مالكة عسالقراءة في منجز قصصي تحت عنوان (وصف ما لا يوصف) للمبدع والإعلامي المغربي مجد الدين سعودي

استهلال كتمهيد وجيز

وأنا أتصفح المجموعة القصصية للإعلامي والأديب المتميز مجد الدين سعودي، حيرتني العتبة النصية الخارجية بكل تفاصيلها اللوحة والعنوان، والألوان..

اللوحة تتوسط الغلاف بدفتيه معا، باللون البنفسجي يميس بين الغامق والفاتح، ترمز إلى كتلة من الدخان شكلت ما يشبه خصلات من الشعَر متموجة، أو وردة مكدسة البتلات، أكان هذا او ذاك، فهي تشخص ما يعتمل في النفس من هزات واضطرابات خلخلت الهدوء والسكينة، وما سيوضح اعتقادي هذا هو العنوان الملغز، المشكّل من ألفاظ بسيطة متداولة، ولكن تتناغم في ما بينها في علاقة، نتج عنها التباس لا يمكن فك إبهامه، إلا بتبصر سره..

(وصف ما لا يوصف) كلمتان متنافرتان :وصف وفي الآن نفسه ما لا يوصف، كيف نصف أشياء لا يمكن وصفها، الأشياء التي لا توصف معناها لا شكل لها ولا لون ولا حجم، أي ليست لها عناصر يمكن تحديدها من خلال الوصف..وقد يقصد الشاعر المتراكمات المترسبة في غمد العمق، التي تُحَس ولا تُلمَس أو تُرى بالعين المجردة، مجموعة من الهموم والرغبات والتطلعات تزلزل كيان الذات الإبداعية، لانعرف سرها ولكن نفهم معناها بالحدس، بتقاسم الشعور مع المبدع حين عبّر عنها في صفحة الإهداء (إلى ديموقراطية العرب المؤجلة إلى أجل غير مسمى) (إلى ربيع عربي مغتال) (إلى حلم في الطريق) (إلى سفر ملغى)..وغيرها من العبارات التي تدل بالكاد، على تطلعات مبدعنا الإنسانية، والتي يمكن اختزالها في عبارة واحدة، هي (أن يعيش الإنسان في فجر سعيد خال من وعكات الحروب والفقر والتهميش، متمتعا بالكرامة وكافة الحقوق) وهذا هو المثقف الحقيقي الذي يتأبط صفائح البياض في يمناه، وأحباره في يسراه، ليُسيلها دموعا نائحة على الأوضاع الإنسانية المخرومة، التي تعبَثُ بها أياد الطغيان والجبروت، وتنكّل بها بأبشع الصور..لإيصال الأصوات المختنقة والآهات الموجعة والعذابات المقلقة على حد قول مبدعنا في صفحة الفهرس بتصرف..

1ـــ ما بين ثنايا الكتاب

المحتوى يتكون من 14 نصا قصصيا، يبتدئ بمستهل تحت عنوان (برولوغ)،..و لفظة (البرولوغ)(Prolog) اسم فرنسي يعني (لغة برمجة منطقية). أي (برمجة المنطق) عن طريق البرولوغ يتم كتابة البرنامج بالكامل باستخدام الحقائق والقواعد، في العديد من برامج الذكاء الاصطناعي بالخصوص.. وقفت على هذا المفهوم لأعَرّف به لغويا حسب ما جاء في ويكيبيديا بعجالة، ودلاليا ما له من علاقة صارمة وحادة بينه وبين ما يعتمل في داخل كاتبنا مجد الدين سعودي، مما جعله يوظفه بذكاء ؛وإقحامه بطريقة فنية في المنجز ليس عبثا، ولا للتزويق أو الإثارة، وإنما له بعده الدلالي حول ما سيقدمه في مجموعته ، مستندا إلى حقائق علمية /موضوعية /ملموسة، استقصاها من الواقع الأجوف بطرُقه المنطقية، تلاقحَ فيها الجانبان : الحسي والفكري على امتداد..

وتنتهي المجموعة بنص معنون ب(وختامه مسك أو زفت أو أمل) وهنا يتجلى موقف الكاتب بشدة حماسته وفيض قلقه، وبركان غضبه، حين يسقط في غور الحيرة حتى النخاع، لا يدري ما نهاية هذا المنجز الذي تقطّره من دمه، هل هو إيجابي أم سلبي ؟؟هل سيقدم شيئا للقراء أم هو فارغ؟ أسئلة تتناسل هكذا بعد كل منجز، تطرق دفعة واحدة رأس المبدع، تبين عدم رضاه على ما قدم حتى ولو كان مكتملا، والتوق إلى البحث عن الأجمل والأكمل..

يلقي المنجز بظلاله على 92 صفحة، وزنٌ بخفة الفراشة، ولكن بثقل الذهب، ففي النص (البرولوغ) نجد الذات المبدعة ة متدمرة حد الأطراف، ساخطة على واقع، يختلط فيها الحابل بالنابل، تنقلب فيه الأوضاع رأسا على عقب، مما جعل الأشياء تفقد جوهرها، وقيمتها.. نظرة تشاؤم خيمت على عمق الذات المبدعة، أحرقت شعاع أمل كان قادما من بعيد.. (سأحاول تجسيد المسكوت عنه في وطن البهتان والفئران في وطن ينعق فيه البوم) ص:8.. صورة قاتمة، ينظر فيها المبدع إلى الحياة بنظارتين سوداوين، وهذه النظرة الكارثية لم تأت من فراغ، وإنما إفراز نتج عن تأمل واسع وشعور ساخن، وعمق متأجج بحرارة، لعوالم تكتنفها أسرار ملتبسة كبحَتْ جماح التطلع إلى غد بفجر متنور، ورغبة في البحث عن الحقيقة بضوء الشمس، لتحرق آليات التدليس، والكذب والرياء.. هي إذا حالة صراع مرير، بين ما تحلم به الذات المبدعة وترجوه، وبين غياب شروط تحقيقه..

* الهموم الإنسانية تؤرق الذات المبدعة

مبدعنا إذا صديق الدراويش والمومسات، وماسحي الأحذية والمتسكعين في الشوارع، والجائعين، ومَن قوتهم اليومي الخبز الحافي والشاي الحار، ومَن جيوبهم خاوية وبطونهم طاوية، ومَن يقتاتون مِن القمامات والأزبال، ومن تشردوا في الشوارع بشهادات جامعية، ومن يعانون من التقتير والهزال والاصفرار لقلة ذات اليد، ومن رُميَ بعِلَّته أمام المستشفيات، ومن قٌهِرَ في مدن الصفيح، ومن يواجه حرارة ارتفاع الأسعار والطرد من العمل دون مبرر معقول ؛والوطن رغيف تتقاسم خيراته القاذورات الإنسانية والبهيمية، من قبل ديناصورات لادين لها ولا ملة، ألا تتماهى رؤية مبدعنا مع قولة كارل ماركس (إن تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع، هو في نفس الوقت تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر)..حيث الأوضاع تبقى على حالها، رغم الانتخابات وتغيير الحكومات، وكثرة الشعارات والوعود الكاذبة ..فلعبة الأقنعة والتنكر، والنفاق والرذيلة، تمارس جهارا وبنفس الوتيرة، على إيقاع خطط وبرامج مُلهِبة، مُهيَّأ لها قبلا، ولها أهدافها الساحقة للطبقات الهشة، القاتلة للطموح والأحلام ؛البانية لأرصدة الطبقة المهيمنة، الراعية للمصالح الخاصة، (شعب جائع يبحث عن لقمة عيش..و(كروش الحرام))ص:14. وطن تسكنه الضمائر الميتة، والقلوب الكلسية، والأذهان المتحجرة، تعشش فيه الكلمة العاهرة، والسياسات الفاسقة، والفقر يأكل الجميع..ومن منا لم تدمه هذه الحقائق ؟؟ ويسعى بما أوتي من آليات لرفع الحجب، وتعريتها، لتصل بجلبابها الأبيض ونورها الساطع إلى العقول والأذهان، إن لم يستطع الوصول إلى التغيير ؟؟

* التحليق فوق قمم القضايا العربية

فبعد أن توغل مبدعنا في فضاءات الواقع، وصوّر بعدسته التي لا تخطئ أوضاعَ مختلفِ شرائح المجتمع، مشخصا مفسرا، كاشفا، منددا، ثائرا، غاضبا بضمير ليس له مكان في المزاد، وروح لا تقبل المساومة، وقلب يرفض تماما المقايضة، يطير عبر أجنحة التحليق في فضاء الأمة العربية برمتها، يرفع الغطاء عن أهل الرياء والسياسة، الذين قرروا الدخول الحروب نيابة عن الغرب، لمقايضة النفط بالتغذية أو السلاح أو دساتير من الإيديولوجيا الزائفة، ليس بِقَصْدِ التَّشْنِيعِ وَتَشْوِيهِ السُمْعَة ببلاغ كاذب، وإنما للكشف عن فضائح بالجملة، سجلها تاريخ المزابل بسقوط إمارات، وانهيار دول بسبب الظلم وسوء التدبير وفساد الأنظمة وعبادة الذات البشرية (إنه الداء الذي دمر بيروت أيام الحصار) ص:43 فمبدعنا تؤرقه ما وصلت إليه الدول العربية من خراب، طال كل الجوانب الاجتماعية والتعليمية والصحية، وحتى الثقافية، ويؤرقه جمْع من المرتزقة الذين مزقوا جذعها، فقتلوا أبناءها، وهدموا أروقتها، وحطموا حقولها، وتركوها عصفا ما كولا، فأصبحت ضرعا يرتوون من خيراتها متى أرادوا، ولما تنفذ، يبحثون عن أخرى دون الاهتمام بجفاف النبع، أو جوع او موت أصحابه..(ما بال هذه التجارة الفاسدة تعجب البويهمين، وقطاع الطرق ؟؟ وما السر في المؤمنين بالنفط والكافرين بالأنبياء يصلون) ص:54

* الترميز بالأسطورة لإنطاق اللغة بغير المعتاد

عادة نجد الأسطورة توظَّف في الشعر: كلغة الإشارة والتلميح، محملة بأشكال الرمز والإيحاء والاستعارة، في شذرات جد مقتضبة، تعمل على توسيع المعنى وتعميق الدلالة في كمشة من الألفاظ لاتسمن من جوع، تخفي خلفها دلالات غائرة تشبع النهم ؛ غير ان مبدعنا مجد الدين سعودي يقفز على السطر بكعبه العالي، ليوظف الترميز بالأسطورة في نصوص سردية، لإنطاق اللغة بغير المعتاد بنزعات أسطورية، تدغدغ ذائقة القراء، وتحرك عواطفهم، وتجلجل تفكيرهم بدهشة، مما يزيد اللغة توهجا وإشراقا، وقد استغلها مبدعنا كمادة تزخر بمخزون لا يستهان به من القيم الإنسانية، للتعبير بها بألاعيب فنية ساخرة أحيانا، ترمز إلى الظواهر الإنسانية والطبيعية حاليا، بإدغام الماضي في الحاضر حد الانصهار، ليتسنى له نشر أفكاره ورؤاه، وخلخلة المسكوت عنه بجرأة وشجاعة في لوحات فنية، بأدوات الخلق والإبداع، يمتص من خلالها قضايا المجتمع، وهموم الحياة، لاسيما في ضوء اتساع التجربة الإنسانية، الشيء الذي يخيف ويرهب ويتحاشاه المثقفون..

ومن الأساطير والأشياء الفنية التي اخترتها من المجموعة القصصية:

لوحة الجوكندا أو الموناليزا، هذه اللوحة المدهشة ببراعة الفنان والنحّات الإيطالي ليوناردو دو فينشي، لأشهر ابتسامة في التاريخ، تميس بين الفرح الذابل والحزن الخافت، احتار النقاد في تفسيرها حتى اليوم..

وأسطورة أفروديت إلهة الحب والشهوة والجمال، والإنجاب.

- القديس ديمتريوس، قديس سلا نيك (في مقدونيا الوسطى، اليونان الذي عرف بجهاده وثباته بالإيمان، فعرّف الوثنيّين على الإله الحقيقي

ـ أثينا إلهة الحكمة الإغريقية. خالقة شجرة الزيتون للمدينة، لتكون رمزا للسلام والازدهار حسب ما تداولته الأسطورة..

إيزيس ربة القمر والأمومة لدى قدماء المصريين. عبدها المصريون القدماء والبطالمة والرومان. كانت مثال الزوجة الوفية حتى بعد وفاة زوجها، والأم المخلصة لولدها..

أساطير وأشكال فنية معبرة عن السلام والجمال والإيمان والحب والوفاء والإخلاص، امتصها مبدعنا في قالب فني، بلبوس جديد، متجاوزًا حدَّ الاعتدال أحيانًا، بعذوبة الخيال وعمق التصوير، وذكاء التشخيص، قاطعا كل مسافة بينه وبينها، يحاور أبطالها، أو يسمعهم وهم يتحدثون:

(قالت سمرقند لقاضي الترقيع: من يحاكم من؟)ص:25.. كأنما يجمع مبدعنا في رؤياه الماضي والحاضر والمستقبل، لتمرير القيم الجميلة التي دهسها جشع الأطماع، والتشبث بالكراسي، وإسالة الريق للمناصب، والتمنطق بالنرجسية القاتلة، فتناثرت قشا على رؤوس عشاق الوطن ..

ولأن أديبنا يسعى إلى الجمال، وإلى العيش الكريم بكافة الحقوق العادلة، ويبحث في رحابة هذا الكون، عن الشروق يضيء بنوره الجوانب والسراديب المعتمة، لإعادة الأوضاع في حلة من الفردوس، تكسوها أقواس قزحية، الشيء المستحيل طبعا ؛فهو لا يوظف إلا الأسماء المعبرة والدالة عن الجمال، التسامح، احتواء الآخر، التآخي، حتى وإن كانت في كُمّها تتسم بالغرابة.. لا حظو ا معي هذه العبارة اللطيفة (الربيع سمرقند عاشقة الأحزان وقبلة البؤساء) ص:25.. وسمرقند كما جاء في الكتب الجغرافية أكبر المدن وأحسنها وأتمّها جمالاً، في آسيا الوسطى، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصَّارين، وكانت تضم قصورًا عظيمة،.. فمن خلال ما تقدم أحِسُّ أن مبدعنا، يشرُد به التفكير أثناء وجبات الأكل..يتأمل ويحلم قبل خلده إلى النوم..يبحث عن الحلول للثغرات الموجعة أثناء يقظته..وكأني أسمعه يقول في نفسه :آه لو استطعت، أن أحكِم القبض على الكون بيدي، لسطّحته لوحة، ومحوت بممحاة ملامحة الثخينة/ الخبيثة، وزرعته مروجا وبساتين تطفح بالنوار، وقلت لفقراء العالم :تمتعوا هذه جنانكم لا تَدَعوا سلالة الشياطين.. تعبث بها..

* مرآة الأمل محفوظة في لوح المبدع

فعلى الرغم مما يسود من تدجيل وشعوذة، وما يزرعه أباطرة السوء من حواجز وقيود، وما ينتشر من فساد وظلم، وما تعانيه شريحة من بني الإنسان من قهر وفقر في ظل العهر، فمبدعنا عاشق حتى النخاع للحياة، هائم حد الجنون (بالسماء والوديان والشطآن، لحبات الرمل، ونسيم البحر وسكون الليل وضوء القمر،) ص:55.. وهذا يدل بالكاد أن مبدعنا متسلح بسيف الأمل، يتطلع إلى التغيير بأية طريقة، فإن لم يستطع فعلى الأقل بالتعبير عن حرائقه المتأججة، لترميم أجنحة الأوضاع المهيضة، وإنزال ذاك الثقل الجاثم على صدره، إيمانا منه أنه سيأتي حين من الدهر، يسقط فيه التاريخ الرسمي، وينتحر الصعاليك، ويتناسل الدراويش، وربما يصل به الأمل إلى كسر الكراسي، وتخريب المنابر، وهدّ العروش، فتصبح الكرة الأرضية نظيفة طاهرة من مثل هؤلاء الأغبياء المتسلطين.. (ولتمت سيوف التربص والتجسس والردة والرجعية) ص:56..

الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّب؛ تارة تتفجر بالسار، وأخرى تنزل بجامّ سخامها على الجماجم، لا تستقيم على حال، ولا تصفو لمخلوق مِن الكدَر، تتنوع بصلاح وفساد، وسُرور وحزن، وأمل ويأس، لكن علينا أن نتسلح بالأمل والتفاؤل كشُعاعَين يُضيئان دياجيرَ الظَّلام، ويَشقَّان دروب الحياة الدامسة، ويَبعثان في النفس الجدَّ والمُثابرة، الشيء الذي يُعتبَر حافزا قويا إذا أردنا تغيير المُجتمَع، وإصلاح أعطا به..وعلينا ألا نستمر في لوك المشاكل والنكبات والمصائب، وتعداد إثارتها ، فتلك لعمري طامة كبرى على النفس والعقل والذات، تؤزم النفس، وتشل العقل على التفكير، وتهدّ الذات فتصاب بالكسل والوهَن والخمول، فتفقد الحيوية والنشاط، والاستعداد للبحث عن الطرق الناجعة لتحسين الأوضاع، فعلينا إذا التحلي بالصبر والثبات، وتأمل الواقع بأضداده ومتنافراته، فنحلل، ونفسر ونستشرف الأسباب، ونقترح الحلول، ونختار الطرق الممكنة للتغيير أو الإصلاح، ويبقى الأمل في سفرنا الطويل واللانهائي نصْب أعيننا قد يصيب أو يفشل، وكلما كان إيماننا قويا بالتغيير، رافضين الجمود والتقليد، مناشدين الانفتاح، والتطلع إلى التجديد، كلما ازدادت عزيمتنا إصرارا، وفي هذا الصدد، لن ننسى البيت الشهير الخالد للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (إذا الشعب يوما أراد الحياة ***فلابد أن يستجيب القدر)

إن الناس اليوم بحاجة إلى مَن يبثُّ في نفوسهم الأمل، ويُيسِّر لهم طريق الخير؛ بتعزيز استِحضار النماذج المُشرِقة؛ حتى يتَّخذونها أسوةً تُبلِّغهم الهدف الأسمى..

2ــ الجانب الفني: متانة اللغة وأناقة الأسلوب

أي مبدع يتوق إلى الكتابة والتعبير بأسلوب أنيق تعزيزا للغة العربية من جهة، وزرع فيها روح البناء والتجديد، لإثراء المنجز الإبداعي بالجمال، حتى يحقق توقع القارئ، فيتحمس وينشَدّ إليه، لذا فالمبدع يخلق من ذاته المبدعة قارئة لنفسها قبل النشر، فيُلِم باللغة من حيث انتقاء الألفاظ، والدقة في صياغة النصوص، والحرص على أن تكون اللغة صافية كاللؤلؤ، والسمو بها بتطريزها بالبهي..ومبدعنا مجد الدين سعودي أصاب الجوانب بكل ما تستدعيه آليات الجمال التي تفتح شهية القارئ، وتجعله يتمسك بالمنجز من أول خيط، ولا يفارقه إلا بعد إنهائه..

* المحسنات البديعية كفن للقول

فأول ما لاحظت توظيف مبدعنا بعض المحسنات البديعية، لإظهار مشاعره وعواطفه، فرصع سبيكة أسلوبه بلؤلؤ السجع، لتزيين الأسلوب وزخرفته وإعطاء القولَ رونقاً ونغمة موسيقية، حتى تكون اللغة مُحبَّبة، ويكون لها الوقع والأثر الحسن في نفس السامع، وبالتالي تؤدي الألفاظ معناها على الوجه الأكمل،

(عرينا المدنس.. وصوّبنا نحوه المسدس..ونفضنا عنه غبار المكدس..

ــ الخطابة..وما ادراكم من رتابة..وكآبة

ــ خطابته.. وبلاغته..وفصاحته

ــ البرقوق والقوق..والورقة في الصندوق..)

ص:7

والمحسنات البديعية كأحد الفنون المزينة للكلام، كانت منتشرة في النصوص النثرية العربية.. في المقالات والرسائل والمحاورات والخطابات بل حتى في الأمثال..

عادت حليمة لعادتها القديمة،

ناس بحنانيها وناس بغنا نيها،

وقد وردت بأشكال متعددة حتى في القرآن الكريم .كما يلي

(فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب)

فالمحسنات البديعية ليست مجرد تلاعب لغوي كما يحلو للبعض أن يسميها، بل هي زينة وحلية جمالية فنية، لجذب انتباه السامعين عند سرد الحكايات من أجل الإمتاع والاستمتاع، وأنا نفسي لم أسلَم من هذه الآفة الجميلة حيث عنونتُ كتابي الأخير في أدب الرحلة ب (لطيف المقال في الأدب والترحال) وكنت سأضيف مالكة عسال..لولا خشيتي من بعض القراء أن يتهموني بالتبجح، والفخر باسمي..والسجع مُرّر إلينا عبر جهابذة الأدب، ورضعناه من حبلهم السري، وقد يستعصي على البعض توظيفه إن لم تكن له رافعة قوية في اللغة العربية..

* تطعيم اللغة العربية بلغة الدارجة المغربية

يرى البعض أن توظيف العامية في النص الأدبي، ترجمة للواقع حيث إن اللهجة المحكية-هي في الغالب- أداة التواصل في البيت، والشارع، والعمل، وهي لغة الحياة، المتداولة؛ ويرى آخرون أن الاستعانة بالعامية إلى جانب الفصحى يثري المعجم اللغوي؛ ومبدعنا ليس لا من أولئك ولا من هؤلاء، لقد تفرد في استعمالها بشكل مختلف، فطعم اللغة بشذرات وألفاظ بالدارجة المغربية، ليس عسرا منه في انتقاء اللفظ، ولا لإثراء معجمه، ولا لأنها لغة التداول العادية، وإنما هي لعبة مراوغة اللغة بمستملح ساخر، ليفسح المجال أمام القارئ من أية شريحة كانت، كعتبة مبسطة ليبلغ المعنى، وكأنه بذلك يشارك قارئه رؤاه، بنزوله المتواضع أحيانا، كي يكون هو والقارئ في سلة واحدة يتقاسمان أوجاع الهموم، وبالتالي القبض على مفرداتها ومن وجهة أخرى تحمل حساً شعبيا، يصل في تأثيره إلى تأثير الفصحى في المتلقي المتذوق لها. (ماكاين غلا على المسكين..ها الريكلام)ص: 13..

وعليه، نجد كثيراً من الأدباء يستحضرون حكماً وأمثالاً، أو مقولات، أو شعراً من الأدب الشعبي لدعم وجهات نظرهم، ومشاركة السواد الأعظم من الناس الذين يستعصي عليهم فهم اللغة العربية الفصحى، وإلى هذا وذاك فالعبارة العامية كما يعلم الجميع تستجيب لحاجة القارئ من حيث شؤونه وفنونه وشجونه، وأحزانه وأتراحه، لِما تطرحه من أفكار وتعليقات ممتعة بأسلوب ساخر يحثُ على المتابعة والقراءة..

* وحدات النصوص مجزأة إلى جزيرات

النصوص صيغت على شكل جزيرات، تنفرد كل واحدة بموضوعها، ولكن تلتف جميعها، حول النقطة المركز، وهو البؤس المتفشي في العباد، في هذه البلاد، وشرذمة من الأبالسة تهيمن على الأوطان والشعوب، وتمسك كل الخيوط بقبضتها، لتذبحها على حد الإجرام، بالقبض على خيراتها، وامتصاص حقوقها، وتمريغها في وحل الفقر والقهر؛ غير أن الجزيرات تجاور بعضها البعض بخيوط رفيعة ممتدة حتى العروق، حيث ينتقل الأديب من واحدة إلى أخرى بتسلسل ضمني، يمكن التقاطه بالحدس..ويتجلى هذا في أغلب النصوص من بينها نصوص)(حلم)ونصوص (عندما تنطق الأسطورة) ونصوص(الرحيل).. وحتى أخلص فهذا التلون الفني إضافة إلى نقط تتابع، والفراغات بين الكلمات، سيؤجج في القارئ قريحة مَلْئِها انطلاقا من منظوره الشخصي، واقتناص ما وراء السطور بما يملكه من زاد معرفي..

ــ الخاتمة

مبدعنا له التصاق عظيم بالثقافة العربية قديمها وحديثها، بمقالاتها وأشعارها ونصوصها السردية، وتاريخها وجغرافيتها، وأساطيرها، ومحكياتها وأمثالها الشعبية. لقد غرف من معين حكاية الف ليلة، وقصة شهرزاد، وبحور الاشعار والسير والاخبار، ومن نبع الاعراف والتقاليد، ومن المحيط وما عاشه من تجارب، وما عاينه من وقائع، فألمّ إلماما واسعا بجوانبها على اختلاف مشاربها، الشيء الذي أثرى تجربته لتبلغ المدى، فاستطاع بحنكته الأدبية ومراسه السردي، أن يوظفها في قوالب جديدة بطريقة حداثية تشخص الأوضاع الإنسانية المزرية، ليس بنية عرضها جافة، وإنما للنفخ في صورها، ليقدمها أطباقا شهية، فكان التنوع حتى في صياغة النصوص على شكل أشعار أو مسرحيات، أو نصوص مفتوحة او حواريات.. ليمرر إلى القارئ قيما إنسانية آخذة في الأفول، وأخرى متوحشة تتفشى فينا دون حدود.. منجز ثري يصب بتنوعه الثقافي في البعد الإنساني بمشاكله وهمومه، والقضايا العربية وظواهرها بأحزانها وأسرارها.. ولمكتبتنا المغربية شرف احتضانه بفخر ليأخذ حيزا هاما من رواقها..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/10/2017

...........................

المراجع

ــ الأمل والتفاؤل/حسام العيسوي إبراهيم /موقع شبكة الألوكة

ــ موسوع الجزيرة /النيت

ــ توظيف المفردة الدارجة في الشعر العربي.. /أحمد قنديل نموذجاً

عبدالرحيم الأحمدي موقع اللغة العربية

ــ الفصحى والعامية في فلك السرد الأدبي /الشارقة - “الخليج

ــ المحسنات في اللغة العربية /بقلم فاروق مواسي /موقع ديوان العرب  

 

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "شهريار" في البصرة رواية "تقرير عن السرقة" لعبدالهادي سعدون وهي رواية بوليسية ونفسية متداخلة. ولو تأملنا شخصية الراوي الذي يسرد حكايته بضمير المتكلّم لوجدناها منشطرة بين الأنا الغامض، ونظيرهُ المُتواري، وهي لا تحمل اسمًا على مدار النص السردي الشائق الذي لا يبعث على الملل لتنوّع أحداثه، وكثرة مفاجآته، وغنى شخصيته الرئيسة المُستغلَقة التي لا تتكشف إلاّ في الصفحات الأخيرة من هذه الرواية المُبهَمة.

يضعنا الروائي في جملته الاستهلالية بصُلب الحدث ويُخبرنا بأنّ اللصوص كسروا بُوابة بيته حينما كانوا خارج المنزل ولم يسرقوا منه سوى حاسوبه المحمول. وبما أن الشخصية الرئيسة معقدة جدًا فلابد من تتبِّعها وتسليط الضوء عليها من جميع الجهات علّنا نُمسك ببعض العناصر التي تساهم في حلّ لُغزها العسير، فقبل زواجه تعرّف إلى نساء عديدات لكنه لم يرتبط بأي واحدة منهن، أما آليسيا فقد أحبّها بعمق وارتبط بها فأنجبت له طفلاً أسمته عيسى تيمّنًا باسم الشاعر الياباني Isa غير أنّ السرقة أربكت حياة الأسرة الصغيرة وروّعتها لأن الشرطة لم تستطع أن تفعل شيئًا وظلت بانتظار تقرير الشرطة الجنائية، وتقرير شركة التأمين. وبما أنّ اللصوص قد أصبحوا أكثر ذكاءً من الشرطة فإنهم بالضرورة لم يتركوا بصمة نظيفة تقود إلى اللص الحقيقي. أما شركة التأمين فقد دفعت لهم نصف ثمن البوّابة، وغضّوا الطرف عن الحاسوب القديم ومحتوياته وأغلقوا الملف. يعمل الراوي مُترجمًا في دائرة المعلومات والهجرة ولم يبدر منه شيء طوال مدة عمله لكن زوجته انتبهت إلى أنه بدأ يستعمل كلمات نابية، ويعاني في منامه من أحلام وكوابيس مليئة بالسُباب والشتائم لكنه حينما يستيقظ لا يتذكر أي شيء من هلاوسه وأضغاث أحلامه، ويستغرب عندما تُخبره بأنه كان يصرخ بوجه شخص ويتهمهُ بالخيانة! يفقد الراوي عمله بسبب إجراءآت داخلية كما يدّعي المدير إغناثيو. ثم يلتقي به لاحقًا ويُخبره  بأنّ البلدية تنوي إعادة فتح الدائرة وقد فكر، هو والمدير العام، أن يستأنسا برأيه بشأن شبهات لفتت انتباهه مؤخرًا غير أن الراوي يستاء ويخبره بأنه كان موظفًا بسيطًا لكن إغناثيو يتمادى ويسأله مستفسرًا إن كان قد تعرّض هو أو محل سكنه لحادث ما وكأنه هو المذنب وليس الضحية مُعتمدًا في ذلك على المعلومات التي تصلهم إلى الدائرة الأمنية، فيتساءل الراوي في سرّه:"هل كنتُ أعمل في شيء آخر غير الترجمة؟". ركّب الضحية بوابة مدرّعة لبيته لكن ظل يستلم العشرات من نسخ الإعلان عن محل كومبيوتر. ومما زاد الطين بلّة أن زوجته تلقّت رسالة مشفّرة فيها العديد من صُورهِ مع فتيات وسيدات أُلتُقِطت في سفرات مختلفة فأقنعها بأنّ هذه الصور قديمة وتعود لمرحلة ما قبل الزواج. ثمة معلومة مبكرة في الرواية تشير إلى أنّ قرينه متورط في هذه العملية المريبة:"كانت هناك رسائل تأتيني من داخل بريدي السرّي" وهي أشياء لا يعرفها أحد سواه، ولم يفشِها لأحد، كما أنه بلا أصدقاء في وطنه الأول وفي بلده الجديد. أما المعلومة الثانية التي تسلّط الضوء على هذا اللُغز فتكمن في قوله:"اكتشفتُ في الآونة الأخيرة مهارات مجهولة لديّ" الأمر الذي يُبعد الشكوك عن الآخرين الذين يتجسسون عليه، وينبشون أخباره المنسيّة. وبسبب هذا اللص، والمؤرشف للوقائع ارتبكت الحياة العائلية للراوي خاصة حينما وصلت زوجته  صورًا قديمة مُنتزعة من صحيفة عربية يبدو فيها كإرهابي. تتفاقم الأمور حينما يبعث له القرين صورًا وفيديوهات وأوراق توثيقية يجمعها ويذهب لمقابلة المفتش العام لكنه يجد نفسه أمام مديره السابق إغناثيو الذي يأخذه إلى خِزانة كبيرة تحمل اسم "تقرير عن السرقة" ويخبره قائلاً:"ماجئت به شيء ضئيل قياسًا لما يصلنا كل يوم عنك وعن عائلتك وماضيك"، ثم يعزّز كلامه بالقول:"إنكَ وحيد في هذه المتاهة" ويمكنك أن تعتبر هذا اللقاء لا وجود له.

لا غرابة أن تطلب آليسيا الانفصال بعد هذا الكم الهائل من الصور والفيديوهات والرسائل النصية التي كانت تصلها كل يوم ولعل ما أرعبها حقًا هي صورته التي ظهر فيها بملابس عسكرية، ولحية سوداء حاملاً بندقية كلاشنكوف، وأمامه رؤوس بشرية مقطوعة، أما الفيديو الأكثر مرارة فهو ظهوره عاريًا إلى جانب فتاة تطلب منه أن يقول لها: "إنني أحبك وإننا سنعيش معًا إلى الأبد". عندها فقط بدأ يشك بأنه "شخصان في جسد واحد!" ولكل واحد منهما له مسار مغاير للآخر. تتكرر الأوهام البصرية فيعتقد بوجود صاحب القبعة المكسيكية الذي يلّوح له من الطابق السابع في بناية مقابلة له لكن الحارس يخبره بأن الطابق كله فارغ ولا وجود لشخص يرتدي قبعة مكسيكية في العمارة كلها. يحاول أن يفتح بوابة البيت فيخذله المفتاح مما يضطر للمبيت خارج المنزل بعد محاولات عديدة لإقناع العاملين في محلات الأقفال بالذهاب معه إلى البيت فلم يجد بُدًا من الذهاب إلى المتنزه حيث يلتقي هناك بكاتب قصص وروايات فيشرح له ما مرّ به نهارًا من مشكلات وأوهام حتى انتهى به المطاف إلى هذا المتنزّه المهجور. وما إن ينتهي الرواي من سرد حكايته حتى يشرع الكاتب، وهو طبيب نفسي، بسرد قصة تعرّفه إلى خواكين، الرسام الذي فشل في الترويج لنفسه فاستمع لنداء عائلته واشتغل معهم في معمل الخياطة حتى أصبح مديرًا للمعمل في غضون سنتين لكن الكائنات اللامرئية لم تتركه لوحده وأوشكت أن تقضي عليه. وحينما غادر الكاتبُ التقى الراوي بأناس آخرين أمضى الليل معهم، وفي الصباح لم يرَ أثرًا لهم، فيتوجّه إلى محل أقفال ويذهب معه رجل بعمره لم يرتدِ البدلة الزرقاء وطلب منه أن يضع الرقم السري في لوحة البوابة الخارجية فلمعَ الضوء الأخضر، ثم ضرب باب المنزل بقبضة مضمومة فانفتح هو الآخر، ثم نام طويلاً وحلم، وما إن استفاق حتى تذكّر الحلم بالكامل، وشاهد صاحب القبعة المكسيكية، وكاتب الروايات، وصور المشردين جميعهم. ولما التفت إلى جواره شاهد حاسوبه المحمول بملفاته الثلاثة مضافًا إليها ملف "الكاميرا الخفية". تطلبْ آليسيا الطلاق حينما ترى على سريره امرأة عارية وتأمره بمغادرة البيت فيحزم حقيبته، ويحمل حاسوبه ويتجه صوب قرية "وادي الخنازير" في أقصى الجنوب الإسباني، وبينما هو جالس في عربة القطار يسمع شخصًا يتكلم مع حبيبته بالهاتف ويخبرها بأن تأخذ هذه القصة التي تفيدها في أبحاثها وقد سمعها من رجل "صاحب قصص وروايات" يقول فيها:"أنني وقبل أن أتحول إلى الكتابة كنت أشتغل طبيبًا في عيادتي النفسية وكنت ناجحًا في عملي لكن ما جرى مع صديق لي هو الذي جعلني أترك كل شيء وأمضي للبحث عن حياتي في مكان آخر". وأخيرًا يقرر الراوي أن ينزل مع الشاب ويكون ظلاً له مع أن قريته تبعد ساعتين عن هذه المحطة. وما إن يدخل الشابُ النفقَ ويتوغلّ فيه حتى ينهال الراوي عليه لكمًا ولم يتوقف عن ضربه حتى يرآه هامدًا على الأرض بلا حركة عندها يترك قرينه والحقيبة والحاسوب ويركض في الاتجاه المعاكس متحررًا من كل شيء قبل أن يسقط في العتمة والظلام الدامس.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

عبير خالد يحيىالمعنون بـ(الملتقى) للكاتبة وفاء ابراهيم عرار.. دراسة ديموغرافية طبقًا للمستوى المتحرك في الرؤية الذرائعية

- مقدمة: تنقسم النصوص المكتوبة بحسب الأسلوب الذي تكتب به إلى قسمين أساسيين، وهما:

الأدب fiction، واللا أدب non fiction أو الأدب الإخباري(التقريري العلمي).

وينقسم الأدب fiction إلى: 1- الشعر 2- السرد

وينقسم الأدب إلى: شعر وسرد

وينقسم السرد إلى الأجناس السردية التالية التالية:

- الرواية

- القصة القصيرة

- القصة المكثفة

- المقامة

- المقالة

- المسرحية

- الخاطرة

- الرسالة

- القص المقالي

- المقطوعة السردية

- الحوارية السردية

- أدب الرحلة 

وينقسم أدب الرحلة إلى جنس أدبي روائي (يحتوي على بناء فني)، وإلى مشاهدات ديمغرافية (عندما يكون خارجًا عن السرد الأدبي).

إغناء:

نعني بالديموغرفيا خروج أدب الرحلة من خيمة العمق الأدبي الخيالي والرمزي باتجاه الإخبار، ويختص بهذه الحالة البينية علم الديموغرافيا.

وعلم الديموغرافيا (علم السكان[1] أو الدراسات السكانية): فرع من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية الذي يقوم على دراسة علمية لخصائص السكان من حيث العدد والتوزيع والكثافة والتركيب والأعراق ومكونات النمو (الإنجاب والوفيات والهجرة)، نسب الأمراض والحالات الاقتصادية والاجتماعية، ونسب الأعمار والجنس ومستوى الدخل وغير ذلك في إحدى المناطق.. وتمثل الدراسات السكانية الطريقة المبدئية لفهم المجتمع البشري..

وهذا العمل الذي بين أيدينا، والمعنون بـ (الملتقى) هو نص موازي، لأنه كتاب (مسلوب الجنس، ينتمي إلى جنس يوازي الجنس الأدبي وأحيانًا يلتقي معه، ليس جنسًا من الأجناس السردية) وليس نصًا (شبيه بالنص وليس نصًّا)، فهو مشاهدات عينية تختص بالجماليات اللغوية علينا نقده بشكل علمي، وهو ينتمي إلى مشاهدات ديموغرافية مقارنة لرحلة بين بلدين مختلفين جغرافيًا واجتماعيًّا وعمرانيًّا وجماليًّا، غربي وشرقي، بين الولايات المتحدة (لوس انجلوس) وبين جمهورية مصر العربية (القاهرة – الأقصر – أسوان- الاسماعيلية- السويس)، حيث قامت الكاتبة (وفاء ابراهيم عرار) الدمشقية المتزوجة من مصري والمقيمة في أمريكا، بتسجيل مشاهداتها الديموغرافية بشكل عيني عن طريق عدسات التصوير بصور مختلفة، وتسجيل حرفي بقلمها الذي يقع بين التقريرية والأدبية.

فإذن هذا العمل جنسه أدب رحلة في إطار مشاهدات ديمغرافية .

- السيرة الذاتية للكاتبة:

وفاء ابراهيم عرار الملقبة ب وفاء لطفي في أميركا، كاتبة مصرية من أصل سوري، درست في جامعة دمشق في كلية الحقوق، تخرجت من جامعة اللونج يتش بكاليفورنيا كاخصائية أطفال في علوم الطفل، ومقيمة في كاليفورنيا، مارست التدريس في المدارس الأمريكية والعربية في الولايات المتحدة الأمريكية، متفرغة للكتابة والترحال حاليًّا. 

- الاستراتيجية:

أرادت الكاتبة في مشاهداتها الديمغرافية هذه أن تحقق هدفًا مقارنًا بين محل سكنها الأمريكي ومحل منطلقها العربي، فكانت عيونها كاميرا تلتقط لكل مشهد صورتين مقارنتين ومختلفتين في البيئة والمنحدر الديموغرافي، وهذه الحالة- أقصد الديموغرافية- تميّز أدب الرحلات عن بقية أجناس أدب الروي(الرواية والقصة القصيرة والنوفيللا).

فهي تعقد هذه المقارنات بالسلب والإيجاب منذ أن وطئت أقدامها أرض مصر، والبداية من مطار القاهرة الدولي، من غياب أول صدقة من صدقات الترحيب عن وجوه موظفي الاستقبال المصريين، الابتسامة التي لا يمكن أن تغيب عن وجوه موظفي الاستقبال في موطنها الأمريكي، مع ذكرها للسبب البارادوكسي(المعاناة – الرفاهية)، وكأنها تكتب مقالة عن اختلاف السلوكين العربي والغربي، تقول:

"مررنا بحواجز التفتيش على جوازات السفر، وفوجئنا بأن الابتسامة غابت من وجوه الموظفين من كثرة المسؤوليات والمعاناة التي يعيشها هذا الشعب، ومن كثرة التحديات التي تواجهها البلاد.. تحدثت إلى أحد الضباط، فروى لي كيف أنه نُقل إلى المطار بعد أن دمّر الإرهابيون عربته الخاصة، وكيف خرج منها سليمًا.. فقلت في نفسي كم نحن في المهجر مرفهين." 

- الموضوع: الديموغرافية:

في المشاهد الديموغرافية في أدب الرحلات، يجب أن يلبس الكاتب هذا النوع من الأدب السردي بثوب علمي يشمل الجغرافية والاجتماع والتاريخ والعمارة والهندسة وما شابه من العلوم الأخرى، يذكرها الكاتب بشكل حقائق علمية، وبمقارنة ديموغرافية بين البيئات المختلفة، مُقِرًّا بوجودها واقعيًّا وبأسلوب أدبي، وتلك محاولة صعبة لا يستطيعها إلا من أتقن الأسلوب الأدبي بعمقه الخيالي وبمباشرته التقريرية، لذلك أجد أن الكاتبة قد جاهدت كثيرًا في ترسيخ تلك الحقيقة المزدوجة بالمزج بين الإخبار والعمق الأدبي بشكل عفوي ينمّ عن موهبة عفوية لبلوغ التشويق بمقبولية مناسبة.

ولكن كاتبتنا في موضوعها هذا لم تمس جانب الرحلة الأدبي ببنائيه الفني والجمالي، حيث سلكت سلوكًا مغايرًا، سطّحت كتاباتها بشكل مذكرات عن مشاهداتها اليومية في تلك الرحلة، وسجلتها بعدسة الكاميرا والمعلوماتية وسنذكر بعض تلك المشاهدات بالتفصيل، ولا أدلّ على ما ذكرته آنفًا من قولها في بداية هذا العمل العبارات التالية:

" كان ذهابي إليها- مصر- لأتعرف على الناس في كل أنحائها، وأعيش معهم، ولأروي ما شاهدته عيناي، ولأحوّل ما أراه من صور- جميلة كانت أم قاسية في بعض الأحيان- إلى شريط ذكريات ينبع من عبق الماضي الجميل، لأنسج منه حكايات رأتها عيناي في كل مكان وطأته قدماي."

  - المستوى البصري: 

العتبة الأولى - الغلاف:

الغلاف الأمامي: صورة فوتوغرافية للأهرامات، وعنوان العمل (الملتقى) بالبنط العريض، وتحته اسم الكاتبة (وفاء إبراهيم عرار) وتحت الإسم تجنيس العمل (أدب رحلات) وسنة الإصدار (2015).

الغلاف الخلفي: صورة لمعبد فيله في جزيرة أجيليكا في أسوان. مع فقرة تلخص وتصف فحوى الكتاب، أقتص منها ما يلي:

" هذا الكتاب يروي كيف أن جذورنا تأخذنا إلى البعيد، إلى أبعد الذكريات، لنعانق الأرض...

وكيف أن حبنا للأرض يحملنا من غربتنا إلى الوطن لأنه مرسوم فينا، في أغانينا حتى لو تبنينا لغة أخرى، وواقعًا آخر، فالحنين يرمينا ويحملنا على العودة إلى الأم والرض التي تركناها لنروي كل الحكايات القديمة والحديثة، من هنا، من أمريكا."

العتبة الثانية- هي العنوان:

(الملتقى): ويعود إلى عنوان المؤتمر (مؤتمر الملتقى الرابع للشباب المصريين المغتربين) الذي دُعيَت إليه الكاتبة مع ابنتها ضمن الوفد الأمريكي وبمشاركة من قبل وزارة الشباب والرياضة المصرية في والمنعقد في الفترة من 22 ديسمبر 2014 وحتى 2 يناير 2015، حيث تجولت الوفود الشبابية -الآتية من مختلف الدول الغربية- في القاهرة والأقصر وأسوان والاسماعيلية والسويس، ومن خلال تلك الرحلة سجلت الكاتبة مشاهداتها الديموغرافية، فكانت الحصيلة هذا العمل.

يقع العمل في حوالي 122 صفحة من القطع الصغير، حافل بالصور الفوتوغرافية من مشاهدات اجتماعية وطبيعية وعمرانية وتاريخية حضارية للأمكنة المذكورة. 

الإهداء: بسيط، خاص وعام:

 الإهداء

إلى جميع المصريين المغتربين ..

إلى كل من جاء إلى الملتقى ..

إلى جميع العاملين على نجاح هذا الملتقى..

إلى الشعب المصري الأبي

 والاستهلال:

 كان تلخيصًا لهدف الكتابة، وتحديدًا للباعث والمحفز الذي كان الاستجابة له كتابة هذا العمل، تقول فيه:

" أردت أن أكتب عن مصر التي أعرفها، فوجدت أن مصر أكبر مما كنت أتصورها، وأني أجهلها.

قبل أن أبدأ الرحلة كنت منشغلة في فكرة السفر لأجتمع مع كل المصريين المغتربين القادمين من جميع أنحاء العالم، لنتعارف على بعضنا البعض، ولنوضح للعالم بأن مصر أأمن مكان يمكن أن يعيش عليه إنسان."

حوى الكتاب على عدد كبير من الصور الفوتوغرافية (حوالي 67 صورة) تنوعت بين صور اجتماعية، وطبيعية، وعمرانية، وتاريخية حضارية، وصور شخصية للكاتبة مع شخصيات سياسية وثقافية التقت بهم في رحلتها هذه، وصور لشباب الملتقى في أمكنة ومعالم أثرية، وكانت هناك بعض الصور المأخوذة من محرك البحث غوغل لأماكن تم منع الكاتبة زمن معها من التصوير فيها، مثل المعبد عزرا اليهودي في مصر القديمة. وكذلك مقبرة رمسيس الثالث والتي استعاضت الكاتبة عن تصويرها مباشرة بالصور التي كانت تباع على شكل موسوعة في محلات لبيع الآثار المصنعة للسائحين، وأرفقت الكاتبة مع هذه الصور الفوتوغرافية شروحات أدبية، وشروحات معلوماتية، ويعتبر ذلك تكنيك خاص بتلك الكاتبة التي استطاعت التفرّد بابتكار هذا الأسلوب التواصلي مستفيدة من منتوجات التكنولوجية الحديثة، حيث اختلفت مشاهدات الكاتبة عن المشاهدات الكلاسيكية التقريرية، بوجود آلة التصوير، وموسوعة غوغل المعلوماتية.

تحدّثت الكاتبة عن رحلتها التي استغرقت حوالي أسبوعين، بكل أحداثها اليومية ومشاهداتها وانطباعاتها، ثم وجهت رسائل شكر إلى أشخاص بأسمائهم وأوصافهم، ولم تغفل عن ذكر الصعوبات التي واجهتها لاستخراج رقمها القومي، ثم أنهت كتابها بجملة من المدركات والنتائج الواعية التي أوصلتها إليها هذه الرحلة العجيبة التي استولت على لبّها فأبهرته، وعلى عقلها فملأته حكمة وعلمًا ويقينًا، تقول:

" تتعود عيناي كل هذا الصخب ولكن الأماكن في مصر الحبيبة تشدني وتبهرني لشعوري بأن هناك حياة فيها دفء وحب، وتارة فيها قسوة من الفقر.. لكن المدن في جميع أنحاء العالم مليئة بالناس من كل الأجناس فمنهم الفقير ومنهم الغني ومنهم المتوسط الحال، والقاهرة عينها لا تنام كما في لوس أنجلوس، بل تبقى عينها ساهرة على ضفاف النيل، وفي كل مكان.. وأنا ما زلت أعتبر مصر هي أأمن مكان يمكن أن يعيش عليه الإنسان...

وتحيا مصر".  

- التكنيك:

قلنا أن الكاتبة ابتكرت تكنيكًا خاصًا بها، وهو إحلال الصورة الفوتوغرافية في مشاهداتها الديموغرافية لتكون بديلًا للوصف الجغرافي في أدب الرحلة الكلاسيكي، وأرفقتها بشروحات أدبية تارة، ومعلوماتية تارة أخرى، تثبيتًا لحقائق علمية ديموغرافية، وبذلك قامت الكاتبة بتسجيل مشاهداتها الديموغرافية بشكل مرئي عن طريق صور عدسات التصوير، وتسجيل حرفي بعدسات القلم، محاولة منها كتجربة عصرية بإدخال الصورة الفوتوغرافية كبينيّة مع الصورة المكتوبة، وسنأخذ بعضًا من تلك الصور بالحالتين لنعيش معها رحلتها:

اخترت أربع صور عن بينيّة هذا التكنيك:

1- مشاهدات طبيعية: 

استطاعت صورة نهر النيل في القاهرة التي التقطتها من الطائرة أن تثير فيها جملة من المشاعر سكبتها على بياض الصفحة السابقة لصفحة الصورة، بجمل تقترب إلى الأدبية أكثر من التقريرية:

"... حلقت الطائرة فوق مدينة القاهرة بشمسها الدافئة المشعة على أراضيها الخصبة الخضراء، وصحرائها الذهبية الملساء، عندئذٍ أدركت بأنني في بلد النيل والأهرامات، زمن تقتُ إلى لقياه.. زمن غير الزمن الذي تعودته عيناي، فيه غبار وتراب السنين المترامية فوق المباني القديمة والشوارع المكسوة بالإسفلت..

كنت أشعر وأنا أنظر من الطائرة بأن النيل عظيم وكبير أكبر مما كنت أتصوره، وكذلك المباني المحيطة على جانبيه التي تكاد تزيده جمالًا وعظمة. كنت أعتقد بأن رائحة الماضي تصل إليّ وأنا من على متن الطائرة."

 2- مشاهدات اجتماعية:

حينما وجّهت الكاتبة عدستها باتجاه المستوى الاجتماعي تألّمت، وقارنت ديموغرافيّا بين بلديها، مصر وأمريكا، فكانت مثقلة بتعاسة الواقع الاجتماعي المصري المسكون بالفقر والجهل والمرض، تنشرالصورة التالية وتمدّها بشروحات واقعية تقريرية بإرهاصات لإنسان عربي مخلص لجلدته، ولم تسلخها الغربة مهما تعمّقت فيها، تقول:

" رأيت بيوتًا ومباني غير مكتملة مسكونة من زحمة الناس، كان كل منها يروي حكاية ومعاناة.. الجوع والفقر والجهل.. تلك أكبر مشاكل مصر.

رأيت الغسيل على أسطح المباني أو متدلي من الشرفات، والشوارع تضج بكثرة الأصوات والأغاني المدرجة في أكثر المحلات .. والباعة المتجولون منتشرون في كل مكان فلا يوجد رصيف ليمشي عليه إنسان، فتارة تعلوه السيارات المصطفة، وتارة أخرى حفر وانكسارات في طوب الأرض، أو بائع متجول احتل المكان وفرش بضاعته على الأرض".

3- مشاهدات عمرانية:

وهي من المشاهدات التي لاقت عند الكاتبة إعجابًا شديدًا، وإن كان لها عليها بعض الملاحظات الطفيفة، أبهرتها دقة وسرعة إنجاز هذه المباني التي اختلط فيها الحديث بالقديم تحت مظلة العراقة والفخامة، ودقة البناء وسرعة الإنجاز، تقول:

" كما رأيت مباني عريقة وفخمة تتسم بالفن المعماري الحديث في شوارع متسعة وأحياء نظيفة، وكذلك أبنية قديمة مزركشة لها طابع أثري وفني قديم، فقط تحتاج إلى تحديث، تجمع الحاضر والماضي الجميل.

كما لفت نظري في القاهرة عظمة بناء المنشآت والفنادق المخصصة مثل دار المشاة ودار المدفعية ودار المدرعات ودار الدفاع الجوي، فجميع هذه الدور فنادق رائعة في أصول البناء والفخامة من حيث الإنجاز.  

4- مشاهدات تاريخية وحضارية:

عند الحديث عن المشاهدات التاريخية والحضارية استخدمت المعلوماتية التاريخية، مع الشروحات التقريرية، هذا ما أرفقته مع صورة وادي الملوك في مدينة طيبة القديمة (الأقصر):

" .... يقع وادي الملوك في مدينة طيبة القديمة على الضفة الغربية لمدينة الأقصر. وهو عبارة عن مقبرة قديمة فيها مقابر الأشراف، وهي أكثر من 411 مقبرة محفورة في الصخر. دخلنا ممرات ودهاليز طويلة وسلالم مرفوعة عى أعمدة داخل الغرف، وعلى الجدران رسومات وزخارف وصور بأجمل الألوان نقشت بأيدي الفراعنة تحكي حكاياتهم اليومية، وقد عثر على 62 مقبرة وعشرون هوة ولم يتنهِ العمل بها، سبع منها في وادي الملوك الغربي الكبير، وبقيتها في وادي الملوك الشرقي، كما تم اكتشاف مقابر لأولاد الفراعنة...."

- التجربة الإبداعية للكاتبة:

هل هي تجربة متكاملة، أم مختلطة، أم ناقصة؟

هي ليست تجربة متكاملة لأنه لا يوجد فيها بناء فني، لكنها تجربة عصرية لم يمسها أحد من قبل، تفردت فيها الكاتبة بالجمع بين عين العدسة والعين البشرية ةعين القلم لتكوين صورة واحدة تشرح إرهاصات الكاتبة الإنسانية.

 عندما نقول عن نص سردي أنه أدب يجب أن يكون متصفًا بصفات الأدب، وأولها:

1- أن يكون جنسًا أدبيًّا، كأن يكون قصًّا أو رويًا أو مقالًا، لأن الأجناس الأدبية تحمل صفة الأدب

2- والمنجز الأدبي يحتوي على عناصر الجنس الأدبي وهي:

- البناء الفني: الذي يحوي الزمكانية والصراع الدرامي والعقدة والانفرج والنهاية إذا كان رويًا أو قصًّا وبجميع أشكاله، سواء أكان أدبَا روائيًّا أو أدب رحلة .

لم يتواجد من هذا البناء في هذا العمل إلا الزمكانية، فهو عمل مسطّح يقع بين المقال والمذكرات، لكنه يجرنا نحو أدب الرحلة بشكله الزمكاني العام، وتكوينه الداخلي، لذلك تبنى الديموغرافية كخيمة يتقي بها الانزلاق الكامل نحو التقريرية.

 - والبناء الجمالي: وعناصره هي:

السرد، والأسلوب، الشخصيات، الحوار، والجمال اللغوي وعلم الجمال

3- الأسلوب: يجب أن يحمل العمق الأدبي (السيمانتيك والبراغماتيك)

كما أنها ليست ناقصة، هي تجربة مختلطة بين التقرير والعمق الأدبي، حيث عملت الكاتبة بين حالتين، بين الأدب والتقرير، ولو مالت نحو التقرير كما فعل ابن بطوطة لأصبحت جغرافية، لكنها مزجت بين الأدب والتاريخ والجغرافية والعلوم البشرية بأسلوب أدبي، لإقرار الحركة التبادلية للأدب مع العلوم المحيطة به، بذريعة أن كل العلوم تُكتب بالأدب كوسيط لغوي لها، وتلك العلوم تحيط بالأدب بشكل تبادلي، استطاعت أن تمزج بين الكلاسيك التقريري والديموغرافية الحديثة بأسلوب أدبي حديث، وهذه نقطة تحسب لها، هي وقفت في منتصف الديموغرافية الأدبية، قدمت من بلد تقيم فيه، ونزلت في بلد تنتمي إليه، أي قسمت بين مساحتين، عليها أن تجد العلاقات الإنسانية والعمرانية والجغرافية والتاريخية والجمالية بينهما، وهذا عمل معقد يجب أن يحمل صاحبه عيونًا كعدسة الكاميرا ليعطي صورًا مختلفة أو متقاربة، ليضع نفسه كمحور مشترك بين بيئتين، البيئة المصرية والبيئة الأمريكية، وأن يظهر درجة انبهاره في أيهما. وقد نجحت الكاتبة -إلى حدّ ما- في ذلك.

- الجانب الأخلاقي:

كانت مفردات الكاتبة وألفاظها مهذبة تنتمي إلى الخلق العربي أكثر منها للأخلاق الغربية، لم تذم عرقًا، أو تتدخل في صراع ديني أو مذهبي أو طائفية، فكانت درجة الأخلاق في نصها عالية في مقياس المنظومة الأخلاقية الإنسانية العالمية.

- الخاتمة:

 بعد سفري الطويل في هذه المشاهدات السينيمية، أجدني وضعت رأيي الذرائعي في كل صغيرة وكبيرة من هذا الموضوع البيني الذي يجمع بين العلم والأدب، على قدر مبلغي من العلم، لذا أقدم اعتذاري عن أي هنّة أوغفلة أو هفوة بدرت مني، التقصير مني والكمال لله وحده، وتحية احترام وتقدير وثناء على جهد الكاتبة وفاء ابراهيم عرار في إنجاز هذا الكتاب.

 

الناقدة الذرائعية د. عبيرخالد يحيي

..........................

 [1] مقدمة في علم السكان وتطبيقاته- ماجد عثمان- موقع واي باك مشين

 

فالح الحجيةإن المتعة الجمالية هي الوسيلة الشعرية في الوصول إلى الغاية، فالجمال وسيلة الشعر إلى غاية الجمال (فهو إحدى وسائل غرس الجمال في الوجود ويعد من وسائل غرس الجمال الكبرى الصورة الشعرية).

فالشعر على العموم يتمثل في كلمة جميلة تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها فتسجل اسمى معالمها و اعمق بواطنها كحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها فهو معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية الخارقة و الاحساس النابع من القلب فهو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء، وقد يكون تعبيراً عن العلاقات الصوتية بين الحروف التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها ليبين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه متدفقة منها مشحونة بها لتبحر قصائد عبر مسارات النفس الشاعرة فتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا وحالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة الحياة وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية. يقول الشاعر لاحظ ذلك في قصيدة الشاعر ضياء صكر:

يا قُدْسُ لا تصرخي، فالنُطْق مُستلَبُ

الشّمسُ تبكي دَماً والعُرْبُ قد شجبوا

 

لا تأمـني زمَـــناً والخــــونُ مؤتمـَــــنٌ

عكّـا" وما بعـدهـا، مَنْ خانَ هُمْ عَرَبُ

 

همُ الرعــاعُ إذا الفحشـــــاءُ تجمعُهــــم

مِنْ فــرطِ خُـبْثٍ بهـــم، واللهِ قــدْ ذؤبوا

 

يا قُدْسُ قــدْ أزفَ الخـــــــذلانُ ذروتَهُ

في أمّةٍ، صَهْرُها، في العَهْرِ مُغتصِبُ

 

باعـــوكِ رَهْطٌ مِنَ الإســــلامِ، أرْذلُهم

وليسَ مِنْ مريمَ العـَــــذراءَ هم نُسـبوا

 

لا ترتجي الخيرَ والعــوراتُ ناشـــزةٌ

هيهـاتَ ينفعُهمْ، في صــومِهم، رَجَـبُ

 

فمَـنْ أعـــاتبُ والعِمّــــاتُ نعـــبدُهـا ؟

أمضى علينــا مِنَ الآيــاتِ، أحتســـبُ

 

ومَنْ ألومُ إذا القــــــــوّادُ يحــــكُمنا ؟

مِنْ آلِ لوطٍ وذاكَ الحُكـْـــمُ منتَخَـــبُ

 

كيفَ الكرامـةُ والإذلالُ ينخـــــرُهــــا

وكيفَ إنْ نَـزِقٌ مِــــنْ طيشــِـهِ يَثِبُ ؟

 

فمَــنْ يكفكفُ دمــعَ الضفتيـنِ كمَـن

يأتي ليلجـــمَ بحــراً موجُـــهُ لَجِــبُ

 

صـلّي لوحـــدكِ فالأعـــــرابُ لاهيـةٌ

حُضنُ النّسـَاءِ لهم في الشّرعِ مكتسَبُ

فالشعرإصل الجمال يستلهمه الشاعر في شعره في حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرته الحساسة في سبر اغوار نفسيته الشاعرة المرهفة لتنمو في مفاصل الحياة و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها فتجتمع في بوتقة تسعد اليها الانفس وتسمو اليها الارواح ووتهفو اليه الافئدة ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري المنبعث في الموسيقى الكلامية المنبثقة بامكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج و تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها لتعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية الشاعرية الفذة ومقدرتها على الخلق والابداع بطريق السمو بالروح نحو مسارات ذات نغمات تنبثق عن مشاعرها وعواطفها وامكانيتها لتسجيل الإيحاء النفسي والفكري وللتعبير البلاغي واللغوي بما يعجز عنه الاخرون. تقول الشاعرة المغربية لطيفة تقني:

يا طائِراً في السَّما هَيَّجْتَ أَشْجاني

حَرَّكْتَ شَوْقي لِمَنْ غابوا بِمَيْداني

 

قَدْ صارَ حُبّي لَهُمْ كَالدّاءِ يُرْديني

صَرْعى أُداري حَنيناً زادَ أَحْزاني

 

يَسْري بِذا الْقَلْبِ آهٍ مِنْ مَواويلي

لَيْتَ الْمَواويلَ تِرْياقٌ لِشَرْياني !

 

هَلْ مِنْ طَبيبٍ يُداويني بِلا قَوْلٍ

إِنّي مِنَ الدّاءِ لا أُشْفى بِأَحْضانٍ ؟

 

هَلّا تَرَكْتُمْ عِتاباً لا يُواسيني

أَسْلَمْتُ أَمْري لِرِبّي سَوْفَ يَرْعاني

 

يا طائِرَ الْحُبِّ خُذْ مِنّي مُصافاةً

أَذْكَرْتَني مَنْ حَمَوْا بِالصِّدْقِ وِجْداني

 

إِنّي تَذَكَرْتُ وَالذِّكْرى غَدَتْ حِبْراً

يَحْكي لَيالي مَضَتْ قَهْراً بِنيسانٍ

 

يَحْكي رَماداً مِنَ الْأَشْلاءِ في قانا

مِنْ مَجْزَراتٍ تَرامَتْ فَوْقَ لُبْنانٍ

 

يا لَيْتَ شِعْري هَلِ الْأَحْزانُ تَهْواني

هَلْ مِنْ قَوافي تُواسي حُزْنَ أَغْصانٍ ؟

 

هَذي طيورُ السّنونو فَوْقَ أَشْجارٍ

تَبْكي ضَياعاً لِأَعْشاشٍ بِأَفْنانٍ

 

تَبْكي لِأََشْجارِ جَوْزٍ ماغَدَتْ جَوْزاً

قَدْ دَمَّرْها أَيادٍ مِلْءُ و بُهْتان

 

صارَتْ رِياضُ السُّرورِ الْمُنْقَضى حُزْناً

كَمْ قاوَمَتْ ظُلْمَهُمْ ظَمْآى لِإيمانٍ !

 

كَمْ ساءَلَتْ لَيْلَها عَنْ عِزَّةٍ غابَتْ

مِنْ دَيْدّبانٍ حَمى قَوْماً بِأَثْمانٍ

 

يا طائِرَ الشَّوْقِ حَلِّقْ فَوْقَ شُطْآني

غَرِّدْ تَغاريدَ سِلْمٍ تُحْيِ أَوْطاني

 

يا عالَمَ الْخَيْرِ هَلْ مِنْكُمْ مُواساةً

إِنّا بِرَغْمِ الشَّجا صَبْرٌ وَصَبْرانِ

والوزن سمة قاهرة من سمات الشعر، ولئن لم يركز الرومانسيون والرمزيون على البعد الإيقاعي الصوتي بصورة خاصة، فإن المتأثرين بالمدارس اللسانية الحديثة يتفقون ان العنصر الإيقاعي الدال الأكبر والعنصر الاظهر من مكونات الشعر، فالنص الشعري حقيقة هو نوع من الأوزان تتولد من قاعدة اتحاد وانسجام بين مختلف مستوياته وخاصة بين حروف اللغة وابراز ذات الصوت المتشكل من الحرف اللغوي واتصاله باخر وفقا لامكانية الشاعر ومقدرته على الاتيان بالافضل ويشكل العروض الجانب الأبرز في الشعرية، الا ان القصيدة المعاصرة واقصد قصيدة الشعر الحر ,التزمت عن بعد بحور الشعر الصافية مع ايغالها المفرط في الزحافات عند اغلب شعرائها اوقصيدة النثر الرافضة لكل المفاهيم الشعرية القديمة والثائرة على كل الاوضاع الموروثة سائرة في خط الحاضر اوالمستقبل .

والشعر على العموم بجماليته وقوته وطموحه وأحلامه، يبقى بماهيته شكلا ومضمونا ومنابعه الصافية محيراً للعقول ويظل جمال ماهيته شيئاً مثيراً جاذباً للنفوس وعواطفها معبرا عن خوالجها يكتسب جماليته من وظيفته الإيحائية الغامضة فنياً . صائغا ماهيته من انبثاق عالم مكبوت في داخل هذا الشاعر الثائر وعلى هذا انبثقت جمالية هذا الفن من روحية عالية ونفسية شاعرة ملهمة .

*

ولعل وقائع الاحداث التي رافقت هذا العصر ربما أسهمت في كثير من الاحيان في اختلال بعض القيم والمعايير الإنسانية ،و كانت السبب المباشرالذي دفع بالشاعرالمعاصرالاهتمام بالمعطيات الموضوعية والفنية لهذه الأسطورة ليهرب من واقعه المرير إلى عوالم اخرى قد تسودها المثالية ويحلق فيه الخيال الجانح نحو الارتقاء والتمكن ،فيبني الشاعر عالمه الخاص به والذي يملأ عليه فراغات من ذاته المكبوتة. وقد طفق الشاعر المعاصر ، نتيجة لهذه المتغيرات السياسية والأحداث المأساوية التي شهدها العصر الحديث يتلمس او يتفهم المقومات القادرة على الإفصاح عن رؤيته الإنسانية الشاملة إلى أبناء وطنه او انسانيته وقد تكون هذه الأسطورة او تلك خير وسيلة للتعبير عن النوازع النفسية اوالحوافز الداخلية عنده او تعبر عن نفسية الاخرين . ربما جاءت لتعبر عن تجسيد للتوق الإنساني الشديد وشكله الخيالي المناسب لهذا التعبير لاحظ قول الشاعر علاء الاديب :

هذا العراق مصاعب وســـــوادُ..

.هُدِم البنــــــاء وشُــــرّدَ الأولادُ

 

فلمن نعايد والمصـــــائب جمّة .

.والمفسدون بأرضنا أســـــيادُ

 

ماعاد في بلدي الحزين سوى الردى

..حزنت على أولادها بغـــــــــدادُ

 

لاعيد بعد اليوم يُفرِح أهلنـــــــا .

مادام يرتع بيننــــــا الأوغـــــــادُ

لذلك أصبحت الفكرة او الاسطورة من أهم احداث القصيدة الحديثة التي عبأ الشاعر فيها هواجسه وارؤاه وأفكاره و تجربته الشعرية بدءا من مستواها الذاتي إلى المستوى الارقى لتمثل بوا سطتها الواقع الإنساني في هذا العصر بصورة عامة.

تقول الشاعرة ميسون الارياني من اليمن:

كانت جدتي عندما تغني

تخبئ صوتها في علبة البخور

مشتعلا

لجداول الورد القادمة

غارقة في مراة الإنتظار

لحبيبها السريع

في الركض

للنجمة الهائمة بين عينيه

ليتها أنجبت الحب

خفيه عن الزمن

وذرفت أصابعها على قلبه البض

لأضاء صدرها

بمصباحين

للشجن

والنشوة

بينما ينغلق صندوق الشمس

وتنصت الأهلة

ومن خلال دواوين الشعراء وخاصة المعاصرين منهم نجد فيها او نرصد فيها أنماطا متعددة من الرموز والأساطير التاريخية على مر العصور ، فقد أولى عدد منهم اهتماما واضحا بالأساطير البابلية والآشورية والسومرية او الفرعونية او الامازيغية التي قد ترتبط بأحداث تميزت بالقدرة على إظهار إحداث العجائب والخوارق، واوجدت شكلية جديدة للشعر المعاصر وعاملا مهما من عوامل التحفيز والإثارة وتجسدت بشكل حيوي في أنشطة هذا الإنسان منذ القدم في الوقت الحاضر او بمعنى اخر غيرت اسطوريته الى واقع حاضر ليستلهم منها كل جديد.

وتعد الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الشاعر المعاصر خلاصة افكاره وجديد عواطفه ونزعاته، وان هذه الأساطير تمثل ما تبلور في أذهان الانسان القديم في العراق اومصر اواليونان والرومان اوالفرس وغيرهم من الاقوام القديمة ذات التاريخ العتيد والثقافة الرفيعة من قصص وحكايات أسطورية فعبرالشاعر في تصويره الشعري لخلق عالم جديد ،ولوجود هذا الإنسان على الأرض ،ومصيره المجهول وما يحيط به من مظاهر الكون الطبيعية وتساؤلات واسعة او ربما تكون في بعض الاحيان غامضة يتكهن الاجابة عليها وربما تفلت منه فتبقى سرا سرمديا قديما وحديثا .

 

اميرالبيـــــان العربي

د.فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــــد روز

.........................

* راجع كتابي (دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر) 2017 عمان الاردن

 

جمعة عبد اللهالقصيدة التي تمجد بطولات شعب ومآثره الوطنية، هي جديرة بالثناء والتقدير، وجزء من الواجب الوطني، ان يوظف الشاعر في دعم شعبه ووطنه نحو الرقي والتحرر. والخلاص من افاعي الظلم والطغيان. فأن الكلمة الثورية تزخ دماء جديدة في شرايين التحدي والثبات على المواقف الوطنية، التي تعتبر مسألة اساسية في حياة الشعوب نحو الحرية، بعزيمة المواصلة في طريق الثورة بالتضحيات الجسيمة. حتى تحقيق الانتصار على عش الفساد والظلم والحرمان. وكشف وتعرية السلطة التي تسبح في المياه العكرة والعفنة. والشباب العراقي اليوم يصنعون تاريخاً جديداً للعراق، في أبجدية وطنية ناصعة ونقية، يكتبون تاريخ الشعب بحروفهم الكفاحية. بذلك يحق لهم ان يكونوا بحق مفخرة الشعب المناضل والمكافح. وهم يحققون حلم كل عراقي شريف واصيل ينتمي الى الوطن. في وطن يعيش ابنائه في عزة وكرامة واستقرار، دون بؤس وشقاء وحرمان ومعاناة. من هذا المنطلق تفجرت الثورة بعد المخاض العسير من الشدة والضيق والعسر، وتراكمت الازمات والمشاكل. وتأتي الثورة كحدث تأريخي عراقي، يدخل من الابواب العريضة، لتغير مجرى الحياة السياسية والحياتية، بالنهر الوطني المتدفق بالملايين الحشود نحو الساحات وميادين النضال، التي هدرت بحناجرها المدوية في كل زاوية من العراق، بالانفجار الكبير بالثورة الشعبية، على الفساد والظلم والاستغلال، على اباحة وطن لكل من هب ودب. هذه الثورة التي جاءت نتيجة، مثل ما يقول الكاتب (فيكتور هيجو) عن انفجار الثورة (حين يعيق مجرى الدم في الشريان تكون السكتة،وحين يعيق مجرى الماء في النهر يكون الفيضان، ومن يعيق مستقبل شعب تكون الثورة) فكانت الثورة الحدث الاكبر والابرز في العراق . لا تقل اهمية عن الثورات والاحداث العالمية، التي غيرت مجرى التاريخ في احداثها العاصفة، في سبيل الحرية والكرامة والخبز. وتمزيق انظمة الظلم والطغيان والاستغلال، في سبيل تحقيق الغد الجميل دون معاناة وقهر واستلاب. هكذا تفجرت هذه الثورات والاحداث العالمية، في نهوض شعبي عارم وكاسح. وهكذا كان موقف الشرفاء للوطن، بتجنيد طاقتهم الابداعية سرداً وشعراً. في التوثيق التاريخي لهذه الاحداث العاصفة، في تسجيل وتدوين احداثها اليومية، بالمتابعة والرصد بعدسة التدوين . مثل ماحدث في الثورة الفرنسية، التي غيرت وجه فرنسا. فكان الكتاب الكبار دورهم المهم والبارز، في تجسيد احداث الثورة في اعمالهم الرواية والشعرية. مثل روايات الكاتب (فيكتور هيجو) في الكثير من اعماله الروائية ومنها روايات (البؤساء. أحدب نوتردام. عمال البحر). وكذلك في روايات الكاتب (بلزاك) في الكثير من رواياته ومنها (يوجيني غراندي. الاب غوريو. خوري القرية) وكذلك روايات (الكسندر دوماس) ومن رواياته رواية (الثورة الحمراء في سجن باستيل) وكذلك في روايات (اميلا زولا) والروائي (ستاندال) صاحب الرواية الشهيرة (الاحمر والاسود) وكتاب اخرين وثقوا احداث الثورة الفرنسية من عام 1773 الى عام 1793. وكذلك رائعة (جون ريد) في تسجيل ايام قيام الثور الروسية، في رائعته الشهيرة (عشرة ايام هزت العالم). وكذلك الشعراء الكبار الذين وقفوا مع شعوبهم المكافحة، ومنهم الشاعر (بابلو نيرودا) والشاعر (ناظم حكمت) والشاعر (يانس ريتسوس) و(الجواهري) وغيرهم، هذا الدافع الوطني والانساني، في المواقف الصلبة تجاه قضية الوطن والشعب، ونذكر قول الثائر (جيفارا) بصدد المواقف الكتاب (أن الحياة كلمة وموقف، الجبناء لا يكتبون التاريخ، التاريخ يكتبه من عشق الوطن وأحب الفقراء). وثورة المارد العراقي الجبار. ثورة تشرين، لا تختلف عن المعايير الثورات والاحداث العالمية. فهي قلبت المعادلة السياسية المتراكمة في الركود منذ 16 عاماً، ولم تنتج سوى تدوير النفايات السياسية والجرثيم في السلطة والحكم . اسقطت المفاهيم الظلامية ومنها الطائفية. وحدت مكونات العراقية على هوية عراقية واحدة. اسقطت الرعب والخوف، الذي كانت تفرضه المليشيات الاجرامية والبلطجية. تميزت بالصمود الخارق بالتحدي، رغم التضحيات الباهظة التي دفعتها في سبيل ذلك . وهم الآن يقتربون من تحقيق حلم الشرفاء وعشاق الوطن. في النهوض الكبير والكاسح بالملايين، في فرض ابجدية الشعب في الواقع السياسي، وكسر جبروت الطغاة والظالمين. حققوا مفخرة عراقية اصيلة، يسجلها التأريخ بفخر واعتزاز، في تحقيق معادلة للانسان العراقي، اما ان يكون حراً، أو لا يكون. هذه الصلابة الفولاذية، التي اجبرت على الخلع رئيس الوزراء من منصبه هو وطاقمه الحكومي، المشترك في جرائم القتل والعنف الدموي. وهي التي اسقطت ترشيحات الاحزاب الحاكمة، من الشخصيات التي تنتمي اسطبلهم الحزبي الفاسد في عفونته. لذلك احدثت الثورة الصدع الكبير لهم، وصارت الحدث الابرز في الحياة والواقع السياسي ودخلت كل بيت. ولهذا لابد للكتاب والشعراء ان يكون لهم موقف صريح في المساهمة، لا يمكن قبول الوقوف على الحياد. او مسك العصا من الوسط. الوطني الشريف في قلمه الحرهذا يومه الموعود ان يفجر طاقاته الابداعية، ان يقف بكل جوانحه قلباً وقالباً مع الثورة والثوار في طموحهم وتطلعاتهم، هي تطلعات الشعب والوطن، وان يرتقي الى مستوى احداث الثورة، ويسجل ويدون احداثها اليومية، لتكون وثائق تأريخية. والشاعر السماوي الكبير. في روحه ودمه وعروقه الوطنية في عشق الوطن والدفاع عنه، عبر انجازه الشعري العملاق في اعوامه الطويلة، برز كصوت للشعب والوطن. جسدها بشموخ وابداع خلاق متطور ومتجدد. في خدمة الوطن والثورة ورصد احداثها اليومية، و كشف عتبات الصراع العنيف والمرير بين جبهة الشعب، وجبهة السلطة والاحزابها الطائفية، الذين يريدون من الشعب، ان يكون كبش فداء لاغراضهم الخبيثة واللاوطنية في تدمير الوطن. فالشاعر السماوي يخلق في عدسته الشعرية، براعة متناهية في التصوير والوصف الحدث، او الاحداث الجارية، من عمق الحدث والصراع الدائر. من عمق الاحداث الملتهبة في درامية الفعل ودراماتيكية الاحداث العاصفة في يوميات الثورة . يعني لكل مقطع شعري له خلفية من عمق الحدث، من عمق المجابهة بين المتظاهرين واركان السلطة، التي تمثلت في القناص الملثم الغادر ليمارس هوية القتل بجنون وشهية . من العدسة التصويرية للدخان المسموم، الذي يغطي سحاب ساحات التظاهر، ولكن لا يمكن للقناص الملثم ان ينتصر على ارادة الشعب. لا يمكن للبلطجي المرتزق ان يسكت قلب الثورة النابضة في سكينه التي يغرزها في قلب المتظاهر السلمي. ولا يمكن للظلام ان ينتصر على النور. ولا يمكن للطبقة الحاكمة الفاسدة ان تقهر ارادة الشعب في مواصلة جلوسها على عرش السلطة . بهذا الشكل ترصد القصائد الشعرية، في متابعة يوميات ومفردات الثورة. في التعبير عن عمق الحدث شعرياً. لنأخذ بعض المقاطع الشعرية من يوميات ثورة تشرين.

لم تعد هذه النفايات الحاكمة تخلد الى النوم الوديع بأمانة ورخاء، فقد اصبحت بضاعة فاسدة وكاسدة. ولم يعد ديك قصر السلطان يدغدغ حلام السلطان وحاشيته، فقد تبدل الموقف بديك الثورة ليزعج السلطان في كل صباح، بأن عهدهم انتهى وولى، واصبحوا زائدين عن الحاجة كالزائدة الدودية، فقد انتهت صلاحيتهم، وجاءت صلاحية الشعب، الذي يلوح بفجر جديد

نعرف أنّ ضميرك منتهي الصلاحية..

فلماذا قواتك تطلق على رعيّتك قنابل منتهية الصلاحية ؟

الرعية تطالبك بقنابل طازجة

*

سـواءٌ أصـاحَ دِيـكُ الـقـصـرِ أمْ لـم يَـصِـحْ

فـالـفـجـرُ ســيـبـزغُ حـتـمـاً!

*

أنـتَ وحـاشِــيـتـكَ

أصـبـحـتـم زائـديـن عـن الـحـاجـةِ كـالـزائـدة الـدوديـة..

من مهازل النظام والسلطة الطائفية القرقوشية، في اعلامها اذا اصبح محل سخرية وهزل من جنجوليات اعلامه الرسمي. من الصحاف الجديد، الذي يذكرنا بالماضي البغيض، بأن تعود علينا مفردة (العلوج) ليس على الامريكان، وانما على المتظاهرين العراقيين السلميين، يطلب منهم نزع الكمامات، حتى يخنقوا بسهولة من الغازات السامة وتفرغ الساحات منهم، ولكنه لم يطلب نزع لثام القناص الملثم القاتل، الذي يصيد المتظاهرين كصيد الطيور. بهذه الصلافة الانتقامية الحاقدة في قتل المتظاهرين. ان المتظاهرين سينزعون الكمامات بعد رحيل الجراثيم والحثالات من السلطة وتسليمها الى الشعب

قـبـل أن تـطـلـب مـن الـمـتـظـاهـريـن خـلـعَ الـكـمّـامـات:

أُطـلـبْ مـن مـيـلـيـشـيـاتـك ومـرتـزقـتِـك أن يـخـلـعـوا لِــثـامـهــم أولاً..

الـمـتـظـاهـرون مـسـتـعـدون لـمـغـادرة سـاحـة الـتـحـريـر..

ولـكـنْ:

بـعـد أن تـغـادر أنـتَ وحـاشــيـتـك قـصـرَ الـخـلافـة!

هكذا يعود زمان الزور والتزوير في الاجرام، تحت جبة الدين كمجاهدين . في الماضي قتلوا الامام الحسين بأسم المحافظة على الخليفة والسلطان والدين والدولة الاموية، ويعودون مجاهدون الزور باسم الدين والمذهب هذه المرة، في القتل والاجرام واستباحة حياة الانسان بسهولة وايضاً بأسم الدين والمذهب . ولكن لا يمكن العودة الى الوراء، ان يظل سيف (يزيد) ان يمارس القتل والاجرام في عراق اليوم، انتهى دورهم وكشف عن عوراتهم وعليهم الرحيل، لانهم اصبحوا نفايات عفنة، ان تغادر قصر الخلافة.

قـبـل أن تـطـلـب مـن الـمـتـظـاهـريـن خـلـعَ الـكـمّـامـات:

أُطـلـبْ مـن مـيـلـيـشـيـاتـك ومـرتـزقـتِـك أن يـخـلـعـوا لِــثـامـهــم أولاً..

الـمـتـظـاهـرون مـسـتـعـدون لـمـغـادرة سـاحـة الـتـحـريـر..

ولـكـنْ:

بـعـد أن تـغـادر أنـتَ وحـاشــيـتـك قـصـرَ الـخـلافـة!

ليس من الشجاعة والحكمة، الوقوف على الحياد، ومسك العصا من الوسط، بذريعة الحياد والوطن يدمر والشباب في عمر الربيع يذبح ويقتل، يعني الحياد مساواة، بين القاتل والمقتول، وبين الجلاد والضحية، وبين الفاسد والشرف، وبين النذل والشجاع. هذه ليس من اخلاق العراقي الاصيل، الحر والشريف. ان يكون شاهداً زوراً، بين الذئب والغزال. ان الحياد يعني تواطئ مع المجرم والفاسد.

لـسـتُ مـع الـحِـيـادْ

*

حـيـن تـكـونُ الـحـربُ بـيـن الـنـورِ والـظـلامِ ..

بـيـن الـذئـبِ والـغـزالِ ..

أو بـيـن الـمـنـاضـلـيـن والـجـلاّدْ

*

لـسـتُ مـع الـحـيـادْ

فاجعة الناصرية (ذي قار) هذه المذبحة المروعة، التي ارتكبت غدراً وحقداً وظلماً. هي نتاج العهر السياسي الفاسد، ان يتطاولون على الشباب وهم نيام في ساعات الفجر الاولى، ليرتكبوا سبايكر جديدة، لمجزرة لشباب في عمر الزهور والربيع، خرجوا مطالبين بوطن، ولكن (هولاكو) الجلاد كان بالمرصاد لهم في انتقامه الوحشي، ستبقى هذه المذبحة الدموية، وصمة عار في جبين الاحزاب الشيعية. ولكن اين سيذهبون من الحساب العسير ؟، ولا يمكن ان تذهب دماء الشهداء الابرار هدراً وغدراً

أيـهـا الآتـونَ مـن مـسـتـنـقـعِ الـعُـهــرِ الـسـيـاسـيِّ

وكـهـفِ الـهـمـجــيَّــةْ:

*

قـبـلـكـم أســرفَ فـي الـقـتـلِ وفـي الـتـدمـيـرِ " هـولاكـو "

لِـيُـعْـلـي فـي الـفـراتـيـنِ عـروشَ الـوثـنـيَّـةْ

*

فـاشـربـوا نـخـبَ انـتـصـارِ الـنـذلِ فـي الـحـربِ..

ولـكـنْ:

سَــتـُزالـونَ وتـبـقـى " الـنـاصـريـَّـةْ "..

ان المجابهة اليومية في الصدام الثوار في ساحة التحرير والساحات الاخرى، في اقتناص المتظاهرين السلميين، الذين لا يحملو شيئاً، سوى العلم العراقي وحب الوطن. يحاولون بالتهديد والوعيد في انذارهم في افراغ المطعم التركي (جبل أحد) وإلا ستكون جولة عليهم النوائب بمجزرة دموية، ضد المتظاهرين المتواجدين في قلعة الثورة (جبل احد) ولكن صمود المتظاهرين بالتحدي الفولاذي يفشل مخططات المجزرة، وان المنازلة لو حدثت ستنقلب على القتلة والمجرمين. لان (جبل أحد) يمتلك سوراً قوياً من الشعب المتفض في جداره الحديدي.

سَــدِّدِ الـطـلـقـةَ نـحـوَ الـثـائِـرِ الأعـزلِ..

نـفِّـذْ أمـرَ مـولاكَ بِـدَكِّ "الـمـطـعـمِ الـتـركـيِّ "..

واسـتـأصِـلْ غـيارى سـاحـةِ الـتـحـريـرِ..

والأبـرارَ عـنـدَ الـجـســرِ أو " بـابِ الـمُعـظَّـمْ "..

***

جمعة عبدالله

 

 

ابراهيم اوحسين"لتكتب، لا يكفي أن يهديكَ أحد دفترا

وأقلاماً، بل لا بد أن يؤذيك إلى حدّ الكتابة "

أحلام مستغانمي - عابر سرير

عتبة

كلما ارتبط لدي اسم كاتب بدرّة الشرق "سوريا الشام" وقلبها النابض "دمشق"، إلا وتهيّبته أشد ما تكون الهيبة ؛ كيف لا ورحم هذه البلاد لم تنجب للدنيا إلا من خُلّدت أسماؤهم على مر العصور والدهور؛ ولست أغالي حُكما إذا قلت: لو أتى كلُّ مِصرٍ من الأمصار بأفذاذه وجهابذته وفوارسه وأتت دمشق بالكواكبيِّ فرداً لكفاها ذلك مؤونة المفاضلة والمنافسة والمفاخرة... وحقا، إن البلاد تلك لم تنجب ذوي إعاقات قطّ، لا في الفكر ولا في الأدب ولا في الثقافة الإنسية جملة، لكنها أخفقت - شأنها شأن أخواتها من البلاد العربية- في إنجاب أسوياءَ كُمَّلَ الخِلقة في السياسة ! ولعل الدهر ينتصر يوما لقلم المفكر والأديب إزاء معول السياسي وكلامه الزائف.

مدخل بسيط:

هي أعواد ثقاب ترتجف بين أصابع فتاة شبه متجمدة في إحدى الشوارع القاتلة بالصقيع ؛ تابعت الصغيرة إشعالها تتْرى حتى انطفأت ذخيرتها كاملة، دون أن تخفف عنها قسوة البرد ولا قرقرة معدتها الفارغة، لكن الموت عاجَلها وأراحها من الآلام بضربة واحدة... هكذا اختصر الأديب الدانماركي هانس أندرسن مأساة بائعة الكبريت في منتصف القرن التاسع عشر، ولست أدري في الحقيقة ما الذي لَزَّني على تذكرها مباشرة بعد إنهائي قراءة رواية " بائعة الكلمات " للكاتبة الصحفية السورية ريمة راعي؛ هل كُلُّنا بائعة الكبريت تلك على أرصفة شوارع أوطاننا الشائخة ؟ هل استهلكنا كل أعواد الثقاب خاصتنا قبل تبديد ظلمة الحياة ؟ هل الموت سبيلنا الوحيد إلى الخلاص ؟ أوَ لم يزعم "سوفوكليس" في رائعة "أنتيغون" أن الموت سعادة وخير ؟ هل نساؤكِ يا دمشق طوالقُ وسفنك غوارقُ وحاراتك محارقُ ؟ تساؤلات لم تُطرح ههنا جزافا و لا اعتباطا، إذ أراها مطروحة في مخيال الكاتبة حتى ضاق بها وعيها وضميرها الداخلي، فاستحالت - بعد تكاثفها - رواية نُسجت خيوطها بإحكام، تعترض القارئَ فيها أحداثٌ متشابكة حدّ الالتباس أحيانا، لكنه تشابك كتشابك الخطوط العربية في جدارات قصر الحمراء، وتناظر كتناظر الخطوط الملونة في سجّاد مغربي فاتن... وما الجمال في آخر المطاف إلا جُماع تعرجات وانحناءات والتواءات مُعادَةِ التشكيل والترتيب بعبقرية.

تضاريس العنوان والغلاف:

درج العنوان على ما ألفته العين والأذن في مجال التأليف الأدبي عموما، فهو تركيب إضافي مكون من كلمتين، أولاهما مضاف وثانيهما مضاف إليه، والتركيب جملةً خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه / تلك. أما العنوان رأسا فشقه الأول " بائعة " جعله مألوفا ومعتادا، على غرار "بائعة الخبر" لكازافيه دي مونتبان، و" بائعة الورد" لعبد الحميد طرزي، و"بائعة الأعشاب" لحنان رحيمي، و" بائعة الكتب" لسينثيا سوانسن، و " بائعة الجبن " لفاطمة الزهراء الكتاوي وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالأنثى " البائعة " المنخرطة في عمق تصاريف الحياة اليومية ومقاديرها. أما بيع الكلمات - أو الكلام عموما- فالعهد به قديم قدم البشرية ذاتها، ولعله بدأ مع سيادة السيد واستعباد العبد، إذ طفق هذا الأخير باحثا على كلام يبيض به وجه سيده، انتقالا إلى زمن الشعر وصناعة مدائح الملوك والوزراء وكبار الدولة، تزلُّفا إليهم مقابل أعطيات نقدية أو عينية، أما مضمون الكلام فأغلبه مغالاة ومبالغات هدفه التكسّب لا غير؛ وحالما يغيب العطاء يُقصف الممدوح مباشرة بالهجاء، والأمر سارٍ على كتّاب الدواوين وعلى الورّاقين وعلى كل من احترف فنون القول وتدبيج المعاني؛ أما الشأن اليوم، مع طغيان وسائل التواصل الحديثة، فصار كل فرد قادرا على عرض بضاعته الكلامية بكل يُسر، وقد أُوكِلَ أمر البيع للبرامج الإلكترونية وللمواقع المتخصصة في تسويق الكلام وبيعه، بغض البصر عن مضمونه وعن فائدته.

إن العين متى تبصر غلاف الرواية - في الطبعتين كلتيهما - تجد صورة امرأة عَيْطَبولٍ ( طويلة العنق، والعرب تعدّ هذا الوصف مظهرا من مظاهر جمال المرأة )، كاشفة عن محياها الحزين حدّ الكآبة، وكأن الكاتبة تنضمّ لركب أولئكم المُدَّعين إمكانية الجمع بين الحزن والجمال وصهرهما في بوثقة واحدة؛ ولعل الطائفة تلك لم تجانب الصواب والدهر شاهد على ذلك؛ فهذه سوناتا " ضوء القمر"، التي " قدم من خلالها بيتهوفن عذوبة الحزن الجميل وغيّر من خلالها تاريخ الموسيقى" كما كتب الناقد لودفيج ريلشتاب عام 1836؛ ودونك لوحة "الصرخة" لإدفارد مونش (1893)، ولوحة "التراجيديا" لبيكاسو (1903)، ولوحة "إلى أين نحن ذاهبون؟" لبول غوغان (1897) ... وغيرها التي استطاعت تشكيل الحزن الوجودي وصياغته في صور جمالية مُعجبة. أما شيطان الشعر فقد واطأَ كذلك الموسيقيَّ والتشكيليَّ على نفس الادّعاء، وهنا يحضرني قول نزار:

إني أحبّكِ عندما تبكينا // وأحب وجهكِ غائماً وحزينَا

الحزن يَصْهَرُنا معاً ويُذيبنا // من حيث لا أدري ولا تدرينا

تلك الدموعُ الهامياتُ أحبها // وأحبُّ خلفَ سُقوطها تِشْرينا

بعضُ النساءِ وجوهُهُنَّ جميلةٌ // وتصيرُ أجملَ عندما يَبكينا

وإن تاريخ الشعر العربي لطافح بقصائد حِسانٍ استطاعت - بتفاوت- مزج ذينك المُركَّبين العجيبين، وجنس الرواية كذلك ليس بِدعًا في هذا المضمار وهو ذو القدرة الفائقة على التوليف والتركيب، تماما كما أتحفنا في ستينات القرن الماضي ياسوناري كاواباتا في رائعته "حزن وجمال"،و سماح حافظ في رواية " الحزن يرحل سعيداً"، وغيرها مما يضيق المقام بالإشارة إليه. عموما، تبقى الرابطة والوشائج التي تصل الحزن بالجمال متينة إلى الحدّ الذي جعل عبد الوهاب المسيري يقول: " من يريد أن يجرّب الحزن فعليه أن يُغذّي ناظريه من مظاهر الجمال !".

الرواية باحثةً عن الإنسان !

على مدى 145 صفحة، في عملها الروائي " بائعة الكلمات"، الصادر في طبعتين، الأولى عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع والثانية عن دار روافد للنشر والتوزيع سنة 2018 بالقاهرة، سعت الروائية ريمة راعي في نقلنا منذ الأسطر الأولى إلى عالمها الخاص، عبر الدَّلْف إلى الكوامن الإنسانية ودهاليزها المُعتمة، مسلّطة أضواءها الكاشفة على أغوار الذات وأعماقها غير المُتَبَدِّيَة للعيان؛ لبثَتْ تحفر بلغتها الرائقة في واقع الإنسان الشامي البسيط الذي يأكل الخبز ويمشي في الأسواق، غير مستعدة للهروب إلى مرابع الخيال، مقتلعةً نفسها - بتعبير ميلان كونديرا - من حياة لم تكن لتمنحنا أي إحساس بالرضى،والواقع ذاته بات أغرب من الخيال !! إن الروايات لا تكتب في الحقيقة لخلق شخصيات وحوارات وأحداث لمجرد إمتاع القارئ بماجرياتها وانتقالاتها الدرامية؛ إنما لاستفزاز وعي القارئ وفتح بصيرته على آفاق محجوبة عنه، عن جهلٍ أو تحت تغييب الحقائق من لدن الأنظمة الحاكمة، ولنا في " كوخ العم توم" لهارييت ستاو، و" جذور " لأليكس هيلي، وروايتي "مزرعة الحيوان " و" 1984" لجورج أورويل و "الأم" لمكسيم غوركي ...و غيرها مثال من أعمال أدبية غيرت أنظمة تفكير أحادية وزعزعت قناعات فئات عريضة، بل، أطلعتْ الأجيال المتلاحقة بعد صدورها على حقائق تاريخية لم تكن متاحة - فنيا على الأقل - في بطون كتب التاريخ المؤدلجة والمتحيزة في غالب الأحيان. وفي هذا السياق من البحث عن الذات الإنسانية وكشف تنائفها وصحاريها، تأتي "بائعة الكلمات" في مرحلة حاسمة من تاريخ الشرق الأوسط الرازح تحت مخلفات وصنائع ما سُمّي بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، متسائلة، أي الرواية، عن موقع الإنسان والإنسانية،تارة بين الناس أنفسهم، فيما تلتفع به معاملاتهم وسلوكاتهم من كراهية وظلم وإهانة، وكأن "الإنسان قد أَشْكَلَ عليه الإنسان" كما رأى أبو حيان التوحيدي؛ تارة أخرى في تعاليم وعقائد من يصدّرون الوحشية والجاهلية والموت الأحمر إلى العالم، مدّعين أن الدّين " السَّمحَ " مؤسَّسٌ على محاكمة الناس ومحاسبتهم، وأن " التكفير " و فصل الرؤوس عن أجسادها أمر سماوي يعدّ من صميم الرساليّة والإصلاح والتنوير !! وقد تكون عبارة " لعلنا لم نعد بشراً منذ سنين طويلة "(ص 98) إيماءة إلى هذه الحسرة وإن جاءت في سياق مخالف من الحدث الروائي.

أفروديت... الجمال في التفاصيل !

لم تنحُ الروائية في عرض فصول روايتها منحى السرد الكلاسيكي، ولم تلتجئ إلى خلق شخوص متعددة ولا إلى تشعيب الأحداث في أزمنتها وأمكنتها؛ فالرواية جملةً دارت رحاها على عشرة شخوص كحد أقصى، بين أدوار رئيسة وأخرى ثانوية، والرواية الحديثة عموما تميل إلى إبراز الكوامن النفسية والوجدانية لشخصياتها أكثر من ميلها إلى تضخيم الحدث وتوليد جيش من الشخوص (1).

لم تكن طبعا أمّ أفروديت في مدخل الرواية كأمّ غسان كنفاني، أو كأمّ مكسيم غوركي في رائعتيهما؛ فهما كانتا أمّين بحجم وطن، بل استطاعتا تغيير ملامح تاريخ فلسطين وروسيا بحيالهما؛ في حين أن الأمّ الفلاحة البسيطة لا يهمها سوى تجاوز خيبتها "الإنجابية " المتمثلة في ازدياد فتاة شبه سمراء لا تحمل مقومات الجمال المطلوبة، فسارعت لتخفيف وطأة الحسرة بمنح ابنتها اسم " أفروديت "، تبرّكاً بأفروديت، زوجة رئيس مخفر الشرطة الفرنسي في القرية، الجميلة حسب رواية الجدّة. لا شك أن الأم كانت تجهل مقام اسم ابنتها في تاريخ الأساطير والآلهة اليونانية(2)؛ الاسم الذي خلق - عكس المأمول - عقدة نقصٍ لدى البطلة طوال حياتها، بدءا من محيطها القريب إلى ما بعده من فضاءات متحركة، ورغم أن العرب قديما ادّعوا نصيبا لكل امرئ من اسمه فإن البطلة أفروديت قد ضاقت ذرعا باسمها ناسفة قول العرب، لتذكرنا بقصة الطفل جُعْلٍ ( الخنفساء) الذي شكا أباه إلى خليفة المسلمين عُمرَ بن الخطاب قُبح اسمه. لكن أفروديت على مدى تضاعيف الرواية آمنت بالجمال الداخلي وبالحجم الكبير الممنوح للبشر من السعادة الكامنة بين حناياهم، يكفيهم التنقيب عن تفاصيلها فقط، وكأنها تعيد مقولة تشيخوف في قصة العنبر 6: " إن سكينة الإنسان ورضاه ليست خارجه بل في داخله ".

أفروديت.. بائعة الكلمات !

تتأطر أحداث الرواية ابتداء من الفصل الثالث فصاعدا ضمن حدود الذاكرة واكتشاف الذات والوجع، والمقصود أن البطلة في المتن الروائي التصاعدي ركزت أساسا على بعض اللحظات التي جمعتها ببحر ابنها المتوحد و المغدور برصاص طائش، وانتقلت فيما بعد إلى مرحلة اكتشاف معنى آخر للحياة عبر انصهارها الكامل في قراءة ما تجود به مكتبة الأستاذ سعْدٍ، هذا الأخير الذي شكل ظهوره حدثا فارقا في حياتها، فعبره استطاعت البطلة التماهي مع عوالم أخرى لم تكن حسبانها، إذ أنها بشيء من الذكاء الفطري والتمرس على أساليب الأدباء والمفكرين، تمكنت من خلق كلماتها وتعابيرها الخاصة، ما أهّلها إلى خوض تجربة إنتاج المعاني وبيع الكلمات لصويحباتها حسب نوع الطلب، متأثرةً بقصة " الكلمتان " للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، حيث البطلة بليسا تحترف هي الأخرى بيع الكلمات حسب المطلوب. هكذا استمتعت أفروديت بالقراءة وبالكتابة مدة ترددها وأخيها الصغير على بيت سعد، الأمر الذي خلق أُلفة خاصة بينهما، جعلت أفروديت تتحسس في عمقها الوجداني وقْعَ وسحر كلمتي بيلسا: أنا أحبك!... ليأتي الوجع مُسَوِّداً بياض الرواية، لتضيف البطلة مأساة فقْد ابنها الوحيد إلى مأساة ابتلاء بلاد الشام بطاعون "داعش"، الذين أقاموا مجازر جماعية في حق أبرياء عُزّل، ظانّين أنهم يطهّرون الأرض من الكفر ومن الشّرك ومن الصّنمية... مجازر أودت إحداها بحياة أمّ البطلة بوحشية، خصوصا أثناء تعريجها على وصف المقابر الجماعية التي احتضنت عشرات الضحايا؛ مشهد أعاد للأذهان مجازر النظام النازي في حق المدنيين الأوكرانيين والبولنديين، والمجزرة الإسرائيلية في مخيم صابرا وشاتيلا في حق اللاجئين الفلسطينيين، ومجزرة حكومة كوريا الجنوبية في حق الشيوعيين والمتعاطفين معهم فيما عُرف بعد ذلك بمجزرة "رابطة بودو"... وغيرها كثير في تاريخ البشرية قديما وحديثا .

استمرت حياة أفروديت الروائية، متجاوزة ماضيها الأسود، بل متناسية إياه، لأننا بالأحرى نتناسى جراحاتنا لنفسح الطريق أمام أيامنا القادمة لتمرّ بلا تماطل أو تأخر، وقد صدق ميخائيل نعيمة قائلا: " حبذا النسيان لو أن ما ننساه ينسانا؛ ما من نسيان على الإطلاق، بل هناك ذهول طارئ لا غير ! "؛ هكذا تجاوزت مآسيها وتحمّلت أقدارها الصعبة واستطاعت الحصول على وظيفة في إحدى دور النشر كمدققة لغوية وكاتبة مقالات خارج وقت عملها، لتغدو بائعة كلمات بشكل رسمي، مستأنسة بعالمها الصغير بغرفتها الصغيرة المستأجرة. سارعت الصدفة بعد ردح من الزمن إلى عقد لقاء جديد بين أفروديت وسعد، لينقدح زناد ذكريات كانت مطمورة تحت الرماد لتلتهب من جديد عبر لقاءات منتظمة متكررة، لتنتهي الرواية فاتحة في فصلها الأخير أفقا لانتظارية مبررة،مادام يوم الاثنين لم يبرح مكانه منذ زمن كما في "ماكوندو" غارسيا مركيز؛ وهي نفس فكرة مالك بن نبي " لازال العالم العربي والإسلامي في عصر ما بعد الموحّدين ! ".

بائعة الكلمات.. عود على بدء.

هذا تطواف يسير بين دروب الرواية وأزقتها الملأى بالتقاطعات وبالمدارات، هي حقنة يحتقنها القارئ فيشعر في نفسه أنه قرأ في الحقيقة رسائل غير مشفّرة، واضحة المعنى خالية من الترميز . إن الرواية صراحة تضعنا أمام ذواتنا منزوعةَ الاعتداد بالنفس، متخفّفة من تكبّرو تَعالٍ وعنجهية ألقت بِجِرانِها على الرَّبع العربي الممزق بالطائفية وبالأيديولوجية وبالنعرات القبَلية الممتدة بجذورها إلى زمن البسوس أو داحس والغبراء؛ زمنٌ عربيٌ " حَيِّ الشَّهيقِ ميِّتِ الأوصالِ" كما قال ذو الرِّمَّة، أو كما قال أبوبكر بن عمّار قبيل أفول شمس الأندلس:

ممّا يُزَهِّدُني في أرضِ أندلُسٍ // أسماءُ مُعتضِدٍ فيها ومُعتمِدِ           

ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها // كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صَوْلَةَ الأسَدِ

بيعُ كلامٍ - ومن هنا رمزية بائعة الكلمات- وانتفاخٌ - كظواهر صوتية بتعبير القصيمي- على المنابر الدولية بالذي سيكون غدا أو بعد غد، أو لعله لا يأتي ولا يكون أصلاً - إشارة إلى فصل الانتظار الأخير -، كأننا نعيد قراءة رائعة صمويل بيكيت " في انتظار غودو"، التي تعكس حالنا اليوم، نحن المنتظرين مُخلّصاً غير موجود وغير كائن من أصله !! ... الرواية احتفاء بالحب وبالجماليات وبالإنسانية في أسمى تجلياتها، وهي كذلك صوت داخلي ينبه الإنسان فاقدَ البوصلة إلى إعادة ترتيب الذات،مُرمِّماً خرائبها، متجاوزا هزائمها، معيدا بناءها دون انتظار ما لن يأتي ...

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

.....................

هوامش:

1- يمكن التوسع في الموضوع من كتاب نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية، لنبيلة إبراهيم سالم، النادي الأدبي الرياض، 1980.

2 - أفروديت في الأسطورة اليونانية آلهة للحب وللجمال وللشهوة وللإنجاب، وقد عُني بها الأدب العربي والغربي على السواء .

 

تفاعلا مع النقاش الذي أثارته أطروحة جامعية تقدم بها باحث مغربي لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع "بلاغة الخطاب السجالي عند عبد الإله بنكيران"، ارتأيت أن أقدم بعض التوضيحات المرتبطة بالبلاغة وتحليل الخطاب، أملا في المساهمة في رفع الحُجب الذهنية التي جعلت القول مطلوقا على عواهنه في هذه القضية، وستجعله مطلوقا في قضايا مماثلة أخرى من الــمُحتمل جدا الوقوف عليها في المستقبل.

ففي المقام الأول، لا يمكن حصر البلاغة في فهم ضيق يجعل منها صفة إيجابية للكلام البليغ فقط. فقد فهم الكثير من المتفاعلين مع القضية المذكورة أن الحديث عن البلاغة عند "فلان"، يعني أن هذا "الفلان" متمكن من فنون الكلام، وله دراية واسعة بالفصاحة وأساليب الاستمالة، وبالتالي سيكون كلامنا حوله تقريظا وتنويها بما يملكه من مهارات لغوية . فصحيح أن هذا الاستعمال يتردد أحيانا في كتب البلاغة حين يكون الحديث عن صفة الكلام البليغ، كأن يُقال: " إن فلانا بليغ، أو صاحب بلاغة "، غير أننا سنجانب الصواب إذا جعلنا هذا الفهم يطابق (أو يختزل) جميع استعمالاتنا لكلمة "البلاغة"، وحاكمنا به الباحثين في تحليل الخطاب الذي يستعملون "البلاغة " للإشارة بها إلى نظرية عريقة تبحث في وسائل الإقناع والتأثير (البلاغة العلم) وتُستثمر آلياتها بأفق تحليلي - إجرائي يروم تفسير فعالية الإقناع داخل الخطاب .

فما يجب الانتباه إليه، هو أن البلاغة أضحت تنشِّط، وبقوة، حقول تحليل الخطاب، وتُستعمل إجراءاتها التحليلية للبحث في بنية الخطابات المؤثرة . وهذه الواجهة التحليلية للبلاغة ليست وليدة اليوم، ففي أصولها اليونانية مع أرسطو كانت وظيفتها الأساس مساءلة الخطابات الإقناعية وتحديد آلياتها ووسائلها، وفي جزء واسع من التأليف البلاغي العربي القديم (مع الجاحظ وابن وهب الكاتب وحازم القرطاجني ...)، نجد ربطا واضحا بين البحث البلاغي وتفسير البناء الإقناعي للخطاب، وذلك عبر التنظير والتحليل والمقارنة بين أنواع الخطاب، وفي الفترة المعاصرة شهدت البلاغة طفرة نوعية في مجال التحليل الحجاجي، وأسهم باحثون كثيرون في تجديد مناهجها وإغنائها بالحقول المعرفية المجاورة، وفتحها على عالم الخطاب المؤثر بمختلف أنواعه (الإشهار – الخطاب السياسي – الخطاب الديني...) . وتبعا لهذه السياقات المعرفية، صار التحليل البلاغي للخطاب يمثل البديل العلمي للتحليل الإيديولوجي أو التحليل العاري عن الأسس العلمية .

فإذا اتضح أن البلاغة تعني ما ذكرنا في مجال تحليل الخطاب، يمكن لنا أن نميز بين هذا الفهم وبين أفهام أخرى لها، كالفهم الذي يعني بها الصفة الإيجابية للكلام (الجمال والفصاحة)، أو الفهم الذي يرى فيها وسيلة لتحليل النص الأدبي والكشف عن جماليته، أو الفهم الذي يحصرها في الوجوه الأسلوبية المدرسية المرتبة في الأبواب المعروفة: المعاني والبيان والبديع .

وإذ نعود إلى الأطروحة الجامعية المذكورة، ونحن لم نطلع إلا على عنوانها فقط، نتبيَّن (من خلال العنوان دائما) أن الباحث اختار أن يسائل بلاغيا، وبالفهم التحليلي المذكور (ومن داخل مجموعة بحثية علمية تهتم بتحليل الخطاب "وحدة البلاغة وتحليل الخطاب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان")، الخطاب السجالي – السياسي عند رئيس الحكومة المغربي السابق عبد الإله بنكيران . ولعلم جميع القراء، فإن هذه الشخصية السياسية المثيرة للجدل كانت تثير بخطاباتها الشفوية التي تُلقى باللغة العامية المغربية عادة الكثير من الجدل في الصحف والقنوات الإذاعية ووسائل التواصل الاجتماعي والشارع العام . بل إن بنكيران كان يستطيع حشد الآلاف من المتابعين والموالين له في خُطبه العمومية، ويستطيع أحيانا إقناع شريحة مهمة من المتابعين والهتمين بقرارات حكومته، وقبل كل هذا، استطاع بخطبه وتصريحاته وسجالاته مع خصومه، أن يغير المشهد الانتخابي في المغرب لصالح حزبه الإسلامي .

ولأن أمر خطابات الرجل بهذه الصورة المثيرة للجدل، فإنني أتصور أن الباحث اختار متنا مناسبا جدا لدراسة البنية الحجاجية للخطاب في المشهد السياسي المغربي . لأن البلاغة التحليلية بنت الحياة، وتتابع ما هو لافت للنظر ومؤثر في الفضاء العمومي . فما الفائدة في أن ندرس خطابا مغمورا وغير مؤثر ونجعله موضوعا لأطروحة جامعية؟ إن البلاغة، وبحسب التجربة الغربية الناجعة في هذا الميدان، تتابع ما هو مؤثر في الحياة والفضاء العام، وتعمل على كشف منطقه وقيمه .

وحين نقول إن الأمر يتعلق بالدراسة والتحليل، فذلك معناه أن هذا المتن سيكون هدفا للمساءلة العلمية، وبعيدا عن كل تجريح أو قذف أو تنقيص من الشأن . وإذا افترضنا أن البحث سيخلص إلى نتائج تقييمة لخطابات بنكيران، من قبيل أنه يغالط أو يستعمل النصوص الدينية بطريقة معيبة ومغرضة، فإن ذلك لن يكون منفصلا عن الاستدلال العلمي الصارم.

وبعد كل هذه التوضيحات، نصل إلى القول: إن اللغط الذي أُثير حول عنوان هذه الأطروحة الجامعية لم يقم على تفسير علمي واضح، بل انطلق من مقدمات خاطئة، من قبيل الفهم الخاطئ للبلاغة، والاعتقاد بأن التحليل البلاغي يتناول حصرا المتنون الأدبية وخُطب الشخصيات التي تحظى بالإجماع القومي.. والحق أن هذه المناسبة فرصة لفتح نقاش حقيقي حول تحليل الخطاب وسبل نشر ثقافته في أوساط المثقفين خاصة، حتى تزول الكثير من الأوهام المتكلسة في الأذهان، ويتناقص الكلام المتسرع في قضايا تخصصية دقيقة .

 

حسن الطويل

 

فالح الحجيةاما قصيدة النثر فهي القصيدة الجديدة اوالطارئة على العربية والتي يأمل شعراؤها بانها ستكون القصيدة العالمية .

فقصيدة النثر جاء في تعريفها:

(هي قطعة نثرية موجزة بما فيه الكفاية موحدة ومضغوطة اشبه بقطعة بلور ناصع . فهي خلق حر ليس له ضرورة الا رغبة الشاعر في بنائها، خارجا عن كل تحديد وربما تكون شيئا مضطربا الا ان ايحائياتها لا نهائية اي انها مفتوحة).

ولقصيدة النثر موسيقاها الخاصة وايقاعاتها الداخلية التي قد تعتمد على الالفاظ الشعرية وتتابعها وصورها الشعرية تكاد تكون متكاملة وقد قال فيها الشاعر الشاعراللبناني انسي الحاج واحد شعراء قصيدة النثر:

(لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الايجاز والتوهج والمجانية) .

فقصيدة النثر شكل أدبي جديد معاصر وجد ت مجالها الواسع في مجال الشعر ويتسع هذا المجال كلما تقدمت وتطورت الحياة فهي قد تحقق الدهشة أو الصدمة في التعبير المستجد المستحدث وهذا متوقف على امكانية الشاعر في التقاط رؤيته المثالية وصياغتها في بنية جديدة، قوامها الصور والرموز الشعرية غير الموغلة في الابهام والتوهج المنبعث من التركيب اللفظي وكيفية استخدامه في التعبير وجماليته من حيث الانتقاء والبيان اللغوي.

وإشكاليات قصيدة النثر العربية تبدأ من مصطلحها حيث إنَّ كثيرا من النقاد والباحثين كانوا لا يميزون بينها وبين الشعر الحر- اول الامر - حتى أنَّ بعضهم أخذ يتحدث عن ريادة الشاعرة العراقية نازك الملائكة لها في حين أنَّ الشاعرة والناقدة المذكورة كانت من أشد خصوم هذه القصيدة وكانت تعتبرها نثرا .

أما علاقة قصيدة النثر بنموذج الشعر المنثور الذي ظهر في النصف الأول من القرن العشرين، فهو محل إشكالية أخرى حيث يذهب قسم من النقاد والذين يميلون الى تفضيل القصيدة العمودية إلى أنَّ الاثنين – شعرالتفعيلة وقصيدة النثر -لا يعدوان أن يكونا تسميتين لنمط كتابي واحد بينما يرى آخرون أنهما جنسان مختلفان كل الاختلاف، لأنَّ لكل منهما خصائصه واميل لهذا الراي واعتبره الرأي الصحيح.

وربما يعد الايقاع اشكالية أخرى من إشكاليات قصيدة النثر، إذ يرى كتّابها أنَّ لها إيقاعا خاصا ويفضلونه على إيقاع القصيدة العمودية القائم على الوزن والقافية، فهؤلاء وهؤلاء في خصومة مستمرة .

ويعتبر الشعراء جبرا إبراهيم جبرا،و توفيق الصايغ،وأدونيس، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج، وسركون بولص، وعزالدين المناصرة وسليم بركات،وعبد القادر الجنابي وسلمى الخضراء الجيوسي، رواد قصيدة النثر عند نشوئها في القرن العشرين.

ومنها هذه السطور الشعرية للشاعرة المغربية فاطمة المنصوري:

ايقظت مارد شعري

في حدائق بابل السندسية

بين رياض غرناطة

ترانيم اندلسية

للعشق حكايات هناك

ترم عظاما بالية

في قصورالحمراء

وبغداد العربية

اندلسية ام غجرية

بلكنة قرمزية

ومواويل عربية

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح (قصيدة النثر) قد اكتسب شكلا ادبيا معروفا ورسوخا يكاد يكون ثابتا، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهي الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد، والصورة الخلابة، واللفظ المنغّم لتستقي جماليتها منه . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم التقليدي (التقييدي) وكذلك على نغم الألفاظ، وجمال الصورة، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد يعتبره البعض في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر .

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فهو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد والنفس الحار والخاطر المشحون وبما يحقق جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فهي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي .

فقصيدة النثر انتشرت انتشارا واسعا في السنوات الاخير ة بين الشعراء الشباب واخذ يكتب فيها كل من هب ودب الا ان بعضها تميزت برمزيتها الخانقة وغلوائيتها الممجوجة لدى البعض وعدم مفهوميتها الا ما ندر وما دعوت اليه في كتاباتي – مع اني اميل الى القصيدة العمودية وافضلها واعتبرها الاساس في الشعرالعربي ثم كتاباتي الشعرية في دواويني الشعرية كلها من القصيدة العمودية - هو سهولتها وقربها من المتلقي ليفهم ما تسمو اليه في قصدها والغرض الذي قيلت فيه لاحظ قولي في احد تجاربي لكتابة القصيدة النثرية :

افيقي .. افيقي ..

ذات المكحل الاخضر

في بلدتي عرس

اوحى به النجم

اهتزت له الدنيا

وليل الحب مسروج

وغنت اغنية الشوق

نخيل في البساتين

وغنت سدرة الشارع

بصوت شبه محزون ----

مع العلم اني شاعر من شعراء قصيدة العمود الشعري ولدي العديد من الدواوين المنشورة فيها لكني ارى في بعض قصائد النثر روعة وبيانا وجمالية الا ان هذه القصيدة لازالت تكتنفها الغلوائية والابهام الذي يعبره شعراؤها سمة خاصة بها وخاصة بعد ظهور الانترنيت والفيسبك من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الاعلام ووسائل النشر المختلفة التي انارت دروبا وسبلا كثيرة وفسحت المجال للنشر لكل الاخرين وحطمت بعض الابراج المتعالية والتي كان بعضها اجوفا . ومن سلبيات هذه القصيدة ايضا ان اختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين وكلٌ يقول انا اكتب شعرا او اكتب نثرا اذن انا شاعر .

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر هو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا - والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة - واعني قصيدة النثر- متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري الذي يماثل (البيت الشعري في القصيدة التقييدية) وحدة متكاملة مع بقية سطور القصيدة فلا سطر يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات :

تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة وفاعلة فيها .

فقصيدة النثر: تؤلف عناصرها من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد ،وامكاناته الشعرية في سياقاتها نحو نمط الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية، وبنية التراكيب، وقوة التخييل،و وحدة الرمز الا ان هذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة – قصيدة النثر - ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبان الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته بحيث يبقى يفضلها على سواها في كل الاحوال ويردد مع نفسه ما يحفظ من ابيات فيها في بعض الاحيان او ينشدها .

وهذه الحالة يكتنفها في بعض الاحيان او في الاغلب تيار رمزي جارف يقوم على اعتبار الشعر كتابة إبداعية مادتها اللغة، وهذه الكتابة هي عمل ابداعي نابع من اللغة حيث يخلق منها كيانا ذاتيا يختلف عن لغة التعامل اليومي اوعن لغة المنطق الظاهري، يتفاعل معه الفكر الشعوري بالتداعي الحر مشتركا بتيار الأحلام النفسية المنبثقة من نفسية الشاعر ذاته ويهدف إلى ايجاد معان جمالية مبتكرة لها قابلية تغيير الاحوال نحو الافضل في التعامل مع الموروث التاريخي واللغة المقال فيها هذا الشعر، وتحرير الطاقات الكامنة لدى الشاعر تحريرا شاملا يدخل من خلالها الى الطاقات الشعرية الذاتية اوالنفسية والبواعث الانسانية الاجتماعية.

تقول الشاعرة التونسية رحيمة بلقاس في احدى قصائدها النثرية من ديوانها الموسوم (للزوابع اصابع تنحتني :

(هوس التفرد)

امسك قلمي المتعثر بالحزن

اصلبه على حجر الصبر

اتنفس

اناملي متعبة

عبق السحب المنتشية

زخات الندى تبللني

فيح زهر

افتقد طعم الحلم

ياظل الموج

هذا ندى الضوء الساري

قلبي العاري هو نغمة صبح

قرص عباد الشمس يبتهل

النجم يتكئ على شجرة الحب

هبوب النسائم خصلات

سبائكها ذهبية

على لوحة ايام

بلا خريف

تتعاقب فصول تخبئ

حظنا دافئا

لمطر صيفي

يتعاقب الاخضر والازرق في عيد الامنيات

لعائدة من الافق القريب

تلعن الدمع في صفرة خريف يقضي

ليقين

تستوي جمرات لوني

تلتمس عبر جسرها دربي

جتفي احمله جثة الورد

صمتا ثلجيا يعمد الصوت

مطل في صرح عاصفة هوجاء

***

بقلم: د. فالح الكيـــلاني

 

نور الدين صموداللغة كائن صوتي حي ينشأ ويسلك طريق النشوء والارتقاء، ويحيا بَعضُه وينمو تدريجيا حتى ينتشر، بينما يضمحل بعضه الآخر شيئا فشيئا حتى يندثر،  وقد يُبعث بعضه من جديد فيعود إلى الحياة، وقد تزدهر لغة من اللغات بحكم ازدهار أصحابها، وقد تموت لغة بكاملها بسبب ضعف المتكلمين بها، وتأخذ مكانـَها لغة ٌأخرى متولدة عنها، وربما ذاب أصحاب اللغة التي ضعفت بحكم ضعف ذويها واستبدلوا لغتهم بلغة الغالب المنتصر.

هذه اللغة العربية الفصحى التي نستعملها اليوم هي التي كتب بها أدباؤنا القدماء أدبهم منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، وما زال يكتب بها شعراؤنا وكتابنا شعرهم ونثرهم إلى الآن بنفس الألفاظ والقواعد والأساليب، إلا أنهم تركوا بعض الكلمات العويصة التي هجروها لأسباب كثيرة فماتت وعوضوها بغيرها من مرادفاتها المألوفة المأنوسة، فالأدب، سواء كان شعرا أو نثرا، يجب أن يكون مكتوبا بلغة واضحة يفهما الخاص والعام ممن لهم إلمام باللغة التي يـُكتب بها ذلك الأدب، لأنه ليس شقشقة لفظية من النوع الذي قال فيه أبو العلاء المعري: "(كأنه رحًى تطحن قرونا، تسمع جعجعة ولا ترى طِحنًا)، فالأدب روحٌ جسمه اللفظ، ونحن نميل إلى الجسم اللطيف الخفيف الظريف.

وقد كان بعض مَن ليس لهم حسٌّ أدبي أن تستعمل غريب الألفاظ يُكسب النص الأدبي شاعرية زائدة ويرفع من قسمته الأدبية، وهذا خطأ محض وادعاء باطل، ولتأكيد هذا الكلام أذكر ما روي عن صفي الدين الحلي، عندما وقع ديوانه في أيدي بعض قرائه من المغرمين باللغة الصعبة والألفاظ القليلة الاستعمال، فقال عنه: "لا عيب غيه إلا أنه يخلو من الألفاظ العويصة" أي الصعبة، فرد عليه بقصيدة نكتفي بذكر أبياتها الأولى:

إنما الحــيـزبـــون الــدردبـــيـــــسُ

والطـَّخَا والنـّـقـاحُ والعـلـْــطـَبـيــسُ

 

والسبنتـَى والحقصُ والهٍَـيْقُ والهِِجْــ

         

ــرِسُ والطــرفـسـانُ والعَـسَـطـوسُ

 

حـيــن تـُرْوَى, وتــشــمَـئزُّ النـفوسُ

 

وقـَـبيـحٌ أن يُذكـَرَ النــافــــرُ الوحْــ

ــــــشيُّ منها، ويُـتـْـركَ المــأنـوسُ...

 

درسَــتْ تـلــكـــمُ اللغاتُ وأمـسَــى

مَـذهـبُ النـاسِ مـا يــقـول الرئيـسُ

 

إنــمــا هـــذه الــقـــلــــوب حـــديـدٌ ولــذيـــذ ُالألــفـــاظِ مِــغــناطـيـسُ

  وواضح أن هذا الشاعر قد جمع تلك الألفاظ القليلة الاستعمال وسردها سردا في نظمه دون أن تكون لها صلة معنوية ببعـضها في شعره، وهي ألفاظ قلما استعملها القدماء في كتاباتهم لأنها غير مألوفة واستعملوا مرادفاتها المفهومة، فقد اكتفوا من الألفاظ التي حشدها هذا الشاعر في مطلع قصيدته بـ"العجوز"عن الحيزبون، و"بالداهية" عن الدردبيس، وبـ"السحاب" عن الطخا، وبالماء عن النـّقاخ، وبكلمة أخرى عن العلطبيس التي لم يعرف لها المحققون معنى لأنها قد تكون محرفة أو مصحَّـفة عن كلمة أخرى لها معنى، واستغنوا كذلك  عن السبَنتـَى بـ"الأسد" أو أحد أسمائه الكثيرة الأخرى مثل: الليث والهزبر والغضنفر والأغلب والفدوكس، وقد سمي في القرآن الكريم بالقسورة، في سورة المدثر: 'كأنهم حُمُرٌ مستنفرة فرت من قسورة".

ولست في حاجة إلى شرح بقية الكلمات التي ذكرها صفي الدين الحِلـّي لإقناع مَن نقده بأن العبرة بالمعاني الشعرية الجميلة لا بثوبها الفضفاض أو بجسمها المترهّـل الخالي من المعاني الشعرية، ولم تكن تلك الكلمات غير ألفاظ متنافرة دالة على أشياء لا ترابط بينها، أما الشاعر التونسي محمود قابادو فقد بلغه أن أحمد فارس الشدياق - وهو مسيحي اعتنق الإسلام وجاء إلى تونس وأقام فيها وأشرف على جريدة (الرائد الرسمي) التي كانت جريدة تنشر الأخبار والأشعار، وأصدر كتابا سماه(الجاسوس على القاموس) نقد فيه معجم (القاموس المحيط) للفيروز أبادي، وأشاع بين الناس أنه لا يحتاج، في فهم أي كلمة، إلى القواميس - فأرسل إليه محمود قابادو عدة أبيات لم يكتف فيها بجمع الألفاظ العويصة كما فعل صفي الدين الحلي، بل عبر بتلك الألفاظ عن معان يفهمها من يعرف معاني تلك الكلمات، وقال لمن أرسلها معهم: "اطلبوا منه أن يشرحها لكم  دون أن يبحث عن معانيها في المعاجم" وهذه هي الأبيات:

 لمّا رُمِي بالقطنجوبِ تـَقـَعْـقرتْ

 شُرخافتاه ففاض بالـخَـرْبَـعْـطـَلِ

 

فــكـأنـه، والبُـجْـفـُطانُ تـَنـوشـًه،

 فـَرْغـَـنـْبَسٌ يعدو على مستعْـبَـلِ

 

 أو كشمَـسٌ في شاسِـنٍ أو شادنٌ

 جمُّ الميامِنِِ في صدور الضرقلِ

 

هذه هي رواية الأبيات كما حفظتها منذ أوائل الخمسينات، ولها رواية أخرى في بعض ألفاظها وفي مَن قيلت فيه، والمهم أن معظم ألفاظها  أصبحت مهجورة بل ميتة، ويمكن أن نشرحها ارتجالا، فقد فيلت في فارس خاض معركة حربية فضُرب بالرمح فأحدثت له الضربة خرقا كبيرا في خاصرتيه ففاض بالدم، فأصبح، والنسور تنهشه، يشبه أسدا يعدو على نمر إلخ إلخ ولو أراد ناظم أن ينظم نفس معنى البيت الأول بألفاظ مفهومه لأمكن أن يقول مثلا:

لما رموه بالرماح تـخـرّقــتْ **منه جوانــبـه ففاض نـجـيعُهُ والنجيع هو الدم الذي يَحسُنُ استعماله في الشعر خاصة دون النثر.

 لقد تطورت جميع لغات العالم بمرور الزمان والبُعد عن مكان نشوء تلك اللغات، فماتت اللغة الأم لظهور لهجات مختلفة متولدة عنها، ون أشهر الأمثلة على ذلكَ اللغةُ اللاتينية التي كانت سائدة في كافة أنحاء أوروبا، ثم تولدت عنها اللهجة الفرنسية واللهجة الإيطالية واللهجة الإسبانية واللهجة البرتغالية، وظلت البلدان التي نشأت فيها تلك اللهجات تستعمل اللغة اللاتينية الأم، في مكاتباتها ومخاطباتها واجتماعاتها الرسمية وخطبها في المحافل، وتستعمل اللهجة الشائعة في كلامها اليومي، ثم أحسَّ أهلُ تلك اللهجات ببُعد لغتهم الأدبية التي تساوي (الفصحى)عندنا، عن لهجتهم التي يستعملها الجميع، ثم نبغ بينهم من كتبوا  بلهجتهم الجهوية شعرا راقهم، فكان سببا في القضاء على اللاتينية وإحياء لهجاتهم المحلية، خاصة عندما كتب (دانتي الليجيري) رائعته (الكوميديا الإلهية) فأصبحت فاتحة للأدب الإيطالي الذي انْبتّ وانفصل عن اللاتينية، وقد وقع في إسبانيا مثلُ ذلك عندما كتب (سيرفانتس) قصته "دون كيشوت" وصواب نطقها في لغتهم"دون كيخوت" لأننا نقلنا نطقها عن الفرنسية التي لا يوجد فيها حرف الخاء. ووقع مثل ذلك في اللغة الفرنسية ومن أشهر شعرائهم الذين كانوا سببا في انطلاقها الشاعر الفرنسي(فيلـّون أو فييُّون) في أشعاره الفرنسية القديمة، ولم يبق، ممن يكتب باللغة اللاتينية إلى جانب الكتابة بالفرنسية التي انبثقت عن أمها اللاتينية، إلا القليل مثل الشاعر الفرنسي المعاصر (مارسيل بانيول)، وقد وقع مثل ذلك بالنسبة إلى اللغة البرتغالية ذات الأصل اللاتيني، وأصبح أبناء تلك الأقطار كلها لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم بلهجاتهم التي بعدت بعدا كبيرا عن لغتهم التي اشتـُقـَّت من اللاتينية  بعد هذا القوس الذي فتحناه للحديث عن انفصال تلك اللهجات عن لغتها الأصلية، يتبادر إلى الذهن سؤال يطرح نفسه - كما يقول المحدثون - وهو: "هل يمكن أن يقع مثل ذلك بالنسبة إلى اللغة العربية؟ فقد تطورت اللهجات المنبثقة عنها من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي أو الفارسي(نسبة إلى مكان وجوده لا لملكيته)، وقد قفزت إلى ذاكرتي قولة قالها أمير الشعراء أحمد شوقي، عندما شاعت أشعار محمود بيرم التونسي باللهجة المصرية "وملأت الدنيا وشغلت الناس" كما قال ابن رشيق عن المتنبي،  وقولة شوقي هي: (إني أخاف على العربية من بيرم) وهي كلمة تدل دلالة كبرى على أن ظهور شعر رفيع المستوى في أي لهجة من اللهجات قد يكون سببا في القضاء على اللغة الأصلية التي انبثقت عنها تلك اللهجة، كما وقع بالنسبة للهجات التي انبثقت عن اللاتينية، فهل يمكن أن يقضي شعر بيرم في مصر وشعر أمثاله في بقية الأقطار العربية على اللغة العربية الفصحى؟ خاصة ونحن نرى شدة اهتمام أشقائنا في الخليج العربي بالشعر الشعبي الذي يسمونه ـ"الشعر النبطي" ونسميه في تونس بـ"الشعر الملحون"، كما سماه ابن خلدون في المقدمة، هل يمكن أن يوجد في لهجة كل قطر من الأقطار العربية (دانتي الليجيري) وملحمته(الكوميديا الإلهية) و(سيرفانتس) وقصته البديعة (دون كيشوت) و(فينلون) وأشعاره المؤسسة للهجته التي أصبحت لغة فرنسية...  وغيرها لغيرهم؟.

 لا خوف على اللغة العربية من الاضمحلال وإحلال لهجات الأقطار العربية محلها ليصبحوا يَكتبون بها الشعر الرسمي الرفيع، وذلك لأسباب أهمها أن اللغة العربية الفصحى قد ظلت اللهجات المحلية قريبة منها في جميع الأقطار بحيث يسهل التفاهم بين أبناء جميع الأقطار بلهجاتهم، أو بالاقتراب من اللغة الفصحى، وهو أمر يسيرٌ في متناول الجميع تقريبا، وأكبر حافظ للغة الفصحى من الذوبان في اللهجات العربية المحلية هو القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يتخلى العرب والمسلون عن لغته التي يفهمونه بها، وظلوا يتلونه ويدرسونه بها وظل المسلمون الذين لا يجيدون العربية، مثل الأتراك الذين كانوا أحسن من كتبوا القرآن رغم عدم فهمهم له في لغته، ومثل الفـُرس الذين أدخلوا من لغته في لغتهم كثيرا من الألفاظ، ومثل بقية البلاد الإسلامية مثل الباكستان وأفغانستان وغيرها كثير، وكثير منهم تعلمها ليتمكن من فهم بلاغة القرآن وإعجازه في لغته، فكيف يفرط أهلها فيها ويفكرون في تعويضها بمشتقاتها من اللهجات، ونحن نعلم أنه إذا حضر الماء غاب التيمم كما يقول الفقهاء.

 

أ د : نورالدين صمود

يتجه مفهوم "يوتوبيا " Utopia"بالإنجليزية، οὐ τόπος)  توپوس باليونانية) إلى معنى "لا مكان" أي: المكان الخيالي المتخيل الطيب. بل إن اليوتوبيا " أفكار متعالية تتجاوز نطاقَ الوجود الماديّ للمكان، وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المحقَّقة، ويكون لها تأثير تحويليّ على النِّظام الاجتماعيّ القائم:".  وثمة مفاهيم مقاربة للمعنى من مثل: أدب المدينة الفاضلة، والطوباوية، والمثالية التي تؤدي الغرض ذاته.

هذا، وقد شاعت دراسات ومؤلفات عديدة غربية وعربية حول فضاء اليوتوبيا؛ فقد ألف توماس مور (1516) كتاب باسم "يوتوبيا" ترجمة أنجيل سمعان، وكان أول من استخدم التعبير أرسى فيه صور  دولة مثالية يتحقق فيها الخير والسعادة للناس وتمحى الشرور، وهي فكرة العالم المثالي والفردوس الأرضي والصورة المثلى للدولة- الجزيرة الجديدة. ثم أصبحت الكلمة تصف كل عمل أدبي أو فلسفي بخصوص المدينة الفاضلة. ومن أشهر كتب اليوتوپيا كتاب "الجمهورية " (أفلاطون) و قد اتخذها أفلاطون رمزا لمدينته الفاضلة الخالية من العيوب والنقائص، و"المدينة الفاضلة" للفارابي و" مدينة الرب " ل سانت أوغسطين، و" مدينة الشمس " ل كامبانلا  (1623)، و" أتلنتس الجديدة " ل فرانسيس بيكون (1627)، و" يوتوپيا حديثه " ويلز،  إضافة لقصص و روايات لها طابع يوتيبيا مثل "يوتوبيا" رواية اجتماعية للكاتب المصري أحمد خالد توفيق (2008(.

والسؤال البؤري: لم يلجأ الأديب إلى التصوير المجرد للفكرة المثالية؟ هل يعد ذلك باعثا لهروب الذات من الواقع المربك والكابوسي والعنيف أيضا ؟ هل هي نزعة تفاؤلية في حصول المرغوب أي المفقود داخليا وخارجيا؟ هل هو تمثيل تخيلي فلسفي وانعتاق من شكلٍ ومعنى للحاضر المستهلك والمخشّب ؟ لماذا هو دائم البحث عن اللانهائي نزوعا إلى الخلود ؟ لماذا يفتقد القارئ العربي خاصة تلك النصوص الشعرية التي تبحث في فضاء اليوتوبيا – المكان/ الفكرة ؟

إن نزعة التشاؤمية المغرقة قد طغت على جمهورية النص الشعري، على الرغم من إمكانية التبشير بنص اليوتوبيا الخلاق؛ إذ نجد إرهاصاته في التراث الديني (الجنة - الفردوس) ونتعثر به أيضا في شعر الطبيعة، كما يمكن البحث عنه في الشعر الصوفي، والشعر الوطني الذي يقوم على توصيف الوطن بأبهى الأوصاف. إن غياب نص اليوتوبيا عن جسد الشعر الحديث لهو جدير بالبحث والتمحيص.

غير أن المستقبل حين يستجلي المدونات الشعرية يجد ملامح من هذا النص، ولا أقول كيان النص المتجسد معنى ومبنى؛ ففي معرض الحديث عن جمالية الطبيعة الأندلسية نستمع إلى  ابن خفاجة واصفا الأندلس بحيث تشكل معادلا فنيا ونفسيا للجنة:

يا أهل الأندلس لله دركم      ماء وظل وأنهار وأشجار

ماجنة الخلد إلا في دياركم    ولو تخيرت هذا كنت اختار

ومن نماذج الشعر الصوفي قول محي الدين بن عربي الذي يوازي بين قلبه والجنة؛ لأن الله موجود فيه

ما جنة الخلد غير قلبي           لأنه بيتُ من يدومُ

فالمكان اليوتوبي هو الجنة وهو القلب سواء بسواء، وإذا خلا القلب (مكان الفكرة الصوفية) من خالقه فهو أيضا مكان الجحيم :

وإن أيضاً عذابُ حجبى       عذابنا المؤلم الأليم

يقفز نص محمد إقبال الهندي الأصل ليتبوأ مقعده في رسم معالم المكان المثالي في الآخرة وهو ينطلق في رؤياه من وجهة نظر أيديولوجية دينية بعيدة عن المتخيل الفلسفي للمكان؛ فيلغي المكان لصالح صاحب المكان وخالقه، فيقول :

أنا روح الله أسعى نحوه   رغبا أو رهبا أو ولهاً

ما لنار أو نعيم أنتهي       بل إلى ربك فيه المنتهى

وحيث إن الرومانسي يجد مكانه الطوباويّ في الريف، فقد أفرغ جبران معانيه على الغاب، وأسبغ عليه رؤاه ظاهرة وباطنه في مقابل المكان المعادي وهو المدينة المادية موظفا علامة (الناي) الذي يمنح الوجود السحر ويكشف أسراره المخبأة

أعطني الناي وغن    فالغنا سر الوجود

وأنين الناي يبقى    بعد أن يفنى الوجود

ومثله حاول أبو ماضي أن يفعل حين نشر قصائده التفاؤلية التي تظهر الوجه الأبيض المشرق للعالم، وإن ظلت قصيدة الطلاسم تسيطر على روحه ووجوده ونهايته الاحتمالية .

في الشعر الحديث يتراءى  نص "يوتوبيا" عند الشاعرة العراقية نازك الملائكة مكانا مثاليا متخيلا مكان اللامكان أي الذي لا وجود له في واقع الشاعرة الأليم، تعرج الشاعرة على توصيف المكان جماليا وحلميا تحيا فيه حياة خلود، وتفنى فيه فناء الصوفي بالذات الإلهية، وينطلق الفكر في تهوماته اللانهائية الجمال:

ويوتوبيا حلم في دمي        أموت وأحيا على ذكره

تخيلته بلدا من عبير         على أفق حرْتُ في سرّه

هنالك عبر فضاء بعيد       تذوب الكواكب في سحره

يموت الضياء ولا يتحقق    ما لونه ما شذى زهره

هنالك حيث تذوب القيود    وينطلق الفكر من أسره

وحيث تنام عيون الحياة     هنالك تمتدّ يوتوبيا

تنتشر دوال النص لتشكل يوتوبيا المكان المتخيل المفقود(حلم، فضاء، لا تحقق،) غير أنه مكان يشكل نزعة تعويض ومعادل فني وطوباوي لعالم الشاعرة الداخلي، وليس المكان وحده يتسم بالمثالية بل سكانه أيضا، حيث تضفي عليه وعلى سكانه نضرة الشباب وامتداد الربيع الذي يظلل سكان يوتوبيا تقول:

هناك يظل الربيع ربيعا      يظلل سكان يوتوبيا

تصحو الذات الشاعرة من حلمها لتفزع المتلقي بصدمة شعرية مربكة، حيث تستيقظ من حلمها البعيد لتجد اللامكان أو المكان المفقود:

على حلم صارخ وأخيرا  صحوت ولم أر يوتوبيا

تستمر رحلة الضياع الداخلي لتحاول تعزية النفس ولو بخيال يشبه طوباوية المكان المتخيل، وتظل طاحونة السؤال السندبادي ترواح النص مؤملة فك لغز هذا المكان:

وأسأل حتى يموت السؤال    على شفتّي ويخبو النشيد

وعلى الرغم من مأساوية المشهد تظل تحلم بتحقق هذه الفكرة التجريدية حتى بعد الموت 

وحين أموت..أموت وقلبي       على موعد مع يوتوبيا

دقائق...ثم أخيب وأهتف        لا شيء يشبه يوتوبيا

وأخيرا، هل كتب شعراء العصر الحديث نص اليوتوبيا ؟ فيما يلوح لي أنّ الشعر الحديث قصر بغير قصد، أو لم يتلفَّت إلى تلك المثالية إلا ومضات أبرقت في نصوصهم، ولكنها لم ترعد ولم تمطر، ولعل في هذه المقالة إضاءة للشعراء يترسموا ظلال المكان الطوباويّ، ليس هروبا من واقع الحروب والاستبداد السياسي والقَبلي، وليس نزوعا للتقليد، بل قناعة بوجود هذا المكان وتحققه يوما ما في واقع الشاعر الملتزم؛ يحبه كوطنه، ويرنو إليه كمعشوقته، بل هو المكان –المصير .

 

د. خليل قطناني - فلسطين المحتلة

 

فالح الحجيةمن المفيد ان نحدد الفترة الزمنية للشعر المعاصر – طالما نتكلم الان فيه _ فنقول - وبالله التوفيق ومنه السداد - ان الشعر المعاصر هو امتداد لفترات شعرية قبله لا مفاصل بينها انما مر الشعرالعربي بسلسلة من التغيرات التجديدية مرورا مع الزمن المقال فيه بحيث اوجدت هذه التجديدية امورا تغيرت بنية الشعر فيها او في مسارها واوجدت انواعا جديدة للقصيدة الشعرية وقد شرحت سابقا كل هذه التطورات مع مرور الزمن الحادث وبسبب الحاجة الملحة لهذه النوعية من القصيدة او تلك او ناتجة عن نفسية الشاعر القائل لهذه القصيدة المعينة. واستطيع ان احدد الفترة الزمنية للشعرالمعاصر ابتداءا النصف الثاني من القرن العشرين او ابتداءا من البدء بكتابة قصيدة النثر في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي (القرن العشرين) فيما اراه على اغلب الامر .

الشعر الجيد هو الكنز الثمين والوجه الحقيقي للواقع الإنساني ولطالما حلم الإنسان به منذ أقدم العصور بأ ن يكون شاعرا او يولد شاعرا لذا استطيع ان اقول ان الشعر حالة روحية او نفسية تكتنفها العاطفة الانسانية الحقة و تتأ رجح بين التأمل والالهام والحدس والخيال وينتج عن موهبة غرسها الله تعالى في الشاعر فطورها فالانسان الحديث ربما كانت له حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي فهو غير الانسان العربي القديم الذي كان هائما في الصحراء ينشد الكلآ والماء ويتغنى بما يجيش في نفسه من مشاعر واحا سيس في حدود امكانيته وظروف طبيعته . فالإنسان العربي المعاصر ربما تعتريه حالة او مجموعة حالات ربما تكون متناقضة عن بعضها بما تمليه عليه نفسيته والواقع المعاش في الوقت الحاضر وتناقضات المجتمع الانساني المختلفة المحيطة به .

والشاعر الحقيقي هو هذا الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية ومشاعر مركبة ومعبرة عن طموحات نفسية ومدى تأثيرها في الاخرين و ابداعات خلاقة وطموحة . فالقصيدة الحالية تمثل كائنا حيا او هي أشبه بالكائن الحي بحيث يمثل شكل القصيدة او بنيتها جسده . ومضمونها روحيته فهي تمثل الصدى الذي تنبلج منه اسرار روحه الشاعرة واراؤه ممتزجة بعواطفه واحاسيه .

ومن المفيد ان ا بين ان الشاعر الحديث او المعاصر المطبوع شاعر تتمثل فيه غزارة الثقافة في امتدادات عميقة وكأنه وارث الحضارات كلها ومطلع على ثقافات الامم المختلفة . لذا اصبح متمكنا من استخدام مفردات اللغة لتصوير افكاره وارائه وعواطفه وخلجات او احاسيس نفسه دون تاثير من خارج او امر من احد و يرتكز على فلسفة عميقة غنية تحصنه من القول الضحل الفاني او الركيك الى القول العميق والرصين فهو اذن يمثل فيضا هادرا وتلقائيا للمشاعر النفسية القويَّةِ المنبثقة من اعماقه يَأْخذُ بها مِن العاطفة المتأملة المتجددة المنطلقة نحو الاسمى متألقة متناغمة تنشد وديمومتها والانتشاء فيها فهوالحب للانسان المثالي ونحو الافضل في توليده للافكار والابداعات الشعرية الجميلة والمتسقة ومحاولة خلقها من جديد . وأهمية الشعر تتجلى في قدرته على تغيير حياة البشرنحو الاسمى والافضل فالشعر يمس وجدان كل انسان يقرأه فيصبح اشبه بقطرات مطر مكونة غيثا يعيد الحياة الى الارض الميتة فتزهو وتزدهر .

ويمكننا من تعريف الشعر المعاصر على انه هو الشعر الذي كتب في الزمن الذي يعاصر القراء او الذي يعاصرنا . وصفة المعاصرة تدل على مرحلة بعينها في حياة الشعر الحديث وهي المرحلة التي نعاصرها او التي نعيشها الان دون اعتبار إن كان الشاعر ميتا او لا يزال على قيد الحياة خلال فترة وجود هذا النوع من القصيد.

فالشعرالعربي منذ القدم اعتمد القصيدة التقليدية او(التقييدية) او العمودية الموزونة على احد البحورالخليلية الا انه بمرور الزمن والحقب الزمنية التي مرت على الامة العربية والتعايش مع الامم الاخرى اوجد نوعا من الانفتاح لدى بعض الشعراء الذين بعضهم من اصول غير عربية سميت بحركة التجديد كما في العصرالعباسي شملت الاسلوب في القصيدة الشعرية والمعاني الابتكارية فيها ثم تغير ثوب التجديد في القصيدة العربية فوجد التشطير والنهك في الاوزان الشعرية ثم وجد الموشح ثم انواع من القصيدة العربية جديدة اخرها قصيدة الشعرالحر (التفعيلة) ثم قصيدة النثر في اخر المطاف في الشعر المعاصر .- راجع كتابي (الشعر العباسي بين الكلاسيكية والتجديد)

فحركة الشعر العربي شهد ت فيما بعد نقلة استثنائية، حيث طال التغيير البنية العروضية للقصيدة العربية، مع حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة ويعتبر الشعر الحر الثورة الثانية على العروض الشعرية الفراهيدية شهدها تاريخ الأدب العربي اذا اعتبرنا ان الثورة العروضية الاولى تمثلت في الموشحات الأندلسية. والازجال وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في في النصف الاول من القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال ، وأدونيس. وصلاح عبد الصبور امل دنقل وامثالهم لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين على التوصيل فان حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة تحرص على تكسير هذا التقليد الموجود يتفاعل من إن الشعر خطاب إيحائي وترميز يتميز بكل دلائل الانزياح وكثافة المعنى وتعدد هذه الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة في بدايته اقتصد او قلل في كثافة الترميز فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في سماء ضيقة عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر يجرده من كل معنى فيه ورسالة له .وربما جاء ذلك بعد سلسلة من التأملات البديهية في ظل النكسات السياسية التي عاشتها الامة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ولد حالة من اليأس النفسي الثقافي والاجتماعي.

فالشعر العربي يرتكز الان على ثلاثة انواع من القصائد الشعرية كل منها ياخذ مسارا ويعده شعراؤه هو الافضل وهذه الركائز هي:

القصيدة العمودية: وهي الاصول الاصيلة للشعرالعربي فهي القصيدة التقليدية او التقييدية حيث انها مقيدة بالوزن والقافية او العروض وهذه القصيدة لايزال صداها قويا شديد الوقع على الاذن العربية في موسيقاها واعتباراتها وتعتبر القصيدة الاسمى والافضل في نظري وفي نظر اغلب المتلقين ومنها هذه الابيات:

وقفت العمر للاقصى وانـــــــي

على عهدي الى يوم المنون

.

الا يا زائرا للقدس خذ ني

الى الاقصى لكي احني جبيني

.

اصلي ركعـــــة لله اني

اتوق الى الصلاة فباركوني

.

من المنفى سرجت الخيل ات

لعاصمتي الى الصدر الحنون

والقصيدة الاخرى قصيدة التفعيلة او ما نسميه بالشعرالحر سمي بالشعر الحر لان اوزان قصيدته او تفعيلاتها حرة غير مخلوطة باخرى أي من جنس واحد وفعل واحد ووزن واحد وقد بنيت هذه القصيدة على احدى التفعيلات الحرة او احد البحورالشعرية الصافية النقية التالية:

1- البحر الوافر واصل تفعيلته:

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن .

 

2- الكامل: وأصل تفاعيله:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

 

3- الهزج وأصل تفاعيله:

مفاعيلن مفاعلين مفاعلين .

 

4- الرجز وأصل تفاعيله:

مستفعلن مستفعلن مستفعلن .

 

5- الرمل وأصل تفاعيله:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن .

 

6- المتقارب وأصل تفاعيله:

فعولن فعولن فعولن فعولن .

 

7- المتدارك (ويسمى الخبب أو المحدث) وهو البحر الذي تدارك به الاخفش استاذه الخليل الفراهيدي حيث ثبّت الخليل ستى عشر بحرا وجاء تلميذه من بعده ليتدارك في بحر اخلا اسماه (المتدارك)

وأصل تفاعيله:

فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن .

وتعتمد قصيدة الشعر الحر على السطر الشعري بدلا من الصدر والعجر اللذين تعتمد عليهما قصيدة العمود الشعري . فقصيدة الشعرالحر متكونة من العديد من السطور . و كل سطر مكون من تفعلية واحدة تتكرر فيه عدة مرات لا تقل عن واحدة ولا تزيد عن التسع تفعيلات في الاغلب لنفس التفعيلة فالقصيدة التي التزمت تفعيلة الوافر(مفاعلتن) مثلا يكون الوزن الشعري (البحرالوافر) للقصيدة وتكون اسطر القصيدة مكونة من نفس التفعيلة مذكورة في السطر الشعري مرة واحدة او اثنتان او ثلاث مرات الى تسع مرات ولا تزيد . فتكون موسيقى الشعر الحر ذات نسق موسيقي واحد لكل قصيدة الا ان هذه القصيدة - والحق يقال – اخذت تتضاءل في ظل قصيدة النثر واغلب كتابها تحولوا الى شعراء يكتبون قصيدة النثر لانهم يرونها الاسهل , ومنها هذه السطور:

صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحت الأسوار

المهدومة شعبًا مستلبًا مهزومًا كانت برقًا

أحمر في مدن العشق أضاء تماثيل الربات

وقاع الآبار المهجــــــــورة كانت صيحاتك

صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية

أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث

الموسيقى والثورة والحـــب وحيث الله

اما قصيدة النثر فهي القصيدة الجديدة اوالطارئة على العربية والتي يأمل شعراؤها بانها ستكون القصيدة العالمية .

يتبـــــــــع

 

بقلم: د.فالح الكيلاني

 

مقدمة: يُعد كتاب فصوص الحكم لابن عربي من الكتب المتميزة في التصوف، وقد عبَّر بنُ عربي ـ في هذا الكتاب ـ تعبيرا واضحا عن مذهبه، وهو " وحدة الوجود "، غير أن فصوص الحكم لا يقتصر على الجانب الفلسفي فحسب، بل يطرح إشكالات أدبية بلاغية، تتمثل ـ بشكل أساسي ـ في إشكالات اللغة والأسلوب، حيث إن المُتأمل لخطاب بنِ عربي في فصوص الحكم يلمِس غموضَ معناه، وهو ما أكده " نيكلسون " وغيره، ومن أسباب هذا الغموض، غلبة الإشارة على العبارة، ولجوء بنُ عربي إلى تكثيف المعاني واختزالها، فالجملة في فصوص الحكم تقبل أكثرَ من معنى، فهي عرضة لتأويلات القارئ، وعليه فقد اقتصرنا ـ في تحليلنا ـ على فصل من كتاب الفصوص وهو الموسومُ بـ: " فصُّ حكمة إلهية في كلمة آدمية "، وقد سعينا في دراستنا لهذا الفصل إلى الكشف عن أدبيته من خلال التركيز على بلاغة الغموض، بمعنى دراسة العناصر والمقومات البلاغية التي اهتدى إليها بنُ عربي لإخفاء تصوره ورؤيته، لذا فإن دراستَنا لا تبحث عن المضمون الفلسفي في فصوص الحكم، بل تُحاول أن تُجيب عن سؤال: كيف عبَّر بنُ عربي عن مذهبه أسلوبيا؟

ـ بلاغة الغموض في فصوص الحِكم: (فص حكمة إلهية في كلمة آدمية أنموذجا ).

ـ أسلوب الإشارة:

إن المتأمل لخطاب فصوص الحِكم لابن عربي يلمس ـ بشكل واضح ـ حضور الغموض في أسلوبه، ومن بين مولدات هذا الغموض، توظيف بن عربي أسلوب الإشارة والإيماء، فالمتصوفة يميزون دائما بين " الإشارة  و العبارة "، " حيث الإشارة مجرد إيحاء بالمعنى دون تعيين وتحديد، ومن شأن هذا الإيحاء أن يجعل المعنى أفقا منفتحا دائما. أما العبارة فهي تحديد للمعنى يجعله مغلقا ونهائيا "[1]، ومن الأمثلة التي تدل على توظيف بنِ عربي أسلوب الإشارة، قوله: " فإن رؤية الشيء، نفسَه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسَه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يُظهر له نفسَه في صورة يعطيها المُحل المنظور فيه مما لم يكن يَظهر له من غير وجود هذا المُحل ولا تجليه له "[2]، يتضح لنا من خلال هذا المقطع أن الأسلوب الذي اعتمده بن عربي هو أسلوب غير مباشر، فعوض أن يُصرح بفكرته بعبارة واضحة، لجأ إلى الإيماء والإشارة، فقد اعتمد تعقيد التبسيط وإخفاء الظاهر لأغراض في نفسه[3]، ونجد مثل هذا الأسلوب في الخطاب القرآني، فكلام الله عز وجل المُوجه إلى الرسل والأنبياء يكشف ويُصرح من جهة، لكنه يومئ ويُشير أيضا، وعليه يبقى قابلا لانفتاح المعنى في الزمان والمكان[4]، فأسلوب الإشارة معروف في كتابات المتصوفة عامة، وفي كتابات بنِ عربي بشكل خاص، وهو من أهم أسباب غموض فصوص الحكم، هذا الكتاب الذي استعصى على مجموعة من الباحثين، أمثال: " أبو العَلا عفيفي " الذي علق على الفصوص، وكذلك المستشرق " نيكلسون " الذي ترجم الفصوص إلى اللغة الإنجليزية، ولكنه عَدل عن فكرته قائلا: " هذا كتابٌ يتعذر فهمه في لغته مع كثرة الشروح عليه، فكيف إذا تُرجم إلى لغة أخرى؟"[5]، إن سبب استعصاء الفصوص غلى الباحثين يَرجع إلى أسلوب كتابته، حيث اعتمد بنُ عربي طريقة غبر مباشرة في سرد الأحداث تقوم على السَّتر والإخفاء بدلَ التصريح، ومن شأن هذا الأسلوب أن يزيد من الغموض فلا يدري المتلقي عن ماذا يتحدث المتكلم في خطابه، فما فعله بن عربي في فصوص الحكم هو إعادة صياغة نصوص القرآن، مثل ما نجد في الفصل الذي نحن بصدد تحليله، حيث أعاد قصة آدم عليه السلام، وهو في هذه الإعادة لم يلتزم بالنص الأصلي كما هو بل يؤوله وَفقا لتصوره ولمذهبه الصوفي وهو وحدة الوجود الذي يُعبر عنه لغويا، وقد نتج عن هذه الطريقة نوع خاص من الأسلوب يتسم بالغموض من حيث الفهم والإدراك، وهذا ما أكده "نيكلسون" في قوله: " إنه يأخذ نصا من القرآن أو الحديث ويُؤوله بالطريقة التي نعرفها في كتابات فيلون اليهودي وأريحن الإسكندري. ونظرياته في هذا الكتاب صعبة الفهم، وأصعب من ذلك شرحها وتفسيرها، لأن لغته اصطلاحية خاصة، مجازية معقدة في معظم الأحيان"[6].

ـ تكثيف النص وتجريد المعنى:

لقد بُني فصل " فص حكمة إلهية في كلمة آدمية " على مكون بلاغي، وهو "التكثيف"، ويختلف التكثيف عن الإيجاز، فالإيجاز عند البلاغيين القدماء هو أساس البلاغة، وقد عرفه " السكاكي " في " مفتاح العلوم " حين قال: " هو أداء المقصود من الكلام بأقلٍّ من عبارات متعارف الأوساط "[7]، نستنتج من هذا التعريف أن الإيجاز غرضه الإيضاح لا الغموض، ويظهر هذا في قول السكاكي: هو أداء المقصود من الكلام بعبارات مألوفة لدى المتلقي، غير أننا إذا طبقنا هذه القاعدة على النص الذي نحن بصدد تحليله نجد العكس، حيث حضر في النص التكثيف لا الإيجاز، وقد استخدم التكثيف في النص من أجل الغموض لا الإيضاح وهذا يتماشى مع طبيعة اللغة التي وظفها بن عربي والتي يمكن وصفها " باللغة الغيبية "، ومن علامات  التكثيف في هذا النص، اعتماد بن عربي على طريقة المقاطع التي جاءت قصيرة إلى حد كبير، حيث إن أطول مقطع في النص يصل إلى خمسة أسطر كحد أقصى، ويظهر في قول بن عربي: " لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحُسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها، وإن شئت قلت أن يرى عينه، في كون جامع يحصُر الأمر كلَّه، لكونه متصفا بالوجود، ويُظهر به سرَّه إليه، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثلُ رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة؛ فإنه يُظهر له نفسه في صورة يُعطيها المُحِلُّ المنظور فيه مما لم يكن يَظهر له من غير وجود هذا المُحلِّ ولا تجليه له "[8]، وأقصر مقطع في النص، قول بن عربي: " ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به "[9]، إذ يصل هذا المقطع إلى نصف سطر، أما باقي المقاطع فتتراوح بين سطرين وثلاثة أسطر إلى أربعة أسطر، والمتأمل لهذا التكثيف الذي وظفه بن عربي يجد له أصلا في الخطاب القرآني، فبنية القرآن حاضرة بقوة في بنية فصوص الحكم، وهذا أمر مألوف في كتابات المتصوفة عامة، وفي كتابات بن عربي خاصة، والتكثيف ـ بوصفه مكونا بلاغيا ـ ساهم بشكل كبير في غموض المعنى في فصوص الحكم بأكمله، وفي فصل فص حكمة إلهية في كلمة آدمية الذي هو مناط اهتمامنا، فالمتصفح لهذا الفصل يصعب عليه فهم معناه، نظرا لصعوبة أسلوبه، وعليه فالجملة في هذا الفصل تقبل أكثر من معنى، فهي تختزن معانٍ عدة، لذا فإن الأمر يستدعي التأويل من قِبل القارئ، غير أن التأويل يطرح إشكالات، حيث إنه يفتح النص أمام تعدد الدلالات أو بشكل أصح أمام لا نهائية الدلالات فيصبح من الصعب القبض على معنى كلي للنص، هذا المعنى الذي انتقل من الملموس إلى المجرد بفعل شدة التكثيف، وكذلك بسبب الطريقة التي اعتمدها بن عربي في معالجة موضوعه، حيث أخذ قصة آدم عليه السلام وحولها من معطيات تاريخية إلى غيبيات ورؤى ذهنية مجردة، وعليه انتقلنا من المعنى التاريخي لقصة آدم، إلى المعنى الغيبي المجرد الذي صاغه بن عربي وفقا لرؤيته الصوفية.

ـ إستراتيجية التلاعب بالألفاظ:

من مولدات الغموض في هذا الفصل، حضور ما يمكن أن نسميه بـ " لعبة الألفاظ " التي تشكلت بوسيلتين، وهما: التكرار وتوظيف الكلمات المتشابهة من حيث النطق، ومن الأمثلة التي تُوضح حضور هذه الثنائية في النص، قول بن عربي: " اعلم أن الأمور الكلية وإن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة ـ لا تزال ـ عن الوجود العيني، ولها الحكم والأثر في كل ما له وجود عيني؛ بل هو عينها لا غيرُها أعني أعيان الموجودات العينية، ولم تزل عن كونها معقولة في نفسها. فهي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتُها. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، ولا يمكن وجودها في العين وجوداً تزول به عن أن تكون معقولة، وسواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتا أو غير مؤقت، نسبة المؤقت وغير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة. غير أن هذا الأمر الكلي يَرجع إليه حكم من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية "[10]، يوضح لنا هذا المقطع من النص حضور التكرار والكلمات المتشابهة في آن واحد، فهو حضور متداخل، ففي هذه الفقرة تكررت كلمة " عين " ثلاثة عشرة مرة واشتقت منها كلمات مختلفة بحسب السياق، كما تكررت كلمة " وجود " إحدى عشر مرة، والتكرار ـ في هذا النص ـ لم يقتصر على الجانب الموسيقي الإيقاعي فحسب ـ وإن كان هذا حاضرا ـ لكن الوظيفة الأساسية للتكرار في نص بنِ عربي هو السَّتر وإخفاء المعنى، وإلى جانب التكرار حضرت ـ في هذا المقطع ـ الكلمات المتشابهة في النطق، وتظهر في قول بن عربي: " بل هو عينها لا غيرها أعني أعيانُ الموجودات العينية "[11]، ففي هذه الفقرة وظف بنُ عربي حروفا من مجموعة معجمية واحدة، حيث تكرر حرف العين والنون مرات عدة، مما أنتج رنة موسيقية لدى السامع، لكنه أنتج أيضا صعوبة في الفهم والقبض على المعنى، فاللفظ مُرتَبَط دائما بالمعنى، وهو ما أكده " ابن جني " في " الخصائص " وبالضبط في فصل " قوة اللفظ لقوة المعنى "، غير أن بنَ جني ركز على علاقة اللفظ بالمعنى من خلال القوة والضعف، لكننا نحن نهدف إلى النظر إلى علاقة اللفظ بالمعنى من حيث الوظيفة، فالألفاظ التي انتقاها بنُ عربي في فصوص الحكم بصفة عامة، وفي هذا الفصل بشكل خاص تخدُم الغرض الرئيسي لابن عربي، وهو الغموض، فالنص بُني بناءً لفظيا معقدا سواء في نطق حروف هذه الألفاظ نظرا لتشابهها وتداخلها، أو في فهم معناها، وعليه فإن انتقاءَ بن عربي للألفاظ مقصودٌ، فغايته الإخفاء لا الإفصاح، لذا وظف ألفاظا خاصة ورتبها ترتيبا يتماشى مع قصده، لذا نقول إن غموضَ ألفاظِ النص لا يَرجع إلى الألفاظ نفسها، فكلمات، مثل: (أعني، وأعيان، وعينية...) إذا أخِذت معزولة تبدو واضحة ومفهومة، وبالتالي فإن الغموضَ يكمن في النظم بين هذه الألفاظ، حيث ربط بن عربي هذه الكلمات وصاغها في تراكيب وجمل، مما أنتج ـ لدى المتلقي ـ الغرابة والغموض، وعليه يمكننا القول إن الألفاظَ لم تحضر بوصفها وسيلة تنميقية للكلام فحسب، بل كانت في خدمة الوظيفة الأسلوبية للنص، وهو الغموض.

خاتمة: 

إن الغموضَ في فصوص الحكم هو غموض لغوي بلاغي، فمذهب بنُ عربي واضح وسهل الفهم، لذا فإن الصعوبةَ تكمن في الأساليب التي عبَّر بها بنُ عربي عن مذهبه، والطرق الغريبة الملتوية التي اختارها لبسط تصوره[12]، كتوظيفه لأسلوب الإشارة، وكذلك تكثيف النصوص...، وعليه يمكن القول إن البلاغة كانت سببا مباشرا في غموض معاني فصوص الحكم، وهي أيضا الوسيلة الأساسية التي اعتمدها بنُ عربي لإخفاء تصوره على المتلقي.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث دكتوراه

........................

الهامش 

1)ـ ناصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2006م، ص: 90

2)ـ محيي الدين بن عربي، فصوص الحِكم، علق عليه، أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ص: 48 ـ 49

3)ـ مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي، شرح فصوص الحِكم لابن عربي، وضع حواشيه، الشيخ  فادي أسعد نصيف، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2002م، ص:5

4)ـ ناصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص: 89

5)ـ نفسه، ص: 84

6)ـ محيي الدين بن عربي، فصوص الحكم، ص: 12

7)ـ السكاكي، مفتاح العلوم، ضبطه ورتب هوامشه وعلق عليه، نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1983م، ص: 277

8)ـ بن عربي، فصوص الحكم، ص: 48 ـ 49

9)ـ نفسه، ص: 53

10)ـ نفسه، ص: 52 ـ 51

11)ـ نفسه، ص: 51

12)ـ مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي، شرح فصوص الحِكم لابن عربي، ص:5

 

ماهر حميدتوطئة: يواجه الباحث في نظرية الأجناس الأدبية مشاكل جمة؛ لسبب هو إنَّ النقاد لم يتمكنوا منذُ نشأتها إلى يومنا هذا من وضع الحدود الفاصلة بين أجناسها الأدبية، فمن الطبيعي أن تبقى الحدود بين الأجناس الأدبية وأنواعها واهية.

فتداخل الأجناس الأدبية وأنواعها ليس حدثاً جديداً قد طرأ على النظرية الأدبية، وإنما كان نتيجة لتعدد أنواعها وتطورها عبر عملية التوارث من جهة، والتجريب المستمر من جهة أخرى، إذ نجد ملامح هذا التداخل في النظرية الأرسطية التي تُعدُّ الأساس النظري الذي ما زال النقاد والمنظرون يعتمدونه إلى يومنا هذا(1)، على الرغم مما أثارته من إشكالات كثيرة.

أولاً: التداخل الأجناسي.

لقد شغل موضوع تداخل الأجناس الأدبية كثير من الأدباء والكتاب الباحثين في قضية الجنس والنوع، والسبب في ذلك؛ لأن مقام الكتابة أجناسي بالدرجة الأساس. فكان رولان بارت من أهم النقاد الذين أهتموا بوضع الأسس والمفاهيم الأجناسية وعملوا على تطويرها. فالأدب في نظرهِ لا يتكون من مجرد عبارات مفردة، وإنما هو عبارات دالة على نظامٍ أدبي خاص أطلق عليه نظاماً من الدرجة الثانية، فمعنى الجملة في القصيدة يختلف عما هو في المرويات السردية أو غيرها من الفنون النثرية، وهي تتحول داخل العمل الفني بتآزر عناصرها إلى رموز لها دلالة مقصودة لمعنى خاص داخل العمل الفني، وهذا ما أطلق عليه بارت بالعقد الخفي المبرم بين الكاتب والقارئ(2) .

فالنص عند بارت يتألف من كتابات متعددة، تنحدر من ثقافات مختلفة، تدخل في حوار مع بعضها البعض، وتتحاكى وتتعارض، بيد أن هناك نقطة يجتمع عندها هذا  التعدد والاختلاف، وليست هذه النقطة هي المؤلف، وإنما القارئ أي هو الفضاء الذي ترتسم فيه كل الاقتباسات التي تتألف منها الكتابة، فليست وحدة النص هي منبعه وأصله وإنما هي مقصده واتجاهه(3).

إنَّ قضية تداخل الأجناس قد ألقت بظلالها على الفنون الأدبية عامة، الشعرية والنثرية، ولا سيما السردية (الرواية)، لبقاء "الجهد التجنيسي العربي القديم محصوراً في فلك الثنائي: الشعر والنثر،[...]، ودارت جل كتاباتهم حول المفاضلة بينهما"(4)، وأما الإقدام على تعريف الأجناس الأدبية فهو مغامرة غير محمودة العواقب، الأمر الذي دفع كثير من النقاد للتخلي عن تعريفها كرينيه ويليك، وكروتشه، وسبنكارن وغيرهم(5)، لأن هؤلاء النقاد في حقيقة الأمر فهموا طبيعة التداخل وما يمكن أن ينتج عنه من أنواع جديدة تكون مواكبة لروح العصر ومتطلباته، فضلاً عن إنَّ الأجناس وليدة الإبداع والإبداع لا يمكن له أن يقيد بقيود أو يُحكم بقوانين يستسلم لسطوتها وتجعله رهين أشكال يقتفي بعضها نهج البعض الآخر هذا من جهة، ومن جهة ثانية رفض كروتشه تصنيف الأدب إلى أجناس؛ لأن تصنيفه هو انكار لطبيعته الخاصة، لهذا لا يمكن تحديد قوانين للجنس الأدبي لجوهره ومحتوياته في الوقت الذي يجدد كاتب عبقري عملاً أدبياً فيحطم القوانين التي ارساها السابقون(6)، لذا أدرك النقاد بأنه لا يمكن لهم بأية طريقة كانت وضع الحدود الفاصلة بين الأجناس وأنواعها طالما هي منذ نشأتها إلى يومنا هذا في طور التجريب المستمر، لذا آثروا أن تكون القضية مفتوحة للنقاش ولم يقيدوا الأجناس بقوالب محددة.

ولهذا فإنَّه على الرغم من هذه السجالات الحادة والرؤى المتضاربة حول طبيعة التداخل الأجناسي سوف تبقى قضية تداخل الأجناس الأدبية وأنواعها المتعددة مفتوحة للنقاش، الذي لا ينتهي، مثلما كانت في الماضي، فلم يستطيع أحد حسم الأمر في هذه القضية نهائياً، ولكن هناك مجموعة من المشتركات في مجال الاتفاق في عدد من القضايا، القائمةً بين الحين والآخر.(7)

فمن الصعب جداً الفصل بين طبيعة تشكيل الأجناس الأدبية وأنواعها التي تتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً لتآزر العناصر المكونة لها، فالتمييز بين النوع الأدبي وبين الأسلوب يجب أن يساعد على توضيح الإشكال المتولد عند المتلقي نتيجة لطبيعة تداخل الأجناس على وفق المشاكلة والاختلاف؛ فضلاً عن مقام الكتابة الأجناسي، هذا ما جعل من الأجناس الأدبية اختزالاً منظّماً لشكل الكتابة الأدبية وتشكلاتها الأجناسية في العصور كلّها، اختزالاً يفضي بها إلى الكشف عن المزايا الخاصة باللغة الأدبية والحدود الفاصلة بين أجناسها الأدبية المختلفة وأنواعها المتعددة(8).

ولهذا يرى رينيه ويليك أن: "الأنواع الأدبية يمكن أن يُنظر إليها على أنها ضرورات نظامية تلزم الكاتب من جهة وكذلك يلزمها الكاتب بدورهِ"(9).

أما بالنسبة للنقاد العرب فلم يدركوا ماهية الأجناس الأدبية في"استخدامها الاصطلاحي إلا في عصورٍ متأخرة ومع بدايات النقد العربي الحديث اعتماداً على الجهد الغربي في هذا المجال"(10)، فكل ما فعله النقاد القدامى كابن طباطبا العلوي(ت322هـ)، وغيره من النقاد هو إنهم قد قسموا الكلام العربي على قسمين هما (المنظوم والمنثور)، ولم يتطرقوا أطلاقاً لقضية الأجناس والأنواع الادبية، لأنه لم يكن ثمة من قصد مباشر من قبلهم لتحديد السمات المميزة للجنسين، فضلاً عن إنه لم يكن لديهم الوعي أو التصور التام لطبيعة الأجناس والأنواع وماهيتها، مثلما نشهده اليوم عند النقاد الغربيين تحديداً.(11)

ولهذا نجد أنّ هناك من النّقاد المحدثين من يؤكد على خلوّ الأدب العربيّ القديم من فكرة أو مصطلح (الأجناس) و(الأنواع)(12)، ولو كان ذلك متعارفاً عند النقاد والأدباء والكتاب، ولاسيما أصحاب المؤلفات والمصنفات العربية القديمة، لِما وجدنا أنفسنا أمام هذا الخلط الأجناسي الذي وقع فيه أصحاب تلك المؤلفات والمصنفات القديمة. فقضية تداخل الأجناس وأنواعها ستبقى محط خلاف كبير في الدرس الأدبي العربي؛ لأنها أكبر مما يتصورها كثير من النقاد العرب، ولا سيما أولئك الذين لم يدركوا ماهية الجنس والنوع بعد فيستعملون تارة الأجناس الأدبية وطوراً الأنواع الأدبية وكأنهما شيء واحد.

ثانياً ً: ولادة الأنواع الأدبية وتطورها.

تشكل نظريات الأدب القاعدة الَّتي ننطلق منها لدراسة الأجناس الأدبية وأنواعها كلّها، فولادة الأنواع الأدبية الجديدة وتطورها كسابقتها، ستبقى في طور التجريب، فهي عن طريق العودة لأبنيتها وتداخلها مع الأنواع الأخرى، تولد لنا أنواعاً جديدة بعد أن تأخذ أشكالاً جديدة عبر الصيغ التي يأخذها النوع الأدبي، فتكون قابلة هي الأخرى للتداخل والتوالد السردي؛ لذا فتصنيف الأجناس والأنواع ما يزال مرتبطاً بتصنيفاتها الشكلية، ليس بمحتواها الشكلي أو بمحتوى الشكل أو التشكيل، وإنما بجدلية البنية والمنظور، وهذا التصنيف الشكلي أضعف هوية الجنس الأدبي وجعل الشكل هو المرجعية للنوع الأدبي، على خلاف التشكيل، مما ولد ثنائية (وظيفة الأدب/ وماهية الأدب). وهكذا نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة ومتداخلة من الإشكالات الأجناسية(13)، لذا ترى سعاد مسكين بأن: الجنس الأدبي قد أتخذ لنفسهِ وضعاً مركزياً، أو شكلاً مركزاً في التفكير النظري(14)، ولذلك قد خلُصت إلى ما يأتي:

1- إنَّ الأجناس الأدبية كيانات حيَّة تتطور وتتحول بتطور الأزمنة والمجتمعات الإنسانية.

2- إنَّ طبيعة الحدود تكون واهية بين الأجناس ما يعني قدرتها على التداخل والتفاعل.

3- يُعدُّ كُلّ من التاريخ والجمالية ذات الأنساق الثقافية المتعددة مرجعين أساسيين في تحديد الجنس الأدبي؛ تحديداً يتأرجح بين التجريب والتجريد، وبين الملاحظة والافتراض.

4- يشكَّل القارئ أو المتلقي للنصوص الأدبية تجربة الإنتاج العلامي للتشكُّل الأجناسي انطلاقاً من "أفق الانتظار" الذي يختزن مقاييس وقوانين تسبق الوجود النصي(15).

أن مبدأ الأجناس الأدبية يتضمن أسساً ومعاييرَ سابقة غايتها في المقام الأول ضبط الأثر الأدبي وتفسيره، فضلاً عن إنَّ الأجناس الأدبية تولد وتنمو وتنضج وتُصنف وتموت، الأمر الذي دفع أحد الباحثين للربط بين العصرية وهدم الأجناس الأدبية؛ لأن تاريخ الأدب لم يقدم الأسس والمعايير الواضحة والثابتة للأجناس الأدبية(16)؛  نتيجة لطبيعتها الزئبقية.

ولهذا أعتقد أنه مهما يكن من أمر فإن الأجناس الأدبية بشكل عام والجنس الروائي بشكل خاص، لا يمكن أن يكون جنساً مكتفياً بذاته. بل أنه سيبقى في طور التجريب، لأن جنس الرواية منذ نشأته إلى الأن لا يزال به حاجة ماسة إلى أجناس أخرى يتداخل معها لكي يضمن بقاءه أولاً، ويجدداً سماته النوعية ثانياً.

إن الأدب بشكل عام لا يمكن له أن "ينشأ في الفراغ، وإنما في حضن مجموعة من الخطابات الحية التي يشاركها في خصائص عديدة"(17)، الأمر الذي يلغي فكرة نقاء الجنس(18)، ولهذا نجد إنَّ نظرية الأجناس الحديثة نظرية وصفية، لأنها لم تضع الحدود بين الأنواع الأدبية، بل ذهبت إلى أن الأنواع التقليدية يمكن أن تتفاعل عبر مزجها وتكوّن نوعاً جديداً مثل التراجيكوميديا والمأسملهاة، فضلاً عن أنها ترى بأن الأنواع الأدبية يمكن أن تقوم على أساس من الشمولية أو ما يمكن تسميته بـ (الثراء الأجناسي)، وعلى أساس من النقاء(19)، فضلاً عن ذلك إن هذا التداخل يجعلنا ننتقل إلى أجناس أخرى، وهي أجناس الخطاب انطلاقاً من الطرائق الثلاثة التي حددها أرسطو والتي يتم على وفقها تقديم العمل الفني، وهي السرد الخالص الذي يتكلم فيه الشاعر بصوته الخاص ومثاله الشعر الديثرامبي، والسرد بالمحاكاة الذي يُجسَّد بشخصين متكلمين ومثاله التراجيديا والكوميديا، والخليط من الأثنين ومثاله الملحمة، فأن الأساس الذي قام عليه هذا التقسيم وصفي أصلاً وتابع لواقع أدبي مُنتج ومعروض للاستهلاك في زمن أرسطو وقبل زمنه، فلم يلبث أن أصبح تصنيفاً معيارياً(20) للأجناس الأدبية وأنواعها بناءً على الفكرة الأساسية وهي فكرة التوصيف المجرد للجنس.

من هنا أصبح من الضروري  تحطيم فكرة نقاء الجنس، واعتماد مفهوم المهيمنات التركيبية في الخطاب الأدبي، لأن الجنس يقع بين النص والخطاب. إلا إن الحدود الافتراضية أو الواهية بين الأجناس ستبقى ضرورة ملحة، لِما فيها من إثراء للأجناس الأدبية بوجه خاص و الأدب بوجه عام. و لا شك في أن جنس الرواية باعتباره  شكلا تلفيقيا منظما، يعيش على حساب أجناس أخرى. و يحاول من ذلك المنطلق تأسيس وجوده الخاص. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يُعد جنس الرواية هو من أكثر الأجناس تمثيلا لمقولة التداخل الاجناسي؟ للجواب عن هذا السؤال ننطلق من الرأي القائل بأن الرواية هي ملحمة العصر الحديث، كونها تشكل عوالم مختلطة قائمة على الخيال الافتراضي توازي العالم الواقعي. وهي مؤهلة أكثر من غيرها لتضم في فضائها الأجناسي كل شيء، لارتباطها بالواقع وتقلباته التاريخية والعلمية والاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها، كل هذا قد فرض عليها تنوعاً في أشكالها وموضوعاتها حتى غدت جنساً عصياً على التصنيف مقاوماً لكل المحاولات التجنيسية الأخرى. كونها (الرواية) في تحول مستمر طالما هي في طور التجريب(21).

فالرواية ذات طابع اجتماعي وهذا يحتم عليها الارتباط الوثيق بالتاريخ الأدبي؛ لأن الرواية لا يمكن أن تستحق أسمها إذا لم تكن خليطاً من المحكي والنشيد، وأشكال أخرى، وهذا ما أقره هيجل في كتابه الأستتيقا بعد أن ربط أشكالها ومضامينها بالتحولات البنيوية التي عرفها المجتمع(22).

فالرواية في مواجهة دائمة مع الأنواع الأدبية الأخرى، مثل الشعر والمسرح، لذا تحدد الرواية بصفة أقل انطلاقاً من علاماتها الشكلية من مدلولها الواقعي والمتخيل، الذي يقترن عادة بفكرة الخيال، لذا فالأثر الجمالي هو محصلة لمقاييس أخرى، الأمر الذي يجعل منها عالماً افتراضياً، نتيجة لتماهي الخيال بالواقع أو العكس، لأن التماهي يجسد قيمة من القيم التي تهدف إليها الرواية، تتمثل في انعدام المسافة بين الواقع والخيال أوالواقعي والمتخيل، ولهذا نجد العالم الروائي برمته يُرسم من خلال الحلم. فالسارد يحلم... وكل الصور السردية والحوارية المتخيلة والواقعية، إنما هي ومضات ولقطات حلمية. وهذا يعني أن الخطاب الروائي يقع في اللاواقع حيث يتقاسم الفضاء الرمزي مع قصص البطولة الخارقة، الأسطورة والملحمة(23).

من هنا أصبحت الرواية جنساً مهيمناً بين الأجناس الأدبية الأخرى، التي تمثل مصدر تكوينها الأول والأخير، وسواء أكانت هذه الأجناس واقعية أم متخيلة، ستبقى الرواية في طور التجريب المستمر بشكل يُسائل أنواع الكتابة الأدبية، ويحاكي بلاغة الخيال(24)، الأمر الذي يجعل من الرواية جنساً منفتحاً على الأجناس والأنواع الأخرى، وسواء أكانت الواقعية أم المتخيلة .

خاتمة:

إنَّ وقوع الخطاب الروائي في اللاواقع (منطقة المتخيل) يفرض على الكاتب توظيف بعض الأجناس الأدبية وأنواعها من أجل بناء عالمه الروائي.

فتداخل الأجناس في الرواية ليس أمراً اعتباطياً، وإنما يفرضه الواقع الذي يُلزم الكاتب بتوظيفه للأجناس الأدبية التي تشكل باجتماعها أجناساً وأنواعاً أخرى ومن بينها (الرواية)، فضلاً عن السياق الذي يُنتج فيه هذا الجنس أو النوع. وبالتالي فلا وجود لهذا الجنس الأدبي(الرواية) إلا بوجود الأجناس الأخرى فهو الأبن غير الشرعي للأدب.

 

الباحث: ماهر حميد

كلية الآداب/ جامعة البصرة

................................

الهوامش:

1- ينظر: نظرية الأنواع الادبية، فنسنت، ت: حسن عون: .

2-  معجم المصطلحات الأدبية الحديثة: .

3- ينظر: درس السيميولوجيا، رولان بارت، عبدالرحمن عبد السلام: .

4-  قصص الحيوان جنساً أدبياً- دراسة أجناسية سردية سيميائية في الأدب المقارن، (أطروحة دكتوراه): .

5- ينظر: المصدر نفسه: .

6- ينظر: نظرية الأدب: تأليف: عدد من الباحثين السوفييت:، وقصص الحيوان جنساً أدبياً- دراسة أجناسية سردية سيميائية في الأدب المقارن، (أطروحة دكتوراه): .

7- ينظر: الأجناس الأدبية في ضوء (الشعريَّات المقارنة) قراءة مونتاجية : .

8- ينظر: جذور نظرية الأجناس الأدبية في النقد العربي القديم، فاضل التميمي: .

9- نظرية الأدب:.

10- قصص الحيوان جنساً أدبياً- دراسة أجناسية سردية سيميائية في الأدب المقارن، (أطروحة دكتوراه):.

11- ينظر: عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي: 11 وما بعدها.

12- ينظر: نظرية الأجناس الأدبيّة في التراث النثريّ- جدليّة الحضور والغياب: .

13- ينظر: نظرية الأنواع الادبية، فنسنت، ت: حسن عون:، و ينظر: الأجناس الأدبية في ضوء(الشعريَّات المقارنة)، عز الدين المناصرة:.

14-  ينظر: خزانة شهرزاد الأنواع السردية في ألف ليلة وليلة:.

15-  ينظر: المصدر نفسه:.

16-  معجم مصطلحات نقد الرواية: 67، وينظر: الأجناس الأدبية، محمد بسيوني، مجلة فصول، مج(25/2)، ع98، 2017م: 469-471.

17- الأدب في خطر، تودوروف: .

18-  نظرية الأدب، رينيه ويليك وأوستن واريين:، والخطاب الروائي، ميخائيل باختين:. 19-  نظرية الأدب، رينيه ويليك، وأوستن واريين:.

20- ينظر: قصص الحيوان جنساً أدبياً- دراسة أجناسية سردية سيميائية في الأدب المقارن، (أطروحة دكتوراه- آداب المستنصرية،1999م):134- 135، غير منشورة.

21-  ينظر: تداخل الاجناس الادبية في الرواية العربية "الرواية الدرامية انموذجاً"، صبحة أحمد علقم:، ومقالات في تحليل الخطاب، بسمة رحومة و آخرون: .

22- ينظر: الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، ت: محمد برادة:، وينظر: القصة الرواية المؤلف – دراسات في نظرية الأنواع الأدبية المعاصرة، تودوروف وآخرون، ت: خيري دومة:.

23- ينظر: الرواية مدخل إلى المناهج والتقنيات المعاصرة للتحليل الادبي، برنار فاليت، ت: عبد الحميد بورايو:، وينظر: أنماط  الرواية العربية الجديدة، شكري عزيز الماضي:.

24- ينظر: الرواية مدخل إلى المناهج والتقنيات المعاصرة:.

 

 

نشرت الشاعرة ميساء زيدان في دارة العرب الغرا، قصيدة حملت عنوان: اهديته اطوق الياسمين. وقد اوردته بهذه الصيغة التركيبية وما لهامن جمالية المضاف والمضاف  اليه ذات الدلالة ثرة،عارفة بما للعنوان من اهمية للنص فهو ثرياه وعتبته ومفتاحه، والدليل على ما اشتمل عليه من رؤى وافكار، وما ضم من جماليات المحسنات البديعية من استعارة وتشبيه وصور شعرية، منحت النص روحا ابداعية متميزة، فعنوان القصيدة مثقل بدلالته الاحتفالية والتكريمية، وهو يوحي بالتعدد والكثرة، وفي الوقت ذاته نفى عنه بالاضافة الى الياسمين الذي هورمز الجمال والخضرة والتفاؤل حتى غدا شعارا وبطاقة تعريف.

اختارت الشاعرة لقصيدتها وزنا عرف بالرصانة والحماسة وتمكنه من عرضه للافكار والمعاني الفخمة، وهو من بحر البسيط، بموسيقاه الجليلة وافقه الرحب،

لايزال وسيبقى الحب من اسمى المشاعر الانسانية التي تتغنى بالخير والتضحية والوفاء، وهو الذي يعلم المرء فضيلة الوفاء، لذلك يممت الشاعرة شطره لتبث لنا رؤاها، وهي مابين نجوى وخطاب الى من تحب ذلك الذي استحوذعلى وجدانها واحاسيسها ومشاعرها، فاعطت حبيبها ذلك الحبيب الذي جمع من الخصال ماجعلته سلطانا على النفوس المحبة، من غير مواربة، اعطته قلبهاوحبها وعشقها  بمحض ارادتها، لاعن خوف ولاطمع بل بايمان بحقيقة المحبوب واهليته، احبته بمشاعرها واحاسيسها، اشعل حبه نيرانه في وجدانها واعملت صبابته في روحها، فهامت وتولعت به

اعطيته القلب لاخوفا ولا طمعا    الا صبابة هيمان به ولعا

 

 

وعندما شعرت بانه يبادلها الحب، ويمنحها حمايته ورعايته، ضاعفت حبها وخوفها عليه  الى حد الذوبان فيه، والاستعداد لتقدم له كل مايريدمنها، ولو كان ذلك فوق طاقتها، فهي لوحمّلت حبها على جبل لخر منصدعا، وهي هنا توظف قوله تعالى (لو انزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله)

حملته الحب اضعافا  مضاعفة    لو حملت جبلا لاندك وانصدعا

وفجأة تلتفت الشاعرة وهي تمتلكها الحيرة والدهشة والخوف على حبيبها فيثور داخلها شجن واحساس عاشقة خائفة على من تملك روحها وهيمن على مشاعرها، فراحت بلا وعي توجه سؤلها لذاتها متسائلة عما يجب عليها ان تقول اوتفعل لو صرع الحبيب اومات

حيرى وياخذني احساس مشفقة     ما ذا اعلق لوهذا الفتى صرعا

وبعد ان كشف عن مدى خوفها وقلقها على مصيرحبيبها، تجنح الى شاطيء الطمانينة، وتحاول ان تهدأ من روعها، لكنها لاتنسى ما يعتمل في نفسه من دوافع وارادات فهي ادرى من غيرها بما يعانيه وهويعيش حالة الوجد كانه متصوف واصل في مسلكه، يكاد ينكشف له الحجاب، وهو مصر على الوصول الى غايته من غير ملل.

ادري بما فيه من وجد يؤرقه     يذويه لكنه ما مل اوجزعا

فهو يستمر في طريقه لاينهنه عائق او تصرعه كبوة، فهورغم كل المعاناة ثابت مثابر يدوس النكبات، وازورار الايام التي تحولت  الى مطحنة تطحنه طحنا، وهي تشبه حاله بحال من يشرب عللا من الارزاء كانه يكرعها كرعا، وهو صابر واثق من نفسه.

باق ومطحنة الايام تطحنه    علا تسقيه من ارزائها جرعا

ومحبوبها ذلك المارد الذي ينصدع الجبل من ثقل حبه وما تنال مطحنة الايام منه، فلم يعد يقدر على الصبر، فما جلب عليه من مصائب هد عزيمته واضعفه، مما جعل الهم ينفرد به ويجلب له ما ليس في طاقته مهم وافكار محيرة، وهنا لي وقفة من الشاعرة اذانها احدثت انكسار فيما بدأت به وما قدمته من صفات تدل على الكمال والصمود وما يمتلكه من قوة تجاوزبها العقبات، لكنها تصدمنا بهذا النكوص الذي لايتوافق مع ما قدمته انفا.، بيد ان موقنا هذا يتبدد عندما ننعم النظر فيما بعد هذا البيت من رؤى وافكار بحيث يتكشف لنا المشهد ان ما يانيه الحبيب هو ليس تراجع، بل هواستراحة محارب واعادة حساب.

ذاب عرى الصبر وانفلت عزيمته    واسرع الهم يرميه بما وسعا

وعندما ذابت عرى صبره، يركن هذا المحبوب الى الوحدة والانزواء في وسط الغربة ووحشة الطريق، فلم يجد متنفسا غير الاهات الموجعة واستذكار ما فات.

قفر لياليه لا انس يوحشته      يجتر في نفسه الاهات والوجعا

وكان سحابة صيف قدمرة عليه، وهو في حالك السواد الذي حل بساحته، لم يصبه الياس، وان كان القنوط امرا لابد منه، فهو يسترق في غفواته على قلتها، طيوف حب بعيد جدا،  تاتيه باسمة تحمل بشائرا وهدية كان في انتظارها، نورا واسعا يوميء الى فجر جديد.

الاطيوف هوى شط المزار به    تترى فتمنحه للفجر متسعا

وتعود الشاعرة لنفسها، معاتبة اوشاكية او مخبرة عن حالها، التي تشتتب  بعد ان غادرها الاحبة / الربع، حتى القلب خرج من مكانه باحثا عن غائب بؤرقه غيابه، ولم يعد القلب المعنى من رحلته الى مكانه الذي فارقه بين الاحشاء.

مذ غادر الربع اوضاعي مبعثرة والقلب غادر احشائي وما رجعا وها هي تتجه بامنياتها الى المقادير، راجية منها رغم انها تجاوزت المعقول في فراقه وتباعده، ان تحن وتعيد ما انقطع وتوصله مرة اخرى.

ليت المقادير اذ غالت بفرقته    عادت وقد اوصلت ما كان قد قطعا

وباصرار صادق وايمان راسخ وبحريتها اختارت حبيبها، وهي لذلك لاترضي باي بديل عنه، فهو قمرها الذي يضيء لها الدربفي حالك الليالي، وهنا تنبثق امامنا صورة رائعة تمثل حالها وتحلق بخيالها لتجود على المتلقي بالدهشة.

وهواختياري ولن ارضى به بدلا وبدري التم في وسط الدجى سطعا

ثم تلجا الى الدعاء مستنجدة به، وهي المحبة الصادقة، وهي تستعطف الدهران لايفرق الدهر بينها وبينه، فهو مصدرسعادتها وقد عاشت بتلك السعادة وامتع والسرور والحبور وهي تلوذبه.

لا فرق الدهر ما بيني وبين هوى عشت السعادة في عطفيه والمتعا

وفي عودالى صفات ذلك الفتى الذي اصبح رجلا ومن خيرة الرجال، _ فتى الفتيان_  هيبة وجلالة، وشموخ ووجاهة واحترام وقيادة فهو الذي يخضع له الجميع بحضوره.

زين الرجال فتى هيبته  ان طل في محضر كل له خضعا

فهو كهف امان للداخل في حماه  وينعم بطيب الحياة وديمومتها، فلاخوف ولا هلع بل امن وامان وسلام، ونلحظ في البيت تناص مع بيت المتنبي الذي يقول فيه (كلتا يدية غياث عم نفعهما  يستوكفان فما يعروهما عدم).

كلتا يديه نعيم دائم وحمى  في ظله ما عرفت الخوف والهلعا

وهو مع كل تلك الصفات التي تشير الى كماله، جواد كريم، شح بخيل، وفواضله تفيض الى الجميع، وهو جامع صفات اهل الجود والكرم، فكل ما قيل فيهم نجده فيه .

هو الجواد الذي فاضت فضائله عن كل ما قيل في الاجواد اوسمعا

وتواصل مناجاتها ودعائها الصادق وتسال بخشوع الله ان يمكنها ولو بشيء مما حباه من مواهب، حتى يزيد حبها الى المدى الاوسع.

سألت ربي شيئا من مواهبه  يزيدني في الهوى ما كان منع

وفي اخر المطاف تقف على رابية الذكريات، تستعرض متذكرة عمرها الذي قضته ضياعا بالحرمان والجوع، وينتابها وهي هيكلها ومحرابها وهي ترى حبيبها فتاها رجلها وقد عاد منتصرا شامخا وقد استعاد كل ما فقده عبر الصراع،اندفعت  تسعى نحوه بكل احاسيسها لتهديه طوقا من ياسمين

 

احمد زكي الانباري

 

جمعة عبد اللهيضعنا المتن الروائي امام جملة محطات وعتبات في صميم الواقع العراقي، متوغلة في اعماق هذا الواقع وسايكولوجيته الروحية والدينية والاجتماعية والسياسية. في عصب المحاور الرئيسية في البنية الاجتماعية، وبيئة القرية والريف، وتتناول بالتفصيل الدقيق الموروثات الشيعية، وابراز طقوسها ومراسيمها وخاصة شعائر عاشورا واستشهاد الامام الحسين، وارتباط هذه الطقوس في الوجدان وتعلق بالحب الكبير لها.. ويتابع النص الروائي المحطات الرئيسة للمذهب الشيعي المتعلق بحب الحسين، والتصادم مع السلطات المتسلطة المتعاقبة، ينظرون الى الوجود الشيعي وخاصة في الجنوب، عقبة ومعضلة ومشكلة. وتكاملت هذه النظرة البغيضة في الحكم البعثي، في ممارسة القمع والحرمان والاهمال  الى الشيعة وقراهم الشيعية الفقيرة، نظرة عدائية، تحاول بكل وسيلة التخلص منهم، وما عمليات التهجير والترحيل والابعاد بحجة التبعية الايرانية، كجزء عام من الاضطهاد والعسف والحرمان العام، واهمالهم كليا في غياب كامل للخدمات الضرورية للحياة. فكان النظام الطاغي البعثي يشتغل على ثلاثة محاور. محور التبعيث البعثي الاجباري. السوق الى الخدمة العسكرية في زجهم في حروبه العبثية. وسياسة الترحيل والتهجير بالسلوك البشع الى خارج الحدود، بطرق اللاأنسانية، وفي القمع والارهاب. وايضاً يتابع المتن الروائي جوانب واسعة اخرى، هي خوف النظام المتسلط الشمولي من الكلمة الحرة، التي تكشف وتعري وتفضح اساليبه في الارهاب الاجتماعي والسياسي والفكري المتسلط على عموم العراق. لان النظام الديكتاتوري يريد شعباً طيعاً كالعجينة يشكلها وفق رغباته، او زج الشعب في الحروب العبثية. لذلك الكاتب (فيصل عبدالحسن) تحمل العسف والظالم والارهاب الفكري، أسقطوا عنه جوازه مع عائلته، وسجل في قائمة المعارضين المناهضين ضد النظام، الذين يسميهم (المرتدون) وهو بالاساس حكم اعدام غيابياً. وبالذات بعد نشر هذه الرواية (عراقيون أجناب). وهذا ما يدعونا الى التساؤل: ماذا يكشف النص الروائي حتى يحكم على مؤلفه بهذه الاحكام الجائرة والظالمة، في اهدار حياته بهذا الحقد الانتقامي؟ لذلك لابد ان نضع السرد الروائي تحت مجهر التحليل والتدقيق، وفحص رؤيته السياسية والفكرية المطروحة في النص. لاشك ان السرد الروائي متمكن من تقنياته الحديثة، ويطرح بكل شجاعة وجرأة، صراع السلطة البعثية ضد الشعب عامة، وشعب الجنوب خاصة في القرى الحدودية أو الاهوار، التي يعتبرها حاضنة الاجتماعية للثورة الخومينية في بداياتها في اسقاط نظام الشاه.. وتعتمد الاحداث الرواية، على التوغل في حياة القرى الفقيرة، واقعهم وطريقة معيشتهم وحياتهم وتعاملهم اليومي. وهي صورة مصغرة لقرى الجنوب الفقيرة والخاصة قرى الاهوار. وقد رسم المتن الروائي  هذه الاركان الرئيسية.

 1 - رسمت بدقة اسلوب التعامل سلطة البعث مع الشعب، يعني علاقة السيد والعبد، الجلاد والضحية، في هذه الازمنة الديكتاتورية، التي عمقت الخراب بتصاعد المعاناة الاجتماعية والحياتية. في نهج البطش والاهمال والحرمان لقرى الجنوب ومنها قرى الاهوار.

2 - تناول الموروثات الدينية للطائفة الشيعية، في ابراز الطقوس والمراسيم وشعائر عاشورا، كجزء من تكوينهم الروحي، في العادات والتقاليد المتوارثة. والاهتمام بمعركة الطف في كربلاء واستشهاد الامام الحسين.

3 - علاقة الجيرة والاخوة بين القرى الجنوبية الحدودية، واقرانهم في الجانب الايران، ومدى الوشائج هذه العلاقات المتينة في التزاور بين الجانبين وعلاقات قرابة وعشيرة، وتعامل ونشاط تجاري متبادل بعيداً عن عيون السلطة، وكذلك حماية رجال الدين المطاردين في زمن النظام الشاه، فكانت قرى الجنوب المأوئ الآمن لهم. وكذلك الدعم الكبير للثورة التي اسقطت حكم الشاه بعد ذلك. وهذا ما يستفز الحكم البعثي الطاغي في تشديد الحصار والخناق عليهم.

4 - ابراز اشكال الصراع الداخلي بين اركان الحزب الشيوعي، ومدى الفهم الخاطئ لتفهم حقيقة الواقع الاجتماعي والسياسي، والتخبط في التنظير الايديولوجي. في فهم معالم الثورة، وعمل الكفاح المسلح ومتطلباته وحاجاته الاساسية، والبيئة الحاضنة والداعمة، في الحلم الثوري المتطرف في بيئة يسودها التخلف والامية، في بيئة بعيد عن الفهم السياسي، بيئة فقيرة ومعدمة، لا تعرف من الحياة سوى توفير خبزها اليومي، في بيئة لا تعرف القراءة والكتابة، وتطرح مسألة الكفاح المسلح في الاهوار، واقامة سلطة العمال والفلاحين، والحلم بالثورة المسلحة. لذلك بدأت التساؤلات الوجيهة، هي كيف اقامة الثورة من اجل الفقراء والمعدان، وهم حاضنتهم يرفعون السلاح ضدهم (ان الثورة الشعبية المسلحة، التي نحلم بها يا رفاق من أجل هؤلاء المعدان، فكيف نقاتلهم اذا جاءوا شاهرين سلاحهم بوجوهنا ؟ سنقع بأخطاء بشعة اثنا تحويل النظرية الى خطوات عمل، منذ البداية وكل الاحداث تؤشر هذه البداية الخاطئة) ص208.

أحداث المتن الروائي:

عتبات الحبكة السردية تتناول الاحداث في دراميتها المتحركة. بصياغات متنوعة تنحو نحو منهجية الواقعية الانتقادية. وكذلك في اسلوب عرض الاحداث بطريقة السخرية الكوميدية. وتكشف بعمق مسار الحياة والنشاط اليومية للقرية الحدودية الواقعة في الاهوار (الجوابر) وحياة الفلاحين والمعدان اصحاب المواشي. بما تعانيه من معاناة وفقر وجدب، وانعدام كل الخدامات الاساسية، وتفشي الامية والفقر والامراض والبعوض وغيرها من الاهمال والحرمان. ويلتقط النص الروائي مسار حياة (جاسم العطية) بعد غيابه خمس سنوات عن قريته ورجوعه اليها. واول عمل قام به، كتب على كارتون بقطعة الفحم هذه العبارة (هنا مقر الحزب الشيوعي العراقي) وذيلها (يا عمال العالم اتحدوا) في بيئة امية تجهل القراءة والكتابة لا يوجد فرداً منهم يعرف القراءة والكتابة. في واقع لا يفرق بين الشيعي والشيوعي، بهذا الحلم الثوري المتطرف، يبدأ حياته العملية في قرية (الجوابر). ويتكلم عن نظرياته الشيوعية وايديولوجيتها والصراع الطبقي والمادة الدياليتكتية، وهم لا يعرفون معنى مضمون كلامه الغريب عنهم، لذلك اطلقوا عليه تسمية (مجنون القرية) في سلوكه وتصرفاته. وهو مطارد وملاحق من قبل الامن والسلطة. والسلطة الحاكمة تناصب العداء ضد الحزب الشيوعي، لانه ينادي بأسقاط السلطة واقامة دولة العمال والفلاحين، وتوصمه السطة بانهم ينادون بالكفر والالحاد (أنا جئت لكي ارفع الظلم عن الفلاحين والصيادين، واوقف الاستغلال الحاصل في قريتنا لهم) ص25.. في قرية منشغلة في همها اليومي والمعاشي، ولا تفهم من الطقوس الحياتية، سوى طقوس الشيعية وآل البيت، وتلتزم بالمراسيم عاشوراء. ومن المواقف الطريفة في الكوميدية الساخرة، في تشابيه معركة كربلاء. فكل الويل من يريد ان يتقمص دور (الشمر) وفي لحظة مقتل الحسين من قبل الشمر، تهجم الناس على الشمر وتشبعه ضرباً مبرحاً قد تقعده في فراش المرض ايام او اكثر، فقد يكسرون عظامة، او اصاباته بأصابات بليغة. لذلك لا احد يتجاسر بالمغامرة الخطيرة ويمثل دور الشمر. رغم العطاءات والمغريات المالية. ومن طرائف (جاسم العطية) الساخرة في الكوميدية. بأنه اتفق مع شيخ المعدان على بيع ثلاث جاموسات وشراء بثمنها كارتونات من الخمر (المسيح) بحجة منشط وصحي للبدان المريض، وبالفعل تم ذلك، وتحول مضيف شيخ المعدان الى خمارة خمر، فشربوا حتى الثمالة بالسكر، ولعب برأسهم السكر، فنزعوا ثيابهم والغوص في النهر عراة امام الرجال والنساء (وخلعوا ثيابهم وبقوا في الظلام كما خلقهم الله عراة، ولم يكن احد منهم في ذلك الوقت يعرف ماهي الملابس الداخلية التي تغطي العورة، ولم يخلع جاسم العطية ملابسه، تركهم يفعلون ذلك ولسان حاله يقول : أن هؤلاء المعدان ولدوا في الماء وشاركوا الاسماك والضفادع معيشتها منذ كانوا رضعاً) ص65. وفي حادثة اخرى اتفق مع شيخ المعدان ان يذهبوا الى البصرة، والتمتع بالجنس في دور البغاء، ولكن قبل ذهابهم الى منزول المبغى، جلسوا في احد البارات وشربوا الخمر، ولعبت الخمرة في رأس (جاسم العطية) فراح ينظر بالنظرية الشيوعية ويتحدث عن نضال الحزب الشيوعي وهدفه اسقاط السلطة واقامة سلطة ثورية، وكان بجوارهم مخبر سري يسمع كلامهم الخطير والمحظور. تصور نفسه انه امام قياديين كبار بالحزب الشيوعي، واعتبرها هذه فرصة من العمر بالقبض على قياديين الكبار وافشال مخطط اسقاط السلطة واقامة حكومة شيوعية. لذلك يتصور اسعده الحظ في التكريم والترقية. وزاد حماسه الكثر، حينما تمادى (جاسم العطية) في نشوته، وهو يوجه كلامه الى شيخ المعدان، الذي لم يعرف من كلامه الطويل شيئاً، حين قال (حالما تنجح  ثورة الجياع في بلادنا، سيجعلك الحزب وزيراً للزراعة) ص135، وبعد ذلك ذهبوا الى دار الدعارة (المنزول) والشرطي ورائهم وحين دخلوا الى المبغى، اتصل بمركز الشرطة بأخبارهم بأن قيادة الحزب الشيوعي في منزول المبغى. فتجمعت قوة كبيرة من افراد الشرطة في اقتحام دار الدعارة والقبض على القياديين الكبار في الحزب، وفي نفس الوقت وصل الخبر الى قرية شيخ المعدان، بأن شيخهم محاصر في بيت الدعارة للاعتقال والسجن، ودارت معركة كبيرة بين الطرفين، استطاعوا ان ينقذوا شيخهم. ولكن قوات الشرطة تابعتهم حتى قريتهم. وطوقت القرية وفرضت منع التجول، على كل افراد القرية، وداهمت الشباب، بأعتبارها انها امام وكر شيوعي خطير. وعاشت قرية (الجوابر) ايام الحصار العسكري.

وبعد ذلك حين قامت الثورة الخومينية في اسقاط حكم الشاه، وكل محل دعم وتأييد وفرح. وجدت الحكومة ان هذه الثورة تخلق مشاكل للسلطة البعثية، فقد عاقبت الاهالي بالتهجير والابعاد بحجة التبعية الايرانية، وابعدتهم الى الحدود، رجال ونساء واطفال. وفرضت قيود صارمة على القرى الحدودية، في شن حلات في تجنيد الشباب في العسكرية وفي حزب البعث. واغلقت الحدود ومنعت التزاور بين الجانبين. وبدأ التعامل الصارم بالارهاب والتخويف، في كبح جماح التأييد والتضامن لبدايات الثورة الخومينية.

ومن اساليب السلطة المتسلطة في المقايضة والابتزاز. فقد طرح عليهم المسؤول المحلي (القائممقام) في سبيل اعفاء شباب القرية من التجنيد العسكري، مقابل القبض على الفارين من الشيوعيين، الذين شكلوا اوكار مسلحة في قرى الاهوار ومنها قريتهم. فقال المسؤول الحكومي موجه كلامه الى شيخ المعدان (أني طلبت مهلة لكم، لمدة يوم واحد، ان تسلموا الهاربين من الشيوعيين، وان لم تفعلوا ذلك بعد الاربع والعشرين ساعة، ستقوم الطائرات بحرق الاخضر واليابس هنا !........ وستقوم الحكومة بتسميم مياه الهور فتموتون مع دوابكم، فأنتم في حكم  الهاربين من الخدمة العسكرية، والهارب من الخدمة العسكرية حسب القانون يعدم كخائن للبلاد) ص196. وبذلك بدأت المعركة ضد الشيوعيين في الاهوار (لم يبد الشيوعيون مقاومة تذكر فقد داهمهم المعدان من كل جانب، وقيدوا الذي كان يتولى حراسة الربوة واقتادوه، واستيقظ الرجال الباقون مذعورين، كانوا في وضع سيء، وصرح احد المقيدين : جئنا لنحرركم من عبوديتكم ونعيد اليكم انسانيتكم التي ضيعتها الحكومات الظالمة) ص225. خرج (جاسم العطية) من المعركة مجروحاً في صابة بالغة في قدمه، وصيب بمرض (الغرغرينا) ويجب اجراء عملية بتر قدمه، لكنه رفض واصر على الرفض بقوله (لقد كنت بقدمين سليمتين ولم استطع ان اعيش في الوطن كالآدميين ! فكيف استطيع ذلك بقدم وحدة ؟ وقال مبتسماً بضعف : في هذا الوطن تحتاج الى خمسة ارواح وعشرة اقدام في جسد واحد) ص234.

هذا ما ورد في المذكرات اليومية، التي دونها في يوميات (وادي كعيد البلام) وهي بدون شك مأساة شعب يرزخ تحت قبضة الديكتاتورية.

 

× الكتاب : رواية، عراقيون أجناب

× المؤلف : الكاتب فيصل عبدالحسن

× الطبعة الاولى : عام 1999

× عدد الصفحات : 242 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

ناهدة محمد عليإن الرواية الشعرية أو الشعر الروائي لهما تاريخ فسيح منذ الأساطير اليونانية ومنذ الخالد (شكسبير)، حيث تجتمع روح الشعر مع السرد الروائي وقد يتخلله أحياناً، فيعطي مساحة شاسعة للكلمة ويطلق العنان لخيال القاريء إلى ما هو أبعد من الحدث الدرامي .

للمترجمة الدكتورة (رابحة الناشيء) إحساس شعري بالكلمة والصورة لذا إختارت كتاب الشاعر والروائي الفرنسي (جورج بونيه) بين كلمتين .. الليل . وكانت ترجمتها قد أعطت حق البعد الأدبي للرواية الشعرية أو القصائد المروية، حيث تسلسل الشاعر في روايته لحالة حبيبته التي أصيبت بمرض شديد الصلة (بالزهايمر)، فإنتقلت السيدة (سوزان) من مرحلة الوعي للأشياء والأحداث والطبيعة إلى مرحلة اللاوعي واللاذاكرة، لكنها بقيت الزوجة والحبيبة بالنسبة للشاعر .

كان وصف الشاعر من خلال النقلات الشعرية أحياناً ومن خلال التسلسل الروائي أحيان أخرى وصفاً رائعاً وتنقلاً رشيقاً ما بين القصيدة والرواية، فهو يصف جلوس السيدة (سوزان) على السرير وعلى الطاولة وحركة يديها، تنقلها ما بين الغرف والحديقة في المصحة التي عاشت فيها في سنواتها الأخيرة . كان يصف كل شيء في المرأة وكل فعل، مثل وضع الدبابيس في شعرها حيث أصبح كل فعل تقوم به غامض ومعقد، وكيف تغيرت نظرتها للأشياء شكلاً ومضموناً، وتغيرت نظرتها للحياة وللطبيعة ولأجزاء جسدها . كان الشاعر الذي أحبها لعقود هو ذاكرتها وكانت لعدم إحساسها بالأمان والثقة بالنفس تطالب دائماً بالعودة إلى البيت .

كان الشاعر بونيه يصور بشكل إنسيابي جميل نوع المعاناة التي يعاني منها مرضى (الزهايمر) والمحيطون بهم، وكيف تنسلخ الحياة من حولهم شيئاً فشيئاً وتموت الأشياء والأشخاص والأسماء لديهم قبل أن يقترب الموت منهم .

يقول الشاعر:

في قلب الحديقة تتجمع الحياة

حمام بري على العشب الذي أصبح هادئاً بحلول المساء

وعلى بعد خطوات من الممر الكبير ضوضاء الحصى

كانت تحب المشي في الريف

الموسم على مدى النظر

الشمس تغزو الحديقة التي تخلت عن أيامها السيئة

هي مع ذلك بوجه عابس حتى المساء

حين كان الشاعر بونيه وهو في التسعين من عمره متمسكاً بالماضي وجماله وجمال الطبيعة وجمال الحب الذي جمعهما لسنوات طويلة .

كان الشاعر يحاول أن يستخرج (سوزان) من حالة اللاوعي للأشياء وأن يعيد لها ذكرياتها، أسماء أولادها، ذكريات الدراسة، ليالي الصيف الجميلة . كان كل شيء في الماضي حلماً لا نهائياً .

يصف الشاعر كيف كانت الحبيبة تستجيب للذكريات ثم تعود وتغطس بأللاوعي .. يقول الشاعر :-

نافذة الغرفة جميلة

أحدثها عن طفولتها ومدرستها الإبتدائية

روائح حبر وطباشير تجتاح الغرفة

في القاعة المشتركة زائر الأحد الوحيد مبتهج للغاية

تأتي بعد ذلك محنة الصمت

دبوسان للشعر يستغرقان بعد ظهر كامل

بليالي الصيف وتواطؤ الزهور كانت تعطس حين نسير بالحديقة

كانت الحياة تبدو حين ذاك بلا نهاية

لقد إحتفظت هي بوجهها مفتوحاً وسمحت لإبتسامتها بالمرور

ثم بالجفون المغلقة هي تصنع حلماً لوجودها

في المسافة الطويلة للغياب

هي ترحل في إنحرافات بطيئة

إنها أخرى من نفسها

يصف الشاعر بنقلات روائية وشعرية إنتقال (سوزان) إلى مرحلة عدم إنتظام الإدراك الحسي للأشياء من حولها وبضمنها هو

يقول الشاعر : -

اليوم رمادي إنها تستسلم للصمت

كل حديث سيكون عبثاً

تقول فجأةً ليس لديّ غير يد واحدة

وتكون قلقة حين يكشف عن يدها الأخرى، قائلة لا أعرف أين أضعها الآن

هي لا تعرف لا اليوم ولا الشهر ولا السنة التي نحن فيها

ساعتها لم تفارق درج طاولة سريرها، فالوقت ليس له أهمية

نلاحظ هنا أن الشاعر يتنقل ما بين النفس الشعري والنفس القصصي . ومن خلال أبياته الشعرية يصف كيف أن محبوبته قد بدأت تفقد الصلة به، وكيف أن الشاعر لم ييأس من إنتشالها من الدهليز المعتم الذي تمر به المرأة . ورغم إنطفاء جذوة العقل والروح إلا أن شيئاً من الحنان لا زال باقياً يعطي للشاعر الأمل بالعودة إلى الوراء .

يقول الشاعر:

لحظات من الحنان ما زالت باقية

قلت لها بأني أحبها أجابت أنا كذلك

سنجد السماء من جديد

وبعض الإرتعاشات دون زمن بمساعدة الحديقة

الملل لا وجود له

لا تشعر بالندم وليس لها آمال

اللحظة تتم من لا شيء

هي تقول لنصمت الآن

تنسحب بجفون مغلقة مبتسمة لليلها

هي تخرج من نومها

وتطرح حقيقة يبدو أنها إقتنعت بها

أنا أخفي شيخوختنا تحت الكلمات

كيف يمكن الإنضمام إليها

كيث يمكن إجتياز المعبر

يستمر الشاعر في آماله في حين تسقط الحبيبة في هوة عميقة من اللازمان واللامكان

يقول الشاعر .. الجدار المقابل لعينيها

ماذا يخبيء لحد الآن

أحاديثي تصل فجأة إلى حد إبتسامتها

أُعدل أنا كلماتي بوضوح محياها

لقد كانت تتوقع لحظة

وإنه القلب الذي يتذكر

أيادينا تفهم بعضنا البعض

اليد تستمع لليد

أُرافقها في عالم على مقاسها بكلمات من أجل الإحتفاظ بها

بكلمات تولد تحت اليد

هي لم تعد هي

وأخشى أن لا أكون أنا

أتأملها أنا كما هي

 وفي سنها من خلال تلك التي كانت

ينظر الشاعر إلى نهايات محبوبته القديمة ويستمع إليها حتى حينما تصبح كلماتها متقاطعة أو كتطريز مشوش

يقول الشاعر .. هي تعيش بلا شواطيء

إنها تقول كلمات بلا نتيجة مثل تطريز مشوش

ليس عليها تقديم الشكر لجسدها الذي يتركها بسلام

هي تفتح يدها

أرى في كفها التوت الأسود

الذي جمعته على طول طريق مجوف لكي تقدمه لي

نفهم في نهاية المطاف

ما يمنعنا من فهم ما يحدث

إنها ترتعب في حلمها

الشمس على أشجار الورد

النسيم على وجهها

 والجنون المفاجيء بيديها

على الزر الأخير من سترتها

تظل جامدة في مكانها

بلا سلاح وبلا دموع

لقد فقد الحنان قدرته

لقد رضخ الشاعر في النهاية بأن الذكريات قد إنتهت وأنهما كانا في الماضي واحد وأنهما الآن مختلفان وأن كل شيء يتجهم في رأس محبوبته .

يقول الشاعر .. كل ماهو معروض عليها ليس إلا شيئاً عابراً

لم يكن هناك صمت حين كنا واحداً

لم يعد هناك زمن لتصبح الأشياء مألوفة

كل شيء يتجهم في رأسها

حين يقارب الموت من (سوزان) يطرح الشاعر إحساسه بالموت فيفقد الإحساس بالزمان والمكان والحدث، لكنه يظل الراوية بما يحدث، فيروي كيف تمر محبوبته بنفق طويل نهايته الصمت والموت

يقول الشاعر .. مثلما يفعل الليل

هي تبقى صامته مسحوبة نحو الحائط

ماضينا من جديد، لكن الموتى لايستأنفون دائماً حياة ثانية

لم يحدث شيء ولا شيء سيحدث بعد الآن

لا شيء يبتدي ولا شيء ينتهي

الزمن منسي

الجسد مكور لم تعد تخاف

اليوم رمادي، هناك مطر على النوافذ

وهو المطر نفسه منذ الأزل

لقد وصف الشاعر فحوى الموت لحبيبته وكأنه موته هو، ولقد أعطى للتسلسل الروائي مساحة أقل من التسلسل الشعري، وكأن القصيدة هنا قد أحتلت الفكرة وأوفت بمصداقيتها فتسلسلت القصائد مع تفاقم حالة المرض لدى حبيبة الشاعر. ولم يشعرنا الشاعر بأنه يصف حالة مرضية بل حالة إنسانية تتكون من الحب والذاكرة والنسيان، والنسيان مؤلم للذاكرة كما هو مؤلم للشاعر الذي وصف مشاعره وكأنه شاب في العشرينات . ولم يشعر القاريء بهامشية الذكريات، بل كانت ذكريات أديب عاش عاشقاً ومات بموت محبوبته مع ذكرياتهما . كان تسلسل درامي قد رفع الستار أمام القارىء برؤية أسلوب الحياة الرتيب والمؤلم لمرضى (الزهايمر) .

فهو يصف كلما يخص الحياة الرتيبة لهؤلاء من نوم وطعام ورعاية صحية ثم الالم الخريفي الذي يسيطر على هذا المنتجع الطبي، فلا يرى فيه القاريء أشعة الشمس إلا من خلال الذكريات .

لا يخرج القاريء هنا بإحساس الملل من السرد القصصي والدرامي الذي قام به الشاعر (جورج بونيه)، بل يخرج القاريء بإحساس جميل وهو أن الحب لا يقتله موت العقل بل يبقى مع آخر نبض . ويذكرنا هنا الشاعر بالشاعر الفرنسي (بودلير)، شاعر القرن التاسع عشر بمواله القصصي و(بأزهار الشر) . وكانت ترجمة الدكتورة (رابحة الناشيء) عملاً جميلاً ومشرفاً وإستنباطاً حياً، وإنتقاء جيد للمادة الأدبية . كذلك نقل الإحساس الشعري ما بين اللغتين العربية والفرنسية والذي لم يكن سهلاً لأن الصورة الشعرية في الشعر العربي سلسة ومعقدة في آن واحد، بينما يتسم الشعر الفرنسي برؤي فلسفية شاسعة مستمدة من عمق الحياة الإجتماعية ورقتها وجمالها، حتى وإن كانت الصورة حزينة وقاتمة . إن إستنباط روح الشعر وطرحه بكلمات عربية كان هو الإبداع بعينه للمترجمة الدكتورة رابحة الناشيء .

 

الدكتورة / ناهدة محمد علي

 

فالح الحجيةاما الفنون الشعرية او الاغراض الشعرية فقد كثرت وتشعبت بتشعب الحياة وا ن اهمها واكثرها التصاقا بالشعب او بحياة المجتمع العربي بفرديته او جماعيته في هذا العصر هو الشعرالسياسي فقد توسع الشعر السياسي في بدايات هذا العصر توسعا عظيما حتى قيل ان بدايات العصرالحديث- نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين- كان الشعر فيه سياسيا ثوريا ناهضا وكان الدافع الرئيس لهذا الشيء هو الحالة الجديدة الناهضة في الوطن العربي .

فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التحرر الثورية العربية بل كا نوا رؤوساء ودعاة لها ومشتركين فعليا فيها ويعد الشعراء هم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضة العربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطردما وفي طياتها روح ثورية جامحة صارمة وكأن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جيادهم للجها د في سبيل الحق ونصرة شعبهم والذود عن وطنهم .فالشعب العربي المضطهد ويرزح تحت وطأة الاستعمار الاجني والشعراء يرون شعبهم قد تقاسمت الامم اسلابه فهتفوا في الشعب العربي وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذي هب كالمارد يشق طريقه الى التحرر والحرية والانعتاق من الاستعمار وينشد النور والامان بالايمان بقدراته وبروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والتحرر والثورة .

فالشعرالسياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت فيه

الصغيرة والكبيرة من الاحداث التي أ لمت بالامة العربية وكان الشعراء هم صوت الشعب الهادر والمدوي فالشعر نار تلتهب لتحرق ظهور الاجنبي وثورة في نفس العربي زيدها الشعر قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء العرب هتفوا للتحرر العربي .

وتتمثل هذه الحركة الثورية بثلاثة محاور:

الاول- تحرير الاقطار العربية من الاستعمارالاجنبي

الثاني - قضية فلسطين وهذه قضية محورية في الشعر العربي ولا تزال حتى الان حيث لا يوجد شاعرعربي في المشرق العربي او في مغربه الا ونظم فيها ودعى الى طرد اليهود من فلسطين وعودة الفلسطنيين العرب الى بلدهم السليب وهذه بعض ابيات قصيدة نظمتها في هذا المجال بعنوان (الطريق الى غزة):

حروب وقتل والمكاره جمة

والدهر قاس والقديم جديد

 

كم موطن فيه الانام سعيدة

-الاك غزة – والرفاه وجيد

 

اضاقت بك الدنيا بما رحبت

غما بكيت بل ألم يز يد

 

ان الديارالتي كانت يمازحها

نسيم الروابي والرجاء رشيد

 

اضحت بأ يدي الظالمين تجبّرا

من ال صهيون الدمار وجود

 

لاخير في من شره بفعاله

نار الجحيم . في غد ستزيد

 

لاخير في نفس امرئ متلون

حيث تميل النفس مال شرود

 

ايا غزة فيك الورود حزينة

ترنو اليها والحياة تريد

 

يا غزة الخير انت رمز رجائنا

فما دمت فينا لانخاف وعيد

 

جئناك نجعل في عداك رزية

قتيلا او اسيرا او اليك عبيد

 

ارض العروبة موئل لنضالنا

وجهادنا ووفائنا لا نحيد

 

والقدس او بغداد تجمعنا معا

شرخ الرجولة و الاباء وجود

 

اتيناك في جنح الظلام نشنها

حربا على الاعداء والحرب قيد

 

شباب وشيب كل هبة ماجد

نسعى بعزم او نكون شهيد

 

اما لنحياها حياة عزيزة

بعز ومجد او نموت سعيد

 

وانت في كنف الرجال مهابة

وعلى مرّ الدهور صمود

الثالث - الحالات الوطنية في البلد الواحد وتتمثل في الاحداث الوطنية في كل بلد عربي وقصائد الشعراء ازاءها. ومن الشعر السياسي هذه الابيات من قصيدة للشاعر رشيد سليم الخوري يقول:

 

شمس العروبة عيل صبر المجتلي

شقي حجابك قبل شق الرمس لي

 

اني لمحت سناءك في غسق الدجى

رغم الصبابة والحجاب المسد ل

 

فلقد يرى بالروح شاعر امة

من لا يرى غير النبي المرسل

 

واشعة الايمان تبتد ر المنى

وترد للمكفوف عيني احد ل

 

وكواكب الشهداء فيك بشائر

ما آ ذنت بالفجر لو لم تا فل

 

ياهاتفا بالفرقدين تلاقيا

كلفت نفسك وصل ما لم يفصل

 

ما الشام ما بيروت في البلوى سوى

عيني مولهة وحدي فيصل

 

واعز من دنيا الاعزة كلها

جاري القريب واخوتي في المنزل

 

يامن يعدون الدفاع تهجما

ويؤولون النقد شر مؤول

ا ما الفخر والمدح فقد افتخر الشعراء العرب في هذا العصر بعروبتهم كما افتخروا بانفسهم ومدحوا ابطال العروبة ورجالها وافتخروا بشجاعتهم وباعمالهم المجيدة. وتميز المدح في هذا العصر بالضعف وبعده عن المبالغة فيه. ومما يقوله الشاعر محمود سامي البارودي يفخر بنفسه يقول:

انا لا اقر على القبيح مهابة

ان القرار على القبيح نفاق

 

قلبي على ثقــــة ونفسي حــرة

تأبى الدنــــا وصارمي ذلا ق

 

فعلام يخشى المرء فرقة روحه

او ليس عاقبة الحياة فراق

وقد كثرت في اول هذا العصر النكبات على الوطن العربي وتوالت عليه المحن في ظل ظروف قاسية قد مثلها الشعراء اعظم تمثيل وادق وصف في قصائدهم وجل هذه النكبات نكبات قام بها الاستعمار ضد الامة العربية منها نكبة ضياع فلسطين ومنها اعدام افضل رجال العرب ومناضليهم من اجل التحررى وطرد الاستعمار مثل عمرالمختار في ليبيا وزهاينه الجزائري وشهداء ثورة مايس \ 1941 في العراق وتكاد تكون هذه النكبات في كل اقطار الامة العربية. فهذا احمد شوقي اميرالشعراء يبكي دمشق فيقول:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ              وَدَمعٌ  لا  يُكَفكَفُ  يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي             جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي             جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ               بَيانٌ غَيرُ  مُختَلِفٍ    وَنُطقُ

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ               فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ               يَدٌ   سَلَفَت   وَدَينٌ  مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا         إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا          وَلا يُدني الحُقوقَ  وَلا  يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ   حَياةٌ             وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ   الحَمراءِ  بابٌ                 بِكُلِّ   يَدٍ    مُضَرَّجَةٍ    يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ            وَعِزُّ  الشَرقِ  أَوَّلُهُ  دِمَشقُ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا             أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ    يَقولُ          عِصابَةٌ   خَرَجوا   وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ  تَعرِفُهُ    فَرَنسا                 وَتَعلَمُ   أَنَّهُ    نورٌ   وَحَقُّ

بِلادٌ ماتَ  فِتيَتُها   لِتَحيا                وَزالوا دونَ  قَومِهِمُ  لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها             فَكَيفَ  عَلى قَناها  تُستَرَقُّ

رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها            أَحَقٌّ   أَنَّها   دَرَسَت  أَحَقُّ؟

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ             عَلى  جَنَباتِهِ  وَاسوَدَّ  أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ           أَبَينَ  فُؤادِهِ  وَالصَخرِ فَرقُ

وَلِلمُستَعمِرينَ   وَإِن  أَلانوا     ر    قُلوبٌ   كَالحِجارَةِ  لا  تَرِقُّ

اما الغزل : فشعر الغزل وجد منذ وجد الانسان بعاطفته وحبه اتجاه قرينته وحبيبته وفي الشعر العربي وجد في كل العصور الشعرية فهو تسجيل لعواطف الشاعر المحب اتجاه من يحب وما يكنه في قلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بنار الحب والعشق ونفسه الحرى وروحه الحيرى وفكره المشغول وعقله المسلوب ولها ً وحبا وشوقا .

شعر الغزل في هذا العصر اتسم بتمثيل طبيعة النفس العربية النبيلة العفيفة فهو بعيد عن الابتذال والتفسخ الخلقي الذي كان موجودا في شعر العصور العباسية وخاصة الاخير منها نتيجة للاختلاط مع الاعاجم شرقا وغربا وشمالا وفساد الاخلاق العربية تبعا لعادات وتقاليد رعاع الناس وشواذهم الاجتماعية التي انتقلت الى العرب ما يتميز ببعده عن المادية الا بعض قصائد لشاعر او اكثر ومن شعر الغزل اقول في احدى قصائدي :

 

وفاتنة تغازلني بضفر جديلة

مثل الاقاحة ســـــحرها يتألق

 

حتى كأن الزهر ينثر عطرها

فتعــــانقت انداؤهــــا تتموسق

 

تتمنى النفس تمسك بعضه

فأ ناملي في بعضــــه تتـــرفق

 

فمجازف كمراهــــــق متعطش

يهوى . اليك بشـــــوقه يتعلق

وفي فن الوصف وهو من الاغراض القديمة في الشعر العربي ايضا فقد وصف الشعراء كل ما وقعت عليه اعينهم ودخل في نفوسهم واخيلتهم من مشاهد طبيعية خلابة ومخترعات حديثة وقد تعمق بعض الشعراء في الوصف . يقول عمر ابو ريشة الشاعرالسوري في وصف اطلال مر بها :-

قفي قدمي ان هذا المكان

يغيب به المرء عن حسه

 

رمال وانقاض صرح هوت

اعاليه تبحث عن اسه

 

اقلب طرفي به ذاهـــــــــــــــلا

واسأ ل يومي عن امسه

 

اكانت تسيل عليه الحيـــــــاة

وتغفو الجفون على انسه

 

وتنشد البلابل في ســــــعد ه

وتجري المقادير في نحسه

وفي مطلع هذ العصر اي في بدايات القرن العشرين كثر شعر الحنين الى الوطن اذ ان كثيرا من الشعراء نفتهم حكومات بلدانهم الى خارجها بسبب ميولهم الوطنية وثورتهم على الاستبداد والظلم تخلصا منهم .ومنهم من هاجر من نفسه وراء لقمة العيش . ويظهرهذا جليا في شعر شعراء المهجرالذين ما زالوا يحنون الى الوطن العزيز- وهل هناك اعز من الوطن ؟- فانشدوا قصائد تقطرحنينا ودمعا بعاطفة فياضة وحسرة غامرة لرؤية الوطن اوالرغبة في تحريره من ايدي حاكميه المستبدين يقول الشاعر شفيق جبري:

حلم على جنبات الشام ام عيد

لا الهم هم ولا التسهيد تسهيد

 

اتكذب العين و الرايات خافقة

ام تكذب الاذن و الدنيا اغاريد

 

ويل النماريد لا حسن ولا نبأ

الا ترى ما غدت تلك النماريد

 

كأ، كل فؤاد في جلائهـــــــــــم

نشوان قد لعبت فيه العناقيد

 

ملء العيون دموع من هناءتها

فالدمع در على الخدين منضود

 

لو جاء داوود و النعمى تضاحكنا

لهنأ الشــــــام في المزمار داود

 

على النواقيس انغـــــــام مسبحة

وفي المأذن تســــــبيح وتحميد

 

لو ينشد الدهر في افراحنا ملاْت

جوانب الدهر في البشرى الاناشيد

وشكى بعض الشعراء صروف الدهر من نكبة اصابتهم او من خطر احدق بهم او ببلدهم ومن قصيدة في الحنين الى الوطن للشاعر المهجري جبران خليل جبران هذه الابيا ت يقول:-

يابلادا حجبت منذ الازل

كيف نرجوك ومن أي سبيل

 

أي قفر دونها أي جبل

سورها العالي من منا الدليل

 

اسراب انت ام انت الامل

في نفوس تتمنى المستحيل

واطلع بعض الشعراء على مجريات العلم والادب والفلسفة فنظموا قصائد في تعلم الطب والفلك والعلوم وفي امور اخرى مثلما نظم الشعراء قبلهم مطولات في قواعد النحو والصرف مثل الفية ابن مالك التي حوت تفاصيل قواعد اللغة العربية في قصيدة مكونة من الف بيت شعري شرحها العلامة ابن عقيل في مجلدين كبيرين على سبيل المثال . والشعر التعليمي نظم في هيئة الشعر وشكله بل هو جسد شعري لا روح فيه. لذلك اطلق عليه بلغاء اللغة وشعراؤها نظما وقد نظم فيه كثيرون في العصور المظلمة الا انه في هذا العصر اصابه الضعف والوهن . ومن قصيدة للشاعرالزهاوي في العلم يقول:

لماذا  تحركت  الانجم             كانك    مثلي  لا   تعلم

وما هو كنه الاثير الذي          فسيح الفضاء به مفعم

بين الجواهر جذب فما           دواعيه   اني   مستعلم

هل الدفع اوضح من ذاته       من الجذب ام هل هما تؤام

هما   قوتان   تخالفتا           فذالك   يبني  وذا  يهدم

والشعر الاجتماعي هو شعر الاخوانيات وكل ما في المجتمع من امور وقد دعى الشعراء فيه الى ا لثورة على العادات البالية و القديمة التي سادت المجتمع العربي وعلقت به خلال فترات الحكم المتلاحقة عليه قبل النهضة الحديثة وتعتبر من مخلفات الفترة المظلمة فدعى الشعراء الى تحرير المرأة والى فتح المدارس وتمجيدها والدعوة الى دخولها بنين وبنا ت وذم التعصب القبلي والطائفي والاقطاع الذي جثم فوق صدورالناس والفساد المستشري . ومن قصيدة للشاعر العراقي معروف الرصافي في تشجيع بناء المدارس وفتحها هذه الابيات:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا

حتى تطاول في بنيانها زحلا

 

هذي مدارسكم شروى مزارعكم

فانبتوا في ثراها ماعلا وغلا

 

يلق بها النشىء للاعمال مختبرا

وللطباع من الادران مغتسلا

 

ربوا البنين مع التعليم تربية

يمسي بها ناقص الاخلاق مكتملا

 

انا لمن امة في عهد نهضتها

العلم والسيف قبلا انشأت دولا

والفنون الشعرية في بدايات عصرالنهضة العربية كثيرة منها قديمة ومنها ما ظهرت حديثا حسب متطلبات هذا العصر ودواعيه الا انه تبقى السمة الوطنية هي السمة الغالبة لشعر هذا العصر والمحرك الاقوى للشبا ب العربي المؤمن برسالة امته ومن اجل الحرية والتحرر واعادتها الى سالف عهدها التليد . 

فالشعر العربي يمتميز في هذا الوقت بان جله ثوري وطني يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار بكل اشكاله والثورة على كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لأمتنا العربية - فهو في اغلبه شعر هادف قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية وزعماؤها ووقودها ولسانها الناطق وقلبها النابض في كل الوطن العربي.

 

امير البيــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

خضير اللاميالنقد هو الذي يستنطق النصوص، ويفكك

العناصر المكونة لها، ويستكشف ابنيتها،

ودلالاتها، وجمالياتها..

عبد الله ابراهيم .

في البدء، ننطلق في حديثنا هذا، من الغلاف الأول، الذي اكتساه لون خردلي، وثمة فتاة، شبحية، مسدولة الشعر، طويله، ساهية العينين. وثمة لطخة بياض على جهته اليسرى، ترمز للشخصية الأولى في رواية "تعالى.. وجه مالك. "سرد حميد الربيعي.." وهنا، اعلن عن نفسي، قبل غيري، أنا لم اقرأ مثل هذا العمل السردي الباذخ، وبخاصة مشهد ما أطلق عليه سارد العمل الروائي الربيعي: اللقاء الثاني: صفحة 36، الذي احتوى على 34 صفحة، من القطع المتوسط، لمتن الرواية، وجع مالك، لحميد الربيعي . وسأكِّرس مقالي هذا عن هذا الفصل الثاني، الذي أعُّده جوهر رواية احمر حانة الأساس، لحميد الربيعي؛ والذي لم التق به في بغداد، اويّ مظانٍ اخر، الا لماما، منذ اقامتي في السويد العام 2006، واقامة حميد الربيعي هو الاخر، في الخارج، لفترة طويلة، كما اظن . وعندما التقينا في مقهى الشابندر في بغداد قبل فترة وجيزة اهداني روايته،هذه تعالى..وجع مالك، فضلا عن بعض اعماله الروائية الاخرى.. وحين شرعت بقراءة هذه الرواية صُعقت تماما، وبخاصة عند قراءتي فصل ما اطلق عليه اللقاء الثاني صفحة 36. واعلن هنا، للمتلقي، أنني لم اقرأ مثل هذا المشهد ابدا، منذ أنْ أصبت بهوى قراءة منابع الادب الابداعي، وبخاصة العمل السردي الروائي، اذ قرأت سرديات كبرى، لكتّاب عالميين عظماء عربا واجانب، بعضهم تناول الجنس الفاضح، والآخر الجنس الخجول إن صح التعبير .

اذن، وهذا الكلام يقودنا الى جمالية السرد الباذخ لحميد الربيعي في روايته.. تعالى.. وجع مالك، والذي سنكّرس مقالنا هذا له، إذ هو جنس آخر، مارسه طبيب يعمل في مجّمع محلي صحي مع الشحصية الرئيسة، التي تعمل فيه ايضا، كما أنّ هذا الطبيب لم ينطق بكلمة واحدة، طيلة معاشرته إياها، والذي قاد هذه الفتاة من يدها منقادة معه؛ وهي فّي المجمع دون ان تنبس ببنت شفة، كما ان هذا الطبيب، هو الاخر لم ينطق بأي كلمة . وانطلقا يلفهما الصمت بسيارته باتجاه فيافي الصحراء .

ويتناول حميد الربيعي، في عمله هذا، حتى جزيئات الاشياء المنمنة، وكانت الفتاة التي عاقرها زميلها الطبيب هذا، تصف الجنس والرجل هذا؛ ولم تكتف بالمضاجعة الاولى لشبقيتها؛ فما فتئت ظمئى للمواطأة: " في الاولى كان فاتحا يدك قلاعي، وفي الثانية، جاء فارسا، يمتطى حصانا، وفي الثالثة عاشقا، يتذوق عشق دغلي، وفي الرابعة اتخيله غازيا، وطأ فقري . وفي كل مرة، اراه

بهيئة جديدة، حينة نهض عن جسدي 56 ."

إنّ هذه المواطآت، التي قام بها هذا الرجل مع هذه الفتاة، ما تذكرني برواية عرس الزين، للروائي السوداني الطيب صالح، الذي نال عليها جائزة نجيب محفوظ، والتي ترمز الى اذلال بريطانيا لبلده السودان، التي استعمرت بلاده لسنين طويلة، والانتقام منها حين مارس الجنس مع امراة بريطانية.. فماذا ترمز رواية وجع مالك لحميد الربيعي؟ . ذهبت التحليلات النقدية الى الصنم صدام حسين، وسقوطه في ساحة الفردوس، في العام 2003 ..

في هذا السرد الروائي الباذخ، لم اقرأ وصفا جنسيا فنيا، في كل قراءاتي، بما فيها الكتب الجنسية البحت، انه، سرد جمالي، لهذا النوع من الجنس، يتوزع بين اللذة البحت، وبين الحركات الجنسية الوحشية التي يضفى عليها السارد غطاء جماليا ماتعا، ودون سابق انذار بين ممرضة، وطبيب باشر في العيادة التي تعمل فيها الفتاة التي تعرفت على الطبيب بعد يوم واحد من تعيينه اول مرة طبيبا في المجمع الصحي الذي تعمل فيه فيه الممرضة .

فهذا جنس، بين وصفه الغريزي العادي، ووصف الجنس الفني او الجمالي، ثم يختلطان ليكوّنان جنسا آخر باذخا، لا مباشرا، ولا فنيا، انه جنس سماوي إنْ صح التعبير. ويعد جنسا عاديا ابتداء من قيادة الفتاة الى مكان في الفلاة التي لا طير فيها ولا نأمة دون ممانعة من الفتاة الممرضة ووصفه جماليا . اذ يبدو أن السارد حميد الربيعي موهوب، اذا لم نقل مهوس، في وصفه لهذا النمط من الجنس . ويبدو، انه يمتلك ثقافة جنسية، ربما من كثرة قراءته لهذا النوع من الكتب..ويكاد يكون موهوبا في وصف امرأة يفوق أيّ سرد ابداعي آخر..

اذن، لم يكن السرد هذا، سردا تقليديا، كما هو سائد في الساحة الادبية الان؛ بل كان سردا يستفز المتلقي بقوة، فيتوقف هذا المتلقي متأملا، وما يعود لاتمام السرد حتى يتفاجأ بسرود غرائبية تتجاوز التي تعودنا على تلقيها، احيانا ياتي السرد غامضا، يحتاج الى مقدمات لمعرفة مقاصده . فهو يرسم ويؤطر لوحات ذات ابعاد عميقة في اظهار غور مكامنها، ويضفى عليها لمسات جمالية، اخاذة لاحلام هي الاخرى؛ تغور عميقا في معناها، لتأطير لوحة اطرها فنان تشكيلي بارع في توزيع الوانها وتشكيلاتها..واحيانا اخرى، يؤطر لنا لوحات نغرق في متاهات الوانها وغورها، واحيانا يرسم لنا مشهدا زيتيا تاخذنا الوانه الى متعة جمالية متناهية الوصف..

يا إلهي ! أيتها إمرأة هذه ! وأيّ رجل هذا ! وأيّ سارد ابداعي هذا، اقام الدنيا، ولم يقعدها ! يفوق التخيل، ليؤطر لوحة زيتية تقارب لوحات بيكاسو؛ فيها عمق فني يتعالى عن الواقعية التقليدية ليسمو بنا الى رحاب سماوية قل نديرها.. انه يتناول فيها حتى جزيئات الاشياء والالوان المنمنمة..

ليس هذا حسب، بل، ان الفتاة التي تصف الجنس والرجل الذي واطأها.. لم تكتف بالمضاجعة الاولى؛ اذ مازالت عطشى للمواطأة: الثانية او الثالثة الخ ." كان فاتحا، يدك قلاعي، والثانية جاء فارسا،، يمتطي حصانا، والثالثة، عاشقا يتذوق عشق دغلي، وفي الرابعة اتخيله غازيا وطأ فقري، وفي كل مرة، اراه بهيئة جديدة.. حينما هطلت امطارالحكاية السابقة نهض عن جسدي.. ص56 .

وقبل مسك ختام خطابنا هذا، وحين يتوهج الجنس لدى الفتاة، حيث تعبّر عن وهج تذوقها للجنس هذا الذي مارسه الطبيب معها في تيه الصحراء حيث تقول:

" أه.. أه.. أه.. يا أماه، وحين تتوه الفتاة في شبق نادر:

"انّ ما يفعله لي لم اره في حلم او امني ة، انه يقودني نحو مجهول، نحن متاهات، نحو عالم اخر صنعه الخيال، لم يعد اسمه شبقا، انه الالتصاق الاولي البوهيمي بين انثى وذكر، تفصدا علقا والتصاقا في مدّ كوني، خال من ايما ايماءة.."

إذن، هذه قصة تنتمي الى جنس الادب الغرائبي اسلوبا وتقنية وثيمة، تناولها قلم رشيق اضفى عليها جمالية انسيابية نادرة وبأحاسيس سارد موزون، يحاول ضبط مشاعره ازاء حدث جلل لفتاة شبقة..

 

خضير اللامي

 

مالكة عسالتقديم محترم لعمل أدبي تحت عنوان (تساؤلات) للأديب السعودي حاتم الشهري

توطئة: في داخل كل واحد منا فكرة أصل الوجود، فلا يوجد من لا يستشعر في داخله التساؤل من أين أتى، ومن أوجده وأرسل به إلى هذا الكون، يسع في جوفه العديد من القضايا، ليس بغريب عن مثقف ممتلئ، التوغل بالتأمل العميق في أحشاء الوجود، أن يثير أسئلة أنطولوجية عملاقة حول حياته وعوالمه المتنوعة، وبدء الخلق والنهاية، أسئلة حيرت العلماء والفلاسفة والفقهاء، والمثقفين، على اختلاف مشاربهم الثقافية والعلمية والدينية والفلسفية، قديما وحديثا، فتنوعت لدى البعض، وتضخمت لدى غيرهم، وتفاقمت لدى الآخرين، وستظل وتستمر طالما لم تجد لها أجوبة مقنعة ..وتدور هذه الأسئلة حول نقط معينة مثل :

ــ ما سر هذا الوجود؟ ــ كيف خلقنا؟ ــ وما مصيرنا؟ وكيف حصل التناغم بين الكون واحتياجات الانسان، بتصميم محكم في كل مستويات الوجود، بجماله بالبساطة في التنوع، بالانضباط والمنطقية للكائنات والأشياء؟...، معضلة تخز بإبهامها العقول الراجحة والمتوقدة تولدت عنها عدة تصورات شديدة، لفهم الكون بعوالمه ومتغيراته، تراوحت بين نظرة علمية منطقية مغرقة في ماديتها، وأخرى غيبية ميتافيزيقية ترى أن نشأة الحياة من المسلمات الصرفة التي لا ينبغي الخوض في غمارها، أو مناقشتها، آراء ونظريات وتصورات تضاربت واختلفت، منها ما تؤكد أن ظهور الحياة لم يكن أمراً عشوائياً، بل بتخطيط مسبق، تُحكم انتظامه وتناسقه آليات وقدرة وطاقة لا ندريها ..

ومبدعنا كغيره حين تعذر عليه فهم الوجود بعوالمه البشرية والطبيعية المتغيرة باستمرار، انتابته سلسلة من الأسئلة الأساسية المحيرة بعضها موجه إليه من الواقع المحيط، وأخرى من تلقاء نفسه بعد تفكير عميق للخروج من الدوامة ...وهذا هو سر وضع عنوان (تساؤلات) لأضمومته المباركة ...

ــ الأضمومة

لقد استهلها بصيغة فلسفية، حين تأمل واقعا آيلا نحو الفناء، حيث فقد أديبنا الأعزاء والأحبة من حوله، فأصبح وجوده عبارة عن نقطة ستتلاشى في يوم من الأيام، أو دمية بشرية فارغة لادور لها في هذا الوجود، أو مجرد حطام من البشر، أفقده ذاك الحس المعنوي المؤسس عن الحب والعلاقات الإنسانية الطيبة، فلم تعد لكلمة (أحبك) معنى واردا في ظل الأيام المجحفة هذه، حيث أيادي القدر توجه بوصلتها إلى الكائنات الوجودية، فتغير كل شيء، لذا أديبنا امتطى ركنا قصيا من زاوية هذه الحياة يتأمل ويفسر، علّه يصل إلى الحقيقة ..لحظات عصيبة أمطرته بجملة من الأسئلة المرة حول وجوده والكائنات من حوله، والعلاقات بينها، ومصير هذه الحياة، وهل من حياة أخرى بعد الموت، أسئلة فلسفية جامحة خلخلت كيانه في هذا العالم، إلى درجة الشك في كينونته، الشيء الذي أفقده حسه بنفسه كذات لها حسها و حيزها في الوجود، وهذا السؤال ليس بغريب فقد حيّر ثلة من الفلاسفة قبله ...

بعض من التيمات المطروحة

يتماهى أديبنا حاتم الشهري بين العالمين الفوقي والتحتي، منطلقا من نفسه أولا، مرورا بمحيطه القريب، رافعا عنان فكره بتأن وثبات وعمق إلى الأمداء البعيدة، يستفسر عن ذاته، كنقطة لها كينونتها في متسع هذا الفضاء المطنب، ليدرك بالضبط ما دورها وما علاقتها بما حولها، فيتقاسم نفس النقطة مع المفكر جورج دفورسكي حين يتساءل بنفس الحدة قائلا (ونسأل أنفسنا: لماذا توجد كل هذه الأشياء في الكون، ولماذا تحكمها هذه القوانين الدقيقة بشكل رائع؟ وماذا ينبغي لوجود أي شيء على الإطلاق؟) هكذا هم المفكرون حين يستبصرون الوجود الإنساني في هذا الكون مع انتظام الحياة اليومية، الشيء الذي تعجز عنه الكلمات، يدخلون في حالة عميقة من الوعي الوجودي لإثارة المبدأ الإنساني بالخصوص...وأديبنا تخطى الواقع بنظمه بفوضاه ليحلق على أجنحة فكره الجامح، محللا خاصيتي الحياة والموت بشكل ساخر (لماذا تاء الموت مبسوطة كاليد، وتاء الحياة معلقة كالمشنقة؟ ربما كانت تاء الموت مبسوطة كأنها قبر لأن نهاية الإنسان فيه، وتاء الحياة مدورة كأنها دورة الحياة محكوم عليك فيها أن تسعى وتدور) .. ومن منا من يرعبه الموت رغم أنه حدث يومي يلازمنا في هذا الكون، ومع ذلك تهزنا الربكة ويتزلزل الكيان لمّا يتخطف الموت عزيزا أو صديقا محبوبا من عشيرتنا أو رفقانا، فنُطالَب بالعض على نواجذ الصبر، ودراية النكبة بتلفيقات وهمية لا ندريها صحيحة أو خاطئة، كي نسكتَ الروع الهائم فينا، ونخرج من الأزمة وتستمر الحياة، مادام الموت سرّا مبهما عالقا على مشجب وجودنا، ووجودنا زمن متناه نحو الفناء ..ويقف أديبنا على مرحلة الموت والحياة و المصير بعد الموت، متسائلا عن الحياة الأخرى، (لو كانت هناك حياة أخرى أتمنى أن أكون جذع نخلة أو حائط مبكى، أوكرسي في الصف الأول. أتمنى أكون مسك ختام في حفلة) تساؤل مبني على حرف شرط يفيد التعليق في الماضي والمستقبل، لامتناع الجواب نظرا لامتناع الشرط، مع اختيار العديد من المتمنيات يتحول فيها إلى أشياء هادفة تسدي خدمات نافعة، تترك بصمتها الذهبية في عنق التاريخ، لتبقى خالدة ..ولم يبق قيد التمني، بل تمنى أن يكون له خيار تحويل رفاته كما يشتهي، لينتفع به غيره، (لو كان لك الخيار ماذا ستفعل برفاتك بعد الموت؟ أعتقد سأوصي بوضعي في قنينات فارغة مكتوبٌ ظاهرها غاز سام.) ..

قمة التشرذم والتيه نتجت عن تأملات وأفكار تهاطلت بغزارة على رأس مبدعنا، فالتساؤل المحير لم يبق قيد الحياة في التمعن في عناصرها، بل رحل به بعد الموت، باحثا عن شيء يجعل من رفاته أداة هامة تقدم خدمات جليلة للبشرية، حس إنساني أصيل تفجر عن قاعدة التأمل والتمني والرغبة في تغيير ما هو معتم ودامس إلى غد مشرق بفجره المضيء ..

ثم يطيرمبدعنا يتعقب كما الفلكي الكواكب على مختلف مشاربها، بنظرة فيزيائية صرفة، فيعدد معالمها، وخصائص تكوينها وهذا ـــ (بين قوسين لن يأتي إلا من أديب مطلع على الأجرام السماوية وكواكبها، وتشرب مواد تكوينها)ـــ ليس بنية إبلاغنا معلومة عن الكواكب، ومحاولة تقديم معرفة عنها، وإنما هو نوع من الصراع الأبدي المحتد في نفسية الشاعر، أصبح معه كالطائر الفاقد لوكره، ولا يدري إلى أين المسير، فهو يريد وفي نفس الوقت لا يريد، عالقا بخيط أشياء يريدها ويطمح إليها لتحقيقها، ومتدليا من مشانق أشياء يكرهها ويمقتها ولا يطيقها ؛ وفي غياب الممكن لتحقيق ما يصبو إليه أديبنا، يعيش أزمة نفسية، يفك خيوطها بتساؤلاته الملحة العالقة، ومتمنياته المأمولة، إلى درجة الشك في وجوده، حيث يرى نفسه مجرد سراب عابر، أو جثة هامدة بين الموتى (من قال لك بأني حقيقي ربما أنا كذبة، ربما أكون شبحا، أحتاج لشاهد واحد يخبرني بأني موجود)، وهذا بالكاد يوضح أن مبدعنا في خلوته، يسلط عدسته المجهرية بمفرده على الكون بأسره ليكشف أسراره ويفهم أغواره .

المبدأ الإنساني حافز قوي

هذه التساؤلات الملحة والمتنوعة، لم تأت عبثا، ولا انهالت أقراطا من فراغ تومض في ذهن مبدعنا، وإنما من مبدأ إنساني عظيم نتج عن تجربة الحياة المعيشة بمقتضياتها الإنسانية، والظواهر القاتلة المرة، والبلايا المتفشية بين البشر، أصبح معه الواقع كالغاب الغلبة للأقوى (فمن الأرجح أن لديهم طاغية يسومهم سوء العذاب وهم يعملون على التخلص منه، فالحياة بكرامة مطلب كل الشعوب حتى في الأجرام السماوية.) يصنعون الأسلحة الفاتكة بالإنسان، زارعة روعَ الحروب، وهول القتل في الكون، مما أدى إلى غياب القيم النبيلة كالصبر والحب والإصغاء والصداقة الحقة، والصدق والعلاقات الحميمية بكل أطيافها، والتسامح وحب الآخر، والحوار والرأي المختلف، والتضحية، وتمتين العلاقات الطيبة بين الجميع، والعيش بسلام، وكتم الأسرار ؛وحل محلها سلوكيات ممقوتة كالذبح والغش والمكر والكره والحقد، وتغلِيب المصالح الشخصية بأنانية على المصالح العامة :كسيادة الطمع، والاختلاس، والسرقات وغيرها ...

كما يقف بحذر حول الأفكار التي تتنوع ما بين البالية المتحجرة التي لا تزود الإنسان بإلهام والأفكار اللامعة المتنورة، والتي تنطوي عليها أمهات الكتب، أو قد نستوردها من الواقع بالتجربة المعيشة، فبقراءة الأشياء تنمو المعرفة وتضيف ألوانا جديدة إلى الحياة، مما قد يسكت عواء ربة الإلهام ؛فبالتفكير العلمي نقضي على الجهل، حتى ولو أحيانا لا يحل مشكلة الالتباس الحاصل من الظواهر الطبيعية والإنسانية، وقوانينها التي تديرها وتسيرها ..هي بالكاد دعوة جريئة من أديبنا حاتم الشهري إلى قراءة الأشياء، سواء من خلال التجربة في الواقع، أو في الكتب بالوعي والبصيرة، أي بالتأمل الفاحص، والتفكير الثاقب، والتدقيق في تفاصيل الأشياء، ثم الخروج منها بمغزى هادف، ولو أن التدقيق في المعرفة وتوسيعها في فهم الأشياء ومسبباتها وطرق علاجها، قد يؤدي بالمبدع أحيانا إلى الشؤم والهلاك، خاصة في عدم امتلاك الأدوات، وغياب الطرق والإمكانيات، للتغيير حسب التصور والمراد .

معلومات وعظية للتنوير

لقد توغل مبدعنا في تفاصيل الكون بعوالمه في الحياة وما بعدها، وتمعن ببصيرة متوقدة في كائناته، بمصطلحاتها ومفاهيمها، ليعطي تفسيرات لها من منظوره الشخصي، والتدقيق في تعاريفها لتقديمها أطباقا شهية إلى القراء من أجل الوعي والتنوير، واقفا بإمعان على مصطلح (الحب) هذه الكلمة اللبيبة التي تنقر القلوب في خفاء، موضحا أنه لن يصح من طرف واحد، بل يجب أن يكون الأمر متبادلا، ساعيا إلى تنبيه المرء إلى فرصة الحياة الوحيدة التي لن تكرر، محفزا إياه أن يقضيها سعيدا بعيدا عن التوتر والقلق (الحزن أو الفرح. هي حركة دائمة ودائبة تسير إلى الأمام لا إلى الخلف، باعتبار القلق من منغصات الحياة) التي تغطيها بنظارتين سوداويين قاتلتين لكل حلم ولكل أمل، مصرا على أن يكون الإنسان مختلفا عن غيره بخصال يشتهيها هو لبناء شخصيته لا كما أراده غيره، متطرقا إلى عوالم الكتابة والخيال، ومواضيع الأدب التي يختارها المؤلف بأساليب تشويقية مدهشة، يثري ذلك بحِكَم وعظية خصبة، تدعو إلى جمال الروح، وصفاء الجوهر، وكأنه بذلك يريد من جديد غرس القيم النبيلة في النفوس، كي يحيا المرء في سعادة وراحة البال ..

الخاتمة

من خلال ما ورد تبين لي أن المبدع موسوعة ثقافية طبية علمية اجتماعية فلسفية، فلكية، دينية له باع طويل في تفاصيل الكون، بكل أطيافه الطبيعية والإنسانية /الأرضية والفوقية/ الحياتية وما بعدها ..صاغها بمهماز التساؤل اللانهائي في نصوص مفتوحة، لاهي قصصية ولا شعرية، تعتمد السرد الانسيابي بوضوح، مطَعّمة بحِكَم رشيدة، (حينما أكون بين) يديك (احذرمن (كيدي)؛ لأن كلمة (مدن) قد تنقلب إلى (ندم).. تلاعب لغوي متجدد بكل ثقة في النفس، يستنطق اللغة بغير المعتاد لتنمو وتحيا، وتأتي بما ليس في مخيلة القارئ، من أجل تصحيح وتقويم الخصال السيئة المبنية على أرض هشة، ونشر القيم النبيلة الروحية، التي تخلق السعادة للإنسان، وبث بعض المعلومات الغائبة في خطاب توجيهي بأسلوب بسيط مقنع، له حقه من الصور الشعرية، والنكهة الساخرة التي تشد القارئ من أول خيط

 

بقلم مالكة عسال

.......................

المراجع:

ـــ كيف بدأ الخلق

المدون: د/عمرو شريف | كتب في: 26-01-2014/ موقع وراق

- الفيلسوف العربي / بقلم جورج دفورسكي(مقال من النيت)

ترجمة: فاطمة القريشي و أحمد الجنابي

***

ــ تساؤلات للمؤلف حاتم الشهري

هو حاتم بن علي الشهري/ أديب سعودي

صدر له 7 كتب وهي تباعا كالتالي:

١- تحفة الزمان في مدح سيد ولد عدنان

جمعت فيه قصائد عن مدح النبي.

٢- الدر النفيس في متعة الجليس

جمعت الدرر من خلال جولاتي في بطون الكتب.

٣- حديث الروح

نصوص أدبية نثرية.

٤- ليته يعلم

نصوص أدبية نثرية

٥- أنا وصديقي

مراسلات أدبية بيني وبين الشاعر بدر المطيري

٦- شعثر

جمعت فيه نثري وشعري.

٧- جمع الشتات

كتاب أدبي يجمع اختلاف المباني وائتلاف المعاني.

أكتب منذ قرابة ١-٢- سنة، وأول كتاب صدر لي عام ١-٤-٢-٩- هـ

بكالريوس دراسات إسلامية.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

وترجم لي في معجم أدباء مجلس التعاون الخليجي.

تحت الطبع:

١- أفانين.

٢- ندامى مجموعة قصصية.

٣- سلاسل الذهب نصوص أدبية.

٤- الجمال اليوسفي.

٥- قبضٌ من الريح مقالات

 

 

كاظم نعمة اللاميإنتظارات مرّة للدكتورة عواطف نعيم

(ليس المسرحُ حدثاً عابراً بل هو اسلوب حياة).. اوغيستو بوال، مخرجٌ مسرحيّ برازيلي

القراءة الاولى

تسيد فقرة التأليف مصطلح "التناص" كما هو مثبت في بروكرام العمل (كتابة.. تناص مع "الصوت الإنساني" لجان كوكتو) هذا المصطلح الحديث الذي توقف عند عتباته الكثير من المفكرين والادباء والفلاسفة ولزمن ليس بالقصير .. ففي مقتبل ستينيات القرن الماضي شهد المنبر الادبي اجتهادا كبيرا بين أهل الإبداع في أجناسه الجمالية المختلفة غايته الوقوف على تلّة وصفية واحدة، موحدين رؤاهم باتجاه مصطلح (التناص) واخراجه سالما من الغرق في بحر  الضبابية وعدم الفهم واللبس الذي شاركه فيه مصطلح (السرقة الادبية والفكرية) وإضفاء الشرعية عليه بشروط يمكن لنا استخراجها من أصل التعريفات الواضحة للنقاد والمفكرين للتناص والتي سنأتي على تفصيلاتها في خضم القادم من المقالة.

كما هو معلوم في بيبلوغرافيا التاريخ المسرحي ومنذ مائة عام أنّ "الصوت الإنساني" هو عمل مسرحي مونودرامي من تأليف الكاتب الفرنسي جان كوكتو مثلته النجمة المسرحية "بيرت بوفي" وهي صديقة حميمة لـ "جان كوكتو" كُتب العمل لها ومن أجلها، مع ملاحظة أنّ "الصوت الإنساني" حظي باهتمام المخرج السينمائي والسيناريست الإيطالي "روبرتو روسليني" حيث حوّله فيلماً، وكذلك المخرج الإسباني بيدرو إلمودوفار الذي استثمره في فيلمه "قانون الرغبة". مما يؤكد عالمية هذا العمل  المسرحي الذي أغرى الكثيرين لإعادة تقديمه واستثماره فنيا فحققوا من خلاله نجاحا متميزا على مدى قرن من الزمان، واليوم أتى الدور العلمي والفني والجمالي على الدكتورة عواطف نعيم لتقيم تناصّا مع هذا النص السمين فكريا والمرادف لجوّانيات النفس الإنسانية والذي سجلت من خلاله تجربة فريدة لخصت لمرحلة مهمة مفصلية من تاريخ العراق نعيش تفاصيلها الآن بريادة اعترف بها الجميع للدكتورة بأنها أول من استلهم مسرحيا التظاهرات المشروعة للمواطن العراقي في مواجهة مميتة مع الفساد والظلم وكبت الحريات.

تجلى التناص هنا بمقاربات سيميائية ذات دلالات اجتماعية معينة مع بعضٍ من خطوطِ (الصوت البشري) الدرامية لا جميعها .. وللامانة لمسنا هذا التناص في خصوصية جزئية غاية في المحدودية أطرتها حقيقة انفراط الأحبة مبعثرين في المنافي .. في الغياب .. في الموت .. في العزلة .. العزلة التي أسست لعزلة أكبر سيدتها المرأة التي أضحت وسط ذلك الإنفراط أنينا يحز رقاب الطمأنينة.. مع تواجد علامة تناصية واضحة الدلالة متعلقة بالهاتف الذي تمثل كخيط نسيج محكم تحاك به الفرضيات الواقعية بأناقة درامية واضحة وله تناصه المثمر في جسد وبنية العرض عموما .. وبالتالي ليس هناك أكثر من هذا التناص ممكن لنا تأشيره في عمل "انتظارات مرّة" أما الحكاية وحركتها التصاعدية، والبوح الظاهر والمخفي المعبر عن واقع مُعاشٍ لا افتراضي، وكذلك اجتهاد الكاتبة في تفكيك الشخصية الواحدة وجعلها ثلاث شخصيات فاعلة، وأيضا مشهد الختام الذي لامس بل استحوذ على أناتنا في التواطئ النفسي مع اللعمل والذي اجاب عن كم التساؤلات الهائلة المستترة في اعماق العرض والتي قام المتلقي بتفكيكها الى عناصرها الاولية كعلامات بسياقات دلالاية تركيبية كشفت المعنى بتشكيل معنى اضافي متوالد نتيجة لاختلاف القراءات التي اكد عليها سوسير، كان كل ذلك وغيره صناعة محلية سيدتها الدكتورة عواطف نعيم.

قد يعتقد البعض أن ذكر جان كوكتو ضمن مفصليات الدعاية للعمل من خلال البروكرام غاية مبطنة اعتملت فكر الدكتورة بأنه أحد الإيجابيات المغرية لمتابعة العرض المسرحي من قبل الجمهور لما لصنيعة جان كوكتو العالمية "الصوت الانساني" من تعالق قوي مع الذاكرة المسرحية وهالة جمالية كبيرة لدى المتلقي تبرر استثمار إسم جان كوكتو من قبل فريق العمل.. لكن هذا السبب قد يجوز على غير عواطف نعيم التي كونت إسما مشعا كالذهب في كل أعمالها السابقة مع ما لها من جمهور كبير تجاوز المحلية. وليس هي من يتعكز على أسماء عالمية بهذه الخصوصية الدعائية لأنها هي بالذات إسم عالمي تسيد الجمال المسرحي منذ ان وطأت قدماها أول خشبة مسرحية إبّان شبابها ولن تحتاج لمثل هذا السلوك .. من لا يعرف الفنانة القديرة عواطف نعيم؟ التي شهدت لها الخشبات وشاشات التلفاز بعلو الكعب فكريا وجماليا ..

لو لم يذكر الصوت الانساني كنص متناص لتبادر الى الذهن أن التناص المقصود في حقيقته هو التناص الواقعي مع الهم العراقي العام.. وقد يكون تناصا مع أعمال أخرى لعواطف نعيم تميزت بسلسلة أوجاع احترفها المواطن العراقي في اجترار  الأنين.. تناص مع تاريخ المسرح العالمي التثويري الذي أخذ على عاتقه تأصيل التغيير في الواقع راديكاليا .. ووفقا لما مر يتجلى التناص الذي قصدته الدكتورة عواطف نعيم كتداخل وتعالق سيميائي لا لفظي مع مقتربات تعنى بجنس الفجيعة التي اجتمع العالم تحت سقفها والتي صنعها الفقد والغياب .. كل ذلك ممكن له ان يفتح لنا أبواب تفسير وتأويل هذا المصطلح (التناص) الذي فتح بدوره الأبواب مشرعة أمام اللسانيين ليغوروا عميقا في طبقاته منذ ولادته في ستينيات القرن الماضي متناولين اشكالياته وما رافقها من رؤى تمثلت احداها بموت المؤلف والغاءه لكنهم في النهاية اتفقوا على مشروعية التناص المتوالد من سيميائيات الملفوظات المحاكة بنيويا ودلاليا، باعتبار ان كل نص هو مخلوق توالدي تفاعلي وتواصلي لم يخلق من عدم.. والفضل في شيوع التناص الحقيقي المشروع يعود لتبادل التجارب الادبية فيما بين الشعوب وبما اصطلح عليه في زمن ما بعد الحداثة بــ "العولمة" والتي تقودنا للمطالعة المكثفة لمنتجات الاخرين وازدحامها في تلافيف الذات الانسانية وذوبان البعض في الكل مما خلق تعالقَ النصوص فيما بينها بتوالد اميبي. وتعضيدا لكلامنا بمشروعية التناص المنافي للسرقة نورد هنا بعض الرؤى والأطاريح لكبار فلاسفة واساطين الأدب.

التناص في رؤية المفكر والناقد الفرنسي "رولان بارت" بمثابة البؤرة التي تستقطب إشعاعات النصوص الأخرى متحدة مع هذه البؤرة لتؤسس النص الجديد "المتناص" ومن ثم يخضعان في الآن نفسه إلى قوانين "التشکل" أو البناء وقوانين "التفكك" أي الإحالة إلى مرجعية ما أو إلى نصوص أخرى.

أما "جوليا كريستيفا" وهي أديبة بلغارية وعالمة لسانيات وهي مؤسِسة جائزة سيمون دي بوفوار  فقد اعتبرت التناص أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها معاصرة لها. واردفت قولها بعدم وجود نص خال من مدخلات نصوص أخري وقالت عن ذلك: إن کل نص هو عبارة عن "لوحة فسيفسائية" من الاقتباسات وکل نص هو تشّرب وتحويل لنصوص أخرى. ومن وجهة نظر "ميخائيل باختين" أن الکاتب يتطور في عالم مليء بکلمات الآخرين فيبحث في خضمها عن طريقة لايلتقي فکرة ما إلا بالکلمات التي تسکنها أصوات أخرى. ويري "فوکو" بأنه لا وجود لتعبير لايفترض تعبيراً آخر ولا وجود لما يتوالد من ذاته.

لنخلص في النهاية ان التناص عملية وراثية للنصوص بمجملها وهو ملتقى نصوص کثيرة بحيث يعتبر قراءة جديدة وهو ما نسميه بالتداخل والتعالق الروحي او التوارد التوأمي السيامي والفاصل بينهما بلا شك هو زمن الكتابة.. وللامانة ووفقا لقناعتي الشخصية لم يكن هناك تناصا بين الصوت الانساني وانتظارات مرة سوى الجو العام المتحدث بلغة الفقد والغياب.

القراءة الثانية

وفقاً لما للمسرح من سلطة روحية وقدرة تأثيرية سحرية هائلة لإنتاج قوى معرفية تعيد الفكر الى جادته ليأخذ مداه في إعادة صياغة الحياة بشكل جديد شهد العرض المسرحي }انتظارات مرّة { تجليات غامرة وعامرة بالجمال والمعرفة والدفع بتأويلات المتلقي باتجاههما فكريا بتبنيات فلسفية راديكالية رائدها البحث عن مظاهر الجور والظلم والفساد والقهر في المجتمع واجتثاثها نهائياً بمعية البحث عن مظاهر الالم والوجع ونكوص الانسان وانحساره كصانع للحياة في نفس المجتمع لاجتثاثها هي الاخرى من اجل مجتمع سليم معافى ،،، كل ذلك كان مصدره : د.عواطف نعيم المعروفة بنزعتها الدرامية الشعبية المنتقاة بواقعية سحرية من خلال رسمها الدقيق لمكونات الشخصية المسرحية التكاملية بمرجعياتها المختلفة الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والتاريخي ودور هذه المكونات في البناء الهرمي لإنضاج الحدث من خلال انفعال وتفاعل الشخصيات الخالقة والمكونة له وهي تبوح مسترسلة بحوارات مونولوجية فردية بصيغة مونودرامية وبدائرة تواصل لفظي تطهيري ضمن تواصل وجودي تحريضي مداره الأنا المستلبة،، هذا في الظاهر المفترض أما في الباطن الحقيقي فهي تجلد بعضها اي الشخصيات وبالتعيين بحواراتها بسياط لفظية تنتج خطوطاً من الإهتمام والإصغاء المشترك فيما بينها، وبتقاطع تشتبك فيه الهواجس في دائرة صراع موحدة، وتنحاز فيه العلامات باتجاه تذكية هذا الصراع المُنْتِج لزمنٍ، ومكانٍ مغايرين، لهما واقعية واضحة بمقتربات لا تغادر الذاكرة الجمعية الشعبية لتكون مُخْرَجات هذا الصراع في ختام العمل عرضٌ للمشكلة بمعية حلها .. لتؤكد الدكتورة عواطف نعيم في نهاية المطاف رغم استقلالية هذيان الشخصيات عما يحيطها بسرد فردي مؤكدة أي د.عواطف نعيم على ذوبان الفرد في الجميع لوجود مشتركات متعددة بين الشخصيات من جانب، وبين كل شخصية وذاتها، وبين الشخصيات عموما والجمهور الذي يجلس متسمرا وهو يتابع حياته مجسدة بالصوت والصورة .. وبشاعرية تنطلق من الهمس المشترك ولا غير الهمس لتحدث وتتفجر علامات ودلالات ابستمولوجية إثر ذلك مجالها ذات المتلقي الذي يكون على عاتقه ترجمة الفعل المسرحي بواقعية هو بطلها بمعنى رمي الكرة في ملعبه وعليه أخذ المبادرة في التغيير  المرجو من المسرح باقتران مع لعبة (400بريد) في الاستلام والتسليم في مسابقات العاب القوى.

دأبت الدكتورة عواطف نعيم منذ ان عرفها الجمهور كأحد الركائز الاساسية في صيرورة المسرح العراقي دأبت على تبنيها بوعي منتشي، ومتحرر للمسرح السياسي باحتجاجية جريئة وشجاعة، تضع من خلاله النقاط فوق الحروف معلنة رفضها الواضح لكل ما يأكل من جرف إنسانية الإنسان وكرامته مع انحياز واضح الى فلسفة مسرح المقهورين وهي تبلور جهدها المسرحي الخلاق كعلامة فارقة منتقلة برشاقة المفكرين، هذا الإنحياز الذي أكدته أعمالها الكبيرة وهي تطرق بشدة على وعي المتلقي الإنسان  (تحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر) هي مراهنة واثقة وليست يائسة من قبل المخرجة على طاقات الإنسان المعرفية ومكنونات روحه المبدعة في القدرة على التغيير الإيجابي والذي من أجله وجد المسرح، مع إدانة واضحة للقوى الظلامية مصدرها قلمها الفذ وقدراتها الإخراجية والتمثيلية في جميع أعمالها من خلال سلسلة الوجع المهيمن على الروح كنتيجة فعلية للحروب المتعاقبة لبلدها العراق وهي تراه متخذاً لوناً خاكياً إشارة الى عسكرة المجتمع التي أكلت من جرف جماله وإبداعه وحياته وحريته. والأجمل من كل ذلك أنّ الدكتورة عواطف نعيم وإنْ أظْهرت شخصياتها وهي تنحني في خطواتها داخل بنية العرض نتيجة ضغط الهَمِّ المتراكم.. وقسوته.. والوجع المستدام.. ونكباته التي أرهقت الشخصيات واقعيا وافتراضيا.. وكذلك وإنْ بدت مفعولاً بها ومغيبة بشكل قسري،، لكنّ الدكتورة جعلت تلك الشخصيات اللاافتراضية تتجلى قافزة كحمم البراكين من رحم السكينة والاستسلام لتكون جبلاً يمازح النجوم متحولةً من مفعول به الى فاعل مؤثر قوي نشيط نتيجة الذي ذكرناه آنفا في مراهنة عواطف نعيم على حقيقة الإنسان التكوينية والكمالية والإرادة التي وهبها الله له في تحويل الخسارات والهزائم الى انتصارات مخلدة وهذا ما هو متحقق في تبني الإتجاه المسرحي السياسي والبريختي بمقتربات فلسفية مسرحية مع مسرح المقهورين لتخلق لنفسها واسمها وتاريخها مسرحاً أوسع فكراً واشمل معنى وأكثر جمعاً لعناصر التأثير وأبلغ قدرة على التغيير بمسمى حداثوي واقعي أسميته (مسرح الضوء) الذي يبدد كل الظلامات بمختلف اتجاهاتها بدءً من أصل الفعل المسرحي الجمالي الطارد للقبح الذي تسيد الكثير من العروض الهامشية للغير وانتهاءً بفكرها الإبداعي المحرض على زحزحة كل ظلامات الواقع المر الذي يعيشه الفرد والجماعة على حد سواء .. وهي في كل ذلك تنحو منحى الإصلاح التدافعي بطريقة تدافع كتل الضوء لطرد الظلامات ، ونزولا عند العقيدة العرفانية (الحسنات يذهبن السيئات) والجيد يطرد الرديء.

القراءة الثالثة

هوية العرض عنوانه والعتبة الاولى في اختزال كل المعاني والدلالات السيميائية الذاهبة باتجاه بلورة الانطباع العام وتمفصله في الذهن الكاشف عن بنية العرض وموضوعه وهذا ما شكله عنوان العرض من توهجات فكرية ساهمت في تهيئة المتلقي للغور اركيولوجيا في بنية العرض الدلالية مولدا معانِ مهمة ساعدته على تقبل ما شاهده بيسر دون لبس او تأويل مضاد.. هناك انتظارات مريرة تشكلت كفأر خرافي يأكل منسآت ارواحنا نتيجة لفصول القهر العديدة التي ألمت بذواتنا حيث كان يتسرب من بين فجوات اسنان هذا الفأر الخرافي ثمة تساؤلاتمن صنع آلامنا: وماذا بعد هذا الانتظار؟ مالذي سيحدث؟ مالذي سيتغير؟ لذا ياتي الجواب من أصل مرارة الانتظار باللاشيء باللاجدوى .. ولشدة هذه المرارة ولانها لم تعد تستساغ مطلقا كان لابد لها من مواجهة بالرفض والقول (لا) لا للانتظار مقعيين في خانة الخوف والوجل ننتظر نهايتنا مستسلمين لقدر يصنعه الاخرون لنا وفينا .. وبمجرد أخذ المبادرة في الرفض ذابت كل الموانع التي كانت تحجرنا في خانة القطيع الراضي بقسمه والمتحول نتيجة لهذا الرفض الى ذات انسانية حقيقية تمج كل هذا الفساد المستشري وكل هذا الجبروت الخانق انها ثورة العنوان المسرحي التي تبنتها توجهات الكاتبة والمخرجة الدكتورة عواطف الفذة نعيم.

القراءة الرابعة

بوهج فلسفي تمردي وتحريضي على تبني الجمال في الطرح المسرحي والثورة الجادة في تأصيل تفاصيل وتقنيات هذا الطرح مع تأكيد قصدي على حقيقة مطلقة مفادها ان المسرح ليس وسيلة للترفيه فحسب بل هو مجالا واسعا للتغيير نحو الافضل والاجمل في كل مرافق الحياة .. ووفقا لما قلنا آنفا أطلّ العرض المسرحي (انتظارات مرّة) علينا محملا بالرصيد المتراكم من التجارب النوعية في المسرح، على مستوى الكلمة، النص، والمعالجة المسرحية، وما تقتضيه خشبة المسرح من متلازمات فكرية ومادية متلاقحة بنيويا متخذة تشكيلة بانورامية تستعرض التجربة العراقية المجترّة لتراكامات الآلام باستثمارها كتوهجات وتوجهات فلسفية برزت كحجرِ زاوية في تمظهرات العرض المسرحي "انتظارات مرّة" مقتضاها : أنه تأتي علينا ساعات خارج أسوار الخوف نُقَشِّرُ فيها صورنا المُقَمَّطَة بقماط سلطوي لا يبدو منه رأسٌ للحقيقة سوى  شيء مبهم، لننفض بقوة غيبية هذه الأقمطة بعيدا ونعلن وبشجاعة عن زئبقية الفرح الذي ما إن تمسكه بقلبك حتى تنبري الحرب منزلقة تتسيد واجهة الحياة بسلسة مواجع بتواطئ مع عقيدة : "أنّ خشبة العرض هي صيرورة وجودنا في الماضي والحاضر والمستقبل" لينفعل هذا الوجود بمراجع : سـوسـيولوجية،، ســياسية،، ايديولوجيـة،، تاريخيــة،، تلتحم مع بعضها لتشكيل التجربة الذاتية للرباعي المتجانس (الكاتب،، المخرج،، الممثل،، الجمهور) ومن علق به ابداعيا من فنيين وغيرهم.. هذا الرباعي الذي عُرِفَ بتجربته الذاتية المرّة في معايشة قسرية الحرب ولبس رداء مأساتها، فهم كانوا حطبها المتوهج وجربوا وتعايشوا مع خساراتها التي أكلت من جرف وجودهم كذوات مثمرة.

لو أنّ احدهم صفعنا بسؤال هو في حقيقته كمزمار الحاوي لإخراج رأس الأفعى من السلّة واستلال ألسنتنا من مخابئها، بالتأكيد سينفجر بركان الحكي من افواه يابسة ستحكي وتحكي وتحكي حتى ينقطع النفس، مع سيل من دموع ساخنة تلسع حرارتها ضمائر الانسانية .. ولكن ما هو  هذا السؤال الذي سيفجر ذوات الحكواتية اصحاب التجربة؟؟؟

- ماذا تعني لكم الحرب؟؟؟

الحرب اسد هصور لاك بين فكيه اعمارنا الغضة.. وقتل احلامنا وهي تتوسل تحقيقها على ارض الواقع بوطن تصنعه ضمائرنا وسواعدنا لا وطن تصنعه (حلاوة النصر) التي شبعنا من أكلها فأمرضتنا وهي تُقَدَّمُ لنا نهاية كل هزيمة مسلفنة بأوهام الإنتصارات حيث لا عبارة تتسرب لوعينا الجمعي سوى (يا محلى النصر بعون الله).

أي نصر هذا الذي يخسر المنتصر فيه كرامته، شخصيته، ثرواته، اعمار ابناءه، أخلاق مجتمعه، مكتسباته التاريخية والحضارية .. الحرب بنت كلب كما قالها صغيرنا وكبيرنا ولم نعرف معنى الانتصار  فيها طيلة حروب القرن العشرين وحتى الان في 2019 إلا في الشعارات والخطابات الحماسية للزعيم الأوحد المؤيد المسدد بالله. لنخرج في نهاية المطاف بحقيقة أحادية متفردة أن النصر في مفهوم الأنظمة الشمولية محصور بدلالة واحدة، وهي بقاء هذا القائد مبتسما بفم اشدق، متسيدا رقابنا حتى قيام الساعة ملوحا بيد كالساطور وهو يحيي ذواتنا المنحنية امام سلطانه أن لم نهتف له بالروح بالدم فالنهاية أثرٌ بعد عين.

هناك اقمطة حاكت عراها حول الانسان ارادت الدكتورة عواطف تعريتها ازاحتها مسرحيا طلبا للحرية من خلال ثلاث قصص لثلاث نساء الخطيبة والزوجة والجدة وهنا نُؤشر انقلاب فكري اخراجي على سمة الشخصية الواحدة في "الصوت الإنساني" حيث جَزأت الشخصية الواحدة في منتج جان كوكتو الى ثلاث شخصيات في منجزها "انتظارات مرة" وهو سلوك اخراجي يشي بعمق الفلسفة المسرحية لضخ الدم المنفعل في شرايين العمل بخلق حبل سري يجمع الوجع المتعدد للنساء الثلاثة هذا اولا ولقتل رتابة الشخصية الواحدة ثانيا ولبث الحياة في الحبكة وهي تدور على الشخصيات الثلاثة مع بعد باتافيزيقي يتمثل بحكاية داخل حكاية وبمسرح داخل مسرح اشارة الى تفاعل الشخصيات الثلاثة بشروط الشكل والهيئة العامة للمسرح كوجود مكتمل من خلال الممثل والجمهور وتحت شعار "احكي واشاهد" باعتبار الانسان كائن ناطق ومستمع ومتفاعل مع محيطه العام.

هؤلاء النسوة اللاتي نقلْن صورة المرأة العراقية التي لا يمكن تمثلها الا وهي بثوب حداد يخفق في المدى .. حيث استطاعت الدكتورة عوطف نعيم ككاتبة ومخرجة للعمل ان تزيح هذه الاقمطة الثقيلة المتمثلة بالخوف وحيرة الإنتظار هاتان الصفتان اللتان لازمتا الشعب المستكين طيلة عقود فارهقت ما به من قوة، حيث سافر بنا العرض عبر الزمن من خلال ثلاثة اجيال او ثلاثة مراحل زمنية رائدها الحروب العوراء .. السفرة الاولى كانت مع فتاة شابة مقبلة على الزواج من خطيبها حسن الذي تكرر اسمه مع المرأتين الأخريين كعلامة ودلالة على وحدة الموضوع في توجهات الحسنيين الثلاثة كرجال جعلهم القدر في موقع المسؤولية للدفاع عن ارض الوطن .. أطلت علينا الخطيبة الشابّة التي ادت دورها شيماء جعفر وهي تتواصل بحديث شيق محاك بيد من حرير عبر الهاتف مع حسن والذي وعدها بمجيئه وعودته من ارض المعركة قريبا لاتمام الزواج لكن الاتصال انقطع عند نقطة درامية متوهجة عدت كحبكة داخلية لمشهد ضمن مجموعة مشاهد وهو مايميز انطلاقات عواطف نعيم المسرحية التي لا تنتهي.. حيث تَعْمَد الى خلق مجموعة حبكات موزعة في بنية النص تبني وتؤسس للحبكة الرئيسية في العمل كل ذلك من اجل الحفاظ على الايقاع بتصاعد لذيذ يغني الحدث ويقوّم الشخصيات ويعطيها الفرصة لفرض وجودها بفاعلية مهيبة مع وخزات تنشيطية للمتلقي للإحاطة بما يجري أمامه.

هذا الانقطاع في الاتصال الهاتفي فتح سجلا كبيرا لمراجعة الخسائر التي تحدثنا عنها والتي هي من ثروات الحرب الطبيعية.. ومما اغنى هذه اللحظة واججها دراميا هو هذا القلق الذي صورته الفنانة شيمياء جعفر بمعية صمتها المتقطع بين حيرة سؤال وحيرة توقع قاتل لجواب يعد كالقاضية لها وهي تستعلم عن حسن ليأتيها الجواب من عامل البدالة بقول فصل ينهي اجترار الاسئلة "اين حسن .. لم انقطع الاتصال .. مالذي جرى لحسن .. لماذا لا يرد على سؤالي .. متى يكون زواجنا .. هل فعلا سيتزوجني حسن" واتى الجواب المنتظر باستشهاد حسن بشظية اخترقت رأسه واستقرت فيه .. لحظات الصمت هذه التي رسمتها عواطف نعيم واتقنت تجسيدها شيماء جعفر اثناء اتصالها الهاتفي وانقطاعه أغنت مفهوم الدراما الذي انتقل ايساغوجيا في هذا العمل في سياقات تركيبية من الدلالة على الحركة فقط إلى الدلالة على الحركة والسكون ومن الدلالة على الكلام والحوار والصوت فقط الى الدلالة على الصمت مع انفعال عكسي بدلالة السكون والصمت على حقيقة مفهوم الدراما.

كان لجواب عامل البدالة باستشهاد حسن بشظية اخترقت رأسه تشكيل حقيقي لشظية اخرى من صنع الجواب او الخبر وهي بطولة معهودة لعامل البدالة في كل اتصالاته ابان الحرب وهو يبعث اخباره المميتة على الدوام ونتيجة لذلك تخترق شظية الخبر رأس الخطيبة ليكون سياميا مع رأس خطيبها .. هذا الرأس الذي رفضت تلك الفتاة ان يحتض داخله غير صورتها وحقيقتها كحبيبة وخطيبة مما ولد لديها خيبة كبيرة وعتب لذيذ لخطيبها حسن....

-  كيف هان عليك ان تشاركني مكاني ومملكتي في رأسك بقطعة حديد ساخنها اسمها شظية ..

اااه كم استفزتني هذه الغيرة الأنيقة التي احكمت عراها في قلب هذه الفتاة وهي تُشكل عليه استقبال رأسه هذه الشظية الغبية التي اتخذت من النعت المؤنث صفة لها وكأنها تقول أي الفتاة

-  انت لي وحدي انا ..من تكون هذه الشظية؟ حتى تفتح لها رأسك لتستقر فيه

وفي رأيي المتواضع ان الدكتورة عواطف كانت ذكية في تناص (الغيرة) لبطلة جان كوكتو مع بطلتها الخطيبة المكلومة في جزئية الشظية.

حسنا فعلت المخرجة باستثمار الوسادات وخاصة مع شيماء جعفر من خلال تعاملها معها بوضعيات مختلفة اغنت الموضوع حيث اعطت فكرة ما بعطش نسوي للحظات حميمية مع الحبيب لحظات سرقتها الحرب وداسها قطار العمر .

كان للهاتف المستخدم في اتصالات شيماء جعفر  وهو من النوع القديم بسماعة وسلك ومزول للارقام وبشكل متعارف معهود دلالات مشرقة بالعزلة والوحدة والجنون تلمسنا نحن المتلقون جانب من هذه العزلة بحق وحقيقة ونحن نمسك هواتفنا الخلوية، كما أعطى دلالة زمنية معينة وان اشتبكت فيها المسميات الزمنية المترادفة مع حروب مختلفة لكنها ومن خلال السياق والنسق الدرامي وطبيعة الحوار وسيميائياته تم تحديد الواقعة حيث كانت في حرب الخليج ذات الثمان سنوات. وما ميز هذه الفتاة هو عشقها للسلام وتأكيدها على تبني الحوار في فض كل ازمة يمر بها الوطن بعد ان انقطع الاتصال بخطيبها مما دعى المخرجة لاستثمار هذا الانقطاع والذهاب باستراحة جميلة بتمرير بعض الانطباعات والرؤى لمجمل الحياة التي نعيشها باشارة من شيماء جعفر لبعض التفجيرات الحاصلة هنا وهناك وتواجد الاختلاف السياسي والاجتماعي والذي كان رأيها فيه بقولها (ليش ما تكعدون وتتفاهمون وتحلون مشاكلكم بهدوء) وهو الامر الذي يحيلنا بتداخل زمني ومكاني تميز به العمل بين الشخصيات في حواراتها وكأنها شخصية واحدة عاشت كل هذه الاحداث المختلفة بنفس واحد لكن باقنعة مختلفة على اعتبار ان الخلافات بين ابناء الوطن الواحد مازلت تدب فيها الحياة ويتوهج لظاها مع كل تغيير سياسي.

بعد ان عجزت شيمياء جعفر عن تكذيب عامل البدالة وخبره بشأن خطيبها حسن وبعد تمام يقينها باستشهاده احتالت على نفسها بكذبة مفضوحة تعتاش على كذبة اخرى تواطئها في الحلم وتختلف عنها في التقنيات من صنع ذاتها المكلومة مفاد هذه الكذبة ان حسن لازال على قيد الحياة وهي اشارة الى رغبة مستدامة عند الجميع بان العراق بخير وسيكون بخير وسيبقى بخير رغم نيران الفجيعة التي أكلت الاخضر واليابس فلجأت الخطيبة الى مواصلة القبض على سماعة الهاتف وهي تنزوي في اقصى عمق المسرح متبنية الانتظار كحل لكل هذا الوجع وهو برأيي فعل اتخذته نتيجة الخوف .. الخوف من سلطة اكبر ربما او الخوف من الاعتراف بانها فقدت خطيبها والذي سيقود الى وصفها بزوجة شهيد هذه الصفة الثمانينية التي لوثت سمعة نساء الشهداء كاجراء نفذته الحرب وسياسة الدولة وهو مازال اجراء حقير يقوض المجتمع ويقتل جدوى الشهادة. هذا الخوف الذي جعلها ان لا تتصارح مع الجمهور وترفض وجعها ومن كان له الدور الاساس في صناعته،، ولقدراتها كأنثى بلا حول ولا قوة،، ونتيجة لتفاهة سنن المجتمع عمدت الى الخنوع في اعماق الذاكرة الانسانية معللة قلبها بالانتظار  .. في هذا السياق الدرامي الذي نطالعه عند عتبة شيماء جعفر يقفز امام رؤانا تساؤل لا يخلو من قصدية تعنى بالجنس البشري.. اين صوت الرجل وما حقيقته على الطرف الاخر؟ اراه مخنوقا يمتهن الغياب ...هل هو حقيقة متشحة بالظلال ام وهمٌ مخادع من صناعة نون النسوة؟ ما مدى ايمان الدكتورة عواطف نعيم باهمية صوت المرأة وهو يعلو خانقا صوت الرجل .. بروز صوت المرأة وغياب صوت الرجل بهذا الشكل يدعونا للاعتقاد بان خير من يتحدث عن الالم هو المرأة وهي خير ممثل للمآسي وتفاصيلها .. لكن غياب صوت الرجل يجعلنا ننتفض بالقول ان الحكاية ربما كانت كذبة اختلقتها المرأة لتقضي على اخر انفاس الزمن والوقت الثقيل الذي تصارعه في وحدتها بابتداع حكايات مزيفة تتلوها على اسماع الجمهور الذي وجدت به خير شريك لمؤامراتها بقتل الوقت وهو يصيخ السمع بانشداد ملحوظ.. ونزولا عند هذا الاشكال اجد ان اكبر الكاذبين هم اصحاب الصوت الواحد الصوت المونودرامي احادي النغمة لذلك تراها أي الخطيبة بعد تعبها وارهاقها تكف عن الكذب بحواراتها الاحادية فتعمد الى الانكفاء على نفسها بنظرات حزينة في اللاشيء لكنها تبقى تتابع بوعي آخر لما يدور حولها داخل اسوار الخشبة متحولة كمشاهدة ومتفرجة على حوار تلفوني آخر لشخصية اخرى وهذا ما درجت عليه الشخصية الثانية التي مثلتها الفنانة سوسن شكري بعد ان تلقت خبر استشهاد زوجها من قبل عامل البدالة ومن خلال الهاتف الذي كان من نفس النوع السابق المرافق لشيماء جعفر باشارة الى تقارب تقني وزمني بينهما بتوقع ان تكون الاولى في حرب الثماني سنوات والثانية اما  في حرب الخليج الثانية ابان الواحد وتسعين او في حرب داعش.. اختلفت الوانُ الهاتِفَيْن وتعدد الألوان في هذه الجزئية اشارة الى تعدد جهات الوجع وتعدد مصادره وتعدد شخصياته وكذلك اشارة صريحة لفسيفساء الوطن من المكونات المختلفة من الشمال الى الجنوب والتي اعتصرها القهر  بتناسخ عجيب لادواته القمعية..

تجاورت حيثيات حياة الخطيبة والزوجة بنفس لغة المأساة لكن بتمايز معين، كانت عواطف نعيم في اشاعة هذا التمايز في جسد العرض ذكية بمراعاة عمر الشخصية ووجودها الاجتماعي من خلال طبيعة الشخصيات وما تناثر عنها من افعال حيث لاحظنا تمايزا بين شيماء جعفر وهي تتحدث مع خطيبها بحركات وافعال فيها بعض النزق الشبابي وبايحاءات جنسية تؤكد عمر الشخصية وعشقها للحياة وبين الشخصية الثانية التي وجدنا فيها اعتدادا ورصانة وقوة مع تأكيد للعمر من خلال اسقاطها عند دخولها الخشبة لاواني الطبخ وهو دليل عظم المأساة التي ارهقتها مع تقدم بالعمر ناسبته كثيرا ممتلكات سوسن شكري العمرية والجسدية والادائية.. ومع هذا الاختلاف في العمر وطبيعة الشخصية وأناتها واختلاف طريقة الاستشهاد لزوجيهما الاول بشظية والاخر نتيجة لتفكيكه قنبلة موقوتة الا انهما اتفقتا على نفس الحل بتواطئ له مبرراته النفسية والوراثية نتيجة للخوف المهيمن على الروح والذي هو الحالة العامة التي كان يعيشها الفرد .. فلم تكذب الشخصية الثانية "سوسن شكري" خبرا فلجأت الى عمق المسرح ممسكة بسماعة الهاتف مواصلة الاتصال بشخص لا وجود له "عامل البدالة" ربما استشهد هو الاخر لذا لن يكون هناك جواب في قابل الايام سوى الووو .. الووو .. الووو .. طوووط .. طوووط .. طوووط.

وهنا احب ان اذكر معرجا على فكر المخرجة الكبير واستثمارها لجغرافية المسرح الذي احتضن العرض رغم محدوديته وعدم وجود الفضاء المناسب له وهي حالة عامة يعاني منها الكثير من مسارحنا كما يعرف الجميع لكن المخرجة قفزت بأريحية فوق هذا الاشكال مستثمرة ذلك الحيز الجغرافي المتواضع بإقعاء الشخصيتين المنتظرتين في عمق المسرح وهي علامة سيميائية بدلالة ثقافية اجتماعية حاذقة بانزواء المجروحين في خانة النسيان وان بدتا ظاهرتين امامنا تحت انوار المسرح.. مع اشراقة يجب ان لا نغفل عنها باتجاه ادانة المجتمع للمجتمع ادانة ذاتية من جنس الفعل هذا المجتمع الذي لم يتحمل مسؤولياته بتخفيف كم الالم الذي نال هذه الشريحة من النساء المثخنات بالفقد مع حقيقة لازمت الشخصيتين مفادها الهروب المستمر بمعية اخر ذكرى لمن فقدوا وهو الهاتف.. الهروب من مجتمع اعلن قسوته مع اول كلمة الله اكبر واول شهيد قاتلَ بالنيابة في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل وهو القاسم المشترك الاوحد في كل حروبنا والذي اعلن عن نفسه كحقيقة ثابتة .

الانتقالة الكبيرة للحدث والمفارقة الدرامية للعرض بشكل عام والثيمة العالية القيمة التي طفت على السطح كإعلن وجود هي لحظة دخول شخصية الجدة التي جسدتها الفنانة الكبيرة سمر محمد والتي رتبت اوراق العرض المبعثرة حينما تلقت خبر وفاة حفيدها وابن بنتها التي ماتت بين يديها لحظة ولادة طفلها الذي كبر واصبح بعمر السابعة عشر حيث أُبلغت باستشهاده في ساحة التحرير مطالبا بالحرية ونبذ الفساد والظلم .. وهنا لابد لنا من الاشارة الى زمن الكتابة للشخصية الثالثة الذي واطأ زمن السرد والذي بدوره واطأ زمن العرض وهذا دليل على تلاحم المسرح مع قضايا الجمهور واستجابته لهول الأنين الشعبي برفض الظلم والفساد وتجسيد هذا الانين مسرحيا مع ملاحظة دقيقة يجب الالتفات اليها وهي تحمل على اجنحتها فكر الدكتورة المتقد حينما جزأت الشخصية الواحدة وجعلتها ثلاث شخصيات راعت في ظهورهم انسياب الزمن "العمر" بخط قطري متخذا شكلا بيانيا بمعادلة رياضية (الفرق بين مربعين) عندما جعلت الاولى خطيبة جندي تطورت بعدها لتصبح زوجة ضابط ثم تطورت عند الذروة لتصبح جدة ثائر مما يدل على ذكاء الدكتورة الدرامي الذي يرمم الشخصية بإقناع مميز.

الملفت للنظر بتميز الشخصية الثالثة عن الشخصيتين الاوليتين يتجلى بسياقات عدة توزعت ما بين الفكري والواقعي والنفسي عكست اختلاف التوجهات العامة لعراقي الامس عن عراقي اليوم وعكست طبيعة الولاءات الذاتية للرجل وسبب استشهاده فيما مضى عن سبب استشهاده في الزمن الراهن كما عكست عن طبيعة نون النسوة وتوجهاتها الوطنية واختلافها عمن سبقها. هذه الاختلافات بين الماضي والحاضر استقيناها من التالي من المفارقات وكأن العرض وضع امامنا كما تفعل المجلات بصفحتها الترفيهية لاكتشاف الفوارق بين صورتين معروضتين للجمهور تحت عنوان جد الفروقات السبعة بين الصورتين.

تواجدُ الهاتف النقال بيد الجدة عكس الهاتف القديم بيد الخطيبة والزوجة كعلامة زمنية تقنية وضعتنا في الزمن المناسب المحصور بالعشر سنين الاخيرة والذي سيتحدد بالزمن الحالي المعاش من خلال استشهاد الشاب في التظاهرات في ساحة التحرير  مع بروز علامة مهمة مكثفة المعنى مجالها أن خطيب الاولى وزوج الثانية كانا يقاتلان دفاعا بالنيابة عن مسميات مختلفة بلا وعي بلا رغبة تم جرهما لحماقات لا ناقة لهما فيها ولا جمل ، كان الموت لديهم قسري مجبرين عليه مع رغبة مؤكدة بان يكونوا في استشهادهم اخر القتلى عكس الحفيد الذي انتفض من اجل المطالبة بحقوقه المسلوبة واحلامه المنهوبة وحرياته المذبوحة على محراب الديمقراطية المزيفة مع رغبة حقيقية لاسترجاع حقوق الجندي والضابط اللذان سبقاه في الموت المجاني ، فكان موته رغبة حتمية بنيل الاستشهاد طالبا اياه يريد به وان علا تل الجماجم ان تحقن دماء من يأتي بعده.. وان تُحفظ كرامة جدته بعيش كريم وان ينتهي مسلسل الموت لكنه استشهد برصاصة قناص بإشارة ذكية ومهمة لخسة القتلة مع توثيق لحقيقة استشهاد اغلب الشباب في ساحة التحرير بهذه الطريقة الجبانة.. والامر الاخر والمهم وهو الذي نصب نفسه كخيمة حافظة لجماليات العرض مع تمتعه بالإحاطة بهدف وغاية العرض عموما.. تمثل هذا الأمر بخروج الجدة عن المألوف وتحررها من الخوف والانتظار اللامجدي وادانتها للاستسلام المذل الذي لازم الخطيبة والزوجة فيما مضى مستقية موقفها من طبيعة استشهاد حفيدها الذي ناقض استشهاد من سبقه لذلك اعلنت ولائها للوطن بكلمتها المدوية " جايه.. بعد ما انتظر.. جايه لساحة التحرير"هذه الكلمة التي استحوذت على مناهج الثورات العالمية بأسرها مع استحواذها آذان وظمائر النسوة المقعيات في عمق المسرح مما فجر فيهن الفعل الثوري الذي كان يؤكد عليه بريخت بتعبيره "الشرارة الاولى" مما دفعهن للخروج وبنفس الطريقة وبنفس العبارة الدرامية الثورية الخالدة والتي عجز الكثير من المقعيين عن قولها "جايه.. بعد ما انتظر.. جايه لساحة التحرير" .. انتقلت الشرارة من الجدة الى الزوجة الى الخطيبة بتتابع عكسي لظهورهن الاول مع تحفيز الاجيال الماضية بأثر رجعي وبالتالي انتقال تلك الشرارة الى القاعة والى الجمهور الذي اندفع متفاعلا وهو يعلن اعجابه بالعرض الذي ارخ لحقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث والذي زج بنا روحا وجسدا في خضم ساحة التحرير  حاملين اعلامنا مترنمين بهتاف "سلمية .. سلمية .. نريد وطن.. نريد وطن" .

القراءة الخامسة

حسنا فعلت المخرجة باختياراتها التمثيلية حينما اشركت الفنانة الكبيرة "الجوكر"  سمر محمد سر نجاح ايما عمل تشارك به لانها اضافة حقيقية كحضور مثمر له ثقله الواضح دراميا لما تمتلكه من ادوات تمثيلة مميزة تشي بالحميمية مع المشاهد الذي يأنس بصوتها ذي النكهة المحببة المختمر في الذاكرة كعلامة ابداعية ارخت لنجاح العديد من منجزات الفن العراقي.. وكذلك كان لتقاطيع وجهها الحادة قدرة لخلق كاريزما امرأة قوية تحملت كل جنون الحياة وبوؤسها حيث طابق واقع دورها تلك الكاريزما المتحولة مع كل دور تتقمصه.. اما الفنان القديرة "سوسن شكري" ذات التاريخ المتوهج ابداعيا لم تقل قدرة وفاعلية على انضاج العمل بدور مهم يسجل لها فيه كعلامة وايقونة جمالية رغم كم الحزن الذي علا تقاطيعها وهي تطل علينا باتصالها الهاتفي مع زوجها .. وايضا هنا حسنا فعلت المخرجة بإسنادها هذا الدور المهم للفنانة سوسن شكري لما له من سيميائيات رومانسية هادئة وواضحة ولما له اي الدور من مساحة كبيرة في التشكل وصناعة المعنى لدى المتلقي من خلال اداء كبير متجدد فاجئني وفاجأ الجمهور رغم تقدم العمر والذي استطاعت فيه سوسن شكري ان تنافس وبقوة الممثلتين الاخريين من اخذها على عاتقها مسؤولية اعادة المتفرج لسني وجعه الاول من خلال تشكيلاتها الحركية التي نقرت على صندوق الذاكرة الجمعية ومنها غنائها الاغنية المحفورة في ذاكرتنا الحربية "واحنا مشينا للحرب" مع مسيرها العسكري الذي اوقعنا في حيرة كبيرة دعانا لدعك عيوننا للتأكد من ان الذي امامنا الممثلة سوسن شكري ام جندي عراقي متدرب عسكريا بشكل محترف وعلى يد امهر العرفاء .. اما الممثلة الثالثة الشابة شيماء جعفر والتي اعدها بحق مفاجأة العرض وسر نجاحه لما ابلته من بلاء حسن تمثل في بثها العديد من العلامات وهي تنزاح بدلالات ثقافية واجتماعية حاضرة في خبايا فعلنا الخيالي والمؤولة لدينا بمعاني شاهقة اججت فينا الرغبة بمشاركتها فعلها الجمالي على نفس الخشبة وهي تتحدث وتتحرك بانفعال مع السينوغرافيا بمختلف عناصرها برشاقة الطيور فعشقنا كل ما لامسته يداها من الهاتف الى الوسادة الى الضوء المتساقط فوق عينيها لتحثنا جماليات فعلها اللغوي والجسدي والنفسي الى تبنيات واقعية عند مثابات الحدث وهو يتمحور بين الشخصية وفضاء المسرح كالوجود الاخر الغير مرئي لخطيبها او الوجود الاخر لعامل البدالة حيث دفعت بنا لاحداث لغط في صالة المتفرجين كردود افعال على ما قدمته من اداء يستحق التصفيق لسنين حتى تأتي عواطفا اخرى لتصنع مجدا اسمه شيمياء جعفر. حقيقة واقعة لا غبار ولا لبس فيها ان الميزانسين الضابط لعناصر العرض بمختلف اشكالها ومهمامها اتى نتيجة حتمية للرسم الدقيق للمخرجة لما هو متوفر لديها من عناصر مسرحية بنسبة معينة وبنسبة مهمة لما عكسه ابداع الممثلات وهن يتنقلن بإداء انفجاري وانفعالي مكتنز مشفر  وبرشاقة واضحة دليل لياقة بدنية لها قولها الفصل في نجاح اكثر الاعمال المسرحية فضلا عن اللياقة اللفظية الانتقالية بين حدث واخر..وتعضيدا لما قلنا نورد خطاب ستانسلافسكي  (ينطلق خط الميزانسين من تحت قدمي الممثل) كتشكيل حركي متعارف على اعتبار انه أي الممثل مجمع الرؤى والافكار للمؤلف والمخرج وهو سيد العرض وصيرورته الحركية هي ما نعنيه بالتنظيم المعماري للمشهد او الميزانسين ونضيف نحن (ينطلق خط الميزانسين من تحت قدمي الممثل أي نعم ومن بين شفتيه ايضا ومن خلل احساسه نزولا عند كون الممثل كائنا فاعلا ومتفاعلا مع المحيط وهو المسؤول الاول والاخير عن خلق العلاقة التنظيمية بين عناصر العرض المسرحي ونخلص للقول ان الميزانسين حقيقة الممثل اولا واخيرا.

القراءة السادسة

بالتعريج على سينوغرافيا العرض لابد ان نشير الى حقيقة مهمة لازمت الادوات المسرحية للمخرجة بؤرتها حقيقة أخرى تشكلت اوتوماتيكيا بعرفانية الحلاجين بعبارة "اسقاط الاضافات من الكمال" فكان كل شيء على المسرح باطنا وظاهرا يتصف بالاناقة انطلاقا من الديكور الشحيح الذي لازمه الكمال بعراقية صادقة عكست البيئة المناسبة للحدث كما كانت المخرجة حاذقة في توظيف الاليات الدرامية الحديثة في تضمين رسائلها المشفرة كنوع الهاتف في التسلسل الزمني مثلا مع لُمعات نفسية ارتكزت في البساط الشعبي والوسائد الملغزة بإيجاء رمزي لطلب الراحة بعد زمن ارهق الارواح قبل الاجساد .. مرورا بالأزياء العادية الجميلة المسترسلة ببساطة ممتعة بتناسب واضح مع طبيعة وعمر الشخصية .. فضلا عن الموسيقى التي استوحيت بقصدية إغراقية من الموروث الشعبي العراقي الذي عَلَتْ فيه نغمات الوجع وهو فعل جمالي ودرامي درجت عليه المخرجة عواطف نعيم في جميع اعمالها لما له من تاثير فلسفي واضح في بلورة الحدث مع مزاج ذاتي انيق تميزت به روحها العراقية الاصيلة في التبنيات المحلية للموروثات الغنائية. اما الاضاءة التي كانت متوهجة يكاد ان يكون بدرجة فيضية مع كثافة لونية في اغلب اوقات العرض والتي دفعت بنا سيميائيا نحو اليقين بوضوح توجهات العرض بلا مواربة في اعلان الرفض التام لكل سلبيات هذا الوطن والرغبة الكبرى في جعله وطنا امنا يحتضن الجميع لا وطنا لفئة على حساب فئة اخرى.. كل ذلك باضطراد رياضي فيزيائي نفسي ايحائي بين كتلتين تمثلت الاولى في كمية الضوء والثانية الوضوح في الرؤيا والتوجهات نحو الهدف والغاية في اعلان الرفض لكل سلبيات الوطن المستحدثة.

 

الكاتب: كاظم اللامي.