يَسيرُ معي النخلُ الجميلُ وظلُّه

ويَجثو معي النَّهرانِ والطينُ والعشبُ

وللسعفةِ الجرداءِ منِّيَ خضرةٌ

وللطائرِ الظمآنِ من أَدمعي شربُ

وما كان بُعدي بُعدَ من نَسيَ الهوَى

ولكنَّه بُعدٌ يَزيدُ به القربُ

ـ وغير خاف أن استخدام الشاعر لرمزية النخيل، إنما جاء للتعبير عن دلالة تعيين تُفيد بحقيقة اـشتهار العراق بالنخيل من جهة، ومن جهة أخرى إرادة تأكيد تجذُّر الشاعر في وطنه على الرغم من بعده،إذْ يُمثّل النخيل بهذا المنحى  مُعادلاً موضوعياً لذات الشاعر التائقة للتجذُّر بأرض وطنها، بينما يبدو الطير مُعادلاً آخر لمعاناة الشاعر الذي وجد نفسه مُهاجراً برغمه عن موطنه الذي مهما نأى، فإنه يحمله و يُحلَّق به بعيداً بجناحيه؛ ليبقى في روحه ومشاعره يستحق منه بذل الغالي افتداءً وتضحيةً في سبيله، وهو بذلك الفعل يكشف عن عمق المأساة التي يعيشها بين عشقه وإخلاصه لوطنه، وما كان من  مُتسلّطي الوطن من إساءة له، وإلحاق أذى به، غير أن النفس الأبية لا ترضى إلا أن تُواجه الإساءة بالإحسان، وقد أحال على مرجعية الشاعر الذي قال قديماً:

بلادي وإن جارت علي عزيزة                وأهلي وإن شحوا علي كرام

فيقيم بناء نصه على تقابل الثنائيات الضدية بين:

أحلام  الشاعر وأمنياته ـــــــــــــــــــــــــــــ وواقع  البلاد وحقائقه

الافتداء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإهانة

فَديتُ بنفسي بلدةً لم تُعزَّني

ولم يتّسعْ فيها لعاشقِها الدربُ

شرب الماء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكواب دم

أمن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رعب

أُريدُ بها شرباً وأَكوابُها دمٌ

وأَبغي بها أَمْناً وأَحلامُها رعبُ

وأَنسَى لها سمّاً وإنّي صريعُه

وأَهوَى لها وصلاً وما بيننا حربُ

التسامح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحرب

صُلبتُ بها أَلفاً ومازالَ في دمي

حنينٌ لعينيها يَطيبُ به الصَّلبُ

وتبلغ المأساة ذروتها لدى الشاعر، وهو  يُقدّم  نفسه القربان في سبيل ذلك الحب؛ ليكون المسيح الذي يُضحّي بنفسه في سبيل خلاص الآخرين، وما ذاك الإيثار إلا بدافع الحبّ الذي تملَّك على الشاعر كيانه، وسيطر على أحاسيسه، وتغلغل شرايينه حتى صار مدعاة لتوجيه اللوم :

وكمْ من مسيحٍ هامَ قبلي بحبِّها

وسَارَ لأَعوادِ الصَّليبِ به الحُبُّ!

وإنّي لسكرانٌ هوَىً بخيالِها

وقد لامَني من فَرطِ سُكْرٍ بها الصَّحبُ

وينقل ليؤكد حميمية العلاقة الرابطة، ووشائج الصلة الجامعة بينهما، مُمثّلاً  لها بأكثر الصلات نُبلاً وقداسة ونقاءً إنها رابطة الأم بطفلها:

وماهيَ إلّا الأّمُّ فاضَ نزيفُها

وما أنا إلا الطفلُ من حولِها يَحبو

حبيبةُ قلبي لا حبيبةَ بَعدَها

فِدَى حَبّةٍ من رملِها الشرقُ والغربُ

تلك العلاقة التي تجعل قيمة حبة التراب الوطني أغلى من كل الأرض الأخرى .

وفي  المقطع الأخير يُنوّع  الشاعر في أسلوبه التعبيري؛ فينتقل من الكلام الخبري إلى الكلام الإنشائي  بصيغة النداء الخارج إلى الدعاء بهدف الكشف والمعرفة والاستفهام الذي جاء تعبيراُ عن توق الوصول،  وتجاوز الواقع؛ لتحقيق تلك الرغبات المكبوتة والأحلام المؤجلة؛  فجاءت (متى) المرتبطة بدلاتها على السؤال عن الزمن ترسيخاً لتلك الإرادة، وتجسيداً لحصولها بالرغبة في تحديد الزمن:

أَلَا أَيُّها السرُّ الإلهيُّ دُلَّني

عليكَ وأَنبئْني بما خَبَّأَ الغيبُ

متَى يَصفِق الدّيكُ العراقيُّ جنحَه

وينجابُ عن فجرٍ شفيفِ السَّنَى حَجْبُ؟

وتَرجِعُ أَطيارٌ نأتْ عن سمائِها،

ويَلتمُّ من بَعدِ الشَتاتِ لنا سِربُ؟

وتَطلَعُ من عمقِ المقابرِ بذرةٌ

وتُمطرُها من غَضْبةٍ حُرَّةٍ سحبُ؟

وأُلقي لجامَ الصَّمتِ عنِّيَ صارخاً:

لقد زالتِ الأَكفانُ وانتفضَ الشعبُ؟

 

سلاماً على البركان مادام ثائراً

وأَهلاً بفيضِ النَّارِ غايتُه الخصبُ

وسقياً ورعياً للرعودِ وراءَها

ربيعٌ لإنسانٍ يحاصرُه الجَدبُ

لتنتهي القصيدة بالدعاء وتحقيق الغاية التي ينشد، والهدف المأمول الذي يتمنَّى اقتراب تحقيقه، علَّه يرى فيه بداية جديدة لوطن حلم مُتمنَّى، وتجسيداً لآمال مُضمّرة .

 

د. وليد العرفي

.................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة المثقف

نزيف الشمس / عبد الاله الياسري

 

 

وليد العرفي يُشكّل غرض الرثاء أحد أهمّ الموضوعات الشعرية ؛ لما له من لصوق بالنفس الإنسانية كونه يشتغل على موضوعة الفقد، والفقد بوصفه عرضاً حياتيّاً يستحوذ على مشاعر الإنسان كلها، لما يعنيه ذلك المفتقد من مكانة لا يُمكن أن يملأ فراغَها، أو يُعوّض عنها آخر، ولذلك يتصف الرثاء بأنه أصدق أغراض الشعر؛ لتنزّهه عن الغائية، كما أنه يستثير العاطفة في سمو مشاعرها، ونبل أحاسيسها، وقد شغل الرثاء حيزاً في شعرنا العربي الذي تعدّدت فيه المراثي باختلاف الأشخاص وعلاقاتهم بالشاعر الراثي ما بين رثاء الحكام والملوك إلى رثاء الأقارب من ابن أو بنت أو زوج، وهذا ما تشغله قصيدة الشاعر د. جواد غلوم الموسومة بعنوان:

"أستأذنكم بهنيهة حزن" وللعنوان دلالته من حيث البنية والنمط والتوجه ؛ فقد قامت بنيته اللغوية على: فعل مضارع + ضمير كاف الخطاب + ظرف زمان + مضاف إليه، ولهذه البنية التي، وإن جاءت عفوية في سياقها إلا أنها على مستوى الدلالة السيميائية تُحيل على أن الحزن موقف مضاف إلى الزمن، وهذه الإضافة للحزن تستوجب حيزاً من الزمن، وهو الزمن المقتطع من سيرورة الحياة المُتعاقبة التي لا تتوقف في لحظة ما لحدث طارىء، أو لموقف عابر، وهو زمنٌ بحاجة إلى مساندة جمعية ؛ لما يشعر به الحزين من حاجة للمساندة والوقوف إلى جانبه، وعلى هذا يكون العنوان نداء استنجاد، وإظهار حالة بحاجة إلى الدعم والمساندة التي جاءت بالزمن المضارع ما يُفيد باستمرار الحزن المؤقّت الذي أعلنت عنه دلالة الظرفية "هنيهة  من الزمن "، وهو ما يبدأ به القصيدة التي تتوالى فيها أفعال: " أنادي، أعاتب "، وهي أفعال مُعبّرة عن القول والحوار الذي يُشخصن الجماد والحواس  في إشارة رامزة إلى حالة الوحدة التي آلت إليها حال الشاعر بعد رحيل فقيدته يقول:  

أنادي عيوني

أعاتب دمعي:

كفى نظراً للمرايا التي ألِفتْ وجهَها

كلّ هذي السنين الطوال

أقول لكَـفّي وأرجف:

كفى عبَـثاً في الخزانةْ

فمازال عطر المليسيا

يحنّ إليها حنين الغريب الى ألفةٍ

الى وجهها الذي فرّ  كالطيرِ حين يأنس طلعتها

كالجناحِ من الخوف حين يأمن في عشّهِ

حين قالت وداعاً وفرّتْ

كأحلامنا الضَّائعةْ

وخيباتنا الشَّائعةْ

وذاك الشَّمعدان يذوي بلا شمعةٍ تحتويهْ

وتلك مخدّتها لا تنام

معبأةً أرَقاً مستدام

تلك أثوابها فقدتْ لونها

أنهكتني أزاهيرها في القماشْ

تريد رحيقاً شميماً

وعطراً يشذّبُ أحزانَها

يا لشمسي التي رحلتْ غيلةً

وهل تهرمُ الشَّمسُ عند المماتْ ؟

وذا خيطها الضوء يبزغ رغم السباتْ

يُجدّد فيَّ الحياة الزؤام .

تبدو جزئيات الحضور للفقيدة من خلال أثاث المنزل الذي يتحوّل  كل قطعة فيه إلى ذكرى، وغصّة حرّى تبعث على مزيدٍ من الألم، وتزداد حميمية العلقة بين الأشياء الجامدة، وذكريات الشاعر عبر تراكم صور تعبّر، ولا تُصوّر؛ وهو ما يكشف سبب ندرة الصور في القصيدة التي تغيت البوح والتعبير، لا إرادة التمثيل والتصوير، فلا نجد إلا صورة التشبيه التي قاربت بين رحيل الزوجة والأحلام الضائعة في إطار المشهد الكلي الذي جاء مؤطراُ ضمن لوحة الحزن الأكبر فافتقاد الزوجة التي غيّبها الموت تتماهى بالأحلام الضائعة، ولنلاحظ أن موت الزوجة يُعادل كلَّ الأحلام الضائعة، وهو ما يُبيّن مكانة المفتقدة في نفس الشاعر، ومدى الأسى الذي خلَّفه في نفسه ذلك الفقد:

 " ضاع السوارُ وفصّ عقدي

وبـقـيـتُ فـي بغـداد وحْــدي

كــانــَتْ صديــقـةَ خافِــقِــي

أدراج مُــرتَــفَـعي ومجدي

ولقد لجأ الشاعر للتعبير عن تلك الحالة بتنويع الإيقاع ما بين الشعر الحديث الذي جاء على إيقاع بحر المتقارب في بداية القصيدة  وصولاً إلى الختام الذي وجد في الشعر العمودي الوعاء الذي يسكب فيه دفقته الأخيرة ؛ فجاءت نهاية مُعبّرةً، بدفقةً شعورية سكبت جرعة أحزانها جرعةً واحدة، فها هو يبقى غريباً مفرداً في بغداد، وقد غادرته منْ كانت له السند والدعامة والملاذ والحب يقول:

 ما ضـرَّ لـو مُـتْــنـا مَـعـــاً

إلْـفانِ واشْـتَـركـا بِــلِـحْـــدِ

وحدي أيؤنسني الأسـى؟

عمرٌ بفقدكِ كيفَ يجدي"

وقد اعتمد إيقاع البحر الكامل الذي جاء على شكل تنويعٍ يندب فيه حالة الفقد عبر تكرار أسئلة أرادت أن تؤكّد وتُظهر  أكثر من أن تسأل وتستفسّر.

 

د. وليد العرفي

...................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

أستأذنكم بهنيهةِ حزن / جواد غلوم

 

تقوم رواية (برهان العسل) للروائية السورية سلوى النعيمي على لعبة الاختلاف والتطابق، ففيها يتأسس الاختلاف في السرد – التأويل، والتطابق في الرؤية – المعنى، فالنص هو الاختلاف عينه، ونصيته هي اختلافه عن نفسه، ومن هنا، فان النص من خلال نصيته يأتي بنصوص أخرى، يدمجها، يستحضرها، لدعم النص الأصلي، ولتشكيل بؤرة مركزية، وهذا ما اشتغلت عليه النعيمي، عندما ملأت نصها بمقتطفات مستلة من كتب التراث تدور جميعها حول الجنس والمعاشرة، حتى محتويات الرواية لم تضعها على شكل فصول، بل عمدت إلى تقسيمها على شكل أبواب على طريقة كتب التراث العربية الإسلامية، وهذه المقتطفات المختلفة تقرأ أو تؤوّل ضمن أنها جزء من النص، وأنها ضمن المعنى العام الذي يقرأ بوصفه دلالة.

 إن النص يخفي شيئاً ما، لذا يجب أن نكشف هذا الشيء، ونعلنه ونستدرجه، فالنص ينظر إليه هنا على انه لعبة تمنح المؤلف والقارئ إمكانية إنتاج معانٍ كثيرة، وعلاقات تواصلية لا نهائية محققة للعمل وجودة باللقاء بين النص والقارئ، ففي هكذا نص نعثر على الذات والموضوع، والذات والعالم، والمؤوِّل والمؤوَّل، وفي الاختلاف والتطابق – التأويل/ المعنى – يحدث اللعب، إذ أن لعبَ اللعب، هو تأويل التأويل، وتجلي المعنى، وفي الآخر تكون اللغة هي موضع اللعب.

أما الجسد في الثقافة العربية الإسلامية، فيكون شديد الحساسية والإرباك، شديد التوجس والحذر، وخاصة في النص الأدبي العربي المعاصر، الذي يتناول الجسد، جسد امرأة، امرأة تحكي عن مغامرات جسدها، وارتعاشاته، ولذته، وتشظيه في رغبته، وفناءه في الآخر، ولان (الثقافة تحرم الجسد المؤنث من حقه اللغوي العقلي وتحصره في حقل دلالي واحد لا يغادره ولا يخرج عنه، إلا إلى متاهات الإقصاء والإلغاء)(1)، عليه تصبح أية كتابة من قبل المرأة عن جسدها، ضمن سياقات وأنظمة هذه الثقافة المتموضعة في ذهنية الفحولة، معارضة ومخالفة، وتعمل على تخريب الذائقة السردية الذكورية المحفورة عميقاً في الذاكرة المجتمعية.

 إن رؤية الساردة للعالم وللآخرين وللأشياء تمر عبر جسدها، وهذا ما تعلن عنه منذ أول سطر في بداية الرواية: هناك من يستحضرُ الأرواح، انا استحضر الأجساد. لا اعرف روحي ولا أرواح الآخرين. اعرف جسدي وأجسادهم ص13 الرواية. فالوعي بالشيء، ينبثق من خلال الإدراك الحسي، من خلال الإدراك الجسدي، ان الجسد هو الوحيد الذي يستطيع احتواء واستيعاب الأشياء والتلاحم معها وتميز وفرز الآخرين، ففي تجربة الجسد (= التفاعل مع الاجساد والعالم) تتحقق التجربة الإنسانية، التجربة الوجودية. يقول موريس ميرلوبونتي (انني أرى اشياء العالم الخارجية بجسدي، المسها، اكتشفها، اطوف حولها)(2)، فالجسد هو الذي يوحدنا مع العالم، وهو الوسيلة التي نتوصل بها إلى صميم الأشياء، لذا لا جنس بلا جسد، ولا جسد بلا جنس، وبهما يتكامل ويتحقق الفعل الإنساني، باللقاء الجسدي بين الاثنين، بين المرأة والرجل، وبهذه الوحدة – الجنسية يتموضع ويتفصل ويتميز الأنثى عن الذكر.

 لماذا اختارت الروائية (برهان العسل) اسماً لروايتها؟ قبل ان نفكك العنوان علينا ان نعبر عبر الغلاف الأمامي للرواية، إلى الرواية النص، ولو عرفنا ان سرد – الصورة يتطابق مع سرد – النص ، لان الصورة، تمثل الجسد الإنساني، رغم ان اللغة فيها هي لغة الجسد، ولغة الصورة المشفرة هي جسد النصّ الدلالة، والغلاف عبارة عن صورة امرأة عارية، راكعة على ركبتيّها، لا يظهر في أعلى الصورة إلا اسفل ذقنها وجزء من فمها، وفي الاسفل يظهر أعلى مؤخرتها مطوقة هي وخاصرتها بسلسلة مذهبة، ملتصقة على فخذ رجل عاري، بكلتا يديها وكل صدرها، وشعرها مسدل على ظهرها وصدرها في حالة فوضى، يقول بارت: هناك صور معينة، انها تمتع المؤلف بنفسه وهو يضع اللمسات الأخيرة على كتابه، فلذته هي الافتنان وبذلك تكون أنانية تماماً). ان الصور في هذه الحالة أساسية، لان لذة النص أساسية، ولذة المؤلف تظل موضع نقاش، في الكلمة والصورة(3).

 برهان/ العسل! لنقرأ ما تقوله الساردة عندما تقابل الآخر الرجل:

- كنت أصل إليه مبللة وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيّ يتفقدُ (العسل) كما كان يسميه، يذوقه ويقبلني ويوغل عميقاً في فمي ص30 الرواية.

 اما البرهان فهو الحجة، وقد برهن عليه أي أقام الحجة عليه، كما جاء في صحاح الرزاي، فـ برهان العسل = حجة الفرج = الحجة التي أقامها الفرج على الذكر.

 تقول سلوى النعيمي: أردت أن أبرهن فعلياً على ان اللغة العربية قادرة على كتابة الجنس والتعبير عن الحميمي من قبل ومن بعد، وعلى ان لذة الجنس تحتل مكانة أساسية في هذه الثقافة بعيد عن مفهوم الخطيئة والدنس، عبر تداخل نصي الحديث مع الاستشهاد بكتاب قدماء مثل الجاحظ والسيوطي والنفزاوي والتيفاشي(4).

 لقد أرادت سلوى النعيمي ان تذكرنا بان كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية تحتوي على الكثير من الكتب التي تتناول الجسد – الجنس، وهي مكتوبة من قبل فقهاء كبار وعلماء لهم بصمتهم الواضحة في الثقافة الإسلامية مثل كتاب (السحاقيات) للصميري، وكتاب (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب) للتيفاشي، وكتاب (روض العاطر في نزهة الخاطر) للنفزاوي، وكتاب (رجوع الشيخ إلى صباه) مجهول المؤلف، وكتاب (طوق الحمام) لابن حزم الأندلسي.

 ان برهان العسل (طرح سؤالاً اساسياً في علاقتنا بلغتنا العربية وبتراثنا العربي الإسلامي. لما نعيش هذا البتر المعرفي الذي يشوهنا؟ الذي يسمم علاقتنا حتى بأجسادنا؟).

 لما نعيش هذا البتر المعرفي؟ ولدينا هذا الكم الهائل من كتب التراث التي تبحث في موضوعة الجنس، والجسد، يرى الباحث والناقد هيثم سرحان في كتابه (خطاب الجنس: مقامات في الأدب العربي القديم) ان الثقافة العربية تمتلك رصيداً أدبياً هائلاً لم يُقرأ ولم يُفكك ويؤول، يقول في ذلك:

الناظر في الظاهرة الجنسية في العالم العربي يكتشف ان الجنس موضوع محظور في التداول والتفكير والنشاط الإنساني، وذلك لان هناك اكراهات فقهية واجتماعية وثقافية تمارس ضده وتؤدي إلى حجبه وإبعاده وإغفاله، ولعل من المثير للدهشة أن الثقافة العربية تملك سبعة قرون من الكتابة الجنسانية في تراثها لكنها تمنع وتراقب وتعاقب من يقترب من تناول الجنس(5). ليس ذلك فحسب، بل أن التراث كانت له انتهاكات كبرى في مجال الجنسانية مثل الاستحواذ على مصادر الجنس واحتكارها من قبل الخلفاء والوزراء والولاة والقضاة، في حين كانت الجماهير تعيش بؤساً وحرماناً جنسيين، وتخضع لمراقبة ومعاقبة اذا قامت بسلوك جنسي يتناقض مع الأنظمة التي وضعتها السلطة، هذا الاختلال بحقل الجنسانية مكن خطاب الفقه من الخروج ببديل منهجي قائم على التحريم والتأثيم التدنيس.

 لقد عملت الروائية على الاشتغال على التداخل النصي منذ الأسطر الأولى، بين السرد الروائي والنصّيات التراثية، بحيث شكل ذلك فسيفساء ملونة، جسدت الوحدة العضوية في جسد النص، وان هذا التناص حسب مفهوم جوليا كرستيفا ادى الى محاولة تقويض سلطة المحظور والخروج منه إلى سلطة المتخيل: (الجنيد الذي كان يقول: احتاج إلى الجماع كما احتاج إلى القوت، لدي حاجة عضوية للماء والمني والكلمات ثلاثة هي عناصري الاولية – ص 52- الرواية) فالماء دلالة ايمائية رمزية جنسية، ففيها التوالد والخصوبة والحياة، ولا حياة بدون ممارسة الجنس (= الفعل البيولوجي)، وبدون المني ، فالماء = المني ، وهذا يذكرني بما يقوله سليم بركات:

فلتكن المياه عربتي وجيادي

فلتكن المياه عصاي اذا اجتاز كالأعمى،

سراديب البطولة.

المياه المياه.

درعي المياه.

 تبدأ الرواية بباب ازواج المتعة وكتب الباه وبجملة (انا استحضر الاجساد) وتنتهي بباب الحيل وبجملة (لم اعش حكايتي فضيحة)،  والرواية تسّرد بضمير المتكلم (انا)، بضمير المؤنث للساردة التي لا تحمل أي اسم، وهي الصوت الوحيد، فهل الأنا هو صوت المرأة الذي تتحدث من خلاله؟ وتختلط علينا عائدية الأنا، ما بين الروائية والساردة، لان الوحدة التركيبية للرواية قائمة على الخطاب النسائي الواحد، وبناءاً على ذلك نرى ان عالم الحياة الذاتية الوجودية للمؤلف (هو ذلك الجانب من المؤلف الذي يتسرّب إلى النصّ، وبهذا يُقرأ المعنى او عالم الحياة الذاتية من طرف المؤول بوصفه معنى النصً، ورغم ذلك يتميّز معنى النصّ من النص، لأن ذلك المعنى يعزى إلى المؤلف، ان معنى النص، هو مضمون النصّ كما يتكشّف في أنواع الأنماط المختلفة: النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، فهرمنوطيقا النصّ الأدبي هي تأويل للمعنى الذي يقرأه القارئ في النص)(6).

 ولكن من يؤسس معنى العمل هو القارئ، وفعل تأسيس المعنى هذا إنما هو طريقة يُعرّف النص طبقاً لها، ولكن هنا المعنى يختلف عن النص، ذلك لأن المعنى يتأسس في القراءة.

 هذا يقودنا إلى العثور على تطابق الرؤية (= التشابه في وجهة النظر، في نمطية الشخصية، في الفعل الوجودي) عند السادرة والروائية جزئياً، فكلتهما دمشقية: (دمشق مدينة طفولتي-ص53 الرواية)، (سلوى النعيمي، شاعرة وصحفية سورية. تعيش وتعمل في فرنسا – صفحة التعريف بالمؤلفة) كلفت الساردة بكتابة دراسة بحثية عن الكتب الجنسية العربية القديمة بناءاً على طلب المكتبة الوطنية الفرنسية التي تعمل فيها كأمينة مكتبة، فتأخذ إجازة وتغادر باريس مع كتبها ومراجعها إلى تونس: (طلبت إجازة من عملي في المكتبة، حملت كتبي وهربت من باريس إلى تونس- ص51 الرواية)، الرواية كتبت ما بين باريس / تونس: (كنتُ أظن ان الكتابة في موضوع الجنس لم تعد من المحضورات لأنني كنت اقرأ ما يكتب، قلت هذا في النص نفسه ساخرة من الرقابة العربية في زمن الانترنت – الحوار)، بالإضافة إلى ان الساردة شاعرة وروائية (عدتُ إلى كتابة قصائدي الصغيرة – ص96. الرواية).

 ولكن هذا التشابه ليس معناه تشابهاً حرفياً، وليس معناه ان السادرة في النص هي نفسها الروائية في الواقع، لا أبداً، بل هذا التطابق والتشابه، يقع في منطقة الما بين، بين التخييل واللاتخييل، حتى الفعل السردي مشمول بذلك، بالإضافة إلى التجربة، (فهي لاتسرد الحوادث إلى حدثت بحد ذاتها، ومع ذلك هي تقدم ادراكات حسّية ترمي إلى الإخبار، والإمتاع، والإثارة)(7)، للقارئ الذي يبني عالمه الخيالي أيضاً، وبالذات للقارئ العربي، المليئة ذاكرته التراثية بالأساطير والتخيلات الجنسية الجامحة كـ (ألف ليلة وليلة)، التي وضعها البعض في قفص الاتهام، بعد ألف عام، لمحاكمتها كداعرة تعمل على إفساد العقول، وتقوّض وتزعزع الأخلاق، رغم انها تعتبر من روائع ما أنتجه الفكر الإنساني، ورغم قيمتها الإبداعية والثقافية، وهي من أشهر كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية، ومصدر لكثير من الأعمال الإبداعية الأدبية في القرن العشرين.

 لقد أحدثت سلوى النعيمي خرقاً في بنية الدكتاتورية اللغوية الذكورية، وخلخلة المركزية الفحولية المهيمنة على السردية العربية، والعمل على تكريس خطاب الأنوثة الذي يؤمن بالثنائية الجنسانية.

 إن القارئ قد يكون مخطئاً في فهم النص على المعنى الذي قصده المؤلف – أحيانا يكون المعنى مراوغ – رغم ان سلطة النص مستمدة من التداخل النصي بين التراث واللحظة السردية في الرواية، فإذا قرأ القارئ النص، ثم يعلن رأياً قاطعاً يكون قد وصل إلى حالة التوحد مع النص، ليصبح متفرداً، لا يمس، بينما يظل النص مرجعياً من الناحية العملية، الا ان القارئ يصبح دكتاتورياً، والحقيقة تظهر فقط من خلال القراءة المختارة للنص، وان القارئ هنا وبالذات في هكذا رواية، يستطيع ان ينشئ أيضاً معنى النص، عن طريق اختيار مقاطع من النص لتقديمها إلى القراء، فيهدم مرجعية النص بعملية الاختيار هذه.

 لقد ابتعدت المرأة في كتابتها عن لغة الرجل، بعد ان تعلمت منه فن الكتابة، ثم طورت نفسها، ووضعت لها أسلوباً خاصاً بها يميزها عنه، لذا لم يعد نتاجها مكرراً لنموذج الرجل، وبهذا اكتسبت وعيها، وحققت خصوصيتها، مؤكدة على وجودها كذات مستقلة غير تابعة للرجل، بعد أن تحررت من مخاوفها(8)، فتحرير الذات يعتبر في الحقيقة تحريراً للجسد، وفي رواية (برهان العسل) يتحرر الجسد من خلال الذاكرة والخيال، وان فلسفة الجسد التي يمكن التعبير عنها عبر المظاهر والحالات السوسيولوجية والثقافية، لا يمكن فهمها الا من خلال استيعاب عميق سوسيوتاريخي ورؤية شمولية لوعي الإنسان بجسده.

 ان الذاكرة والخيال، مضافاً إليهما كتب التراث الجنسية، تحدد ملامح البطلة بها، وبهذه النقاط الثلاث تكون مكتملة، في تسطير رؤيتها لما ترغب، ولما تريد ان تعلنه، ولما تفضحه، بحيث أصبحت جزء من ثقافتها، ومخيلتها، وحياتها الجنسية، حتى تساؤلاتها كانت تتوقف عند معلميّها القدماء لأنهم كانوا اكبر من هكذا أسئلة:

هل كوني امرأة هو الذي يفخخ قراءاتي السردية؟.

أليس اعتباري لها سراً جزءاً من تلك التربية المخصية التي ربيت عليها. لماذا يمكنني ان اتباهى بقراءة الأدب البورنوغرافي الغربي والشرقي واخفي قراءتي للتيفاشي؟ ص22 الرواية.

 ان الحفر المعرفي الذي قامت به سلوى النعيمي في جسد هذه الرواية، وفي جسد بطلة الرواية، هو الجمع بين الرمز والخيال والواقع، مستمداً نسغه من كتب التراث العربية الإسلامية الجنسية، ومعتمداً على الرؤية السوسيوتاريخية والايديولوجية والسياسية والسايكولوجية في انطلاق وتحرر الجسد باعتباره لغةً ونصاً مفتوحاً على كل الاحتمالات الممكنة للتأويل.

 وبما ان الجسد الأنثوي حامل للعلامات فهو إذا يلتقي مع النص الذي هو نظام مفتوح من العلامات مع معانيها المتعددة، ولان القراءة تفكك النص بحيث أن العلامات من جهة أولى، تحقق الدلالة، والدلالة من جهة أخرى، تحقق معنى من خلال التأويل.

نقرأ في (باب المفكر والتاريخ الشخصي) الفقرة الآتية:

المفكر حكاية وحده.

قسمت حياتي قسمين ق.م: قبل المفكر وبعد المفكر.

كنت أصل اليه مبللة تماماً. يكفي ان أفكر فيه كي يفور دمي.

ألم يقل لي المفكر مرة، ونحن في المقهى، وانا أغالب شهوتي اليه في مكان عام: لم اعرف قبلك امرأة يعلن وجهها (انتصابها) ص29 الرواية.

 ان الكلمات (لم أعرف قبلك امرأة يعلن وجهها انتصابها) هي البؤرة التي تلفت الانتباه، فقد يتساءل أي مرء من الذي يتكلم هنا؟ أكيد لا يمكن ان تكون الراوية، حتى بصورة غير مباشرة، ما دام تؤول شهوة البطلة على انه شبق، ولا يمكن ان يكون المفكر لأنه يعرف ان البطلة ترغب به بقوة، ان الصيغة (يعلن وجهها انتصابها) تعني عن اهتمام شخصية واحدة، شخصية ليست هي البطلة ولا المفكر، وإنما القارئ، فالقارئ هو الباحث عن الحقيقة، وهو المتتبع للخطاب السردي، رغم ان الخطاب السردي الروائي موازياً للخطاب السردي التراثي وأحياناً يكون متداخلاً مع الخطاب الآخر، إلا أنهما يكونان مستقلين، ويملك كل منهما خصائصه، ومميزاته، وتوجهاته الدلالية، إلا أنهما يخضعان لقرائية تأويلية موحدة، ذات اتجاهات متعددة.

 وبالعودة إلى الصيغة (امرأة يعلن وجهها انتصابها)، يكون معناها الدلالي الخاص المتمثل في نصية النص، غير معناها الدلالي العام المتمثل في ايحائية النص، فان دريدا يقول ان هناك (نصاً عاماً ينقش، ويغمر عملياً، حدود خطاب تنظيمه، بشكل تام، الماهية، والمعنى، والحقيقة، والوعي، والمثالية، الخ)، مما يعني ان هنالك المعنى الغائب، الذي يكون باستطاعتنا استعارته ومواجهته مع الصيغة السابقة:

- قراءاتي السرية تجعلني اعتقد أن العرب هم الأمة الوحيدة في العالم التي تعد الجنس نعمة، وتشكر الله على هذه النعمة. ص43/ الرواية.

 اما مفاجأة الراوية الكبرى للقارئ، فهي ان المفكر، لم يكن موجوداً نهائياً، وان حكايته كانت لعبة سردية اخترعتها الراوية:

- قلت له: كن، فكان كما خلقته انا بكلماتي ص147 الرواية.

ليس ذلك فحسب، بل تقوم الراوية بالتأكيد على ذلك، ان المفكر (كان حيلة) من حيل الكتابة، وهذا الشيء يعمل على قلب موازين المعادلة للرواية جميعها ويضعها في خط اللاحسبان واللامتوقع، واللجوء إلى منعطف خطير في قرائية تأويلية منبثقة من سردية فجائية، تظهر لأول مرة، لرسم مسارات ونهائيات، يشتغل عليها القارئ، فقط القارئ، وخزينه المتراكم من معارفه المتواجدة في فكره:

- يخطر لي الآن، وأنا أعيد قراءة ما اكتب، ان المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وانه لم يوجد أبداً، ولذلك كان لابد لي من ان اخترعه. ص147 الرواية.

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش و الاحالات:

1- د. عبد الله الغذامي – ثقافة الوهّم: مقاربات حول المرأة والجسد واللغة. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 1998. ص83.

2- د. يوسف تيبس – تطور مفهوم الجسد – مجلة عالم الفكر . العدد 4. المجلد 37. ابريل – يونيو/2009. ص56.

3- ج. هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمينوطيقا والتفكيكية. ت: حسن ناظم وعلي حاكم صالح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 2002. ص191.

4- حوار أجرته الصحفية ريم نجمي في قنيطرة مع الروائية سلوى النعيمي. أعادت نشره جريدة الوطن العراقية في العدد (27) 16/أيلول/2010، و أي اقتباس آخر للروائية الواقع ضمن قوسين وبدون ترقيم هو مستل من الحوار.

5- حوار أجراه محمود منير في جريدة (العرب اليوم) مع الباحث والناقد الأردني هيثم سرحان في العدد 4990 في 6/3/2011 حول كتابه (خطاب الجنس: مقاربات في الأدب العربي القديم).

6- نصّيات. م.ن ص121.

7- نصّيات م.ن ص151.

8- د. فاطمة بدر – خطاب المرأة العراقية الروائية . مجلة جدل العدد 7-8/ك2 شباط 2008. ص35.

* سلوى النعيمي – برهان العسل – رياض الريس للكتب والنشر – لبنان/بيروت ط3/ايلول 2008.