محمد تقي جونيقوم (التوزين الجاهلي) يقوم على استشعار النغم والايقاع، بينما علم العروض يجعل التوزين على مقدار وأوقات الحركات والسكنات. واذا كان الايقاع يحدد نوع الوزن الجاهلي، فعلم العروض يجعل الحركات والسكنات هي المحدد للبحور. ونحن لا نستعمل للشعر الجاهلي مفردة البحر بل الوزن، لان الشاعر الجاهلي كان يتعامل مع الوزن ايقاعا ولم يعرف البحر حركات وسكنات، ومصطلح البحر اوجده الخليل.

يقوم الشاعر الجاهلي باختيار الوزن في ذهنه ثم يكتب عليه الشعر. وهذا جعله أكثر حرية في اختيار الوزن لموضوعه لان العملية تكون سليقية وليست بالتفكير شأن الشعراء العروضيين. كما انه أكثر حرية بالتصرف في الوزن واخضاعه وليس العكس لدى الشعراء الاسلاميين الذي يخضعهم البحر لصرامته. فالوزن الجاهلي اكثر مرونة، والشاعر يتحرك في منطقة صارت فيما بعد ممنوعة ومسيجة بالزحافات التي جعلها علم العروض في اضيق الحدود. وكانت تلك المساحة يجول فيها الشاعر الجاهلي لان المهم عنده هو الابداع. وقد سمى العروض تلك التجاوزات (التزحيف الشديد) و(التخليع). فقول عنترة: " ينبع من ذفري غضوب جسرة" لم يقبلها العروض ففيها تزحيف شديد في (ينبع) فالذي ينسجم مع الوزن العروضي (ينباع) لذا صحح الى ينباع مع العلم ان اللفظة لا معنى لها. وكانت (ينبع) مقبولة في الوزن الجاهلي) لانه لا يقوم على الحركات والسكنات بل على الايقاع.

والاوزان الجاهلية مستقلة الايقاع، يعرفها الشعراء دون مسميات. فالاسماء وضعها الخليل. وقد قام الخليل بلمّ وجمع البحور فجعل بعضها تابعا او مشتقا من بعض، فما عرف بالـ(مخلع) جعله تابعا للبسيط مع اختلاف ايقاعهما بشكل واضح. فأين ايقاع:

بغداد يا قبلة الأسود            يا كعبة المجد والخلود

من  ايقاع:

متى ستعرف كم أهواك يا رجلا      أبيع من اجله الدنيا وما فيها

وكثير من المجزوءات هي في الحقيقة الموسيقية أوزان مستقلة.

أرجع الخليل البحور التي أحصاها وهي ستة عشر بحرا الى خمس دوائر. ولم تكن البحور منسجمة في هذه الدوائر، ولا كانت البحور في الدائرة الواحدة ذات روابط ايقاعية حقيقية بينها، وكأنها أجبرت على الدخول في هذه الدوائر وألقيت في غيابتها القاءً؛ لان الخليل وزع البحور على الدوائر بناء على (التقليب) فيقلب البحر الاول ليخرج منه بحر آخر والبحور التي تنتج من البحر الاول يجعلها في دائرة واحدة. وهذه عملية ساذجة تشبه الى حد بعيد عملية (الجقلمبة) التي يمارسها الاطفال. وقد كانت هذه العملية الساذجة هي المحدد لبحور الدوائر العروضية.

الدائرة الاولى:  اسماها الخليل (المختلف) وبحورها:

الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلين

المديد: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

ولا رابط ولا تشابه بينها سوى (فاعلن) الشبه والمشترك الوحيد بين المديد والبسيط. ولذا سمى الخليل الدائرة (المختلف) وهي بالفعل في اشد الاختلاف.

الدائرة الثانية (المؤتلف) ولم تكن تستحق اسم المؤتلف؛ فهي متكونة من بحرين فقط هما:

الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن

الوافر: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

الكامل مقلوب الوافر تماما؛ الكامل: 3/2 ثلاث متحركات فساكن، فمتحركان فساكن والوافر عكسه 2/ 3. فأين الائتلاف بين مقلوبين متعاكسين؟

والدائرة الثالثة فقد اسماها الخليل (المجتلب) ولا معنى للمجتلب سوى ان بحورها جلبت كيفما اتفق فلا جامع نغمي بينها:

الهزج: مفاعيلن مفاعيلن

الرجز: مستفعلن مستفعلن مستفعلن

الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

وهي اشد اختلافا من دائرة المختلف لعدم وجود تفعيلة مشتركة واحدة بين بحورها.

الدائرة الرابعة (المشتبه) وبحورها مختلفة جدا:

السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن

المنسرح: مستفعلن مفعولات مستعلن

الخفيف: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

المضارع: مفاعيلن فاعلاتن

المقتضب: مفعلات مستعلن

المجتث: مستفعلن فاعلاتن

فيها اربعة بحور جاهلية وثلاثة بحور مولّدة، وهذا اكبر اختلاف جوهري بينها، وكثير من الشعراء العرب انفوا من الكتابة على البحور المولدة كالمتنبي والمعري. وبدت هذه الدائرة كالخرج الذي يوضع فيه الزائد من الاشياء. وايقاع هذه البحور بعيدة عن بعضها جدا.

أما الدائرة الخامسة (المتفق) فالخليل جعل فيها بحرا واحداً هو (المتقارب) بعد ان استبعد المتدارك حين راضه فلو يروّض ولم تنطبق عليه قواعده. وقد اضافه الاخفش الى العروض. فدائرة المتفق مع من ستتفق وهي من بحر واحد؟!!

ونضيف الى موضوع توزيع البحور على الدوائر، ان الخليل جعل لاغلب البحور تفعيلات نظرية غير موجودة عمليا، ففي الدوائر نجد صورة للبحر وفي الاشعار نجد صورة اخرى. مثل الوافر صورته في الدائرة (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن) وصورته في الدواوين (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) وذهب الخليل الى انها مقطوفة دوما لتكون واقعية.

وهذا يعني ان توزيع الخليل البحور حسب التقليب غير موفق، او في الاقل غير صحيح موسيقيا، بل حتى غير صحيح تفعيلاتيا. واذا كان توزيع البحور المستعملة غير موفق موسيقيا، فان البحور المهملة أكثر بعدا عن التوفيق الموسيقي، وهي  لا موسيقية فيها. وقد حاول الشعراء لاحقا التجربة في الكتابة عليها فلم يفلحوا في كتابة شعر جيد لان موسيقيتها سقيمة.

فيما يخص توزيع البحور، هناك بحور قريبة في ايقاعها، ولكن الخليل فرقها في الدوائر ولم يجمعها في دائرة واحدة. مثلا:

-        السريع والرجز: الفرق بينهما حركة واحدة:

(يرى اسيرا في دواة وكم = سريع)

(يرى اسيرا في دواة أو وكم = رجز)

- الرجز والكامل:

(جادت عليه كل بكر ثرّة = رجز)

(فتركن كل قرارة كالدرهم = كامل) وهما بيت واحد

- الطويل والكامل (اذا جاءت فعولن الاولى تامة والثانية مقبوضة)

(فلا أحزن الله الامير فإنني = طويل)

(لا احزن الله الامير فإنني = كامل

- الهزج ومجزوء الوافر

(فلا كانت ولا كنَّا) يعد هزجا ومجزوء الوافر

- الخفيف والرمل والمديد. اسميتها (البحور الاخوات) لانها تشترك بتفعيلتين وتختلف بتفعيلة واحدة

الخفيف = فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

الرمل = فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

المديد = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

بالمقابل هناك بحور عدها الخليل مجزوءات بحور اخرى وهي متنافرة اشد التنافر. مثل الطويل ومجزوئه، البسيط ومجزوئه (المخلع). والبحور الصافية التي فيها تفعيلة واحدة تتفق نغمتها مع مجزوءاتها مثل الكامل ومجزوئه والرمل ومجزوئه والمتقارب ومجزوئه.

وبهذا ننتهي الى ان علم العروض لم يتعامل مع الاوزان على اساس الايقاع والنغم، بل التقليبات في التوزيع على الدوائر، والحركات والسكنات في تحديد البحور.

 

أ. د. محمد تقي جون

 

 

تشتغل رواية (آلام السيد معروف) لغائب طعمة فرمان في (مكانين مختلفين كل الاختلاف في آن واحد – جاك دريدا) (1) بمعنى أن الرواية تتكون من نصين متداخلين، نص داخل / مقروء، ونص خارج / لا مقروء، فالنص الأول / المقروء، يشير خفية إلى النص الثاني / اللامقروء، الذي يستمد منه خطابه وبنيته وآلياته، واعتماده عليه في فك رموزه.

إن اللامقروء، هو ليس مناقضاً للمقروء أبداً، بل هو المتن الذي يمنح المقروء قوة، وفعالية، مع العمل على انطلاقه في الفضاء الروائي، وهذا يجعله يدخل في تجربة رمزية، تعمل على ترميز مختلفة الظواهر الاجتماعية – التاريخية – الفكرية المنحدرة من الميتانص، ومن هنا يبدأ تشظي النص، ومن الممكن العثور على ذلك التشظي إذا ما قمنا بعملية تتبع النص وحضوره في نصوص أخرى جانبية من خلال تفكيك النص والبحث في أجزائه، فذلك من (شأنه أن يؤدي إلى نمط من أنماط الأرشيف إلى نص ذاكرته معلقة في لا زمانية حاضرة)(2)، والعثور على استفادة النص المقروء من الذاكرة الثقافية المتواجدة خارجه وكيفية توظيفها لإنتاج نص متشظي، وهذا التداخل بينهما يكون كبيراً جداً، بحيث يتعذر علينا التفريق بينهما، لكنه يحقق قراءة شمولية متماسكة تشتغل على نصين، ومنتجة للمعنى المزدوج المتشظي، ومرغمة القارئ في محاولة من أجل إعادة تجميع آفاق النص الدلالية.

والراوي في نطاق الرواية، ليس مجرد ضمير المتكلم، اذ هو لا يمثل المؤلف تماماً، وكذلك من الضروري ألا يقع الخلط بين الشخصية الروائية الرئيسة السيد معروف وبين المؤلف غائب أيضاً، ولكن قد تقترب وجهة نظر الراوي من وجهة نظر الشخصية مثيراً إلى درجة (يتلاشى فيها صوت الرواي في صوت الشخصية، بحيث يصعب التمييز بينهما في كثير من الأحيان) (3)، لكن الراوي يبقى حلقة الوصل المتداخلة بين النص المقروء / السيد معروف، واللامقروء / غائب، بمعنى أنه يتحرك داخل النصين، ويتفاعل معهما بطريقة جدلية – حوارية عالية جداً بالخفاء.

ومما يزيد في تمييز وتفرد رواية (آلام السيد معروف)، هو أنها نص مفتوح، يشكل معاني مفتوحة، وأحداثها دائرية، وباستطاعة القارئ أن يبتدئ من أية صفحة ولكن ليس في استطاعته الانتهاء أبداً، لذا فما على الراوي إلا أن: يروي، يحكي، يسرد، ليجعلنا مطلين على تاريخ الإنسان: المنسي، المضطهد، الإنسان الذي يصنع الحياة الحقيقية والتاريخ الحقيقي بصمت، لذا جاءت شخصية السيد معروف، متناسقة، متألقة، مكتملة، ناضجة، فلقد اعتبرها الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: (من أكثر الشخصيات نضوجاً واكتمالاً في الرواية العربية) (4)، وإنها شخصية إنسانية – تاريخية، مشبعّة بروح التاريخ، ومستوعبة لها، تموج بالحياة، والحيوية، لكنها في الوقت ذاته، تقوم بالاحتجاج ضد وحشيته، في مسخ وطمس إنسانية الإنسان، فإن هناك (ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، وربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل لا تحس بالتاريخ ولا تعترف به – ص113)، وتعمل على تعرية ذاتها بشكل مخيف، بلا مواربة، ولا تزوير، وهذا يعطيها الحق في أن تكون حالة عامة، أي أن تكون مرآة عاكسة لحياة ملايين البشر، الذين يولدون ويموتون في صمت، ودون أن يثيروا أي همس، أو إشارة تدل إليهم: (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً، لكان تاريخي – ص127)، هكذا يقول السيد معروف عن نفسه، عن وجوده، في نهاية الرواية فلقد قام غائب بتشظية هذه الشخصية الروائية في عمق الذاتية، وفي عمق التاريخ، ولتكون متساوية فيهما، لأنها: حكت وتحكي، وستحكي، عن المأساة الإنسانية: الذاتية – الجماعية، وعن الحلم الضائع، المهدور، المسروق.

والسبب في مجيء هذه الشخصية بهذه القوة، والرسوخ، لأن المؤلف كانت له (صلات عميقة بالحياة الشعبية في أكثر تشعباتها تنوعاً، أي بالحياة الواقعية لجميع الطبقات في المجتمع)(5)، واستيعابه لوضعه، ووضع الناس، والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية التي يمارسونها، فهو يكتب (من الناس، لا من أجل الناس، إنه يكتب عن تجاربهم، من روحهم)(6)، ويرسم خسّة وغباء وفساد الطبقة (الفوق) بسخرية موجعة، من خلال الرؤية الثاقبة للسيد معروف، ووجهة نظره، وعن طريق الشخص الثالث، الراوي الذي (حضوره محرر من الجسد)(7)، كما قلنا، مع القارئ، أو مختفٍ عنه، لكن القارئ يحس به بشدة، وهذا ما شاهدناه منذ السطر الأول في افتتاح الرواية، عندما يعلّمنا الراوي: بجملة إخبارية عن افتتان الشخصية الروائية بالغروب، إلى حد أنه يشترك معها في إعطاء التبريرات لهذا الافتتان (للغروب فتنة لدى السيد معروف لا تعادلها فتنة أخرى في الدنيا كلها. والغروب بعد كل شيء، صار رمز حياته، حياة السيد معروف الآيلة إلى الغروب، حياته الشاحبة المتراجعة المتقلصة، المتراكضة، كالغروب نفسه – ص7-8) فالمؤلف تاه بين رحلة الحلم في المنافي والمأساة في الوطن، وبين جواز سفره غير المجدد، وجنسيته المسقّطة، فعندما حزم ذاته وارتحل، ضاع الحلم والوطن، وخاصة عندما اختار (منفاه في مدينة الحلم) (8)، فرحلة غائب / كلكامش، وصلت إلى طرق مسدودة، وأصبح الحلم من اليوتوبيات، فالمؤلف ما هو إلا نسخة أصلية من منفيي داخل الوطن وخارجه، لذا كان على غائب أن (يلبس الخيبة ويلتحف المأساة)(9)، لحين رحيله، لكنه بقي في منفاه عراقياً حتى النخاع، مسكوناً بروح مدينته بغداد وواقع وطنه ومستقبله، وهذا لا يعطينا الحق في المطابقة بين المؤلف وشخصية السيد معروف، ولكن يبيح لنا المقارنة للقيام بإظهار (المأساة الباطنية)(10)، المستمرة بين أضلاع التاريخ – الاجتماعي، والمعاناة، والغربة، والمرض، عند السيد معروف، ولنعثر على الاختلاف في التفاصيل اليومية، والحياتية، والتطابق في رؤية التاريخ – الإنساني عندهما، ومن خلال ذلك نكتشف وجوهنا، والوجوه التي تشبه وجه السيد معروف، ووجه غائب بكل وضوح، وفي أحيان كثيرة تختلط علينا الأصوات: المؤلف – الراوي – السيد معروف، ونحسبها لواحدٍ منهم، بينما هي في الحقيقة متداخلة، لأنها تمتلك وجهة نظر واحدة مضادة لوجهة نظر المميز منهم والمدير العام: (في مكاتبة رسمية لنفسك بأن تكتب تحويل تفكير.... تفكير من هذا الذي تريد تحويله ؟ الدائرة ؟ الدولة ؟، المجتمع ؟ هذا شيء يحاسب عليه القانون... هذا – ص46).

وكلية النص للرواية كلها، إذا لم تقرأ، قراءة رمزية – تأويلية، فإننا سنظل نتصور أن السيد معروف، (الإنسان النكرة، المضطهد، المحروم، عاشق الغروب)(11)، الحزين، الكئيب، المريض بالمعدة، الموظف في إحدى دوائر الحكومة، كاتب طابعة، وجملته المخيفة الخطيرة (أنا مجرد آلة طابعة – ص38)، جملة تجريدية، في الظاهر، وتفقد دلالتها إذا لم تفسر ضمن الرمزية – التأويلية، ومنظورها المستتر، وقراءتها الموازية للأخرى، لتوصلنا إلى رؤية داخلية مكثفة، لأن النصين، المقروء، واللامقروء، مصنوعان أساساً (من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض)(12)، وهذا التداخل بين النصين، يدفع القارئ إلى حيث لا يستطيع أن يفرق بينهما، وأن يعرف أيهما الحقيقي أو الضمني، لأن السيد معروف يمثل الآخر، والمؤلف من الآخر والقارئ كذلك، وهكذا (يبلغ إيقاع الرثاء مقامه الأخير، ويأخذ شكل الهجاء أو شكل الأدب الساخر في عمل روائي قصير وكثيف وبالغ في الرهافة... والمأساوية هو: " آلام السيد معروف ")(13)، وهذا ما نلمسه في كل الحوارات التي تجري بين المميز أو المدير العام مع السيد معروف، حوارات تبين مدى عمق التصادم والتضاد الفعال بينهم، وكلما يتطور هذا الصراع، يعمل على فضح تفاهتهم، وأساليبهم البربرية في التعامل مع السيد معروف، بشكل أكثر صراحة وعلانية، في العمل على قمعه، وتهميشه، ومن خلال هذا الصراع المحتدم، نكتشف أن محور الأشياء هو الإنسان، عند غائب (ولا سيما الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً – اخلاقياً)(14)، ونرى ذلك بوضوح في الحوار التالي مع المميز:

وضحك السيد معروف ضحكة، باردة قطعها الأستاذ عبد الرحيم

بجملة غامضة:

- ولكن المهم القصد والغاية... الفكرة التي تسيطر على الدماغ وتدمره.

- لم تسيطر أية فكرة على دماغي.

- سيطرت، سيطرت.

- أية فكرة ؟

- كنت تريد تغير لغة المكاتبات الرسمية.

- أبداً والله. ولكني كنت أحب أن ألطفها. وهذا أيضاً تبت منه... حتى الأخطاء النحوية لا يهمني أمرها الان.

- أخطاء ؟ هذه هي الفكرة المدمرة. كل الذين لا يعجبهم شيء، ويريدون رفضه أو تبديله قالوا إنه خطأ، ليأتوا بفكرة من عندياتهم ص43.

مشهد يصور المؤسسة البيروقراطية، ووحدانية فكرها، ووحشية أيديولوجيتها، عندما تعمل على رفض أو اضطهاد أي فكر آخر، وقمع أي تطوير أو تجديد، بل إلى حد اعتباره (فكرة مدمرة)، يجب تجميدها أو إلغائها نهائياً، حسب مفهومهم السوسيولوجي المبتذل، لأن التاريخ حسب منطقهم فوضى، وهو تاريخهم.

تاريخ القوة والنفوذ والمال والسلطة، وهذه العلاقة تخضع لجدلية مادية ولا تخضع للمنطق والرؤية الإنسانيين، ولتساعدنا في الوقت ذاته على فهم المواقف الخفية وغير المعلنة في النص الروائي، وحتمية وجود التغيير في هذه المواقف الواعية، الني ترى معاناة وآلام الناس، حتى ولو كانت في دوائر مغلقة، لأنه كلما يزداد الصراع والتفاعل في النص، يزداد وعي القارئ ورؤيته تجاه وضعه وتجاه العالم، مع ترجمة هذا التفاعل إلى فعل إنساني، يتسم بالغرابة الواقعية، الداخلة ضمن عملية فض بنية المجتمع العراقي، عبر الكشف عن الاتجاهات: الاجتماعية – السياسية – الثقافية.

ولقد رسم غائب طعمة فرمان، الجانب الإنساني على نحو شاعري، ولكن بتجسيد رمزي مخيف، غارق بالتأويل، لأن (تأويل البنى الرمزية يدفع إلى الغور عميقا على لا نهاية المعاني الرمزية)(15)، كما يقول باختين، وعلى ضوء ذلك يكون هدف القراءة هو الكشف عن الواقع الحقيقي الذي يكون خارج النص، من خلال تلاقي النصين المقروء واللامقروء، اللذين نعثر فيهما، على (العمق الإنساني مسكوناً بالآخر)(16)، وللتدليل على ذلك، نقوم بقراءة الصفحات من 110 الى 114 من الرواية، مع عثورنا على ذروة الصراع واحتدامه، المتمثل في الحوار بين السيد معروف والمدير العام، وفي هذه الصفحات تتلخص كلية النص تقريبا مع معرفتنا برؤية السيد معروف الواضحة والصريحة في موقفه من ذاته ومن العالم، المغايرة لرؤية المدير العام المزيفة تجاه الناس والأشياء، المبطنة بإلغاء الآخر، والمصادرة لفكره، واستلابه، وقمع رأيه، ولاستفاضة الحوار وطوله، سأقوم باستعارة الجمل المكثفة بالمعاني والمواقف التي تفي بالقصد وتوضحه:

- وهي مذيلة بتاريخ... حين كنت تعمل في لجنة النشر.

- لا تاريخ يا سيدي

- كيف لا تاريخ ؟

- هكذا ببساطة، لا أذكر تاريخا.

- هل أنت تنكر وجود التاريخ عليها، أم التاريخ بشكل عام ؟

- الاثنين، يا سيدي.

وضع المدير العام القلم على الأوراق مستفزاً، وقال:

- أنت مجرم إذاً، غبي، وغير وطني.

- تؤمر سيدي.

- قلت لك لا تكرر كلمة سيدي.

- أرجو المعذرة: ما هو التاريخ ؟

- أوه... التاريخ، يا بهلول. هو تاريخ الناس. تاريخ البشر.

- لا أعتقد يا سيدي. أرجو أن تسمح لي لهذا النداء اللازم. من قبل كان يا مولاي و الآن يا سيدي. ساد سيادة، هكذا اقتضى التاريخ الذي تعتبره حضرتكم تاريخ البشر، وأعتبره أنا تاريخ المميزين والمديرين العامين وملاك البيوت والمقاولين وأصحاب الأسواق العصرية، ومن شاكلهم وأكل أكلهم.

- اسكت سفيه.. هذا تلقين دعاة السوء والمشاغبين ومقسمي الناس إلى طبقات، هذا تحريف بالقيم.

- هناك ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، أو ربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل، لاتحس بالتاريخ، ولا تعترف له.

- اسكت حيوان، حشرة.

- وهكذا نفيتني بهذين النعتين من تاريخكم، يا سيدي.

ومن الملاحظ أن غائب لم يوظف التراث في رواياته السابقة نهائياً، ولم يقترب منه، أما في رواية آلام السيد معروف، فقد وظفه فيها توظيفاً عالياً، باستخدام الرموز التراثية العربية: المتنبي – المعري – الجاحظ – الزمخشري، وغيرهم.. وجاء متناسقاً، ومتجانساً، إلى حد أنه أصبح جزءاً لايتجزأ من النسيج السردي للرواية، مع اشتراكه في تشكيل جمالية النص اشتراكاً فعالاً، بالإضافة إلى إعطاء النص قوة وحيوية وزخماً في التعبير، مع العمل على تعزيزه وتماسكه، كل هذا انعكس على بنية الشخصية الروائية، وتم ذلك بكل مرونة وحرية في التشكيل السردي، واستخدام التراث كمفتاح لقراءة النص، لاستيعابه، لتحليله، لتفكيكه وإعادة صياغته، وهذا يعتمد على المتلقي، فكلما كانت ثقافته واسعة أو نشطة، فإن خياله وتأويله، سيكونان متمكنين من الإحاطة بخفايا التراث في النص.

وتصل إنسيابية استخدام التراث وعفويته، إلى حد أن يجعل القارئ يقرأ الحاضر والمستقبل بعين الماض التراثي، على وفق منظور تاريخي – اجتماعي – سياسي، كما في الفقرة التالية، التي تبين مدى تداخل الموقفين وتوافقهما وتماثلهما تجاه وضعية إنسانية معينة، من خلال رؤية تهكمية ساخرة، بين الجاحظ – السيد معروف، والزيات – المدير العام:

والجاحظ طيب الله ثراه اتقى تنور الزيات برسالة موجعة مفجعة، في الجد والهزل، ينفي عنه التهم الباطلة، ويفرق بينه وبين صاحب نعمته. أنت طويل وأنا قصير. أنت أصلع وأنا أنزع. أنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير. أنت شاعر وأنا راوية. أنت ملك وأنا تابع. أنت مميز وأنا كاتب طابعة. ص61.

ومن حق القارئ أن يتساءل: كيف نستطيع أن نقيم تجربة السيد معروف ؟ بالإضافة إلى ما عرفته آنفاً، فإنه كان يقوم بإعالة (أم عجوز، وأختان عانستان – ص25)، وإنه يمثل أو يشكل: الذات – الآخر، وهو لا يمر في حالة موجود لكنه غير مفكر، أو مفكر لكنه غير موجود، بل هو يمر في حالة موجود وهو يفكر، (أنا موجود، إذن أنا أفكر)، لكن أين يكمن التقاطع ؟ يكمن في أنه ليست لديه حرية التعبير أو الحق في طرح وجهات نظره، مفارقة حادة، أنه النموذج الملغي السائد في المجتمع، مهمش ومعزول، فقط المطلوب منه تنفيذ ما يؤمر به، والخضوع للآخر – السلطة (مؤسسات – شركات – أرباب العمل – دوائر أمنية...الخ) فهذه (التجربة تتجاوز الواقع من أجل أن تحسن الغوص في داخله، وتحسن استقصاء ما يضمره) (17)، وكشف أسرار الذات، والواقع، والمتخيل. وهنا يبرز دور النص اللامقروء – الخفي في دعم وإيضاح المقروء – الظاهر، وفي منح القارئ الرؤية الشاملة، العميقة، ومعرفة الكثير عن قصدية النص،عبر القراءة الرمزية – التأويلية، والعثور على (أن عيش اللامعقول بمعقولية جامدة وباردة، تثير الدهشة ليس من غرائبية اللامعقول بل واقعيته، بل تثير الذهول من درجة واقعيته التفصيلية) (18)، وينسحب هذا أيضاً، عندما يتناول غائب تفاعل الذهنية الدينية في بنية المجتمع، ومدى رسوخها وتأثيرها فيه، واعتبارها من العوامل التي تحكم تطور وتغير الوعي السوسيولوجي، وفي تكوين رؤيته تجاه الأشياء، يقوم بتناولها ضمن رؤية مدروسة ومحسوبة بدقة، مع تجانس في كلية السرد:

لا، لست متزوجاً. قسمة ونصيب، لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف. سر على ما كنت تسير عليه دائماً، لا تعرف، ما لا تعرفه ولا تتدخل فيما لا يجوز التدخل فيه. نعم. قسمة ونصيب. أم عجوز، وأختان عانستان. لا. قسمة ونصيب. ص25.

هذا تحليل القدري للظواهر السوسيولوجية، والأخلاقية، يدفع بهذه الشخصية – النموذج، إلى ناصية التاريخ وناصية المجتمع، (فتحس ذاتها منعدمة بالاغتراب، وتستلمح به عجزها وحقيقة وجود لا إنساني – ماركس) (19)، لكن هذا لا ينفي من كون السيد معروف – النموذج، يمتلك وعياً بوضعه الاجتماعي ومعرفته العميقة بحاضره، لأن هذه المعرفة (تعمل تغييراً بنيوياً، موضوعياً في موضوعها) (20)، وأن قوته الدلالية تتجاوز النص.

ويشمل هذا أيضاً، موقفه المتشدد إزاء المشاركة في الفعاليات التي بفرضها المدير العام على الموظفين، وبقائه للأخير رافضاً عدم المشاركة، في أي فعالية، ومقاطعاً لها، لإحساسه بزيفها وتفاهتها.

وللسيد معروف صوته الداخلي، الصوت الثاني (ينطق بلسان غير لساني – ص67)، وما لم نفهم ذلك يتعذر علينا فهم هذه الشخصية – النموذج فالصوت الثاني: هو الحوار الداخلي الموجه إلى الذات، وكأنه موجه إلى إنسان آخر، يعنفه (أسكت، يا سيد معروف. ص27)، ويوبخه (لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف – ص25)، ويستفزه (هل أنت كائن، يا سيد معروف ؟ ومن أين جاءتك هذه الكينونة ؟ ص97)، والصوت الأول يتقاطع مع الصوت الثاني في الرؤية والطرح، فالأول مستسلم، خانع، هامشي، بينما الثاني متمرد، متحفز، ويتسم باستقلاليته وعدم اندماجه، وهذا ما يطلق عليه باختين (المزدوج) في هكذا شخصية روائية، وأن العلاقة الجدلية – الحوارية المتبادلة بينهما، تزداد وتتبلور، كلما إزداد احتدام الصراع بينهما، ولتشكل البنية الحقيقية للرواية.

وعند تناولنا النص، لا يمكننا أن نغفل جانباً جوهرياً فيه، ألا هو توظيف غائب للشخصيات التراثية، والأقوال المأثورة، والأمثال، والأشعار...، التي جعلت الخطاب الروائي الأصلي، يستمد منها غايته ووسائله التي يعبر بها عنها، وفي أغلب الأحيان يوظفها بتصرف مميز إلى حد يتم فيها تغير المعنى، في محاكاة ساخرة حزينة، ولتحقيق الوحدة الدلالية الشاملة في النص، بالإضافة إلى العمل على إثراء النص وتماسكه، وتكثيف المعنى وتجسيدها، مع الكشف عن رؤية النص للعالم، من خلال عملية التناص، التي تتم فيها التحولات داخل الخطاب الروائي، وأن (التناص ينتسب إلى الخطاب)(21)، وهذا يقودنا إلى قراءة النص، باعتباره نصاً واحداً لا يتجزأ، وخلاف ذلك يعني (تشتت هويته، وتبديد أنظمته الدلالية والخيالية والإيحائية، بحيث تصير مرتبطة بغيرها من الأنظمة في النصوص الغائبة التي اعتمد عليها الأديب صاحب النص المدروس)(22).

إن جوهر السيد معروف الإنساني، يكمن في وعيه العميق بذاته وبالعالم، وحدة وعيه الطبقي (وذوو الميزانيات الضعيفة هل سيحشرون ؟ أما كفاهم حشراً في البيوت الضيقة والباصات المكتظة، والدوائر الخانقة بفعالياتها ومميزيها ومديريها العامين – ص120)، ومن خلال التصدع الذي يحصل فيه – الألم، المعاناة، السخرية، التهميش، الإهمال – يقوم غائب بإعادة خلق السيد معروف، أو بالأصح كلما اشتد عليه الضغط خرج أقوى، ففي خضم الألم يفخر نفسه مزيحاً القناع عن الوهم، وإدامة كينونته الاجتماعية – التاريخية، مع تحديد العلاقة التي تربطه بالعالم، التي بدورها تكشف لنا، العلاقة بين النص الروائي والعالم، ويأخذ التحول مداه في نهاية الرواية، والذي يعد من أرقى أشكال التعبيرية في الرواية، عندما يعلن السيد معروف أنه مستعد لمواجهة المدير العام / السلطة، ولن يتراجع عن ذلك، فكفى خضوعاً وخنوعاً، لأنه (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً لكان تاريخي).

ولابد من التوقف أمام بنية العنوان (آلام السيد معروف) وبنية الإهداء (إلى الشهداء الأحياء ممن لهم شبه بالسيد معروف)، فهذه الجمل الإشارية والمرجعية، تخلق رد فعل فوري إيحائي من قبل المتلقي عند استقبالها، منطلقة من انفعالية شعورية، اعتماداً على الإحالة إلى الواقع، ولأن هذه الإيحائية التوصيلية تجعل المتلقي يشكل صوراً ذهنية وحسية تلقائية ذات دلالات قيمية، قبل الدخول إلى عالم المتن الروائي، فأنها ستعمل على إضاءة النص بكامله، أو ستجعله يخضع لبنية سلطتها، ولتكون علامة تحفيزية، لأن المؤلف في هذه الجمل حصر قصدية كلية السرد فيها، وأن هذه الجمل ملحقة بغائب / النص اللامقروء، وبالسيد معروف / النص المقروء، وبهما تتشكل بنية النص الروائي.

 

أسامة غانم

............................

الهوامش والإحالات:

1- ال. ال. جميز، النص وما وراء النص ت: د. محمد درويش، مجلة الأقلام، العدد الرابع / تموز – آب 2001.

2- م. ن

3- د. شجاع مسلم العاني، البناء الفني في الرواية العربية في العراق، ص195، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1994.

4- عبد الرحمن منيف، لوعة الغياب، ص138، المؤسسة العربية للدراسات العربية، ط2، بيروت 2000 والمركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع الدار البيضاء، المغرب، وانظر كذك: مجلة الهدف، العدد 1134 في 31/1/1993.

5- جورج لوكاش، الرواية التاريخية، ت: د. صالح جواد الكاظم، ص432- 433، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط2، 1986.

6- م. ن، ص417.

7- مايكل. هـ. ليفنس، أصول أدب الحداثة، ت: يوسف عبد المسيح ثروة، مراجعة د. فائز جعفر، ص21، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

8- د. فيصل دراج، غائب طعمة فرمان في ذكراه الثالثة (ملف)، مجلة الهدف، العدد 1134 في 31 / 1م1993.

9- م. ن.

10- نيقولا برديائف، رؤية دوستويفسكي للعالم، ت:د. فؤاد كامل، ص19، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986.

11- لوعة الغياب، ص137.

12- رولان بارت، نقد وحقيقة، ت: د. منذر عياشي، ص24، مركز الإنماء الحضاري، دمشق.

13- د. فيصل دراج، الرواية والمجتمع المدني، مجلة الهدف، العدد 1123 في 1/10/1992.

14- الرواية التاريخية، ص184.

15- تزفيتان تودوروف، المبدأ الحواري: دراسة في فكر ميخائيل باختين، ت: فخري صالح، ص38، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

16- م. ن، ص50.

17- أدونيس، الصوفية والسوريالية، ص185، دار الساقي، ط2، بيروت 1995.

18- د. عبد الرزاق عبد، سلمان رشدي في المنظور العربي (ذهنية التحريم، صادق جلال العظم)، ص372، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ط2، دمشق 1994.

19- جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ت: جورج طرابيشي، ص133، دار الاندلس، ط2، بيروت 1982.

20- م. ن، ص149.

21- المبدأ الحواري، ص82.

22- محمد أديوان، مشكلة التناص، مجلة الأقلام، العدد 4-5-6، نيسان – مايس – حزيران / 1995.

 

عادل الفتلاويدوّامةٌ تلكَ التي يدْخلها قارئُ روايات (دان براون/Dan Brown) إذ يمتزجُ هناك القديم بالحديثِ، جماعاتٌ سريّةٌ منحدرةٌ من الأديرةِ والكنائسِ بمخطوطاتها ورموزها، في مقابلِ النشاطِ المتسارعِ للتطوّر العلميِّ الحديث، مع أحداثٍ بوليسيّةٍ غير متوقعةِ الجريانِ، يقودها بطلُ رواياتهِ(روبرت لانغدون) عالم الرموز الذي بذكائهِ يفتحُ مغاليق المغامرةِ القائمةِ على تحليلِ واكتشافِ ومعلومات كثيرةٍ يدسّها في متنِ رواياتهِ، إلى حدِّ استعراضِ ثقافتهِ العالية في مجال التتبِع التاريخيِّ للتراثِ المسيحيّ المتشعّب منذ فرسانِ الهيكل، فضلا عن سعةِ اطلاعهِ على الجماعات والأعلام الماسونيةِ والفنونِ بكلِّ أشكالها لدرجةٍ تثير الإعجاب حقّا.

بعدَ صدورِ روايته الأخيرة (الأصل/Origin) دفعتني الرغبةُ إلى إعطاءِ رؤيةٍ مجملةٍ وقصيرةٍ لأفكارهِ التي بثّها بينَ طيّاتِ رواياتهِ، ومحاولةِ اكتشافِ عوالمهِ المكتظةِ بالأسرارِ والسعي إلى تفسيرها فكأنهُ يمارسُ تفكيكا للمثيولوجيا، مستخدما خبيرَ الرموزِ والفنّ الأستاذ في هارفرد (روبرت لانغدون) قناعا وأداةً لذلك، ولا شكَّ أننا أمام رواياتٍ تحتاجُ إلى متلقٍّ لهُ اهتمامٌ بالتاريخ وولعٌ بالتراثِ والجماعاتِ الدينيةِ والغموض، ليكملَ سيرهُ في أدغالِ براون، ولاشكّ أيضا أنه سيجعل من قارئهِ مهتما بهذا التاريخ المنسيِّ ومتسائلا في الوقتِ ذاتهِ (هل ما زالت هذه الجماعات مؤثرةٌ في عالمنا؟) خاصةً أنّ هناكَ نظريةً للمؤامرةِ وسياساتٍ عالمية تقودها أيادٍ خفيّة أقوى من الماسانوية التي قرأنا أنها مجرّدُ منظمة عالميةٍ تعملُ على انحدارِ الإنسان نحو ملذّاتهِ دونَ الإحاطةِ بأفكارها الأخرى، فقد حرّكَ –براون- المياه الراكدةَ وأخرجَ –بتأثير روايتهِ- هذا التاريخ إلى السطحِ، من خلال كتبٍ تُرجمتْ حديثا تتناولُ كلّ ما لهُ صلةٌ بما بثّهُ في رواياتهِ لفرسانُ الهيكل، والمجدلية، والمعابدِ الماسونيّة، والجماعات السريّة، والرموز الدينية، والمؤامرات المقدسة، والصراع بين الدين والعلم .. الخ.

وبما أنَّ عملَ الأديب يرتبطُ بشكلٍ وآخر مع قناعاتهِ الشخصيةِ، وبيئتهِ الاجتماعيةِ والعلميّة، فقد أفاد براون كثيرا من وجودهِ بينَ أسرةٍ تدورُ اهتماماتها بهذا المجالِ بشكل مباشر فوالدهُ عالم رياضياتٍ ووالدتهُ محترفةٌ للموسيقى الدينيةِ، أما زوجتهُ بلايث فهي أستاذة في علم تاريخِ الفن ورسامةٌ أيضا وشخصيا فهو-أي براون- من المولعين بتتبعِ الأسرارِ والرموزِ ومحاولة تفكيكها، وذلك لم يتجلّ فقط في رواياتهِ التي بطلها "لانغدون"، بل حتى في روايتيهِ الأخريتين "الحصن الرقمي" التي تدور في أروقة ال(C. I. A) و"حقيقة الخديعة" التي يتعرّض فيها إلى وكالة ناسا الفضائية، وفسّرَ شغفه بهذا الاسلوب قائلا:" - أعدُّ نفسي كاتبًا يكتشف التاريخ، تثيرُ المعتقداتُ المتعارفُ عليها اهتمامي لا سيما أن جذورها ليست مرسّخةً في الواقع التاريخيّ بقدرِ ما هي مرسّخة في الإبداع البشري"، فهو حتما يجدُ أن هذه المادة التي يستند عليها مكتنزة بالتشويقِ الذي يسعى إليهِ دون أن تكونَ مبنيّة على أسس فلسفيةٍ إنسانيّةِ.

خامرتني فكرةٌ مفادها: هل هناكَ قصديةٌ في تسلسلِ رواياتهِ؟ فمن الصراعِ بينَ السلطة الدينية (الفاتيكان) والتنوير/العلم، ومحاولة نسف الفاتيكان بقوة العلم، إلى البحثِ عن ذريةٍ للمسيحِ وضريح مريم المجدلية ومحاولة منعِ انكشاف هذا السرّ من قبل منظمةٍ سريّة في إطارٍ من الألغاز والرموزِ ذاتها المستخدمة في روايتهِ الأولى من السلسلةِ، ثمَّ إلى عالم الماسونيةِ وثقافتهِ بهذه الحركةِ وإعجابهِ بها نافيا أن يكون ماسونيا بقوله:" "أحترم كثيرًا الفلسفات الماسونية وتاريخها ومبادئها إلا أنني لست ماسونيًا. كي يصبح المرء ماسونيًا، يجب أن يتعهد بكتم الأسرار، أما أنا فأفضّل أن أحظى بحريةِ الكتابةِ عن كلِّ شيء، حتى عن تقاليدِ الماسونيين واستخدامهم الغنيّ للرموز"، ثمَّ التطرّق إلى مشكلةٍ عالميةٍ هي الانفجارِ السكانيّ انطلاقا من جحيم دانتي في الكوميديا الإلهية واضعا خطّةً طبيعيةً لذلك وهي بقاء العنصرِ الأنقى جسديا، ثمَّ تكرار الفكرة ذاتها لكنّ التفوّق يأتي من خلالِ دمج الإنسان بالآلةِ وتحويله إلى كائن سوبراني كتطوّرٍ طبيعيٍّ للأجناسِ إذ لم يتوقف على الكائنات الحيّة العضوية.

ففي روايتهِ الأخيرةِ –أعني الأصل- استحضرتُ فيلم (RoboCop) ذلك الشرطي الذي أصبح ثلثي جسمه آليّا بعد إصابتهِ!! وبرأيي ليسَ هناكَ جديدٌ في فكرة براون؟ كتبَ عن أمر موجود أساسا(الإنسان السوبراني) عدا المعلوماتِ عن كنيسةِ "ساغرادا فاميليا" التي قدمها بطريقة يجيدها!!، لكنَّ ذلكَ لم يمنع من كونِ الروايةِ اتخذت الحماس ذاته بالنسبة لي كقارئ، فنرى أفكار ستيفن هوكينغ وداروين وبعض الملحدين والمتنورين واضحةً لدرجةِ عدم محاولة اختبارِ ثقافةِ القارئ لاستنباطها من خلال الرواية، ولمّحَ في لقاءٍ صحفيٍّ الى أن روايتهُ القادمة ستكونُ عن بطلهِ المحبوب له ولمتابعيهِ أيضا عالم الرموز العبقري"روبرت لانغدون" لكننا في الحقيقة أصبحنا نستطيع أن نخمّن ما سيجري الكتابة عنه، مكان جديد بالآلية ذاتها مع قصة بوليسية مشوقةٌ، وماذا بعد؟

دان براون ليس في مصاف الروائيين الأمريكيين الكبار كأدغار ألن بو، وهمنغواي، ووليم فوكنر وغيرهم، ولكن له أسلوبًا خاصًا في كتابة الرواية وهي الرواية التشويقية، وهذا النوع ينحصرُ بمرحليته فليستْ رواياتهِ من الخالدات- برأيي الخاص- إنما موجهة للجماهير ولا تنطوي على رسالةٍ إنسانيّة يستطيعُ القارئُ البحثَ عنها من خلالِ الغوصِ في أعمقها، وهو يعني ذلك بقوله: "أقوم بتأليف الرواية التي أحبُّ قراءتها وهي رواية تسلّي وتلبّي الفضول الفكري وتلهمه".

مع كلّ ذلكَ فهو روائي عبقري استطاعَ بهذا الخليطِ التاريخي، المثيولوجي، البوليسي خلقَ رواياتٍ استطاعت أن تترجمَ إلى 50 لغةً عالميةُ ويباع منها أكثر من 200 مليون نسخة.

 

عادل الفتلاوي

 

 

منذ بدء الخليقة والموت يتربّص بالإنسان ويقوّض أحلامه في عالم موعود بالغياب والفقد والتلّاشي.

موت ليس يأبه بالأحلام والأمنيات ولا يهتمّ للمواقيت ولا للمواعيد. كوحش يأتي على الأخضر واليابس.

ويحصد السّنابل الغضّة والنّاضجة لا فرق. وأمام هذا المارد الأعمى لم يجد الإنسان غير الفنّ يقارع به العدم. نحتا كان أو رسما أو نغما.

وكان الشّعر عند العرب خير ملاذ يبثّه الشاعر شجونه وأحزانه ويتصدى به صولة الفقد والغياب .فيسعى إلى تخليد الرّاحلين عبر القوافي والأاشعار

وها نحن إزاء نصّ شعريّ ...مرثية للشاعرد.جمال مرسي .... بثّ فيها عصارة أحزانه وأشجانه تخليدا لذكرى فقيده وبن عمّه

"رحمك اللّه يا هشام "

القصيدة رغم حداثتها استجابت لرّوح الشعر العربي الصّميم واستبطنت بنية المرثية العربية التقليدية والتي يتوزعها التفجع والرثاء والعزاء او السلوان ,لان الموت في نهاية الأمر يبقى مستجيبا لقوانين انسانية تقتضي أن يملكنا الجزع والحزن لفقد من نحب ويحتم علينا التذكر ان نسرد مناقب الفقيد وماثره .ولابد في نهاية الأمر من الّببر والتّسلي لأنّ الانسان كائن هش لا حول له ولا قوة أمام جبروت الموت وصولته..واذا تأملنا القصيدة ألفيناها قابلة إلى مقاربات شتى .

فالقصيدة يتوزّعها معجمان بيّنان

الأول ينتمي إلى السّجل الوجداني الإنفعالي من قبيل"أشكو...أـشتكي حزني .. الحرمان... الأسى ...دمع العين ...دماء تسفك. تفجعني. بحور ادمعنا ..ادمى الأسى الجمر"...

أمّا المعجم الثاني الذي حذا فيه الشاعر حذو أسلافه من الشعراء المفجوعين الرثاة فهو معجم التأبين أي ذاك الذي يهرب فيه الشّاعر من لحظة الحاضر الموسوم بالفقد إلى الماضي المطبوع بالحضور وفيه سيجد الشّاعر ملاذ التّذكر والامتلاء الوجداني بما يعدّده من خصال المفقود ,خصالا من شأنها أن تخلّده وأن تجعل منه أيقونة قيّم ومُثُل لا تبيد وهذا بين نلمسه في ذلك الانتقال الزّمني من اليوم إلى الأمس....

بالأمس قد غرست يمناك بذرتها

واليوم نحصد ما خلفت من غرس

واذا تأمّلنا الصّورة التي رسمها الشّاعر للفقيد ألفينا المعجم ينهل من معين أخلاقي صرف وهو ما يضمن لسيرته التّواصل والخلود.

فهو لئن باد جسدا فإن بستان أخلاقه ظل مزدهرا رييّنا يهرب رواءه للناهلين

اللّسان رطب بالاذكار متعفّف عما يشين

والنفس مترفعة عن الصغائر ما يرتقي بها لتعيش بجوار النبيين والشهداء

والخير هو النذهج الذي اختطه لنفسه لبس يحيد عنه ابدا.

وما كان الشاعر لينسى أن يضمّد جراح نفسه وشعره بما يسمّى عزاء في قصيدة الرثاءوهو قسم بطول ويقصر ويأتي عادة بعد التأبين ,وهو ترجمة عن واقع الحال البشري ازاء الموت ذلك ان التّفجّع مهما كانت حدّته وسوْرتُه فإنه لا يدوم وما على الفاقدالا أنْ يتأقلمَ مع رحيل مفقوده لأن ذلك من سنن الوجود

والموت ما هو الا الوجه الآخر للحياة لذلك لا بد من الصّبر والاصطبار وهو ما نلمسه في قوله

"أستغفر الله قد ادمى الاسى لغتي. "

وفي قوله أيضا

"ليس اعتراضا على أقدار من خضعت

له الجبابر من عرب ومن فرس"

ويبلغ التّأسي ذروتهَ عندما يتحوّل البكاء والنّشيج إلى دعاء بالرحمة في ثقافة إسلامية وعدَتْ بالنّشور وجنّات النّعيم خاصة لمن زرع بذور الخير وظلّ لسانُه رطبا بالذّكر كحال الفقيد.

لكننا نلمس ان التّفجّع ظل يصاحب الشاعَر لم يغادره في مختلف اقْسام النص وهو ما يعبّر عن منزلة المرثي في نفس الراثي .

فرغم محاولة الشاعر ركوب صهوة العقل والتبدي بمظهر الحكيم المؤمن بقضاء الله وقدره فإن القلب ظل جذابا له مسيطرا على معجمه المفعم بالمشاعر والأحاسيس

.

لَــكِـــنَّـــهُ الــفَـــقـــدُ للأحبابِ أرَّقني

و وَقْــعُ آثَــارِهِ كالجمر فِـــي نَـفـسِـي

فالمقطع يشوبه احساس موجع والكلمات التي استعملها الشاعر نابضة بالأسى ..

فعندما يكون للفقد آثار الجمر في النّفس يعي المتلقي عمق حزن شاعرنا ايزاء هذا المصاب الجلل

بِــالأَمــسِ كُــنـــتَ أيا ابن العمِّ تؤنسنا

و اليومَ نحيا على ذكراكَ بالأمسِ

وعندما يُدوي الفقد والغياب ويستأثر "اليوم "بما حفل به الأمس تصير ذاكرتنا في الغائبين والرّاحلين زاخرة من معين متدفّق بهم ..

أختم بالقول أنّ مرثية د.جمال مرسي في بن عمّه قد استجلت الحس والشعور المرّ بالموت والفقد ..واعتبرها من اقوى المراثي التي أشاع في مقاطعها فيض حزنه وشجنه بما أكسبها بذاخة الوجع ....

رحم الله فقيدكم شاعرنا القدير ..وإنّا لله وأنّا إليه راجعون

 

منوبية غضباني – تونس

..............

للاطلاع على القصيدة

 ياموت / جمال مرسي

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/946306

 

 

حسين فاعور الساعديللدكتور الشاعر صادق السامرائي

الدكتور الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة الطويلة، بالمقارنة مع مقالاته الفكرية الشيقة والقصيرة، يتناول قضية العقل أو المعرفة أو العرفان لأنها هي التي توحدنا أو من المفروض أن توحدنا وتجمعنا وهي سبيلنا الوحيد لإرساء العدل والمساواة:

تَجَلّتْ وحدةٌ فينا وبانَتْ

بأنوارٍ مُشعشعةٍ تنامَتْ

 

فأغْرَتْنا بروح الحقّ شوْقا

لصادقةٍ مقاعِدُها تساوَتْ

لقد تطرق شعراء كبار لقضية العقل أو المعرفة في الشعر العربي كابن العربي وأبي العلاء المعري وأبو نواس وبشار ابن برد وغيرهم. لكن التطرق لها في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه له أكثر من معني وينطوي على أكثر من دلالة. فأمتنا العربية تتعرض لعملية إلغاء ممنهجة للعقل ولكل ما يتعلق به واستبداله بالغرائز والنعرات التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتحوله إلى حيوان سيء يقتل أخاه وجاره ويأكل لحمهما. والأبعد من ذلك يسهل توجيهه وتجنيده حتى ضد نفسه.

قوى الشر لتحكم سيطرتها على شعوبنا عمدت إلى تجريدها من أغلى ما تملك وهي جوهرة العقل التي لا تُقدّر بثمن. العقل الجمعي لهذه الأمة تم تغييبه تماماً لتحل محله الغرائز والنزوات التي قادت إلى صراعات دامية ومذابح لا يقبلها العقل:

صِفاتُ الذاتِ جَوْهرُها جُمانٌ

أحاطتْ كلَّ موجودٍ ودامَتْ

 

رأى نورا بهِ الأنوارُ تُسْقى

فما بَصَرَ الغيوبَ وما أجادَتْ

 

أ يُعْقلُ عَقلنا والنفسُ تهْوى

ودونَ العَقلِ أهْوالٌ توالتْ

 

وأوْهامٌ على وَهَمٍ سَتُلقى

بأفكارٍ مُألّسةٍ أغارَتْ

 

وكيفَ الوعيُ مُرتَهنٌ بحَدٍ

فوَعْيُ وجودِنا حُجُبٌ تسامَتْ

عندما يذهب العقل تبرز الأهواء والرغبات. وعندما يذهب العقل تتوالى الأهوال وتعم الأوهام وتضيع الأهداف ويسهل الاستهداف والاستهبال. والأصعب من كل ذلك تتحول الأمة إلى قطيع يسهل التحكم به والسيطرة عليه. فالعقل هو الذي يستفسر ويسأل ويناقش:

وإنّ الأيْنَ مِفتاحٌ لكشفٍ

بباصرةٍ أحاطتْ واسْتنارَت

التغريب واضح وجلي في هذا البيت وهو الأسلوب الذي اختاره الشاعر لهذه القصيدة التي أراد بواسطتها أن يهز النائمين الخاملين ويحثهم على النهوض.

فهلْ تدري وكونُ الكونِ يَفْنى

خلائِقُها بأخْلاقٍ أطاحَتْ

في هذا البيت يلجأ الشاعر إلى الانزياح ليزيد من جماله وليمرن المتلقي على التفكير وتشغيل عقله. في الحقيقة كل القصيدة مزركشة بالتغريب والانزياح والعدول مما زاد من جمالها وفي نفس الوقت من وقعها الصادم على المتلقي.

تَلاقى كلُّ مَوْجودٍ بآتٍ

كساطعةٍ مِنَ الأقْمارِ عانَتْ

 

أ يَذْهبُ خَلقها هَدْرا هَباءً

بكارثةٍ على أمَمٍ تداعَتْ

العقل هو الذي يسأل وكلما سأل كلما ازداد توهجاً. والعقل هو الذي يضع الضوابط أو الأخلاق فإذا ذهب العقل ذهبت  الضوابط وضاعت الأخلاق. والأمة التي تفقد أخلاقها تفقد ذاتها، تضيع وتتوالى عليها الكوارث والنوائب.

الأبيات المقتبسة أعلاه جميلة جداً لما فيها من تكثيف وحث على تفعيل العقل وشحذه بشكل متواصل ليظل منيراً وملماً. كما أن الانزياح في هذه الأبيات ناعم سلس ورائع وجاء ملائما لموسيقى القصيدة الهادئة الراقصة. الموضوع فلسفي عميق يطرع السؤال الكبير: هل تدري هذه الخلائق وهي تطيح بأخلاقها أن هذا الكون فانٍ وزائل؟ لو درت لما أطاحت بأخلاقها وهي أعز ما تملك.

ليس المستعمر والأجنبي لوحده من يعمل على مصادرة العقول وتجفيفها بل هنالك ذوي القربى من الملوك والسلاطين والحكام الذين يخافون العقل فيجهدون في كبته وتغييبه:

وطغيانُ العروش بها تمادى

ودائرةٌ بنا رَحُبَتْ وضاقَتْ

العقل أو المعرفة هو السبيل إلى معرفة الله. ومعرفة الله إذا حصلت بالعقل والمعرفة فهي الطريق إلى الاستقامة والمحبة والعدالة أما معرفة الله بالغريزة والنزوة فهي الفئوية والطائفية التي تنجب الضلالة والخطأ والظلم. وما كل هذه الحركات التكفيرية والطائفية والفئوية إلا نتاج هذه العلاقة الغريزية مع الله والبعيدة كل البعد عن سلطان ومنطق العقل والمعرفة:

هو الله الذي عَظمتْ عُلاهُ

كأنّ الروحَ إنْ تلقاهُ آبَتْ

 

تقاسَمتِ البرايا كدْحَ طوْعٍ

بإنصافٍ وإجْحافٍ توارَتْ

 

أ مَقهورٌ بقاهرةٍ لفَحْوى

كأنّ القهرَ أقدارٌ أصابَتْ

 

وقهّارٌ بأقْهَرها شديدٌ

عظيمُ العزّ في سُتُرٍ تعالتْ

 

لطيفٌ صانعٌ خَلقا وخَلقا

لطائفُ صُنعِها وَهَجا أثارَتْ

 

عليمٌ إذْ يَراها في دُجاها

كأنملةٍ بأقبيةٍ تخافَتْ

 

وينظرُها ويُطْعِمُها فرادا

ويُحْصيها وإنْ كثرتْ وزادَتْ

 

وإنّ الأرضَ مِعيارُ اكْتيالٍ

وكائنةٍ بأكوانٍ تصادتْ

اللقاء بين الله والروح يؤدي إلى التوبة والاستقامة. والعقل يلغي الظلم ولا يقبل به. وبالعقل تتم المساواة والعدالة ويتم إرساء النظم والضوابط أو الدساتير. وتنشأ العادات والتقاليد الحميدة التي توطد الأخلاق والقيم "فالأمم الأخلاق" وعندما تذهب الأخلاق تضيع الأمم ويصير حتى الأديب والشاعر يضرب بسيف السلطان الظالم والجائر ويتغاضى عن جرائمه بل ويدافع عنها.

الطباق والجناس قي هذه الفقرة جاء بارعاً وموفقاً. زادته جمالاً موسيقى القصيدة. كما أن التكثيف الموفق زاد من عمق الطرح لقضايا فلسفية كبرى: كخلق الله للإنسان وعلمه بظاهره وباطنه، وخلقه للكون بما فيه من اختلاف وتنوع.

هذا الإيمان بقدرة الله وعدالة رعايته وقسمته يمنح الإنسان الطمأنينة والاستنارة بسلطان العقل المقر بقدرة الله وسلطانه. فيبتعد عن الجشع ويأنس بالقناعة.

قلوبُ العارفينَ لها شروقٌ

بها الأنوارُ قد حفّتْ وطافَتْ

"ويخشى اللهَ من عباده العلماءُ" لأن العالم او العارف قلبه مضاءٌ بالأنوار التي تشع لتنير ما حوله أيضاً. والعلم أو العقل هو الطريق إلى معرفة الله والاستنارة بنوره.

فهُمْ رَعَدٌ وبَرقٌ مُستهامٌ

يريدُ بزوغَها أنّى تزاغَتْ

العارفون هم البرق والرعد الذي يبشر بالمطر ويريد بزوغ الشمس مهما كان ميلانها.

لنَسْعى نحوَ ستّارٍ حَليمٍ

يُبشّرُنا بخالدةٍ أكالتْ

دعوة خالصة ومخلصة إلى العودة إلى الله، الذي يبشرنا بالخلود لحلمه ورحمته بنا.

ونقرعُ بابَ غفّارٍ كريمٍ

يبرِّؤنا لأنّ النفسَ ساءَتْ

عودة حقيقية إلى الله بقرع بابه ليغفر لنا كل السيئات التي اقترفتها نفوسنا الأمّارة بالسوء.

حَوائبنا بميزانٍ قَسوطٍ

فما خَسِرتْ ولا كيلٌ تطاغتْ

ذنوبنا وخطايانا ستوزن بالقسطاس المستقيم الذي لا يظلم أحداً.

يُسَبّحُ كلُّ مَوْجودٍ بإلاّ

وذرّاتٌ بمَحْمودٍ تبارتْ

 

دموعُ غيومِها هَطلتْ فأحْيَتْ

كوامِنَ بذرةٍ سألتْ وتاقَتْ

كل ما في الكون يسبح بحمده ويتبارى في ذكره لتنهمر الدموع كدموع الغيوم التي إذا هطلت ربت وتحركت البذور التي كانت تنتظر وتتوق للنمو. حتى مع البذرة الكامنة في التراب يستعمل الشاعر فعل التساؤل كبداية للحياة وهذا يرمز إلى أهمية السؤال في تشغيل العقل وحثه على العمل وهو ما تحتاجه امتنا الخاملة.

تعشّبَ تُربُها والزرعُ يَسعى

بمثمرة لمَسْغبهٍ أجابتْ

بعد المطر تنبت الأعشاب. الفعل "تعشّب" جاء موفقاً ومعبراً. وتثمر الأشجار لتسد رمق الجائعين.

تجاوَبتِ الأيائكُ في نُواسٍ

تغرّد لحنَ أطيارٍ تشادَتْ

ومِنْ نفحاتها عَبقٌ عَذيبٌ

يُخلّع كنهَها وبهِ اسْتعانَتْ

وتتحرك الأيائك لتسبح وتغرد في ذكر الله كالطيور وتبث نفحات استعانتها بالله. في هذه الأبيات يذلل الشاعر اللغة ويصوغها من جديد لتتحمل ما أراد التعبير عنه من مفاهيم فلسفية صوفية روحانية عميقة.

تباركَ ربّنا بعَجيبِ كوْنٍ

تُسيّرهُ مَقاديرٌ أحاطتْ

تبارك الله أحسن الخالقين الذي أبدع هذا الكون العجيب الذي تسيره القوانين والأحكام والمقادير التي تشمل وتحيط كل شيء.

فهلْ عُدنا إلى الإحسان فيها

بصالحةٍ لإعثارٍ أقالتْ

 

ورغْمَ الحبّ فرّقنا لحبٍّ

يوجّعنا بداهيةٍ أغارتْ

 

تهجّرَتِ البرايا واسْتهامتْ

فلا وطنٌ بهِ الأقطارُ فازتْ

 

وإنّ القلبَ مكلومٌ بتيمٍ

ونبضُ وجودهِ جدواهُ خابتْ

في هذه الأبيات المقتبسة أعلاه يدعو الشاعر إلى الإحسان وفعل الخيرات. إنها دعوة الفيلسوف المؤمن بالله من خلال سلطان العقل وليس من خلال كونه ممثل الله على هذه الأرض كما يفعل المتسترون وراء الدين. فغياب العقل أبعدنا عن الله وأدى إلى العثرات وتهجير الملايين وبينهم العلماء من أوطاننا العربية. وهكذا خسرنا الأوطان وجرحت القلوب المتيمة بالمعرفة وحب الله.

أذِقْني يا إلهي بعض عَفوٍ

فإنّ نفوسَنا ولعَتْ وشانَتْ

إنه اعتراف المتصوف المؤمن بذنبه، كاعتراف النبي يونس وهو في بطن الحوت "...سبحانك إني كنت من الظالمين".الآية 87 سورة الأنبياء. ما أعظم هذا الإيمان.

أنيسُ الروحِ مَحفوفٌ بنورٍ

وإنَّ الروحَ مِنْ رَمَضٍ تساقتْ

التورية في هذا البيت أعطته أبعاداً مختلفة ودلالات تشحذ ذهن القارئ وتحفزه على التفكير والتأمل. من يسامر الروح تحفه الأنوار. الروح التي "من رمض تساقت". فالرمض قد يكون الحر الشديد وقد يكون المطر الذي يسبق الخريف. وتساقت قد يكون شربت أو تبادلت السقي وقد تكون تبادلت الحرب أيضاً. إمكانية التأويل هي أحدى ميزات الشعر التي تجعله يختلف عن الكلام العادي.

ومِنْ سُلاّفة الوْجد ارْتَوَيْنا

فكمْ أعْطتْ إذا عُصِرَتْ وسالتْ

الوجد والشوق إلى المعرفة التي هي العقل الذي هو الله هي التي تروي النفوس الظامئة إلى المزيد من المعرفة أي إلى المزيد من العقل أي إلى المزيد من معرفة الله والتقرب إليه. "سُلّافة" في اللغة البدوية هي الحكاية او القصة أو الرواية...لا أدري!

بتقصيري وجَهلي وافْتِقاري

كبوْتُ مُغفّلا فدَجتْ وخابَتْ

إنه اعتراف الناسك المتصوف الذي يرى الله نوراً ويرى المعرفة نوراً والجهل دجى وظلاماً وخيبة.

غفورٌ أنتَ رحمانٌ رحيمٌ

فكنهُ سلوكنا رُغَبٌ أعالتْ

الرب غفور رحيم رغم تصرفاتنا النابعة من الرغبات والنزوات.

تعالى الله عن رفدِ الرزايا

تُصنّعها مُؤمّرةٌ أشارَتْ

 

كأنَّ العقلَ موؤدٌ بغيبٍ

فما عَقلتْ ولا يوما أثابتْ

 

فكيفَ عِقابُنا والعَقلُ مُلغى

وكيفَ ثوابُنا وبنا تهاوَتْ؟!!

هي مناجاة المتصوف العالم المفكر الذي يؤمن أن الله لا يحث ولا يبارك الأخطاء والجرائم. ويتساءل كيف سيعاقب الله من عطل عقله وألغاه ومن ناحية ثانية كيف سيجزي من هوى في ظلمات المعصية والجريمة.

الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة المناجاة يغوص عميقاً في النفس البشرية المريضة  ليشخص الداء لإعطاء الدواء. وقد نجح في وضع يده اللطيفة الحانية على مواطن الوجع. الجسد العربي مريض بداء الجهل ودواؤه هو المعرفة. الجسد العربي مسلوب الروح مشلول العقل والدواء هو التساؤل والمزيد من التساؤل في كل شيء وتحريض العقل على العمل. العقل العربي الذي صودر وألغي واستُبدل بالغرائز المتوحشة التي تسترت بالدين السمح والحنيف لتنقض على كل ما هو جميل في وطننا. تركنا الإيمان بالله الذي هو الأصل وتبعنا المذاهب والطوائف التي هي فروع، فأفسدنا كل شيء. تجاهلنا قوله سبحانه: "فقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..." الآية 29 سورة الكهف. ونصبنا أنفسنا قضاة نقرر ذبح هذا ونفتي بقتل ذاك.

 

حسين فاعور الساعدي

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس*

ترجمة: د. صالح الرزوق

حينما اكتشف باتريك "زوجا من الأبواق القديمة" في المشهد الافتتاحي من رواية "النفور"، تضاعف انتباهنا بطبيعة إدراكاته وعلاقاته الأولية.  أولا حرض وجود "ساكسوفونات إنكليزية من فترة غابرة" ذكريات بعيدة عن "رغبة سرية عند البطل" ليكون رساما. وتحول تصوير الأشياء المادية  لتكهنات عن إمكانية أن تكون فنانا. وهذا ما يبدو واضحا في تركيب واتجاه الحكاية. فقد بدأت الجملة كما يلي: “الأنابيب أشياء غريبة بنظر باتريك وتترك لديه انطباعات عجيبة". أما نصف الجملة الثاني فقد عدل النصف الأول، ولم نعد ننظر للأنبوبين كأنبوبين، ولكن كوسيط يحرك إدراك وخيال باتريك. و"الغرابة" هنا شيء يعود على باتريك، لا على الأنابيب. الأمر الذي يدفعنا للتكهن والتخمين حول حقيقية هذه الأنابيب – بتعبير آخر ما هي الغاية الفعلية منها. يمكن النظر إليها كشيء استعمله الكاتب بسياق إستاطيقي قبل أن يتحول لهوية فعلية "محددة" (كما في قوله: الأنابيب العادية التي يستعملها السباك أو الكهربائي). وحتى قبل أن يقرر شراء البوقين، وقبل أن يعنى بوصف تفاصيلهما المادية، يقوم باتريك بإجراء اختبار "في خلفية" مركز الفنون المحلي. وهكذا يحتل الأنبوبان موضعا وسياقا بين الأشياء "العادية" و"الاستاطيقية" منذ أول لحظة في النص. وتراوح هذه المعاني بمكانها طوال أحداث الرواية. وحينما يعود باتريك للظهور مع البوقين يجذب انتباه زملائه في العمل فيرفعون حواجبهم من الدهشة، ولا يجد شيئا للتوضيح غير أن يقول:”من الآن وصاعدا سيكونان معي في كل مكان"، ولا يوضح أو يحدد كيف.

كان البوقان لغزا  له احتمالات جمالية ويطبق باستمرار ضغطا تفرضه الأشياء العادية والعملية. وبتأمل مشروعه نصف الواعي، الهادف لـ "تحويل الأشياء المنتجة تجاريا إلى أدوات جمالية"، يعتقد باتريك أن "أي شخص يمكنه النظر للأنبوب بطريقته ويتمنى لحامله حظا طيبا". ووبتقديم الأنبوبين بشكل أدوات موسيقية وليس صناعية يخلق "مسافة" تفصله عن الواقع المادي، وهو ما يقود لخلق سوء تفاهم  وعدم ثقة،  أول الأمر، بين باتريك وبين (أدوات الخلاص والهروب). ولكنه بالتدريج، أثناء العزف والتجريب، يشعر بالتحرر من حالته الداخلية الخانقة. ويفتح الباب لوعيه الباطن للانطلاق والتعبير عن ذاته ويستخدم الطقوس الفنية للتصعيد، يقول: ادخل إلى أعماقك يا قذر. اعزف بهذا الملعون قبل أن يمر الوقت وينقضي. ولكن ما يجري أن باتريك يرفع الأنبوب لشفتيه ويغلق جفنيه، وينفخ بصوت عميق وطويل، صوت واحد وحسب، يضغط شفتيه، ويحكم إغلاق جفنيه، فتنبع الدموع فيهما من الزوايا، كما يحصل عندما تبلغ منتهى السعادة والتأثر، شيء ما ينبع ويسيل من داخله ويحرر كتفيه من الأحمال الثقيلة التي تضغط، ثم يخف التوتر الفظيع الفظيع جدا، ويتخلص من ذلك الشقاء، شقاء نفسه، من جلد ومعاقبة نفسه، من هناك فقط، من هناك، هناك، يتابع ويتابع، يمكن أن تقول لمسافة قريبة، ليس لامتناهية، لكنها مسافة..”. مثل هذه القدرة على تصعيد المساحة الجمالية – التعليق المؤقت لما هي الأشياء عليه -  يفسر أيضا علاقة الأنابيب بالحرية والاحتمالات والخلاص. كما في قوله: (“وأنت تنفخ بهذه الأنابيب كل شيء يكون ممكنا . كلا!.  بل يصبح احتمالا!”).

لو أن الأنابيب (يقصد البوقين) راوحت بين ما هو مؤكد وصدفة – ولنتذكر أن باتريك عانى في البداية من "طبيعتها" التي تزيد  أو تقلل من “إحساسنا بمعناها الحقيقي” - فإن المعنى الجمالي والممكن جعل “المعطى والمحدد” فوق أي تشابه وتكرار يمكن أن يقود لشلل المعنى. وتحقق ذلك بواسطة المبالغة المقصودة: تكرار النغمة لفترة طويلة حتى تتحول إلى صوت مسموع يلغي كل ما عداه. هذه المسافة المتعمدة (“كان أشبه بفضاء للتنفس، ما صدر عنه”)، تعلق الحقيقي المقصود بذاته من خلال الاستغراق في خصوصية حسية، وهو شرط مسبق في أعمال كيلمان ويمهد به لعدة احتمالات مفتوحة وغير مغلقة وبالتالي لتحقيق شيء من  الحرية. والتفكير بـ "شيئية" الأنابيب نفسها يشكل جزءا من هذا الوعي (كما في قوله:“ولكن ماذا عن الأنابيب؟. هل هي أشياء؟. هل الأنابيب أشياء؟")، وذلك بلغة تسبب تحريضا يشبه أثر لوحة رينيه ماغريت المسماة "خيانة الصور / 1928 - 29)"، حيث كتلة من الصور لأنابيب "عادية" يقابلها عبارة تقول: Ceci n’est pas une pipe (هذا ليس أنبوبا). وهنا لا تتطابق الكلمة والصورة و"الشيء". وهذه العبارة صحيحة حرفيا، باعتبار أن المومأ له  لوحة وليس أنبوبا حقيقيا، ولكن حسب بروتوكول التمثيل الصامت إن التعبير الفني يكون تجريبيا وغير حرفي. إن فضاء اللوحة تصوري  حتما. وهكذا هو الحال مع الكتابة. علينا أن لا ننسى أن النصوص مركبة من إشارات، ومختلف أشكال التأثيرات الواقعية في كتابات كيلمان (ومن ضمنها الصوت) هي من نتاج التحوير :”وعلى نقاد ومتابعي الفن أن يلتزموا بالحذر… فكل التقنيات تعتمد على الاستعارة".

هناك نوع آخر من المشاكل تفرضه على الفن القواعد الاجتماعية التي تعتمد على التعبير باللغة. ففي موضع آخر من رواية "النفور" يطرح كيلمان مشكلة الكلام الفني – وذلك بالإشارة لنص حديث من العشرينات. يقول: "أنا دويل النافخ بالبوق. أنا أنفخ. أنفخ مثل دويل لأحيي سيرته. وحكاية كافكا عن أنثى صغيرة وجميلة،وهي بالتحديد فأرة مطربة ومتكبرة، قصة مدهشة، مدهشة، مدهشة حقا، ولكن فلتحل علي اللعنة إن كنت أتذكر لماذا. لقد نسيت”.

وكلام كيلمان هنا عن قصة "يوسفينا المغنية" (1924)**، آخر قصة أكمل كافكا كتابتها. وفيها اتكال على الفن الشعبي الذي لا يختلف عن بنية الكلام العادي: فـ “النفخ" رمز يدل على مصادر وهويات متعددة، ولكنه تحديدا "أداء" أفراد طامحين لبلوغ الكمال الفني والتميز. ومن خلال سلسلة من التأملات الطويلة حول هذا الفن "ينسف الراوي في قصة كافكا كل ادعاءات يوسفينا بالتفوق ويشير لشيء تختلف به عن غيرها، وهو أن أداءها عادي جدا بل مبالغ بعاديته. وحين نكون بين الأصدقاء والأقارب نعترف بصراحة أن غناء يوسفينا ليس أكثر من العادي. ونتساءل: هل هو فعلا غناء أصلا؟… ألا يمكن أنه مجرد صراخ؟. والصراخ شيء نتقنه جميعا، وهو فن حقيقي نشترك به، وربما هو ليس فنا ولكنه مجرد دليل على أننا أحياء. كلنا نصرخ ونصفر، وليس بيننا من يحلم أن يقول عن صراخه إنه فن… وإذا جلست أمامها، لن تجد أنه صراخ فقط. ولتقدر فنها حق قدره من الضروري أن لا تكتفي بالاستماع لها، ولكن أيضا عليك أن تنظر إليها وتراها. وحتى لو أن صوتها هو صراخنا اليومة المعتاد، تبقى هناك قبل كل شيء هذه الفكرة الغريبة التي يجب أن تفكر بها، أنه هنا شخص  يحيي حفلة ويغني أغنية نعرف كيف نؤديها جميعا، فهي صراخ وصفير".

وتفترض سياسة تصوير هذه العقدة من الأفكار ـ أنه “إذا كانت يوسفينا هي المغنية المحبوبة في وطن الفئران، ألا يقلل من شأن تفردها هذا المكان الرمزي؟. فهي لا تبدو مغنية بقدر ما هي مظلة يلتئم شمل الجماعة تحتها... فهذا الصراخ، يرتفع كلما رغب الناس بالصمت، ولذلك هو أشبه برسالة من الشعب لكل شخص على حدة”. ولاحظ أن أساس هذه الرسالة اجتماعي وليس شخصيا. وهنا، لا مجال للتعبير بالمعنى الرومنسي - ولا يوجد مساحة يمكن للـ “صوت” فيها أن يكون ذاتيا أو له صبغة غريبة.

صقل الهوية الذاتية بلغة المجتمع تمنع كما يبدو كل أشكال الاغتراب. ويوسفينا خلال بحثها عن "اعتراف دائم" بفنها تهدد "باختصار تنوع السلم الموسيقي لألحانها". وهنا يقول السارد: بافتراض أنها طبقت تهديدها، لم ألاحظ أي تأثير له على الأداء". ويوسفينا "تنكر أي علاقة بين فنها والصراخ العادي"، ولكن قوتها الاجتماعية الغريبة تنبع بالضبط من فشلها الفني. يقول السارد أيضا:”إنها تؤثر بنا  وهو ما يحاول المغني المتمرن جهده أن يقوم به  ونجاحها يتأتى لها من اتباع أساليب مناسبة". وهذا الجو المغرق بالجماعية "أو النحن" لا يمكنه أن "ينتعش" أو يتطور وفق منظومة أسلوب إفرادي. و"مجتمعانيته" الشمولية لا تترك مجالا للتميز.

***

هذا تصور كابوسي عن الكلام الفني الأصل الذي له "جذور عميقة".  وهو ما يرفضه كيلمان. ففنه محاولة لاكتشاف عناصر السيادة والحرية في واقع محدد، ولا علاقة له بإنتاج هذين الشرطين موضوعيا. وفنيته تلح على الإخلاص للحقيقي – وفي بدايات رواية "النفور" يلوم باتريك نفسه "لأنه ركز جوهريا على أشياء ذات قيم أصيلة، أشياء أصيلة فعلا، ذات معنى مادي وحقيقي" – ولكنها لم تتورط بعالم حقيقي موجود بذاته. والتحدي، الذي لا يقوم به أي بطل من أبطال كيلمان، يتلخص بعدم الدخول فيما – يتطلب جهدا عاليا لتحويله،أن تخلق ظرفا مختلفا باحتمالات تنبع من داخل واقعه الحقيقي. إن العنصر الجديد فيما هو معروف وشائع، أو غرابة الشيء الحقيقي – هو العنصر الجمالي الذي بنى عليه كيلمان سياسته اللغوية وواقعيته. وما يبدو أنه حقيقي Verisimilitude – أو كما يتعمد كيلمان أن يكتبه بتهجئة مغلوطة " حاقيقي versailintude" – هو ثاني شيء غريب في عملية الكتابة الإبداعية، وعن ذلك يقول كيلمان:”كيف يمكن أن نقول إنه خطأ مع أنه جزء مني، ولماذا لا ننظر له كتعبير جديد جدا عن الإبداع".

 

.....................

**تم تدقيق الترجمة الإنكليزية بترجمة خالد البلتاجي من التشيكية للعربية. الأعمال الكاملة لكافكا. ج2.

*باحث اسكوتلاندي متخصص بعلاقة السياسة مع الأدب. أستاذ في جامعة سترلينغ. والترجمة من كتابه "دليل جامعة إدنبرة لعالم جيمس كيلمان".   

    

حياتك بحر، صانع الإرادة فيها بوصلة، ولْيَكُنْ موطئ قدميك سفينة. أما مُضِيُّك في هذه الفلاة، فلا يختلف عن رحلة بَحَّار استهوته مغامرات عالَم البِحار..

عن البحر والحيتان، عن محيطات النسيان التي تسافر بالإنسان مما هو عليه إلى غير ذاك الذي كان، عن عناقيد الصبر الواعدة بشيء من الفرج حتى حين، عن غَدٍ لا يكاد يستبين، عن مساحات الصمت الغارقة تحت الماء، عن فائض الأهواء التي تجدد بَيعتها لعقيدة السماء، عن ضوء وظل، عن صمود لا يكلّ، عن النصف غير المضيء لقمر الأيام، عن مجاديف الأحلام، عن المسافة الضيقة بين داخلك والباب، عن مطر المنى وفاكهة السراب، عن كل هذا يحكي لك المغامِر الجميل هيرمان ميلفيل Herman Melville.

وأنتَ على مشارف مدينة الكتابة عند الروائي والكاتب والشاعر الأميركي هيرمان ميلفيل، لا شك في أنك ستستحضر عنوان "موبي ديك Moby Dick"، إنها الرواية الحالمة التي تَشهد بأسرار البحَّارة وأغوار البِحار بين قِلَّة صبر الزمان وثورة الحيتان..

كُلّ تلك العوالم الزاخرة التي تنبض بها رواية المغامرات البحرية تلك (بما استحضرته من فطنة كاتب لا يَخونه الخيال) لن تُصَدِّقَ يا صديقي أنها قد بخلت على هيرمان ميلفيل بالاعتراف، فإذا به المسكين لم يَجْنِ شيئا من ثمار التنويه ولم يحصد شيئا من سنابل النجاح..

كل ما يُذكَر هنا هو أن "موبي ديك" أو رحلة المغامرة البحرية تلك لم تَعد على صاحبها بنصيب من الفضل إلا بعد وفاته بزمن..

ولا غرابة أن يحدث مع هيرمان ميلفيل ما سبق أن حدث مع عمالقة الكُتَّاب والمبدعين والمفكرين في أزمنة سابقة، فلا أحد منهم قد نال شيئا من الشكر والتقدير إلا بعد أن جثم الموتُ وانتشل الروحَ من الجسد كما لن ينجو من ذلك أحَد..

ما قلناه عن مصير كتابات "نيتشه" العبقرية، ومنها "هكذا كلمني زرادشت"، سنقوله عن درر نوابغ رجال الفكر والأدب، وهذا هيرمان ميلفيل على شاكلتهم يسبح بعيدا عن مدن الضوء، فإذا بخياله يضيء بعد أن أظلمت حياتُه هو الآخَر..

صاحبنا هيرمان ميلفيل، شأنه شأن العشرات والمئات من رجال القلم الذين امتحقتخم الحياة، خبرَ شقاء الأيام وعناء تحقيق الأحلام في بلاد الإنسان الذي ينام، لا ينام هو إلا ليستفيق على رغبة أكثر صهيلا حُبّا في القفز من أعلى الجسر لالتقاط شيء من اللآلئ الواعدة بالتصفيق للقلم..

هيرمان ميلفيل، وإن كان قد ولد ونشأ في مناخ نفسي تنصهر فيه المادة لتقول لِسَيِّدِها "لبَّيْكَ"، لم يَسْتَطِبْ المسكين حرارةَ الرمال التي كان عليه أن يواصل المشي فوقها بقدمين حافيتين..

رغد العيش لا يَعِد بِـ "فاصل ونُواصِل"، وغيمة البذخ لا تسمح بأن تحلبها مجددا بعد أن يتَقَلَّصَ جو الرفاهية التي كان يَعِدُ بها والدُه (رجُلُ الأعمال الناجح في مجال اشتغاله) ثمانيةَ أبناء ما كان الأب لينتبه إلى كثرتهم في ظل السخاء الذي لا تبطله تجارتُه المربحة..

وفاة الأب لا شك في أنها ستنذر بالزلزال الذي سيرجّ سقفَ العائلة، فماذا بعد أن يخيب الخَلَف في ضمان استقرار الجدران التي بَناها السَّلَف؟!

هكذ تنحدر الحالة المادية لعائلة هيرمان ميلفيل، فإذا به لا يَجِدُ قبالته غير البحر الواسع لِيُفْرِغَ فيه كاتبنا حزنه الكبير، وهذا  أقصى ما في استطاعة الإنسان الباحث عن هامش من الحرية..

السفر حلّ مثالي يشجع على النسيان (ولو جزئيا) لسائر الأحزان التي تأكل القلب في صمت كما تأكل النارُ الحطب، ولهذا أطلق هيرمان ميلفيل الحالم بالمغامرة ساقيه للموجة..

الحياة موجة، موجة هي تقذف بك من المحيط إلى المحيط، تليها شبيهاتها في العنف لا العنفوان، وقَدَمَا هذا الـ"هيرمان" ميلفيل لا شك في أن قدَرها قد ضرب لها موعدا مع الموجة الهاربة عن شاطئ الأحزان..

يقرر هيرمان ميلفيل مُكْرَها لا عن طيب خاطر أن يَهوى الْمَخاطِر، ومن ثمة يركب هو مركبَ المغامرة ليبحر في اتجاه المجهول إلى أجل غير مسمَّى، ومن هنا تبدأ حكايته مع مَرَدَة البحر وحيتانه البشرية..

إنهم المتحكمون في عالم البحر أولئك الذي يملكون مفاتيح فَكّ شفرة لغة البحر، فإذا بهؤلاء البحَّارة الضعفاء على شاكلة هيرمان ميلفيل يشقُّون أكثر من طريق في عرض البحر لَعَلَّهم يعودون بشيء من أسراره وغرائبه..

بين الهروب والفرار، ومعاقرة الماء رغبة في الانتصار (الانتصار للنفس اللامطمئنة) يجود البحر باللاحياة واللاموت، ومن هنا كانت بداية كتابة هيرمان ميلفيل عن مغامرات البحر..

ولأن رياح التعجيز تجري بما لا تشتهي سفنُ الرغبة، فإن المعذَّب بين بحر الواقع وبحر الذات هذا المسكين هيرمان ميلفيل لا يجني غير الشوك، فإذا بالقلم يخونه الحظ مع الشهرة، وإذا بأبواب الانتشار تُوصد دونه هو الكاتب بإصرار..

"موبي ديك" الرواية الناقمة على البحر والحيتان نَجِدُها تعالج مشاكل البحر بإتقان، لكن المصير السيئ للرائعة تلك لا ينفض عنه الغبار وتراب النسيان إلا بعد غروب شمس البائس ميلفيل هيرمان..

بعد حلول زمن الزهد في الكتابة الروائية المخيِّب لأفق انتظار هيرمان ميلفيل، ستجِدُه يتوسل بِالناي، ناي الإحساس المرهَق/ المرهَف لِيُفَصِّل مشاعِره على مقاس الشِّعر، صدِّق، صَدِّقْ أنه تعبُ الروح ذاك الذي يَقود الواحد منهم (ومنهنّ) إلى غابات الشِّعر الواعدة بالظلال والصفاء يا صديقَ أيامي الحلوة والمرة..

رحلة عمر مضنية أنفق فيها هيرمان ميلفيل سنوات عطائه بين العمل كمحاسب ومستخدم بنكي ومدرِّس ورحّالة تشتهيه المحيطات، قبل أن يتفرّغ للكتابة التي تسلَّل إليها كلما رغب في شيء من البقاء مع نفسه، ينصت إليها وتنصت إليه، يجاريها وتُجاريه..

صحيح أن هيرمان ميلفيل تزوج من ابنة عائلة عريقة النسب وأنجب أربعة أبناء، إلا أن هنالك فجوة داخلية ظلت تتسع وتتمدد في أعماقه الجاثمة فيها مرارة الشعور بذاك الشيء الهارب منه رويدا رويدا بينما يشقى هو الشاعر بحاله ركضا وراءه عبثا..

وكغيره من صُنَّاع الروائع الإبداعية والنافضين عن قطعهم الفنية الثمينة غبار الإحساس باللامبالاة، كانت في انتظار هيرمان ميلفيل نهاية بائسة، نهاية لا تُصَفِّقُ لها عيناه المتداعيتان ولا قلبُه الذي شيَّعَهُ قدَرُه بعد أن كَفَّنَتْهُ في اتجاه اللارجعة تلك الأزمة القلبية التي لم يَحسب هو الْمُعَذَّبُ حسابَها..

نَعَم صحيح، معذَّب هو هيرمان ميلفيل، ولا غرابة أن تقول حالة "الصرع" التي انتابته كلمتَها لتقتص من إرادته وحرصه على وطنٍ بسعة الهدوء الراكض من بحر إلى بحر..

الصرع يساور هيرمان ميلفيل ليقصقص جناحي رغبته في الوصول إلى وطن السلام النفسي المعلَّق، وكأنَّ قَدَرَ كل من أرَّخوا ذاكرة إبداعهم وفكرهم لِيُحَدِّثَ بها تاريخُهم الأجيال اللاحقة قَلقٌ دفين ومجدٌ مؤجَّلٌ وجنون عابر لقارات الجسد المشروخ قبل أن يطرق الموتُ بابَه أو يركضَ إلى ساحة الموتِ الجسدُ..

نَمْ بسلام هيرمان ميلفيل، ولكَ من القلب تحية.

 

الدكتورة سعاد درير

 

 

السيد الزرقانياستمرارا لتقديم الأقلام الشعرية الجادة والمتميزة اسمحوا لي أن أقدم ذاك الصوت الشعري المتميز، الذي اكتسب النضج في سيرتها الإبداعية عبر تجارب عديدة أنها الشاعرة "فاطمة الرفاعي" التي تخطو في محراب الشعر بخطي ثابتة بما تمتلكه من ثقافة واداراك ميزها عن قرينتها في ذات المجال، فاطمة الرفاعي ليست شاعرة فقط فهي كاتبة صحفية اكتسبت ثرائها اللغوي من تلك التجارب الصحفية الطويلة واليوم نقدم لها قصيدة "لا تدق الباب " وأنا أراها تمثل مرجله النضج الشعري لها وان عليها أن تحافظ علي ما وصلت إليه في درب الإبداع الشعري وان الاوان ان نري لها إصدارها الشعري الأول، وتلك القصيدة هي حالة فريدة في ذاتها، فالشاعرة رسمت في مطلع قصيدتها صورة للمسرح الشعري ليكون عتبة الانطلاق بما لديها من ابداع البداية من عنوان القصيدة " لا تدق الباب " إذا هناك حوار بين طرفين احدهما الشاعرة والأخر هو قادم مجهول لم تفصح عنه وظل طوال القصيدة محور تساءل لدي المتلقي من هو؟

" لا تدق الباب " الرسالة واضحة ما بين من سيأتي ومن يقيم بمفرده خلف " الباب " الذي يمثل بابا للمسرح، بابا للحلم، بابا للقلق، بابا للخوف من المجهول، الشاعرة تأخذنا في علاقة مختزلة بين ذاك الحيوان الأليف الذي استأنسه الإنسان منذ القدم وتلك العلاقة التي تحولت الي صور مفزعة في الوقت الحاضر لدي من تدنت ثقافته البيئية والحيوانية بل والإنسانية، بشكل غير مسبوق لدي البشر، الشاعرة نجحت بتفوق بالغ علي نفسها في رسم تلك العلاقة الغير متوازنة بين طرفين حيث نجدها في البداية تقول :-

لا تدق الباب

أنا لست هنا

فى البيت قطة خائفة

تتحاشى ركلات الناس

أسفل سرير مهجور

أغطيته تحتضن الأتربة

- وتنتقل بنا الشاعرة في خفة لا نشعر بيها من مكان إلي أخر خلف هذا الباب الفاصل بين عالمين مختلفين، احدهما يعج بالبشر والتصارع والتشاحن وأخر لم يبقي فيه إلا تلك الذكريات ربما كانت جميلة في يوم ما وربما كانت العكس حيث تقول :-

لا تدق الباب

فالصمت يطارد الذكريات

والتجارب أشباح

وكل مصابيح البيت مهشمة

تمهل

لا تدق الباب

فالريح تحرك شباكى المكسور

وشموعى التعيسة تبكى دموعا

تنتظر لحظة خلاص

- الشاعرة "فاطمة الرفاعي " تمسك بزمام لغتها الجمالية من خلال هذا اللحن الشعري الهامس والمتحرك صوب الصور الجمالية التي أتقنت التحرك من خلالها، تنتقل بنا من صور الخيال إلي صورة الواقع أنها امرأة وحيدة تجلس خلف سباكها المكسور وتلك إشارة إلي روح انهزامية تسكن مكنون تلك المرأة، أمسكت خيط الإبداع لترسم لنا صورة واقعية لحال تلك المرأة المقهورة حيث الشعر الاشعس والحال البائس الذي تعيش فيه حيث تقول :-

لا تدق الباب

فبالداخل امرأة ثائرة الشعر

نسيت مكان مشطها

تتعثر فى مكحلتها المكسورة

تتحدث كثيرا إلى نفسها

وإلى أوهام تظنها أشخاصا مقربة لها

المجنونة لا تكف عن الثرثرة

شاعرتنا " فاطمة الرفاعي تنتقل بنا من عنصر المكان الي عنصر الزمن الواقف عن تلك المرأة التي استهوت الثرثرة مع نفسها حتي تحولت من إنسانة عاقلة إلي امرأة محطمة تفقد الرغبة في الحياة، بسبب ذاك التحول الاجتماعي الذ قهر بداخلها تلك الأحلام التي ظنتها في يوم من الأيام انه حق مباح لها إلا أن هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي ربما السياسي أيضا، اجبرها إلي الهروب داخل هذا النفق المظلم لتصرخ في وجه العالم انا لست هنا، قمة المأساة الإنسانية أن يفقد الإنسان إنسانيته في وقت،ويقبل بشغف علي الهروب إلي لا شيء أنها قمة العبقرية من الشاعرة في رسم تلك الصورة المأساوية للذات المحطمة حيث تقول :-

لا تدق الباب

فساعتى المعطلة يسكنها جنى

كلما دق الباب

دقت

ودقت

ودقت

يتعالى الدق

ويفر الزائرون

ترتعش أقدامهم

لا تدق الباب

اتركنى

أنا لست هنا

الشاعرة تمتلك من الخيال الفني ما يجعلنا نحلق معها في دور شعرية في غاية الجمال والإبداع فهي تمتلك تلك المهارة التي تجعلها ترسم بالكلمات أجمل اللوحات التعبيرية من خلال هذا الخيال الخصب مما جعل قصيدتها عبارة عن لوحات تشكيلية تتجانسن فيها الألوان بيد فنانة رقيقة المشاعر

وأخير ان إصرار الشاعرة علي كسر النمط المألوف بين أقرانها أعطاها تميزاً شعرياً وأن كانت مازالت في مفتتح الطريق الصعب بين المبدعات وتحتاج كثيراً إلي ثقل تلك الموهبة وتعدد أفكارها من خلال وعاء ثقافي هي قادرة علي الخوض في مناهله والاستزادة منه حتي تبلغ العلي ولكني أؤكد أنها تمتلك تلك المقومات التي تأخذها إلي مبتغاها في درب الإبداع الشعري

 

د. السيد الزرقاني

كاتب وناقد أدبي – مصر

 

 

عدنان الظاهر (كذّبتْ ثَمودُ بطغواها / سورة الشمس)

(طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي / الشاعر سامي العامري)

إشكالية لغوية:

الشكر للشاعرالأستاذ سامي العامري فهو الذي فتح عيني على هذه المسألة التي لم تخطر على بالي قبلاً. وما علاقة السيد العامري بكلمة [طغواها]؟ العلاقة وثيقة بل وثقى. كيف؟ في قصيدة نشرها العامري أخيراً في موقع المثقف (العدد  بتأريخ) نحت من المصدر المعروف "طغيان" صيغة لغوية لا هي حال ولا تمييز ولا مفعول مطلق ! ما كان الأساس فيما اجتهد ثم استخدم في بعض شعره وما كان ذاك اللغز الذي حيّرني واقلقني؟ إستخدم الشاعر لفظة " طغواً " معتمداً فيما قال لي برسالة خاصة على قناعة لديه تأكدت برجوعه إلى ثلاثة معاجم مضمونها أنَّ الفعل طغا يطغو طغياناً وطغْواً وليس طغى يطغى. أنا لا أعرف مصدراً للفعل طغى إلاّ طغيان ولم أسمع قبلاً بالمصدر طغواً حيث الفعل الماضي طغا والحاضر يطغو وفي هذه الحالة يتوجب أنْ يكونَ المصدر طغوان ... واو المصدر من الفعل يطغو. مع السيد العامري بعض الحق في قوله [طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي] لكنَّ هذا المصدر غير المألوف يُضعف البيت الشعري الذي هو ضعيف أساساً ! فما هو أساس هذا الحق ؟ إذا سلّمنا أنَّ الفعل هو طغا يطغو والمصدر طغيان وطغو مثل لغو وشجو[ كما أخبرته المعاجم الثلاثة التي استشارها وهي كما كتب لي : القاموس المحيط ومعجم الرائد والمعجم الغني] فيكون صحيحاً النص الوارد في الآية القرآنية من سورة الشمس كما يلي:

(كذّبتْ ثَمودُ بطغواها) ويعودُ حرف الهاء على قبيلة ثَمُود. هل سمع أحدنا بالمصدر طغواً ولماذا لا يكون منتهياً بالألف المقصورة طغوى مثل فتوى ودعوى وتقوى على أساس أنَّ فعليه هما طغى يطغى طغياناً وطغوى وطغواها بقلب الألف المقصورة إلى ألف ممدودة وهذا أمرٌ جائز ومعروف في اللغة العربية ؟ أرى تعليلأ أو تبريراً [لطغواها] التي وردت في الآية القرآنية : إنها قوة تأثير فعل السجع الإيقاعي الذي سيطرعلى كافة آيات هذه السورة. وسيطر أمرٌ آخرُ بشكل لم يسبق له مثيل في القرآن الكريم هوإستخدام ما فعله أبو العلاء المعري مع ديوانه الشعري الشهير [لزوم ما لا يلزم]. في كل آية من آيات سورة الشمس رويٌّ ثلاثيٌّ هو {آها}... ضُح ـ اها .... تل ـ اها .... جلّ ـ اها ..... يغش ـ اها .... بن ـ اها... كذّبتْ ثَمود بطغو ـ اها .... وهكذا باقي آيات هذه السورة (سورة الشمس) من مثل:

ونفسٍ وما سوّاها. فألهمها فجُورها وتقواها. قد أفلحَ مَنْ زكّاها. وقد خابَ مّنْ دسّاها. كذّبتْ ثَمُودُ بطغواها.

 مثال ما لزوميات المعري الثلاثية :

في اللاذقيةِ ضجّةٌ ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوسٍ يَدُقُّ وذا بمأذنةٍ يصيحْ

كلٌّ يُعززُ دينَهُ يا ليتَ شعري ما الصحيحْ

أمثلة أخرى من لزوميات المعري :

لا يُغبطنَّ أخو نُعمى بنعمتهِ

بئسَ الحياةُ حياةٌ بعدها شَجَبُ

 

والحسُّ أوقعَ حيّاً في مساءتهِ

وللزمانِ جيوشٌ ما لها لَجَبُ

 

لو تعلمُ الأرضُ ما أفعالُ ساكنها

لطالَ منها لما يؤتىي به العَجَبُ

واضح هنا الإلتزام بما يلزم لكنه هنا رويٌّ ثنائي: حرفا الجيم والباء.

 

عدنان الظاهر

10/ 5 / 2020

 

وليد العرفي قصيدة: "أنا وجمال والذئب"  للشاعر:حسين فاعور الساعدي أنموذجاً

مما لا شك فيه أن النص يحمل مفاتيح الولوج إليه، ومن هنا يبدو النص منفتحاً على الدلالة التي يريد المؤلف أن يوصلها؛ فالنص في نهاية المطاف إنما هو رسالة بين ذات المبدع ومتلق غير محدد، وفي هذه المقاربة لنص الشاعر حسين جميل الساعدي أحاول أن أقارب النص من زاوية اعتماد الكاتب على  أحد عناصر القص، وهو الحوار، والحوار عادة يكون في السرد القصصي أما أن يكون في الشعر فلا بد أن يحمل دلالات ويحيل على مرجعيات ومن نافل القول إن الحوار ليس تقنية جديدة في الشعر العربي قديمه وحديثه  منذ مغامرات امرىء القيس ومروراً بنرجسيات عمر بن أبي ربيعة وليس انتهاء بامرىء هذا العصر .

أولاً ــ النص

يبدأ الشاعر نصه بوصف ينم على حميمة العلاقة الجامعة بين الجد

(الشاعر) والحفيد (جمال) والاستهلال أشبه ما يكون بمحاولة تقديم صورة حسية مشحونة بعاطفة الحب الأبوي بين الشاعر وحفيده الذي يقدمه للقارىء بنمطيه الجسماني والنفسي فهو اسم على مسمى رمز  للجمال والحيوية والشفافية وحب المعرفة والاكتشاف يقول:

صديقي الوحيدُ الوفيُّ الذكيُّ الشجاعُ جمالْ

صديقي يا ابن الثلاثِ الطوالْ

جميلٌ كزهرةِ لوزِ

كطلّةِ صبحٍ

نديٍّ كنسمةِ صيفٍ

وعيناكَ عينا غزالْ

فيهما عالمان: شتاءٌ حزينٌ

وصيفُ أمانْ

أحِبّكَ يا ابنَ الثلاثِ الطوالْ

وأهوى سؤالَكَ حين يليه سؤالٌ

يليهِ سؤالْ

ليبدأ بعد هذا المشهد الوصفي الذي قام على بنية الصورة والتشبيه إذ توالت درجات التشبيه ما بين التشبيه البليغ والتام والمؤكد والمجمل، وبهذا كأنني بالشاعر يريد أن يحيط بالحفيد بصورة جمالية لا يترك مجالاً للتشبيه فيه إلا واستعار منه بعض وجوهه التي استند فيها الشاعر على ثنائية النبات والحيوان من عناصر البيئة والطبيعة البكر إذ نلحظ: (زهرة لوز، غزال) مثلما تظهر ثنائية الزمن: (شتاء، صيف)

لينتقل بعد ذلك إلى ثنائيات الحوار التي تُشكل معمار القصيدة كلها، كما تُبيّن  الثنائيات التي تتكشف وفق الصيغة الفعلية بين الطلب بصيغة الأمر والتلبية بفعل الحاضر: (احكِ عن الذئب) ـــــــــــــــ فأروي

تلوذُ بحضني وتهمسُ:

"احكي عن الذئبِ. جدي!"

فأروي الحكايةَ...

تُصغي بعينينِ جاحظتينِ

وتسألني بانفعالٍ:

ويُلاحظ بجلاء أن معمارية القصيدة تتسلسل وفق هندسة متوالية الثنائيات التي جاءت عبر الأسئلة المتوالية فالأسئلة التي جاءت مستفسرة عن شكل الذئب بنيت على الثنائيات أللذئبِ رأسٌ؟

أللذئبِ عينٌ؟

أللذئبِ أنفٌ كأنفكْ؟

أللذئبِ  فمٌّ؟

وكذلك الأسئلة التي جاءت مستفسرةً عن المجتمع الذي ينتمي إليه بصلات القرابة: أللذّئبِ عمٌّ؟

أللذّئب خالْ؟

والأمر نفسه يُقال عن الأسئلة التي استفسرت عن حالاته في الفرح والألم: هل الذئبُ يبكي؟

هل الذئبُ يضحكْ؟

ليعود الختام على الاستهلال إذ نلحظ عناية الشاعر بالصورة المشهدية التي عادت إلى التشبيه التي تتناوب في ثنائتي:

الحركة بين ثنائتي السرعة التي يمثلها الحفيد والبطء التي يمثلها الجد:

تسيرُ أماميَ كالشبلِ...

أمشي ورائك كالسلحفاةِ

فتصرخُ: أسرِعْ!

كما تتبدى من خلال قوة الحيوية التي تنبعث بدافع خارجي أحدثه صوت الحفيد في داخل الجد، إذ تبرز تلك الثنائية في تجدد الطاقة وحيوية الحركة المتبدية في الأفعى والظبي:

تعودُ الطفولةُ تَسْري بجسمي كأفعى

وأنت كظبيٍ صغيرٍ أماميَ تسعى

فأحبو وراكَ،

أعدّلُ ظهري

ويشتدُّ بين الضلوعِ الحراكْ

تغيبُ وراءَ الشجيراتِ،

تبعدُ عني،

أخافُ عليكَ الأفاعي

أنادي بصوتٍ أجشٍّ وكلي ارتباكْ:

تعال نعدْ...

كم أنا خائفٌ يا جمالْ!

فتصرخُ بي من بعيدٍ: "وماذا تخاف؟"

تعودُ وعيناك تقدح ناراً

وتُمطرني بالسؤالِ وراء سؤالْ:

هل الذئبُ خلفَ التلالْ؟

أم هنا خلفَ هذي الشجيراتِ،

حدّ الطريقِ هنا؟

هل الذئب يسكن في بيتنا؟

أم الذئبُ بين الجبال؟

وأتعبُ...

أخشى عليكَ

فأطلبُ منكَ:

تعال نعدْ... يا جمالْ

فتصرخُ بي باحتجاج شديدٍ:

لماذا تخافْ؟

سأضرِبُهُ بالعصا

ألستُ أنا من سيحمي الخراف؟؟

تبنى قصيدة أنا وجمال والذئب على ثنائيات  الإنسان ممثلة بشخصية الجد الذي يقوم بدور السارد الراوي،  وفي لغة القص الشعبي (الحكواتي) وشخصية الحفيد جمال ابن الثلاث سنوات،  وهنا تتكشف لنا ثنائيات الشخوص فشخصية الجد تتماهى بين: المجيب المعلّم بالمعنى التربوي، والرسام الذي يُشكّل صورة للذئب  أما الحفيد فيتبدى بثنائية الطفل الجاهل والطفل المستكشف، وهو ما يتجلى باستمطاره الأسئلة، والسؤال هو مفتاح المعرفة في علم النفس، وهو ما تُشير إليه نظريات التطور النمائي لدى الأطفال الذين غالباً ما يكون السؤال عندهم محاولة لاستكشاف العالم المحيط بهم، وهذه الأسئلة التي غالباً ما يضيق بها الأهل ذرعاً، وربما سببت لهم حرجاً ما في تقديم الإجابة في بعض الأحيان، ومن هذه الثنائية نصل إلى ثنائية  الذئب، وما تحيل عليه تلك الصورة بين واقعية الحيوان  المُشاهد في الحقيقة والذئب بدلالته الرامزة إلى كل فعل قائم على الغدر والمخاتلة سواء أكان هذا الفعل من قريب مجاور أم من بعيد ناء، وعلى هذه الثنائيات تتبدى البنية اللغوية التي ارتكزت على أسلوبي الكلام الذي تناوب بين الجمل الخبرية والجمل الإنشائية التي جاءت هنا بحمولات أسلوب الاستفهام بالهمزة  والهمزة وفق النحاة تستخدم وفق ثنائية التصديق أو التصور، وبناء على هذه الثنائية تتوضح دلالات النص  الأخرى بين ثنائية المقول والمسكوت عنه، فثمة ما هو معلن وآخر مختفٍ، وما بين القول والصمت ثمة إيحاءات ودلالات جاءت مرتدية ثنائية الوعظ والإرشاد من جهة، والتعليم والكشف من جهة أخرى

ولا بدّ من الإشارة أخيراً إلى ثنائية تتمثل في شخصية الطفل  بوضعه الراهن  (الآن) فهو مرافق للجد، ولكنه في المعتقد المتصوَّر ذهنياً هو من سيقوم بفعل حماية الخراف في المستقبل، وهو ما يُحيل في مراميه الأخيرة إلى ثنائية النضال لدى الشعب الفلسطيني الذي يتواصل من الأجداد إلى الأحفاد في حركة الحياة والعداء التي تتمثّل في ثنائية: الخراف والذئب في إحالة إلى فلسطين والكيان المحتل في دلالات النص الأخيرة .

 

 د. وليد العرفي

 

 

مادونا عسكرحيث يكون عقلك يكون كنزكَ. وبقدر ما يرتقي العقل ويتثقّف يتنقّى من شوائب مرض الجهل ويستقبل الصّور والأفكار بمنطق يعلو فوق الغرائز وفوق (ميكانيزمات) التّفكير المحدود فيكون الكنز المعرفة والغنى الفكريّ. لا ريب أنّ تثقيف العقل يحتاج إلى تدريب طويل وإرادة حقيقيّة عازمة على درء الجهل، وإلّا فكيف ترتقي الشّعوب وكيف ينتقل الشّخص من مشروع إنسان إلى إنسان؟

استكمالاً لمبدأ كيفيّة تلقّي القارئ للنّصوص الأدبيّة وخاصّة الشّعريّة منها، لا بدّ من رصد حالة القارئ في تلقي روح النّصّ الدّينيّ في النّصوص الشّعريّة. فقصائد كثيرة خلقت جدلّيات واسعة في ما يخصّ استخدام النّصّ الدّيني في القصيدة أو استدعاء "الله" في النّصّ الشّعريّ. قد ينفر بعض القرّاء من هذا النّصّ أو ذاك بحجّة التّعدّي على النّصّ الدّينيّ أو تحويل المعنى المقدّس لاستهلاكه في نصّ شعريّ. وقد يكفّر الشّاعر ويتّهمه بالإلحاد، معتبراً إيّاه عدوّاً للإيمان القويم، بل عدوّاً لله. ولمعالجة هذا النّوع من التّلقّي لا بدّ من أن يُفهم هذا النّوع من القرّاء لتمييز طريقة تفكيرهم ليكون بالإمكان الارتقاء بهم، فهدف الأدب الأساسيّ المرتبط به هو الارتقاء بالشّعوب وتحضّرها الفكريّ واستعدادها النّفسيّ لقبول الأفكار ومناقشتها واحترامها.

لا بدّ للقارئ من أن يعلم أوّلاً أنّ النّصّ الدّينيّ شيء والنّصّ الشّعريّ شيء آخر. ما يدعو إلى الفصل بين اللّاهوتيّ والشّعريّ، وبين دور النّصّ الدّينيّ ودور النّصّ الشّعريّ. إلّا أنّه لِفهم القارئ الممتعض من هذه النّصوص يلزم شرح (ميكانيزم) التّفكير المتديّن الواحد عند كلّ المتديّنين المتزمّتين. وهنا عليّ أنّ أفرّق بين المتديّن والمؤمن. فقد لا يكون المتديّن مؤمناً من ناحية الارتباط بالله، وإنّما قد يكون مرتبطاً بمنظومة الدّين الخائفة دائماً على العقيدة، وكأنّ العقيدة هشّة لدرجة أنّه يمكن لأيّ شيء أن يزعزعها. لذلك فهو يترصّد أيّ خلل يمكن أن يطرأ على المعنى النّصّيّ ظنّاً منه أنّه بتبدّل الحرف أو بإخراجه من الحرفيّة النّصّيّة تتبدّد العقيدة. كما يعتبر أنّ النّصّ الدّينيّ المقدّس لا ينبغي أن يخرج من الإطار الدّينيّ حتّى لا يتداخل مع أفكار أخرى تنزع عنه قدسيّته. يعتبر المتديّن المتزمّت أنّه يخدم النّصّ والحرف وليس العكس. إلّا أنّ النّصّ الدّينيّ حاضرلخدمة إنسانيّة الإنسان وليس سلاحاً في يد المتديّن يحارب به العقل والشّعور.

تختلف تقنيّات النّصّ الشّعريّ قطعاً عن تقنيّات الشّروحات الدّينيّة، والشّاعر حين يكتب قصيدة يستدعي روح المعنى المقدّس لأهمّيّته ولحضوره ولجلاله وقيمته الإنسانيّة أوّلاً نازعاً عنه قداسة الحرف، لأنّ قداسة المعنى أقوى. والشّاعر الحقيقيّ هو من تكتبه القصيدة، القصيدة الخارجة من اللّاوعي تتحكّم بالشّاعر وتفرض نفسها بقوّة. والقصيدة حالة شعوريّة قاسية لحظة انبعاثها، بل هي لحظة وحيٍ أو ما يشبه الوحي فيتمسّك بها الشّاعر لأنّها تعبّر عن أعماق أعماقه.

"إِلَهِي.. إِلَهِي، لِمَاذَا تَخَلَّيْتَ عَنِّي؟ لِمَاذَا تَزَوَّجْتَ مَرْيَمْ؟

لِمَاذَا وَعَدْتَ الجُنُودَ بِكَرْمِي الوَحِيدِ.. لِمَاذَا؟ أَنَا الأَرْمَلَهْ." (محمود درويش)

هل كان يسعى درويش إلى شرح المزمور الثّاني والعشرين من مزامير داوود، أم أنّه كان يستدعي الحالة الشّعوريّة المرتبطة برمزيّة هذا المزمور؟ في أعماق الشّاعر كما في عقله أسئلة وجوديّة تحتّم استخدام الرّمز لترتقي القصيدة إلى مقام الشّعر. فالشّعر أبعد من حالة تعبير عن الذّات والأفكار. الشّعر لحطة تزاوج الفكر بالمعنى، لحظة البحث غير الواعي. وهنا يحاكي لاوعي الشّاعر لاوعي القارئ فيستفزّ فيه المقصود بالمعنى، إلّا أنّ القارئ الضّيّق الأفق يعتبره تهجّماً على الدّين أو على الآية المقدّسة. وأعود لأقول إنّ الشّاعر مسّ أعمق نقطة في القارئ لذلك استنفر وجيّش ردّات فعله العشوائيّة وإلّا لعبر عن النّصّ دون أن يعتبر.

لو يعلم القارئ المتزّمّت مدى قسوة الحالة الّتي كان عليها أمل دنقل وهو يقول: "خصومة قلبي مع الله، ليس سواه!" ما اتّهمه بالإلحاد. فالقارئ المسكين تعامل مع هذا القول وكأنّه في يوم الحساب إذ نعت دنقل بالملحد. ولم يدرك حالة الأسى المضني والشّاق الّتي جعلت أعماقه مضطربة. (خصومة قلبي مع الله) حالة من الارتباك الشّعوريّ، من الصّدمة بين ما يُرى على أرض الواقع والفهم العام لله. إنّها خصومة القلب المتعب والمتألّم بل هي حالة أشدّ قسوة على الشّاعر ممّا يظنّ القارئ. لحظة خيبة استدعت الحزن والألم. من المهمّ أن يتنبّه القارئ إلى أنّ أمل دنقل قال خصومة قلبي ولم يقل خصومة عقلي، ما يجعله يستدلّ على قسوة الشّعور واضطراب القلب والنّفس.

إنّ القارئ المتزمّت المسكين المندفع للدّفاع عن النّصّ الدّيني في نصّ شعريّ يشعر في عمقه بتفلّت من نظام القطيع. كأنّه يخشى على نفسه من فقدان الحماية. هو يحتمي بفكر الجماعة ويعتبر أنّ أيّ مسّ لهذا الفكر تهديد لوجوده.

الشّاعر شاعر، واللّاهوتيّ وشارح النّصّ الدّينيّ يتّخذان سياقاً آخر لا دخل له في الشّعر ولا بالحالة الشّعوريّة. الشّاعر تكتبه القصيدة وهو أسيرها حتّى تكتبه قصيدة أخرى. وأمّا شارح النّصّ الدّينيّ فهو يعي ما يشرح مستدعياً مخزونه المعرفيّ الدّينيّ أيّاً كان منبعه. والشّاعر ليس معنيّاً بالشّرح العقائدي، كما أنّ القارئ ليس معنيّاً بتتبّع كفر الشّاعر من إيمانه. ما يعني القارئ المعنى الكامن في قلب الشّاعر إذا استطاع إليه سبيلاً. وإن لم يستطع فلا يصدرنّ الأحكام والإدانة وكأنّه موكّل من الله لمحاسبة النّاس. الشّاعر عقل حرّ يودّ التّفاعل مع عقل حرّ مثله حتّى تبلغ القصيدة كلّ المعنى. فإن كان عقل القارئ أسير الأفق الضّيّقة كان كنزه الجهل، وإذا كان عقله حرّاً كان كنزه المعرفة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية  قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) للأديب السوري زياد كمال حمامي

إغناء: اخترت أن أبدأ دراستي  بمقدمة لبحث منشور في موقع maaber.org  بعنوان (باراديغم[11] الحرب العالمية الثالثة محاولة في تحديد مفهوم الإرهاب) كتبه /الفاهم محمد/، وهو باحث في قضايا الفكر الفلسفي من المغرب، في مقدّمة مقاله يستعرض القوانين  والقيم الأخلاقية التي كانت تحكم الحرب الكلاسيكية:

....ورغم أن الحرب كانت دومًا تمثل الخطر الأقصى الذي ينبغي دفعه واستبعاده عن الأمة، إلا أنها مع ذلك وفي حالة قيامها فهي تنبني على أخلاقيات صارمة، تتعلق مثلاً في حالة الإسلام باحترام العدو وعدم التنكيل بأطفاله ونسائه، كما تفرض أيضًا قيودًا صارمة بضرورة احترام الطبيعة  وعدم تسميمها، فالحرب ينبغي أن تتمَّ في نوع من الممارسة الفروسية النبيلة، والانتصار غير المستحق ليس انتصارًا شريفًا وإنما هو هزيمة مقنَّعة. إن المبدأ العام الذي كانت تقوم عليه معارك الماضي هو أن الهزيمة بشرف خير من الانتصار الغادر. كانت الحرب حتى في أبشع صورها أخلاقية لأنها لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل هي وسيلة من أجل وضع القانون وخلق نظام اجتماعي ما. غير أن المنعطف الذي تعرفه الألفية الثالثة بعيد كليًا عن هذا الأفق، فنحن لأول مرة في تاريخ البشرية نتجه نحو تأبيد الحرب وجعلها علامة مميزة للحضارة المعاصرة.

التبئير الفكري:

المتتبع لأعمال الأديب السوري زياد حمامي يجد أنه كاتب وطني، تعتصره آلام الوطن، وتتحشرج في   حنجرة قلمه غصّة قهر وهو يرى وطنه عرضة للسلب والنهب، يعيث فيه الفساد والفاسدون، يتآمر على حريته وكرامته كلّ من هبّ ودبّ، من الخارج والداخل، وطن كان حضنًا آمنًا لكلّ من وفد إليه، عدا عن أبنائه الذين نبتوا فيه، ولم يكن له نصيب كبير من الوفاء  لدى العديد منهم، خانه الكثيرون، وباعه العديدون بأبخس الأثمان، مقابل عرض دنيوي، وسرقه الطامعون.

 وعلى هؤلاء (السارقين والخونة) يركّز الكاتب عدسة قلمه،  ليكشف سرقاتهم وخياناتهم، على الذين يسرقون تاريخه وحضارته، ويزيّفون هويّته الثقافية والفنيّة، يسرقون آثاره، ويشير صراحة إليهم، في داخل الوطن وخارجه، ويكشف الستر عن منظمات عالمية ماسونية تخطط وتنفذ عبر أذرعها المشبوهة وهي عبارة عن تنظيمات سرية شاذّة داخل الوطن، لا تنفصل بالمعتقد الفكري والديانة عن القاعدة الماسونية، يهودٌ اختاروا البقاء في هذا الوطن الخيّر، فلم يلفظهم حين حاولت الوكالة الصهيونية استقطابهم  للقدوم إلى فلسطين في العام 1948، بل أمّنهم فيه وترك لهم حرية الاختيار، فكان جزاؤه منهم أنهم سرقوه بخديعة، وما كان بقاؤهم إلّا لهدف سرقته بطريقة ممنهجة، يعاونهم في ذلك الفاسدون المرتزقة من أهل البلد الجهلاء، الذين استباحوه حدّ الاغتصاب، تحجب جرائمَهم حربٌ عبثية لم ينتصر فيها أحد، ولم يكسب فيها إلّا تجّار الحروب من أهل النذالة والدونية. عالج الكاتب هذه الفكرة الخطيرة باستراتيجية قلقلة، فقد أعطى عنوانَين للرواية، فسار بطريق الإيهام، وبما أنّ روايته هي عمل واقعي فإن الإيهام كان سدًّا أمام المتلقي لإدراك بؤرة الكاتب وبؤرة النص عن طريق عتبة النص الأولى (العنوان)، فالعنوان الجيّد يجب أن يتّصف بصفتين، الأولى  قصر العنوان، والثانية: تركيز المحتوى في تكوينه، ليقود المتلقي نحو بؤرة النص الأساسية بشكل مباشر لا لفٌّ فيه ولا دوران، كما كانت ديباجة الرواية مبعثرة- وهذا أمر معذور فيه الكاتب- تعجّ بالمشاهد الباعثة على الشَّدَة والذهول من هول الواقع الذي فاق الخيال فعلًا، وذريعتي في ذلك اعتراف الكاتب نفسه، والذي قدّم به العمل، فقد دخل في منطقة كانت -وما تزال -  تُعدّ محظورة، خطيرة كحقل ألغام وأكثر، فكان شجاعًا يبتغي التحرّر، لكن أيضًا كان مضطربًا ويائسًا، استنجد بالخيال للتخفيف من حدّة الواقع، فخلط بين الواقع والخيال والتبس عليه الأمر بين صحوة الجرأة والإقدام وخَدَر التشاؤم واليأس. يقول في مقدمة الكتاب:

اعتراف

قد يكون الواقع أغرب من الخيال، وأشد وطأة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيته هو الواقع نفسه، أو هو الحقبقة المخفية، وأعرف إذ ذاك، إن ما نخشى منه لا بدّ من الولوج فيه، والمغامرة من أجله، ولهذا، أردت أن يدرك المرء ما يخفى في نفسه، وفي محيطه، وما يصاغ في الأقبية السرية، وفي الحارات، والأزقة الشرقية، ويحاكيه، أو يحاكمه، بلا توجّس أو خوف أو خجل.....

الخلفية الأخلاقية للعمل:

 وهي جزء متمّم  من المستوى الأخلاقي، الذي يضم التبئير الفكري والخلفية الأخلاقية، مقدّم على شكل  صورة بهيئة مخطوط قديم، خُطّ ّعليها جزء من رسالة الإله بعل: إله البرق والعواصف والأمطار 5000 عام  قبل الميلاد.

"سورية بلدكم، أينما

كنتم. وهذا حقكم.

فحطّم سيفك، وتناول

معولك.

واتبعني لنزرع السلام

والمحبة:

أنت مركز الأرض"

وهي رسالة محبة وسلام واحتواء، اختارها الكاتب لتكون رسالته الإنسانية والأخلاقية والوجدانية، ترفد خلفيته الأخلاقية، وأيديولوجيته الوطنية والإنسانية، وفيها رفض واضح لكل الأيديولوجيات والنزعات الطائفية والعنصرية والعرقية، ودعوة للبناء والسمو بعيدًا عن الصراعات والحروب والنزاعات الطائفية والعقائدية التي لا تخلّف إلا الدمار والخراب والفناء للإنسانية.

 المستوى البصري:

العنوان كمكوّن نصي موازي:

لاحظت في البداية أن للعمل عنوانين، ولا يمكن أن يكون عنوانًا واحدًا طويلًا هكذا، أو عنوانًا رئيسيًّا وآخر فرعيًّا، حتى ولو كان  العنوان الثاني موضوعًا ضمن قوسين، وحسبت أن الكاتب لا يمكن أن يفعل ذلك غافلًا، وإنمّا عامدًا، فالعمل ليس أول عمل له، وله باع طويل في الأدب السردي والقصصي، وله خبراته ومهاراته ومعرفته الأدبية الكبيرة في هذا المضمار، فلابدّ أنه فعل ذلك قاصدًا، وفعلًا  كان ما حسبته صحيحًا، فالكاتب يضمّن عمله الروائي موضوعَين هامَّين، أحدهما ديباجة للآخر، لذلك وضع عنوانين، ولكني لم أجد ذريعة لتصرّفه الإجرائي هذا، فلا يوجد عنوانان لعمل أدبي، كما لا يوجد اسمَان لشخص واحد، وإنّما هناك اسم ولقب، سيّما وأن الكاتب قد استند على الواقع الإنساني والعلوم المرافقة، وهو يوجّه عمله نحو متلقٍّ يهمّه أن تكون اللغة أداة توصيل، طالما أن العمل مكتوبٌ وليس منطوقًا، فلو كان منطوقًا لتحقق التواصل عبر اللغة المحكية وليس المكتوبة، ولو أنّ الكاتب عطف العنوان الثاني على العنوان الأول بحرف العطف ( الواو) لكان أفضل، ولأعطى مدخلًا واسعًا يعبّد الطريق نحو فهم إنساني وعلمي للمحتويات السردية والبؤرة الأساسية للكاتب والنص، مع ملاحظة أن العنوان الطويل ليس محبّذا في أي عمل أدبي. 

 المستوى المتحرك والتجربة الأدبية الإبداعية للكاتب: 

اختار الكاتب أن يشيد بناء عمله فنيّا على الثنائيات، توحّدت في:

 الزمكانية:  فالزمان: زمن الحرب القائمة في سوريا وإلى الآن، وتحديدًا من العام 2013 حين انتقل أوار الحرب إلى حلب، هذا هو الزمن العام، أمّا زمن الحدث فهو خلال فترة هدنة بين الأطراف المتصارعة (الجيش النظامي والمعارضة المسلحة) مدّتها  48 ساعة، وما بعدها بقليل.  

والمكان: حارة اليهود أو حي البندرة.

الموضوع:

موضوعان، أحدهما مضمونه الحرب القائمة في سوريا، والثاني مضمونه سرقة التراث الثقافي والحضاري بمؤامرات سرية من منظمات ماسونية.

 الموضوع الأول:

يبدأ بحدث اغتصاب البتول مرارًا وتكرارًا على يد همجيين فاسدين طرحتهم الحرب في بدايتها، قتلوا والدها وتداولوا اغتصابها، والبتول هي أجمل بنات حارة اليهود: البندرة، شهد كل أهل الحي منظرها المريع بعد الاغتصاب، ولم تحتمل عار الاغتصاب، فألقت بنفسها من سطح البيت، لكن لم يُعثر على جثتها، فلم يجزم أحد بموتها، وجعلوا لها في مكان سقوطها المحتمل مقامًا، كانت هذه بداية الأحداث في هذا الموضوع.

ولقد صنع الكاتب من هذا الموضوع( الأول) ديباجةً لروايته الأصلية (الموضوع الثاني)، ليجذب القارئ،  وكأننا أمام شاشة عرض بانورامية شكّلت أرضية معقولة وبيئة منطقية للرواية، وهذا تكنيك يحسب للكاتب، حيث جعل الحبك الفرعية تصبّ في المجرى العام للحبكة الأصلية بذريعة التشويق، كمن يقدم طبقًا من طعام مع مقبلات ليداعب شهية الزبون، داعب الكاتب شهية المتلقي بتلك الديباجة.

التشابك السردي في الموضوع الثاني:

 شهدنا فيه مثلث صراع ومثلث انفراج ونهاية محسومة، البداية كانت من علاقة الحب التي بدأت قديمة بين عبد السلام الشاب المسلم والنحات، وبين ليزا الشابة اليهودية ابنة أبراهام فراحي الحارس السري للمعبد اليهودي في حي البندرة، قد تكون قصة الحبّ صادقة، لكن هناك إشارات يلقيها الكاتب من خلال تدفق تيار الوعي والذكريات عند عبد السلام تشكّك بذلك، لنجد أن كل الأمور حتى الحرب التي أرعبت كلّ أهل الحي، جاءت في مصلحة المهمة والمؤامرة التي كان أبراهام يخطط لها مع الوكالة الماسونية (أبناء الحليب) - والتي كانت ليزا من أهم أعضائها وتستعد لتتويجها ملكة فيها-  لسرقة تمثال (الإله حدد) من المتحف الوطني، تستخدم الوكالة بعض المرتزقة مثل أبو جمرة وجماعته، فيسرقون التمثال من المتحف مستغلين فوضى الحرب، بعد قتل الحارس، يستغل ابراهام حب عبد السلام لابنته ليزا، ويفاوضه على صور تظهره بأوضاع جنسية مع السائحة اليهودية سوزان، السائحة الكندية من أصول حلبية، والتي قضى معها ليلة في فندق البارون، وأرسلت له بعد سنوات صورة طفل ادعت أنه منه وعندما قامت الحرب أرسلت تطلب منه اعترافًا بنسب الطفل له، فاوض ابراهام عبد السلام على إخفاء هذا السر عن ليزا مقابل أن ينضم عبد السلام إلى جماعة أبناء الحليب التي رفض في السابق الانتماء لها رغم كل محاولات ليزا لإقناعه بها قائلة قولتها الشهيرة:

"إذا لم تستطع أن تغيّر العالم، غيّر نفسك، وكن من النخبة التي لا تستطيع أن تفعل ذلك"

ويكون أول مهامه أن ينقل التمثال المسروق من قبو منزل أبراهام إلى خارج المدينة، مستغلًا أيضًا الفوضى  الخلاقة بعد توقف الاشتباك بين المتحاربين، جيش النظام والجماعات القتالية المعارضة، على اعتبار أن عبد السلام نحّات معروف، وجود التمثال بحوزته أمر طبيعي، تمثال يدّعي أنه نحته، معتمدين على جهل العناصر الموضوعة على الحواجز، يتم إخراج التمثال في تابوت كان من المفترض أن يحوي جثمان (روز) زوجة أبراهام التي ماتت إثر نوبة اختناق بأزمة تنفسية، عندما أجبرها أبراهام هي وليزا على الاختباء في القبو الرطب العفن، يخرج عبد السلام بالتمثال، كما هو مخطّط، لكنه لا يتجه إلى خارج المدينة، وإنما يتجه إلى المتحف الوطني، يقتحمه وسط مخاطر إطلاق الرصاص عليه، وإصابته فعلًا، لكنه يصل المتحف ويعيد التمثال إلى مكانه محبطًا مؤامرة السرقة، ومغيّرًا نفسه، يستشهد، ليكون من النخبة التي استطاعت أن تغيّر نفسها، وتهب حياتها لفنّها ووطنها، طالما أن تغيير العالم غير ممكن، لأنه إنجاز فوق قدراتها.

استخدم الكاتب الطريقة الحديثة ببناء الحدث في موضوعه الأول (الحرب):  والتي تبدأ من التأزّم وعاد إلى الماضي flashback مستخدمًا التقنيات السردية الراجعة:

كتيار الوعي Stream of consciousness، والذكريات Memories.

ومن خلال تلك التقنيات، وبالإضافة إلى السرد الحدثي المباشر، عرّج الكاتب على الكثير من القضايا، أبرزها قضايا الفساد المجتمعي، والطغيان السلطوي الذي جعل للكثير من أصحاب السلطات أياد طويلة، تسرق وتنهب وتستولي، وتبطش وتروّع وتعتقل، وتكمّمم الأفواه، وتوزّع المناصب على غير الجديرين، قضية اغتصاب الفتيات الأحياء والأموات، وتزويج القاصرات، وحرق الدور وقصفها بالقذائف، وقتل الشرفاء، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوّة، والتغريبة والتهجير حكاية يرويها أبو الرمز، وكذلك القضية العراقية، أمّا قيام الكيان الصهيوني في فلسطين وبروتوكولات الماسونية العالمية لتجريد العالم العربي من جذوره التاريخية والحضارية، وطمس هويته الثقافية، وسرقة آثاره أو تقليدها- وهنا تأتي ثنائية تمثال الحرية الأموري السوري ونسخته المقلدة تمثال الحرية المريكي- فكانت موثّقة توثيقًا معلوماتيًّا في هذا العمل.

واستخدم الطريقة التقليدية التي تعتمد على التطور السببي المنطقي من البداية إلى العقدة ثم النهاية في موضوعه الرئيسي (سرقة التراث).

المكان السردي:

إن الحيّز المكاني في النصّ السّردي هو الفضاء الذي تتحدّد داخله مختلف المشاهد، والصور والمناظر، الدلالات والرموز، التي تشكّل العمود له، إذ يُعـــدّ الخلفية المشهدية للشخصية القصصية،  فهو مسرح الأحداث، والهواجس التي تصنعها الذاكرة التاريخية برموزها المتنوعة، مادامت  صيرورة النص ليست سوى جزء من صيرورة الواقع، وآليات المكان، ما هي إلاّ وسيلة من الوسائل الرئيسة لرصد الواقع على مستوى السرد، وما بعده أي على مستوى الموقف والرؤية.

 فالمكان يسم الأشخاص، والأحداث الروائية في العمق، وعلى حدّ قول /غالب هلسا/[22]: "فالمكان هو الذي يلد الأحداث قبل أن تلده، فيعطينا تصوّرًا لها وللأشخاص وللزمان".

هذا العنصر الفنّي الهام ( المكان)، وطريقة بنائه من قبل الكاتب، يضيف إلى تجربته الإبداعية نقاطًا مرتفعة، وكأنّه هندس المكان بخبرة مهندس ديكور بارع يعمل في استديوهات شهيرة، وأعود لأؤكد أن مهنته كسيناريست جعلته يهتم بذلك.  

المكان العام: كان حارة البندرة، مسرح الأحداث الرئيسي، وصفها بجماداتها وشخوصها وزمانها الحاضر كما يلي:

هذا الحي الذي نسيه الزمن، وأهملته الحكومات المتعاقبة، تقطنه مجموعة من من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان...

 والمكان أيضًا في ذات الوقت يخطع لقانون الثنائيات البارادوكسية، وهي استراتيجية اعتمدها الكاتب، فهناك القبو والفناء، وهناك الفيللا والخرابة.

 وهناك القلعة وسورها وفندق البارون، والمعبد والمتحف، وحمّام الحارة الشعبي، ودور خاتون والخوجة عيشة وأبو النصر والهلالي وعبد السلام وأبو الرمز الفلسطيني وأكوب الأرمني،

ودكاكين مسماة بأسماء أصحابها،  والمستوصف،  وهي أماكن خاصة مغلقة جرت فيها أحداث الرواية.

استخدم الكاتب تقنية التخييل السردي على نطاق واسع، ما أدخله في المعاصرة من باب واسع، فأنسن الحيوانات، وجعلها من ضمن الشخصيات الفاعلة في مجرى الأحداث، مثال ذلك قطط "أم القطط" والتي بثّ من خلالها الكاتب العديد من الرسائل والمقاربات الساخرة، والكلب المخلص "ميمو"،  الذي بث الكاتب من خلاله العديد من الرسائل الوجدانية:

كما أنسن الجماد، فجعل القلعة أمّ المدينة، تسمع تنهدات سورها العظيم.

استخدم الكاتب أيضًا تقنية سردية يتقنها فقط النصّاص البارع، وهي:

 تقنية التدوير:

وهي تقنية مشهدية، يقوم فيها النصّاص باستهلال عمله بمشهد وصفي، يعود إليه في نهاية، وكأنه يدوّر النهاية على البداية. لنلاحظ بيان ذلك:

استهلال الرواية كان كما يلي:

ضربات إزميل ناعمة تتنزّل على الرأس..

تفتح حدودًا ضيقة، ومتاهات متشابكة، تتشكّل على جسد الكتلة الصخرية الصمّاء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها بنفسها، وتنبض بكلّ ما هو مدهش ومختلف ومذهل. تتوالى الضربات المتتالية من يد" عبد السلام" الرشيقة......

ثم في مثلث الانفراج، نجد عبد السلام يستمر في النحت فوق الحجر، يخبر أمه أن ما يحدث معه أقوى منه، ولم يكن أمامه إلّا أن ينحت، وها هو قد انتهى من نحت جناح تمثال حرّيته وانعتاقه:

يطرقب بإزميله على خطوط الجناح المتبقّي بغضب ظاهر، تتسارع لمساته، تتهافت. تدخل الثريا العمياء صامتة، تتلمّس ذاك الكرسي الخشبي العتيق، تجلس، تتابع الاستماع إلى صوت الإزميل وأنذاة الحجر، بينما تدور الأمّ مذهولة حول وحيدها.. تدور حول التمثال.. يستمر بمعزوفته على الحجر..

الأسلوب Style:

أسلوب أدبي سردي انزياحي خفيف، يشبه أسلوب السهل الممتنع في الشعر، اللمسة النزارية التي قلّما نفقدها عند الأدباء السوريين.  

المستوى النفسي  السلوكي:

 كان هناك تساؤلات سياسية مرمّزة  في حادثة اختفاء البتول، ساقها الكاتب برشاقة عبر أسلوب الكوميديا السوداء: 

.... جثة البتول " فص ملح وذاب" اختفت بلا أثر، بلا قبر، أو شاهدة، ولم يستطع أحد أن يؤكد أنها فارقت الحياة لعدم وجود الدليل القاطع، والإثبات بالبيّنة كحدّ السيف.

أين السيف؟! أوووه عفوًا: أين الجثة  والأرض الخراب؟! أين الدليل والمكان ليس هو المكان؟! والزمان هو كلّ الزمان؟! أين؟! وأين؟!

أسئلة فيها إشارات مضمرة إلى من يتحمّل المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في مكان (البلد) أضحى خرابًا عبر كل أزمنة الطغيان السلطوي، لا يكاد ينهض ويزدهر حتى تدكّه مدكّات الظلم والفساد، فلماذا نبحث عن السيف؟! سؤال تهكمي يائس، ممنوع ومحظور من التداول، لكن السؤال الأكثر سخرية ويأسًا هو من يهتم بالبحث عن حامل السيف الجاني ؟! الجواب لا أحد ! فالكل مهتم بالبحث عن مكان الجثة، لأنه الممكن، أمّا البحث عن الجناة فرعب لا يجرؤ أحد من أفراد المجتمع على تحمّل نتائجه، لذلك ستضيع كل الحقوق في بلد ضاعت فيه القوانين إلا قانون الغاب:

كلّ الأسئلة متاحة ولكن لا أحد اهتمّ بسؤال واحد: من سيبحث عن السيّاف الجاني؟! أو عن الجناة ؟! أو عن الذي .. الذين قاموا باغتصابها؟!

سؤال آخر حائر يطرحه الكاتب حول ماهية هذه الحرب، ويضع فيه كل الأجوبة المقترحة التي تتبنّاها جهات عدّة من وجهات نظر مختلفة، وكلها تتفق على أنها حرب مؤلمة:

ماهذه الحرب المؤلمة؟ ! طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادًا، وآخر يعدّها احتلالًا، وأطراف أخرى تؤكّد أنها فوضى!

 

بقلم الناقدة الذرائعية د.عبير خالد يحيي

...........................

[1] Paradigm: النموذج الفكري أو النموذج الإدراكي أو الإطار النظري، ظهرت هذه الكلمة في أواخر الستينات من القرن العشرين بمفهوم جديد ليشير إلى أي نمط تفكيرضمن أي تخصص علمي أو موضوع متصل بنظرية المعرفة " الإبستيمولوجيا"  

[2] غالب هلسا: أديب ومفكر وناقد أردني، من  كتاب (المكان في الرواية العربية) صادر عن دار رشد بيروت العام 1981

 

جبار ماجد البهادليقراءةٌ نقدية في قصيدة: (أنا وحَقيبتي وخيباتُ الوًجعِ ) للشًّاعر يحيى السَّماوي

حين يُصبح العنوان انعكاسا نصيّا موازيا لنصّ الواقعة الشعرية، ويكون مؤديًا لوظائفه الأربع : (الإخبارية والدلالية والتأويلية والثقافية)، فإنه يكون عتبةً دلاليةً ومفتاحا رمزيا لثريا النصّ المُشعة بأفيائها الوارفة على ظلاله الداخلية. بيدَ أنّ هذا الأثر السيميائي لا يكفي إيقاعا ودلالة جمالية إذا لم تكن التجربة الشعرية حاضرةً بنفسها قبل وحي اللحظة الشعورية للواقعة الشعرية، وذلك من خلال تفاعل الذات الشّاعرية (الأنوية)، والعالم الخارجي الموثِّر في موضوع جمالي يُؤرخِنُ لحدث الواقعة الشعرية زمانيا ومكانيا. فزمانيا (الوقت مَشلولٌ) عاجز عن أداء وظيفته الزمنية المتتابعة لمسايرة الحدث، ومكانيا (المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى) البصر وغير قادر على كشف الرؤية الحقيقية لكوامن الأشياء، فكلّ شيء عنده سِيّان، وقد استوت لديه مظاهر الأنوار وعتمة الظُلَم. وحتّى بصيص الأمل المنتظر الذي يطلّ علينا من ضياء النوافذ الكاشفة تَصيَّرَ أخرسَا أبكما لا ينطق صوتا أو يبعث نورا، بل يشتكي بصمته المطبق من هول الواقعة وأثرها (الزمكاني) . وبهذا التجديد اللّغوي لفنيّة التعبير التخليقي، تمكّن يحيى السَّماوي لغويا بأسلوبه المخيالي الإنزياحي من (أنسَنَةَ)هذه الجمادات الصورية والمعنوية الثلاث فنيّا وجماليا، والتقطَ لها بعدسات شعره النصيّة من خلال هذه الأرخنة الزمانية والمكانية صورا حيواتيةً جديدةً، لكنّها صورٌ معطّلةٌ تماما لا ماءٌ فيها ولا رواءٌ، سوى أثرها السلبي المؤثِّر بنكوصه على الواقعة الشعرية، كونها مغايرةً لدلالات صورها الحقيقية الفعلية المعروفة تداوليا . وتماهى وعيه شعوريا مع صور هذه المغايرة الدلالية القريبة والبعيدة وأسقط ظلالها الفنيّة على تضاريس الواقعة الحدثية، لإنتاج معانٍ ودلالاتٍ تركيبية جديدة شكلا ومضمونا :

الوقتُ مشلولٌ

وهذا المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى

والنوافذُ تشتكي خَرَسَا

ليس غريبا على شعرية السَّماوي، ولا على مظاهر سمت خطابه الأسلوبي المعاصر أن يكتب تشعيرا قصصيّا حكائيّا يعمد فيه إلى تأثيث وبناء تركيب بنيته الشعرية وسردنتها دراميا بتراجيديا شعرية حزينةٍ أو كوميديا شعرية مُفرحةٍ  في حدود الواقعة الشعرية. ولا غرابة في الأمر حين نجوس خلال بنية هذه القصيدة أو غيرها من شعره ، فنجد أنفسنا أمام مشاهد شعرية صورية تقترب في إيقاعها الأسلوبي من مسرحة الشعر ولا تقع فيه وتوزع أصواته الرئيسة على فضاءاته النصيّة بدءاً بصوت الشاعر الظاهر والمُضمر قناعيا، ومرورا بصوت العسكري بنقطة التفتيش، فصوت سائق السيّارة مشفوعا بصوت (الحقيبة)دالة الحدث الأكبر ومهيمنة حياة الواقعة الموضوعية. ولكنّ الأغرب في الأمر أو اللافت للنظر في أسلوبية الشاعر السَّماوي في البنية النصية لهذه القصيدة المفرطة بتراجيديتها المؤلمة توظيفُ الشاعر لوحدته الموضوعية وتجسيد أحداث واقعتها الشعرية بلغة تفاصيل الحياة اليومية،أو ما يُسمّى في النقدية الشعرية الحديثة (قصيدة التفاصيل اليومية)، أي تشعير ما هو متداول حياتيا بلغة فنيّة مؤثّرة ومتأثّرة بالواقع اليومي الذي يلامس شغاف قلوب الناس ويعكس معاناتهم اليومية، وهذا الانحراف بحدّ ذاته يعدّ تحولا فنيّا وتجددا مباشرا في أسلوبية الشاعر المعجمية المبهرة في الميزان النقدي . وهذا اللون من التشكيل الأسلوبي لفنيّة التعبير التفصيلي المتداول لأنماط وقع لغة الحياة اليومية هو ما انماز به الشاعر اليوناني الشهير (يانيس ريتسوس) الذي برع فيه فنيّا وجماليا في تصوير الحياة التداولية، وقد تأثّر به شعراء الحداثة من العرب والعراقيين، واتّبعوا طريقته كمحمود درويش وسعدي يوسف،وغيرهما من الشعراء على سبيل المثل لا الحصر. ولا ضيرَ أن يُخلِّقَ شاعر مبدع مثل السَّماوي هذا (الماحول) المحيطي من التفاصيل ويؤرخنها صوريا بلغة إبداعية شفيفة يُعيد فيها إنتاج معانى الحياة ويترجمها فنيّا، فيكون التساؤل للوصول إلى المبتغى وسيلةً مؤجّلةً، ويكون الشعر غاية المنشود وسفينة النجاة إلى مراسي الحُلُمِ وضفاف الأمان، ولكنّ الآمال تتبدّدُ حين يكون اليأس عدما :

كيفَ الوصولُ إلى الضُّحى

واللّيلُ مَشدودٌ إلى جبلِ الدُّجى؟

 فإذا كان صوت الشاعر متعاليا واضحا بـ (كيفَ الوصولُ)، فإنه بعد وقوع الواقعة وتأثيرها أخذ يخفت متخفيا بالهمس من خلال ضمير الشاعرية المستتر بفعل المشاركة الاستمرارية الحالية (أمشي) للتعبير عن ذاته الشعورية المنكسرة الخطى، لا أمل له فيها يحقّقه ولا رجاء ينتظره بعد خيبات الانكسار :

 أمشي فَيرجعُني إلى حيث انطلقت الدربُ مُنكسِرُ الخٌطى

وتموت كل مفاتيح الرجاء وتقنط آمال الشاعر المعقودة على الانفراج، فلم يبقَ من صوته المتعالي نحو أفانين الرجاء إلّا (الحقيبةَ) رمز الحياة الشاعرية وإيقونتها السحرية المؤثّرة، كونها تمثّل في حقيقتها الدلالية السيميائية جوهر المعادل الموضوعي الشعري للواقعة الشعرية بكل أبعادها وتشكّلاتها الدلالية الفاعلة :

وحَقيبتي تَمشي ولا تَمشي

 فالشاعر هنا يؤنسن (الحقيبة) صورة هذا الجماد الرمزي ويمنحه دلالة روح الحياة وإكسيرها المتجدد القادر على الفعل الحركي (يَمشي)، حيث مسيرة مبتداها ومنطلقها الأول. فالفعلان ( تَمشي ولا تَمشي) مختلفان في هواهما ومسيرهما المحايث، ولعلّ هذه الصورة الانحرافية المخيالية المغايرة تذكرنا بصورة عروة بن حزام في وصف ناقته خلال رحلته الطويلة إلى ديار الحبيبة:

هوى ناقتي خًلفي وقُدَّامي الهًوى وإني وإياها لمُختلفانِ

ويمضي السَّماوي بسرد وقائع رحلته وتفاصيل حكايتها بعد أن نفدت آمال رجائه وتغشته سمادير الكدر والحزن والألم حين يأتيه صوت العسكري قاطعا عليه الطريق وسادّا كلَّ آمال الرجاء بوجهه، حيث لا سفر ولا بقاء إلّا الامتثال لأمر العودة القسرية:

يَقولُ العًسكريٌ بِنقطةِ التَّفتيشِ جِئتَ مُبَكِّرَا ..

عُدْ فَالصًباحُ رَبَاحُ

لا إركابَ هذا اليومَ فالصالاتُ مُغلِقةٌ

 وَلَستَ مٌخوَّلَا لتنامَ في " كَرفاننا"

لم نعهد في شعرية السَّماوي من قبل مثل هذا التسريد الشعري الذي يدخل منطقة نصّه زائرا شاخصا بتفاصيل الرحلة اليومية، وقد يكون مملولا رتيبا ممقوتا في هذه القصيدة لولا وراؤها هذا الجهد الكبير والروح الشعرية النقية المفعمة بالتفاعلات الحياتية الصافية المهمّة، والتي أوصلت القصيدة عند السَّماوي إلى هذه المنطقة الفنارية المضيئة اللامعة من الإشعاع الروحي الذي كرس فيه جُلَّ جهده الإبداعي الثرٍّ لمخاطبة الناس والأشياء بهذا النصّ الذي يمكن لنا أن نطلق عليه جماليا (قصيدة الحياة) التي نحسّ فيها هِزَةً حسيّة متدفقة من روح الشاعر، ورعشة حركية من قلبه المٌجهد بالألم، لذلك فإن القصيدة عند يحيى السَماوي قد تلامس شيئا من تخوم الغنائية الحزينة ولكن لا تنتمي إلى خطوط طولها أو عرضها ، وتقف عند أقانيم الوصفية الرائعة ولا تلِجُ إلى نفقها اللامتناهي، وتقترب من تسريد الشعر ولا تنغمس في تضاريسه الممحلة بأمطار السرد . وكأنّ القصيدة عند السَّماوي حالة ما (فوق الشعورية) متدفقةً يتوالدُ فيها خطّان شعريان جميلان، خطّ التوجّه التصويري الحسّي للأشياء المادية، وخطّ التفجّر الروحي النفسي التخييلي الرّحب بمداراته العميقة وأضوائه الكاشفة. ولولا نثيث روح التماهي الصوري الفنّي الذي تعاضدت فيه صورتان من الإزاحة اللغوية والمعنوية مع صورة الإزالة الجمالية التي تمثلت بظلال الواقعة الشعرية التداولية التي هي وحدة الموضوع ونقطته التحولية، لما كانت القصيدة ثورةً نفسيةً وردَّ فعلٍ قاسٍ عن الحياة بفرائدها اليومية وتجلياتها الروحية. وإن تكرار وَحْيِ الشاعر بصورة عفوية تلقائية لا قصدية أو تعمدية لموضوعة (الحقيبة) في أكثر من موضع أو  شاهد أو صورة شعرية في ثنايا القصيدة يمنحها رمزيا نقطة الإضاءة المركزية اللافتة بإضاءتها البلورية المشعة، ويجعلها دلاليا بؤرة العمل الفنية المحتشدة بطاقات إيحائية مكثفة من سُبُلِ حياة الناس:

أمشِي ولكنَّ الحقيبةَ لمْ تَعُدْ تَمشي

وأبعدُ من سماواتٍ عن القَدَمِ السَّماوةُ

كم هي عصية على قلب الشاعر تلك الرِّحلة الروحية التي شٌدّت بنياطه علائقَ لا تنفكُّ، ولا تعرف اليأس طريقا لهذه الحياة المتجددة. ومهما اختلطت على الشاعر وجهات بوصلته وتباينت رؤيتها فكريا وفنيّا، فإنه ظلَّ يرسم لوجه حقيبته الحياتية -رمز الهداية والحقيقة والخلاص- صورةً حسيّةً لعمق المتاهة ملازمةً لصورة (يوتوبيا) المكان أو اللامكان حين ينشطر الشاعر نصفين بينها كمن يُقسِّم جسمه وروحه في جسوم كثيرة ولا يجدها إلّا ضائعة، وكأنه يعيش حُلما لا واقعا محقّقا :

هًا أنا نِصفانِ نِصفٌ ضَائعٌ في اللامَكانِ

ونِصفي الثّاني يُجَرجْرُ بالّتي تَمشي ولا تَمشي

فَتأبى غَيرَ أن تَتًدَحرًجَا

وتفاصيل القصيدة بهذا الضياع الوجودي (أكون أو لا اكون )، وبهذه المتاهة المغلقة، تؤكّد أن الشاعر بتفاصيلة المتواترة لا يُريد أن يَهمُلَ أو يُهمّش أي صوت من أصوات رحلته المعراجية العسيرة، فهو حريص كلَّ الحرص على إبراز كُلِّ شخصية مؤثّرة فيها، ولعلّه هذه المرّة يُريد أن يجسد صوت السائق الشّهم الذي لم يُبارحه في أديم الصحراء اللاهبة، فيتسلل صوته هادئا مطمئنا عل لسان حاله :

نَمْ إن أردتَ فإنَّ وجهَكَ شَاحِبٌ

وأردفَ سَائقُ "التَكسِي" المُهَذَّبُ "أحمدُ بنُ سعيدِ لَفتةَ" فًالطَريقُ إلى السَّماوةِ آمنٌ فَدِعِ القَلقْ

فالشاعر بإيقاع أسلوبه المسترسل بالتداولية مهتمٌ وحريص كلّ الحرص على (أرخنة) مثل هذه التفاصيل البسيطة لا لجذب انتباه المتلقي وشدّه إليه فحسبَ، وإنّما ليعيش واقعية الواقعة الشعرية الحياتية وما يُحيط بها من تجليات ومآسٍ وأبعاد نفسية خطيرة . لذلك نراه يمنح صوت السائق فرصة أخرى للتعبير عما آلت إليه أمور واقع الحال وصور المحال. فبعد خيبة الرجوع إلى السَّماوة والوصول إليها بِخُفِّي اليأس والانكسار ينطلق صوت السّائق إيذانا بدخول البيت واصفا طبع (الحقيبة) وسلوكها الشكلي كيف تغيًّرَ مكانيا مع طبع المكان وقيمته التوافقية، فالحال الجديد غير الحال المكاني والزماني السابق الذي هو بالطبع حال تجربة الشاعر الحياتية:

أُدخُلْ.. وَصَلنا البيتَ .. لا تَقلَقْ

حًقيبتُكَ الّتي تًمشي ولا تَمشي تَغيَّرَ طَبعُهَا

صارتْ تَسيرُ كَمَا تَشاءُ عَلى مَلاطِ البًيتِ

تَعدُو كَالغزالِ إذا انطَلًقْ

هكذا يَهبُ الشاعر السَّماوي هذا الرمز الحياتي صورة نفسية أخرى مغايرة لواقعها المحلي المحيطي المألوف، لِيَخلُقَ منها روح الألفة الدائمة والتواشج المحايث بين الواقع النصّي الشعري الإبداعي والواقع الموضوعي للواقعة الحياتية. فينتج الشعور بالواقعة -حسيّا أو مخياليا- من العدم حياةً ومن الحياة عدما . وتعود خيبات الوجع ومعصرات مرارة الألم تجترُّ بدائرتها الفلكية ورحى قطبها السالب على طريق الشاعر مرّةً أخرى من حيث دورة (المُنتهى والمُنطلق)، وتُصبح الصورتان سِيّان في خلاص الحدث، بل يزداد تشاؤم الشاعر ويتضاعف يأسه من وقع هول أمطار الوجع التي لم تفتأْ أن تنفكّ عنه ولو لفرصة واحدة مؤاتية يرى فيها النور إشراقا بعد حلكة ذلك النهار وليلتة المدلهمة بخطبها المؤلم القاسي. وتتعاظم واقعة المصيبة من جدبد في مخيلة الشاعر وتأخذ انحرافا صوريا جماليا أخر حين بات من غشاوته الفكرية لا يُفرق بين صورتي الشفق الصباحي الذي يكسر بحمرته قيد الليل بالنهار، وصورة غسق الغروب المسائي الذي يُبدل ضوء النهار بالليل و يُبددُ أحلامة بهذه الطامة. ولم يتردّد وحي السَّماوي أبدا عندما جعل ختام القصيدة صورة حيّة ناطقة بالمطلع :

 الوقتُ مَشلولٌ

وهذا المَحجًر الحَجَريُ أعمَى

والنوافذُ تَشتَكِي خَرَسَا

فَمَا أدرِي

هل الشّفقُ الّذي خلفَ الجِدَارِ أم الغًسَق ؟

***

د. جبّار ماجد البهادلي

.........................

 

أنـا وحـقـيـبـتـي وخـيـبـات الـوجـع

(1)

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـمـكـانُ الـمُـرتـجـى

*

كـيـف الـوصـولُ الـى الـضـحـى

والـلـيـلُ مــشــدودٌ الـى جَـبَـلِ الــدُّجـى ؟

*

أمــشـي

فــيُــرجِـعُــنـي الـى حـيـثُ انـطـلـقـتُ الـدربُ

مُـنـكـسِـرَ الـخـطـى

وحـقـيـبـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي

يـقـولُ الـعـسـكـريُّ بـنـقـطـةِ الـتـفـتـيـشِ :

جِـئـتَ مُـبَـكِّـراً  ..

عُـدْ

فـالـصَّـبـاحُ ربـاحُ

لا إركـابَ هـذا الـيـومَ فـالـصـالاتُ مُـغـلـقـةٌ

ولـسـتُ مُـخَـوَّلاً لِـتـنـامَ فـي " كـرَفـانِـنـا  "  ..

نَـمْ حـيـثُ شِــئـتَ سـوى هـنـا

فـالأرضُ واسـعـةٌ  ..

ولا مـن فـنـدقٍ فـي هـذه الـصـحـراءِ

فـاطـلـبْ مـن ســوانـا لـلـمـتـاهـةِ مَـخـرَجـا

*

ــ هـل لـيْ بـإيـداعِ الـحـقـيـبـةِ عـنـدكـمْ حـتـى الـصـبـاحِ ؟

ــ أأنـتَ تـمـزحُ ؟ مـا نـقـولُ إذا رآهــا ضـابـطُ الـتـفـتـيـشِ ؟

خـذهـا والـتَـمِـسْ لـيْ مـنـكَ عـذراً  ..

أمْ تُـراكَ تـريـدُ لـيْ أمـراً  مُـهِــيـنـاً مُـحْـرِجـا ؟

....

.......

..........

 

أمـشـي

ولـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لا تـريـدُ الـمـشـيَ

هـا أنـذا تـوسَّـدتُ الـحـقـيـبـةَ أســتـحِـثُّ الـشـمـسَ

واسـعـةٌ هـي الـصـحـراءُ

لا مـاءٌ ولا شــجَـرٌ

سـوى قـمـرٍ خـجـولٍ خـلـفَ غـيـمـتِـهِ سَـجـا

*

مُـتـدَثِّـراً  بـمَـلاءةِ الـتـعَـبِ الـمُـذِلِّ غـفـوتُ  ..

أيـقـظـنـي رذاذٌ بـاردٌ

فـنـهـضـتُ  ..

نَـفَّـضْـتُ الـرمـالَ  ..

مـشـيـتُ  ..

لـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لـمْ تـعـدْ تـمـشـي

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـسـمـاوةُ

هـا أنـا نـصـفـانِ

نـصـفٌ ضـائـعٌ فـي الـلامـكـانِ

ونـصـفـيَ الـثـانـي يُـجَـرجِـرُ بـالـتـي  تَــمـشـي ولا تــمـشـي

فـتـأبـى غـيـرَ أنْ تــتــدَحـرَجـا

***

(2)

نَـمْ إنْ أرَدتَ فـإنَّ وجـهَــكَ شــاحِـبٌ

ســأقـودُ فـي حَـذَرٍ

وأردفَ ـ سـائـقُ  " الـتـكـسـي " الـمـهـذّبُ " أحـمـدُ بـنُ سـعـيـدِ لـفـتـةَ " ـ (*)

فـالـطـريـقُ الـى الـسـمـاوةِ آمِـنٌ فـدَعِ الـقـلـقْ

*

ســأنـامُ ـ قـلـتُ لـهُ ـ ولـكـنَّ الأرقْ

*

يـأبـى مُـغـادرةَ الـحَـدَقْ

*

مـا حِـيـلـتـي ؟ فـالـريـحُ عـاتـيـةٌ

فـكـيـف يُـقـاومُ الـريـحَ الـورَقْ ؟

......

.........

...........

 

وغـفـوتُ بـعـدَ  " الـنـاصـريـةِ " ... ربَّــمـا " الـبـطـحـاءِ "  ...

لا أدري

فــقـد كـنـتُ الـغـريـقَ

ولـيـس سـهـلاً  أنْ أفَـسِّـرَ كـيـفَ فـاجـأنـي الـغَـرَقْ

***

(3)

أُدخُـلْ  .. وصَـلـنـا الـبـيـتَ .. لا تـقـلـقْ ..

حـقـيـبـتـكَ الـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي تـغـيَّـرَ طـبـعُـهـا

صـارتْ تـسـيـرُ كـمـا تـشـاءُ عـلـى مِـلاطِ الـبـيـتِ

تـعـدو كـالـغـزالِ إذا انـطـلـقْ

*

شـكـراً عـزيـزي أحـمـدَ بـنَ سـعـيـدِ لـفـتـةَ ـــ قـلـتُ  ـــ ..

غـادَرَنـي ..

وأغـلـقـتُ الـرتـاجَ  ..

رمَـيْـتُـنـي فـوق الـسـريـرِ مُـضَـرَّجـاً بـلـظـى الـرَّهَـقْ

*

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وهـذا الـمـحـجَـرُ الـحَـجَـريُّ أعـمـى

والـنـوافـذُ تـشـتـكـي خَـرَســاً

فـمـا أدري

هـل الــشــفَــقُ  الـذي خـلـفَ الـجـدارِ

أمِ الــغَــسَــقْ؟

***

 

..............................

(*) أحمد سعيد لفتة: هو سائق سيارة الأجرة الذي أقلّني  من بيتي في السماوة  الى مطار البصرة وأبى أن يتركني وحدي بعد انتصاف الليل حين  تعذّر علينا دخول المطار وتحتّم عليّ الإنتظار حتى الصباح  فقاسمني النوم في الصحراء، وفي الصباح  بعد التأكد من تأجيل الرحلة عاد بي الى السماوة ... كان شهماً نبيلا .. 

مطار البصرة / السماوة 19/4/2020

 

نبيل جميل ثمة دائماً نقطة انطلاق وفي أيّ عمل فني، وهو تقليد راسخ وأمر وطيد، من اجل الارتقاء بالعمل الى مستوى السّموّ بمصاف الأعمال القرينة له، نقطة الانطلاق والتي هي نواة البناء ستحدد الموقف، الأساس في الفهم العام، الموضوعي، الواقعي أو المتخيّل، المعرفة بأيّ فن عامة، ولأننا بصدد قراءة قصة قصيرة، فسوف نتحدث عن سرد، فالأسلوب الذي اتبعه القاص في صياغة الجمل، وتركيب الأحداث، هي من الخواص التي تميّز كل كاتب عن غيره، اذ لا يوجد متشابه بين كل الكتّاب في العالم، وكذلك الموضوع، فلكل أديب زاوية خاصة به يرقب منها ويعالج، وفق تقنيات ذهنية معمّقة، بتجربة وخبرة، وإلّا كيف يمكنه الغوص والكتابة في أيّ موضوع، دون المام عام به، وايجاد طرق معالجة موفقة، وكل هذا يصب في النهاية لصالح العمل الفني الناجح (الموهبة / اللغة / الفكرة / الاسلوب / المخيلة ..) كل هذه مجتمعة تنتج لنا اديباً يتقن عمله ولا يكون عالة على القارئ، الالتزام سند يعرف الأديب كيف ومتى يستخدمه .

بعد نيسان (2003) انتشرت الأسلحة النارية، وعمّ السّلب والنهب كل مرافق الحياة، لم تسلم حتى الأخلاق! فقد تغيرت وفق مفهوم الطيش والبطش، الاجتياح الأجنبي دمّر البنى التحتية، مجازر هنا وهناك، تصفيات سياسية وعشائرية، ثارات واغتيالات بالجملة، فأصبح مُطلقي العيارات النارية يحملون تسميات عدة، واشتهر القضاء بجملته المعتادة (مصادر مجهولة) .

في قصة (نورس بلون الشمس) للقاص عبد الرزاق السويراوي والمنشورة ضمن عدد مجلة الاقلام (2/ نيسان / حزيران 2015)، نكتشف من خلالها ثمة تصاعد في حمّى الحدث، وكشف عن الذين يريدون ايقاف عجلة الناس الأنقياء الأبرياء، والمنعم الله عليهم بالبحث عن عيش بسيط وهادئ، بعد ان كانوا يعانون من ظلم وقسوة نظام حزب البعث، اغلب العراقيين تخيلوا ان التغيير سوف يجعل البلد اجمل وأروع ويعم السلام والبناء، لكن هذا التصور لم يتحقق، وظل حبيس حوار النفس مع الطبيعة والذات الإلاهية، فضاعت كل مظاهر الفرح، وخيّم غراب الموت، منذ عام (2003) والى هذه اللحظة على جوّ بلدنا العراق . هل هو البحث عن (زمن مفقود) أم هو الحكم بالمطاردة والتخفي ؟ اسئلة داهمتني وأنا اقرأ قصة (نورس بلون الشمس)، وعن فحوى الرسالة التي اراد ان يوصلها القاص الى المتلقي، كما هو معروف فإن افلاطون يرى بأنّ الفن هو محاكاة للحقيقة المعيشية، بمعنى عدم محاكاة الفكرة المجردة وانما الظاهرة، وهذا ما عمل عليه القاص، حيث اجبر المتلقي على ايقاظ ما بداخله من واقعية تراكمية، حدث مدفون في الذاكرة أو ربما مرّ به ذات يوم، لكن هل ينتهي دور القاص في الايقاظ وانهاء الحكاية؟ أم ان لهُ هدفاً معيناً ؟ هل القصة مجرد مضمون وتعدد دلالات ؟ وشكل جاهز فَرض عليه القاص موضوعه ؟ اسئلة لابد من التوقف عندها وهي التي تهم القارئ (المتابع / الواعي)، تأكيداً، فالقارئ الغبي لاوجود له بيننا، وهنا يأتي دور القاص المتمرس، الواعي، صاحب الموقف، الذي يستطيع ان يقدم عمله الفني ببراعة، تاركاً في اذهاننا اثراً مدويّاً، فالقصة ليس ايقاد فكرة ما، يتمكن القاص من الوصول الى حل لغزها، أو ترك نهايتها مفتوحة، فهناك العشرات من القصص تتناول نفس الموضوع وللعديد من الكتّاب، لكن من يبدع في تقديمها بشكل ومضمون مميز يستحق وبجدارة ان نطلق عليه قاص مبدع، خاصة اذا ما اهتم بالجانب الانساني، النفسي، الهاجس، الحس، الاشباع، الرغبة في الاستمرار لمعرفة النهاية، الموقف، سحب القارئ دون اعطائه فرصة لرفع عينيه من الورقة، الشد، بالإصرار على مواصلة الدرب، من يصل قبل الآخر القاص أم القارئ ؟ (الخبّاز) أم (الرصاصة)، طائر (النورس) أم (بزوغ قرص الشمس)، ثنائية جميلة وليس مكررة بملل، ترسبات تجارب، ذكريات وأحلام، تداعي، استخراج ما في النفس من احداث، بدفق سردي دقيق، بعيداً عن الغموض، رسم شخصية (الخبّاز/ البطل) وكيفية حصوله على المخبز، بعد ان كان عاملاً فيه : (كان المخبز يعود لرجل ظل يديره لفترة، بمعونة ولديه اللذين ازدردهما وعلى التعاقب فم تنين، لحربين متعاقبتين، فلم يتحمل الرجل هاتين الصدمتين، بحيث داهمته الشيخوخة، قبل اوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، ما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له .. انت أولى بالمخبز من أيّ شخص آخر لأنك طالما تعبت معنا فيه ..(، لكن الرجل لا يعلم بأن فم التنين ما يزال مفتوحاً وازدرد العامل الوفي ايضاً، (التنين / الموت)، (الأمل / الأمنية)، الأمنية تحققت لكنها الآن اضحت ضريحاً غارقاً في نهر دجلة : (يتواصل اندفاع الرصاص، الرؤية لديه تشوشت حتى انه أمسى غير متأكد من انه اصيب برصاصة في كتفه الأيسر، أم لا ؟؟ وكل الذي شعر به الآن هو ان حركة يديه ورجليه تباطأت، وان جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهول، تاركة بعض بقع دائرية حمراء لا حصر لها)(.

الموت في قصة (نورس بلون الشمس) هو ليس موتاً عادياً، مبتذلاً كأيّ موت نمر به اثناء القراءة لبعض القصص والروايات، الموت هنا مصحوب بهالة من الاصرار الذي لا يخلو من دهشة، اذ ربما يتساءل قارئ ما : " ترى لماذا لم يعد الخبّاز ادراجه لحين انتهاء عملية اطلاق النار ؟" تساؤل تشوبه عاطفة قارئ عادي، وأنا متأكد كوني كاتب قصة بأن (السويراوي) قد فكر بهذا الأمر، لا اقصد ما تساءل به القارئ، بل ما سوف يفكر به مثل هؤلاء القرّاء، انها لحظة التخيّل، الاشراك وعلى كافة المستويات من القراءة، القاص لاعب ماهر والقارئ ساحة مفتوحة من المشاعر، انها ليست عملية نجاة من الموت بل عملية استمرار في اتخاذ قرار، رغم ما مرّ به (البطل / الخبّاز) طوال سنيّ حياته، حروب، حصار، غلاء معيشة، دمار البنى التحتية، العوز الدائم لمظاهر العيش، انها حقائق تصل بنا لأعماق ذواتنا، تخبرنا بأن الأحداث هي من تتحكم فينا، واحياناً تنوب عنّا في رسم المصائر، مهما حدنا عنها، لكن الحياد لا يكفي للخلاص من المجهول .

خاتمة

(على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحت تحلّق عقب توقف اطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي، وطفقت حركة المارة والسيارات تمارس ضجيجها اليومي)، ان هذا (المقطع / النهاية) يعطينا انطباعاً بالاستمرار، بريق أمل، درب حرية، طوق نجاة، بشرى وفرح.. لكن تبقى المخاطر تتحين الفرصة المناسبة للخروج، أماكن مغيّبة وبؤر معبّأة، هنا أو هناك، صور وافية عمّا جرى ويجري، كاميرا القاص هي من اعطت الوصف للمكان والزمان، وغاصت في الأعماق.. ذهنية الخبّاز، هواجس النورس، مطلقي الرصاص المجهولين، ولأنهم مجهولون فلم يحدد القاص تسميتهم، لذا فضّل ترك ذلك للقارئ فهو من يختار، اذ تعددت الأسماء والجرم واحد . ليظلّ حلم البحث عن برّ الأمان هو الهاجس المهيمن، والمهمة الشاقة، المليئة بالعقبات، حلم يراود كل انسان عراقي، تحولت حياته الى عملية هي اشبه بتقطيع سينمائي، ولا يدري في ايّة لحظة يتم فيها (قطع / حذف) (المشهد / الدور) الذي يظهر به .

 

نبيل جميل

..........................

القصة

نورسٌ بِلونِ الشمْسِ

عبدالرزاق السويراوي

لسنواتٍ عديدة، تعوّد النهوض مبكّراً مع أوّل ترنيمةٍ لأذان الفجر، تصْدحُ بها مئذنة المسجد القريب من بيته، بعدها، ببضعُ دقائق، وريثما يسْتبدل ملابسه، ينسلّ بجسده الناحل في فضاءات أزقّة محلته الغارقة في الظلمة، إلاّ من بعض مصابيح متناثرة، هنا وهناك، فيبدو شحوب ضوؤها، ناعساً، يحاكي نعاسَ عينيه، ما يضطرّهُ بين الوهلة والأخرى، لتمريرِ أطراف أنامله عليهما. شارف على الوصول الى نهاية الزقاق الأخير، والذي يتصالب عند أحد طرفيه مع الشارع الرئيسي الممتد بموازاة نهر دجلة. ينعطف في سيره، يساراً، حيث الجسر الذي يتحتّمُ عليه عبوره، كما دأبَ على ذلك، في رحلته اليومية فجر كل يوم، ليصل أخيراً الى مخبزه الكائن في الضفة الأخرى. كان يحرص كثيراً، على الوصول الى مخبزه، قدر الإمكان، قبيل شروق الشمس .

في السابق، كان جلّ اهتمامه، هو امتلاكه لنفس المخبز، بدلاً من العمل فيه بأجرٍ يومي مثلما عليه الحال، أيّام كان المخبز، يعود لرجلٍ ظلّ يديره لفترة، بمعونة ولديه الذين ازدردهما، وعلى التعاقب، فمُ تنّينِ، لِحرْبينِ متعاقبتين، فلم يتحمّل الرجل هاتين الصدمتين بحيث داهمته الشيخوخة قبل أوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، مما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له... أنت أولى ببيع المخبز لك من أيّ شخص آخر، لأنك طالما تعبتَ معنا فيه... هكذا برّر الرجل، فإبتاع المخبز منه، منذ ذلك اليوم .

الشارع الرئيسي، ما زال خالياً من المارة، في مثل هذا الوقت، ومن السيارات أيضاً. لم يبقَ بينه وبين مقترب الجسر، سوى أمتار قليلة. شعر بمداعبة النسمات الربيعية لوجهَه بحنوّ فاستجاب لها جسدُهُ، إذْ تحرّرَ من بعض خمولِ ليلةٍ أرِقَ فيها كثيراً ولم ينلْ كفايته من النوم. واصلَ سيرَه. مصابيحُ أعمدة الإنارة، رغم خفوت ضوؤها النسبي، بدّدَتْ مساحات ممّا تبقّى من ظلمة الفجر الذي ما زال يفرش رداءه على معظم الموجودات. تنبّهَ لظلّه وهو يتعملق تدريجياً من أمامه، كلّما ابتعد حثيثاً عن عمود الكهرباء، ليتلاشى تماماً أو يكاد، وحين يقترب من عمود مصباح جديد، يعاود ظلُّهُ الالتصاق على أسفلت الشارع ولكن هذه المرة من خلفه.. تتكرّرُ عملية انعكاس ظلّه، من الأمام ومن الخلف، على التناوب، كلّما ابتعد، أو اقترب، من عمود كهربائي يحمل مصباحاً في أعلاه. في لحظة مباغتة، انطلقت رشقةُ رصاصٍ من الزوايا المشبّعة بالعتمة من الضفة الأخرى للنهر، مزّقتْ السكون المطبق فسمعَ موجَ النهر، يردّدُ صداها بوضوح، أعقبتها رشقةٌ أخرى، كأنها جاءتْ لتتناغم مع الرشقة الأولى، غير أنها انطلقت هذه المرة، من على يمينه، حيث تتوزع الكثير من البيوت. ارتبك فورَ سماعه لعلعة الرصاص، فشعر بقدميه يتسمّران فوق الشارع، لكن تزايد كثافة إطلاق الرصاص، ومن الجهتين، أعانَ قدميه على أنْ فكّ عقدة الارتباك منهما ليركض مسرعاً باتجاه مقترب الجسر، إذْ خمّنَ في لحظة وامضة، لم تأخذْ من تفكيره، عُشْرَ عشرٍ من أجزاء الثانية، فرأى أنْ لا خيار له للرجوع من حيث أتى، وينبغي عليه مضاعفة سرعة ركضه نحو مقترب الجسر، علّه يوفّر له ملاذاَ أكثر أماناً ليختبئ خلفه. وصل المقترب وهو يلهث بشدة، فيما نظراته القلقة تمسح كلَّ الاتجاهات دون التركيز على نقطة بعينها. حدّةُ الرصاص وكثافته آخذة بالازدياد ومن وجهتين متقابلتين. داهمه رعبٌ شديدٌ، خصوصاً حين أبصر لونَ الرصاص الجمري، فتخيّله مثل رزمٍ مبعثرة لعشرات من السجائر التي أُشْعلتْ في وقت واحد لتطرّزَ بحمرتها، ظلمةَ كلِّ الفجوات التي تمر بها، بعضها يصل مداها الى البيوت البعيدة نسبيا، فيصطدم بجدرانها ليرتد متقهقراً. خياراتٌ بعينها، باتتْ الآن تتقافز كفقاعاتٍ، أمام ذهنه الذي أوشك أنْ يفقد قدرته على التركيز، وأيقنَ بعبثيّة المكوث أطول حيث يختبئ الآن لصق الجدار الحديدي لمقترب الجسر، فثمة رصاصة، وربما أكثر، أصابتْ هذا الجدار. وبالرغم من تشوّش ذهنه، رجّحَ خيارَ القفز في ماء النهر... ولِمَ لا؟ وأنا الذي شهدَ لي كلّ أهل محلّتي، ببراعتي في السباحة منذ صباي.. فأنا ابن الماء، ابن دجلة!...

وهو يرمي بجسده في النهر، حسم أمر الإسراع بالسباحة والوصول الى الدعامة الكونكريتية الأولى للجسر، وليس أكثر من مرور دقائق، إنْ هو ضاعف جهده في السباحة، فسوف يصلها حتماً في الوقت المناسب. هكذا قدّر المسافة التي تفصله عن الدعامة الكونكريتية الاولى للجسر. أحسَّ ببرودة الماء تسري في جسده، فأكسبته نوعاً من اللذّةٍ لم يشعر بمثلها من قبل، لكنها كانت لذّة ممتزجة بالخوف، فالرصاص ما أنفكَّ يعاود الترتيلَ. اندفع بعزم أشد للوصول الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى. اقترب منها أكثر. تخيّلها مثل جبلٍ أسطوري وهي تجثم بجبروت فوق صدر النهر. كان يعوّل على وصوله الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى للجسر، بأنها ستجعله بمنأى عن وجهتي الرصاص النازف من الجهتين. رشقات جديدة أصاب بعضُها جزءاً من هيكل الدعامة، فأصابه القنوطُ، غير أنّ هاجساً لأملٍ في النجاة، دغدغ خيالَه، حين لمحَ انحساراً تدريجياً لخيوط ظلمة الفجر... لعلّهم، سيلوذون بالفرار حين يبزغ قرص الشمس، فالأفق الشرقي، أخذ يتسربل حثيثاً بجلبابِ حمرةِ خيوط الشمس التي أوشك قرصُها على أنْ يعتقَ نفسَه من قبضة سجن ظلام الليل.

وهو يسرع نحو الدعامة، حانتْ منه التفاتة، فأبصرَ الأمواجَ ترسم دوائرَ تتوالد من نقطة جسده الغاطس في الماء، فكانت تتّسع شيئاً فشيئاً كلما ابتعدت عنه، لتتلاشى، ومن ثمّ تتوالد أخرى غيرها من جديد، في حركة تراتبية بطيئة نوعاً ما. وصل الدعامة، لكن الرصاص هو الآخر، بات يصلها أكثر من ذي قبل، فلم يتمكن بعد، من العبور الى جهتها الشمالية. أيقن بتأزم الوضع وأنّ الخيارات أمامه، وصلتْ حدود الّلا خيار، أو أنها باتتْ متساوية في درجة انعدام جدوى أيّ خيار.. من بعيد، شاهد أوّل نورس وفدَ من الجهة الجنوبية.... قد يكون هو الآخر، تورّط مثلي، إذْ جازف بالتحليق.. لاحظ اصطباغ جناحيه البيضاويين بحمرة شمس الصباح، فأضفتْ على بياضهما نصوعاً أخّاذاً. لكنه ما زال بعيداً عنه بعض الشيء، فلربما توهّم في تقدير المسافة التي تفصل بينهما.

يتواصل اندفاع الرصاص. الرؤية لديه تشوّشتْ حتى أنّه أمسى غير متأكد من أنّه أصِيبَ برصاصة في كتفه الأيسر، أمْ لا؟ وكل الذي يشعر به الآن، هو أنّ حركة يديه ورجليه، تباطأت، وأنّ جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهولٍ، تاركة بعضَ بقعٍ دائرية حمراء، لا حصر لها، وثمة نورس، يترنح في طيرانه أوشك أنْ يسقط قريباً من مركز دوائر الأمواج الحمراء التي ابتلعته بالكامل، لكن النورس تمكّنَ بحركة ارتدادية، من استعادة توازنه فيواصل طيرانه ماراً بالقرب من الدعامة الأولى ومن ثم ليجتاز الجسر من الأسفل.

على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحتْ تحلّق عقب توقف إطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي. وطفقتْ حركةُ المارة والسيارات تمارس ضجيجَها اليومي.

 

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس*

ترجمة صالح الرزوق


ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع النثر العادي> هي نتيجة حالة إدراكنا، وهي ليست ناجمة عن صفات نوعية خاصة”. وعليه دور الفن أن ينعش الإدراك، لأنه دائما بخطر التعرض للخمود، والدخول في دورات أوتوماتيكية عادية. وبتعريف شكلوفسكي الفن “أسلوب لاستعادة خبراتنا الواعية، والتحرر من العادات الميتة والميكانيكية في سلوكنا” بشكل عام.  وبتخليص الواقع العام من “ألفته” والاقتراب منه بطريقة غير روتينية، يخلصنا الفن من خمولنا ويذكرنا أن الإدراك مسألة متحركة. وأفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف يكون بواسطة أعمال  تتطور طوعيا، وتقودنا إلى الدخول في طور الوعي، وبذلك تخفي تحسسنا من أساليبها ومادتها وأشكالها، وتضمن ذوبان “الطبعنة” الكسولة التي قد تحيط بطريقة تعرفنا على القوانين والتقاليد:

وبـ “تغريب” الموضوعات والأشكال المعقدة، يجعل الفن الإدراك مسألة تحتاج لوقت مطول و“متعب”. ويكون لطريقة الفهم هدف خاص به فقط وعليه أن يتوسع بأكبر قدر ممكن. إن الفن طريقة من طرق فهم وتجريب آليات الإبداع.  ويلعب الاحتكاك والكدح والسوداوية في كتابة المحكيات دورا جماليا تحرريا في نطاق الحدود المذكورة هذه. فالقراءة، وأن تكون على درجة من الوعي بعمل القراءة  نفسه، جانب مختلف من جوانب الإدراك الأدبي، ولا يكتفي بمعالجة الكلمات المستعملة والمتكررة (أتوماتيكيا، أي دون وعي) وكأنها كل “مضمون” الألفاظ. وانسجاما مع هذا المنطق يكون المستوى الفني الخاص بالكاتب مجرد “أثر منتزع عمدا من مجال الإدراك التلقائي”، ويعمل على تنبيهنا بجدواه فيما يتعلق بالتحوير الفني. ولكن هل يمكن للخطاب “الطبيعي” حقا أن يكون أساسا لمثل هذه الآثار؟. يقدم فريدريك جيمسون في صياغته لموقف الشكلانيين دعوة مفتوحة لنا لدراسة محكيات كيلمان وتأثيراتها وذلك بضوء “التغريب ostranit” الذي اقترحه شكلوفسكي. يقول عن ذلك: بدأ الشكلانيون بإثبات أن الخطاب الشعري من عدة جوانب يعادل لغة الكلام العادية وكأنه لهجة من اللهجات... واللغة الشعرية  لهجة تعمل على جذب الانتباه إليها، وهذا الانتباه يقود لإدراك متجدد يشمل نوعية المادة اللغوية نفسها.

لنقلب هذه الفكرة رأسا على عقبونتساءل: إذا كانت اللغة الأدبية “لهجة” من لغة عادية، هل إن كتابة اللهجة - حتى اللهجة “غير الشعرية” -  شيء له نفس التأثير،  ويجدد إدراكنا للألفاظ ببساطة، فقط  لأنها “كثيفة” مثل اللغة القياسية  أو  المكتوبة؟. هل إن كلمة “لا يعلم doesnay” لا تلفت الانتباه لها بنفس الطريقة التي سماها  شكلوفسكي “الحساسية الشعرية”، ومثل ”عادي natchril” و“ أكتر  mair” و“الاتنين baith”؟. ومثل “شعرية” شكلوفسكي إن كتابة المحكيات هي  إبداع “متعمد” يختاره الفنان بطريقة تدفع المتلقي، للتمهل خلال القراءة، والتفكير بالنص. وهكذا يمكن للعمل الأدبي أن يفرض أعمق نوع من أنواع التأثير الدائم. إن الأثر الغريب الذي نجده في اللهجات والمحكيات أو الأشكال غير القياسية - وهو ما يسميه دورا أحمد ببساطة (نقلا عن كين سارو - ويوا) “الإنكليزية الفاسدة” - قد بدأ يلعب  بسياق استاطيقا الكلام الجازم.  إن نصوص المحكيات، عوضا عن أن تكون “أكثر واقعية” من الفن، وبتجاوزها للدلالة وتقمص الطبيعانية والأصالة، أصبحت حجر الزاوية في الصيغ  الأدبية السائدة والتي تنتج عن احتكاك وتلامس يؤدي للفهم والوعي:

وكما يقول أرسطو، على اللغة الشعرية أن تكون لها خاصية شيء غريب، شيء متميز.. وفي النهاية نصل لتعريف الشعر على أنه لغة كلام محرف ومتحول. 

اللغة “المحلية” ببساطة هي نص “غريب”، وهو ما سمح لكيلمان بالنفاذ إلى نوع مزدوج وغريب من الاغتراب. وهو بذلك يحتل موقعا معاكسا  لما قال عنه شكلوفسكي “اللاأتمتة”  - الوعي الذاتي المنعش لإدراك الألفاظ - وعليه يمكن تأصيل “اللغة الطبيعية” التي لم تفسدها تقاليد المجتمع أو الضوابط الألسنية: لغة رومنسية معفاة من الأتمتة لأنه من المفترض أنها تنبع مباشرة من الطبيعة. ولمثل هذا التحفز تاريخ تجده في “اللغة البسيطة والمباشرة” التي تبناها وردزورث واقتبسها من “حياة القاع البطيئة” وفرضها على “القصائد المغناة “Lyrical Ballads ” بغاية تقريب الصيغ اللفظية (والذوق المتبدل” بسبب موت الأساليب) من عناصر الطبيعة. هذه “اللغة البشرية الحقيقية “تتقمص” عاطفة الإنسان.. وتندمج بالأشكال الجميلة والدائمة للطبيعة”، ومنها في النهاية تتطور تلك اللغة”.  وكما يقول أتريدج “بهذا الخصوص علينا أن نكبح الفكرة القديمة عن الشاعر والتي ترى أنه حرفي، لأن أي وعي حيال أي كلمة يخلق مسافة تفصل بين لغة الشاعر واللغة الحقيقية التي  تتطور ضمن ظروف عاطفية معينة”.   وعليه تحتل المحكيات مكانا إستاطيقيا على مسافة بعيدة أو قريبة من الحقيقي، فهي تدل على كل من الطبيعة نفسها والأداة الواعية. من ناحية غرابة المحكيات - المنحرفة عن”النفس”- تتضمن قراءة منهكة، ونصا يدرك نفسه و(حينما تكون بشكل لغة سردية) تبدو بشكل ظل على نافذة نرى منها ما فوق الخطاب الواقعي. من ناحية مقابلة، يتجنب كيلمان الصوت الرومنسي بإلقاء المحكيات إلى الخلف لتنطبق على نفسها. وهكذا لا يمكن السماح لغرابتها أن  تضاعف من دور المعايير الجديدة المنافسة، وأن تصنع سلطة خطاب مستقر (كموضوع - أو كميتا لغة)، أو أنها تساعد “ألفتنا بها” لتكون مثل أصل للغة ذات جذور.

وعليه إن كيلمان ليس نوعا عائما من الواقعية “المباشرة”، ومقاربته للغة،  بالرغم من من انتمائها للصحافة، ليست طبيعية. وليس هناك كلام “فعلي وحقيقي” في أعمال كيلمان، ولكن تحتل المساحة “موسيقا حقيقية فعلا” - فاللغة بعيدة عن روح الروتين وبرود القواعد وتلاحظ أنها سلسلة من المناسبات الشعرية المنعشة. وهذا التيار اللغوي المتدفق “حقيقي” مرتين: مرة لأنه يتجنب الارتباط بالتقاليد السائدة، ويحافظ على أصالته (يحتفظ بواقعيته بالمعنى الذي تجده في محطة MTV)، ومرة ثانية  لأنه يجعلنا واعين بالبروتوكولات الرومنسية “من أجل الاحتفاظ بروح الواقع” (حيل النص ليظهر حقيقيا)، ولكنه جزئيا يعمل على الغدر بها وخيانتها.

بتعبير آخر محكيات كيلمان هي تغريب للذات (تنحرف عن شكل لغة الأدب الإنكليزي الرسمي) وهي اغتراب ذاتي باعتبار أنها تبدل من ترتيب عضوية “الحضور” الصوتي الرومنسي. والمؤثر الثاني أكثر صعوبة على عين الملاحظ، لأنه لا يتم إدراكه إلا من داخل أشكال معروفة من الفن الشعبي الدارج  (سرد اللهجات). ولكن هذا لا يعمينا عن حقيقة أن التوتر الأساسي  في أعمال كيلمان موجود بين مساحة صوتية غامضة - جوهر الكلام الاجتماعي “المحلي” يكون صادقا بتطوره وإعادة إنتاجه - وبين الأسلوب الذي يضع “اللغة الحقيقية” على مسافة منك: إنه إضفاء جماليات نوعية على المألوف وهو ما يضمن لنا درجة من التحرر من المعطى والتجريبي، ويفتح الطريق لاحتمالات إبداعية في نشاط القراءة. إن كيلمان لا يكتشف فقط، على امتداد محور التجربة الألسنية، ما لحق  بالثقافة العضوية و“الطبيعية” من تصنيع وتكلف. ويمكن لنا أن نراه في روايته “النفور disaffection”  يربط هذه المشكلة الألسنية بأجندا إستاطيقية أوسع، ويفحص، بزوجين من الصور الأساسية، إمكانية الإستثنائيات الفنية - الموضوع “الغريب” الذي يجدد ويحرر الإدراك والفهم، بمواجهة خلفيات الروتين اليومي - وإمكانية سيادة فن شعبي له جذور في ما ينتجه المجتمع من “معطيات” وأشكال مألوفة.

 

.............................

* ناقد من اسكوتلاندا في مجال الأدب السياسي. أستاذ في جامعة ستيرلنغ البريطانية. المصدر مراسلات شخصية.

 

محمود محمد عليفي ظلّ الأجواء التي تخيّم على العالم جراء استفحال وباء فيروس كورونا تداول الكثير من القراء وعشاق السينما، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الكثير من الأعمال الروائية والسينمائية التي تناولت هذا الموضوع في سياق كلاسيكي لأوبئة وجوائح فتاكة عرفتها البشرية على مر تاريخها كالطاعون والكوليرا والسل، وأخرى ذات طابع خيالي تم تناول أغلبها في إطار وصف مجتمعات ديستوبية Dystopia مستقبلية تمثل لكتابها, وخصوصا منهم كتاب الخيال العلمي الغربيين، آخر مراحل التواجد البشري على الأرض.

لكل وباء أو كارثة أو مأساة كِتابها المفضل، ورواية “الطاعون”  La pest(1947) للأديب الفرنسي “الوجودي” ألبير كامو، من أشهر هذه الأعمال التي عرفت انتشاراً واسعاً في أدب الأوبئة والجوائج ؛ وقد جاز بها علي جائزة نوبل في الأدب، كما أن هذه الرواية تعد أول نجاح كبير للكاتب من حيث المبيعات (161000 نسخة في السنتين التي تلت النشر، وملايين النسخ منذ ذلك التاريخ).

ومع تفشي فيروس كورونا في عام 2020، كانت الرواية الأكثر مبيعًا، كما أشارت صحيفة البيان الإماراتيّة إلى أنَّ دار «بنغوين» للنشر أعادتْ طباعة الترجمة الإنجليزيّة للرواية تلبية للطلب المتزايدِ عليها، لاسيّما وقد نفدَ المخزون منها على موقع «أمازون» مع ارتفاع المبيعات في الأسبوع الأخير من فبراير بنسبة 150% عن نفس الفترة من عام 2019، وفي حين تصدَّرت الرواية قائمة المبيعات في إيطاليا، ارتفعت مبيعاتها في فرنسا أيضا بنسبة 300% عن العام السابق.

وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن رواية “الطاعون” للفرنسي ألبير كامو عام 1947، و«العمى” للبرتغالي جوزيه ساراماجو عام 1995، شهدتا انتعاشا في المبيعات بمكتبات إيطاليا، منذ اندلاع الأزمة الصحية في العالم.

آمن ألبير كامو بالفن أداة لمواجهة عبثية الحياة و" لاجدواها"، وقال " الفن عكس الصمت"، ورفض فكرة الانتحار بعكس باقي رموز الوجودية من الكتاب والفلاسفة، وبالإضافة إلي " الغريب" و" أسطورة سيزيف"  و" المتمرد" ترك كامو العديد من المؤلفات الأخري،ومنها رواية " الطاعون"، التي تدور أحداثها في مدينة وهران الجزائرية، وتتناول فكرة القدر الفردي للإنسان ومواجهة سكان المدينة لقدرهم الجماعي التمثل في الموت بسبب الطاعون. وتسرد الرواية حالة من الرعب تقارب بشكل رمزى ما يحدث فى الواقع المعاصر، حيث يؤدى الغزو للبلد من قبل جماعات الجرذان، إلى ارتفاع نسبة حصاد الموت دون وضوح سبب الموت الجماعي في البداية.

والحقيقة أنّ رواية كامو حول الطاعون كانت جدّ ثريّة بالمعطيات النفسيّة والاجتماعيّة لردود فعل أهالي المدينة (وهران) تجاه حالة الوباء، إضافة إلى المعطيات الطبيّة الدقيقة حول أعراض الطاعون وكيفيّة تعامل الأطبّاء معه في عقد الأربعينات من القرن الماضي.

وقد قيل بأنه في هذه الرواية سرد ألبير كامو من خلالها قصة واقعية جرت عام 1940 م في الجزائر في مدينة وهران، وصف فيها طبيعة الشعب الجزائري وعاداته وتقاليده ونضاله في صراعه ضد الاستعمار وضد التخلف والجوع وضد الطاعون الذى حصد الآلاف من الضحايا، ويعلن المجلس البلدى أن الوباء قد زال، وأن أبواب المدينة ستظل مقفلة والتدابير الصحية ستبقى على سبيل الاحتياط والحذر تحسبًا من عودة المرض مرة أخرى.

وخلالَ الرواية وضعنا كامو حرفيًا في أجواء الوباء، حيث وصفَ لنا أعراضه وعواقبه، لكن البعض رأى أن الميكروب كما بدأ من خلال عدسة المؤلف لم يكنْ فسيولوجيًا بقدر ما كان اجتماعيًا، فكريًا وفلسفيًا. وعلى الرّغم من أن روايته تتعقب تطوُّر وباءِ مُعين في مدينةٍ وبلدٍ وإطارٍ زمنيّ محدد، فإن موضوع كامو الحقيقي يقع خارج الزمان والمكان، خارج الرُّقع الجغرافية والأعلام والعملات والأناشيد الوطنية؛  يقول كامو إنَّه ضعفٌ إنسانيّ عالميّ: “الجميع يعرف أنَّ الأوبئةَ لها طريقةٌ متكررة في العالم، ولكنْ بطريقة ما نجدُ أنَّه من الصّعب أنْ نعتقد في أنَّها قد تسقط علينا فجأةً من السماء “.

بعد هذه المقدّمات، أعود الآن إلى تفاصيل الرواية،  فهي تتحدّث عن طبيب فرنسي يدعى الدكتور برنارد رييو Bernard Rieux يعيش في وهران بالجزائر (ولكن كلّ الذين يتعامل معهم في المدينة هم من الفرنسيّين، في تغييب كامل للسكان العرب!) وتعاني زوجته الشابة من مرض عضال استوجب نقلها إلى مدينة أخرى خارج وهران حيث تتوفّر ظروف أفضل للعلاج. وفي الأثتاء قدمت أمّ الطبيب لتعيش مع ابنها وتساعده في شؤون البيت.

في مدينة وهران، بدأت آلاف الجرذان، التي لم ينتبه لها الاهالي في البداية، تموت في الشوارع. وبعد ذلك، أخذت تلك الهستيريا بالتنامي والازدياد، الامر الذي جعل الصحف المحلية تتناول هذا الحادث. وبعد استجابتها لضغوط الاهالي، تأمر السلطات بجمع الجرذان الميتة وحرقها، غير مدركة أن تلك المجموعة نفسها كانت العامل المحفز لانتشار الطاعون الدبلي.

ثم يسرد كامو أحداث الرواية التي تبدأ في صبيحة السادس عشر من أبريل على لسان شاهد غامض، حين يرى الطبيب «برنارد ريو» ذلك الجرذ اللعين ميتاً أمام عتبة البناء الذي يسكن فيه، لم يعره أدنى اهتمام حينها، حيث اكتفى بإلقاء نظرة عليه ثم قام بركنه جانباً، لكن وبعد تكرار حوادث موت الجرذان يبدأ الطبيب بالتساؤل «أمن المعقول أن يكون الطاعون...؟!».

وهنا لاحظ برنارد ريو في البداية موت الفئران في المدينة بطريقة لافتة، ثمّ أصاب مرض غامض بوّاب العمارة وأودى بحياته دون أن يتمكّن الطبيب من إنقاذه. ثمّ بدأ المرض ينتشر تدريجيّا، ممّا جعل الدكتور وبعض زملائه يقتنعون بأنّها من أعراض الطاعون. وبذلك دُفعت السلط الجهويّة إلى إغلاق المدينة كليّا ومنع السفر منها وإليها. وانطلقت إنذّاك معركة الدكتور الكبيرة ضدّ الطاعون، حيث بدأت أعداد المصابين تتكاثر إلى أن صارت تعدّ بالمآت كلّ أسبوع. وقد دعا الطبيب إلى عزل كلّ الأشخاص المصابين وإلى عزل كلّ الذين تعاملوا معهم… ولم يجد لديه أيّ دواء فعّال ضدّ الوباء فكان يستقبل المرضى في المستشفى ويحاول تطهير تقرّحاتهم ومدّهم بالأدوية المتاحة التي لم تظهر أيّ جدوى في مواجهة المرض. كانت الحمّى الشديدة تلمّ بالمرضى إلى جانب أعراض أخرى جلديّة وتنفّسيّة تزيد من معاناة المصاب وألمه وتؤدّي به في الأخير إلى الموت. وكان الموتى يُدفنون في البداية في مقبرة المدينة ثمّ ارتفع عددهم فصاروا يدفنون في مقابر جماعيّة وأخيرا  صارت جثثهم تحرق فلا يبقى منها إلاّ الرماد. وكما داهم الطاعون أبناء المدينة دون استئذان فإنّه غادرها بعد عشرة أشهر ليعيد إليها طمأنينتها إلى حين…

ولم يكن الدكتور ريو يواجه لوحده وباء الطاعون بل وجد مساندة من بعض المتطوّعين من المنتسبين إلى المجتمع المدني على غرار السيّد تارو  Tarrouوالقسّ بانلوPaneloux  والصحفي رمبارRambert  والقاضي أوتون  juge Othon ولكلّ واحد من هؤلاء قصّته..

أيام قليلة فقط ويبدأ الموت يدبّ إلى الناس أيضاً، وتزداد الوفيات يوماً بعد آخر، ولا أحد يجرؤ أن ينطق باسم ذلك الوباء المفجع، لكن حين تصل الوفيات إلى حدود اللا معقول، يعترف الناس بالحقيقة المفجعة أخيراً «المدينة مصابة بالطاعون»، وهنا تُسيّج المدينة، وتغلق منافذها تماماً، وتعزل عن العالم الخارجي.

ونعود إلى الدكتور “رييو” الذي صرّح في الفصل الأخير أنّه هو الراوي الحقيقي للأحداث وأنّه التزم التجرّد والحياد في نقلها، مستعيناَ أحياناَ بمذكّرات تارو، وصورة الطبيب في الرواية تمدّنا بشخص هادئ، مسؤول، مفعم بالنشاط، يحترم الآخرين ولا يعامل أحداً باستعلاء… نسّق هذا الطبيب إجراءات الوقاية والإسعاف والمرافقة للمصابين بالطاعون في مدينة وهران، وواكب عن قرب ما حصل في المدينة خلال إصابتها بالطاعون وقام بواجبه الطبّي والإنساني على أحسن وجه.

إن أكثر الشخصيات جدلاً فلسفياً هي شخصية الطبيب «ريو»، والذي يبدو أنه البطل الذي اختاره «كامو» لروايته، وذلك لدوره في مواجهة الطاعون، حتى في الحالات التي يتملّكه اليأس، ويبدو له أن ليس ثمة أمل بالنجاة، إذ يواصل «ريو» أبحاثه مدفوعاً بما يسمّيه بالواجب الأخلاقي، حيث يجسّد النموذج الذي سيحمل أعباء البشرية على عاتقه، ويكافح في سبيل تحقيق الخلاص الجماعي!

فالطبيب يمثّل مشاعر الثبات والعقلانية، وهو الشخص الذي يعلم خطورة الطاعون، ومع ذلك لا تزال مشاعره ثابتة؛ بسبب تعرّضه لأكثر من حالة مصابة يومياً، ومواجهته للهلع والخوف كل يوم، حتى أصبحت الحالة في المدينة لا تعنيه وإنما ينتظر الموت أو فناء المدينة بثبات؛ ويقول نقاد أن طاعون كامو في حقيقة الأمر ليس المرض نفسه وإنما النازية الألمانية التي احتلت أوروبا وأرادت إبادة البشر.

وفي رواية الطاعون ثمة إسقاط علي واقع البشرية التي واجهت حربين عالميتين مدمرتين، كما أنها ما تزال تواجخ أخطار الحروب والأمراض والفقر والجهل وغيرها من المآسي وفي أغلب أعمال كاموا يكون الحديث هو قدر مفاجئ تجد الشخصيات كلها مضطرة للتعامل معه وقبوله . فمرض الطاعون يظهر فجأة في المدينة التي تعزل فيما بعد عن العالم الخارجي كإجراء وقائي من قبل السلطات لضمان  عدم انتقال المرض، وهنا يبرع كامو في تصوير معاناة السكان الذين يتوقون للمساعدة الخارجية دون جدوي فيقول علي لسان بطل الرواية  الطبيب ريو:" إن الناس يتعبون من الشفقة إذا كانت الضفقة غير مجدية"، وفي ذلك اختصار لمضمون فلسفي عميق يشكل جزءً مما أراده كامو قوله في روايته؛ كما تطرح الرواية أسئلة حول ماهية القدر والوضعية الإنسانية. تغطى شخصيات القصة طبقات اجتماعية مختلفة من الطبيب إلى المطلوب لدى العدالة، ويصف وقع الوباء على الطبقة الشعبية.

رواية «الطاعون» هي تجسيد لفلسفة «ألبير كامو»، والتي تتمحور حول فكرتين أساسيتين هما «التمرّد والعبثية»، وهي في الوقت نفسها تطرح رؤية حول الموت والوجود، وأسئلة فلسفية تتعلق بماهية القدر والوضعية الإنسانية، إذ بعد عشرة أشهر قاسية ومرعبة يبدأ وباء الطاعون بالاختفاء بفضل تكاتف الجميع وسعيهم لتحقيق خلاصهم الجماعي، إذ نجح الطبيبان «ريو» و «كاستيل» بإنتاج مصل مضاد أعطى مفعولاً في وجه الطاعون، ليترقب «ريو» نشر الإحصاءات العامة التي كانت تذاع في مطلع كل أسبوع، فإذا هي تكشف عن نهاية الوباء.

حسب الصحيفة الفرنسية، فإنه “على مر العقود، أدى الطاعون إلى قراءات متعددة من زوايا مختلفة، إذ يصف النقاد رواية كامو، بتجسيد صراع المقاومة الأوروبية ضد النازية، والدليل على ذلك، أن هذا العدو الذي لم يكشف عن اسمه، اعترف به الجميع، وفي جميع بلدان أوروبا، لكن لا يمكن رؤيته بالعين المجردة”.

كما يناقش كامو قضية أخلاقية مهمة تتمثل في مسؤولية الانسان عن بقية البشر، والتشابك الغريب بين السعادة الفردية وبين الالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين، ويصور كامو كيف أن من يسهمون في تخفيف المعاناة عن غيرهم، هم أكثر الناس سعادة وراحة، بينما الأشرار هم الأنانيون الذين لا ينظرون للوباء على أنه خطر مشترك.

يؤرخ العمل التفشي السريع والانحسار البطيء للطاعون بمدينة وهران الجزائرية الساحلية، في وقتٍ ما في أربعينات القرن الماضي، وبمجرد ما أعلن الوباء المتباطئ عن وصوله حتى خيّم على حياة وعقول أهل المدينة قرابة العام، حينئذ رحل مسرعاًَ وغير قابلٍ للتفسير، "تسلل خلسة عائدا إلى الجحر الغامض الذي انبثق منه".

كان هدفه من العمل هو تناول موضوع العدوى التي قد تباغت أي مجتمع على نحوٍ مجازي كالكوليرا والإنفلونزا الإسبانية والإيدز والسارس وكوفيد 19، وحتى الأيديولوجيات الهدامة كالفاشية والشمولية التي تصيب مجتمعات بأكملها. عندما كان كامو يكتب هذا العمل، رأى النازيين يقتحمون باريس في سنة 1940 خلال الحرب العالمية الثانية. تولى حينها رئاسة تحرير مجلة كومبات، المجلة السرية للمقاومة الفرنسية، التي كان من بين مساهميها أندريه مالرو، وجان بول سارتر، وريموند آرون، أبصر كامو حينئذ العلاقة المتأصلة بين العدوى النفسية والجسدية، واتضح هذا جليا بالعمل.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمد عرفات حجازيقراءة لفيلم "جُنون الشباب"

أمام النّموذج القيمي العربي السّائد قبل جائحة "كورونا"، والمُتوقّع عودته، وبقوة، بعد تلك الجائحة، يظهر فيلم "جُنون الشباب" (1975م)، لمُخرجه خليل شوقي، كأحد أبرز الأفلام التي عالجت مسألة السّعادة والثّورة على الموروث القيمي السّائد وتبنِّي نموذج مُغاير، باقتدار.

مجموعة من الشّباب يُعانون العديد من المشاكل الأسريّة، وبالتّالي فهُم ساخِطون على العادات والتّقاليد والقيم السّائدة والبالية، في نظرهم.

"سلوى" (ميرفت أمين)، تُعاني من أبّ كذّاب مُنافق، يعشق النساء ويهجر زوجته، وأمّ ضعيفة مُستسلمة أمام جنون الأبّ وأنانيته المُفرطة، وترغب تزويج ابنتها من ابن أختها بالطريقة التقليدية.. و"علاء" (أحمد رمزي) الذي يُعاني من أمّ برنسيسة تعشق الخمر وتتسكّع بين أسرّة الرجال، وأبّ فقير معدوم.. و"عصمت" (سناء يونس) المُنتمية لأسُرة مُعدمة، وأبّ لا يُمانع من مُخالطة بناته وزوجته للرجال وتقاسم الفراش؛ ما جعلها تكره الرجال أمام أخواتها اللاتي فقدن عُذريتهنّ.. وفتاة يُعاشر أبوها (الشغّالة) ما جعلها تفقد معايير الحلال والحرام.. وشاب يُعاني العُنف الأبويّ ومنعه من الحبّ.. وآخر ساخط على معايير الوظيفة الاجتماعية والرواتب.. وواحدة تنتقد معايير شرف الأنثى وبيت الطاعة وقانون التوظيف، ناهيك عن الحقد الطبقيّ وصراع الدول والحروب وموت العديد من الناس جراء الحروب... إلخ. لأجل ذلك، قرّر هؤلاء الشباب الحياة، ورفض الواقع السائد، ورفض الاستسلام ومواجهة تلك القيم البائسة، وإعادة بناء قيم خاصة بهم من جديد.

لقد تمرّد هؤلاء الشباب على العادات والتقاليد والحضارة الجوفاء المُزيّفة، وقرّروا التحرُّر والانطلاق، وآمنوا بالحرّية وبأسلوب حياة جديد: حياة تطغى عليها الحفلات الراقصة، حياة مليئة بالخلاعة والمُجون والتحرُّر الجنسي، حياة مغمورة بالخمور والمخدرات، حياة تسير وفقًا لمبادئ أفلاطون الشيوعية (شيوعية المال والنساء).. إنّها الحرية المنشودة!

وأمام سخط الأبناء يتساءل الآباء:

- لم نضرّ الأبناء.. فقط قدمنا لهم النصح ولم نسيطر عليهم.. نريد لهم السعادة والنجاح في حياتهم.

= بل فعلنا ما هو أخطر من الجلد والضرب! إنّ تذمُّرنا تجاه الأوضاع الحياتيّة ينعكس عليهم بالضيق واليأس والتمرُّد، ونظهر أمامهم بمظهر العجز..

- وهل الحلّ عندهم هدم كلّ شيء؟ كلّ ما بنيناه؟

= يمكن لأنّنا لم نستطع بناؤه!

- نحن نحاول قدر الإمكان أن نُوفّر لهم الراحة ونضمن لهم المستقبل!

= لكن لم نمنحهم ما هو أهمّ: المبادئ والأهداف.. رجال الفكر يملؤون الدنيا شعارات عن حق الشعوب الفقيرة المظلومة.. الحُكّام يُنادون بالسلام وهم مَن يشعلون الحرب في كل مكان، والشباب هم مَن يدفع الثمن وليس نحن؛ هم مَن يُحاربون ويموتون ويتشوّهون، وهم مَن يُعانون من الاستغلال والاحتكار والأزمات الاقتصادية.. لذلك يطالبون بتحطيم كلّ ما حرم الإنسان السلام والحبّ والسعادة..

- أولادنا على خطأ..

= ونحن أيضًا كذلك..

- ويبقى السؤال: كيف يمكننا تصحيح الخطأ؟!

لقد انفجرت "سلوى" في وجه طوفان العادات والتّقاليد التي أفسدت عليها حياتها، وقرّرت الحياة وفقًا لرغبتها وإرادتها، وانتحرت "عصمت" (المثلية) بعدما تخلّت عنها حبيبتها "داليا" (عزة الشريف) وقرّرت الارتباط بابن عمّها، وأمام انسحاب "داليا" من حياة "عصمت" وارتباطها بابن عمّها، ووقوع "عصمت" في مأزق الشعور بالوحدة والفراغ، اختارت الأخيرة العدم كخلاص وجوديّ.

ومع انتحار "عصمت" وقع المشاهد في جدل مع النفس: هل هي نهاية كانت تستحقّها لما كانت ترتكبه من ذنب؟ أم أنّها لم تستطع التعايش مع رفض المجتمع؟ أم هو فراق الحبيب أقوى من كلّ شيء؟ أسئلة عدة يطرحها الفيلم ويترك الجواب للمشاهد.

ربما هؤلاء الشباب ضحايا ولكنهم تحوّلوا لمجرمين، لقد جاء الانتحار بمثابة صفعة، ليست فقط على وجه المتمرّدين، بل كذلك، على وجه المشاهد ليتساءل مع المخرج عن طبيعة القيم التي ينبغي أن نتبنّاها وضرورة مُراجعة موروثنا الفكري والقيمي بكل دقّة وعُمق.

لقد استطاع الفيلم، بحبكته الدراميّة المُتماسكة ـ والتي جسدت ظاهريًا العلاقة بين مجموعة من الشباب المُتمرّد ضدّ القيم والعادات السّائدة ـ وفي ظلّ وجود شخصيات على قدرٍ عالٍ من التواضع الأدائيّ؛ ونجح في جذب اهتمام العالم وانتباهه لمدة أكثر من 120 دقيقة من عُمْر الزمن؛ لأنّه ابتعد عن اللغة الشعاراتية الخطابية، وقدّم حكايات مليئة بمشاعر الحبّ والألم والحلم المتقاطع، لقصص ذاتية وموضوعية في الوقت نفسه تجاوزت حدود الذّات، لتشمل وطنًا بكامله.

والسيناريو غير كئيب رغم كونه يسرد حكايات مؤلمة وقاسية، والمدهش فيه أنّنا نجد أنفسنا أمام شخصيات تعيش مرحلة انكسار ثمّ تقف وتستعيد نفسها مرة أخرى ولا تفرض نفسها كضحيّة إلى النهاية، شخصيات مُقاومة تحبّ الحياة برغم ما فيها من قسوة.

أزمة وجوديّة قِيميّة حقيقيّة عبّر عنها الفيلم باقتدار، وأثار حولها العديد من التساؤلات الحرجة، والتي نعتقد استمرارها، وتحدّيها الصارخ لنا، في لحظتنا الراهنة!

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة الأخلاق التطبيقية وعلوم المجتمع ـ مصر

 

الطيب النقرإنّ الشعر العذب الذي يشنَف الأسماع، ويُسكر الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب، هو الشعر الذي يموج موجاً بالصور الشعرية الحافلة التي تشكلنواة القصيدة، فالشاعر المتصرف في فنون الشعر والذي يتسم شعره بدقة المعاني، ولطافة التخيل وملاحة الديباجة، هو الشاعر الذي يدمغشعره المهفهف في دخائل كل نفس، ويوطد دعائم أبياته المطهمة العتاق في مدارج كل حس، والأشعار التي تفتقر لهذه الصور البديعةيتخطفها الموت، ويكتنفها الظلام، ولا يترنم بها الناس في دروب الحياة ومتعرجاتها. لأجل ذلك أضحت الصورة الشعرية هي جوهر الشعروأساس الحكم عليه، ولقد اهتم النقاد بجانب التصوير منذ قديم الأزل، وقدموا جهودهم في هذا الصدد، وإن اقتصرت جهودهم على حدودالصور البلاغية كالتشبيه والمجاز ولم تتعدّها لتشمل الصور الذهنية، النفسية، الرمزية، والبلاغية، التي تتبلور وتتناغم في وجدان الشاعر. ولعل الحقيقة التي يجب عليّ بسطها هنا أن الصور التي يعدها أصحاب الحس المرهف أغلى من أقبية الديباج المخوص بالذهب ليست قاصرةعلى الشعر بل نجدها منثورة في حوايا النثر، والتفاتات أذهان كُتابه. معنى الصورة: عادة «تستعمل كلمة صورة للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي، وتطلق، أحياناً، مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات». والصورة في مجملها تعتبر وسيلة الشاعر أو الأديب» في نقل فكرته وعاطفته معاً إلى قرائه أو سامعيه. ويقاس نجاح الصورة بمدى قدرتها على تأدية هذه المهمة، كما إن حكمنا على جمالها أو دقتها يرجع إلى مدى ما استطاعت الصورة أن تحققه من تناسب بين حالة الفنان الداخلية وما يصوّره في الخارج تصويراً دقيقاً خالياً من الجفوة والتعقيد فيه روح الأديب وقلبه». نشأة الصورة كمفهوم وصلتها بالنقد الأدبي عند العرب: الصورة قبل أن تندرج كمفهوم تلوكه الألسن، وتتعاوره الأذهان في ميادين النقد الأدبي والنظرية النقدية، كانت قد استحوذت على اهتمام فلاسفة الغرب القدامى على شاكلة «افلاطون» التي ابتدأت في عهده، واستقام ذكرها مع «أرسطو» واعتبرها ركناً أساسياً في ثنائية الصورة أو المبدأ، والمبدأ أو الماهية و«هو أمر أفضى إلى ظهور نظرية العلل الأرسطية: الصورية والفاعلة والمادية والغائية.إذ تقف العلة المادية وحدها بإزاء، العلل الأخرى التي تندرج كلها في ضرب من الصور الخالصة، والبحث في هذه القضية، أدى إلى ظهور «مبدأ الفاعلية»، الذي أصبح، في القرون الوسطى، موضوعاً اشتغلت فيه وعليه، الفلسفة السكولانية الغربية. ثم استأثر الأمر، باهتمام »كانت» الذي بحث بعمق، في أمر التمييز بين:جوهر المعرفة ومادتها من جهة، وتجلياتها الصورية من جهة ثانية. وبذا انتقلت مقولة «الصورة» من حقل «الميتافيزيقيا» وما يتصل بها في الفلسفة القديمة، إلى حقل «المعرفة» وفي ضوء هذا التحديث، دخلت الصورة في صلب التفكير المعرفي في العصر الحديث. ووجد هذا «المفهوم» صداه في الدراسة الأدبية، سواء ما كان منها بلاغياً أو أسلوبياً، أم كان بنائياً أو دلالياً.. وكان النقاد العرب القدماء؛ مثل: الجاحظ وقدامة بن جعفر وعبدالقاهر الجرجاني وابن الأثير والقرطاجي، قد انصرف جزء كبير من اهتمامهم في أمر الصورة». إذن الصورة سقطت للعرب بمعناها الفلسفي عبر الفلسفة الإغريقية، «وبالذات الفلسفة الأرسطية. حيث دعم الفصل بين الصورة وهي الشكل والهيولي وهي المادة. فالمنضدة هيولاها الخشب والغراء، وصورتها هي التركيب المخصوص الذي تألف به الخشب والغراء حتى ظهرا على هذا الشكل. ونجد أن طائفة المعتزلة قد استسقت فلسفتها من الفكرة القائمة على الفصل بين اللفظ والمعنى في تفسير القرآن الكريم. وسرعان ما انتقل هذا الفصل بين اللفظ والمعنى إلى ميدان دراسة الشعر، الذي هو رافد من روافد تفسير القرآن. فلم يساووا بين التعبير الشعري والتعبير في غيره من الحديث فحسب، بل ساووا بين فن الشعر نفسه وبين أي صناعة من الصناعات اليدوية، تحت مثال «المنضدة» المشهور، الذي ضربه أرسطو مثلاً للفرق بين الصورة والهيولي». إنّ الشاعر حينما تتدفق شاعريته وتنثال عليه المعاني سهواً ورهواً ويبدأ في نظم القريض إنما يريد أنّ يعبر عن شيء قد استبدّ في ذهنه وربض في دواخله، ولأن الشاعر يتخير تعبيره وينتقي ألفاظه، ويتنزه بها عن التعابير الممجوجة التي يتفوه بها ملايين البشر، يأتي تعبيره مغايراً لتلك التعبيرات التي يجود بها الشخص العادي، تعبير أكبر من أن يتسامى في ابتداعه شخص ناضب القريحة، صلد الذهن، تعبير يبهر العيون، ويسحر الأفئدة، كلام فني انسجمت قطعه وحسُن توزيعه، وألفاظ اتأدت حركاتها، واتزنت كلماتها، جُمل مُرصّفة تضفى على النفس ما يضفيه شدو القيان، وهزج المزامير، جُمل مترعة بالصور الشعرية الخلابة، صور «تصور الانفعال وتنقل إحساس المعبّر وذبذبات نفسه نقلاً أميناً، وعلى الشاعر أن يُحسن اختيار صوره وعرضها بما يناسب طبائع الناس وأمزجتهم، وأن يجعل هدفه نقل العاطفة والفكرة في صوره لا أن يجعل همه إتقان شعره وجودة رصفه وإحكامه فليس الفن سوى التكافؤ الكامل بين العاطفة التي يحسها الفنان وبين الصورة التي يعبر بها عن هذه العاطفة». إذن فالشعر في كنهه صور تعبر عن مخاض عاشه الشاعر، فنحن حينما نعثر على صورة من تلك الصور، فإننا حتماً نعثر من خلالها على شرخ أدمى قلب الشاعر، أو لوعة أوهت كبده، أو حسرة سحّت جفونه، أو سعادة ردت له الروح، وجددت في أوصاله الحياة، «وترتبط لغة الشاعر بعمق التجربة التي يعيشها. فقد تأتي صريحة يرسم من خلالها الصورة، وقد تتفاوت في مواقع البلاغة، فتختلف بين الإيجاز والإطناب مما يجلب للقارئ اللذة أحياناً، والسآمة أحياناً أخرى». فالألم الذي يصلي الضلوع، ويضرم الأنفاس، شائع الآن، ومنغصات العيش، وغصص العمر، ومكدرات الحياة، طعنت بسيفها المصقول حتىمن لم يصدع بكلمة بعد، أو يتفوه بحرف، ولكن البوح عن الداء والشقاء أمر لا يتسنى إلا للشعراء الذين يجلون أبكار المعاني، ويروضونالقوافي الصعبة. و«يكمن الفن الحقيقي للشاعر في صنعته الشعرية في شقيها المعنوي واللفظي، والشاعر المحنك هو الذي يترك للألفاظعنان الزخرف والتنميق فتطغى على بقية عناصر صنعته الفنية، ولكن حاجته إلى هذه الزركشة تعد أمراً ضرورياً إذا ما نجح في استخدامهاعنصراً مساعداً، يساعده على خلق الصورة الشعرية، أو يزيد من تأثيرها في المتلقي». وللصور الشعرية أشكال متباينة، ونماذج متعددة،وهي تختلف من فترة إلى أخرى فلقد تطورت عبر القرون والحقب،» وفق التطور العام لنظرية الفن السائدة، ويظهر هذا التطور في علاقةطرفي الصورة، فقد تكون علاقة تهتم بالشكل الخارجي والعلاقات المنطقية بين الأشياء كما يقول الشاعر: أنظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر فالعلاقة تهتم بالشكل الخارجي للقمر وتأتي بصورة شعرية تشابهه في المظهر. وقد تهتم الصورة الشعرية بعلاقة الانصهار بين طرفيها، وتنحت من الطرفين صورة واحدة يتجلى ذلك في علاقة التشخيص مثلاً كما يقول الشابي عن الشعر: أنت يا شعر فلذة من فؤادي تتغنى وقطعة من وجودي والصورة الشعرية الناجحة يتبادل طرفاها التأثير والتأثر حتى يخلق معنى جديداً ليس معنى كل طرف على حدة». الصورة الشعرية عند النقاد العرب القدامى: نحن إذا بحثنا عن هذا المصطلح في أمهات الكتب القديمة الجامعة لشتيت الفؤائد، وأمعنّا في البحث بكل ما تدخره قوانا هذا من جهد لذهب مجهودنا أدراج الرياح، وخرجنا صُفر اليدين نجرجر أذيال الخيبة، فمصطلح الصورة بهذه الصياغة الحديثة، لا وجود له في «الموروث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشكلات والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها موجودة في الموروث، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول، أو تميزت جوانب التركيز ودرجات الاهتمام». ولعل أبرز النصوص التراثية التي يقترب مفهومها من مفهوم الصورة في عصرنا الحديث، هو النص الذي أدلى به أمير البيان، وعميد كُتاب الضاد على مر العصور، الجاحظ أمضى الكُتّاب سليقة، وأعذبهم لفظاً، وأغزرهم مادة، فلقد قال: «إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير». فلقد قرن الجاحظ القصيدة في هذا النص بالصورة وهو تشبيه شائع في عصور مختلفة، منذ هوارس، حتى قيل: الرسم شعر صامت والشعر صورة ناطقة. ويبدو أن الجاحظ يقصد بالتصوير صياغة الألفاظ صياغة حاذقة تهدف إلى تقديم المعنى تقديماً حسياً وتشكيله على نحو صوري أو تصويري، ويعد تصوير الجاحظ خطوة نحو التحديد الدلالي لمصطلح الصورة لا سيّما أن الجاحظ لم يقرن مصطلحه بنصوص عملية تضيء دلالته فضلاً عن تعلق مفهومه بالثنائية الحادة التي شغلت نقادنا القدامى القائمة على المفاضلة بين اللفظ والمعنى طبقاً للمفهوم الصياغي، أو الصناعي، للشعر». و سعى الناقد أبو هلال العسكري الخبير في محاسن الكلام ومساوئه أن يحدد معالم الصورة ومكانتها في الصياغة الإبداعية بين اللفظ والمعنى، أو الصورة والمادة، ومن ثم الوصول إلى رؤية ثابتة في مقياس التمييز بين أساليب الصياغة الجمالية فرأى قدامة: «إن المعاني كلها معروضة للشاعر، وله أن يتكلم فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لا بدّ فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة فيها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة». «فالصورة، إذاً، طبقاً لتحديده، الوسيلة أو السبيل لتشكيل المادة وصوغها شأنها في ذلك شأن غيرها من الصناعات، وهي أيضاً نقل حرفي للمادة الموضوعة: المعنى، يحسنها ويزينها ويظهرها حلية تؤكد براعة الصائغ من دون أن يسهم في تغيير هذه المادة أو تجاوز صلاتها أو علائقها الوضعية المألوفة. وقيل إن هذا الفصل بين المادة والصورة ناشئ من تأثير الفلسفة اليونانية. وما حدده قدامة من مفهوم للصورة لا يخرج عن الإطار الذي وضعه الجاحظ بل يعتبر امتداداً له ولم يضف إليه ما يقربه من حدود المصطلح». إنّ النقاد العرب في حقيقة الأمر لم يكن جهدهم منصرفاً لوضع المصطلحات الأدبية، ولكن السعي لتأطير ذلك الفن الراقي بتقويم خطل الشعراء، وتبصيرهم بمواطن الزلل والهفوات في اشعارهم، ولكن النقاد القدامى الذين لا يصوبون سهام التجريح إلا لمن حاد عن المنهج الذي وضعوه، وافياً في موضوعه، مقنعاً في أدلته في ذلك العهد، نجد أننا الآن رغم إكبارنا إياهم، وهيامنا بمؤلفاتهم التي ما هانت أو ذلت يوماً علينا، رغم كل هذا الحب والتبجيل، نضعهم مكرهين خلف أقفاص الاتهام، ونوجه لهم التهم الفواجر تهمة تلو أخرى، رغم أن جلنا يود أن يعيش في سجية الماضي، أول هذه التهم هي تعطيلهم لخاصية الخيال الذي يسمو به العمل الفني ويحلق به في مدارات يستعصى العقاب الطرير في الوصول إليها،لقد كان أسلافنا قدامى النقاد لا يحفلون بالخيال ويسيئون الظن به،«إذ كانوا يعدونه صنعة من الصناعات ينبغي أن تخضع لقوانين العرض والطرب كأي سلعة أخرى، فراحوا يقيدونه بقوانين صارمة تضمن للشاعر عدم كساد سلعته، قال صاحب «البرهان في علوم القرآن» قدامة بن جعفر:«وينبغي لمن كان قوله الشعر تكسباً لا تأدباً أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل مقصود بالشعر على مقدار فهمه، فإنه ربما قيل الشعر الجيد فيمن لا يفهمه فلا يحسن موقعه منه، وربما قيل الشعر الداعر لهذه الطبقة فثرت فائدة قائله لفهمهم إياه». ومن

الواضح مجافاة الفهم لروح الفن في الشعر، والنظر إليه من معيار أنه مصدر كسب لجلب المال

 

الطيب النقر

 

عدنان عباسبين الريح المتحفّزة بطاقات حركتها وجبروت عواصفها، والمتوثّبة بخراب يتسبّب بالهلاك وانتشار الأوبئة، وبين الريح المتناغمة مع الآخر بسلام والرقيقة في رهافتها عندما تتداخل مع الهواء لتحمل الصحّة والنقاهة، وبين الريح الحاضنة للموت والريح الحامية للحياة، يبدأ الشاعر هاتف مشوار قصيدته مع الريح في وظيفتيها في زمن جائحة كورونا وغيرها من أزمنة الشرور. ترتسم معالم طريق هذه القصيدة بـ “مسلسل" شعري استهلّه الشاعر بـ(محاكاة الطائر ...) في قصيدة سابقة نشرتُ عنها قراءة نقديّة مؤخّرًا، فقصيدة (أنا الريح) الحاليّة، وأعتقد أنّه قد يواصل خطابه الشعري بعنصر جديد من الطبيعة في قصيدة لاحقة. لعلّ ما يثير الإعجاب في هذه القصيدة كونيّة أفكارها، وحضورها الطاغي في زمن استثنائي، ولأنّها تترك انطباعًا بأنّ شاعرها يريد أنْ ينتقل بأفكارها من الخاصّ إلى العامّ، انطلاقًا من رؤيته الواعية في ما يدور من أحداث، وشفّافيّة وجدانه في التعاطي معها، وحرصه بأنْ يخرج نصّه معافًى في وقت مؤذٍ بالوباء ومحموم بآفات غير قليلة، فضلًا عن كون هذا النصّ يمتزج فيه المادّي بالروحي، ويرتقي بقبسات من الأمل بعالم سليم يقوم على أنقاض وباء مزلزل. يجيد هاتف تسخير مخيّلته في الدخول إلى "غواية" التجريب بالكشف والاكتشاف، والدربة المعرفيّة في التعامل مع احتقان المفردات وجدليّة المعاني وسرائر الريح، وحشرجات الخطر الماحق، كي تتشابك عناصر قصيدته بكيان مثمر كتشابك أغصان الشجرة المثمرة. يثري ذوقنا بجماليّة أخّاذة بالشجن، وعقلنا بأفكار تشرئبّ بمغازيها، تنقلها الريح بطاقة ضمير المتكلّم "أنا"، وصوت هريرها المختلط بحفيف الهواء، ويركّبها بثلاثة عناصر هي ذات الشاعر والريح وكورونا – القصيدة والطبيعة والحدث، ويرفد روحها بحركة انتقالات الأمكنة وتحوّلات الأزمنة، متفرّدًا بآليّة في بنيتها، تستند إلى تشكيل دقيق للصور ورسم مضيء للمشاهد وتنويع دلالي للرموز.

يصدمنا هاتف في قصيدته (أنا الريح) بحكايات تدور ثيماتها حول الموت والمبدعين والأحبّة والمودّعين، يبدو فيها وكأنّه يقوم بسرد قصّة "يروي" فيها بالتناصّ رحلة تتناوب مآلاتها بين مسرّات وفجائع مبدعين وناس ومدن، وتشرع مدياتها على الموت برحلة عبر كورونا، ورحلة من الموت إلى واقع مثخن بآلام الأحياء وأحزانهم، ورحلة تتحرّك بخطوات واثقة بالتقارب الاجتماعي وتنتهي بخطوات متعثّرة بالتباعد الإنساني خوفًا أو احتراسًا من الضرر. إنّها إحدى مفارقات الجائحة التي توفّر الظروف لاختزال الحياة بالرعب والاعتلال المأساوي، وفرض "الإلحاح" بإجراءات تحاشي التواصل خشية من العدوى، بحيث يبدو الإنسان مطاردًا بالخوف، والمدن مسكونة بالأشباح، والمدافن أرقامًا يصعب الوصول إليها في المجاهيل، ومع ذلك فإنّ الشاعر يبحث عن ضوء في نفق المأساة، وينير نصّه بإشعاع الأمل.

(أنا الريح) قصيدة مكثّفة ومتشابكة بالجدليّات التي تبدأ من صراع مع الذات فصراع مع الفكرة والصياغة، وصراع بينها وبين ما يدور حولها، هو أيضًا صراع بين قيم وعادات وأعراف، قصيدة تخترق أمكنة، وتختزل أزمنة، وتتوغّل في التاريخ وتغوص في الواقع، تكشف أسرار الطبيعة، ومصائر بشر وفجائع مدن، تستدعي أزمنة ميثولوجيّة وأخرى واقعيّة – أوروبيّة وشرقيّة، وتتفاعل فيها الثقافات والدلالات بالتناصّ. تتفاقم فيها أحوال الناس المفجوعين بشراهة كورونا، وتتّخذ موقفًا إنسانيًّا في ظروف الانفراج والانحباس، وتجعلنا نترقرق بالعبرات ونحن نفيض حزنًا إزاء انكسار المودّعين، ونتحسّر وجعًا لغياب الراحلين وحيدين في مدافن غير مطروقة، لا يبقى إلّا نتقاسم معهم القصيدة والترتيل والرواية عن بعد، وأنْ نتطارح الهموم مع الأحياء بالكلمة والوتر والأمل.

(أنا الريح) عنوان يعكس إصرارًا مفعمًا بالقوّة، ويشحن المتن بقوّة الريح وفرديّة المتكلّم، عنوان إيهامي، يوحي وكأنّ الشاعر يريد أنْ يقول إنّه المعني، وهو أيضًا رمز يدلّ على أنّ الريح ذات قدرة كبيرة على التأثير، وتمتلك خطابًا ذا حدّين، قاسيًا ورؤوفًا، تحمل بشاعات كورونا على جناحيها، وتشاطر ضحاياها الألم والمعاناة، ويرهف وجدانها كهواء حامل للحياة. يتفاوت تحرّكها في ضوء حجم طاقتها الذي تخزنه في هبوبها فتبطئ مرّة وهي تبحث عن موطئ قدم أو مستقرّ لها، وتزمجر مرّة أخرى، ويشتدّ هبوبها بإعصار فتتحوّل إلى ريح "صرصر عاتية". وإذا كان الهَوَاءُ غازًا يغلّف الأرض بالأوكسجين وسواه، فإنّ الريح تتحرّك به بشكل عنيف أو رقيق، مع أنّ هناك من يرى أنّ وظيفتها كمفردة تقوم على "التعذيب والتدمير"، بخلاف وظيفة جمعها (الرياح) التي تتّصف بـ"الرحمة". يرتهن العنوان المعرّف بمفردتيه بشخصيّة الريح القاهرة سلبيًّا أو شخصيّتها الكاريزميّة إيجابيًّا، ويؤنسنها الشاعر بضمير المتكلّم المعبّر عن "أنانيّة" ذات هذه الريح، ويقدّمه كمقطع تشخيصي أو كبطل محوري. يحاكي ضمير المتكلّم في هذا العنوان طبيعة "غير حيّة" بـ"شريان" الريح ومنطقها، ثم يتسرّب "دمها" إلى مفردات المتن ليمنحها الطاقة في استيعاب ملامح الظرف الوبائي ومعالم الخراب. يبدو لي أنّ هاتفًا ينطلق في اختيار هذا العنوان من عاملين، أوّلهما اهتمامه بثنائيّة العلاقة بين الريح وبينه كشاعر، وثانيهما ولعه في اختيار عنصر بهذا الحجم كالريح في زمن بهذا الحجم كزمن كورونا، كما يشير اختيار عنصر "الريح" بعد عنصر "الطائر" في القصيدة السابقة، إلى وشائج الشاعر  الروحيّة أو الصوفيّة مع الطبيعة، سواء في دخوله إلى الخفي منها بالتلميح، أو إلى الماثل من أفعالها بالتصريح، فضلًا عن وجود قاسم مشترك بين الطائر والريح تشخّصه نواميس الطبيعة، وإنْ تفاوتا من حيث منطق كلّ واحد منهما، ويتّضح كذلك أنّ هاتفًا كلّما تناول عنصرًا من الطبيعة جذبه عنصر آخر منها، وسيجذبه على الأرجح عنصر ثالث ورابع، إلخ.

قصيدة (أنا الريح) تتحدّى إشكاليّات زمن الجائحة بالإبداع، وتحيا بجدليّة تتراوح بين نضارة الحياة وجمالها وشحوب الموت وبشاعة فيروسه، باذخة بمدنها وأزمنتها الراهنة والمرتجعة، بشخصيّاتها المبدعة ورموزها وتشكيلاتها، وواقعيّة أحداثها وإكسير روحها، وخطابها المعبّر عن مآسي كورونا خصوصًا، والإنسانيّة عمومًا. يحرّك الشاعر مستويات هذه القصيدة وصورها ومشاهدها بالريح والهواء، ويتماهى فيها مع الهالة، ولكنّه يتقاطع مع الضباب في مدن منكوبة بناسها ومعالمها وإبداعاتها. تنتقل الأماكن فيها من "بريشا" إلى مقاطعة "لومبارديا" الإيطاليّتين، ومن مدريد الإسبانيّة إلى الأرجنتين وتشيلي، وتتنوّع أشكال تناصّاتها – "تفاعلاتها النصّيّة" بأسماء مبدعة ونتاجات رائدة، وبأساطير اليونان وحكايات الشرق وبغداد، وتنتصر البطولة بـ “عوليس" وعلاء الدين ومارده، وتنتكس بالخراب الذي يسبّبه "سربروس". تسرح مخيّلة هاتف بعيدًا في رمزيّة "عوليس" الدالّة على البحث عن مخرج من مأزق الإنسان ومأساته بالإصرار على الوصول إلى هدفه ظافرًا بمواجهة نقيضه المتمثّل برمزيّة "سربروس" الدالّة على الدمار والموت. يعبّر الشاعر في قصيدته عن مصائب البشريّة والبيئة، والموسيقار والشاعر والكاتب، ويتضامن وجدانيًّا مع الضحايا، ويتنفّس فيها بالزهور والتلال والعيون الدامعة والارتحال الحزين، ويفترق فيها مع الفيروس والقبح وشحوب التراب والكآبة. 

تحوز هندسة هذا النصّ لغويًّا وفضائيا على جاذبيّة تنظيميّة، ولم تأتِ هذه الهندسة اعتباطًا، إذْ عادة ما برع هاتف فيها في قصائده بشكل عامّ، انطلاقًا من تنظيم أفكاره وتصويرها في مشاهد لتتماثل وبوصلة الحالة التي يريد الوصول إليها في الفضاء. تتفاوت فضاءات هذه القصيدة من حيث اختلاف عدد أسطر وصور كل مقطع من مقاطعها، ويتمتّع المقطعان الرابع والتاسع على وجه الخصوص بتنظيم قائم على اتّساع المسافات في الرابع، وطول عدد الأسطر مع تكرار مفردتي الريح والهواء في التاسع. تبدو الفضاءات وكأنّها إفرازات سيكولوجيّة على مساحات متفاوتة، تتحرّك قليلًا أو كثيرًا مع الريح هنا وتتوقّف هناك حتّى بلوغ مقصدها،  وقد تتراسل الأفضية فيما بينها كتراسل حركات الريح الخفيفة والمتسارعة والسريعة، إلى أنْ تستقرّ بالسكون.

تبرز علاقة الشاعر مع الطبيعة (الريح) في هذه القصيدة في ضوء زمن كورونا، وينظّم لها مستويات من الأمكنة، علاوة على صفات تتوزّع بين القوّة والطاقة والتحدّي والاحتراس والحماية، ويشبعها بصور ومشاهد ورموز ومغازٍ، وتراسل مباشر أو مستنتج بين المحسوسات والمجرّدات، أو بين المتنافرات والمتشابهات، أو بين الألوان والأصوات والأعلام، ثمّ تتشكّل جميع هذه العناصر بجماليّة شعريّة تهب النصّ القوّة والألق. كثيرًا ما تميل صور الشاعر في هذه القصيدة إلى الاستعارة والأنسنة (التشخيص) والتشبيه والتجسيد، فالريح شخص محسوس غير مرئي ذو طاقات كبيرة، يستطيع تحديد اتّجاه مساراته ومسارات غيره، وترتيب الأولويّات، ونشر المرض، بلْ وملاحقته، سيّما وأنّ الشاعر يقدّم الريح بصيغة المتكلّم الأوّل (أنا)، ويسبغ عليها صفات متعدّدة. قصيدة هاتف وهي تستفيد من هذه الآليّات الحداثيّة وما بعد الحداثيّة لتشكيل الشعريّة تستعين بخطاب لغوي وأسلوبي واثق من أدواته، يحرص الشاعر على أنْ لا يأتي اعتباطًا أو للتزويق، وإنّما لينقل أفكاره وتجلّياته بشكل سليم. ينظّم مقاطع هذه القصيدة وكأنّها تحمل شيئًا من النثر فنّيًّا وشيئًا من إيقاعات شعريّة منظّمة أو متناثرة على وفق ما تعكسه رؤاه، وعلى مدى قوّة الفكرة التي يتناولها، والعلّة التي يفرزها هذا الزمن المريض، أو مدى تماثله أو تقاطعه وهو يخطو مع إيقاعات الريح وضربات العناصر الأخرى في الطبيعة، ويبدو أنّه لا يريد أنْ يفرض الشكل أو الإيقاع "سلطته القسريّة" عليه. يميل هاتف أيضًا إلى طرق مختلفة من السياق الإيقاعي، وذلك بالتوازن الجرسي لمخارج الحروف والمفردات ونهايات المقاطع والنبر والتفعيلة، بدون الالتزام بتفعيلة محدّدة، ويقوم بتشكيل إيقاع كل مقطع من مقاطع القصيدة على حدة بطريقة تتفاوت مع غيرها نسبيًّا، فيبدو كل مقطع بتفعيلة خاصّة به، كأنّ الشاعر بذلك يريد أنّ يجعلنا نحس بانتقالات الوجع الإنساني بتحرّك الريح وتنقّل الجائحة. قد يستأنس الشاعر ببعض الإيقاعات المتواترة بنوع من التفعيلات التي تشدّ القارئ إلى السياق في مقطع بعينه حتّى وإنْ لم تنتظم تمامًا، ثمّ يتدرّج في الارتقاء إيقاعيًّا، في الوقت الذي يصبح الخطاب بـ"أنا" منطلقًا لإيقاع بذاته يفرض نفسه بقوّة خطاب المتكلّم الذي تتراوح ضرباته النغميّة صعودًا وهبوطًا، سرعة أو بطئًا كخطاب الريح.

يمكن تفكيك هذه القصيدة وقراءتها نقديًّا في تسعة مقاطع مثلما جاءت مقسّمة بهذا الشكل، وأعتقد أنّ هذا التقسيم لم يأتِ اعتباطًا، فرقم تسعة رمز له دلالات غير قليلة في الثقافات العالميّة، مثل الحبّ والقداسة والعطاء والانبعاث والحياة. كلّ مقطع من هذه المقاطع له كيانه وفضاؤه ومشاهده وأفكاره ورسائله المشفّرة والمفتوحة، على الرغم من أنّها تتناسق فيما بينها في كيان واحد، يستند إلى ضوابط تنطلق من رؤية الشاعر وسعيه إلى تثوير طاقات المتن بشحنات العنوان، وسأتناول أدناه كل مقطع من هذه المقاطع على حدة، متوقّفًا في الوقت نفسه عند القاسم المشترك لها وفقًا لوحدة النصّ العضويّة.

 يترجم الشاعر هاتف في المقطع الأوّل همّه وهمّ الأحبّة الوجداني بسبب الأوضاع الوبائيّة التي خطفت الحياة وخرّبت المدن وفرضت التباعد وزرعت الرعب، ويشجن على إيقاع جائحة كورونا وسكون خطوات المودّعين للراحلين، وهم يتوشّحون بالأحزان. يوصّف حالتهم بالشكوى لعدم استطاعتهم توديع القريب و"تقبيل الحبيب" مثلما كان الأمر في الظروف الاعتياديّة. كلّ شيء ممنوع في هذا الزمن، لا قبلات ولا وداع من غادر إلى الأبد وكان قريبًا إلى القلب، لا مراسيم دفن تليق به ولا مواساة ولا تراتيل ولا زهور في قوله: "والتراتيل ودفنِ الراحلين كما يليقُ". الراحلون مهملون اليوم سواء فيما يتعلّق الأمر "بتنظيفهم" أو "إلباسهم حُلّةَ الغائبين" خشية من الفيروس والتزامًا بإجراءات التباعد القسري التي فُرضت للوقاية من انتشار الوباء. تبدو الضحايا كالصوت الذي لم يبق إلّا صداه في الوديان، يرجّعه المودّعون عن بعد: "يَغيبون مثلهم كالصوت في الوادي"، أو غرباء وكأنّهم لم يكونوا يومًا بيننا أو جمعتنا وإيّاهم الكلمة والمكان والنغم، يبدون "كما لو أنهم من المجهول جاءوا". يعكس هذا المعنى بلا ريب قسوة فيروس كورونا الذي دفع البشريّة إلى تقنين حياتها اليوميّة بالإلزام، الأحياء منها والأموات. يتحرّك هاتف بريح الفاجعة من أوّل مفردة إلى نهاية السياق في هذا المقطع، وهو يتقفّى المأساة في أحدى المدن الإيطاليّة وشجن زمنها، ليخرج منها إلى مدن الإنسانيّة المفجوعة بكورونا، يذكّرنا بعظم المصيبة التي حلّت بالبشر وعاداتهم وأعرافهم، وتأثير ذلك على أحوالهم ومشاعرهم. يصوّر الشاعر في هذا المقطع حالتي نزاع بين الابتعاد القسري والرغبة بالاقتراب، بمشهد تصوير ضمني لدفن لا يحلّ مثلما يجب في ظل المأساة، وخشية الناس من وداع الراحلين، ومشهد يصوّر العادات المعروفة بتنظيف الموتى وإلباسهم بما يضفي عليهم الحلّة والوقار، وانتفاء ذلك لتقوم المستشفيات بمهمّة "التخلّص" من جثّث الموتى بأيّة وسيلة بعيدًا عن عيون أهلهم وأحبّتهم، ومشهد يصوّر الشاعر فيه غياب الموتى من خلال تشبيههم بالصوت الذي يتلاشى صداه في الوادي، وآخر ضمني بتصوير الراحلين الأعزّاء وكأنّهم قادمون من "مجاهيل الفضاء".

يحتوي هذا المقطع على متوالية بالشكوى والتقبيل واللياقة، وأخرى بالدفن والتنظيف والإلباس والغياب والغربة، ويدلّ الفعلان "يشكون" و"يليق" على معاناة الحيّ، وعدم اللياقة في دفن الميّت بعد انقلاب الموازين الذي فرضته نواميس كورونا في هذا الشأن. يمكننا أنْ نستنبط من هذا السياق بعدًا نفسيًّا له علاقة بمنظومة من القيم والسلوك، وآخر بالنتائج التي تقود إلى إبراز الوجع في ظل الفجيعة. تتعزّز صورة المشاهد في هذا المقطع بطاقتي التشبيه ودلالة الزمن، حيث يشبّه الشاعر المحسوس العاقل (الإنسان – الميّت) بالمجرّد "الصوت" الذي يحوم في الوادي بصدًى خافت يختفي في لحظات، ولكي يضخّ طاقة في هذا التشبيه يستخدم "كما"، ثمّ يصف الراحلين وكأنّهم غرباء، بدلالات تشير إلى أنّ هذا الزمن قد غيّر التصرّفات، وأصاب رغبات الناس بعدوى زفير الفيروس، ثمّ يغدو المشهد متناهيًا بـ "مجاهيل الفضاء"، عندما يمضي الراحلون إلى الأبد.

يصوّر هاتف في مقطع نصّه الثاني أحزان المودّعين لأحبابهم الذين خطفهم الموت على يد هذا الزائر غير المرغوب به، ويعبّر عن ذلك بلغة وصفيّة – وصف قبّعات النساء وتناثر حبّات التراب، وانهمار الدموع، وبقدر ما يدل تتويج القبّعات النسائيّة على تقليد تقوم به النساء، ولاسيّما في أوروبا – إيطاليا، يتعلّق بـ"الأناقة" وترصيع قبّعاتهن للزينة، فإنّه يشير إلى أحزانهنّ الموشّحة بالسواد، والمتوجة" بانعكاسات الفيروس التاجي، جامعًا الشاعر بذلك بين "التتويج" ذي الألوان اللامعة و"الاسوداد"، وتاركًا لهذه الألوان أنْ تتراسل بالتنافر في ظروف وداع استثنائيّة: "نساءٌ بقبّعاتٍ مُتوّجةٍ بالسواد". هكذا يرحل المتضررون بالمأساة وحيدين بين أيدي غرباء بآلات لا يكترث إليهم أحد خوفًا من الإصابة بالفيروس أو خشية ممّا يقال أنّ الميّت ينقل العدوى، ولم يبق حينئذٍ إلّا البكاء عن بعد وذكرى أليمة، "تسّاقط" الدموع فيها بكثرة من منخل العيون على التراب: "دموعٌ تسّاقَطُ من منخل البُعْدِ". يترك انهمار الدموع وتناثر التراب انطباعًا وكأنّ الضحيّة غريبة لم تكن يومًا ما هنا، ووداعها لم يترك سوى صورة للخوف والرعب حتّى من قبل محبّيها، أو مجرّد دموع مسفوحة "فوقَ حبّات التراب" التي تذروها الرياح. مفردة "التراب" هنا توحي بأنّ الراحلين جاءوا من التراب بحبور الحياة، ورجعوا إليه بالمعاناة، وأنّهم يغادرون إلى مثواهم بصمت دون وداع قريب إلّا التراب، ولا يملك محبّوهم إلّا مناجاتهم باللوعة والحزن عن بعد.

يغدو كل شيء ذابلًا بالقحط ويبوسة اليباب، ويتأزّم تورّد الزهور بشحوب المأساة، وتتمدّد الحسرة في النفوس، فـ"الأزهار ها ذبلتْ قبل امتداد اليدين"، بالتنبيه بـ"ها" لهذا الذبول قبل أنْ تصل اليد إلى هذه الزهور ووضعها على القبور، والشاعر باستعانته بـ"ها" يريد أنْ يجعل المتلقّي متيقّظًا إزاء المأساة ومتفاعلًا مع هذا الأفول، كما يوحي المشهد من زاوية أخرى إلى أنّ الحياة المعطّرة برائحة الأزهار التي عاشها الأحبّة أمس لم تعد اليوم هكذا. بتكرار حرف العطف (الواو)، وبمشهد البكاء وعلامة الحزن للنساء المعتمرات قبّعات "متوّجة" باللون الأسود، ومشهد ذبول الأزهار، تتّضح فكرة التباعد بالتصوير والمأساة بالتوصيف، اللذين يكتملان بتراسل الألوان الدالّة على الكرب والشحوب، أي الأسود والترابي والأصفر، وكذلك الألوان المتنافرة فيما بينها، فضلًا عن التنقّل كالريح من حالة إلى أخرى في ضوء التقاطع بين الأمس واليوم، والتوازن بين الحسرات والدموع والأحزان.

يكثّف هاتف مقطع القصيدة الثالث بالتناصّات المركّبة، ويثريه بأبعاد ودلالات رمزيّة وإيحاءات وأفكار، يقدّمها بوجدان حزين ومشاعر فيّاضة متضامنة مع الإنسانيّة. يعطي فكرة عن الأسماء الواردة فيه وفي المقطع الذي يليه في هامش أسفل القصيدة، لتسهيل الأمر على القارئ. هو تفاعل نصّي مع مدن وشخصيّات، موسيقي وشاعر، ومدينة "بريشا" الإيطالية، التي "سمّاها الشاعر جوزويه كاردوتشي لبوة إيطاليا" كرمز يدلّ على القوّة الاقتصاديّة والثراء، وتقع هذه المدينة في "لومبارديا" – أوّل مقاطعة في إيطاليا هاجمها فيروس كورونا وحمل لها ولأهلها الأذى والعذاب والموت والسكونيّة. تبرز المأساة بالمفارقة بين الأمس واليوم، وتُثقل بزخم عدد الضحايا في إيطاليا وخارجها من مبدعين وناس ومدن. يوازن الشاعر بين عوليس – البطل الميثولوجي الإغريقي، والموسيقار الإيطالي كلاوديو مونتيفيردي المتوفّي في القرن السابع عشر، والذي يشبر إليه هاتف في الهامش بكونه "أحد مؤسّسي الأوبرا الإيطاليّة الذي اشتهر بقيادة جوقة التراتيل في كنيسة سان ماركو في البندقيّة، وكان عمله الأوبرالي المشهور هو: عودة عوليس"، ومات بالطاعون حينئذٍ مثلما يموت الناس اليوم بوباء كورونا. لقد عُرِف عن "عوليس" معاناته الكبيرة في رحلته الشاقّة إلى أنْ رجع منتصرًا وحقّق طموحه بالخلود، وقد ألهمت هذه السيرة عددًا من الكُتّاب والشعراء، ومنهم جيمس جويس في روايته بعنوان "يوليسيس – عوليس". أمّا مؤلّف أوبرا "عودة عوليس" فيرتحل إلى الأبد، مثلما يكتب الشاعر: "عوليسُ عاد ولم يعُدْ مونتيفيردي"، في الوقت الذي بقيت إنجازاته وريادته في ولادة الأوبرا الإيطاليّة  إلهامًا  للآخرين على مر السنين. التوازن بين عوليس ومونتيفيردي يعكس إرهاصًا تاريخيًّا يدخل اليوم في صلب المأساة الإنسانيّة والإبداعيّة على السواء، يقوم الشاعر بربطها بالأوضاع الجديدة، ويقارب بين عودة عوليس وعدم إمكانيّة عودة تلك التقاليد التي كانت تُعزَف فيها التراتيل الأوبراليّة الجنائزيّة، وذلك بسبب الممنوعات المرتبطة بالتجمّعات أو الاحتفالات. وبين فجيعة الإنسان اليوم وتاريخ الإبداع الموسيقي الذي عُرفت به إيطاليا، يستدعي الشاعر زمنين، يعكسان مفارقة إنسانيّة، وبما أنّ مقاطعة "لومبارديا" ومدينة "بريشا" قد تعرّضتا قبل غيرهما إلى هجوم جائحة كورونا، فإنّ عذاباتهما يعمّقان آلام الشاعر، في الوقت الذي يجعلنا نترقّب مع "بريشا" مجازيًّا روح الموسيقار الهائمة بأناشيد ستنبعث من جديد، وستبقى دائرة الضوء السماوي أو السحابة المكتنزة بالمطر "الهالة" تنتظر هذا القدوم، لأنّها محروسة بمرتفعات المدينة، التي تردّد مع الريح صدى قرون من التراتيل، فـ"في انتظاره هالة تحرسها قِمَمُ التلال". يرسم الشاعر هنا مشهدًا يستضيء بالنور الحارس للتلال في صورة تشخيصيّة، ويتفاعل نصّيًّا مع مدينة بريشا في مقاطعة لومبارديا، حيث التلال تحيط بها من كل جانب، وحيث الدمار الذي حلّ بها بسبب فيروس كورونا. اليوم كلّ شيء سادر في أحزانه في "لبوة البلاد"، و"التراتيل موحشة"، بما في ذلك الجنائزيّة ، إذْ لم تعد تنقلها الريح كي تصدح انطلاقًا من التقاليد العريقة لهذه المدينة.

من جانب آخر يربط الشاعر ما حصل في لومبارديا ومنها بريشا بالخراب من خلال رمزيّة الشر مشبّهًا فيروس كورونا بالكلب "سربروس" – حارس مملکة الجحيم أو الموت في الأساطير اليونانية، وقاتل رمز الخير والحياة، مشيرًا إلى "عوائه" كنذير شؤم، وهو يقف أمام بوّابة المدينة بعد خرابها لمنع الدخول إليها، في قوله: "سربروسُ مازال يعوي عند بوابّتها". وقد استخدم الشاعر بدر شاكر السيّاب هذا الرمز في قصيدته (سربروس في بابل) للدلالة على الصراع بين الخير والشر، وعلى خراب العراق، من خلال خراب بابل. تتفاعل في هذا المقطع إذًا ثقافتان، يجمع الشاعر فيهما بين دمار لومبارديا وبابل من ناحية، وإيطاليا والعراق من ناحية أخرى، هو قاسم مشترك أيضًا بين كورونا وسربروس كرمزين من رموز هذا الدمار. يربط كذلك بين التراتيل الأوبراليّة للموسيقار مونتيفيردي والمشهد التصويري للوحشة والسكون والقفر بسبب سطوة كورونا، ومشهد "كلمات" التراتيل التي تعكس الترديد بتساؤل لانتظار "سيحلّ"، ولكنّه لم يحلّ. تظهر الكلمات النازفة في الوجدان عبر تناصّات تتفاعل فيما بينها، وتنفث آلامًا "ملقاة على وجعِ السؤال". هكذا يسبر هاتف أعماق المأساة الإنسانيّة بهذه التفاعلات النصّيّة المكثّفة، ويتابع عذابات "عوليس" وهو يحاول الوصول إلى مبتغاه، مثلما يحدوه الأمل بعودة تراتيل الموسيقار. "عوليس" عاد منتصرًا، وخلّف وراءه أصحابه الذين انفرط عقدهم أو ماتوا، مثلما خلّف الموسيقار تراتيل تعذّر إنشادها في المدينة المنكوبة. وبقدر ما ترك الوباء وراءه ضحايا وأحزانًا وسكونًا، فإنّه أبان ما حقّقه هذا الموسيقار منذ قرون، من نتاج ما يزال يستنشق هواء الحياة ويتجدّد بالنور، فأعماله تبقى خالة كخلود المدينة التي تنزف اليوم من كورونا. يستقيم الجمع بين موسيقار وشاعر وبطل ومدينة ومقاطعة وكورونا باستدعاء زمن سابق إلى زمن لاحق، من زمن مكلّل بالمحبّة والترتيل والنغم والجمال، إلى آخر "متوّج" بالسواد والبشاعة، وبالتفاعل النصّي بين عوليس وسربروس يبقى الفضاء مفتوحًا بجدلية صراع بين البطولة والانتصار من ناحية، والشؤم والخراب من ناحية أخرى.

توحي هندسة الفضاء في المقطع الرابع بأنّ هناك مديات تنتقل كانتقال الريح في أماكن تتّسع مساحاتها لتصبح حدودًا فاصلة بين الحياة والحشرجة والموت، أو أخرى تتحرّك بالحفيف ما بين السمع والمناجاة، أو تغطّي أزيز خطوات كورونا التي تضيق بالسؤال، وتتّسع بالاستفهام باتّساع حالات الفجيعة. تبدو هندسة الفضاء في هذا المقطع أكثر وضوحًا بالاستفهام، الذي يشير هو أيضًا إلى سعة أوجاع المشهد الإنساني وزمنه، وآفاق صلوات التأمّل في أجواء الانكسار، اندفاعًا بأمل الانبعاث من جديد. 

يصوغ الشاعر خطاب الريح هذه المرّة بالاستفهام من خلال سؤال يرتبط بمارثيلو بيرالتا – هذا "الموسيقي وعازف الساكسفون الأرجنتيني الذي مات بفيروس كورونا في مدريد"، مثلما يكتب هاتف في هامش القصيدة، سؤال بحجم مناجاة هذا المبدع الذي حطّ به الرحال في إسبانيا ليلاقي مصيره المأساوي بفيروس الجائحة الخبيثة: "أتسمعني يا (مارثيلو بيرالتا) من أعماق هذا الظلام؟ يجمع الشاعر بين الاستفهام "الإنكاري" والظلام الذي غيّب هذا الشاعر، ثمّ يتفاعل مع مأساة لويسو سبولفيدا – هذا "الكاتب التشيلي الذي تمّ إنقاذه بصعوبة من غيبوبته" بعد إصابته بفيروس كورونا، ليقاضيه القدر لاحقّا بالموت، مثلما جاء في الهامش، موجّهًا له سؤالًا وجدانيًّا حزينًا "وأنت يا (لويس سيبولفيدا)"، ولم يكتفِ هاتف بذلك، بلْ ينوّه بعملين روائيين له، وهما (العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغراميّة) للدلالة على قوّة الحياة بالحبّ، و(مصباح علاء الدين السحري وحكايات أخرى) للدلالة على مخرج للانتصار على الفقر واستعادة الحرّيّة. يستدعي الشاعر أزمنة ضاربة في التاريخ الشرقي البغدادي بالتناصّ بحكاية (علاء الدين والمصباح السحري) المشهورة، وبرواية أخرى للعجوز الذي تناجيه الريح من خلال الشاعر في مشهد روحي للصلاة، داعيّا باستفهام "إنكاري" آخر أنْ يخرج الروائي الراحل كالمارد الطيّب من مصباح علاء الدين وتعود إليه الحياة: "أما يزال "العجوزُ الذي كان يقرأُ الرواياتِ الغرامية"، "يُصلّي كي تخرجَ من مصباحك السحري سريعا؟" يذكّرنا هاتف بهذه الأعمال الرائدة في زمن المأساة، ويلمّح لنا من طرف آخر بحكاية المصباح السحري، وانعتاق المارد الخارج منه، وحرّيّة الشاب الفقير علاء الدين وزواجه، وعودته إلى مدينته حرًّا وغنيًّا بفضل هذا المارد. الشاعر في تفاعله النصّي مع شاعر وروائي إنّما يناجيهما عاطفيًّا بلسان الريح التي تهبّ من هنا إلى هناك، من الشرق إلى إسبانيا وتشيلي، ويعبّر عن تضامنه مع هذا الرعيل الإنساني من المبدعين الذين فارقوا الحياة بشكل مأساوي، ويتجلّى مع الريح لو أنّهم تحرّكوا بالحياة، أو حقّق مصباح علاء الدين رغباته بنهوضهم من تحت ركام المأساة، ومن ثقل هذا الظلام الذي ينشره فيروس الشقاء. يمهّد هاتف الطريق بسؤال التوجّع إلى سؤال آخر للتوجّع أيضًا، لتعذّر رجوع الراحلين حتّى ولو بالتمنّيات، ويجمع بين التناصّات في هذا المقطع والمقطع السابق من خلال التمنّي المرتبط بالاستفهام بصورة مشاهد تثري السياق بالمشاعر والمعارف والمناجاة والاستحالة، على الرغم من أنّ الشاعر يصوّر أبطال المبدعين مجازيًّا وهم ينهضون من بين الصفحات، وأبصارهم شاخصة وصلواتهم سابحة بالدعوات روحيًّا لعودة من حرّك فيهم نبض الحياة وشحن طاقة التجدّد، ليتواصل بذلك وجودهم في التاريخ كأسماء تتردّد على كل لسان، ويُسمع صداها في الآفاق.

يستهلّ هاتف مقطع نصّه الخامس بالإنشاء الطلبي بصيغة الاستفهام للحال، ووحدة الفضاء شكليًّا، الذي تمتد فيه المسافة بفكرة لسؤال أوّل بثلاثة أسطر: "كيف للبُعدِ أنْ يُصغي .. لنبْض الحياة بين الشفتين .. كما اللحنُ يُصغي لنبض الوترِ؟"، وفكرة لسؤال ثانٍ بسطرين، يختتم فيه المقطع بـ"كيف تُطبقان على قُبلة ظامئة.. والوهادُ يملؤها الضبابُ؟". يبدو الشاعر في هذا المقطع الاستفهامي "الثنائي"، وكأنّه يريد أنْ ينكر ما يمكن إنكاره من تصوّرات توازن بين "البعد" المجرّد، و"اللحن" المحسوس، حيث يجسّد الشاعر حسًّا للبعد في الأول، ويصوّر اللحن وكأنّه يصغي لنبض الوتر في الثاني. وبقدر ما بين التجسيد والتشخيص "بعد يصغي" وللإنشاء الطلبي امتداد بـ"كيف"، تتجسّد حياة للوتر واللحن بدلالة "نبض"، أيْ صورة الحياة المرتسمة بمشهد الحركة النابضة، مثلما أنّ البعد واللحن يتراسلان أيضًا بين السكون المجرّد والمجرّد الصوتي. وبجواب للاستفهام يجمع الشاعر البعد مع اللحن عبر شفتين تطبقان بقبلة في ظرف ضبابي غير مؤاتٍ، فيتكوّن مشهد بتراسل صوتي بين السمع والنبض، واللحن والعزف، أو بين السبب والنتيجة، ويظهر فيه توازن بالإنشاء الطلبي من خلال المفارقة، ومشهد آخر لصورة الضباب في الوهاد. تعتبر النهايات في هذا المقطع مفتوحة على ما يمكن أنْ يتركه الشاعر لمتلقّي نصّه، سيّما وأنّه يستنهض الفكرة بتساؤل يجيب عليه بالإنكار. يكرّر الأداة (كيف) الحالية كلازمة بيانيّة للتوكيد مرّتين، ويرفقها بـ"كما"، وينير إضاءتين في المشهد الأوّل للبعد واللحن، ويطلق فكرته بالنبض الدال على الحياة، ولكنّه يعود ليتساءل عن إمكانيّة طبع "قبلة ظامئة" مشحونة بالحنين والشوق على جبين الراحل، أو أنْ تنبض حياة في هذه الظروف الموبوءة بالجائحة بدلالة التساؤل بـ"كيف" الثانية.

يقوم الشاعر بربط هذا التساؤل مع مشهد سابق لشفتين "تطبقان على قبلة ظامئة"، ومشهد لاحق ينفي ما سبقه، أو ينكره بمشهد "الضباب" الذي "يملأ الوهاد"، أي بإطباق الضباب على الجوّ مثل الدّخان الذي يغلّف الأبصار ويؤدّي إلى التعمية، فيخيّم على الأراضي المنخفضة بفعل ما تنقله الريح إلى هذا الوهاد. نستشفّ من المقطع أيضًا مقابلة بين زمن في المخيّلة عامر بالمحبّة، وآخر تتعقّد فيه رغبات الناس وأشواقهم ونواميس ما تعارفوا عليه، بين زمن تورق الطبيعة بناسها وجماليّة مشاهدها، وزمن فيروس كورونا وأوبئة أخرى خارجها، هذا الفيروس الذي يحاول شلّ حركة المحبّة والجمال والحياة. تبرز في هذا المقطع مشاهد البعد واللحن والقبلة والضباب، وتراسل الجامد "البعد" مع طبيعة غير حيّة "الضباب"، ومجرّد غير حيّ "اللحن" مع آخر مثله "القبلة". وما يقوّي أفكار التجسيد والتصوير في المشاهد هو هذا التقابل بين لمسات القبلة غير المتحقّقة وحركة الضباب في الأجواء، وطاقة هذا الاستفهام "الإنكاري" المكرّر مرّتين بتوكيد بياني بلازمة اسم استفهام لحالة لا تتحقٌّق بوجود الجائحة، وبأفكار يطلقها بالصراع بين الحبّ والموسيقى والقبلات من جانب، و"الضباب"– كورونا من جانب آخر.

الحديث في المقطع السادس عن الهاربين من الجائحة أو الراجعين وهم يتعثّرون بالصخور في تلال المدينة وجبالها الموبوءة – "العائدون أضلّهم وقعُ الصخور" يعكس خشيتهم من وداع الموتى عن قرب بسبب سياسة الابتعاد المفروضة خوفًا من هذه الجائحة، وهذا الضياع يوحي بأنّ هؤلاء الناس قد خرجوا إلى المرتفعات خشية من كورونا، أو عادوا دون أنْ يتحقّق وداعهم لأحبّتهم، وهم يتعثّرون بين الصخور. يرسم الشاعر صورة للدمار الذي يهدّد الأمكنة بمشهد الموت "الفيروس" الذي "يحوم" هنا وهناك في المدينة الإيطاليّة المذكورة، مشبّهًا هذا الفيروس بـ"المنجل الأعمى" وكأنّه يستعير صورة الموت من الثقافة الأوروبيّة التي تصوّره مكللا بالسواد بمنجل طويل، بينما يمضي هؤلاء الباحثون في أحزانهم وهم سادرون عند أطرف  المدينة المرتفعة، أملًا بالوصول إلى قبور من فارقوهم إلى الأبد، ولكن بدون جدوى. بين صخور هذه المدينة، وبرمزيّة "منجل" الموت الحاصد لأرواح الناس، يتعاطف الشاعر مع ضحايا المأساة، ويتناغم مع محبّيهم الأحياء الذين لم يعودوا يعرفون حتّى الطريق إلى مقابر موتاهم، راسمًا في الوقت نفسه صورة للفراق بثمالة الموت وبضرب كف القدر: "في البحث عمّنْ شربوا.. خمرة الفراق من كفّ المصير". تجتمع في هذا المقطع صورة خمرة الفراق "الرحيل – الموت"، وخلوّ المدينة من قبور الراحلين بكورونا: "لا قبور لهم" مع صورة الموت "المتوّج" بـ"المنجلِ الأعمى" –  كورونا الذي "يحوم في الحقول"، باستثناء يطلق الموت بأداة "سوى"، ومغزى كلمة "متوّج"، المكرّرة بعد ورودها في المقطع الأوّل، وهي مرصّعة بحبّات شبيهة بحبّات الفيروس التاجي  الحاصد للأرواح.

ينظّم الشاعر إذًا مشهدي الصورتين – الأحبّة الذي فقدوا بوصلة الوصول إلى قبور موتاهم بسبب الإجراءات والخشية من الفيروس، وانتشار الموت الذي يتنقّل كالريح في الحقول لاقتناص ضحايا جديدة  كمنجل الحصاد. أمّا الطريق غير السالك للعائدين الذين تاهوا فيه واصبح مقفرًا إلّا من الموت فيعكس نوعًا من التنازع  بين زمنين، زمن ممتلئ بالحبّ والحياة، وآخر خالٍ إلّا من فيروس الهلاك والشجن. الترابط بين الريح والموت والخشية يستمدّ قوّته من مشهد الضياع في المرتفعات كتعثّر أصحاب "عوليس" بين الصخور أو سقوطها عليهم وهم في طريق العودة التي لم يبلغوها، فضلًا عن مشهد الموت المتنقّل في الأرجاء، وخلوّها حتّى من مقابر للضحايا، وتعاظم خيبة المودّعين بسبب مأساة هذه المدينة الإيطاليّة، وأهلها المعذّبين الذين يرمزون إلى عذابات العالم اليوم.

يشكّل الشاعر صورة المقطع السابع بمشهدين، مشهد يعبّر عن الأمل واستمرار الحياة بدلالة "رحم الولادة" و"بسمة الوليد"، حيث سينتهي زمن ما خلّفته الجائحة من موت ودمار من خلال "بسْمة الرحمِ على شفة الوليد" التي ستلغي هذا "الرحيل المفاجئ"، إنّه مشهد يتكوّن من إضاءتين يعطيان الأمل بأنّ الحياة ستستمر بولادة جديدة، أيْ بخطاب الأمل في مواجهة اليأس، الأمل الناهض من المعاناة بولادة تتّسع لها الأرحام، على الرغم من أشباح الموت التي تخطف أرواح الناس والمبدعين، وتحوم بشرورها كي تكبر مصائب الناس، وتقفر المدينة من مقابر الراحلين. يأتي مشهد آخر للصورة يتمثّل بالزهور البيضاء الجميلة ذات الرائحة الزكيّة – الزنابق على "سفوح الجبال"، والتي يلعب الهواء في أوراقها في هذه المدينة المنكوبة، بقوله: "وتلك الزنابق عند سفوح الجبال"، وهي أيضًا رمز للأمل والجمال. يؤكّد الشاعر بأنّ الخروج من محنة كورونا سيأتي بالحياة التي ستزهر بورودها، وستتلاشى هذه المسافات بين الأفراد والمدن والطبيعة بولادة جديدة على أنقاض كورونا، هو أمل خارج من تحت الحطام، يستنير ببسمة الوليد، ويتورّد بزنابق متألّقة، ويقوى بقوّة الحياة والطبيعة، وإذا كان هناك دمار وموت وأحبّة راحلون، فإنّ هناك أملًا بالحياة، وأحبّة قادمين.

يضعنا هاتف في المقطع الثامن أمام صورتين للريح، فهي بقدر ما تكون قاسية، هي حنون ترفق بالضعفاء، وهي بقدر ما تكون ناقلة لفيروس كورونا والأعاصير والظواهر السيّئة، فهي أيضًا تتشابك مع الهواء في تخطّي الوباء بشهيق الأوكسجين. تستمر الريح في خطابها من خلال جدليّة التناوب أو التنازع بين الاقتلاع والتدمير والحماية والحنين، الشاعر يقوم بأنسنتها بالنواح الوجداني المتواصل: "أنوحُ كلّ لحظةٍ"، وبمشاعر "إنسانيّة" متألّمة لما تسبّبه للطائر بدلالة "انكسار الجناح" الذي يتعرّض لهوجها بدون أنْ تقصد ذلك، لأنّ "منطقها" يدفعها إلى هذا الأمر، تتناغم وجهد الطائر في بحثه عن الطعام لفراخه والرجوع إلى العشّ لأنّهم في انتظاره: "حيث ُالطائرُ يحمل للعشّ ..  في منقاره لقمةً للفراخ". انكسار الريح وألمها نابعان من أنّ الطبيعة تتفاعل بعناصرها، على الرغم ممّا يقوم به هذا العنصر بألم للآخر. وبمشهد الطائر وهو يحمل في منقاره لقمة ما يجتهد ويشقى في الحصول عليها من أجل سد رمق فراخه ومن ثمّ تعرّضه إلى أذى الريح، يكون الشاعر قد ربط بين فعل الطائر وتسبّب الريح في معاناته وآلامه.

يصوّر الشاعر بأداة الاستدراك للشخص الأوّل "لكنّني" مشهدًا تشخيصيًّا آخر للريح في من خلال منازعتها الشجرة وجذورها عند هبوبها: "أنازعُ الأشجارَ والجذور"، منطلقة من فطرتها المندفعة بالاقتلاع، ومتسلّحة بضدّها في الوقت نفسه: "لكنني أزيحُ ما تبقّى"، أيْ بفطرتها الأخرى القائمة على تنظيف ما يقع على البراعم "من ورق يابس" بعد أنْ تقوم بإزاحته من على الغصون، والعمل على حراستها كي تبقى مزهوّة بجمالها، في قوله: "على مفاتنِ الغصون". إنّهما مشهدان مرسومان بعناية من قبل الشاعر، حيث الريح تقوم بمهمّتين أو وظيفتين: المنازعة والإزاحة، وتتحرّك باتّجاهين، المناكدة والحراسة، هما مشهدان تتحرّك فيهما الريح بـ"منطقها" لـ"فرض" خيارها الغريزي، كما تتشابك الريح والشجرة مثلما تتشابك والطائر في صراع، وتشعر كذلك بالأسى ممّا تحدثه من أضرار لغيرها، فتعوّضه بأفعال مفيدة، أي إنّها بقدر ما تؤذي تتألّم، وبقدر ما تضرّ تنفع.

تتكرّر الريح مع الهواء في المقطع الأخير من هذه القصيدة، وتتعانق أنفاس هذين العنصرين المتشابكين، فالريح لا تموت، لأنّها حيويّة كالهواء الناقل لها، الريح تتناغم مع الهواء عبر الاستعانة بصيغة المتكلم بلسان الهواء المتحرّك بها، وتقتفي حركة الحياة به، بحيث يصوّر الشاعر في أحد المشاهد الهواء خارجًا من عمق المجهول من أجل تحريك نبض الحياة في هذه الطبيعة وبين بني البشر في تحدٍّ لكورونا ومآسيها: "أنا الهواءُ من المجهولِ أنبثقُ". الهواء – الرمز يتشكل في مشهد ثانٍ بالكشف الكبير لبواطن الكنز البشري "المطرّز" بالمحبّة والوجدان – القلوب المعبّر عنها بأفئدة ترقّ بالمشاعر وتحفظ الأسرار: "أكشفُ الكنزَ المطرّز بالقلوب". تعود الريح بعد التحدّي الأوّل بصيغة "أنا" للمتكلّم، إلى التعامل مع الهواء من خلال مقطع جديد للصورة، لتعلن عن توصيف جديد لها يتمثّل بانتشارها في أرجاء الطبيعة، من بحار وأنهار بعد أنْ تمرّ على الحقول والجبال والتلال والوهاد والأشجار. تخفق الريح محرّكة المراكب في مشهد جديد، بدلالة رفع الأشرعة: "أنا الريحُ التي ترفع الأشرعة"، ومشهد تالٍ تغدو الريح فيه سرّا من أسرار هذه الطبيعة، أيْ تصبح "السرّ الذي يأسر العاصفة". تتحوّل إلى كائن يستطيع أنْ يتحكّم بالعاصفة أو يأخذها كالأسير تحت جناحيه، ضابطًا اتّجاه سيرها وقوّتها المدمّرة، الريح قادرة على لجم أضرار الطبيعة، والوقوع في فخّها في الوقت نفسه. صورة الأسر تجعلنا نتحسّس مشهدًا للهواء المتشابك مع الريح بالخروج من المجهول إلى اكتشاف كنز الجمال والوجدان المشار إليه بالقلوب الإنسانيّة، ومشهدًا مجازيًّا آخر تنهض فيه الريح بتنظيم انطلاق المراكب والسفن عبر إدارة أشرعتها، أو رفعها من أجل أنْ تواكب حركة خفقانها حركة هذه الريح، ومشهدًا يعبّر عن السرّ في كبح جماح بعض مشتقّاتها المتمثّلة بالعاصفة. الريح والهواء هنا رمزان متشابكان، يتّصفان بالغموض والكشف والأسر، يندفعان بحركة آمنة بصوت هادئ، أو بحركة حانقة بصوت صاخب. ينتقل هاتف بعد ذلك إلى تقطيع "أوصال" مفردة الريح إلى أحياز أو فضاءات ثلاثة "الـر ... ي ... ح"، وكأنّما يريد أنْ يضعنا أمام حالات بتوقّفها برهة فتحرّكها وئيدًا حتّى وصولها إلى مقصدها، هو تحرّك متقطّع بحالات هنا وهناك، وهواء موزّع بالانتشار في هذه الناحية أو تلك. ومن خلال التشابك بين الهواء الذي يتحرّك بالريح، والريح التي تحيا بالهواء، يرتسم مشهد جديد للهواء الواهب الحياة، والباحث عن مستقر له، في قوله: "أنا الهواءُ الذي يبحث عن مأوى"، ولكنْ في الرئتين المعطوبتين بفيروس كورونا أو العليلتين التي يقوم الهواء بضخّ طاقاته لإنقاذهما: "في شهقة الرئتين". الصورة التي تشكّلت من مشهد الهواء الباحث عن مأوى، ومشهد "شهقة الرئتين"، تكتمل بدورة الحياة عبر ما يفعله الشهيق، وبذلك يتمّ التفاعل بين الرئة ومنقذها المتمثّل بأوكسجين السلامة. يختتم الشاعر نصّه بهذه "الشهقة" التي لم يستطع الهواء منحها لمن رحلوا بسبب سطوة كورونا على منفذ الحياة – الرئتين بالذات، وليؤكّد أيضًا بأنّ الريح المتحرّكة بالهواء تبقى عنصرًا يمنح الحياة بالمعافاة، بعد أنْ يصل الهواء المنقذ إلى مبتغاه "مأواه".

يمكن القول أخيرًا، إنّ وحدة قصيدة (أنا الريح) قد تشكّلت بوشيجة عناصر مقاطعها التسعة، في إطار موضوع وزمن رئيسين، كما عكست تكثيفًا وتشابكًا في الأفكار والدلالات، جعلنا الشاعر هاتف فيها نتفاعل مع وجدانه الفيّاض بالمشاعر الإنسانيّة المتضامنة مع الضحايا في هذه الأجواء المشحونة بالمآسي، مستخدمًا التناصّ الأوروبي، ومنه الإغريقي، والشرقي، ومنه البغدادي، ومارًّا على أعلام ونتاجات وحكايات وأساطير، ومستفيدًا من أسلوبي الاستفهام والتكرار، ومن صور ومشاهد ورموز ودلالات وتراسل وتوصيفات وتوازنات وتقاطعات. كان الشاعر موفّقًا جدًّا في انتقالاته من حالة إلى أخرى وصولًا إلى بلوغ الإطار الجامع للقصيدة، حيث تحرّك بالريح فيها بعد أنّ حاكى الطائر في قصيدته السابقة، وهو يتبصّر جدليّات تقوم بها الريح والهواء، ويحلّق بها هذا الطائر. كما حفّز نفوسنا إلى التعامل مع الواقع  المصدوم إبداعيًّا وإنسانيًّا، والمفجوع بجائحة كورونا البشعة، التي أصبحت وزمنها مادّتين لقصيدتين له. يبدو أنّ هاتفًا الإنسان والشاعر أراد الانطلاق في هذه القصيدة "الكونيّة" من حالات خاصّة إلى حالات عامّة، من "بريشا" إلى "لومبارديا" فإيطاليا والعالم، من كورونا إلى المساوئ الأخرى، من مأساة مبدعين مرّ عليهم في السياق إلى مأساة أقرانهم عالميًّا، من مأساة شعب إلى مأساة الإنسانيّة. تعاطف هاتف مع الضحايا بضمير الإبداع وأوجاع الكلمة المهمومة بالحزن والعواطف المنكسرة في ضوء صور موزّعة على مقاطع تسعة تتنقّل كالهواء، وتوقّف عند فجائع موزّعة بين الأنغام والكلمات والمدن والأشجار والتلال والجبال والزهور. لبست هذه القصيدة حلّة مرسومة بالمأساة، و"سفحت" شعريّتها بجماليّة، وتناثرت مشاهد صورها بآلام وأشجان، واحتبست أوتارها بتراتيل، وبانت ملامحها بألوان وأصوات، ولكنْ تحاشت الوقوع في هاوية اليأس والتشاؤم، وتألّقت بالاستدراك وهي تتجاوز أزمة هوس الزمن بقوّة الأمل. بين الشاعر والريح والمأساة في زمن كورونا يكون الشاعر قد خطا خطوة أخرى في تجريبه لتحديد موقف قصيدته ممّا يفرزه زمن الوباء. وبقدر ما مال إلى إجراء تفاوت في عدد أسطر كل فضاء من فضاءات مقاطع قصيدته، وركّز على هندسة فضاءي مقطعين كثيرًا إذا ما قورنا بغيرهما، ووزّع إيقاعات سياق النصّ بعيدًا عن الاستعانة بتفعيلة محدّدة، فإنّ ذلك كان مقصده وجرى وفقًا لمنظوره في تناول الحالة أو الفكرة، ومع ذلك كنت أود لو أنّ الشاعر كثّف قليلًا من إيقاعات التفعيلة لتتساوق مع إيقاعات الريح.

قصيدة الشاعر هاتف جنابي (أنا الريح)، حلقة من حلقات قصائد الطبيعة التي ربّما لا تنتهي بها في زمن الجائحة، هي قصيدة استثنائيّة بتحدّي الريح، ومركّبة ببنيتها وغنيّة بأفكارها، جاءت معافاة في زمن مريض، يعاني فيه مبدعوه وناسه ومدنه ودوله والبشريّة جمعاء كارثة وباء جامح وكوارث أخرى. هي قصيدة عكست تجلّيات شاعر مجرّب بعلاقته الخاصّة بالطبيعة والمكان، ولم تستسلم لليأس والظلام والخراب الذي ينشره فيروس كورونا والشرور، وتشبّثت بالأمل كطاقة محفّزة للإبداع، وانفتحت بالتفاؤل في أجواء المأساة، استمدّت نبضاتها من أنفاس الطبيعة، وتضامنت مع الإنسانيّة في ظروف الفجيعة، ويبقى هذا النوع من القصائد في النهاية مفتوحًا على إرهاصات الزمن.

......................

قصيدة (أنا الريح)

هاتف جنابي

يابوونّا (بولندا)، 12/04/ 2020

 

يشْكونَ من تقبيل الحبيب

ودفنِ الراحلين بما يليقُ

بتنظيفهم، وإلباسهم حُلّةَ الغائبين

يَغيبون مثلهم كالصوت في الوادي

كما لو أنهم من المجهول جاءوا 

 

نساءٌ بقبّعاتٍ مُتوّجةٍ بالسواد

دموعٌ تسّاقَطُ من منخل البُعْدِ

فوقَ حبات التراب

والأزهار ها ذبلتْ قبل امتداد اليدين

 

عوليسُ عاد ولم يعُدْ مونتيفيردي*

في انتظاره هالةٌ تحرسها قِمَمُ التلال

التراتيلُ موحشةٌ في لبوة البلاد**

سربروسُ مازال يعوي عند بوابّتها

والكلماتُ ملقاةٌ على وجعِ السؤال.

 

أتسمعني يا (مارثيلو بيرالتا) من أعماق هذا الظلام؟

وأنت يا (لويس سيبولفيدا) أما زال

"العجوزُ الذي كان يقرأُ الرواياتِ الغرامية"

يُصلّي كي تخرجَ من مصباحك السحري؟ 

 

كيف للبُعدِ أنْ يُصغي

لنبْض الحياة بين الشفتين

كما اللحنُ يُصغي لنبض الوترِ؟

كيف تُطبقان على قُبلة ظامئة

والوهادُ يملؤها الضبابُ؟

 

العائدون أضلّهم وقعُ الصخور

في البحث عمّنْ شربوا

خمرة الفراق من كفّ المصير

لا قبور لهم

سوى المتوّج بالمنجلِ الأعمى

يحومُ فوق الحقول

 

ستُلغي الرحيلَ المفاجئَ

بسْمةُ الرحمِ على شفة الوليد

وتلك الزنابقُ عند سفوح الجبال

 

أنوحُ كلّ لحظةٍ

لانكسار الجناحِ

حيث ُالطائرُ يحمل للعشّ

في منقاره لقمةً للفراخ

أنازعُ الأشجارَ والجذور

لكنني أزيحُ ما تبقّى

من ورق يابس

على مفاتنِ الغصون

 

أنا الهواءُ من المجهولِ أنبثقُ

أكشفُ الكنزَ المطرّزَ بالقلوب

أنا الريحُ التي ترفع الأشرعة

السرُّ الذي يأسرُ العاصفة

الر... ي ...ح

أنا الهواءُ الذي يبحث عن مأوى

في شهقة الرئتين.

***

بقلم: عدنان عبّاس

............................

* كلاوديو مونتيفيردي (1567-1643) أحد مؤسسي الأوبرا الإيطالية اشتهر بقيادته جوقة التراتيل في كنيسة سان ماركو في البندقية و"عودة عوليس" من بين أشهر أعماله الأوبرالية.

** بريشا - سمّاها الشاعر جوزويه كاردوتشي (1835-1907) "لبوة إيطاليا" وهي مدينة في إقليم لومبارديا الذي فتك به فايروس كورونا.

مارثيلو بيرالتا- Marcelo Peralta (مارس 1961- مارس 2020) - موسيقي وعازف ساكسفون أرجنتيني مات بفايروس كورونا في مدريد. لويسو سيبولفيدا - Luis Sepúlveda (1949-16 نيسان 2020) كاتب تشيلي أصيب بفايروس كورونا وتم إنقاذه بصعوبة من غيبوبته، لكنه توفي فيما بعد، ومن أعماله المعروفة: العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية"، و"مصباح علاء الدين السحري وحكايات أخرى...".  

 

نجيب طلالإشارة مكشوفة: مبدئيا تنطلق هاته المقاربة النقدية للنص المسرحي– الوباء- للشاعر والمبدع عبدالكريم العامري؛ من الوضعية الحالية التي تمر منها البشرية الآن؛ شرقا وغربا، دولا وقارات الكل يقاوم شيئا غيرُ مرئي؛ كل الأجهزة تسابق الزمن لمحو آثر- فيروس - وبائي: لا شكل له ولا لون له؛ كأنه شبح أوشئ من هذا القبيل؛ إنه ينتشر ويتفشى؛ بشكل مثير للغاية، مخلفا وراءه عشرات الآلاف من الوفيات والضحايا؛ غربا وجنوبا . نتيجة صعوبة مقاومته وعدم معرفة علاجه؛ وأي لُقاح يناسبه، وكذا عَدم الاستعداد لمواجهة لفيروس (كورونا) الذي يعتبر من مصاف الأوبئة الفتاكة (حاليا) .

وبناء عليه، كما أشرت بأن هاته القراءة مرتبطة جدليا بالوضع الكارثي/ الوبائي، الذي صنعه وباء فيروس كورونا؛ مما أشرت في العنوان- قراءة وبائية في رمزية الوباء- لأسباب ترتبط بالمظهر النفسي الذي نعيشه في ظل الحجر الصحي؛ وإن كان مقبولا كشرط احترازي؛ منطقي. ولكن كفعل له استيهامات مثيرة جدا؛ في عقلية ونفسية أغلب المواطنين؛ وخاصة أمام الأخبار التي تذيع وتنشر أرقاما مهولة للمصابين ولسقوط ضحايا هنا وهناك؛ علاوة على الأحداث الأسرية والعائلية في معاناتها ومشاكلها وصراعاتها بين الأفراد ولقمة عيش. و التي ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي؛ تقريبها للجميع.

قراءة وبائية:

فهل نص [- الوباء- L'épidémie-] له علاقة بذلك؟ طبعا لا علاقة له بناء على تاريخية الإنجاز(2018) وانتشار الوباء الكوروني (2020) ولكن هل له علاقة بإحدى نصوصنا التي تحمل نفس العنوان والمؤرخ في (2015) أم بنص الكاتب الإنجليزي - أوكتاف ميربو- والذي يحمل نفس العنوان (الوباء) والمؤرخ في (1904) إطلاقا؛ المسألة سوى تشابه العناوين؛ ليس إلا. ولكن وبالعَودة للنص نجد في مدخله أوفي الإرشاد العام يشير:

[زقاق قديم في مدينة ابتليت بالعمى وتكاد ان تكون مهجورة.. اظلام في العمق.. رجل 1 ورجل2 يمسكان ببعضهما ويمشيان حتى يصلا الى منتصف الزقاق] ومن خلال هذا الحوار:

رجل2: لست وحدك في هذا البلاء، كل الناس في المدينة اصيبوا بالعمى يقولون انه وباء.. رجل1: (مستغربا) وباء اصاب الجميع..؟ كيف..؟

رجل2: لا تسألني عن ذلك هو وباء وكفى.. هذا ما سمعته ممن بقي في المدينة..

يتضح لنا أن هناك فعلا (وباء) والمتمثل في (العَمى) الذي أصيبت به مدينة (مجهولة الاسم) مدينة مجردة/ متخيلة. ولكن ملامح المدينة شبه معلومة في ذهنية الكاتب؛ مادامت هنالك إشارة (لزقاق قديم) وإن كانت أغلب المدن تتوفرعليها .وبالتالي فمن خلال وباء العمى الذي يحمله نص الشاعر – عبدالكريم العامري- يفرض علينا أن نتساءل مرة أخرى : هل النص يحايث أو يتقاطع أو يتقابس ورواية (العمى) لجوزيه ساراماغو؟ بحيث هاته الرواية تتحدث عن وباء غامض يُصيب تقريباً كل السكان في مدينة مجهولة الاسم، وذلك بشكل مفاجئ ! بحيث أول من أصبح أعمى طبيب العيون عقب معالجته لإحدى مرضاه بالوباء الذي سيُسمى فيما بعد " المرض الأبيض "باستثناء زوجة الطبيب فهي الشخصية الوحيدة التي لم تفقد بصرها. وإن تظاهرت بالعمى كذبا على الأطباء؛ لكي لا تفارق زوجها ولو أنه في الحجر الصحي، مع بقية المصابين بالوباء. ونلامس بعضا منه تقريبا في الحوار التالي:

رجل1: لم أكن أشكو من أي مرض ولدي مناعة كافية كيف أصابني الوباء..؟

رجل2: يقولون ان هذا الوباء لن تمنعه اي مناعة ولن تستطيع ان تتفاديه حتى وان كنت

في صندوق مغلق..

رجل1: البارحة قبل أن أنام كنت أبصر..

فهاته الحوارات لا تعني إطلاقا أن هنالك تحويلا أو مقابسة لبعض ماورد في الرواية لصالح نص (الوباء- L'épidémie) فحتى وإن مارسنا التعَسف على النص؛ ومحاولة إقحامه فيما لا يقحم . تجاه الرواية الأولى (العمى) أو رواية [ بلد العميان ] لهربرت جورج ويلز. بحيث انتشر نوع غامض من التهاب العيون اجتاح سُكان وَادٍ مَعزول بَين الجبال مما، يَتسبَّب في فقدان أبصارهم؛ ليعيشوا على إيقاع العمى؛ بحيث لا توجد كلمة اسمها أرى أو أبصر أبدًا . والتي يحاول (نيونز) أن يدافع عنها باعتباره الشخصية الوحيدة التي ترى. وكان أهل الجبال يفسرون ذلك الوباء نتيجة انتشار الخطايا بينهم. بمعنى أن مرض العمى قدري ولعنة ربانية؛ نفس الرؤية منوجدة في نص (الوباء) للمسرحي والإعلامي- ع الكريم العامري:

رجل2: انا مثلك تماما.. ما أصابك أصابني واصاب كل الناس..

الطبال: حقا..؟ كل الناس عميان..! هل هي لعنة نزلت بنا..

رجل2: ليست لعنة.. هذا وباء..

وكما أشرت إن قمنا بنوع من التعسف اللآنقدي/ اللاقرائي؛ بين النص والروايتين؛ سنحسم أن هنالك تقاطعا أو مقابسة بمنظور تركيبي/ تحايلي . لكن أثناء التمعن في عمق الروايتين معا نستشف تلقائيا بأنهما أساسا مركّبين ومتعددي الأصوات والدلالات. حتى ولو تمت عملية الإختزال (العمى/ بلد العميان إلى الوباء) وبالتالي ما يمكن أن نستنتجه أن هناك تشبع قرائي للمبدع – العامري- وهذا التشبع له ارتباط بتعدد مساراته الإبداعية من شعر/ رواية/ مسرح/ وهذا التشبع يلغي أي تأويل بأن النص له مرجعيته الإحالية التي تكمن في الروايتين؛ بالعكس فالمرجعية الإحالية تكمن في الواقع كما يراه الكاتب المائز- ع الكريم-

رمزية الوباء:

كاتب النص – عراقي – الأصل والنسب؛ ويعلم كل واحد منا؛ ما آلت إليه الحياة العراقية سياسيا / ثقافيا / اجتماعيا / في براثين المأساة؛ والتطاحن على السلطة؛ ناهينا عن الخراب والانفجارات اليومية. مما تحول آمل وحلم كل العراقيين بما فيهم المبدعين والأدباء؛ إلى سراب ومعايشة تراجيديا السقوط؛ بدل أن يرفلوا في الأمل المشرق بمعالم الحرية والديمقراطية وتعدد الأصوات بدون خلفيات سياسية أو طائفية أو عشائرية. لكن واقع الحال العراقي، المأساوي ولا خلاف ولا مزايدات حول حياته السياسية والاقتصادية؛ و أغلب هاته وأكثر تتجسد الآن في عدة نصوص قصصية / روائية/ مسرحية/ شعرية / كرد فعل مجتمعي نفسي  ثقافي من أجل غد افضل إشراقة؛ وبالتالي فأغلبية ما اطلعت عليه من أعمال الإخوة والأساتذة والمبدعين العراقيين تميل وتنحو نحو الرمزية والتجريد كمنطلقات تعبيرية عن أفكار وإيديولوجيات ورؤى سياسية، قد يتعذر عليهم التصريح بها حاليا. لأسباب ليس مجالها هاهنا ونص الوباء ينتهج ذلك :

الطبال: انا أطبل للجميع.. الفن من أجل الجميع..

رجل2: ان لم يحدث الفن تغييرا فلا خير به..

الطبال: تقصد اننا معشر الطبالين سبب هذا البلاء..

رجل2: كلنا نشترك فيه.. كل ذي صاحب لسان ولم ينطق الحق مشترك في هذه البلوى..

يبدو ان هذا المقطع تجريدي؛ ينعكس على أي محيط؛ ولاسيما أن شخصية الطبال يرمز لها تحديدا (فنان) وهاته الصفة تشمل كل ممارس للفن؛ ولكن هل الفنان هو المسؤول المباشر عن سبب هذا (البلاء/ الوباء) ؟ ولكن في أي مدينة/ محيط يوجد ذاك الطبال ؟

فمن خلال استحضار ملحمة جلجامش و اختراقها – النص- بشكل ذكي؛ كإشارة دالة ميثولوجيا لبلاد الرافدين (العراق) القديمة؛ ونحن أمام نص ليس بقديم؛ جدليا نحن أمام محيط عراقي والطبال كذلك

رجل2: (ضاحكا) جميل جدا، سنعود الى أصولنا.. ربما ستكون أنت أنكيدو وأنا جلجامش..(يضحك)   رجل1: انت تسخر مني..   رجل2: بل قل يضحكني تفكيرك.. انا اتحدث مع رجل متعلم، انت مدرس تاريخ وكنت تحدثنا في جلساتنا عن عشبة الخلود التي ضيعها جلجامش وكنا نصدقك.. بربك، هل هناك عشبة في العالم تجعلك خالدا..؟

رجل1: هذا ما يقوله التاريخ وليس انا..

إذن فتوظيف ثلاث شخصيات (رجل 1- (مدرس تاريخ)/ رجل2 – (عادي)/ الطبال(فنان) أعطوا نكهة للعب ذي العلاقة بالعمى؛ وهذا يمكن تلمسه في العملية التداولية التي فرضها الخطابي (النصي) كمحاولة فنية / لغوية؛ للانزياح من الخروج من الدلالة الرمزية التي حصر نص- الوباء- نفسه فيها. باعتبار أن المعاني الرمزية، تكون لها مدلولات متعددة ومتضاربة في آن واحد. ووعيا من الكاتب بهذا الأمر؛ فإنه وظف أغلب الدلالات، للإحاطة بالسياق العام للوباء؛ إذ اعتبر أن الوباء مؤامرة؛ كحجية لما يتداول أمام أي معضلة داخلية:

رجل1: هذا ليس وباء.. هذه مؤامرة ..!

رجل2: (يضحك) دخلنا في العميق.. مؤامرة؟ اتقول مؤامرة..؟ لمصلحة من تلك المؤامرة..؟

رجل1: تعرفهم جيدا.. اولئك الذين لم يصبهم الوباء.. في بروجهم العالية يراقبوننا يتجسسون على افعالنا يحبسون عنا الهواء ويحاولون ان يقتادوننا حيثما شاؤوا..

فالذي يصرح أنها مؤامرة (رجل1: هويته الواقعية = رجل متعلم و مدرس تاريخ) ولا يمكن لأستاذ التاريخ أن يجازف بالقول: أن الوباء /المرض= مؤامرة؛ ولكن إشارة قبلية لتأطير رمزية الوباء . تلك الرمزية التي تتحدد في الآخر/الآخرون المشار إليهم ب

(اولئك الذين لم يصبهم الوباء.. في بروجهم العالية...)

إذن الجحيم هو الآخرون؛ حسب منطق سارتر. وهنا فالكاتب استعار الجحيم باعتباره صنيعة (مؤامرة) خارجية (الإمبريالية)وهذا معروف دوليا؛ ولكن قراءته تختلف. من هنا فكاتبنا قرأ الجحيم بمثابة (الوباء) الذي تعيشه المدينة (العراق) اليوم.

إذ الجميل في النص؛ أنه سعى أن ينبش في شتى مجالات تحيط بالوباء؛ ثقافيا / سياسيا / فنيا / دينيا / ونلاحظ عيانيا كيف حاولت سلطة الفقيه أن تؤطر وباء كورونا من الجانب العقائدي؛ ومن خلال النص إن حاولنا صياغة الجحيم بالمفهوم الديني (الوباء / العمى)= الجحيم/ العذاب/ مما تكون الصلاة والدعاء هي المخرج الوحيد للخلاص من (العذاب):

رجل2: ادعو ربك أن يبصرك.. ربما ينفعك الدعاء..

رجل1: وهل يصل الدعاء في مدينة كهذه..؟

رجل2: لم لا يصل..؟ ما بها هذه المدينة كل شوارعها نظيفة..

رجل1: وماذا عن النفوس الوسخة.. هل ينفع معها الدعاء..؟

هنا تنطرح إشكالية (النفوس الوسخة) من هي ؟ التي تلغي منظور المؤامرة (الخارجية) ليصبح الوباء/ الجحيم مؤامرة (داخلية) وطبيعي أن أي ممارسة تأمريه تكون لديها أطراف خارجية بإيعاز من أطراف داخلية؛ والعكس صائب كذلك. ونهاية المطاف تصبح الاطراف الداخلية / تابعة / ذيلية وهذا واقع سياسي / عربي؛ لكن المعضلة التي يعاني منها المجتمع العربي؛ أن المواطن يصبح ضحية؛ لسياسة أهواء الطرف الداخلي الذي يخضع لقرارات وتعليمات الطرف الخارجي (المتحكم في اللعبة) وبالتالي يتحول لديكتاتور ومستبد والتي رمز له النص ب (الجزار) هنا من صنع الجزار؟ النص يُحّمل الأمر والمسؤولية المباشرة للمواطن؛ ربما يقصد عملية الاختيار إبان الاقتراع الانتخابي؛ سواء الرئاسي/ البرلماني؛ هو الذي يحدد مصير الإنسان والوطن . أومن خلاله يتشكل الوباء/ الجحيم للوطن و الإنسان . وهذا ليس ببعيد؛ ومادام الوضع الوبائي جاثما على المدينة . فالاختيار الذي وقع عدة مرات لرجالات السلطة؛ اختيار خطأ وخاطئ من أساسه. والحوار التالي يوضح هذا الأمر؛ ولكن قبل أشير إليه؛ نجد في النص حوارا عميق الدلالة يتكلم به :

(رجل2): سمعت أن هناك رجلا في المدينة يحاول أن يخلصنا من هذا الوباء..

فهذا الحوار صورة للكلام العادي والمتداول في المجتمع بجميع أبعاده، و يشمل كذلك البعد الشاعري الذي يتحكم ديناميكيا في العلاقات الإنسانية. والمحددة في فعل (سمعتُ) (فعل/ ماض) والذي يتكرر عدة مرات والتي يحسمها كذلك

(رجل2): سمعتُ أيضا أنه صنع جهازا يعيدنا الى ما قبل الوباء..

هنا إشارة قوية لما وراء الحوار بأن المدينة عمليا تغرق في نفق مظلم وقاتم؛ وما يروج حول ذاك (الشخص) اختياره سيعيد المدينة لأفظع من الجحيم الذي هي فيه؛ والحوار التالي يكشف ولو رمزيا هاته الحقيقة؛ أي العودة للمدينة البوليسية/ الديكتاتورية :

رجل2: هو يعمل في دائرة الابحاث وعنده مفاتيح كل شيء..

وهذا ناتج عن فعل (سمعتُ) كمركب من (السماع/ المتكلم) فرأسيا يفرض تعدد المعاني والدلالات التي يمكن أن نؤطرها في خانة (الإشاعة / الدعاية/ الكذب/ التضليل/...) لأنه ناتج عن فعل لخطاب متكلمين كثر في الواقع والمحيط الإجتماعي. ومن ثمة فهو يُعبر عن خفايا النفس الإنسانية والكاتب – ع الكريم العامري- بدوره لا يخرج عن الأعراف الخطابية والإجتماعية للغة المتداولة؛ والتي بشكل أو أخر مساهمة في كتابة النص؛ اعتبارا أن المسرح في عموميته تجسيد حقيقي لما يحتويه الواقع من مظاهر إما خطابية وطبيعية واجتماعية و نفسية. وهذا يحيلنا للحوار صادق ومجسد للواقع، كيف يراه الكاتب

رجل2: مميزون بكل شيء.. بالكذب والنفاق والعمى أيضا..

الطبال: نحن لا نكذب ولا ننافق..

رجل2: لكنكم تطبلون لهذا وذاك...تطبلون لكل جزار..

الطبال: اللحوم الحمراء تغرينا.. لم لا نطبل للجزار وهو يشبعنا..

رجل2: يشبعكم ذلا وقهرا..

هنا نستنتج بأن الوباء ارتبط بالعمى، والعمى بالكذب والنفاق؛ كتخريجات عن هشاشة الأخلاق والمبادئ الإنسانية . مظهريا؛ ولكن عمليا هي تخريجة عن هشاشة سياسية صرفة؛ تلك الهشاشة هي سبب الجحيم الذي نعيشه؛ طبعا ناتج عن العمى/ الضلال/ الجهل في الاختيار. اختيار جزارين لديهم استعداد لممارسة الاستبداد والقتل والخيانة وارتكاب كافة الجرائم في حق الشعب من أجل البقاء؛ ورغم ذلك نطبل لهم ونبارك لهم؛ هنا النص سقط في شوفينية غير متوقعة؛ بحيث العمى أصاب الكل باستثناء ذاك (الرجل)الذي يعمل في دائرة الابحاث وعنده مفاتيح كل شيء. وهذا الاستثناء تم عن طريق (السماع) فلماذا حمَّل الكاتب سبب الوباء للطبال: الذي يؤشر عليه النص كما قلت سابقا ونضيف أنه: (شخصية عامة) و(مطرب) و(مبدع) و(كاتب) و(...)

رجل1: يبدو أنك أيها الطبال سبب بلائنا..

الطبال: (مستفزا) كنت صامتا طيلة الوقت وعندما نطقت تتهمني بالبلوى. انا مثلكما اصبت بالعمى ..

رجل1: ومن لم يصب به.. يبدو ان هذا الوباء لا يعرف الا الفقراء..

هنا ينتقل النص من الشوفينية إلى التخصيص والتفيء؛ بأن الوباء/ الجحيم لا يشمل أو يصيب إلا الفقراء؛ فهل القصد بالفقراء من الزاوية المادية أو الفكرية أو السياسية ؟

بما أن النص في كليته يحمل بعْدا فكري/ إيديولوجيا؛ وإن أغفل الجانب الجمالي؛ نتيجة البعد المضمر في ذهنية الكاتب والمتمثل في القلق الوجودي؛ حتى أنه أدخل (الطبال) عن طريق (رجل1/ أستاذ التاريخ) في قلق وجودي؛ الذي يعيشه :

رجل1: اي جمال تتحدث عنه..؟ لا أرى جمالا ولن أراه أبدا..

هذا وإن كانت أغلب حوارات (الطبال) تنم عن قلق حاد من العمى؟ وفي ظلها فالإشارة واضحة للفقراء (سياسيا) كفاعل في [الوباء = (العمى) = الجحيم ]:

رغم محاولة إقحام الدين مرة أخرى؛ في تركيب دلالي رهيب الدين/ السياسة وهذا ما عشناه في بداية اجتياح وباء (كورونا) أن الدين وسلطة الفقيه تدخلت في الوباء؛ واعتبرته بلاء إلهيا بحكم أن الفيروس جُند من جنود الله ولقد أرسله الله تعالى عقابا للدول (الكافرة / الفاجرة) لما ألت إليه الأمور من فساد وتسلط وابتعاد عن الطريق السوي؛ فهذا التصور حاضر في النص كما يشير: (ربما ينفعك الدعاء../ هذا القدر! / هل هي لعنة نزلت بنا../....) وإن كان هذا مطروحا فالنص يخالف هاته المنطلقات؛ محددا نفسه في سياق بعده سياسي صرف؛ وليس مسرحا سياسيا كما سيفهم

رجل2: حين يرى الرب ان لا فائدة من تلك الاعين يطمسها.. كنا نرى كل ما يغضبه ونرضى جلبنا لأنفسنا البلوى بأيدينا وصرنا نندب حظنا.. تركيب دلالي رهيب الدين/ السياسة

رجل1: الرب لا يطمس ما صنعه ما قلته ليس صحيحا..

فمعارضة (رجل1/ مدرس تاريخ) أمالت الكفة نحو السبب المباشر لاستفحال الوباء الذي تحول لجحيم قاتل ومدمر . وبالتالي فصرخات (رجل2) محاولة توعوية/ نضالية؛ للخروج من دائرة الجحيم الذي يعيشون فيه، وكذا إيمانا منه أن رؤية القلب بديل عن رؤية العين. ومن خلال هاته الرؤية؛ تجعل الإنسان حرا . والفقراء أحرار كذلك وبإمكانهم كسر الجحيم . فعَبر هذا الطرح . أين يكمن صوت الكاتب هل يتجسد في (الطبال)أم في (رجل)1 أم في (رجل2)

رجل2: جهلكم هذا جعل كل من هب ودب ان يسيطر على مصائركم..

الطبال: تقصد الحكومة..؟ ها.. الحكومة.. قلها ولا تستحي.. تريدني ان اشترك في تغيير الحكومة.. انقلاب يعني.. نذيع به البيان رقم 1 (يصمت قليلا) لماذا هو البيان رقم 1 لم لا يكون البيان رقم 5 لأننا شهدنا اربعة انقلابات من قبل ..؟

رجل2: لم تعد الانقلابات تنفع.. الرؤوس كثيرة ومن الصعب جمعها في سلة واحدة..

الطبال: بدأت اشك فيك أنت لست اعمى، انت مبصر وتريد ان تزحلقني للمعتقل..

رجل2: قبل ان ترى في عينيك أبصر في قلبك.. اجعله مجسا تستطيع ان ترى ما ينفع الناس..

فمن خلال التأمل في هاته الحوارات يمكن لقارئ لهاته القراءة المتواضعة أن يستشف أين يكمن صوت كاتبنا – عبد الكريم العامري.

 

نجيب طلال - فاس