صالح الرزوقالجائزة الأخيرة التي كسبها الشاعر يحيى السماوي من إحدى الحلقات الأدبية في مصر فتحت الباب على تأملات في هذه التجربة الشعرية. وغني عن القول أن مشروع السماوي دخل في انعطافة مفاجئة بعد أن انتقل من الإحساس بواقع الأمة المؤلم إلى الإحساس بالفجوة النفسية لتي تتوسع بداخله على مدار الساعة. ويبدو ظاهريا أن الفصاحة والبلاغة هي أبرز صفات عالم السماوي، فهو مغرم بالتراكيب الجزلة والمفردات الأصيلة. ونادرا ما يكابر مع الصور لأنه يتبع القاعدة المعروفة في التصوير.. أن تكون هناك علاقة مجازية بين المشبه والمشبه به، أو بين الفكرة وأدوات التعبير. ولا أعتقد أن ضمن برنامجه أية خطة لاغتيال أو خيانة ما تعارفنا عليه.  وأقصد بذلك تقديم الإدراك على النظر.

لكن شعريته تجريبية أيضا. وتبدأ من فكرة يمكن تصورها ثم تنتقل لصورة يمكن إدراكها. مع ذلك هو يبقى  بعيدا كل البعد عن قصيدة الثمانينات العربية والتي كسرت التوازن بين طرفي المعادلة ووضعت الشعر بجانب النثر، بحيث أصبح للقصيدة فكرة نثرية. فقصيدة الثمانينات لم تتوقف عند حدود إلغاء البحور والأوزان والموسيقا (المسموعة أو الداخلية - كما يحب الأكاديميون أن يقولوا باستمرار)، وإنما اقتربت بنا من فوضى المشاعر التي نمر بها في حياتنا، وبنفس الجرأة التي اعتدت بها الرواية الحديثة على ترتيب الأحداث (والإشارة هنا لتيار الشعورومبدأ السببية).

لقد كان السماوي حريصا كل الحرص أن لا يورط نفسه في هذا المجال، وأبقى في قصائده “حتى النثرية” على توزيع خاص للكلمات بالتناوب مع التراكيب. ولمزيد من التوضيح: كانت الصورة عنده تفرض عليه اختيار مفرداته، ليكون هناك انسجام في البنية والمعنى- فبنية الوحدة الشعرية عند السماوي بناء دال، وتجد علاقة متينة بين حجم المعنى وحجم التراكيب. ويمكن أن تقول الجملة الطويلة لديه تعبر عن أحاسيس راسخة أو دائمة، بينما الجمل القصيرة تعبر عن فكرة عابرة.بعكس ما هو الحال عند جاك بريفير.. فعباراته وصوره سهلة وسريعة، ولكن معاناته مع المشاعر والأحاسيس دائمة.

لا شك أن تجربة السماوي تنتمي لشعر الحداثة. مع ذلك هو برأيي أقرب للكلاسيكية الجديدة. وأعتقد أنه يكرر ظاهرة الشاعر البولندي جيسواف ميوش بعدة نقاط. فهو مثله يعيد للشعرية علاقتها مع الطقوس والعبادات إنما بسياق غير لاهوتي. بمعنى أنه شاعر ذاكرة وتجربة لها علاقة بالواقع وليس شاعر إلهيات. وإذا كانت أولى مجموعاته ذات موسيقا مجلجلة وإيقاع وطني واضح، ويغلب عليها الصدامية والمشاحنة والهجاء، فهو في سنواته العشرة الأخيرة (ورفد بها رصيده بعدة مجموعات) يميل لاستعمال مفردات إسلامية بسياق غرامي. فقد توسع باستعمال كلمات مثل الصلاة والزكاة والخمس والصيام والجنة والنار، وللتعبير عن حالة هيام أو عشق. وهذا يعني أنه فرغ الكلمة من معناها المعروف وحقنها بمعنى بديل.

كما في قوله:

قبل أن تومئ لي

ادخل الفردوس إينانا

وتسقيني

شرابا من هديل (ص 85).

أو قوله:

كل يوم ألتقي

فوق بساط الصلوات

بحبيبي خمس مرات (ص 76).

وسرعان ما يوضح من هو هذا الحبيب المجهول فيقول:

أعرف الله

ولكن

لم أكن أعرف ديني (ص 86).

وقد استغل السماوي الفجوة المعرفية بين الفكرة (اللامتناهي)  وأساليب التعبير عنها (المتناهي) ليلعب لعبته مع اللغة في التقديم والتأخير حتى تصبح القصيدة بعيدة عن ما هو مكرر ومألوف.

ختاما إن هذه الجائزة هي اعتراف بشعرية الشاعر، ولكنها أيضا مناسبة لإعادة تفسير قصائده بكل ما تزخر به من مهارات. وأولها استعمال تقنية المرآة ليس لتشاهد بها نفسك، وإنما لتشاهد ما وراءك. بمعنى أن مرآة لاكان أصبحت سطحا عاكسا لمعاناة عامة وليس لإدراكات خاصة. وهذه فكرة جديدة يمكن أن نبدأ منها لتفكيك لغة الأعماق وإعادة ترتيب ما تحمله من مفهومات وتراكيب مبتكرة. مثلا كيف ولماذا عكس اتجاه سهم التطورمن النهاية إلى البداية، أو من الدين إلى الأسطورة والعاطفة.

 

صالح الرزوق

...............

* الشواهد من مجموعته الأخيرة: (نهر بثلاث ضفاف) الصادرة عن دار تموزبدمشق. 2019.

 

 

جمعة عبد اللهبراعة المتن الروائي يغوص الى اعماق المجتمع. ويستلهم مفرداته البارزة والطافحة على المكشوف. ويسترشف المنصات الاسطورة في الحضارات العراقية القديمة، في المخاطبة والحوار والدعوة والطرح، برؤية الواقع ومعايشته الفعلية والحقيقية الجارية قديماً وحديثاً. وكذلك يستبطن ويستقرى جملة تداعيات بخصوص الترث الديني والشعبي ويحاجج موروثاتهما، وتأثيراتهما السايكولوجية على دواخل النفسية للانسان، ويعرج على الحالة الاجتماعية في القهر والمعاناة بكل بمفرداتها السقيمة، هذا التشكيل الروائي المركب في البنية والبناء النص الروائي، في صياغته ودلالته التعبيرية الدالة بعمق الايحاء والرمز الدال. من خلال توظيف تقنيات السرد الحديثة المتنوعة، في تنوع اساليب الاستنطاق والبوح والحوار والمحاورة، بما هو مكنون في الذات والسايكولوجية النفس والواقع. قد برع المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) في تقنية التداعي الحر، في منولوجيتها ومخاطبتها للاخر. في دياليكتيك الدرامي المتفاعل بين الحوار والمحاورة والمخاطبة، ليكشف ركام المعاناة والحزن الذي يغلي ويفور في الضلوع وفي الشارع. كما يتناول بجرأة الطرح والمناقشة مسائل الدين في رمزية كهنة المعابد، ورمزية الجنس، في تخفيف الازمة الروحية والنفسية. ويتناول بشكل جوهري، مسائل حيوية وجوهرية، في ازمنة المحنة العراقية عبر عقود من الانظمة الشمولية الطاغية، في منظومتها الفاعلة على الحياة والواقع. وكذلك مسألة السلطة والدين وعلاقاتهما، وكيفية نتاج دولة هتلية. التي تعتمد على العسف والحرمان والكبت والاضطهاد، سوى كانت السلطة مدنية فاشية. او سلطة دينية فاشية. طالما يوحدها القهر الاجتماعي وتسخير الانسان لشرنقتهما، ليصبح عبداً مطيعاً، او خروفاً مطيعاً، يساق حسب الاهوى، لذبح، للحرب. للموت. للسجن، للقمع والارهاب، للتسلط الذي ينبش انيابه في الجسد وعقل الضحية. ان تكون الحياة قرابين تقدم دون حساب، في الانتهاك والاستلاب. مما يجعل أنين الليل يطول في آهاته. سوى من ارباب السلطة الالهية بكهنة المعابد. او من القائد الاعظم، او من السلطة الابوية في العسف والكبت اليومي. فأينما يدير الانسان الضحية وجهه، يجد الصولجان والسوط أمامه، ينهش جسمه وعقله. لتكون الحياة معتمة بالسواد، ليس فيها خيط من لون آخر. طالما الدولة الهتلية بجميع مسمياتها واصنافها. تمنع السؤال وتعتبره خرقاً وتجاوزاً لا يغتفر. هذه منصات المتن الروائي الذي برع بالتصوير الكامل لمادته الخام، التي هي من مكونات الواقع والحياة ومفرداتها، وحتى من مكونات حياة المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) حياته وسيرته وتجربته في المعايشة الحياتية، بمراحل المتعددة والمتناقلة في ازمنة الاضطهاد والعسف. اي استطيع ان اسمي مادته الخامية للمتن الروائي، هي عين الواقعية السحرية بآفاقها الواسعة في تعاطي تجليات الواقع بتناقضاته الشاسعة، في تجلي واكتشاف مفردات في البيئة الاجتماعية الفقيرة، المنسية من الله والارض. يصبح الكدح الحياتي مجازفة في رمق العيش المر. لذلك اشتغل السرد الروائي على المنولوج الداخلي والخارجي. ليعطينا بانوراما صراع الانسان الكادح مع الحياة تحت صولجان الدولة الهتلية. يستلهم الحكايات الشعبية وحكايات الاسطورة. ليكشف الوجع العراقي النازف في المحنة والمعاناة، بعناوينها المختلفة. اي ليدلل ان رحلة الانسان العمرية، هي خوص صراع متعدد الاطراف كالاخطبوط. في حياة تئن في وجعها، او هي عبارة عن مواكب توابيت متزاحمة. كأن العراقي منذ ولادته رضع حليب الحزن والمعاناة. لذلك ان جوهر رؤية النص الروائي، هي كشف افرازات الواقع وهمومه واشجانه الداخلية والخارجية، المتراكمة في الذات الخاصة والعامة، او في خزين الذاكرة. لكن مع هذه المعاناة الثقيلة، تجعله ان يخوص صراع متعدد الجوانب، من اجل ان يجد له مكاناً تحت الشمس، لا مكاناً في الظلام. هذه التقنيات التعبيرية، التي هي نتاج الابتكار والخلق في البناء الروائي، المحكم في البنائية الهندسية المرتبة والمنسقة، من خلال تداعي الرؤى وفصول الرؤيا، التي قسمت في براعة احترافية متمكنة في السرد الروائي، بما يحمل من ابداع ورؤية وموقف في الطرح. وكذلك تناوله بشجاعة بارعة في طرح المحظورات في (الدين والجنس) ووجه سهامه في اصابة الهدف بالصميم. حين يوجه انتقاده الشديد واللاذع الى هرم السلطة في دولة الهتلية. التي تجعل الاعمار بالحياة ضائعة، بين موت مؤجل، ومرارة الحياة التي لا تطاق ولا تتحمل. يطالعنا في اسلوب مدهش في عورات المحتمع في الدين والسياسة. التي تحصر الانسان في زاوية ضيقة ومحصورة، بأن تكون الحياة تعوي وتئن في الاستباحة والاستلاب قديماً وحديثاً، في كهنة المعابد القدماء والجدد، الذين يسيرون على خطى القياس والمنوال نفسه، نسخة طبق الاصل. ولكن بزي مختلف. وجوهر الحبكة الروائية، تدلل ان تراكم القهر والمعاناة، يولد الانفجار الكبير. وهذا مانجد وقائعه في هذه الايام العصيبة. بأن العسف والظلم والحيف. لا يطول مهما كان لابد ان تأتي ساعة المخاض الكبير لتتفجر شظاياها، في الانفجار الكبير الذي يقلب معادلة الدولة الهتلية. لذلك احاول استرشاف الاضواء المقاربة بين الامس واليوم. مهما اختلفت عناوين الدولة الهتلية. او في براعة ما اشبه اليوم بالبارحة.

 ×× لذلك نحن بصدد بانوراما الوجع والمعاناة الحزن العراقي، في دولة يتحكم فيها الظلم وكبت والاستبداد، ويغوص في عمق هذا الثالوث المحكم بالشمولية. الذي ينتج دولة خرافية عميقة في القتل والارهاب وتجرع مرارة الموت في اصنافه المجانية، ولكن حرمات ان تذهب الارواح هدراً وعسفاً، واكثر احتقاراً ان يساوم بالمال ليستلم الجثة التي قتلت غدراً وظلماً. ياخسارة تروح يازين الرجال بهذا الاحتقار (من لايدفع هذا المبلغ عليه ان لا يفكر بأستلام جثته، وما لبث ان دخل ليجر بقايا روحي الى حيث التابوت الذي كان ينتظر الفجيعة. اغمضت عيني، واجهشت باكياً، لا لشيء، سوى لأني رحت اتأمل ما نسميه وطناً وهو يساوم موتاه من اجل حفنة من الحقارات والكراهيات والموت المجاني !!) ص15، هذه دولة كهنة المعابد، الذين غيروا جلودهم من القديم الى الجديد، كالحرباء حين تغير جلدها، من اجل الاستمرار في نفس النهج في تعاطي (الهتلية) بوصايا من رب الارباب. الذين جعلوا الحياة تعيش في قاع الحضيض. تعيش في ركام انقاض من تبقى من النفايات. حياة موشومة بوشم السواد، في حياة تعج بكلاب كهنة المعابد. ليجعلوا الانسان يعيش في غربة واغتراب داخلي، ليؤدي دور الضحية الخاسرة، في يافطات الخراب والذل والمهانة. الرفض والسؤال جريمة لا تغتفر، في شريعة البسملة والحوقلة أو في شعارات القديمة التي بال عليها الزمن، لكنها ولدت بثوب جديد. وهم في الحقيقة شياطين مأزومين في قهر الانسان، وعدم سماع الصرخات والانين واستغاثة الضحايا. فلا مكان للفرج، وانما الحياة مشرعة ابوابها للحزن والنحيب والمعاناة، بشكلها الواقعي واللاواقعي، أو بالاحرى سريالية كهنة المعابد. التي تجهض الاحلام في مهدها، وتطلق العنان للكوابيس، هذه مشيئة رب الارباب كهنة المعابد، وتوابعهم من اصحاب المقام والجاه من الكهنة (الواويه او السحالي الداعرة)، ان تنام الحياة على الخوف والقلق والمصير الاسود (نحاول الولوج الى فضاء مآلاتنا التي لا نعرف لها مسافات تحدد وجودنا، ثمة دائماً ما ياخذنا الى امكنة مدجنة واخرى أشرس من انفسنا تزأر، فنروح نعاتب ذواتنا التي لا تعرف كيف تأخذ الآمال الى صدورها، تطشرنا الآهات، ونحن نرقب العيون التي لم تألف النظر اليها من قبل، فنسيح عبر اتجاهات غرابتنا التي ماعادت تستقر عند شيء، حين تنسكب عند خطانا المرتبكة) ص73. هذا الفراغ الحياتي، الذي محاط بالانكسارات والاحباطات. كأن الحياة تمشي على توابيت مملوءة بالجثث. كأن الزمن مليء بالرعب والرايات والشعارات السوداء المزيفة، في تواريخها المليئة بالزيف والخرافة، في تاريخ مليء بالروائح الكريهة والفاسدة. مليئة بالنتانات العفنة. في تواريخ كتب بالزيف وحبر النخاسة الداعرة. لكنها تخلق ارباب للقدسية والتقديس. ولكن يبقى هواجس السؤال لا غير يدور في الخوالج الداخلية للوجدان، من أين جاءت هذه النتانات العفنة ؟.، ولكن منْ يتجرأ على طرح السؤال (سؤال واحد..واحد لا غير.. لكن الاجابات عصية.. مامر بخاطري يوماً أن ايامنا ستصاب بشيخوخة القهر.. كيف يمكن لقوة مستحيلة الاختراق أن تتحول برمشة عين الى ذرات من رماد وسموم.. لماذا لا تستقر الافكار عند شيء محدد.. عمري كله كان الخوف يصطاد أحلامي لكني اشعر اليوم بأنكسار الاحلام.. وذهاب كل شيء الى فناء الايام لا اصدق.. ابدا لا يمكن تصديق ما حدث ؟) ص138. ولكن هذه رغبة الامبراطور المجنون في بناء امبراطوريته الجائرة بوصايا كهنة المعابد في راياتهم السوداء داخل نيران الهشيم. هكذا وبكل بساطة نستفيق على ضياعنا ومأساتنا، على جنون الحياة ولعبتها القذرة، لتجعل الروح مترنحة باليأس والتشنج والوجع، كل شيء في الحياة يبكي ويتكسر وينوح، ونستوحش الضياع. هكذا تساوت ازمنة القمع والظلم والحرمان، سواء من كهنة المعابد السابقين، أم من كهنة المعابد الجدد. والواقع في عدسة الجور والضياع والمتاهات التيه، في عدسة الترصد والمراقبة والتصيد. اصبحت حياة انسان صيدة تباع وتشترى، الكل مغلوب على امره، الكل يؤدون فروض القدسية للكبير. الجلاد والمهرج والشحاذ والضحية، الكل غارق في لجة الذل والمهانة. الكل حطب ووقود للحروب العبثية بأسم المقدس الاكبر، رب الارباب لكهنة المعابد. الذين خلقوا له اسطورة من حروف المجد، وشطبوا الاساطير الاخرى، فمنه يبدأ التاريخ وينتهي، او ربما به خلقت الارض وتنتهي به (كيف يمكن ايقاف نزيف المحنة التي اراها تلاحق امكنتي وهي تحمل سكاكين الغموض / حاولت فك اشتباك المعنى / لكنها ما فاهت بكلمة واحدة / الدم يتصاعد / والاثام تتصاعد / الارض التي تمسك حظوظ الاساطير ما عادت تكترث لشي / تحولت الامال الى رماد / والمعابد الى مباغي / والمناسك الى رغبات بالقيء والاستهانة/ الضياع وحده الحقيقة الراسخة) ص166. فما عاد لديك خيار في الحياة. سوى ان تختار بحريتك طريقة موتك المفضلة، هذه المساعدة تقدم بالمجان على حب الله (- كل ما نفكر به لمساعدتك.. هو أن تختار طريقة ارسالك الى جهنم.. هناك ستجد كل شيء.. كل ما لم تجده في دنياك الفاسدة، يمكن ان تجده هناك.. أبن.. فكر بطريقة الموت التي تريد.. لا بأس نحن ننتظر.. ولكن انتظارنا لن يطول كثيراً... عليك ان تبتكر لنفسك طريقة موت.. عقلك يعرف طرق موت كثيرة.. ولكني شخصياً اعلن رغبتي بمساعدتك !!) ص189. هذه تراجيدية الكوميدية السوداء قديماً وحديثاً. في لعبة الحياة العابثة، ظلام يشبه ظلام، بأن رائحة الموت تفوح في كل مكان. الحياة اصبحت خاسرة (- قال انتهى كل شيء !!

قال - كان عليك ان لا تستسلم لهم !!

قال - لا فائدة أينما تولوا فثمة كاهن يطالبك بالموت !!

قال - حرام ان اجد نفسي محاطاً بكلاب تنتظر تحولي الى فطيسة نتنة !!) ص209

اعتادت كلاب كهنة المعابد على نهش لحم الضحايا. من اجل خلق الرعب الحياتي ليكون شريعة الحياة وناموسها، ان يجعلوا الانساان ان يخاف من خياله. ان يجد نفسه في غفلة من الزمن مقتولاً، او ربما مرمياً في حاويات القمامة. لذا فان الحياة تظل تنزف بجراحها النازفة. ان يسقط الانسان في اعماقه. ولكن هل الرب يقبل بسرقة كهة المعابد للحياة ؟ هل يقبل بسارق يمتطي صهوة الكهنة، في مخادعة الرب. مثل هكذا رب لا يستحق التقديس. اذا لم ينتصر للمظلومين والخائبين. لا يستحق مثل هكذا رب يسرقون حتى في بيته ومعابده. ويذوقون عسل التمر المعتق، على انين الضحايا. لا يمكن ان تكون الحياة بيد الهكنة في صنعها كما يشاؤون ويرغبون، لا يمكن للضحايا ان ينتقلوا من خندق الى خندق في انتظار الموت أو الجحيم المنتظر. لايمكن ان يمنع السؤال والكلام بالمحظور (- الرجل الذي لا يجيد الاسئلة رجل لا يجب ان يعيش.. رجولة دون سؤال حلم عاطل... ما تعودتك تتمرغل بالخجل.. أو تتراجع عن سؤال..الاجابات تقيك استباحة الاسئلة وتغسل واياك في ينابيع خرافاتك المحشوة في بيوت الدعارة.. والمشانق.. وعاهرات الدروب التي تشبه جلود الافاعي ؟!!) ص21.

ان تراكم المعاناة والوجع يولد الانفجار وتباشير الامل، هكذا تهمس (عشتار) ربة الحب والحياة في الاذهان. بأن تعزف على موسيقى الرفض، وان تسير منتصب القامةفي عزفها، تمزق الخوف الداخلي لتتحرر الى الحياة العريضة، لكي تجعل الانفجار بقوة الالم والمعاناة والكبت الداخلي. عندها ستجد مروج الحياة بالانتظار. ليس ثمة حنجرة ‘لا ان تعزف بشهقات النواح، ان تعزف في ابواب الكهنة، ولا تكترث لكلابهم المسعورة. لكي تكبر ابتسامة الامل والاغاني الانفجار (الاحلام تنصب متاريس الاسئلة، والارواح تغافل نومها لتطلق دخان ضجرها باتجاه الشوارع) ص290

بهذه الانفجار المرتقب، انفجار الضحايا والمسحوقين والمحرومين.

 

 جمعة عبدالله

 

كريم مرزة الاسديالشعر لسان، واللسان عنوان؛ لِما في النفوس من كتمان، سلاح ذو حدين، إمّا أنْ يرتفع به الشأن، أو يزري بصاحبه للذل والهوان، وكم رأس حصيد هذا اللسان، إذا ما سلـّط الله عليه السلطان أو الأعوان عندما يخلع الإنسان من ضميره الوجدان، والشعر طبعٌ وصنعٌ، وإذا غلب الطبع قد تزل به قدم في وقت لا ينفع به الندم، وربّما يأتي ركيكاً فيُهمل، أو أحمقاً فيقتل، يرتفع على كتفه اسم، ويغيب من أفقه نجم، تعقد لأجله المناظرات والنقائض والمعارضات في مجالس الخلفاء والملوك، وتقام له الأسواق كعكاظ والمربد و ذي المجاز و مَجنَّة وهجر، يحضرها الفحول للاستماع إلى الناشئة الصاعدين، والتحكيم بين المتسابقين في دواوين شعبية، تحتضنها القبائل العربية،فكان للشعر دور لايشق له غبار، إلا من قبل الكبار، ومن هنا يجب علينا التأمل والتمعن وأنْ نرى لِما روى أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري (ت 284 هـ/ 897 م)عن وصية أستاذه أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 228 هـ / 843م) قائلاً:

" كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أوَّل ما قال لي: يا أبا عُبادة؛ تخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُمومِ. واعْلَمْ أنَّ العادةَ جَرَتْ في الأوقاتِ أن يقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَرِ؛ وذلكَ أنَّ النَّفْسَ قَدْ أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنَ الرَّاحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النَّوْمِ. وإنْ أردتَّ التَّشْبيبَ؛ فاجْعَلِ اللَّفْظَ رَشيقًا، والمعنَى رَقيقًا، وأَكْثِرْ فيه مِن بَيانِ الصَّبابةِ، وتوجُّعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ . فإذا أَخَذْتَ في مَديحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَهُ، وأظْهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَهُ، وشرِّفْ مقامَهُ. ونَضِّدِ المعانيَ، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها. وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الرَّدِيئةِ، ولْتَكُنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسادِ. وإذا عارَضَكَ الضَّجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَكَ، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلاَّ وأنتَ فارغُ القَلْبِ، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشِّعْرِ الذَّريعةَ إلَى حُسْنِ نَظْمِهِ؛ فإنَّ الشَّهْوَةَ نِعْمَ المُعِينُ. وجُمْلَةُ الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضينَ، فما اسْتَحْسَنَ العُلَماءُ فاقْصِدْهُ، وما تَرَكُوهُ فاجْتَنِبْهُ؛ ترشد إن شاءَ اللهُ . قالَ: فأعملتُ نَفْسي فيما قالَ؛ فوقفتُ علَى السياسةِ ". (1)

مما نستشفّ ُ من الوصية الطائية اللؤلؤية أنّ البحتري من المطبوعين يعتمد على موهبته الخالصة في نظم الشعر ابتداءً، وأستاذه أبو تمّام يميل إلى الصنعة والتأمل والزخرفة وتحكيم العقل تجربة ً، فأوصاه بها لكي لا ينحدر الشاعر للهاوية دون قيدٍ يقيه، أو سدٍّ يحميه، وأقرّ الموصى له بعمله بها حتى وقف على السياسة، والسياسة تقتضي اختيار الوقت المناسب للإبداع بحيث يكون الشاعر متهيّئاً نفسياً وفكرياً وخلقياً لصبِّ خوالج وجدانه العاطفية، وخالياً من انفعالاته النفسية الشخصية؛ إذ هو" قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُموم "، وبالتالي لا تطغي سوداويته على الوجه الأبيض المنير للشعر السليم، ثم يتطرق الأستاذ الشاعر الناقد إلى ضوابط غرضين من الأغراض الشعرية، وهما الغزل والمدح ، وتغاضى أبو تمام عن الهجاء والرثاء، ففي الهجاء منافرة لا مقاربة، والرثاء فراق لا يأمل اللقاء، والشاعر يكون أقرب إلى الصدق فيهما من الكذب، والشعر يغني كذبُهُ عن صدقه، كما يقول البحتري نفسه!!

يجرّني السيد البحتري البرجوازي الارستقراطي الانتهازي إلى كذب الشعراء في مديحهم والحديث شجون!!

يقول عبدان بن عصمان العاطفي السلـّمي في هذا المعنى:

وقالوا في الهجاء عليك إثم *** وليس الإثم إلا في المديح

لأني إن مدحت مدحت زوراً**وأهجو حين أهجو بالصحيح (2)

ومن غرائب شعر ابن زيدون ( ت 463 هـ) قوله في هذه القصيدة الفريدة التي يهجو بها أبا الحزم بن جهور مؤسس الدولة الجهورية، والشاعر من أركانها، وباني ملكها، ولكن عندما خلعه الأمير من كرسي الوزراة الأولى، و أودعه السجن، قال فيها:

قل للوزير، وقد قطعت بمدحه *** زمني فكان السجن منه ثوابي

لا تخش في حقي بما أمضيـتـه ****من ذاك في، ولا توق عتابي

لم تخط في أمري الصواب موفقاً **** هـــــذاجزاء الشاعر الكذاّبِ

و ابن الرومي ( ت 283 هـ ) قد تجرأ في لحظات سخط على هجاء السيد البحتري بقصيدة بائية مطولة ( 86 بيتاً )، منها:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ **** وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ

أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا**** من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ

أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ * من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ

وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبــــــوا *****له قفــــاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ

ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيتــــــه ***** يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

الله الله يا ابن الرومي، كم أنت مسكين في حياتك البائسة:

 هذا الكلام لا يصل إلى باب بيتكم، و لا إلى باب جيرانكم الأحدب، ولما سمع البحتري هذه الملحمة الهجائية الرومية بحقه، كل ما فعله بعث إلى ابن الرومي تخت طعام وملابس، وبه كيس دراهم، ووضع بداخل التخت ورقة، تحمل بيتين من الشعر، تقول:

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتني كلابهُ

إنّ من لا أحبّهُ ****لعزيزٌ جوابهُ

هذا هجاء مقذع بما فيه من ألم نفسي، وعقاب للذات الشاعرة، وقد سبق ابن الرومي ابن الزيدون بهذا المعنى، إذ يقول:

إذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثبْ *** مديحي، وحقّ الشعر في الحكمِ واجبُ

كفاني هجائيهِ قيـــــــامي بمدحهِ ****خطيباً، وقول النـــــــاس لي أنت كاذبُ

وابن الرومي مثله مثلي، قد يكرر نفسه أحياناً لتأكيد المعنى، إذا ارتأى مرّ عابراً، وهذه ما تسمى بظاهرة التعويض في الأدب، مهما يكن قال في مكان آخر:

كلُّ امرئٍ مَدَحَ امرَأً لِنَوَالِهِ*****فأطال فيه فقد أراد هجاءَهُ

 نعود للبحتري، والعود أحكم !! أمّا الفخر فالبحتري قليل الفخر، وهذا أمر يخصّه شخصياً - ربّما لأنه جليس المتوكل، وما أراد أن يؤلب على نفسه، أحقاد الخلفاء ومن حولهم، وهذا عقل وحكمة - و إنْ كان الرجل يزهو بنفسه مترنحاً متمايلاً عند الإلقاء، ولله في خلقه شؤون، والحديث شجون وشجون!!

 يبقى لدينا - من الوصية - المدح للسادة النجباء، والزعماء والخلفاء، فالرجل يترك للرجل اختيار الألفاظ، فلكلّ مقام مقال، ولكلِّ جسدٍ مقدار، ولكن لابدّ من إشهار المناقب والفضائل والمعالم بإنتقاء الألفاظ الحسنة، وتنضيد المعاني الخيرة دون غلو ٍمحرج، ولا لبس ٍمزعج باجتناب تأويل المعنى المجهول الذي تمتطيه الظنون لتقلب المدح ذمّاً، والخير شرّاً، ومن أراد أنْ يستأنس برأيٍ آخر في توجهاته عن الوصية عليك بمقالة الدكتور عبد الكريم محمد حسين (3)

 ومن هنا نفهم تمام الفهم أن جذور تبعية الثقافة للسياسة، والقلم للسيف في بلاد العرب منذ العصر الجاهلي حتى يومنا الحالي، فلا عجب أن نرى أبا تمام ينصب السيف على صدر مطلع قصيدته الرائعة إبان فتح عمورية المعتصم...!!، رغم تفهمي للبيت الذي ورد في المكان المناسب، والزمان الملائم، ولكن يبقى السيف سيفاً، وتبقى الكتب!!:

الـسَيفُ أَصـدَقُ أَنـباءً مِنَ الكُتُبِ *** فـي حَـدِّهِ الـحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

ومثله ذهب المتنبي في رفع شأن مجد السيف الخامد على حساب مجد القلم الخالد:

حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي *** المجد للسيفِ ليس المجدُ للقلم ِ

ولا أخالك تحسب إن السيف في كلا البيتين موجهاً للداخل، كما هو الحال في أيامنا البائسة، وإنما للدفاع عن الأوطان ، وحفظ كرامة الإنسان، لردّ الضيم بالضيم، وهكذا كان ردّ وا معتصماه في عصر الأقوياء...!!

 ومهما يكن من أمر، فكرة الخوف من سلطة السيف والتهيب منه مختمرة في عقول سلاطين القلم ...!! وإنّ أبا تمّام بقى تابعا لسيف معتصمه، بل أوصى تلميذه الانتهازي المسكين البحتري - وما هو بمسكين ...!!- أن يسلك الدرب نفسه، وليترك معاصره البائس ابن الرومي إلى جهنم وبئس المصير ...!! لذلك لا تتعجب من البحتري أن يجيب ابن الرومي بالبيتين السابقين (شاعرٌ لا أهابه ...)، والتخت وكيس الدراهم الصدقة!!

والمتنبي (ت 354 هـ) ظلَّ تابعاً في مسيرته لسيوف سيف دولته وكافور أخشيده وعضد دولته ... وإلا ما هو تعليلك لقوله في مطلع قصيدة، تُعد من أروع قصائده:

واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِـمُ ***وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي** وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ

 إِن كانَ يَجمَعُنا حُــــبٌّ لِغُرَّتِــــهِ ****فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ

هذ ه الأبيات قد تبعث على التخيل، أنّها مؤلمة للكرامة الإنسانية، لأنّها جاءت من مأمورٍ لأمير، وليس من صديقٍ قادرٍ مقتدر لصديقٍ يقف معه على قدر الاستواء والمنصب، والأمر والنهي ، ولكن هذا - أيضاً - يجب أنْ لا ينسينا أنَّ المتنبي نفسه انتفض على المتنبي قوله، فقلب الطاولة على الأمير وجلسائه بعد عدّة أبيات:

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي **فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

 أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَــةً ***أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

 وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ ****إِذا اِستَوَت عِنــدَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ

 سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ****بأنني خيـــرُ مــن تسعى به قَدَمُ

 أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبــــي**** وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

 الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني*** وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

كرامة ما بعدها كرامة، ثأر المتنبي العظيم لنفسه، والقصيدة - كما أرى - ولدت هكذا دون تصنعٍ أوتكلف، وإنّما خلجات نفس إنسانية كبيرة، تمتزج فيها تيارات الطبع والتطبع، والثقافة المكتسبة، وتجارب حياة عصرها بكل مثالبها ومحاسنها، ولا أقول بما يُقال: إن سيف الدولة سخط على المتنبي من هذا الشموخ المرتفع بعد مطلعٍ مرتجف، فرأى فيه اضطراباً نفسياً، أو سلوكاً غير سوي من المتنبي، والمتنبي قد عوّده - لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا - أن يفخر بنفسه، ويشمخ في كلّ قصائده التي مدحه فيها، أو قد تأثر هذا (السيف) بما ألّبه عليه مَن في المجلس، فرماه بدواة، وشقّ فمه، فارتجل المتنبي هذا البيت:

 إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِــدُنا ****فَمــا لِجُــــرحٍ إِذا أَرضــــاكُمُ أَلَــمُ

كلّا هذه الرواية - على أغلب ظنّي - موضوعة، ولا أساس لها من الصحة، لا الأمير يفعلها، ولا المتنبي يقبلها، بدليل عندما توفيت خولة أخت سيف الدولة (352 هـ)، نظم في حقّها قصيدة رائعة، وأرسلها إليه من الكوفة - وكان قد رجع من مصر - من أبياتها الشهيرة:

 يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ ** كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ

أُجِلُّ قَدْرَكِ أنْ تُسْمَـيْ مُؤبَّنَــةً ***وَمَنْ يَصِفْكِ فَقد سَمّاكِ للعَــرَبِ

غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ * بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَازَلَــــةٍ ***وكم سألـتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِبِ

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَـبَرٌ ****فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً **شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشـرَقُ بي

لو كانت ضربة الدواة، لما ولدت هذه القصيدة المعاناة، ولله في خلقه شؤون وشؤون، والحديث شجون وشجون وشجون ... لعلكم تتذكرون...!!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

 (1) (في محاسن الشعر وآدابه ونقده ): ابن رشيقٍ القيرواني، تحقيق . محمد محيي الدين عبدالحميد، ط 4، 1972م ج2، ص 114 - 115 - دار الجيل . وراجع: ج1 ص 152 زهر الأداب.

 (2) (محاضرات الأدباء): الراغب الأصفهان - 1 / 175 - موقع الوراق - يذكر البيتين، وقبلهما (عبدان) فقط دون ذكر اسم أبيه ولقبه.

 (3) راجع للتفصيل مقال " وصية أبي تمام للبحتري" الإسناد والتوثيق، الدكتور عبدالكريم محمد حسين، المجلد 19، العدد (3، 4)، 2003، ص: 21 - مجلة جامعة دمشق.

 

جمعة عبد اللهموهبة شعرية فرضت نفسها على الواقع الثقافي والادبي، في موهبته الشعرية المبكرة جداً. وهو يافع يخوض تجربة غمار الشعر في موهبته الابداعية  الاصيلة. التي تحمل في طياتها جمال الاصالة والشفافية  الشعرية. ومنذ ذلك الوقت، وهو يبحر في  غمار الشعر في تجربته وخبرته الطويلة. التي تجاوزت  خمسة عقود من الزمن .. وقد اصدر من خلالها اربعة دواوين شعرية. والكثير من القصائد، التي لم توثق في دواوين شعرية اخرى. وهذه الدواوين الاربعة هي:

1 - الديوان الاول (اللواهب) عام 1975

2 - الديوان الثاني (رسائل من وراء الحدود) عام 1980

3 - الديوان الثالث (أناشيد زورق) عام 2005

4 - الديوان الرابع (طقوس) عام 2006

كما اصدر رواية باللغة الالمانية. رواية (تركة لاعب الكريات الزجاجية)

ونتناول في هذه المقالة. التي هي بمثابة استكشافات في عمق الرومانسية العذبة والشفافة واستبطان جماليتها، من خلال ديوانه الثالث المعنون (أناشيد زورق). في عوالمه الرومانسية. بالمشاعر الملتهبة والجياشة. والديوان الشعري، يأتي ضمن انجازه الشعري الطويل في تجربته المتألقة، التي تتميز بأسلوب متفرد وجاد، وتملك لونا خاصا في تناول العالم الحالم بالرومانسي المحبب والجميل في مشاعره الجياشة، في احاسيسه المرهفة والملتهبة من اعماق الوجدان. ويتميز شعره الرومانتيكي في صياغة جمالية الاحساس بالمشاعر التي تبحر في بحر العشق والهوى والهيام , يطوف فيها في كل المحطات والمرافئ , وفي تقلباتها العاصفة  . في  جراحها ومعاناتها، لكنها لاتدلف الى مناقب النوح والبكاء. رغم المحنة والعذاب في الحب والعشق، الذي يتلاعب بمشاعر القلب والوجدان. ان قصائده الشعرية، تمتلك آفاقا واسعة وخصبة في عشبة الخيال الرومانسي الخلاق والمتوهج . وهي ليست محض خيال صرف. وانما تملك تجربة حياتية  صادقة، ومعايشة فعلية. تملك ارضية واقعية في التناول في خوض تجربة  الحب والعشق. في الهوى والهيام، في طينة الحب الجياش الصادق الذي يفور في الضلوع، أن قصائده ليس للاستهلاك الرومانسي العابر والمستهلك . بل أنها منفلتة من اعماق الوجدان ونبضات  القلب في خفقانه  . في العشق الذي يجري نبضاته في العروق والشرايين. يقدمها في هالة الشعور الرومانتيكي. في اطار شعري حديث في الصياغة  الفنية المتمكنة من تقنياتها  المتطورة . التي تشد القارئ اليها، وتجعله يبحر في الرؤى الرومانتيكية بكل الشوق والاشتياق في حواسه المرهفة   . ويتعاطف وجدانياً مع الشاعر. الذي ترجم مشاعره الصادقة والحساسة في رؤى الشعر. التي تعطي قيمة للحب والعشق، تعطي قيمة للمرأة الحبيبة، حتى في خصامها وخلافها وانفصالها عن رابطة الحب والعشق. فهو يمتلك مشاعر جياشة في الحب العذري، ولا ينزلق مطلقا الى الشبق الايروسي الملتهب. وانما يعطي قيمة معنوية لهالة الحب، في الحنين والاشتياق في العطش والظمأ الروحي. رغم معاناة  وشقاء قسوة الحياة، التي تجني على الحب الصادق الملتهب في مشاعره الجياشة. لنسافر في رحلة الديوان الشعري (أناشيد زورق) في بعض قصائده المختارة، التي تعطي الخطوط العامة لعالمه الرومانسي العذب .

1 ـ حين يهدر الحب فرصة التسامح والتصالح:

ويقود آفاقه الى مجاهيل مسدودة. ليس لها إشراقة حياة  وبسمة أمل، من الشوق والهوى، وانما تجعل سماء الحب، ملبدة بالغيوم بالرعود والبروق . حيث التشاجروالخصام والمناطحة في الفراق ، في العواصف الهائجة، التي تفضي الى هجرة الحب وسد ابوابه. لكنها في نفس الوقت تفتح باب الجراح بالفراق والهجر. ولا تختار طريق الندامة، ولاترجع الى مسالك الحب الصافية، الحب ليس هو  التلاعب بالعواطف ,  التي تقود الى أطفاء شعلة وشمعة الحب ، فهذا الطريق والاختيار مرفوض , لا يحمل سوى الندم .

إني أنتظرت بأن تعودي نادمة                    لكن رجعتِ كما السماء القاتمة

مزروعة بالرعدِ والامطار تنْ...               تفضين في وجهي زوابع ناقمه

ان تعصفي مثل الرياح وتعبثي                   بعواطفي أو تعودي غائمه

هذا الخيار رفضته ورفضت أن                   أحيا بغير مشاعري المتناغمه

..........

لا لنْ يغامر من جديدٍ زورقي                     حيث العواصف والسماء الغائمه

إني عرفت البحر في هيجانه                       واخاف من امواجه المتلاطمة

لا تذكري الماضي فقد ودعته                      لا توقظي في الجراح النائمه

2 ــ حكاية الحب

 مغامرة الابحار في سفينة الحب، تتطلب السفر الدائم للعاشق المغامر، ان يجد عشبة الحب المشتهاة. حتى تكون بلسماً لهمومه النازفة، فهي البلسم الشافي، ليجد روضته الزاهية، ليسكر من نبيذ وخمرة  الحب والعشق الى حد الثمالة. ولكن يتطلب ذلك الوفاق والانسجام والوفاء. لا ان يتخذ من الحب ساحة لتصفية الحسابات، فالحب النقي والصادق، هو اكبر من كل تصفية  للحسابات. واذا تحول الى هذا الطريق، فإنّ ذلك سيتسبب في افساد درب الحب  ,فإنّ صب الزيت سيحرق الهيام والهوى، ليتحول الى رماد وفحم. ان ازهار العشق تتطلب المياه النقية الجارية من اعماق القلب. تتطلب الهواء النقي،لا الهواء المشبع  بالحماقات في تذكر الماضي وجراحاته النائمة

لا تفســــــدي بحسابٍ صفْــوَأوقـــاتي                             فالحبُّ أكبرُ من كلِّ الحســــــاباتِ

دعي المشــــاعرَ تجري من منابعها                               طوعاً فلا تحبسيهـــا بانتقـــــاداتِ       

لا تنبشي في الذي قدْ فاتَ مِنْ عُمُري                           ولا تعيدي على سمعــي حكاياتـــي

والذكريات دعيها فــــــــــي مخابئها                            مدفونـــــةَ معَ أحزانـــي وآهــــاتي

طويتُ صفحـــةَ أسفاري فلا تسلـــي                            كمْ كُنتُ أعرفُ قبلاً مِنْ محطّـــاتِ

لا تسكبـي الزيتَ في نارٍ قد انطفأتْ                            إلّا قليلاً فــذا إحـــدى الحماقــــــاتِ

إنّي أعيشُ ليومي ... حاضري عُمُري                            فلستُ أهتــمُّ بالماضيولا الآتــــي 

3ــ الحب من أول نظرة   

الحب المتلألأ  في سحر العيون، المتعطشة للهوى والهيام. تبرق في بريقها الجذاب. لكي تلهب عواطف القلب والوجدان. ليهيم في بريق العيون ونورها المشع. لترسم جنينة في روضة  الهوى والاشتياق، لترسم بريشتها الاحلام الوردية. لتفتح الطريق لرحلة العشق، ليسكر بطعم حلاوة الحب. لتذوب العواطف، في المشاعر الجياشة، لتذوب في سحر العيون البراقة في الهوى والهيام. ليجد مرفئه الحاني والموعود.

ذبتُ في حُبكِ من أول نظره                     وفؤادي لم يعد يملك أمرهْ

مذ أن أبصرت عينيكِ  وبي                     لهفة تلهبُ أعماقي كجمرهْ

ذهب الشوق بصبري كله                      آه لو أملكُ من أيوب صبرهْ

سكن الحب عروقي كلها              صار يجري في دمي في كل قطرهْ

أن في عينيك سحراً نافذاً                     أتقنَ الساحر في عينيكِ دورهْ

كل شيءٍ صار شيئاً اخراً                    في عيوني اصبح العالمُ غيرهْ

4 ـ أغنيات الحب

الحب الذي يلهب اعماق الروح. ويتمرغ في انغامه واناشيده العذبة، التي تعزف بلحن العشق والغرام، يتلألأ في سحر العيون الناظرة. التي تسرح وتمرح في آفاق الهوى، لتطفيء شعلته المتوهجة في خلجات الفؤاد، تعجز الكلمات عن الوصف والتصوير. في بريق اغاني العشق التي تموج وترقص على لحن الشوق والاشتياق. فالحب اسمى من كل الاشياء، وفوق كل الاشياء. وتذوب فيه كل الاشياء. فهو المبتغى والمنشود، وتطير به الروح رقصاً وطربأً واغاني يتسامر بها العشاق

أصبحت أجمل أغنياتي كلها                   توحي بها عيناكِ والبسماتُ

غنيتها فترددت ملء الفضا                   والى المجرة طارت النغماتُ

لا تسأليني كم احبكِ ليس لي                     كيلٌ أكيلُ  به ولا أدوات

فلتعذري لغتي اذا هي  قصرت           هل تحصرُ الحب الكبير لغاتُ

أني أحبك ِ فوق كل معدل                          حباً به تتحدث النجماتُ

تشدو به الاطيارُ  فوق غصونها              وتحدّثُ الركبانُ والفلواتُ

نشرت على الدنيا حكاية حبنا                 فلها جميع الكائناتِ رواةُ

الليلُ كم ضحكت شواطئه لنا                وتراقصت لغنائنا الموجاتُ

5 ــ المخادعة في الحب

لاشك ان الظنون والشك والمخاتلة في الحب، والتردد والتذبذب والمخادعة، والضحك على عواطف القلب. تجعل الحب يموج في المراوغة والخداع، تجعله في حالة من فوضى العواطف،  في هيجانها المتضارب والمتنافر والمخادع. فتتحول رؤى العشق والهيام الى مكيدة ومهزلة. لا تجلب سوى الاسى والحزن والآهات. يصبح  الحب ضربا من اللعب على الكلمات، ويتحوّل إلى عواطف كاذبة، سرعان ما تتبخر فتنطفيء نار الحب. فما اقسى الحب اذا اختار هذا الطريق.

  إن قلتها وتحركتْ شفتاكِ                     أهواكَ) لست بقائل (أهواكِ)

لا لست ناطقها فما الجدوى إذا                     مرّت بأذني كاذبٍ أفّــاكِ

 عيشي لوحدكِ واشربي نخب الهوى                  كذباً فأني كاره لقياكِ

ما عاد قلبي للخداع مصدقاً                       فلتتركيه فقد صحا وسلاكِ

في الامس كنت أراكِ قلباً حانياً                 فأقولُ كالمسحور ما أحلاكِ

فأذا ضحكتِ فكل شيءٍ ضاحك                  وأذا بكيتِ فكل شيءٍ باكِ

واليوم إذ ألقاك ِ يعصرني الاسى               فأصيح كالملدوغِ ما أقساكِ

أنا قد بعثتكِ من رمادِ جذوةً                    وأحلتُ  شيطاناً لوجهِ ملاكِ

وفمي الذي سواكِ لحناً ساحراً                   في كلَّ مقهى عامرٍ غناكِ

***

جمعة عبدالله

 

جودت هوشيارينشأ الغموض في الأدب، عندما يخفق الكاتب في صياغة عمله الادبي على نحو يسمح للجمهور المتلقي باستيعابه وتذوقه. وبذلك يفقد العمل الأدبي معناه، ومبررات وجوده، ويصبح عاجزا عن التأثير في القارئ، أو النهوض بأي وظيفة من وظائف الفن . وربما ليست ثمة صدمة أكبر بالنسبة الى الكاتب، من هذه النتيجة البائسة لجهوده، خاصة إذا كان يعي جيدا دور الأدب في حياة الناس وعوالمهم الروحية .

قد يكون الغموض في العمل الأدبي ناجماً عن الكسل والإهمال عندما لا يجهد الكاتب نفسه بالتفكير من اجل التعبير عن أفكاره بجلاء، أو أن أفكاره مشوشة وغير واضحة، ولا يستطيع التعبير عنها بدقة، فتأتي كتاباته غامضة، أو أن أداة الكاتب ضعيفة الى الحد الذي لا يفي بمتطلبات التعبير عن افكاره ومشاعره من دون لبس او ابهام .

ثمة كتاب رائع للكاتب الانجليزي " سومرست موم " تحت عنوان " حصيلة حياتي " ويقول موم في هذا الكتاب: " لم أكن أطيق كتّاباً يطلبون من القارئ أن يدرك بنفسه ما يرمون هم إليه. هناك نوعان من الغموض تجدهما عند الكتّاب، أحدهما يعود إلى الإهمال، والآخر مقصود، فهناك من يكتنف الغموض كتاباته، لأنه لم يتعلم كيف يكتب بوضوح، وسبب آخر للغموض هو أن الكاتب غير متوثق من معانيه، فشعوره بما يريد الكتابة عنه ضعيف، ولا يستطيع أن يكوّن في ذهنه تعبيراً دقيقاً عنه، إما لضعف تفكيره أو لكسله، وهذا يرجع إلى أن الكاتب لا يفكر قبل الكتابة وفي هذا خطر ".

ولا شك أن أسوأ أنواع الغموض هو الغموض المصطنع الذي يلجأ اليه من يحاول عن طريقه تغطية فشله الفني الناجم عن عدم تكامل أدواته التعبيرية، وافتقاره الى ملكة الخيال، والأهم من ذلك كله، ان مثل هذا الكاتب يفتعل تجربة عقيمة وهزيلة، ويتعمد التعمية عن طريق استخدام الصياغات اللغوية الملتوية، وغير المفهومة، والاستغراق في التهويمات والشكليات اللغوية الفضفاضة، دون ان يكون لديه اية تجربة حقيقية، نمت وتطورت نتيجة التفاعل الحي بين ذات الكاتب وواقعه الاجتماعي .

وقد بلجأ الفنان الى افتعال الغموض في بداية حياته الفنية من اجل مجاراة الاتجاهات الحداثية والشكلية الرائجة . ويحدث هذا للفنان في العادة قبل ان يكتسب صوته الخاص ورؤيته الفنية والفكرية المتميزة.

غير ان الكاتب الموهوب حقاً والصادق مع نفسه وجمهوره سرعان ما يتجاوز هذه المرحلة إذا كان لديه ما يقوله للناس. غير أن هذا الانتقال لا يحدث على نحو عفوي، بل عبر عمل دؤوب ومتواصل ليحقق ما يصبو اليه من الوضوح والشفافية .

يقول الشاعر الروسي الكبير الكسندر تفاردوفسكي (1910-1971) في سيرته الذاتية : " في عام 1934 قدمت مجموعة من قصائدي الى أحد مدرسي الأدب طالبا منه ابداء رأيه فيها . قال المدرس :

" لا يجوز كتابة الشعر الآن على هذا النحو. قصائدك في غاية الوضوح ومفهومة تماما . ينبغي ان نكتب الشعر بشكل لا يستطيع أحد أن يفهمه، مهما حاول ذلك وبذل من جهد. هذا هو احد متطلبات الشعر المعاصر. ثم أراني عدة مجلات أدبية كانت تحوي نماذج للقصائد التي كانت تنشر في ذلك الحين. ولقد حاولت بعدئذ أن تكون قصائدي عصية على الفهم، ففشلت في تحقيق ذلك لمدة طويلة. واحسست حينئذ – وربما لأول مرة في حياتي – بالشك المرير في قابليتي الشعرية، واذكر انني كتبت بعد محاولات طويلة قصيدة غامضة، لا استطيع ان اتذكر الآن موضوعها او أي سطر من سطورها . "

واذا كان تفاردوفسكي قد استطاع بفضل موهبته وذائقته الجمالية الرفيعة ان يتخلص من شرك الغموض المفتعل، فكم يا ترى من دعاة الغموض عندنا لهم الجرأة الكافية ليصرحوا بأن لعبة الغموض التي مارسوها خلال السنوات التي وقع فيها الفن والادب في بلادنا فريسة للاتجاهات الشكلية، لم تكن سوى عملية تجريب ساذجة ومفتعلة، ولهذا لم تصمد امام التيار الواقعي الذي اخذ يشق طريقه وسط ركام هائل من النتاجات الشكلية، التي كانت تقليدا للصرعات الأدبية التي تظهر وتختفي في المشهد الثقافي الغربي .

ان المتلقي الذي يتمتع بإحساس جمالي، وذائقة فنية لم يتعرضا الى التشويه، لا بد أن يرفض هذا النوع من الغموض، لأنه يحول عملية الخلق الفني الى لعبة فارغة، ولأنه ضد طبيعة وقوانين الأدب، والأهم من ذلك أنه يلغي وظيفة الأدب الأساسية .

فالأدب، ليس ترفاً فكريا لنخبة من المتحذلقين، ولا لعبة شكلية كما يزعم البعض. لأن للأدب وظائف بالغة الأهمية في حياة الناس، والمجتمعات المعاصرة، لا يمكن أن ينهض بها أي شكل آخر من أشكال المعرفة الإنسانية.

الأدب سجل عظيم للحياة البشرية، وهو عالم البحث والمعرفة من خلال الكلمات والصور الفنية ويعتمد على الإيماء والرمز، وعلى التلويح دون التصريح .

الأدب في الوقت الذي يلبي حاجة الانسان الى اللذة الجمالية فانه يتيح له المجال ليزداد معرفة بنفسه وعالمه الروحي وعوالم الآخرين. وهو ليس شكلاً من أشكال المعرفة الإنسانية فحسب وباعثا على المتعة الفنية فقط، ولكنه في الوقت ذاته وسيلة لتجديد الحياة وتغييرها، أي أن له وظائف جمالية واجتماعية.

الغموض بين المبدع والمتلقي

في ضوء هذا التصور يفضل دائماَ،ان يكون الأثر الأدبي واضحا بقدر الامكان . ولكن هل الغموض يكمن دائما في الأثر الأدبي ذاته ؟ الا يمكن ان يكون ثمة غموض موهوم لا يتسم به الاثر الأدبي، ولكنه ينشأ لظروف وعوامل موضوعية او نتيجة لتفسيرات خاطئة للأعمال الأدبية ؟

كيف؟

اذا تحدثنا بلغة علم السيبرنيتيك، واستخدمنا بعض مفاهيمها لتوضيح فكرتنا، فإن بوسعنا ان نقول ان العلاقة بين الفنان والواقع تتكون من عدة حلقات متصلة وهي:

الواقع الاجتماعي – الكاتب – الأثر الأدبي – الجمهور المتلقي .

وينشأ الغموض، أو اللا تواصل على وجه الدقة، اذا انفرط عقد هذه الحلقة أو تلك لأي سبب كان، وفي أي مرحلة من مراحل الخلق الفني وتقديمه للمتلقي . وهذا يعني أن اللا تواصل قد يحدث بفعل عوامل ذاتية، أشرنا الى بعضها فيما تقدم أو بفعل عوامل موضوعية وثيقة الصلة بطبيعة ومضمون الأثر الأدبي، وبالشكل الجديد الذي يصوغ به الكاتب أو الشاعر تجربته. فالمحتوى الجديد يتطلب صياغة جديدة وشكلا جديدا، مما يستدعي بذل جهد اضافي من قبل المتلقي لاستيعابه وتذوقه.

ويمكن القول اذن ان هذا النوع من الغموض النسبي له علاقة بالمستوى الثقافي والجمالي السائد، وهو لا يكمن في الاثر الادبي، بل في ذهن المتلقي.

ان الفنان وهو يحاول إدراك الحقيقة الموضوعية، والكشف عن الملامح الأساسية في الواقع، والتعبير عنها، لا بد أن يقوده احساسه الفني – ان كان كاتبا اصيلا وصادقا الى اكتشاف العلاقات الصحيحة بين الاشياء. وهو يسبق فهم المتلقي بمسافات زمنية بفضل تمتعه بشيء من نبوءة الرائد واستشرافاته المستقبلية.

الغموض في الأدب الجديد

ان تأريخ الثقافة العالمية حافلة بأمثلة توضح بجلاء، كيف أن الأدب الجديد حقاً في مضمونه وشكله والمعبر أصدق تعبيرعن هموم زمانه، قد عانى هو الآخر من هذه المشكلة المحورية من مشاكل الأدب، مشكلة العلاقة بين المبدع والمتلقي . وسنكتفي هنا بمثال واحد فقط:

كان الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في العشرين من عمره، عندما القى قصيدته الطويلة الشهيرة " غيمة في بنطلون " لأول مرة في خريف عام 1913 في مقهى " الكلب الضّال " في بتروغراد، اثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل . كانت اصوات الشجب والاستنكار تتعالى في ارجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي ميخائيل فولكوفسكي - وكان شيخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة - الكلام للتعقيب وقال : " انا عندكم هنا لأول مرة، ولم التق بكم سابقا . لقد القى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، أنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي الى الاعتراف بموهبة شعرية أصيلة."

حقاً ان الغموض لم يكن كامناً في قصيدة ماياكوفسكي، بل في اذهان فئة من المثقفين الذين افسدت الثقافة الرجعية اذواقهم الجمالية والمتمسكين بالقيم البالية. ولم يكن الأدب والفن لدى هؤلاء السادة ضرورة عميقة وملحة، بل وسيلة لهو وتسلية، ومصدراً للكسب المادي والشهرة.

ونحن نجد اليوم ان قصائد ماياكوفسكي مفهومة لدى عشرات الملايين من القراء في جميع انحاء العالم.

يخلط كثير من الباحثين ونقاد الأدب في بلادنا بين الغموض المتعمد أو التعمية والابهام من جهة وبين الإيحاء والتلميح من جهة ثانية.

ثمة اعمال ابداعية تتسم بقدر من التعقيد -مثل بعض أعمال جيمس جويس، وشعر بوريس باسترناك، وهي ليست مثيرة لاهتمام القارئ الباحث عن القراءة المسلية . بل تجذب اهتمام القارئ المثقف، الذي يمتلك ذائقة جمالية رفيعة، ويقرأ ما بين السطور.

نظرية الجبل الجليدي

احتل ارنست همنغواي مكانته الرفيعة في الأدب الحديث بفضل اسلوبه الواضح والبسيط ظاهريا، الذي سمّاه بالجبل الجليدي، فهو يقول الكثير باستعمال القليل الموجز من الكلمات ويكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة. نصوص تتألق معانيها العميقة ضمنياً. ويلعب القارئ هنا الدور الاساسي في فهم النص وتفسيره. ويفهمه كل مثقف حسب وعيه وثقافته وادراكه لمضامينه واحساسه بجمالياته. أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب.

وكان همنغواي يقول:" القصة الجيدة، هي تلك التي يحذف منها اقصى ما يمكن حذفه. واذا كان الكاتب يكتب بنصاعة، فإن بوسع القارئ فهم ما هو مخفي بسهولة.

ولقد جسّد همنغواي نظرية "الجبل الجليدي" على نحو رائع في قصته القصيرة "تلال كالفيلة البيضاء". القصة على شكل حوار بين رجل أمريكي وفتاة تُدعى جيغ، ويحاول فيه الرجل اقناع الفتاة بإجراء عملية ما دون ان يفصح عن نوع العملية، ربما كانت اجهاضاً.

لا توجد في القصة أية اشارة الى ان الفتاة حامل، ولكن القارئ يفهم أن الأمريكي لا يريد ان تنجب الفتاة طفلا، ويؤدي ذلك الى تهاوي علاقتهما، ويشعران ان افتراقهما أصبح امراً حتمياً.

استطاع همنغواي في بضع صفحات وباستخدام الحوار فقط، ان يصف التأريخ الكامل للعلاقة بين الرجل الأمريكي والفتاة. ولكن القارئ يقرأ ما هو مضمر في هذه القصة الرائعة بكل سهولة.

وصفوة القول إن الغموض من ملامح القصور الفني أو العجز الابداعي، إذا لم يؤدِّ غرضًا فنيًّا صرفًا، في حين ان الغموض الذي يستدعيه الفن هو ميزة ايجابية.

 

د. جودت هوشيار

 

 

احمد الشيخاوي[كما أن العاشق أكّد صحة ما أدلت به حبيبته القاصر مضيفا أنه كان يرغب بالزواج بها لكن والدتها رفضت تزويجه إياها بسبب عطالته](1).

في مجموعته القصصية "الحافة" الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، يقف المتلقي عند حدود سردية مغايرة تماما، تنم عن روح جديدة في الكتابة القصصية، حين تتوسل الصور الأكثر غرابة، مغترفة من حياة الكائن الواقع في حيّز البرزخية، وكله من صنع الفاقة الملازمة وأضرب التخلف، في رحم ثورة العقل البشري، وهنا يطرح السؤال العريض، لماذا يظل المغربي متمسك بذاكرة الخرافة والشعوذة، في غمرة هذه العالمية والعولمة التي أفرزت خطابا جديدا وماديا صرفا بالأساس، في قراءة زمكانية ونصوص إنسان ما بعد مثل هذه الثورة وهذا الإزدهار..؟

ولك كامل هذا التسلّح بمنظومة أشكال الشحاذة والمكر والثعلبية والدهاء السلبي، كلون من الانحباس في عتمة الذات المشدودة إلى فخاخ الدوغمائية والأنانيات، قصد نيل الأقل والظفر بما هو بخس، وملطخ للسمعة والهوية والمنزلة، وفقا لتاريخ معين، راحت تتداخل معه حدود المفارقات والعجائبية والأضداد؟

وعموما، نلفي نصوص هذه المجموعة، مغرقة في صور جلد الذات، انتصارا لبهيمية مدسوسة، ومن أجل إثبات الذات، وإبراز مناحي القدرة على التفوق، وقهر الآخر، وإن بأساليب قذرة وغير مشروعة.

هو إغراق في صور مبطنة بالغرائبي، ومحيلة على خلل في ثقافة جيل، التبست عليه دروب الحقيقة والخيال، وعصفت به بينية الوجود، باشرئباب إلى المجازات والشطحات والتمكين للاوعي من مسرح النضال الذي يترجم دناءة وجاهلية الكائن، من جهة، ومن جهة ثانية، هواجس الانصهار في روح الواقعية واجتياز امتحانات الذات والوطن والحياة، عبر تقمص أدوار الشخصيات الأكثر خبثا ومكائد، عبر تراتيبة زمنية محددة، بل والذهاب أبعد من ذلك، الإتيان بأبجديات مختلفة ومتنوعة ومبتكرة في انتهاك حقوق الآخر، من خلال جلد الذات، بالطبع، وخلع رداء الإنسانية، بتفعيل المنوم في أدغال الذات، من بهيمية وبربرية متشربة من إستراتيجيات وتكتيكات العصر السالبة والناقصة والمشينة.

ومن هنا، الحافة، باعتبارها تيمة أليق بهذا المنجز المنذور للصور الشاذة، في عالم متكالب على حقوق الكائن، ووالغ بنتانة الإيديولوجي في نبع إنسانية هذا الكائن.

هو خلل وجودي مربك، تحاول أن تجسده هذه السردية في تملكها للحالة الإنسانية المقموعة بنظير هذه إكراهات، تملي عليها منظومة أقنعة، يمتزج فيها الواقع والخيال، ويسبح مع أفلاكها، منطق اللاهوت وفلسفة العقلاني.

نقرأ للقاص قوله: [وفي الأخير قررت مصالح الجمارك إرجاع العلبة لصاحبتها، والاعتذار لها عن عدم تنفيذ رغبتها ورغبة زوجها، وما إن حصلت الزوجة على العلبة الزجاجية قصدت حمام المطار لتشرف بعض الماء،على وجهها، كي تستفيق من هول الصدمة التي أحست بها عندما زفت لها مصالح المطار الخبر، لم تكن تعلم بزيارات زوجها المتكررة لبلده صحبة إحدى صديقاتها، ولم تفكر يوما أنه من الممكن أن يقدم على خيانتها. وبعدما انتهت واستفاقت من صدمتها، أفرغت محتوى العلبة بإحدى بالوعات الحمام، وصعدت بعدها مباشرة للطائرة وهي مبتسمة، كلها فرح في عدم تحقيق رغبة زوجها](2).

في قصة " الحافلة " التي استهل بها القاص المجموعة، نطلع على عالم النفاق واصطناع العاهة، بغية الهيمنة على الحيز الكافي الذي لا ينغص السفر.

راكب يدفع بحيلة ادعاء العرج، شهوة أربعينية، في تبوأ مقعد فارغ بالقرب منه، ولو أن مكان فتاة في بداية أنوثتها، وصغر سنها، كان سيبدّل الموقف، جملة وتفصيلا، زد على ذلك امتعاض سائقي الحافلات من مدونات التأمين، ما أضفى على الأقصوصة، نوعا من السخرية التي تعري عيوبا وأعطابا مجتمعية وبشرية .

والأغرب من ذلك، ما جرى على لسان السارد، في مناسبة تفضح التدجيل والسمسرة والمتاجرة في الدين، من خلال شخصيات "الفقيه " المتقلبة، حين ولج أحدهم مقبرة، وقد لبسه الرعب، من بضع شباب عكفوا على إدمان الحشيش، إلى أن انتهى به المطاف، في خصام ملتهب مع أحدهم منم يتكسبون بقراءة القرآن على الموتى، والمضحك أن هذا الفقيه طلب من خصمه، رخصة التلاوة على الموتى، وقد غررت به فتاة اتضح أخيرا أنها تعاني من مرض نفس وقد ألفت مثل تلك المواقف، وكيف أن القبر فارغ في الأصل، وأن أحدهم أعده لصالحه وأوصى بأن يدفن فيه، بعد موته، وتلكم مفارقة احتكار القبور التي باتت مكلفة في الكثير من مدننا، لكل أسف، مثلما تخبر بذلك قصة " حديث المقبرة".

وغير بعيد عن هذا المعنى، قصة الشخص الذي دل على طريقة تخلصه من عجزه الجنسي، تكمن في مضاجعة فتاة ميتة، وكان أن رشا حارس المقبرة ليتم له ما أراد، ليصعق في النهاية بجثة ذكر، زادت من أوجاعه وعمّقت حالته النفسية المزرية التي تلطخها أحاسيس الخيبة ومشاعر العجز الجنسي الثقيلة، كما في قصة " بركة القبور".

ويقول :

[وأشفق لحاله..وأخذ سؤال يلح في رأسه..ويطرح نفسه بقوة..ولم يستطع منه فكاكا:

- أي حظ تعس هذا الذي جعل هذا الطفل وأمثاله هكذا، ويدفع بهم إلى هذا المصير..؟

ظل يتابعه باهتمام.. وعن كثب والألم يعتصر روحه، وفجأة انطلقت الحافلة تغادر المحطة، فشيع الطفل بنظرة إعجاب وافتخار..وهو يلوح له بيده، فأجابه الطفل بابتسامة عريضة بريئة وهو يلوح له بإشارة الوداع](3).

إنها أمومة من نوع آخر، تتمزق لها هوية هذا الطفل الضائع، الذي تغتصب طفولته يوميا، على نحو مقزز،وداع على الخجل والانكسار، من مشهد ذابل، تنزف له إنسانيتنا.

وترشقنا أقصوصة " تبادل الأدوار " بمقلب يتبنى بعض النظريات العلمية الآخذة بالتفشي، فيما يرتبط بحمل الرجال، وهوز طقس يتم تدويره " حلميا " وعبر برزخية، غوصا في عالم العقم المثقل بالمعاناة والمكابدات.

كما أن أقصوصة " عروس لعريس آخر" تلعن راهن استثمار ضعف الأنثوي، بخاصة حين يصدر الانحراف والنشوز عن جهات تدعي التثقف والرقي والتحضر، وتشغر مناصب المسؤولية والأمانة في مؤسسات الدولة، قطاع الصحة هنا، بحيث سوف يغتصب ممرض فتاة صغيرة باغتها الداء ليلة عرسها.

ذلك ويتم تمرير كهذه رسائل ممعنة في دوال الشذوذ، وعق الفطرة، بكيفية هادرة ومرعبة، للتدليل على حساسية وخطورة مفرطة، باتت تعيشها مجتمعاتنا، تجنيا على الكائن، وتوليد لصور الانحراف النفسي والاجتماعي، المؤذن بالخراب والنهايات المأساوية.

تلكم مجموعة " الحافة " وقد عقّت هي بدورها أساليب القص، قديمها وحديثها، لتبصم خطابا مغايرا يحاول لملمة هوية الكائن الممسوخ، داخل أوساط تتلوى بين أوجه الاستنكار، وغض الطرف في الكثير من المناسبات.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من نص "العاشق العاطل" صفحة11.

(2) مقتطف من نص "جرة الرماد" صفحة 65.

(3) مقتطف من نص"طفل المحطة" صفحة119 .

 

محمدـحسينـ الداغستانيعندما تعصف الريح بالسكينة المفتقدة!

الريح والموج والليل والحزن، تلك هي المرادفات المتلاحقة بإسراف بيّن عبر نصوص المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الدكتور فاروق فائق كوبرلو الموسومة (قصائدي تطفح ليلاً)، وكأن الصخب الناجم عن تلاقح سمات الطبيعة المحمومة كان لوحده القادر على تجسيد المعاناة العسيرة لولادة النص المضني .

وبدا واضحاً بأن جلّ الرموز الثرية المستقاة من الطبيعة في المجموعة إقترنت بدلالاتها العنيفة وقد تم توظيفها بإنسيابية سلسلة من لدن الشاعر لإضفاء حالة الغليان والكمد والقنوط على لغته الشعرية االمفعمة بالبساطة والمباشرة أحياناً نتيجة غزارة إنتاجه الأدبي التي رفدت المكتبتين العربية والتركمانية ب 43 مؤلفاً في شتى الأجناس الأدبية مما أدى ذلك إلى هيمنة طقسٍ فريد يكاد يكون متقارباً في الرؤى والمشتركات لتكوين أسلوبه التركيبي .

وفي لغته الشعرية فقد كان كوبرلو في أغلب نصوص المجموعة ميالاً إلى إبتدائها بالتراكيب الأسمية مثل (هامات النجوم ...، رماح القدر ..، شلال هادر...، طير مذعور ...، الوحش الغاضب ...، جذع مبتور ..، القارعة تقرع ... إلخ) وكانت هناك حالات معينة إستخدم فيها حروف الجر، والمقصد في ذلك توافقَ تماماً مع مشروعه اللغوي الشعري الهادف الى تكريس الأجواء الملبدة بالفوران والحركة الصاخبة، فضلاً عن شحن اللغة بقدر لا يستهان به من الإيحاء بعدم الإستقرار والإفتقاد الى السكينة والرضوخ للواقع الموجوع:

وعلى إمتداد الريح

ثمة دهشة زائلة

تسرق المحطات، تتأسر الكلمات

لا سعادة لهذه الريح

سوى الرقص فوق الأمواج !

لقد إتكأ كوبرلو على التغييروالحركة النشطة الدؤوبة للطبيعة الضاجة بالتدفق والمحتشدة بالأفعال التي بَصَمت النصوص بسيماء القلق والحزن وكانت الريح سيدة الحدث فيها دون منازع:

وتخطف الأشرعة من الرياح الليل

شرارة الطيوف تحرقني

والبيادر تغلي وتمور

الأوراق المتساقطة لا تصلي صباحاً

وعيون العنادل تكتحل بنار الحسرة

سراجي لا يصهل

يتوجس في ظل الهمس

وحتى الأمواج لا تقهر !

فالريح في النص ناتج فعل درامي مدهش بحيث تصطف الصور الشعرية أفقياً للتعبير عن عنفوانيتها وشبقها الآسر للصراع مع المتناقضات، وبوعي أو دون وعي من الشاعر فالإصرار واضح على تأكيد المدلول السلبي وإقصاء الإيجابي في مكونات الطبيعة عبر المجموعة بكاملها فيما تزخرتراث الشعر العربي الحديث بالإيحاءات المفرحة والجميلة لمفردة الريح، فهاهي عمالقة الآلهة تقول لكلكامش عندما عاد منتصراً الى مدينته (أوردك):

فأطهم لك عربة ً من اللازود والذهب

عجلاتها من النظار

وزينتها حجارة كريمة

تربطها عواصف الرياح خيولاً

وكذلك الشاعر عمرأبو الهيجاء عندما تناول الجانب الآخر المضئ للريح كرمز للإحتفاء والأمان والسكينة والخشوع المقدس:

ردني يا حفاء اليدين النقوش

على حافة الليل

وصل معي على سجادة الريح القديمة .

فأين كل هذا من ريح كوبرلو التي تكتسح كل جميل وتحجب الشمس وتفتك بالنور في فضاء الحرية:

في الفضاء الرحب

ثمة ريح صلعاء، ترصد بعيون عوراء

لتواري الشمس

وتقتل الضياء في الفلاة !

ومثلما الريح عامل فتك، فهي بذرة مكنونة في سويداء اللاوعي، تحيل ليل الشاعر الى كابوس من التحسب من الآت الذي يعكس الخوف حتى من الضياء.. هذا الغد المضمغ بالقلق المتلفع بالمجهول:

وأنا أهرب من ليالٍ عسيرة

أتشبث بحبال الأمواه

خوفاً من الغرق !

وأنا خلف ضجيج الزحام

خوفاً من الأرق ... خوفاً من الريح

خوفاً من إلتماعات الزجاج !

وليت الأمر يقتصر على الخوف والتحسب فالريح تنزف وتجهض عطاء الأرض بل وتودي الى صمت عاقر في أجمل ساعات اليوم وتحول الدم القاني الى مجرد سائل أصفر وتفقِد الأغنية سحرها وتـُقلب الأرض الى يباب قاحل:

نزفت الريح دماء صفراء

والموسيقى جرس أخرس

آنذاك جف صوت البحر وقت السحر

ولم تسمع للأرض أغنية !

ولتكتمل الصورة الشعرية بخصوصيتها لدى كوبرلو فهو يستنفذ قدرته الرومانسية الكامنة في لغته المغلفة بالحزن الشفيف واليأس من القادم الأفضل فيعصر الكلمة حرفاً حرفاً ليجمع الريح مع النور والظلام في متوالية موسيقية طرية وآسرة:

تجوب ذاكرتي رماد قصائدي

التي إحترقت

وأضرمت مع الريح

وتناثرت حباتها مع زخات المطر

وتراقصت كالعصافير السرية

والزهور القلقة !

ومن المدهش حقاً أن تكون فسحة الحب شحيحة وخجولة ومترددة في المجموعة مقارنة بحجم نصوصها، ففي أتون الرياح والأشرعة والأمواج الكاسحة توارت المرأة أو الحبيبة خلف ضباب البحر المترامي إلاّ فيما ندر، واستطال تصميم الشاعر ليضم حوافي الموجودات بعناد وتركيزها في بؤرة متوترة تعج بالقوة والفعل المدوي، فيما كان إحتباس الحضور الأنثوي لافتاً مع ما يمنح ذلك الحروف والكلمات والشعر الطراوة والنداوة، لكنه في إسفاره الخجول تعمد عدم الإخلال بتركيبة المجموعة البنائية ومنهجها الرامي الى تغليب حالات الطبيعة ورموزها فوق أي إعتبار، بل ذهب بعيداً في هذا المنحى الفريد عندما حرص حتى في غزله على إقتران عيون الحبيبة بالبحر وكائناته الحية:

دثريني بوجهك الموجّل

تمعني فيّ بعينيك الحالمتين

لأقرأ خارطة البحر

وأغذي الأسماك والمحار

وعلى ذات المنوال تتوالى نصوص المجموعة المثقلة بأهواء الأمواج المتلاطمة وشجون الناس والموجودات من حول الشاعر في تناغم فريد مع هبة كل ريح عاصف صرصر وإطلالة فجر يفتقر الى الأمل، وكأن الشاعر يتمترس خلف هذه المدلولات ليعبر رمزاً ليس عن حزنه فحسب وإنما لمعاناة جيل وملّة مجبولة على الألم نتيجة الأحداث الجسيمة والمؤلمة التي عاشها شعبه، وهنا .. هنا فقط، يسمح فاروق كوبرلو لحزمة فرح في لفتة نادرة لكي تخترق إحدى نصوصه العتمة وتنفذ من خلال كوة صغيرة نحو الفضاء الرحب، فتغمر الكلمة المعبرة عن الضائع المفقود بقبلاتها الدافئة للفجر، وتتناغم مع تراث قومي زاخر بالمدلولات والوقائع وحكايات الشجن والبطولة المتمثلة بالقوريات (*) الأثيرة:

قصائدي تطفح ليلاً

تغسل خدود الأنجم بالقبلات

تتسحر مع الفجر

وتنام مع القوريات

في أسرة المسرات !

ربما لم يأت فاروق كوبرلو بالاستثناء لغة وبناء وإيقاعاً وصورة قياساً الى مجاميعه السابقة، لكن جمرة إختيارته كانت حارقة، ونتؤات رموزه حادة، ولعنات ليله وبحره وريحه كانت تمور وتظطرب باللواعج، فعبّروراء السطور بصدق عن محنة الانسان المنفي والمغترب بين ناسه وفي وطنه القريب قبل المهجر البعيد !

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

........................

(*) القوريات: من الموروث الشعبي التركماني وتتكون من رباعيات جناسية ذات دلالات عميقة مثل الأبوذية العراقية في الجنوب والفرات الأوسط وتشكل لوحدها منظومة عاطفية مؤثرة وموحية .

 

انعام كمونةالمشهد الأخير، للقاصة سلاف هلال ...

- ان القصة القصيرة من الأجناس القديمة المعروفة منذ الأزل والهبة الأولى لخلق الوجود كما ذكر في الكتب السماوية قصة أدم وحواء، وما بُني عليها من حكايات خيالية، وهناك تاريخ للقصص ميتافيزيقية الخيال مختلفة باختلاف الشعوب باعتقادات شتى نسجت من طبيعة البشر لاحتياجاته النفسية والروحية والاجتماعية، والقصة فن سردي من الفنون الأدبية الممتعة للقارئ ببنيتها الاجرائية كخطاب مرسل بكفاءة تطبيق تشكيلاتها السردية وعناصرها الحكائية، بكثافة واختزال وفنية تعبير بأسلوب الصور القصصية، وقد تنامت بمراحل عدة وتمظهرت بجمالية تتناسب مع الحداثة بسياقها الأسلوبي في التشكيل والتعبير بطريقة رؤيتها كما في الأجناس الأخرى

- العنوان / ....

- سيمائية العنوان أول السياق للدلالة عن رؤية النص ببنيته التشكيلية وتقنياته الفنية، ليستنبط منه القارئ الفكرة التأويلية الأولى لملامح السرد الحكائي، بما يحفز حفيظته الذهنية فيستشعر ملامح المضمون، لذا لعتبة العنوان اهمية موازية للبؤرة المركزية في القصة القصيرة بعناصرها الأساسية، منها المضمون الخطابي، سياق الأسلوب، ترابط السرد، طبيعة الشخصيات، تقنية الحوار، بنية العنوان وقوة الخاتمة، وغيرها...

- (المشهد الأخير) عبارة تقريرية ببنائها السردي الظاهري لموضوع رؤى القاصة، وعلامة اخبارية ببساطة اللغة تحيلنا لسميولوجيا العنوان باللفظ والمعنى، فالمشهد جمعه مشاهد في المرئي والمسموع، وما لصفة الأخير من استرجاع أولي سابق يدل على ذاته المستمرة من المشاهد مما يخلق فضول التطلع للقارئ، فيستفز قريحته الفكرية ليخترق قصدية العنوان بتساؤل بديهي ..هل المشهد خاتمة لمسرحية خيالية أو نهاية فلم سينمائي..!، وهل ذاتية المشهد درامي، ساخر، رومانسي..، أو تجربة حسية مؤثرة الحدث خلق خيال الرؤيا بصوت القاصة..؟، لذا تغوينا بنية العنوان، وتحثنا دلالة التكهن عن اي مشهد تعني لنصل للأخير..؟؟، سيجرفنا الاشتياق للوصول لِكُنه ذلك المشهد باسترسال وتَرَوي لمتابعة القصة من العتبة الأولى...

- تجلى تشكيل العنوان عمومية علامة لزمكانية لا متناهية، تشي بفضاء رؤية حاشدة بالسرد الزمني لعدة مشاهد سابقة قد تدل على ذاتية العنوان تسرده رؤى القاصة للوصول للمشهد الاخير..!!، ورغم الإشارة للمشهد بالأخير الا ان توقيته الزمني مبهم، قد يكون مساء أو صباحا..!، متواري ببراعة أدبية تتركه القاصة علامة احتمالية لاتساع رؤيوي يفيض افتراضا وتأويلا بما يتبادر لذهن القارئ، فالمشهد منظر مرئي يشغل حيز العرض تدركه الحواس بمتابعة وترقب...

- النص / .... المشهد الأول

- من المشهد الأول للعرض اعتمدت القاصة اسلوب الاختزال في العتبة الآتية، (مرارا وتكرارا تتبدل الوجوه أمام ناظري صاحب الكشك الذي يقع على ناصية شارع عمومي من شوارع بغداد المحاصرة بالموت من كل جانب)، من الدلالة التشكيلية للسرد في الاستهلال الزمني الآتي (مرارا وتكرار) نلاحظ من أثر المعطوف والمعطوف عليه تشكل دوران الحدث بين تابع ومتبوع في دائرة مغلقة اتقنته القاصة لتشي باستمرار حركة المشهد، وأشارت للمكان في أحد ضواحي بغداد وهي العاصمة العراقية ايماءة لبؤرة رمز تعطي بعدا شموليا لبقية مناطق الوطن وما طالها من رعب فاختصرت الكل في الجزء بإيحاء مدهش ومكثف بدلالة تفشي الموت في المدن...

- أما صاحب الكشك هو احدى شخصيات الحوار ورمزية فاعلة سنتعرف عليه أكثر في مشهد آخر يُعَد كاميرا التصوير لأي مشهد، يوثق الحدث بصوت القاصة فكلاهما شاهد عيان يتبادلان الأدوار حسب مقتضيات الحبكة الحكائية ...

- يتابع القارئ تفاصيل المشهد فيرى ويسمع ويتفاعل بسرد القاصة كشريط سينمائي في اللقطة التالية: (زبائنه عابرو سبيل ليس إلا، يدفعهم العطش أحيانا لشرب زجاجة بارد أو عصير معلّب، ويحثهم الإحساس بالقهر لحرق لفائف تبغ يبتاعونها منه لينفثوا من خلالها دخان نفوسهم التي تغلي كبراكين تنتظر لحظة الإعلان عن غضبها المتصاعد.)، نرى لا تاريخ معين للسرد لإيحاء عمومية زمن لطبيعة حياة متأزمة مرهونة بهدوء مؤقت وعاصفة حراك متوقع لعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي كردود فعل رافضة للاجتياح الأجنبي بلا أي شرعية باقتحام مباح لكل الأماكن..!!، فتأويل الدلالة أن المواجهة حتمية بمشهد طارئ ...

- تنعكس الرؤية النفسية للقاصة بانفعال حسي وتأثر وجداني فهي عراقية الهوية، وطنية الجرح، فلا عجب ان تصور دقة المشهد بتماس القضية، في النسق التعبيري الآتي (وقد يشترون صحيفة تبيع لهم الوهم بهيئة أمل في اجتياز المحنة التي يعاني منها الوطن والمواطنون)، نستشف من مفردة (قد) إيحاء احتمالي الدلالة متردد ما بين الاهتمام والإهمال بالأخبار عموما والسياسية خاصة، فتحريف الحقائق سلطة المحتل والمواطن ليس بغافل...

- تستمر القاصة لتكشف عن طبوغرافية مشهد التواجد في الشارع، بسرد ذاتي المعاناة متجانس مع الواقع فتنقل المشهد بسيكولوجية الأنا بذهنية الكل لتعبر بما يكتنيه الموقف الجمعي باستخدام اشاري بضمير الغائب (هم في بلادهم)، كما في السرد التالي (رغم أن بلادهم لاتزال ترزح تحت أقدام المحتلين والمارقين والخارجين عن القانون والأعراف والدين.)، سرد مكتنز العبارة وتكثيف زمني باستخدام الأفعال المضارعة( لا تزال، وترزح ) لتؤكد على الماضي والحاضر والمستقبل وتجزم أن المواطن يتحدى الموت بكل لحظة، نتيجة صراعات سياسية دامية سببت حروب داخلية فنتجت تقلبات وتغيرات اجتماعية متراكمة بفوضى عارمة، ويبقى شغف القارئ ان ينتزع دلالة الرؤية بتأويل مشهد استمرارية حركة مجتمع عربي موجوع بهول صدمة التصدع ...

- وفي مقاربة بين الماضي والحاضر لتقريب مشهد الفكرة الذي يؤكد التناقض في أيقاع الحياة بتكثيف دلالة الوصف والجزم المطلق في الاشارات السردية التالية، (لم تعد الحياة كما هو عهدها في السابق، فالمدينة أضحت مرتعا للشر والأشرار، أَمْا أبناؤها فانقسموا بين قاتل وقتيل، لا شيء يدعو للتفاؤل وليس هنالك أمل لشعب حلم بالحرية فأغرقته الوعود في بحر من الدماء.)، تتمكن القاصة من التفصيل والتوكيد معا باستخدام أداة التفصيل (أما) في العبارة الآتية بما يتناسب مع الجزم السابق (أَمْا أبناؤها فانقسموا) لترسيخ إيحاء قوة الدلالة لمقاربة نوعية من الاضطراب الاجتماعي والركود الاقتصادي والتطاحن السياسي، مما يترك في قلب القارئ جرح وجداني نازف القهر للتمزق الحاصل، وبإغراق الشعب في بحر من التناحر الدموي لا طائل له غير ما يسعى له المحتل بتطبيق مخططاته بــ (فرق تسد) ...

- نستدل من واقع الدلالات الكمية والإشارات النوعية الحساسة على مقاربات تضادية متنوعة الدلالة.. بين القيد والتحرر ..التفاؤل والتشاؤم ..الخير والشر .. الأمل واليأس .. (إحالة لموت الضمير وكسر أواصر التواصل الإنساني)...

- المشهد الثاني: رمز الصداقة

تنقلنا القاصة لتقنية مهمة من تقنيات القصة بعرض فلاش باك باسترجاع الرؤى لأفق زمني سابق، لتستدرج القارئ للسعي في التوغل في فضاء القصة لمزيد من التشوق الحكائي كما في المشهد التالي، (لقد حظي في الماضي بصداقات شتى امتدت لأعوام، أيام كان للصداقة معنى وقداسة، لكن أين هم أصدقاءه الآن؟ منهم من طالته يد الغدر ففارق الحياة، ومنهم من آثر الرحيل أملا في النجاة من الموت الذي حطّ رحاله في هذه البلاد)، بسؤال دلالي مؤثر للقاصة لتعزيز رؤيتها الخبرية بحدث محتدم، فالمشهد يستعرض سيمائية قضايا متعددة الرؤى للمقاربة مع الماضي بإشارة مهمة لقداسة القيم الأخلاقية الواعية للتعامل بسلوك متحضر، كما ان ايحاء الصداقة طبيعة تعايش تشي بالسلام والتسامح والعلاقات الراقية بعدم التطرف والتفرقة بين الطوائف والأديان بما يوحي بالمقاربة التأويلية الدلالة للتناقض العكسي ...

- المشهد الثالث: مشهد عشوائية القتل

- ولمقاربة أكثر اتساعا لمشهد نموذجي تتناغم دلالاته ورمزيته مع فضاء العنوان، ويجيب على جزء من اشكاليته لسؤال القارئ بعرض حيوي مأساوي الأثر يوثق الصور المريرة للإنسان في المجتمع الشرقي المقتول بعدة سبل، تتناول مقاربة موضوعية التناقض بين الحياة والموت، وما يرادفها من دلالة مصيرية التضاد بين الحرب والسلام في الكيان التالي، (منذ يومين شيع جاره جثمان زوجته وهو في حالة ذهول جعلت الجميع يرثي لحاله، فلقد تركت له أربعة أبناء لا يعرف كيف سيدبر أمرهم في وقت عصيب كهذا. كانت تجلس إلى جواره في المقعد الأمامي من السيارة وهي في حالة حبور، ثم سكتت ضحكاتها على نحو مفاجئ)، والسرد للقاصة بحضور ضمير الغائب (هو) نستشعر رؤية مؤثرة لحالة نازفة الوجع في سياق رمزي، يوحي أن لا قيمة للإنسانية في بلد احتله أعداء الحياة فالموت وشيك بكل لحظة يوازي ما يحدث في متاريس الحروب، فلا فرق بين جندي في ساحة حرب أو فرد مسالم داخل المدينة ...

- نرى مقاربة المشهد بين فترتين وبما توحي بإلغاء الزمن في استهلال ذكي للقاصة في الفقرة التالية (منذ يومين) فأي يوم وأي وقت لا تاريخ محدد لمسرح الرؤيا، فكل الأيام متشابه بالوان الحزن والموت...

- كما إن الحراك السردي مكثف الرؤية يؤكده رمز المرأة بما يفيض من سعة دلالات فهي الخصب والنماء، دفء الألفة، وحضن الاحتواء، مقاربة حسية لكل تضاد وجودي للإنسان بمعادلة المشاعر الانسانية، ما بين الحنان والقسوة، الحب والبغض، الحزن والفرح.. فتطغي فلسفة الموت بميزان الحياة، فنرى توهج طاقة من الأحاسيس في مشهد واحد مما يلهم القارئ فسحة تأويل ثرية التحليل متسعة الرؤى مدججة بالألم ...

- نلاحظ من مشهد الفقد الفجائي دلالة مؤثرة عاطفيا ونفسيا باستهداف الأبرياء وقتلهم في أي لحظة، وكل الأماكن كما في السرد التالي، (ثم سكتت ضحكاتها على نحو مفاجئ) عبارة سردية فاعلة فمن رصاصة قناصة عشوائية الهدف أو متعمدة الإصابة بلا سبب أسكتت مهرجانات بغداد الجميلة والوارفة بالهدوء والبستها ثوب الحداد بفجأة الاغتيال وعبث الاحتلال، (احالة لتمزيق جسد وروح الوطن) ...

- للمشهد الرابع .. مشهد التعارف والحوار ...

- تستدرجنا القاصة لمشهد جميل بتعددية الأصوات وهو عنصر آخر للحبكة القصصية يتمظهر عبر التعارف بين شخصيتين، تستأنفه برؤية حميمية المشاعر ودفء الحوار بين جيلين مختلفين، هما شاب ورجل مسن، يتجلى خلاله تلاقي الماضي والحاضر، نشاهد مزج صدى الخيال بدراية الواقع مما يحصل في الشارع العربي عن مرجعية تجارب بمقاربة عاطفية بإحساس الألفة، فهاجس الارتياح يحفز الشعور الأبوي الفطري لصاحب الكشك تجاه الشاب نستدركها من العبارات التالية ( أشرق وجه صاحب الكشك حين أقبل عليه شاب في العشرين) ..(وهو يتفرس في وجهه الذي بدا له مألوفا منذ الوهلة الأولى)، وبآلية عرض تمهيدي لخاتمة

- تتجسد رؤى الحوار بين جيلين مختلفين تشير بمواجهة فكرية واجتماعية عفوية بطباع انسانية العراقي البسيط، ورغم قصر الحوار نتعرف على جزء من شخصية الشاب بتأويل مقتطفات أجوبته، بخصوصية مغلقة، وانشغاله الفكري، عدم اكتراثه بالاجوبة، وترقبه لشيء ما في الشارع سندركه فيما بعد ...

- سيمائية رؤيا مكثفة باستعارة رموز ثيمة الأسماء لتوجيه مسارات القصة لمستوى دلالي أقرب للمضمون وتسليط الضوء على الشخصيات المركزية للقصة لتظهر مفارقتها الرمزية للتعريف والوضوح، وباستخدام قواعد الاشارات الرمزية لإضفاء جمال التعبير والتشكيل المقترن بالدلالة الاستعارية عن القصد، فتؤهل الشخصيات لفحوى الخطاب، فنستشف من أسم الشاب (سيف) لذاتية الموضوع باستخدامه كرمز بغايته الغائرة، ومن ثم الفاعلة الدلالة في تفاصيل عتبة الخاتمة لتفسير الصراع الدامي والمحتد على المحك لتلفت القارئ للتفكر به لاستقرائه وتأويله، منه نستلهم الدلالة الظاهرية لنبرة الصوت بكثافة المعنى وقوة التأثير، وما يتضمن من باطن الدلالة عريكة التحدي بما يشي بضدية متوارية تؤكد ما للسيف من علامة تقليدية للقتل والانتقام، فحينما يشهر تدق طبول الحرب، أما حين يغمد فيمثل الأمن و السلام وبه يتوازى ميزان العدالة إن استوجب الحق، وهنا نستذكر قول أبي تمام (السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ  في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ) باختزال أوجه الدلالة، وسنرى غاية مفارقته الأكيدة في نهاية المشهد ...

- أما رمز اسم صاحب الكشك (أبو غايب) فينم عن إشارة غائرة القصد بمكونه الصوتي الظاهري لطبوغرافية تراث ببعده الاجتماعي المعروف لعكس عمق ما يكتنزه من دلالات العقم والحرمان والوحدة والفقد، فهو إحالة لمعاناة الوطن وتشظيه...

- المشهد الخامس (المشهد الأخير) الاستشهاد

تتجلى المفارقة الختامية بقفلة مدهشة فجائية التوقيت بمفارقة توازي علامية العنوان والعتبات التمهيدية السابقة فاستحضرت القاصة فكر القارئ وهدهدت مشاعره ليبحث عن قصد ما شاهد من لقطات وسمع من حوار فتراءى له منظر العملية الانتحارية البطولية بأوان مشهد انتحاري مشرف بكل ما يتمتع (سيف) من طراوة عمر ومستوى ثقافي وأحلام حياة، فلا يضاهي الوطن الا الروح لذا التضحية بالنفس من أجل طرد المحتل ورفض الأجنبي على ارض الوطن شجاعة بالغة بفخر عربي (فالجود بالنفس أسمى غاية الجود)، لا حرية بلا دماء وتحرير تراب الوطن بدماء مواطنيه، وما سيف الا رمز لكل مواطن عراقي ...

الخلاصة

- ومن خلال معايير إجرائية سابقة ومقاربات سيمائية، جوهرية الخصائص للقصة القصيرة من عناصر علامية، واشارات زمنية وشخوص رمزية وتقنيات فنية وأنساق سرد تقليدية بأسلوب فني مترابطة الأجزاء، متنامية الانسياب، مكتملة بكائن موحد الأسس، ومعمارية كيان بديناميكية موضوع نستكشف ان العنوان علامي المركز، متنامي الحركة من أول العتبات لخاتمة خطاب لاستشفاء سؤال القارئ ...

 

إنعام كمونة

 

صالح الرزوقلا يوجد شاعر في بولونيا تخلو قصائده من آثار السرديات الكبرى لعصر الرومنسية الأول، والذي يمثله عميد الشعر البولوني آدم ميتسكيفيتش. ولا سيما بظروف حياته الدرامية. لقد مثل شعر ميتسكيفيتش الغضب الأعمى المبالغ به،. وكان ذلك نتيجة ثلاث منعطفات مرت بها حياته.

1- التآمر ضد النظام.

2- جنون زوجته.

3- فراره إلى اسطنبول ووفاته هناك بالكوليرا.

ويبدو لي أن جيسلاف ميوش هو الأقرب لهذه الملابسات، فقد كان الابن المدلل للنظام، قبل أن ينفصل عنه في باريس ثم يهاجر إلى أمريكا. ويغادر دائرة الثقافة السلوفينية ويدخل بمتاهة العقل الأنغلوساكسوني. ورافق ذلك مراجعة لأدواته الفنية التي كانت تدين أساسا بخلفياتها الأرستقراطية لتولستوي وانتقلت لأفكار رومنسية سوداء يغلب عليها الإنكار والتحفظ أو التزمت أحيانا. وأصبح كأنه نسخة مبيّضة من بودلير أو لوتريامون. والإشارة هنا لشكل قصيدته التي تتألف من سطور ومتواليات. لقد انتقلت سرياليته فجأة من إعادة إنتاج صور الواقع المجزأ بنتيجة الحرب العالمية إلى تصوف غامض تضيع فيه الذات بين تيارات غير محددة وغير مفهومة. بمعنى أن السريالية الإشتراكية أصبحت تصوفا نضاليا. وفي كلتا الحالتين كان ميوش يعكس اتجاه السهم في العلاقات. فهو يضع التجارب الخاصة أمام الهموم العامة. وأعتقد أنه يلح على هذه الفكرة. فمعاناة الذات هي الباب الطبيعي للكلام عن هموم المجتمع. ويمكن القول إن معاناة الأشخاص تأتي عنده قبل محنة الجماعة. وأن الوصول لنتيجة عامة ليست ممكنة دون الدخول من بوابة الأفراد وذاكرتهم وماضيهم. وهكذا رسم صورة مركبة لإنسان غامض وضائع في ملكوت أفكاره وأحاسيسه. ويمكن مقارنة تجربة ميوش بالنفري. فقصائده ابتهالات واعترافات موجهة لقوة غير محددة. وحتى أن آخر باقة من قصائد ميوش، والمنشورة في كتابه (الفضاء الثاني/ صدر عام 2004)، تحمل عناوين لاهوتية مباشرة مثل الملاك الحارس، مقالة في الثيولوجيا، الدين يأتينا. وفيها يعرب عن ألمه من دربه الشاق الذي يبدأ بالمعاناة مع الواقع وينتهي بطلب السعادة الكلية والسامية. ومن غريب المصادفات أنه خاطب ميتسكيفيتش في عدة مواضع وقال دون مواربة:

كنت دائما أحب ميتسكيفيتش، ولكن لا أعلم لماذا.

ثم أدركت أنه يكتب بالشفرة

وهذا هو قانون الشعر،

أن يحتفظ بمسافة بين ما نعرف وما نقول. ص 52.

إن شعرية ميوش تعتمد على أن يكون لكل فكرة صورة متخيلة، وهي على الأرجح، رمز لروح الإنسان المعذب والمقيد بسلاسل الضرورة والحاجة. وهذا ما دفعه في نهايات حياته لاختيار التصوف كحل للتعبير عن سريالية الروح والواقع الغريب. لكن سرياليته من النمط المعاكس للكسل و التبلد واختراع الألغاز. ويقول بهذا الاتجاه:

إنها لا تريد أن تقبل المعرفة الوحيدة

المتاحة لنا: أن الناس يخلقهم الناس،

 وأنهم معا، يصنعون شيئا هم يسمونه الحقيقة. ص 52.

ويقول لاحقا في قصيدة (أخيرا نحن في العصر الحاضر):

أشعر بالدفء بين الناس في الصلاة.

لأنهم مؤمنون، يساعدونني على اكتشاف طريقي للإيمان

بوجودهم، يا لهذه الكائنات غير المفهومة. ص 63.

وهكذا إنه يشترط على المعرفة شيئين اثنين: أن تكون لغزا يحرضنا على التفكير بطبيعتها الحقيقية. وأن تتعامل مع واقع ملموس وله حضور. وأعتقد أن المعرفة في شعرية ميوش خاصة ومكتسبة لكن الحقيقة عامة ومطلقة. ولا أجد أية غرابة في ذلك. لطالما اختار أدباء الحداثة تعريف ما هو غامض بإلهيات تستدل عليها بواسطة الحدس والتنبؤ. كما يفعل المتصوفة لحل مشكلتهم المزمنة مع الواقع. ومن هؤلاء المرحوم السوري محمد عمران الذي بدأ مع الطبيعة في (أناشيد على جدار جليدي) وانتهى بتراتيل تستعمل الأسطورة الدينية في (كتاب الملاجة) ثم في (قصيدة الطين). وقد أثر ذلك ، عند ميوش، حتى على شكل قصيدته التي تألفت من متن وهامش. وكان الهامش أحيانا يلتهم مساحة أكبر من حجم القصيدة كما فعل بقصيدته المتميزة (الحواريون). وهي قصيدة رؤية ومعرفة، وحافلة بالتعابير والمصطلحات اللاتينية. ولا نعرف حاليا بين الشعراء العرب من يتبع هذا الأسلوب غير الشاعر العراقي يحيى السماوي. وإن كانت الهوامش لديه مختصرة، ووظيفتها التوضيح والتفسير، مثل شرح مفردات عربية قديمة، أو التعريف بشخص غير مشهور. لكن هوامش ميوش هي وجه الورقة الثاني أو ” فضاؤه الآخر”. وأرى أن هذا الأسلوب يحول القصيدة إلى مرتبة “كتابة” أو “نص”. إن مجموعة “الفضاء الثاني” للشاعر كانت تكتبه، وتعتدي على حقائق حياته، وتضيف لها “كولاج” يظهر ما لا يضمر. وبلغة مباشرة: هي تجربة لتدوين السيرة الفنية في المتن، والسيرة الفكرية في الحواشي.

 وذلك بطريقة مبتكرة لتفجير شكل القصيدة المتعارف عليه وتحويله من خطاب مع الذات وإنشاد لسلطة مجهولة ومتعالية، إلى خطاب موجه لكتلة من الأفراد أو الموجودات. وهكذا أصبحت القصيدة استذكارية وحاملة. بمعنى أنها تفكر بالماضي لتحملنا إلى المستقبل. ويقول بهذا المعنى بلغة رمادية يصعب فهم مراميها:

طوال أمسيات عديدة في مكتبة السوربون،

انكببت على أطرحة دكتوراة

حول التصوف عند ميوش.

كاتبها أمريكي اسمه ستانلي غوز

بعد أن أنهى حياته الأكاديمية في باريس،

عاد إلى أمريكا وأصبح حدائقيا. ص 85. (قصيدة التلميذ).

هل كان ميوش يحاول أن يرثي نفسه أم حياته الذهنية. أم أنه بكل بساطة أن يرسم أفقا نهائيا لرحلة العقل البشري؟.. في كل الحالات كانت غاية الشاعر أن يتصالح مع نفسه باعتبار أنه لا يوجد أي فرق فعلي بين الذات والمبدأ، أو بين القصيدة والمعنى. ما الفرق بين دراسة المعاني وترتيب الزهور؟.. وفرض عليه ذلك أن يخون اللغة، وأن يرتكب بحقها تجاوزات. بتعبير آخر: لم يعد للكلمات نفس المعاني المتوقعة والقديمة، ولكن كانت تفاجئ نفسها.

وتبقى هناك فروق أساسية بين تجربة ميتسكيفيتش وميوش:

1- الأول يختار التعبير عن الواقع بلغة واقعية. بينما يفضل الثاني الكلام عن نشاط الذهن والمعرفة.

2- يبالغ ميتكسيفيتش بصور الجبروت والقوة والتعظيم، بينما يقترب ميوش مما هو يومي ومفهوم.

3 - ويضع ميتسكيفيتش اللامتناهي مع اللامحدود بمجال واحد (مثل سوبرمان نيتشة - وفي موقف سوداوي محكوم عليه بالخذلان والسقوط) في حين يلجأ ميوش للمطلق بشكل جموع غفيرة تلهمه الصبر والمعرفة.

4- ميتكسيفيتش يفكر بقلبه وعضلاته، بينما يميل ميوش للبحث عن المعرفة في أماكن تواجدها. والنتيجة أن الاثنين يؤكدان على ذاتية المعرفة وعدم موضوعيتها.

5- لا يوجد جانب معرفي مستقل عند ميسكيفيتش،أما المعرفة، عند ميوش، فهي حقيقة عامة تأتي بالاكتساب الشخصي.

6- البنية الأساسية للقصيدة عند ميتسكيفيتش خارجية، عرضة لتقلبات الطبيعة التي تحمل كل دلالات المزاج الشخصي (العاطفة المفكرة - المنتمية) بينما هي عند ميوش داخلية. يغلب عليها الجو الضبابي والعزلة والانطواء والتخيل.

 

د. صالح الرزوق

 

سمر محفوض"بعد الحلم بلحظة" للشاعرة الاردنية من أصل فلسطيني أمل حسن- بفارق لحظة بعد الحلم وبغفلة من دهشة العبور بين إجفاله الصحو الناقد ورهافة الحد المسنون للحرف ترشقنا أمل الحسن بالمزيد من حيواتها المضيئة، حسب رولان بارت على النص "يكون متصلاً بالدهشة،وهذا يعني تواصل المتعة الإبداعية بدون انقطاع.. وهو بذلك يدخل ضمن النسق الاجتماعي للذائقة الجمالية، فالدهشة لاتغادر النص من حيث أنها مولد جمالي إبداعي - ضمن هذا تقول الشاعرة في نص خسرتك.. ولكن \ (أحبك)؟!\ بيقين النهر أحبك حين يناغي الحصى\ بتواطؤ الضفاف\ وحين كانت\ وداعة روحك ترتهن صداي.. !\ متعب الصهيل أنت.. أعرف\ كهلة روحك فر فرح مرتجل\ –لكن حسب بارت أيضا "نظرية النص يمكن أن تقترن فقط بممارسة ما للكتابة". وهذا يشير تبعا لبارت أن الكتابة شكل من أشكال التدمير لأنها تقوم بتحويل النص إلى مجموعة رموز تبحث عن اصولها عبر مخيلة المتلقي \ تشظيت.. \ كأنثى حرون.. \ يقدحني هسيس عطش.. \ تضمخ.. \ بنسغ رهاف الجئور.\ في انهمار لهيب يشع التياعا\ عند التصاق الجسد.. \ ص 31 أمل حسن لم تمارس التدمير بل استخدمت، تقنية الاستناد إلى الشغف، في كتابة ثنائيات الشتات بين الأنا الفردية والانا الوطن الهم العام لتبدو أكثر عمقا ودلالة في تفاعلها مع القارئ \ في فزع ماعاد يكتبنا\ يرشفنا.. بحرقة الوجع فينا\ أتلك خرافة تاريخ للحمأ.. ؟\ نرتمي فيه\ كصك غفران\ أم شتات تبعثر من وطن؟!\ فيه نغمس أسى الخليقة\ ص 35 فنفهم من معادلة الاختيار إنه قوي موجع يأتي من القلق كما \ في فزع ماعاد يكتبنا\ مثل الغرق فهو معادل للزمن الذي \ فيه نغمس أسى الخليقة\ حيث وفي هذه الحالة يمكن للنص أيضا أن ينفتح على تشكيلات جديدة من التعبير معيدا بذلك توزيع اللغة عبر الخطوط والتشكيلات ’التمسك بتأكيد الهوية من خلال الحديث عن الروح المرتبطة بذاكرة الوقت -\ أنا نور فاتحة بصدر يسوع.. \ على مسرى دمي رتلت معراجي\ بآيات الغض.!!\ شيدت بروجي لوعد سيأتي\ أقسمت.. \ بحق الشمس.. بحق صوت الرعد\ أنا الفجر والبلد،والجرح المقدس\ حين يثور الحجر\ بوعد يتنامى بحكمة القدر\ ص38 من نص بعنوان قال الفلسطيني – تحاول الشاعرة هنا رسم سيميولوجية الشخصية وبناء الدلالة وذلك باعتمادها على تصورين اثنين:النموذج العملي المباشر \ على مسرى دمي رتلت معراجي\ و اعتبار الشخصية الفلسطينية المصرة على استعادة حقها علامة يجري عليها ما يجري على العلامة\ أنا الفجر والبلد،والجرح المقدس\ اعتماداً على مفردات وسياقات سردية حددت فيها معالم كل عنصر على حدة:\ نهار على كفي يمعن\ بالفتح.. بالزلزلة\ أنا حي يرزق\

1206 قبل الحلم بلحظة امل حسنمن أجل التأكيد والنفي في آنٍ معاً تضيف أمل مفردة الفجر والبلد التي تشي بالولادة ومفردة الجرح المقدس حيث تحيلنا إلى الضحية الإلهية التي حملت خطايا البشر \ صلب المسيح -وبالتالي يمكن الحديث عن مسألة مهمة هنا يمكن استنباطها وهي الخلود \ وأنا النبيل\ أنا الشهيد\ تنتقل آمل في فضاء حيوات شعرية وبمزيد من الأسئلة المعلقة التي تنطوي عليها المجموعة \ ذات صباح\ شهق المطر\ أنجب غواية للذكرى\ حيث المد والجذر يتناوبان في عزلتهما على ايقاع الحب والانتظار \ يعتاش عليها الحرف\ عند غروب الزهر\ وكسوف المحبرة!\ ص 45 من نص غروب

في حركة متأنية لمن تملكه الذهول بعد الحلم بلحظة

تتهادى الشاعرة مثقلة بمكنونات حلمها الذي لايشبه الأحلام\ تفيأ مهجة رسمي.. واسمي\ ليشهد لحظك\ أخر الطوفان\ ص46من نص شفاعة الظل- عالما يتشكل من أثر انعكاس اضطرابات صحو لم يكن له أن يدوم سوى لحظة، بعد الخروج من زهو التخيل\ بشهقة واحدة لأنوء بك\ بسدرة للمنتهى.\ ص 47- ولعل مجموعة (بعد الحلم بلحظة) محاولة إعادة خلق الأمل ضمن المشهدية اليائسة لعالم مشغول بكوابيسه الأخطبوطية مذكرة إيانا بالفرح و الغموض الذي يتأتى يهدوء يرافق القلب العاشق \ كفاك تزنر تنويني\ وصهيل القبل برعد يرويني\ ص 51-وهو ليس حدثا بقدر ما هو تشظي لفراغ الحدث \ تغريدة توشم ذاتي.. \ بتراتيل أوراد الوجد\ اكتمال هديل في دمي أغنية\ اشتعال شواطئ التسبيح\ مذ صرت’أيهذا الحب، ولي أمرنا\ ص 52تسعى امل حسن من خلال رصد لحظة التماهي الكلي بالتفاصيل من خلال العبور للجسد كرمز وفعل \ بسؤال الرجفة\ فالنهر يمضي.. \ وبباب خاصرة يعاند المسافة\ ص 64- تفتش شاعرتنا ’عن زمنها الخاص للتعبير وهذا هو المجال الحيوي للسردية التفصيلة الشعرية في ديوان "بعد الحلم بلحظة" في سياق البحث عن الحقيقة العميقة / علام تغتسل ياشجري؟ / ولم ترتكب ذنبا أو خطيئة!! ص 69 -تغدو للكلمات مختلف الإيحاءات والإيماءات الحسية والعاطفية المتجاوبة مع معانيها لفظة.. لفظة وإيقاعا بعد إيقاع.. سياقاً ومعنى \ بحفيف الذكريات الملم رسمك.. \ واجول.. \ بتعويذة اسمك\ سهد الموال يهدهدني\ ص 72-لم تنتسب أمل إلى حدث أو نمط وإنما تنتمي للترقب\ أقتفي مدادك في لحظ الصور \ ناسكة بتنهيدة الستائر وروح الأثر\ ص 78- بين جمل مكثفة وأخرى تفصيلية، ببساطة،لان المقاربة بين وضع ونقيضه يحتاج التفصيل\ محفوفا بأناقة الحيلة،في تبنى الطيبة\ لتقضم من البحر مايروض الغنيمة لك!!\ ص 93-

لافتة لان الحب في هذا العصر الملتبس تجربة فريدة تبحث عن توق يؤرخ سيرته الشخصية \ كان ممكنا.. أن تهديني ورقة بيضاء\ لأملأها بهواجسنا المتعبة!!\ ص 88

وإذا كان إلحاح التأملات عند أمل وخلافا للأحلام والتي يؤسس لها العنوان لم تترك لنا الشاعرة متسعا لترقب السياقات الشعرية بحرية الحركة التي يمتلكها الحلم والخروج عن المسارات والوقائع كما يفترض به كحلم بل أخذتنا الى الصحو الملتبس بعد الحلم بلحظة بحيث تشير ان لا انفلات للحدث في اضطراب المكان او الزمن الشعري\ وكل هذا الموت –الذي نعيش-\ أصله\ بندقية صياد!!\ ص 89-قد يعيدنا الموقف إلى العلاقة بين ماحدث وما لم يحدث بعد \ \ بشراهة تحف جوف المبتدأ\ تعتصر غروب الضلوع،مناجاة لك\ ليحصد يباب الشوق منجل الوقت!!\ فضحكة الهلال مؤجلة للآخر الشهر\ ص 90- ليس إسرافا بالمجاز لكنه الانحياز الى بناء العلاقات اللغوية والنزوع الأليف نحو دلالات الكتابة \ لآية الفطرة والريبة المعشبة.. \ بمبتدأ انعتاقي.. وبحظوة تعاويذي\ يا لدلال التوبة عن التوبة\ في عصف سلوتي.. \ ص 97-في نصوص أمل حسن ترسيخ لأنوثة اللفظ تخط مدارا لدهشة لا اختبار واعي لها فقط،بل مصر أيضا على وعيه \ كمترف بالخطايا.. \ تمارس حياتك المحزونة\ عن طيب خاطر وإصرار\ ص 197- ان التعامل مع صورة شعرية محددة أو مجموع صورفي مجموعة"بعد الحلم بلحظة" يأخذك إلى شيء مختلف تماما عن اليقظة والحلم بل إلى الانعتاق وهنا مركز الحساسية والدقة فنحن لا يمكن أن نكون يقينا ثابتا ولا نجد أنفسنا أمام نص مألوف ومتوقع وليس على ملامح النص المجازي بل اعتمدت أمل التداعي الحر للرؤى حيث تتدفق الصور بسلاسة الوعي الإبداعي بغير ما اقسار أو انحياز أو تضاد ومغالاة في تحميل النص أكثر مما يحتمل ودون اللجوء إلى تأويلات إضافية\ ضحكتك.. \ ضحكتك حواري التراتيل!!\ ص 115

يتجلى النص النثري عند الصديقة الشاعرة أمل حسن بكثير من البناء الضمني المتصالح مع أنماطه لان هدف المفردة هو رسم الجمال و"الجمال هو التجلي الحسي للفكر" حسب مفهوم هيغل والإبداع عموما هو ترجمة لناموس الأشياء بجعل المعنى عاشقا لكشف أستار الغفلة ليبدو التجلي في أعلى حالاته لأنه يعيد تشكيل فهم وجوده المطمئن وإعادة ترتيب عناصره في لحظة التحول التي لا تتوقف ولا تستقر بل تقدم روحها ببساطة وبدون تزيين \ أتيك.. \ بدفء التمني\ أنا المضمخة بالبرد!\ ص 119 في الديوان موضوع القراءة مجموعة احتمالات أتت في صور قابلة لتحقيق في تعرية الدلالة اللفظية وإلحاحها للخروج من القالب إلى حرية الأبعاد وقد أطلقتها في داخلك لحظة الملامسة الأولى للكتابة بمنطقة الضوء من مشاهدتنا البصرية\ أراقصك.. بتحنان\ ذوبانا كقطعة سكر\ أناديك.. \ بملء كل ذؤابة فيك\ فهلم.. \ ص 135-.

يبق ان اقول ومن من منطلق القراءة بعين الناقد أن المجموعة اعتمدت على التأويلات المكررة وهذا مرده لأنها التجربة الأولى بالنشر وهي تحمل إرهاصات الانكشاف المقلق كنت أتمنى لو تركت مخيلتها تجول بحرية أكثر لتطابق فضاءتها الواسعة لكن من المؤكد أن ساحة التعبير الداخلية في ديوان "بعد الحلم بلحظة" تتسم بالشساعة والتي تعتبر تلخيصاً لخصوبة تجربه مصرة على أن تكون منصة انطلاق نحو تجربة أعمق وأكثر تكثيفا ...

 

بقع الديوان في 165 صفحة من القطع المتوسط

ويحتوي على 68 نصا،

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت.

 

سمر محفوض - سورية

 

 

نبيل عودةرواية بنات الرياض للكاتبة السعودية رجاء عبدالله الصانع (صدرت عن دار الساقي بيروت عام 2006)، تحولت الى اكثر الروايات العربية مبيعا في تاريخ النشر العربي. الأمر الذي يثبت مسألة هامة في الدور الذي يلعبه الأدب. ليس كعنصر جمالي فقط، او كراصد للواقع الاجتماعي والفكري للمجتمع الذي ينطلق منه، انما، وهذا الأساس، كقوة مؤثرة قادرة على تحريك الثوابت والمسلمات وكشف هموم المجتمع، واحداث صدمة عميقة، لا يمكن بعدها ان يبقى الواقع الاجتماعي مجرد حالة دائمة مستقرة.

من الواضح ان النظام السعودي الذي يخاف من التغيير، لم يسمح حتى اليوم بتوزيع الرواية في السعودية، الرواية لم تمنع رسميا، انما هيئة الرقابة ربما ما زالت منذ عام 2006 "تدرس" الرواية و "تحللها" ولم تقرر بعد بشأنها (لم اسمع انها وزعت بالسعودية، رغم ان الرواية طبعت عدة طبعات متتالية (اربع طبعات على الأقل) وباعت خلال ثلاثة اشهر من صدورها اكثر من 40 الف نسخة، وربما دخلت نسخ للسعودية مهربة بطريقة المخدرات والمشروبات الروحية. هذا لوحده يشير الى أزمة المجتمع السعودي التي ترصدها الكاتبة السعودية رجاء الصانع.

رجاء الصانع تجاوزت اليوم العقد الثالث من عمرها، عندما أصدرت روايتها كانت ابنة 22 سنة فقط، وهي خريجة قسم طب الأسنان في جامعة الملك سعود، استغرقها كتابة الرواية ست سنوات، أي بدأت روايتها وهي في سنتها الجامعية الأولى، وهي تتحدث عن حياة أربع شابات سعوديات من الطبقة السعودية الغنية، ارتبطن بعلاقات صداقة ومكاشفة لأسرارهن.

الفتيات الأربع يبحثن عن الحب، الأولى تطلقت بعد اكتشافها خيانة زوجها لها، الثانية يتركها خطيبها بعد ان سلمته نفسها بليلة حب، والثالثة لم يتمكن حبيبها من الزواج بها، لأنه امتثل لأوامر امه الرافضة ان يتزوج ابنها من فتاة أمها أمريكية، رغم انه تجاوز العقد الثالث من عمره، الذي قضاه في الغرب واكتسب شخصية انسان حضاري منفتح ومتنور. أما الرابعة فكانت أوفر حظا منهن، ولعبت دورها في مساعدتهن ورواية تجاربهن، رغم العلاقات الحميمة بين الصديقات، فكل فتاة تعيش خيبتها الخاصة، ما عدا لميس التي تزوجت وسافرت مع زوجها لإتمام الدراسة في كندا. الرواية جاءت على شكل رسائل عاطفية وزعت على شبكة الايميل في الانترنت، عبر 50 رسالة، اثارت ردود فعل وتعليقات مختلفة من القراء، خاصة وان النظام السعودي المنغلق تماما، ينكشف كمجتمع مخلخل الأسس، ضعيف البنيان، وما يمارسه من سلسلة تحريمات كبيرة، يخلف المزيد من المشاكل والتحديات.

الصبايا يبحثن عن الحب، الشباب يبحثون عن الحب، في مجتمع يمارس الحرمان من الاختلاط بين الجنسين، مما يقود الصبايا والشباب الى تمرد هادئ، وتجاوز للمنوعات، قد لا نجدها حتى في المجتمعات المنفتحة أكثر.

الرواية ليست دعوة مباشرة لتغيير الواقع في السعودية، واعطاء المرأة حقوقها كانسان لا يختلف عن الرجل، انما تلجأ الكاتبة الى تقديم نص ابداعي يكشف اللثام عن الواقع المعاش، واقع غير طبيعي، غير انساني، حتى في كتابة عقد الزواج يطلب الشيخ من الفتاة ان تبصم، وعندما تعترض بانها جامعية وتعرف القراءة والكتابة، يصر الشيخ على ان تبصم على العقد لأن التوقيع للرجال فقط. هذه اللوحة تكشف واقعا مذهلا في تخلفه ونظرته الدونية للمرأة ومعاملتها كقطعة اثاث يملكها "الفحل"-الزوج.

 رواية بنات الرياض أحدثت انفجارا في الجدار الاجتماعي الذي بني على التمييز ونفي حقوق المرأة خلال عقود طويلة، ويتواصل فرضه بشكل قصري رغم ان الزمن يتغير وحقائق الحياة تتبدل، والعرفة تزداد وتتسع، وأساليب التحايل على الجدار تتطور وتتحسن وتخترقه، الا ان لا شيء يتغير في المجتمع السعودي الخاضع لفكر وهابي مغلق ويتناقض مع حقوق الانسان رجلا كان ام امرأة. رواية بنات الرياض ضربة من داخل الجدار، من داخل السجن الفكري الكبير، من داخل الحصار القاتل على المرأة خاصة، لكن من يظن ان الرجل يتمتع بحريات أكبر هو واهم. كي تكون حرا يجب ان تكون بلا شخصية ولا رأي، ولا موقف، ولا تفكير. الانسان السعودي يبرز كشخصية مشوهة لا تملك حق التفكير ولا حق القرار الا ما يملى عليها من الذين جعلوا الدين سجنا للعقل وسجنا لحرية الرأي.

لست في باب تقييم الرواية فنيا، لأن موضوعها المثير وكونها مادة شديدة الانفجار تتسرب من مجتمع غارق بالقيود والرقابة والدجل الديني، هو موضوع اعطى للرواية بعدا أكبر بكثير من مجرد تقييمها كعمل ادبي فني. لكني بنفس الوقت اقر انها عمل ادبي نادر بجرأته، وجمالية أفكاره، وروعة طروحاته، تجاوزت به هذه الرواية اهم الأعمال الروائية العربية من حيث اهتمام الجمهور، فتفوقت بتوزيعها على أشهر الأعمال الروائية لأهم الأدباء العرب. يمكن القول ان الرواية تعتبر مساهمة جادة وقوية لخلق إرادة جماعية لإعادة ترتيب البيت السعودي.

من ناحية فنية، تفتقر الرواية الى عدة مركبات روائية، فهي مليئة بالسرد الطويل، والمباشرة في الكثير من المقاطع، ومع ذلك نحن امام روائية شابة مبدعة، في اول تجربة لها، كسرت الطابو الاجتماعي في أكثر المجتمعات العربية محافظة وانغلاق. وفتحت ثغرات في الجدار السميك للسعودية، للإطلال عبر الثغرات الى ما يجري في المجتمع السعودي، ونجحت الكاتبة في خلق التفاعل بين النص والقارئ في معظم مساحة الرواية. رواية لا تنسى بسهولة بعد قراءتها.

 

بقلم: نبيل عودة

 

عبد الستار نورعلييقول سقراط:

"إنَّ على الشاعر حتى يكونَ شاعراً بالفعل أنْ يستقيَ مادةَ شعرهِ من بعض الأساطيرِ لا منَ المحاججاتِ والأدلةِ."

اشتغلَ  الشعراء المعاصرون المجدّدون في بنية القصيدة شكلاً ومضموناً على توظيف الأسطورة في قصائدهم، فاستلهموا أساطيرَ وادي الرافدين، والأساطيرَ الإغريقيةَ والرومانيةَ والفينيقية والعربية، ومدلولاتها وشخصياتها من آلهةٍ وأبطال وأحداث، وذلك لإضافة غنىً على مضامين قصائدهم. وهناك مَنْ يرى أنَّ البعضَ منْ هؤلاء الشعراء أستخدموا الأساطير كنوع منَ التجريبِ الجماليّ، أو لإظهار سعة ثقافتهم وعمق مضامينهم، ولا تأتي من خلال نسق القصيدة وما تحويه من تجربة ومعنىً وعلاقةِ الغرضِ بالأسطورة، فهو والحالةُ هذه استخدامٌ خارجيّ، ومجردُ زخرفةٍ وليستْ دليلاً على الشاعرية، لذا يشعرُ القارئ أنّها مُقحمَةٌ إقحاماً. في الوقتِ نفسهِ كان البعضُ الآخر من الشعراء يستخدم الأسطورةَ مستلهماً بعضَ موضوعاتها وشخصياتها فيحوّلها شعراً، ومن خلال تجربةٍ معاشةٍ وترميزاً لحالةٍ ذاتيةٍ تلتقي في إرهاصاتها مع مضمون الأسطورةِ أو شخصيةٍ منْ شخصياتها، مثلما استلهمَ أبو القاسم الشابيّ اسطورةَ "برومثيوس"، فسمّى قصيدته الهمزية "هكذا غنّى برومثيوس" ، وهي تعبّرُ عمّا كان يعانيه الشابيّ في مرضه العضال من آلام مثلما عانى "برومثيوس" في الأسطورة:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

 

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُـحْبِ، والأمـطارِ، والأنـواءِ

77 samawi600

في ديوان يحيى السماوي "نهرٌ بثلاث ضفاف" ـ موضوع هذه القراءة ـ  نجدُ توظيفاً فريداً للأسطورة من خلال استلهامها، والتلبُّسِ بشخصياتها لحدِّ الذوبان (الصوفيّ) في الرموز التي تعبّر عنها، بحيثُ يحسُّ المتلقي كأنّه أمام أسطورة حقيقة، تتمثّلُ بشخصيّةٍ معاصرةٍ أرضيةٍ متجسِّدةٍ ماثلةٍ أمامنا " يحيى السماوي" يعشقُ إلهةً سومريةً متخيّلةً، تخرجُ منْ بين الأسطورةِ لتهبطَ إليه: هو غيرُ القادرِ أنْ يصعدَ إليها وهي في أعالي السماء،  تهبطُ ليتواصلا ويلتحما في ذاتٍ واحدةٍ. لنقرأْ له مُنشِداً في قصيدة "هبوط إينانا":

ميلادُ إينانا

البعيدةُ بُعدَ قلبي عنْ يدي

ميلاديَ المكتوبُ في اللوحِ المُقرَّرِ

قبلَ يومِ ولادتي

وغوايتي في نشرِ أشرعةِ الرحيلْ

 

إصعَدْ إليها ـ قالَ هُدهُـدُها ـ

لِتُبعَثَ من جديدٍ عاشقاً..

طفلاً رضيعَ اللثمِ..

مشبوباً فتىً..

فاهنأْ بفردوسِ الملاكِ السومريةِ

أيُّها الشيخُ الجليلْ

 

كيف الصعودُ ـ أجبْتُ ـ مولايَ البشيرَ

الى جنائنِ ربَّةِ المطرِ/الجمالِ

الحبِّ إينانا؟

أنا الحيُّ القتيلْ

فبدلاً من أنْ يصعدَ إليها ـ هو الذاتُ الأرضيةُ ـ هبطَتْ إليهِ ـ هي الذاتُ الإلهية السماويةُ، طارقةً بابَ روحهِ، لتُقدّمَ إليه الحبَّ والجمالَ والخصبَ والولادةَ، وتُقيمَ في قلبِهِ معشوقةً أبديةَ السحرِ، فتخضرُّ بساتينُ الهوى فراديسَ تنشرُ عطرها في الكونِ شعراً ساحرَ الغناءِ، فرحاً وبهجةً، فيغيبُ ثملاً خَدَراً منْ بشرى هبوطِ معشوقته "إينانا" التي اختارتْه دونَ غيره منْ عشاقها:

هبطتْ إليَّ إلهةُ العشّاقِ إينانا

فأشمسَتِ الطريقَ إلى مضاربِ "عروةِ بنِ الوردِ"

وابتكرتْ لإسرائي "بُراقاً"

فالسماءُ قريبةٌ مني..

وكنْتُ أُقيمُ في "قصرِ الغديرِ"

أمامَ جُرفِ النهرِ

في أرضِ السماوةِ

يومَ حطَّ على سريري

هدهدُ البشرى بأولِ زخَّةٍ عذراءَ

من مطرِ الهديلْ

 

فثمِلتُ منْ خَـدَرٍ

فما أدري أكانَ الوقتُ صبحاً

أم أصيلْ؟

ربما لم يسبقْهُ شاعرٌ في عمليةِ التوظيف والاستلهامِ هذه. إنّه يتوحَّدُ بالكامل في شخصيةِ "إينانا" ربةِ الحبّ والجمالِ، والخصبِ، والحربِ عند السومريين، التي معادلُها "عشتار" عندَ البابليين والأكديين، و"عشتاروت" عند الفينيقيين، و"فينوس" عند الرومان، و"أفروديت" عند الإغريق. هذا التوحُّدُ توحّدُ عاشقٍ ملتاعٍ، وجدَ في الحبيبةِ النجمةَ التي تضيءُ دواخلَهُ، ليُشرقَ مُتبَـتِّلاً في محرابها الضوئي، غارقاُ في هديلٍ ساحرٍ من البثِّ الروحي، ليُقدِّمَ للعشاقِ أجملَ تراتيل حبٍّ، تخلدُ مادامتِ الأسطورةُ حيّةً، وشعرُهُ خالداً بخلودها. إذ يقول في قصيدة "تضرّع في محرابها":

لـلـسومريَّةِ رَبَّـةِ الأمطارِ / والـعـشبِ /

الـجمالِ / الـعـشقِ " إينانا " طباعُ النهـرِ

حين تـسيرُ

تأبى الإلتفاتَ الى الوراءِ  ..

ومثلُ سهمٍ غادرَ القوسَ الأصيلَ

تغذُّ سيراً للأمامِ ..

لها جنونٌ عاقلٌ

فهيَ الدواءُ لعقليَ المجنونِ

إنْ عصفَتْ رياحي العاتيةْ

 

ترفو فتوقَ حماقتي بخيوطِ حكمتِها ..

وتنسجُ ليْ قميصاً

من حرير هديلِها  ..

فأنا و" إينانا " لِثَغرٍ واحدٍ

شـفتانِ  ..

نخبزُ من طحين العشقِ

خبزَ العافيةْ

هذا العاشقُ ينهلُ من دنانِ الصوفيةِ خمرَ الذوبانِ في ذاتِ "إينانا"، ليغيبَ معها في رضابِ التجلّي موجوداً بالسحر، فيكونا قلباً واحداً في جسدين، وثغراً بشفتين، وكوناً فسيح البحر والضفاف، هو السفينة وحبالها وجيدُها الفنار والمدى والصارية. هي ترفو رداءَ وعيه بالحكمةِ، وتنسج هديلها قميصاً، وعشقها خبزَ عافيةٍ، ليذوبا في عناق روحيٍّ يعودان منه جدولين بداليةٍ واحدةٍ، الجدولان هما الشاعر العاشق والمعشوقة "إينانا"، والدالية هي العشق السامي الجامع روحاً في جسدين:

ولنا معاً نفسُ العِنادِ

ونفسُ إصرارِ الحَمامِ على الهديلِ

إذا شدوْنا أو بَكيْنا  ..

لا نرى سَـبباً

لنطويْ نحوَ ميناءِ السماءِ شِـراعَنا

فأنا السفينةُ والحِبالُ

وجيدُ " إينانا " فناري والمدى

والصّاريةْ

 

نغتاظُ أحياناً لِندفعَ فِديةً  :

ثوباً  من القُبلاتِ ..

عِقداً  من زهور اللوز ..

طوقاً من عناقٍ ..

رحلةً في اللامكانِ

نعودُ منهـا جَدوَلَينِ

وداليةْ

في الأسطورةِ كانتْ "إينانا" متوحِّدةً عشقاً مع ديموزي (تموز) رمزِ الذكورةِ والحياةِ والخصبِ. واليوم تتلبّسُ "إينانا" شاعرَنا السومريّ "يحيى السماويّ" لتنسجَ معَهُ روحاً  واحدةً بجسدين، ولتُبعَثَ معهُ منْ جديدٍ حيةً طليقةً محلِّقةً، فتكونَ "إينانا" الجديدة لديموزي الجديد المنبعثة منْ رماد القرونِ، فينتشرَ ريحُها في الآفاقِ ثانيةً من خلال أجنحة الشعر المحلّقة. هذا العاشق الذي كان يجوبُ الآفاقَ سوّاحاً يبحثُ عن محرابٍ سحريٍّ ليتبتّلَ ويهدلَ، فيمنحَ خِصبَهُ الشعريَّ للبوادي والبراري والظامئين لينابيعِ "جنَّةِ الكلام (الشعر)" فتطربَ وتخضّرَ وتُزهرَ وتُثمرَ بدواني القطوفِ منَ العسلِ المُصفّى، وتمتلئَ بالينابيعِ الصافيةِ والجداولِ الرقراقةِ المنسابةِ بتدفًّقٍ راوٍ، وهو الذي كانَ تائهاً يبحثُ عن مأوىً لروحهِ اللائبةِ المُلتهبةِ بحرارةِ الشوقِ والوجدِ والعطش، وكانَ المأوى والمُقامُ والريُّ في محرابِ "إينانا"، فيقعُ عاشقاً خاشعاً ساكنَ النفسِ مُطمئنَ القلبِ، فعشقُها أيقظه، وأنقذهُ من مرارةِ التيهِ والطوافِ والبحثِ والتأملِ والانتظارِ، فقد لقيها ويا لَها منْ لُقيا!:

كنتُ المُوزَّعَ قبلها بيني وبيني

هارباً خلف المدى والبحرِ والصحراءِ خوفاً

من أباطِرةِ القبيلةْ

 

أرتاد قبلَ هبوطِ " إينانا "  ضَياعاً

باحثاً في الصخر عن ماءٍ

وفي  بئرِ المتاهةِ عن خميلةْ

 

حتى إذا هبطِتْ بمـشحوفٍ  من البرديِّ  " إينانا "

تلبَّسني خشوغٌ

فانتبهتُ الى السماءِ تزخُّ أزهاراً

وواحاتٍ تقومُ

وكلُّ  جلمدِ صخرةٍ أضحى بتيلةْ

 

 

وإذا بيَ ـ الضِلّيلَ ـ فِضْتُ صبابةً

أغفو مع " الأنعامِ "

مُلتحِفاً حريرَ " التوبةِ " البيضاءِ

أشكرُ نعمةَ " الرحمنِ " نشواناً ..

ويُوقظني

دفِيءُ " النورِ " و " الفتحِ " المُبينِ بعشقِ " إينانا "

لأبدأ في هواها رحلةَ  " القصصِ " الطويلةْ

 

عن عروةَ بن الوردِ باع حصانهُ

وابن الملـوّحِ خان ليلى

واشترى  " شمشون " جاريةً  ليهربَ من " دليلةْ "

 

 

وأنا اعتصمتُ بِحَبلِ " إينانا "

أبَشِّـرُ بالبيادر جُثةَ الصحراءِ

والأنعامَ بالمرعى

ومملكةَ العوانسِ بالطفولةْ

ـ من قصيدة "حبلُ إينانا" ـ

في استلهام  "السماويِّ" للأساطير السومرية لم تكن "إينانا" الوحيدةَ التي وظّفها ـ وإنْ كانتْ الأطغى ـ لمجانستها روحَ الشاعرِ العاشقةَ الباحثةَ عن التجسُّدِ في عاشقةٍ ملهمةٍ مكمّلةٍ لكيانِهِ الإبداعيِّ المسحورِ بالشعر. لقداستلهم شخصياتٍ من "ملحمة جلجامش" مثل: "جلجامش"، "أنكيدو"، "شامات" و"خمبابا". وذلك لتصوير ما تعيشه بلاد "وادي الرافدين" منْ أحداثٍ جسام وفسادٍ وظلمٍ وخراب. فهو يوظّفُ شخصيات الملحمة (الأسطورة) بما يلائمها من شخصياتٍ حاكمةٍ أو من عامة الناس ويلتقي معها في الكثير منَ الخصال، ونقرأ هذا في قصيدة "حُزمةُ قصبٍ سومريّ":

إينانا واحدةٌ ..

وكثيراتٌ في سومرَ " شاماتْ "

 

وكثيرٌ " كلكامشُ "

لكنْ

منذ غفا " أنكيدو "  في أوروكَ

وماتْ

 

عادتْ مذأبَةً واحاتُ العشقِ

وأقـفَـرَتِ الطُـرُقاتْ

"إينانا" إلهةُ الحبّ والخصبِ والجمال والمطر، وهي الرمزُ لكلّ عناوينِ الخير والجمال والخصبِ، و"شاماتُ" هي خادمةُ جلجامشَ التي أرسلها لتغويَ "أنكيدو" وتوقعَ به، وهو الخصمُ القويُّ لجلجامشَ، إذ كانَ يراه خطراً على عرشِه مثلما صوّروا له. ففي إشارةِ الشاعرِ اليهما دلالةٌ إلى أنّ الغواية واستغلالها أكثرُ من الخير وأصحابِه، والملوكُ يستخدمون كلَّ الوسائلِ غيرِ الشريفةِ للإيقاع بمَنْ يرونه خصماً قوياً وخطراً عليهم. في المقطع الثاني من القصيدة يذكر أنَّ هناك الكثيرَ من "جلجامش"، إشارةً إلى أنّ الحكامَ الطغاةَ يكثرون حين يموتُ الرجالُ الأبطالُ الذين يهددون عروشَ هؤلاءِ الحكام. وبذا ينتشرَ الذئابُ في واحاتِ العشق (العدل والخير وحقوق الإنسان). فقد استلهمَ السماويُّ الأسطورةَ، ولم يذهبْ إلى التصريح مباشرةً بما رمى إليهِ إذْ رمى مجادلاً بأدلةٍ، لكنّه استلهمَ الأسطورةَ وشخصياتها، وهو مِصداقٌ تطبيقيٌّ شعريّ لمقولة "سقراط" المذكورةِ في مقدمة الدراسةِ، ذهبَ شاعرُنا في استخدامه ليسَ عنْ سابق إصرارٍ وتعمّد، بل عن تالي وحيٍّ شعريٍّ فذٍّ. ويستمر شاعرُنا في هذا الاستلهام والتوظيف في نفس القصيدة موظّفاً إحدى شخصياتِ الملحمة الأخرى وهو الوحش "خمبابا" مرعبَ أهل أوروك، والذي قتله "جلجامش" و"أنكيدو" مجتمعين، وهو يرمز بذلك إلى الذين يحكمون باسم الدين زوراً وبهتاناً، والدينُ منهم براءٌ، وإنّما لاستغلاله في سرقةِ المالِ العام، والظلم والقتلِ، واستغفالِ العامةِ:

" خمبابا " عادَ زُرافاتٍ

حيناً  يسرقُ باسمِ

اللهِ

وحيناً يقتلُ باسمِ

" اللاتْ "

 

 

وأنا

حافي القلبِ

أُفتـِّشُ عني

مُنطفئَ العينينِ

ندامايَ الأمواتْ

 

حين رأتْني

ذاتَ سـماوةِ حزنٍ

أتـوسَّـدُ مـشحوفاً مهـجوراً

مُلتَحِفاً قلقَ النخلِ

أساقي رملَ الوحشةِ بالآهاتْ :

ثمَّ يعودُ الشاعر إلى الأمل بالحبِّ والجمالِ والخصبِ والمطر والخير "إينانا"، ليعلنَ أنّ التفاؤلَ لم يمتْ، رغم انتشار الشرِّ وتكاثر ِالملوك الطغاة والوحوش (خمبابا) والبغي والفساد، لتغني دجلةُ والفرات، ولتزدهر البساتين والحقولُ، فيعمَّ الخيرُ:

هبطتْ إينانا مُنقذةً  ..

فغدَتْ  دجلةَ

وأنا صرتُ

فراتْ

 

فأعادتْ للنهرِ الموجةَ

والوردةَ للروضـةِ

وفـساتينَ الخضـرةِ للواحاتْ

***

عبد الستار نورعلي

الأحد 20/10/2019

 

 

سلام كاظم فرج(ملاحظات حول ثلاثية حميد الحريزي.. العربة / كفاح / البياض الدامي)

لم يجر الالتفات إلى أهمية الجانب الأخلاقي وعلاقة تلك الأهمية بالتحري عن الصدق عند تسجيل الوقائع التاريخية وعند كتابة رواية تسجيلية.. قد تكون ثمة مبررات لتجاوز الصدق لصالح الخيال في الروايات التاريخية.. لكن الصدق الصارم مطلوب في الروايات التسجيلية وهذا مالم يلتفت إليه نقاد الأدب ولا (الماركسيون منهم).. فالانحياز لفكرة ما او عقيدة قد يلقي مايشبه الضباب على رؤى أولئك الكتاب أو النقاد.. وطالما جرى تزييف بعض الحقائق لصالح قضية ما قد تكون نبيلة.. وقد يغض النقاد الطرف عن كم الكذب ويرون في ذلك بعدا أخلاقيا !..

لفتت انتباهي حقيقة رائعة وأنا أقرأ رواية (لاجديد في الجبهة الغربية..) لريمارك  ان الكاتب ركز على بشاعة الحرب دون الانحياز لمعسكرما.. بل انه قد تناول بالوصف الدقيق كل البشاعات التي عاشها في المعسكر الذي قاتل فيه اكثر من البشاعات عند الخصوم.. وهنا يتغلب معادل الصدق على معادل الأخلاق.. فيتفوق عليه في صدقه وفي أخلاقيته... كذلك الامر بالنسبة لرواية وقت للحب ووقت للموت..لريمارك نفسه..

يختلف الأمر عند همنغواي على سبيل المثال لا الحصر في روايته (لمن تقرع الاجراس..) ..فالكاتب ورغم براعته في نقل وقائع الحرب في اسبانيا كان منحازا وبشكل واضح للجمهوريين في مواجهتهم للفاشست ..

ثمة فرق بين ان تكون منحازا وبين ان تكون صادقا.. والانحياز للفضيلة قد لا يعفيك من دفقة صدق عند الحديث عن الخصوم.. مهما كان حجم البشاعة عند الخصم..

باسترناك تعرض لظلم تأريخي وعميق من قبل النقاد السوفيت حول روايته(الدكتور زيفاكو..).. وأتهم بأبشع النعوت.. ونبذ وطرد من اتحاد الكتاب السوفيت بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب.. في رأيي المتواضع ان باسترناك قد غلٌب الصدق على المبدأ.. ولم يكن خائنا لشعبه او بلده.. ولا حتى للحزب الشيوعي السوفيتي في روايته البسيطة تلك والتي أستغلت سياسيا من قبل خصوم السوفيت.. في حين كان يمكن للسوفيت لولا قصر نظر قادته ان يوفروا دعاية جيدة لأديب مقتدر ويتعاملوا بروح رياضية مع نقده لملابسات حدثت أبان ثورة أكتوبر.. وهل تخلو ثورة من هنات ومصائب وانتهاكات؟ كانت الرواية في أصلها رواية حب مرتبك فالطبيب زيفاكو كان مشتت الفكر بين حبيبتين كلاهما عزيزة عليه.. وصادف انه كان قد اتخذ قرارا باللحاق بإحداهما (لارا..) والاعتذار للثانية.. لكن الثوار البلاشفة اقتادوه عنوة ليؤدي خدمة بما يشبه السخرة.. مما حرمه من فرصة عمره في اللحاق بـ(لارا..) هذه هي باختصار الثيمة التي جلبت له العار والدمار.. لقد دفع ثمن صدقه في نقل الوقائع.. في حين ان العقيدة و(أخلاقياتها!) كانت تتطلب ان يغض النظر عن السالب لصالح الموجب..

الماركسية في أصلها تغلب الصدق على الانحياز المسبق لها أو لغيرها.. وقد إمتدح ماركس بلزاك رغم كونه كاتبا برجوازيا لصدق تناوله لطبيعة العلاقات في الأوساط الرأسمالية..والماركسية في أصلها استمدت الكثير من افكار فيخته رغم إنه فيلسوف مثالي..

يقول الكاتب السوفيتي (خاتشيك مومدجدان)

عن فخته (ان الماركسية قد قدرت كثيرا نضاله من أجل البرهنة على فعالية الذات.. وبالفعل فإن فخته قد وجه اهتماما كبيرا للوعي الأخلاقي لمشكلة الحرية وهكذا فقد رأى ان الدرجة التي يمكن ان يحصل المرء على الحرية فيها ليست مرتبطة فقط بتطوره العقلي بل بالشروط التأريخية لوجوده وقد تمثلت هذه الافكار والعديد من الافكار الجدلية العقلية للفيلسوف الالماني وبصورة معدلة في صياغات الماركسية..)

في ثلاثية الروائي الصديق حميد الحريزي (محطات..) ثمة محاولات للخروج من مأزق الانحياز المسبق للحزب الشيوعي العراقي في نضاله ضد الملكية ومن ثم ضد الفاشيات البعثية الشباطية لصالح الصدق في تناول الوقائع التأريخية.. فكات ثلاثيته رواية تسجيلية اكثر منها رواية تأريخية.. ولم يجنح به الخيال كثيرا فيصور رفاقه الشيوعيين كإنهم ملائكة.. بل هم أناس بسطاء طيبون لهم اخطائهم وخطاياهم.. وهم في غالبيتهم (شخوص الرواية..) من انحدار فلاحي ومن بيئة النجف بالذات.. لقد اعتمد الحريزي في ثلاثيته (العربانة/ وكفاح/البياض الدامي).. لغة شفافة تتوخى البساطة حتى تقترب من العامية في سردها وحواراتها..وتسجل لروايته فضيلة لم يلتفت اليها كل من تناول ثلاثيته ألا وهي اعتماد معجم مبتكر لشرح كل المفردات العامية التي استعملها شخوص الرواية في حواراتهم وهي في الغالب مفردات سكان الفرات الاوسط .. المشخاب والقرى التابعة لها حيث انطلقت منها أولى صفحات الرواية لتؤرخ بجنس روائي يجمع ما بين التأريخي والتسجيلي لمرحلة تمتد من بدايات تشكل اولى الخلايا الشيوعية في العراق والفرات الاوسط حتى الفترة التي تلت سقوط النظام البعثي عام 2003 ومشاركة الحزب الشيوعي العراقي في مجلس الحكم الانتقالي ليعلن المؤلف وعلى لسان احد شخوصه برائته مما يجري ورفضه لما وصل اليه الحزب من قناعات وتكتيكات على يد قادته الجدد..  ان مناضلا مثل مظلوم يرى في الحزب مدرسة ثقفته والقت به في اتون النضال والتضحيات الجسام ورأى كل تضحيات رفاقه الشيوعيين في مناهضة الرجعية والدكتاتورية والاستعمار. لايمكن له ولا لولده كفاح الذي سار على ذات الدرب ان يستوعب انصياع الحزب الشيوعي للجلوس على ذات المائدة التي نصبها برايمر الحاكم المدني الاميركي.

رواية الكاتب الحريزي تحتاج الى دراسات جادة ومنصفة فيها من السمو والارتقاء ما يستحق الإعجاب كما ان فيها من الهنات ما يستوجب الوقوف عندها مستقبلا من قبل الكاتب ليتجنبها.. سجلت على الرواية ملاحظات بسيطة منها ان الراوي ينسى نفسه فيعتمد العامية في السرد تاركا الفصحى التي هي أداته التي اعتمدها وبدأ فيها الرواية.. لكنني اعجبت ايما اعجاب في الحوارات التي كانت تجري في العامية على لسان فلاحي قرى الفرات الأوسط..

ومن الملاحظات التي يمكن ان تؤشر على الرواية دون ان تنتقص منها او تغنيها بل لمجرد توثيقها.. ان المؤلف وربما بدراية منه خلط ما بين الرواية التأريخية والرواية التسجيلية..كرواية تأريخية اعتمد السارد متابعة سيرة و مصائر أبطال بأسماء ليست معروفة تأريخيا لكن المتلقي يحبها ويتعاطف معها ويعيش محنتها.. مثل مظلوم وزوجته وولده.. وهنا يتسق المؤلف مع ما اعتدناه مما نعرف من الروايات مثل ثلاثية نجيب محفوظ حيث السيد احمد عبد الجواد وزوجه امينة واولاده وبناته.. وعند ورود اسماء مثل سعد زغلول والملك فؤاد والنحاس وام كلثوم وهي اسماء لشخصيات عامة نتفهم ذلك.. كذلك الامر بالنسبة لرواية الأخ حميد الحريزي .. هناك مظلوم وعائلته وهناك نوري السعيد وعبد الكريم وعبد السلام.. لكن الجديد في الامر ان الاحداث والشخوص العامة والخاصة تتداخل فهناك لقاء وإن جاء بصيغة الحلم بين مظلوم وعبد الكريم قاسم يعاتب المواطن الشيوعي الزعيم على التفريط بمنجزات الثورة.. هناك ترميز لسلام عادل زعيم الحزب الشيوعي من خلال شخصية الرفيق منير.. وهناك تداخل ودخول على مسرح الاحداث كشخصية عامة وخاصة للعريف حسن سريع قائد الانتفاضة المسلحة بما عرف تأريخيا بثورة حسن سريع. وهناك اقتباس تسجيلي كامل من كتاب (البيرية المسلحة..) ومما يدخل الرواية مدخل التسجيل.. اعتماد المؤلف على مؤلفات عديدة ومعروفة من بينها البيان رقم 13 لرشيد مصلح.. كانت هناك اشارات كثيرة مربكة... تجعل المتلقي يحار في تجنيس هذا العمل الهائل.. البيان رقم واحد لثورة تموز 58 والبيان رقم واحد لانقلاب شباط والبيان رقم واحد لانقلابات عديدة منها 18 تشرين ترد في ذات السياق.. بل ان هناك اقتباسات كاملة مشار اليها من كتاب حنا بطاطو .. الخ..

ان إخلاص الكاتب لقضيته وعقيدته والحماس البالغ في تعاطفه مع محنة مظلوم.. لم يمنعه من اعتماد مصادر لخصوم الحزب الذي عاش محنته واحبه وناضل في صفوفه.. الحزب الشيوعي العراقي... وبذلك استحق هو وروايته احترامنا ومحبتنا. وربما سيسجل له تأريخ النقد انه اول كاتب عراقي ابتكر نمطا كتابيا هجينا يجمع بين اجناس روائية مختلفة هي: (الرواية، والرواية التأريخية.. والرواية التسجيلية..).. وفي كل ذلك جمع ما بين الالتزام الاخلاقي الحازم والصدق الصارم..

ثمة ملاحظة نقدية لا بد من قولها ان ثلاثية الحريزي قد وقعت في ما يمكن ان نسميه التوقع الكاذب او إنقلاب الحظ..حيث تكون النهايات متوقعة ولكن ليس بالطرائق المتوقعة نفسها..الحديث عن الكم الهائل من المؤامرات التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي والموثقة تسجيليا على صفحات الرواية يدفع المتلقي لليقين ان نضال الشيوعيين سيسفر عن خسارات هائلة.. دون نتائج مضمونة للشعب او الحزب او الحركة الوطنية.. وإن الخراب قد يكون خرابا جميلا وتبقى مجرد ذكريات جميلة لمناضلين رائعين.. لكن ان تنتهي الرواية بجلوس زعيم الحزب الشيوعي جنبا الى جنب مع زعماء تيارات دينية مثل المجلس الاعلى والدعوة الاسلامية والحزب الاسلامي الاخواني على طاولة واحدة ليست مستديرة مع الحاكم المدني بول بريمر...يجعل من ثيمة انقلاب الحظ السمة الرئيسة في ثلاثية الحريزي المأساوية!!!!ورغم ان العديد من بقايا قدامى المناضلين يرون في ذلك انتصارا إلا ان المؤلف وقد فتك بصاحبه (كفاح بن مظلوم الشاعر والاديب والمناضل اليساري..) وضيعه.. لم ير ذلك على الاطلاق..

وفي الختام ولكي نكون منصفين مع صديقنا الاستاذ الحريزي  لابد من الاعتراف ان  رابطا  بين الاجناس الادبية المختلفة قد يكون مفيدا وضروريا لإختلاق ضربا  مستحدثا وطريفا  من الأدب يكون مقبولا لدى جمهرة من المتلقين يرون في ذلك فعلا خلاٌقا..

 

سلام كاظم فرج..

 

نبيل عودةيذهب بعض النقاد والمتعاملين مع الفن القصصي الى طرح تقنيات تساعد على كتابة القصص القصيرة. خضت مع بعضهم نقاشات طويلة حول عبث ما ينظرون له. كتبت تعقيبات على مقالات ادعى كتابها انهم يقدمون للراغبين في كتابة قصة قصيرة الشرح الوافي والكامل لكتابة القصص. طبعا قدموا شرحا مفصلا حول كيفية كتابة قصة قصيرة، مبناها، ابطالها، بدايتها، وسطها ونهايتها. أي طرحوا شبلونات وبنود يمكن على اساسها كل من يعرف كتابة انشاء عربي ان يكتب قصة قصيرة. انا اعتقد انها كتابات فائضة عن الضرورة وسلبياتها أكبر من ايجابياتها. كتاب هذه الارشادات، حتى من حملة شهادات عليا، هم فقراء فكرا ومعدومي المعرفة للفن القصصي وصمتهم افضل من ثرثرتهم الفارغة من أي مضمون ثقافي.

هل حقا توجد تقنيات يمكن الالتزام بها لكتابة القصة القصيرة؟ اي شبلونة (مسطرة) يمكن ان نكتب قصصا حسب مقاساتها؟

اصحاب تلك المقالات تجاهلوا مسألة جوهرية تتعلق بمفهوم لغة القصة القصيرة، طبعا هي اللغة العربية في حالتنا، لكنها لغة نص مختلفة عن أي نص كتابي آخر. ما اعنيه انها ليست نفس التركيبة اللغوية للمقال السياسي مثلا، او للمقال النقدي، او للمقال البحثي. الشرح عن تركيبة القصة القصيرة يبدو لي انه يؤطر المضمون والحركة القصصية داخل صندوق مغلق ومفرغ من الهواء، أي كتابة "مخنوقة".

ان لغة القصة هي موضوع لا يمكن تناوله بمثل هذه البساطة والفوقية التي يتناول فيها البعض شرح تركيبة القصة القصيرة، كأنه يشرح مسالة في الرياضيات، انا على ثقة ان تلك المقالات لم ولن تنتج كاتبا قصصيا واحدا، بل قد تضلل كتابا موعودين.

المعضلة الكبيرة، او الهوة الكبيرة لمثل هذه المقالات هي استحالة شرح تراكيب قصصية بمقاييس جاهزة، وخاصة استحالة شرح مضمون اللغة القصصية. مثلا هل بإمكان أحد ان يشرح مفهوم اللغة الدرامية التي هي لغة الابداع القصصي الجوهرية؟ ان مفهوم الدراما (للتوضيح) ليس في الفكرة فقطـ انما في تركيبة اللغة نفسها؟ لغة لها مركبات مميزة عن السرد النثري لمواضيع غير قصصية، ولكن هذا لا يكفي. مثلا كاتب متمرس بإمكانه تطوير اساليب لغوية جديدة وأفكار قصصية غير تقليدية للنص القصصي. مثلا استعمال أسلوب الخبر الصحفي ولغة الصحافة الأقرب للمناخ الثقافي السائد واللغة الأكثر فهما واستعمالا في حياتنا اليومية، واسلوب بناء الحدث القصصي عن طريق مبنى الخبر الصحفي او الريبورتاج (وهنا صعوبة كبيرة لدرجة الاستحالة لكاتب غير متمرس)، او بأسلوب الكتابة التاريخية او التوثيقية، او حتى اخضاع الطرفة وتطويرها لجعلها مادة قصصية.

حتى السماء ليست حدودا لقدرات الانسان الابداعية!!

قد يقول ناقد ما مستهجنا ان هذا اسفاف لمضمون اللغة القصصية وانا اقول ان الموضوع أبعد من التفكير الفوقي والأحكام المتسرعة لمن يعجزون هم أنفسهم ان يصيغوا قصة قصيرة رغم اجادتهم الكبيرة في شرح مركباتها. طبعا شرحهم يعتمد المنهج الكلاسيكي – التقليدي وهو تقريبا تلاشى من السرد القصصي او تقلصت مساحته.

قرأت ابحاثا عديدة لكتاب اجانب أيضا. لا اظن انه يمكن انتاج عمل قصصي حسب شبلونة تطرح بنودا يمكن على اساسها صياغة قصة قصيرة. مسبقا اقول ان القصة عملية خلق ابداعية لا تلتزم بأي مقاييس مسبقة، وتبدع لغتها وتركيبتها بمسارها الذاتي وليس حسب بنود يضعها الكاتب امامه ليستعملها في بناء القصة.

البطل في العمل الأدبي ليس مجرد اسم وشكل، ثم نركب عليه حدث قصصي، او نفتعل له عقدة ما، ثم نجد له الحل سلبا او ايجابا. اين اختفت سيكولوجية البطل؟ كيف نستعمل مفاهيم علم النفس الاجتماعي في تركيبة الحدث او التضاد بين الأبطال والواقع الذي تطرحه القصة؟

لا أظن ان مؤلفي هذا النوع من النصوص يقصدون ما قد يفهم من العنوان، ربما قصدهم شرح فكرتهم حول مركبات النص السردي القصصي. لا يوجد تماثل بين قصتين لنفس الكاتب الا ما ندر، فكيف الحال مع مئات الاف الكتاب؟ لا يوجد خط عريض واضح في حركة الإبداع لنفس الأديب. الكاتب هو اديب مجرب والتجريب لا ينتهي من اول قصة يكتبها حتى آخر قصة يكتبها، اذا استمر بدون تغيير تولد اعماله ميتة ومكررة لدرجة الملل. الأمر يشبه هنا انتاج حيوات، الحياة شديدة التعقيد والتركيب وعدم التماثل بين عنصرين، تماما مثل بصمة الأصابع. ربما أفضل طريقة لمعرفة فنون الكتابة القصصية، هي قراءة الاف الأعمال الأدبية بانتباه كامل لأسلوب السرد ومركباته المتنوعة، شكل بناء الشخصيات وتطورها، خصوصية اللغة في العمل القصصي، (اللعبة القصصية او الروائية) وطريقة بنائها والتلاعب بالأحداث، روح الحوار وعلاقته بالشخص، مطابقة الحوار للشخصية القصصية (او الروائية) وغير ذلك الكثير من التجديدات التي لا تتوقف، صياغة وفكرا، وقراءة تجارب الكتاب انفسهم اذا وجدت. لا يمكن ان تصاغ مفاهيم ثابتة للقصة القصيرة او لأي عمل أدبي. يمكن حث الموهوبين للاطلاع عبر تمهيد يعرض عليهم مركبات اولية، لكنها مجرد خطوات اولى لا يمكن جعلها قانونا قصصيا.

الأمر الأساسي ان الكتابة، أي كتابة كانت، تحتاج الى موهبة خاصة. يمكن تطوير الموهبة، بدونها لا يمكن تحريك شيء، لا يمكن ان تتطور الموهبة بدون قراءة واعية وموسوعية، واطلاع واسع على العديد من كتب النقد القصصي، والانتباه ان بعضها يشوه الرؤية القصصية اذا لم يكن القارئ واعيا لفلسفة الأدب تحديدا والقصة القصيرة عموما.

نصيحتي لعشاق الابداع القصصي بسيطة جدا، اقرأوا بوعي وعبر دراسة النصوص وتحليلها الذاتي. اسلوب تركيب الحدث، مميزات النص، تركيبته اللغوية، الحوار ومطابقته للشخصيات، انتبهوا الى الدراما في لغة النص وليس الدراما في الفكرة القصصية فقط. نص بدون لغة درامية، هو نص فاشل. الفكرة الدرامية ليست مشكلة، احيانا الفكرة القصصية بلا دراما لكن اللغة القصصية تصنع الدراما. والأهم لا تتوهموا ان هناك شبلونة جاهزة لكتابة قصة قصيرة، ولا تلهيكم تلك الشروحات، لأنها نتاج عقول لا ترى ابعد من أنفها!!

 

نبيل عودة

 

 

حسين السكافمحمد حياوي.. من رحم الخراب.. صورة آخرى للحب

"إليك الحقيقة، لقد خُلقنا في هذا العالم، لنشهد سلسلة من المسرّات الطويلة والآلام المتناسخة." إنها العبارة الأولى التي يفتتح فيها الروائي محمد حياوي روايته "خان الشابندر"، ورغم ورود المسرات قبل الآلام، إلا أن القارئ لا يتلمس المسرات إلا في الحبّ المتخيل، البعيد عن الحياة اليومية المعاشة.. الأوجاع وفوضى الآلام المتلاطمة بين ثنايا الرواية تعزز حالة هستيريا الواقع، التي تمنح الخيال شحنة أكبر بغية الهروب نحو عالم أقل قسوة، عالم الحب المقاوم لهجمات القبح والتخريب المستمرة بعنف جارف.

"إن أحببتنا، ولو لبعض الوقت، لن نتركك تغادر سالماً.. لكننا سننقذ روحكَ من الغرق والتحطّم.. الغرق في الحياة الفاسدة حيث يَلتَهِم عقلكَ روحك.. لكن مع ذلك سنحبّكَ كما لم يفعل أحد من قبل.. وسنحدّثكَ عن القِصص والحكايا.. القِصص التي لم يسمع بها أحد من قبل، أو لم يرغب أحد بسماعها.. سنفتح لكَ كنوز صدورنا الحانية، ونأخذكَ إلى بحر الخيال.." عبارة يتسيدها الخيال، وتختفي عنها صورة الواقع رغم الاعتراف بفساد الحياة وشراسة الإدراك الذي لا بد وأن يرشد العقل إلى إلتهام الروح وتحطيمها..

"علي" بطل الرواية، صحفي عاش خارج العراق لأكثر خمسة وعشرين سنة، يعود بعد سقوط الديكتاتور، ليعمل صحفياً في جريدة محلية، يصطحبه أحد أصدقائه لزيارة بيت دعارة بغرض الاشتغال على تفرير صحفي أو "بحث اجتماعي" كما جاء على لسانه، عن وضع الفتيات في تلك الدور والسبب وراء انخراطهنّ في ذلك النوع من العمل، فيدخل بيت "أم صبيح" لتبدأ قصته مع اضطرابات الشخصية العراقية التي لعبت بها الكوارث المتلاحقة لتمسخها وتحولها إلى أموات يتنفسون ويمكنهم الحركة.. هناك في بيت الدعارة وتحت أصوات الرصاص والقذائف تنشأ علاقة حب بين بطل الرواية و"هند" إحدى نساء الدار.. علاقة لا ينقصها الوعي ومعرفة مرارة الواقع عن قرب.. "ما أن استعدتُ وعيي بعدَ القُبلة الطويلة، حتّى قالت هند ضاحكة: "الآن.. امتزجت روحكَ الهائمة بروحي المحترقة.. ما الذي ورَّطَكَ معي؟.. سأنتشلكَ وأحلّق بك في سمائي وأنا أخفق بأجنحتي الجبّارة.. حتى ترى ما لم تره من قبل!""

يشعر القارئ لرواية "خان الشابندر" أن أغلب الشخصيات وهمية لا علاقة لها بالواقع، بل هي شخصيات تعيش في ذهن بطل الرواية، يستحضرها أحياناً ليحدّثها، ويعيش معها لحظات يختارها هو، وأحياناً تأتي بها مناماته وكوابيسه المتلاحقة، لذا نجد أن أغلب الشخصيات هي في حقيقتها أفكار جاءت لتفصح عن مكنوناتها وإن ظهرت معقدة أو ضبابية بعض الأحيان.. ويمكننا الإشارة إلى شخصية "مجر عمارة".. العارف بخبايا الأمور والحكيم "أحياناً"، الذي ظهر مثل روح هائمة فارقت جسدها منذ عدة قرون.. فهوس الشخصيات التي تزخر بها الرواية وتناقضاتها، تشير إلى أنها لا تنتمي إلى الواقع بشكله الصريح، بل هي خلاصة يقدمها لنا مؤلف الرواية لتشير إلى تفاصيل الواقع المعاش.. فهم إما أن يظهروا على شكل أموات أحياء، أو أحياء أموات.. وهذا ما يؤكده لنا سائق التاكسي.. "أنا شخصياً استشهدتُ في (معركة) القادسية، ثم تبين أنَّني فُقدتُ في (معركة) "الشيب" وبعد ذلك، اُسِرتُ في إيران. وبعد سنين وجدتُ نفسي في مَصحّة عقليّة.. هذه السيارة الثانية التي أقتنيها بعد أن احترقت الأولى في انفجار (منطقة) الصدرية. خرجتُ منها محترقاً، وتعجَّبَ الناس كيف نجوت من الحادث! أنا ميت يا أستاذ من زمان.. فهل يخاف الميّت من الموت؟.. وفي مكان آخر يعزز المؤلف تلك الفكرة بوضوح حين يلتقي بطل روايته بأحد أصدقائه القدامى "سالم" الذي أُعدِمَ منذ قرابة الربع قرن، بسبب رفضه المشاركة في حرب الثمان سنوات.. "سالم" الذي أعيد إلى الحياة بعد ربع قرن من مقتله، بقرار من مخيلة بطل الرواية، نجده مواكباً وعارفاً بتفاصيل الخراب الذي يعيشه البلد وأبنائه، فحين يلتجأ إلى الحب ويتذكر زميلته في الجامعة وحبيبته "غدير" يحدّث صديقه القديم "بطل الرواية" الذي قابله صدفة متصوراً حالها في تلك اللحظة.. "ربما تزوجت، ولفّت فوطة كبيرة (حجاب) حول رأسها.. أغلب النساء من جيلنا يبدين كذلك الآن.. حزينات بوجوه شاحبة، ويلففن الفوط السود حول رؤوسهنّ بعد أن نسين شبابهنّ وأيّام الجامعة الملتهبة بالأحلام.. إنهنّ الآن أمهات يندبن أبناءهنّ الذين يموتون باستمرار في انفجارات الشوارع.".

"مالذي يجري لنا؟.. لِمَ الزمن ضاع إلى هذا الحد؟.. الزمن يكون أكثر وطأة وعدوانية في الحروب يا صديقي.." عبارة قد تختصر حجم اللوعة داخل النفس البشرية التي تعيش الخراب وتتنفسه، فالحياة داخل الرواية تقترب من الوهم، بينما الخراب هو الحقيقة الدامغة.. حيث حاول المؤلف تعزيز حالة الوهم المعاشة، بحركات وأصوات لها دلالاتها.. طيور ضخمة تطير، لا يرها، بل يسمع خفق أجنحتها العظيمة.. أصوات تدله على شيء ما يحتاجه، لا يرى مصدرها، يسمعها فقط.. تلك هي الحياة في بلد الكوارث، يأمرك المخفي أو الغائب أو حتى الميت منذ زمنٍ بعيد فتجيب صاغراً إثر حاجة في نفسك..

أغلب نساء الرواية أحببن بطلها "علي" الصحفي.. ضويّة، هند، أخلاص "لوصة"، حتى الصغيرة زينب بائعة الكعك، التي وجدت فيه أباً مشتهات، بدلاً عن أبيها الذي لا تتذكره حيث أكلته الحرب حين كانت طفلة، ونيفين، زميلة علي في الجريدة التي يمكن للقاري أن يتلمس صدق شخصيتها داخل الرواية، حيث تكاد أن تكون الشخصية الأكثر قرباً للواقع، والتي كلما حدثها بطل الرواية عن ما يجري معه من قصص ومشاهدات وأحداث، كانت تحاول أن تعيده إلى وعيه، معتمدة تذكيره بأن كل ما يقوله مجرد أوهام. وتلك اشارة مهمة على سيطرة المتخيل لأغلب أحداث الرواية، باستثاء الخراب الذي ظل ماثلاً أمام الحقيقة بكل وضوح، رغم الخراب يظل نهر دجلة محتفظاً بقدسيّته.. هناك يذهب الناس عن إيمان وقناعة، يغطسون بالنهر كي يتطهروا.. وهم يعرفون أن ماء النهر قد حمل العديد من جثث الأبرياء الذي قتلتهم رصاصات مؤدلجة.. "ضويّة" ذهبت للنهر مع "علي"، كي تتعمد هناك على الطريقة المندائية.. وحين عادت، مرّت على أم غايب التي تحتضن العديد من الأطفال المشردين، لنعرف أن ضويّة تشتغل عند "أم صبيح" لتعيل أولئك الأطفال وهناك غيرها أيضاً..

"أم غايب امرأة صالحة، تسللت ذات ليلة من مقبرة باب المعظّم وسكنت هذا البيت.. كانت تعمل ممرضة في مدينة الطب القريبة من المقبرة، قبل أن يقصفها الأمريكان ويقتلوا من فيها.. هي الآن تعيل مجموعة من الصبية والفتيات المُشردات.. تلتقطهم من الشوارع، أو يلجأون إلى بيتها.. ونحن نساعدها بما نقدر عليه بين الحين والآخر.. دوى انفجار هائل في مكان ما قريب أثار موجة من الهباب والدخان، تلته رشقات متقطّة من الرصاص ثم انفجار آخر أقرب من سابقه.." هكذا هي الرواية، كلما تتلمس إحدى الشخصيات إنسانيتها وتحاول مزجها تحت دافع الحب بإنسانية شخصية أخرى، تلاحقها الانفجارات وأصوات الرصاص، متلازمة تحتفل بها الرواية وكأنها تشير إلى عنوانها الحقيقي.. الحب من رحم الكارثة.. 

وأخيراً يمكننا استعارة ما جاءت بها الرواية لتشير إلى حجم الدمار الروحي التي صارت عليه الروح العراقية، التي ما زالت ترى الحب منبثقاً من وسط الخراب:

"كان نهاراً رائقاً من نهارات بغداد المكتوية في العادة.".. "ما تزال بغداد تدهشني بسحرها المُمزق بالقنابل.."

 

حسين السكاف – ناقد وروائي عراقي

 

 

شهدت المناهج النقدية ما بعد البنيوية انتقادات كثيرة لإقصائها العناصر الخارج-نصية من عملية التحليل والتفكيك والتركيب، اقصاء جعل النص مادة محنطة خالية من القيم المعرفية والموضوعية والنفسية والعاطفية بعد موت المؤلف أو قتله على الأصح، واعتبار النص بنية مستقلة عن سياقها السوسيوثقافي، غير أن كريماص تنبه للأمر وأحدث فرعا من السيميائيات يهتم بالأهواء والعواطف والرغبات، مستحضرا هذا الجانب الذي أقصته المناهج النصية، وهو ما سنحاول مقاربته في المجموعة القصصية "هيهات" لمحمد الشايب الصادرة عن دار التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، فإلى أي حد تحضر الأهواء في هذه النصوص القصصية؟ وكيف يمكن للأهواء والعواطف أن تسهم في بناء النص القصصي؟

تعالج المجموعة القصصية مواضيع مختلفة من خلال أحداث يومية تكشف جملة من الانفعالات المتناقضة، هذه الانفعالات التي تظهر في القصة الأولى "ريح يوسف"، والتي يهيمن عليها الحقد والغضب، هذه العاطفة التي نمت شيئا فشيئا نتيجة الصدمات النفسية للسارد من الحال التي أصبح عليها الإنسان، والتي استدعى من خلالها الكاتب قصة يوسف للتعبير عن حجم الغضب الذي يعتوره اتجاه مجتمع يتفكك باستمرار، وتظهر فيه سلوكات عدائية حتى أصبح تربة خصبة للكراهية والعنف، يقول السارد وهو يتحدث عن الواقع والأمل، بغضب مضمر في ثنايا الخطاب "أخوك يتمنى أن يحب الإخوة أخاهم، لكنهم له كارهون، في كل بيت أخ مختلف، وفي كل بيت إخوة لا يطيقون الاختلاف، فلماذا يا أخي هم الإخوة هكذا يكرهون ولا يحبون؟ تعبت من هذا الرحيل، أمضي طوال الوقت،  يتجاهلني المطر، ولا تعرفني الرياح ودروبي ما عادت تطيقني"1. وهكذا يغدو الرمز الديني بحمولته الإيحائية دلالة على الغضب المضمر في الوجدان من سوء أوضاع الإنسان، إحساس نما في منطقة الغياب اللاشعور، ليتحول إلى منطقة الحضور الشعور، سلوكا معبرا عنه بأدبية تأبى أن ترضخ لليومي وللمسخ الذي طال هذا الكائن، إنه غضب ينقلب إلى إحساس عميق بالغربة، عزلة تنمو في النص لتعلن الغضب والرفض لكل ما الت إليه الأمور، تحول العاطفة إلى سلوك وموقف حتى أن مطرات القطر تتجاهله، والرياح والدروب ما عادت تطيقه، إنها صرخة في وجه المسخ.

وهكذا يتحول الغضب من حالة نفسية اتجاه الواقع اليومي إلى سلوك وأفعال، الإخوة يكرهون أخاهم، ويضمرون له العداوة، الغضب هنا من هذه السلوكات حالة نفسية تعكس تفسخ القيم وانحلال الأخلاق وترهل العلاقات الإنسانية التي أثارت حنق السارد، كره يتحول فجأة إلى شفقة في قول السارد "سرت وسط موكب الجنازة، فتحولت من جديد إلى ذئب ورأيتني أرحم بكثير من الإخوة، مر الموكب من كل شوارع المدينة وأزقتها وبكت يوسف كل الأشجار والأزهار"2 . أن يحول السارد إلى ذئب مع كل ما له من صورة نمطية في المخيال الشعبي من غدر ووضاعة خسة، ذلك يعني أن غضبه شجرة تغطي غابة من السلوكات الدنيئة للإنسان والمسكوت عنها في النص، هكذا يغدو الغضب موقفا من العالم، مواجهة بالغضب، وهو اخر أسلحة السارد لمواجهة قبح العالم في العالم الجديد الذي يهيمن عليه الإنسان وقتل فيه كل أسباب الحياة.

انفعالات متناقضة تسائل الأهواء النفسية في تشكيل عوالم النصوص، غير أنها عواطف تتشكل في لحمة واحدة، فها هو الغضب يؤدي إلى الشفقة، فيكون التفاعل بين هذه الأحاسيس هو كيمياء النص الحقيقية.

ونجد أيضا من بين هذه الانفعالات التي تشكل فسيفساء النص الرغبة والحب في قصة "هيهات"، الحب الذي يسبق وجود المحبوب، العاطفة المتجذرة في فطرة الإنسان، لذلك يشكل السارد صورة حبيبته المنشودة على هواه حين يقول "حسناء وارفة الظلال، في عينيها موج من الضياع ومن ثغرها يسل الدواء حينا والداء حينا. وأخيرا كتبتها هيفاء كالنغمات، وتهب كالريح وقت الهجير.. وأخيرا كتبتها عجزاء تدبر فتتبعها الأغاني وتهطل المدام"3  إنه الحب المتقد في صدر السارد، غير أنه حب متوقف عن النبض، وهكذا يحضر الحب أيضا في قصة "الحب المشتت"، حب منكسر يبحث عن الحب.

ظل الشوق يحرك لواعج النفس ليتحول إلى رغبة في اقتحام عالم الاخر، إنها الرغبة في السراب، أو في مجالسة طيف بعيد في زاوية من زوايا خيال السارد، كما يستحيل هذا الإحساس إلى رغبة في معرفة الذات، أو الوعي بها في علاقتها بالاخر، يقول السارد "وانطلقت كالسهم، فولجت غابة ملونة بشتى المعارف، فسيحة لا يحدها البصر ثم أخذت تحدو تارة بين الرفوف وتتوغل في أعماق السطور، وتارة تطير في سماء الخيال والحلم وتنأى بعيدا" 4، حب مستحيل، لكنه، في حقيقة الأمر، ليس حب المرأة، بل هي هذه القيمة الإنسانية النبيلة التي يفتقدها المجتمع، إن هذه العاطفة التي يتغنى بها السارد هو ما نحتاج إليه، نحتاج إلى الحب والحب وحده.

وهكذا يستسلم الحب المنشود في قصة "نرجس" حيث يقول السارد "هكذا أبن أحدنا نرجس التي حفرت لنفسها قبرا في الماء ومضت بعيدا في غياهب الغياب"5  لتتحول نرجس، رمز الحب المفقود في  نهر سبو إلى مزار يقصده الناس بين الفينة والأخرى، هكذا شيع السارد الحب، وحفر له قبرا في الماء، لتطفو الكراهية والحقد والعنف...

هذا الاستسلام المضمر في ثنايا النصوص يتحول إلى حزن مطبق في "فاكهة الممشى" ليصبح بؤرة دلالية جديدة في توليد المعنى "حزينا جدا سرت في الشارع دون هدف لا أدري لم أنا حزين ، الشارع مملوء بالمارة وأصوات الباعة تتعالي في الحقيقة هناك أكثر من سبب للحزن"  وقوله السارد أيضا "هناك أكثر من سبب للحزن، واصلت المسير والمدينة لا تكترث بي، مثقلا بالتوجسات أهيم في أنحائها وهي لا تريد أن تطلق سراحي" .

"هيهات" مجموعة قصصية حافلة بالانفعالات المتناقضة (الغضب والحب والحزن والشفقة...)، وهي تضطلع بدور أساس في بناء عوالم النصوص القصصية، وقد استطاع محمد الشاب أن يروض جموحها تعبيرا رائقا ولغة شعرية جميلة وبناء متماسكا... إنها مجموعة قصصية مستفزة جدا.

 

 عبيد لبروزيين

.......................

1  - محمد الشايب، هيهات، مجموعة قصصية، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2011، ص 7

2  - نفسه، ص 7

3- نفسه ص 9 

4- نفسه ص 13 

5- نفسه ص 15 

6- نفسه ص 19 

7- نفسه ص 19 

 

فموضوع هذه المقالة "لمحة مبسطة عن صرامة فكر الهايكو وأثر كتابته البلاغية"، لما له من تحديات تعكسها الفلسفة وسياقات تحكمها في تدوين الحياة اليابانية، وأهمية أحقية موضوعاته المتجددة، وحقل بكارته، التي تخص ـ من قبل ـ بعض من ألهم لهم الشأن بخصوصه، وثمرة الدراسة الجديرة في جديد موضوعاته، وحقول قضية الإبداع فيه، وآثار فهم الهايكو في تلاحق أطواره المختلفة عن تطورات جديرة به من إضافة على الآخر. وقد يأخذ منا في هذه اللمحة إيجاز للمحات ثلاث أو أكثر، مبسطة، لتسليط الضوء عليه، والوقوف على وجه صرامته وإبداعه؛ نشأة ونموا وازدهارا.

ولأجل ذلك سأجعل هذه المقالة مدخلا أوليا مبسطا، تدفعنا متابعين حلقات لمحاتها القادمة؛ أو إفاضة اكثر بقليل مما ورد (من كيف إلى لماذا، واين، ومتى ومن هم شيوخه ومريدوه)؟ حتى تبادل أنتقال لغة ترجماته، إن تطلب لاحقا للأمر ضرورة.

وإن كان هناك منا أغفال أو سهو غير مقصود "فنحن بشر"، سبحانه. ومن وجد إصابة، نأمل من الأخرين تسديدها ودفعها للقاريء ليسود سؤدد الحوار والتواصل، بارفع قيمة مضافة تعمها الفائدة فهما للجميع. مع الشكر الخالص لفريق عمل تحرير موقع الناقد العراقي لعونه وتحمله أعباءنا وحرص الاستاذ د. حسين سرمك من تقويم وتعاون ودعم نبيل معنا. ونأمل دوما من الله العظيم التوفيق.

أما بعد:

هيمن تصور المهتمون بكتابة "الهايكو" الياباني، من الربع الأخير للقرن الماضي، أن البحث في الهايكو ومعالجة إشكالياته ومهامه سيقتصر على طريقة الكتابة الموجزة البارقة؛ أي قصيدة "الومضة" اليابانية كما يحلو للبعض تسميته، خصوصا بعدما أفلحت الأخيرة في الخروج من معطف المحلية على غرار أنفصال خصائص تعلم اللغات و الكتابة في فنون ترجمة لسانياتها، بمعنى اخذا اتصال تصور الكتابة فيها كحجوم للأشياء أو سائر المتخيل عن التكنولوجيا المحمولة بساطتها.

لكن بقدر ما أنصلت وصغرت بذاتها عن معارف فنون الكتابة الشعرية أشتد ارتباطها بالفلسفة وتعمق. بحيث ألفت نفسها ـ أي الهايكو ـ نفسها موضوعا لتأمل أم معارف. وخير المعارف من تأملها هو معرفة كيف تتجاوز منها نبذ مساوئ اتصالها من قطائعها، أو العكس. وتزيد نفعا مجالا من مجالات أشتغالها، ونظرا لأهمية تلك التأملات أو المعارف في كتابة به، تطور بأعتبار أن أغلب الفلاسفة والمفكرين عنوا الأسلوب والمنهج به وبإشكالاته، خصوصا في القرن العشرين والعقدين الأخيرين ليومنا هذا على مستوى الثقافة العالمية أو العربية خاصة (=كتاب المغرب العربي ـ بنحو أدق، لأسباب معروفة لدى لجميع).

ولعل سبب أهتمام الفلسفة بنظم كتابة قصيدة "الهايكو" يرد إلى كونها تفكيرا في الحاضر، والغرض، قبل كل شيء، وأنتباها إلى ضرورة التعايش في المنجز الإنساني العام، والأنخراط بالمشاركة والإسهام في بناءه عبر أنتشاره بين شتى الثقافات العالمية. وبالعمل على توجه الأفاق نحو المستقبل. وجلي أن انشغال صرامته في طريقة نظم نشأته الأولى منذ القرن الخامس (كما تظهرها حفريات الدراسات المتخصصة)، وصرامته هذه فكرية، غير أنه لا ينفي أتجاها نحو الماضي، وأن مرونته تروم، في الحال ذاته، إنتشال القبلية بإنقاذ الذاكرة وضمان استدامتها واستمرارها، فهو بذلك يشكل تقاطعات مع الفلسفة (ظاهرا ومحتوى) في مجالات عديدة. بمعنى أن تكون المعنى تشكل علينا المراد لا بالمجاز فحسب، بل، أيضا مقياسا لبلاغة الكلام، في حرص منهج الكتابه فيه على أيجاد صيغة الأبداع له، فيه تفسيره الموازن بين قوة دور الحقيقة وأقتدارالمجاز في التعبير الفني ـ عند وقع الأختيارـ أي حينما يكون موضوعا للتأمل، الذي يتقدم به للحصول على درجة من المعرفة وآثرها في تدوين، وأبلاغ قضيته الجديرة بالدراسة أو المراجعة لوقعها في رسالته ـ الهايكو.

لكن العلاقة ولقاء الحقيقية بينهما يتكشف في أرتباطهما في حيز الموسيقى، العلامات اللغوية، فكلتاهما قوة "أقتدار" يعلن عن ذاتهما بصفتهما صحبة تمكن مع ما تحثه تلك العلامة من جاعلية، أي حمولة شحناتها الثقافية والنفسية والمعرفية بالعمل على توجه الأسماء الأفعال في تحولها لصفات حقيقة نحو المستقبل، مما تكون كلتاهما مضطرة. إلى فك علاماتها. فيكون كلهما، أي الشاعر والفيلسوف يوثقان تأملاتهما لما سيصدرانه عن قراءة إشارات، هي كلمات في صرامة نظمهما، وسياقات تؤلف نصوصا بلاغية رفيعة الفكر، وهما يستخرجان اسرارها الخفية من جمل أسمية تعمها٫ معززة بنبع مصدري، وجعل الجلة فعلية خفية بالدوافع التحفيزية تحرك جمالا جوهريا لمعنى مادي ملموس وأستدعاء توظيف للحواس بمدارك تتلذذ بالجمال المعرفي الحسي في أعماقه.

ويحدث للشاعر من خلال صرامة أسلوبية فكر الهايكو، أن يتعرف كثيرا من تلك الإشارات تأملات لم يسبق له أن تعمق بجوهرها أو ظاهرها تمام المعرفة، وما يخفي وجه الحكمة في رفض أو قبول تفسير النطم الشعري بمعنى الطريقة والأسلوب في الكلام أو إطلاقه على توالي الألفاظ في النطق والإسماع أو تلاؤم الحروف وانسجام أجراسها أو إنكارها أن تكون بمثابة الميزة البلاغية كامنة في اللفظ ذاته، ما يعني دون أن يستنفد إمكاناتها الدلالية؛ فهو يمر جانبها في كثير من الأحيان، أثناء بحثه في النص في لغته الأصلية عن الحقيقة، ولذلك تبقى معرفته بالنص وإحاطته به ناقصة، مما يسوغ تعدد تأملات القصيدة الواحدة من جهة، ويبرر قراءات متنوعة هي في الواقع أطر حوار محددة وتبادل لوجهات النظر، ودعوة إلى مجتمع المحبة والمعرفة والصداقة في تعبير عن أن الحياة سريعة الزوال. وبكلمة واحدة تغدو قصيدة الهايكو تفكيرا، لمرورها أثناء بحثها عن الحقيقة بالفهم والشرح والتفسير فالتحديث، وهي لعمرية بساطة الظاهرة سهولة الفهم نفسها والوصول إلى دلالاتها، كما هي التي تحرض عليها عمقها الفلسفة والجمالي أيضا، التي تفتأ تعيد قراءة الإشارات/العلامات، وإعطاءها معان مغايرة عما ألف، نظرا للقراءة الجديدة التي تخضعها لها، مما يحول مسير الفكر والمعرفة لتوضيح مشاكلها العلمية الجادة لقضية الإبداع "الهايكوي".

ويؤكد الأستنتاج السابق كما هو معظم الشعراء اليابانيين الذين أسهموا في تقدم موضوعاته الفلسفية وثقافته المعرفية وأزدهارها قد يكون من العسير تفسير آرائهم وخططهم الفكرية والبلاغية تفسيرا سليما ما لم تمخض قضية الشذرية الموجزة بقيمة الدقة الوامضة، من إضافات إضاءة البرق، الذي يرى أن سر التفكير يكون نفاذ ضوئيته دوما تأويلا، أي تفسيرا وتطويرا، وترجمة لإشارات متغيرة سريعة، فلا يترك ألا وجود إيجازه سوى لمعان تكمن في إشارات قبلا في السر، تابعة  معانيها ملفوفة المقياس ومطوية لبلاغة كلام، وفي حرص حال، موازنة غامضة لما يجبر على التفكير إنسجام أجراسها بين دور الحكمة والمجاز في الأسلوب الفني.

ومن ثم دفعت العلماء في وقت مبكر إلى بذل ما رخص للعين ظهورا أوغال للقلب غناه ضموره وأفصحه، بجمع الكلام له، وحفظه وتدوينه وتعليمه، مع جهد عرض تقبله، وتفسيره، ودراسة أساليب نظمه البيانية ومقابلتها بأساليب البلغاء، ثم أستخلاص عناصر الجودة في اساليبه البيانية ومواضع فجوة التقصير في سلاستة؛ ليظهر امتياز العبارة على وضح الكلام من موضع قويم أو اعوجاج، توكيد رفعة الأجراس القويمة الذين استوت لديهم ملكة البيان، ومن أجل خدمتها خاضوا في مسائل الفلسفة والبلاغة كالقول في الهايكو البلاغي، وتفضيل الكلام على كلام، وكانت أيضا وراء زيادتهم للمقايس البلاغية وتعميقها، وإرساء نظرية النظم وتقرريرها فيه، وبيان مكانته في التعبير الجميل، والتشبيه والتعمق فيه، والإيجاز والإطناب والإلتفات بالتماثل (إن صح التعبير) وبيان الميزة البلاغية من خلال أجراسه في مقاطعه الثلاثية (=النشأة والنمو والنتيجة) وأين تكمن موازنتها لمقاطع ثلاث مكونة الـ(17) صوتا/أجراسا، بطريقة (5 ـ 7 ـ 5 )، أو، 5 ـ5 ـ7 أو أيضا 7 ـ 5 ـ5 ) حسب فهم علمية الأسلوب؟ والمقاطع "الثلاث" تعني؛ بالنشأة والنمو والأزدهار. بمعنى رسم المنهج السليم لثقافة التربية الفنية والتعاليم الأدبية القادرة على الخلق والنقد والإبتكار وتوليد المعاني الخلقية الجمالية قبل فقدانها أو الزوال؛ للوقوف على وجه إبداع الهايكو البلاغي؛ وظيفة أنبثاق المثال، حكمته، والقول بعمله المأثور.  فمنذ أن وجد الهايكو أصبح سر تجدد الفكر الياباني دوما طريقا للإيمان بنور وصف لنفس الطبيعة برسمها الحياة واستمرار تجديدها بالبدء الفطر الخلقي الفطري، وأعمار الكمال، وسيادة الذوق والجمال، لتقلد تعلمه من أمور الحياة، و تعميم ثمرة فهم الهايكو في فهم قول اللحظة، و وقوف الهايكو على وجه تفرده بالزمان وإبداعه بالمكان. فهو، مثلا، يعود بأستمرار إلى تراثه الفلسفي، ويعيد قراءته قراءات جديدة؛ كحال شيخ البلغاء من اللاحقين في تاريخ هايكو اليابانيين (باشو ماتسويو 1644 ـ1694)، الذي يستحدث بأستمرار، وليس على كل مائة سنة، ومن ثم تفهم إبداعية الغرب، الذي يستلهم أرتقاءه وتطوره من إعادة ترجمة تراثه الياباني وفهمه وفك إشاراته وتأويله وتفسيره. وهذا يعضد ذهاب ما رسل إليه حق أثار لاحقة من مريدوه بعده، مثل (بوسو يوسا 1716 ـ 1783 ، شيكي ماساوكا، 1867ـ 1902 ، كيوشي تاكاهاما، إيبيرو نوك تسوكا 1874ـ 1959 ...وآخرون) إلى أن (الهايكو) هو تواصل للتفكير في العصر الذي تأتي منه وقائع حال التفسيرات والشروح، قبل أن تكون له تأويلات لنص من النصوص، لاستعداد همة اليابايين للنهوض المستمر للفهم البارق لتغيير واقعهم وإحداث أنعطاف في معيشه وذهنيته.

وعلينا ألا ننسى، أيضا، بأن الأصل في الأختلاف بين نظم قصائد الهايكو ليس النص بعلاماته التي قد ينظر إليها بصفتها جوهرا موضوعيا، وإنما يرد إلى إلى ما أمتازت بوصوله الذوات إليه خاليا من التبديل والتحريف والزيادة والنقص، التي يفترض فيها أنها مختلفة وأنها جوهر ذاتي متعدد، وأن كل "هايكو" يكشف في النص الذي يكتب فيه عن معنى غير متوقع، وهو ما ينعكس مباشرة على الفكر، أي على الفلسفة التي تتغذى عليه الهايكو، لميزته المرموقة هو الأشغالات اللامتناهية لحظة بلحظة، وفقا لما يتغلغل ويسود الحواس الواقعية من مصادر الحياة اليومية، أما التجريد والتعميم فهو مطلق الغياب.

تسعفنا نظم قصيدة الهايكو في تخطي ذاتنا وعالمنا، وفي الخروج إلى عوالم أخرى ما كان لنا نطلع عليه إلا بإتقان لغاتها جميعها؛ في الدلالة للتواتر وتاريخ الهايكو نفسه. ويسمح تعدد المبدعيين وكثرتهم في تيسير المهمة التي يمكننا من الوقوف على الفلسفات وفنون ومعارف وغيرها كانت ستظل في حكم المجهول بالنسبة إلينا. والأكيد أن المبدع يقدم من خلال نصه الشعري قراءته الخاصة للنص مرحلة نضج الأصل والكمال، وهي إبداية بيانية لغة تخاطب القوب والعقول معا، ادخرها أصل الشيء، حتى بلوغ الحواس مرحلة بدء النشأة ونمو الكمال ونضجه، وازدهار الجمال بفهمه، أي نصا مختلفا بالضرورة، ما يعني أنه يبسط أمامنا أختلاف قراءته عن قراءة الآخرين بالضرورة، وما يفيد بأن النص المكتوب لا يوجد إلا في الصورة البلاغة التي هو عليها في لغة الوصول، وأن لا مثيل له خارج ذاته.

يتبعها مقالة: وقفة وامضة عن تمييز السمات الفلسفية للهايكـو والتانكو/ أو(تفكيك التشابه وقطيعة التواصل من أختلاف)

 

إشبيليا الجبوري

 

كريم مرزة الاسديأنا العراق ُلساني قلبهُ ودمي *** فراتهُ وكياني منهُ أشطارُ

1- مدخل إلى رحاب الجواهري:

بعد تدقيقنا الدقيق، وتحقيقنا الحقيق، بما لا لبس فيه إلا التصديق ! إنّ شاعر العرب الأكبر محمد مهدي بن الشيخ عبد الحسين بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد حسن المرجع الديني الكبير في عصره (1)، والشهير بـموسوعته الفقهية (جواهرالكلام)، وإليه ومنها يعود نسب العائلة الجواهرية الكريمة، أقول ولد شاعرنا العبقري في السادس والعشرين من تموز عام 1899م / 1317 هـ (2)، في محلة العمارة بالنجف الأشرف، وأوصلت المعلومة إليه عن طريق صهره الأستاذ صباح المندلاوي في أواخر عمره المديد، وعلى ما قال لي أنه أقرّها، لذلك انتشرت من بعد، وكلّ من ذهب إلى غير تاريخنا لميلاده المدون - على أغلب الظن - لم يحالفه الصواب، وذهب مذهب جواهرينا في إصراره على التصغير، والكبير كبير!، ثم ماذا؟!! وأنا أتجول في صحن السيدة زينب بريف دمشق الشام غروب يوم الأحد 27 تموز 1997م، فجعت بسماع نبأ وفاته، وكانت فجر ذلك اليوم؛ بل صدمت، لا من حيث ما ستقوله لي: إن الموت حق ٌّ، وحكم المنية في البرية جارٍ ِ، وقد بلغ من الكبر عتيا، لا تحرجني عزيزي، أنا أتفهم هذه الأمور، ولست بغافل عنها وعنك ؛ وإنّما لأن الرجل" مالىء الدنيا، وشاغل الناس " قرنا من الزمان، بضجّه (الضمير للقرن) وضجيجه، وعجّه وعجيجه، وبؤسه ونعيمه، وقضه وقضيضه، أيّ أنه عاش في هذه الحياة ما يقارب ضعف ما قضاه المتنبي ابن كوفته فيها (303هـ - 354 هـ / 915 م - 965 م)، وأكثر من ذلك عمراً شعريا، ونتاجاً أدبيا، ولو أن المقارنه تعوزها الدقة العلمية، والنظرة النقدية - كما تعرفون وأعرف - لكن استعارتي لمقولة ابن رشيق القيرواني في (عمدته) عن المتنبي في حق الجواهري ليس عبثا، وليس أيضا من السهولة بمكان، أنْ يحلّ محله - أي محل الجواهري - إنسان، أوشاعر فنان في آخر هذا الزمان ! إلا ما شاء الله.. نعود إلى الصحن، والعود أحمد ؛ أخذت برهة أتأمل أحوال الدنيا وأحداث العصر، ومصير الإنسان، الغافل الولهان، إذ يتربص به الموت، ويلاحقه القدر، وهو سرحان، لحظات فلسفية عابرة، وما الفلسفة كلـّها إلا " تأملا للموت " على حد تعبير آفلاطون، وراود ذهني حينها بيت الجواهري الرائع، وحكمته البالغة في الرصاقي بعد أن استحال إلى تراب (3) :

لغز الحياة وحيرة الألبابِ *** أنْ يستحيل الفكر محض ترابِ

وربطت البيت بقصيدة المعري الشهيرة الخالدة في رثاء أبي حمزة الفقيه (غير مجدٍ..)،خصوصاً البيت التالي، وأنا أسير على أرض مقابر قد دثرت، ثم كسيت:

خفـّفِ الوطء ما أظنُّ أديمَ الأرض ِ إلا من هذه الأجسادِ

خففتُ الوطء، وردّدت مع نفسي: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم رفعت رأسي إلى السماء، كمن لا يريد أن يتجرع هذا المصير المؤلم - في حساباتنا - للإنسان، وعادت بي الذاكرة إلى سنة 1971 م، ووقفت مع مكابرة الجواهري، وهو يرثي عبد الناصر:

أكبرت يومكَ أنْ يكونِ رثاءا *** الخالدون عرفتهم أحياءا

الله أكبر و أكبر على كل حال، والجواهري نفسه لاريب من هؤلاء الخالدين، وله خصوصية مميزة في وجدان العراقيين، ونفوس المثقفين منهم، فهو محل فخرهم، وعنوان أصالتهم،وعنفوان فروسيتهم:

أنا العراق ُلساني قلبهُ ودمي *** فراتهُ وكياني منهُ أشطارُ

وبلا شعورأخرجت ورقة كانت بجيبي، أحتفظ بها للحظات الفكرالخاطفة الهاربه، وسللت القلم الحسام، وهمهمت وحدوت وحسمت الأمر بـ (الكامل)، وبأبيات ارتجالية ثلاثة:

عُمْرٌ يَمُرُّ كَوَمْضَـــةِ الْأحـْـــــلَام ِ *** نَبْضُ الْحَيَاةِ خَدِيْعَة ُ الْأيَّـــــام ِ

هَلْ نَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ عَيْش ٍخَاطِفٍ ***أنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى مَدَى الْأعْوَام ِ

أبَدَاً نَسِيْرُ عَلَى مَخَــاطِر ِ شَفْرَة ٍ *** حَمْرَاءَ تَقْطِرُ مِنْ دَمِ الْآنـَـــــامِ

تم ذهبت إلى شقتي في ضواحي مدينة دمشق الزاهرة، وعملت القهوه، وبتُّ ليلتي، ودخّنتُ عدة سكائر، وواصلت مشوار قصيدتي مستلهما شعر الجواهري، وذكرياتي والأيام، وما في اللاوعي من (أفلام)!، وأكملتها بعد يومين أو ثلاثة، بعد تجوالي في شوارع الشام الفسيحة،وساحاتها الفارهة، وحدائقها الغناء منفردا، فتمّ لي منها اثنان وثمانون بيتا، ودُعيت للحفل التأبيني الذي أقامه المثقفون العراقيون بدمشق في الثاني من شهر آب (1997م)، وكانت القصيدة العمودية الفريدة المشاركة، وشارك فيه كل من الباحث هادي العلوي، والدكتور عبد الحسين شعبان، والكاتب عامر بدر حسون، والشاعر زاهر الجيزاني، وختم الحفل نجل الفقيد الدكتور فلاح الجواهري نيابة عن العائلة الكريمة، وكان عريف الحفل الشاعر جمعة الحلفي،  ونشرتها عدة صحف عربية وعراقية بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، منها(تشرين) السورية، و(الوطن) العراقية الصادرة من دمشق وغيرهما، ثم نشرت في العديد من المواقع الكبرى والرصينة.

نكتفي بهذا القدر الوافي من المدخل للجواهري الشافي .

2 - الجواهري ... على أعتاب ذكرياتي ....

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ  *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً *** وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا

لا أستطيع استيعاب الجواهري بأجمعه، ولا الإلمام بكليته، هذا محال...!!،آلا وهو الجواهري و الجواهري - أنت سيد العارفين - قضى قرناً من الزمان في هذه الحياة، القرن العشرين كلـه - أو كاد - من ألفه إلى يائه، ووضع نيفاً وعشرين ألف بيتٍ من الشعر، وأنا القائل: (عشرون ألفاً صُفّفتْ أبياتها)، ثم ماذا ؟ لا يوجدعندي - الآن في غربتي - مجموعة ديوان الجواهري سوى (ذكرياته)، الجزء الأول، وذكرياتي عنه، ومما قرأت منذ طفولتي المبكرة حتى شيخوختي المتأخرة !!، وأزعم معظم ما كتب عنه وأكثر !! وأيضاً مما حفظت من أشعاره، وهذه الشبكة العنكبوتية جنبي  بغثـّها وغثيثها!، المهم أنني أسير على سواحل محيط الجواهري العملاق، عملاق بمتانة إسلوبه،وقوة بيانه، وحباكة ديباجته، وسمو بلاغته، ووضوح عبارته، وحيوية نبضه، وشدة انفعاله لحظة سكب خوالجه وعوالجه، وبروز ظاهرة (الأنا) الفنية العالية المحببة سيان بتحدياتها الصارخة، أو عند سكب آلامها النائحة في شعره، وشعره غزير الإنتاج حتى أنّه بلغ قمة عالية بين شعراء الأمة على امتداد تاريخ أدبها، فإذا تجاوزنا الشعر الجاهلي الذي دون بعضه القليل بعد قرنين من ظهوره - ولا أقول ولادته ونشأته -، فما - مما وصلنا - في عصري صدر الإسلام والأموي ما يستحق عنده الوقوف للمقارنة نتاجاً بنتاجه، إلا أنّ الفرزدق (ت 114هـ) له حوالي (7235 بيتا)، وجرير (أيضا 114هـ)، وله (5640 بيتا)، فخلفا لنا مجلدات ديوانيهما الرائعين، نعم ! في العصر العباسي ترك لنا أبو نؤاس شعرأ غزيرا (ما يقارب اثني عشر ألف بيت)، بالرغم من قصر الفترة التي عاشها في هذه الحياة، على أغلب ظني بين (142- 200 هـ)، ولا أميل لأي رواية أخرى، وابن الرومي (221 - 283 هـ)، وصلنا شعره سليماً معافياً أقرب إلى التمام، فسبق الأولين والآخرين في كثرة النظم، فبلغ قمة القمم (30515بيتاً)، وهو غزير ممتع أي إمتاع، فالرجل قضى حياته شاعراً شاعراً لحظة لحظة، فما حياته إلا الشعر، وأسرّكم - من السرّ والسرور !! - والكلام بيننا، والحديث شجون، بقى شعره بتمامه، لأن الرجل كشخصية على قد حاله، لم يهتم ولم يبالِ به ولا بشعره أحد، فوصل إلينا أقرب للتمام، والحمد والشكر لرب العالمين على لطفه الخفي !!  و للمقارنة السريعة من بعدُ، ومن بعدِ جاء المتنبي (ت 354هـ)، له (5578 بيتاً)، فالشريف الرضي (ت 406 هـ)، له (13832بيتا)، ومهيار الديلمي (428 هـ)، له (22525 بيتاً)، وأبو العلاء المعري (449 هـ)، وأبيات شعره ما يقارب (13515 بيتاً)، ثم في العصر الحديث، ونأخذ تاريخ الوفاة بالميلادي، للظروف المرحلية، لأحمد شوقي (ت 1932م) حوالي (11336 بيتاً)، وخليل مطران (ت 1949م)، وله (23187 بيتاً، لم ندرج الشعر التالف أو المتلوف، ولا شعرالملحمات الدينية، أو الأرجوزات التعليمية، فالجواهري - مما يتضح على الأغلب - يأتي ضمن الأسماء الخمسة الأوائل في غزارة الإنتاج من بين كل شعراء العرب منذ عصرهم الجاهلي إلى يومهم هذا .

3 - " ذكرياتي " بين يدي ...!!

مسكت الجزء الأول من كتاب (ذكرياتي) لجواهرنا الجواهري، وقلبت ورقتي العنوان فإذا به صدر ذكرياته بمقولة لحكيم صيني تقول:" وُلدوا فتعذّبوا فماتوا "، لابدَ أن هذه الفكرة راودته فترة طويلة، بل تخمرت في ذهنه، وزُرعت في دمه حتى آمن بها قناعة لا تتزعزع، فجعلها الكلمة الأولى لكتابه الموعود، ولكن... جزما، أبعاد المقولة، واتجاهاتها الفكرية، وفلسفتها الحياتية، متابينة في عقلي الرجلين، فالتطابق محال، ومدلولها واسع على أية حال، وله أن يحلل أبعادها كما يشاء، و(ابن الرومي) (ت 283هـ / 896م)، قد سبق الرجلين بما ذهبا إليه:

لِما تؤذن الدنيا به من صروفها ****يكون بكاء الطفل ِساعـة ّ يولدُ

وإلا فما يبكيـــــــه منها وإنـّها **** لأفسحُ مما كــــــان فيهِ وأرغدُ

إذا أبصر الدنيا أستهلَّ كأنّـــهُ******بما سوف يلقى من أذاها يهدّدُ

وللنفسِ أحوالٌ تظلّ كأنـّــــها ***** تشاهدُ فيها كلَّ غيبٍ سيشــــهدُ

المهم وُلدوا نعم وُلدوا، وإنما الولادة هل هي قدر محتوم، مقيدة في سجل معلوم، أم عقبى ملاقحة عابرة لمصادفة غابرة ؟، فالرجلان تركا لغز وجود نائب الفاعل في المبني للمجهول لتعليل العقول، والعقول حقول !، وعلى العموم، الحياة لم تعطِ عهدا للحكيم الصيني ولاللشاعرالعربي، ولا لغيرهما، كيف ستكون، ولا تبالي بأحدٍ كي تقول له: ممنون !! سُعد أم تعذب، والمسألة فيها نظر، فالحياة لذة وألم، صحة وسقم، رخاء وعدم .وصاحبنا هو الأدرى بذلك، ففي قصيدته (سجين قبرص)، يطل علينا بقوله:

هي الحياة ُ بإحلاءٍ وإمرار ِ*** تمضي شعاعاً كزند القادح ِ الواري

أمّا في حكمته الصينية، فواضح لي ولك، ما أراد من المفرادات الثلاث إلا (فتعذبوا)، لماذا ؟ لأنه - بغريزته الفنية - رام ما لا يُستطاع إليه سبيلاً، جمع النقيضين اللذة والثورة، الحنان والرفق بالخاصة، والحقد والألم من أجل العامة، وطلب من زمنه - كمتنبيه - " ما ليس يبلغه من نفسه الزمن"، فوقع في صراع الأضداد، وطغى على شعره التشاؤم، والكآبة، وعدم الرضا، والتبرم:

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ  *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً ***وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا

ومنذ ثورة النجف على الأنكليز (1917م)، وحصارها الشهير - وثورة العشرين من بعدها -، وكان حينها شاباً يافعاً، ارتسمت في ذهنه صورة لا تـُمحى، تخيلها شاخصة بعين الآخر، وعكسها إلينا من فوران دمه الذي لم يبرّده غليله، ولو بعد عشر سنوات منها، اقرأ معي ما يقوله في قصيدته (الدم يتكلم):

لو سألنا تلك الدمــــــاءَ لقالت ** وهي تغلي حماسة ً واندفاعــا

ملأ اللهُ دوركم من خيـــــــالي *** شبحاً مرعباً يهزُّ النخــــــاعا

وغدوتم لهول ما يعتريـــــــكم *** تنكرون الأبصار والأسمـاعا

تحسبون الورى عقاربَ خضراً ** وترون الدروب ملآى ضباعا

والليالي كلحاءَ لا نجمَ فيـــــها *** وتمرُّ الأيـــــام سوداً سراعا

هل هذه الرؤية المتشائمة،هي رؤية الإنسان الجلاد المرتعب الخائف للإنسان الثائرالمنتفض المستشهد - والعكس صحيح في معادلة صراع الحياة - أم نظرة الجواهري السوداوية المستديمة المتأملة والمتألمة للحياة كلّها على طول الخط ؟ القضية تطول، وما انا بدارس، ولا باحث في حياة الجواهري، وشاعريته وشعره، وإنما نظرات عابرة على أعتاب (ذكرياته)، وأعني عدّة أوراق، سبقت فصوله المفصلة، مهما يكن من أمر، ما تنتظر منه أن يرى الدنيا بعد مصرع أخيه جعفر في معركة الجسر (27 كانون الثاني 1948م)، غير ما ذكره عنها موريا بكلمة (جسر ٍ) من النكد في (تنويمته للجياع)، التي نظمها بعد ثلاث سنوات (آذار 1951م) من الحدث الجلل ؟:

نامي فما الدنيا سوى *** "جسر ٍ" على نكدٍ مقامِ

و أترك إليك محيط الجواهري لتغوص فيه مراراً وتكراراً، لقد خلفنا الموت خلفنا ناسين أو متناسين، والموت حقٌّ لا ينسانا، قدم إليهما، فاستقبلاه مرغمين طائعين، أو كما يقول جواهرينا :

وأنَّ الحياةّ حصيدُ الممات *** وأنَّ الشروقَ أخو المغربِ !

وقفا الرجلان عنده حيث وقف العقل المحسوس المحدود من قبل، وكان يعنيان شأن الحياة الدنيا، وما عساهما أن يفعلا غير ما فعلا، الجواهري - ولا أدري بالآخر - بطبيعة الحال يكثرمن ذكر الله في شعره، وتـُعدُّ قصيدته عن الإمام الحسين (ع) من أروع الشعر العربي، والرجل ليس بحاجة إلى شهاداتنا، ولا يحفل بها، فلماذا الإطالة ؟!! الآن صرخ في أذني ببيتين من الشعر، هازّاً بيديه مستهزئاً !:

دعِ الدهر يذهبْ على رسلهِ***وسرْ أنتَ وحدكَ في مذهبِ

ولا تحتفـــلْ بكتاباتـــــــــهِ *** أردْ أنتَ مـا تشتهى يُكتبِ !

ثم أردفني هامساً مع نفسه ببيت قاله في ثمانياته (نيسان 1986م)، ومضى إلى رحمة ربّه:

اللهمَّ عفوكَ إننّي برمٌ *** ولقد يُدسُّ الظلمُ في البرم ِ

إذاً رجاء اقلبْ ورقة الحكمة، واقرأ الإهداء الذي كتبه الشاعر بخط ّ يده اعتزازاً وتقديراً واهتماماً وحبّاً: " أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة إلى كلِّ مَن ودعّني من أهل بيتي وإلى كلِّ مَن اقام " .

وضعت لك خطـّاً تحت الجملة التي أروم التأمل فيها (بين هم والحياة)، فالشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم، بل حتى الكآبة المرسومة على تقاطيع وجهه، هو رقيق الطبع جداً، كشاعر مرهف الحسِّ، يفيض قلبه بالحنان والحب ِّ، والعاطفة الصادقة:

جربيني منْ قبل ِأنْ تزدريني *** وإذا ما ذممتني فاهجـريني

ويقيناً ستندمين علــــــى أنّكِ *** منْ قبلُ كنتِ لــمْ تعـرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *** وتقـــاطيعهِ جميعَ شــؤوني

أنا لي في الحياةِ طبـعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزينِ

ومن الطبيعي أنْ يكون أهله الأقربون أقرب إليهِ من حيث معاملتهم بالرّقة واللطف والحب، فهم الأغلون، ففكرة (الإهداء) مختزنة في وعيه لأهله، ووردت في مقدمة ديوانه المطبوع عام (1961م)، حين كتب قائلاً: " إلى قطع متناثرة من نفسي هنا وهناك ...أهدي ديواناً، هو خير ما أهديته في حياتي كلـّها، وقد لا أقدر أن أهدي إليهم شيئاً بعده "، و (صيغة الإهداء) - أيضاً - ليست بجديدة على ذهنه، وكان قد ضمنها في قصيدته (بريد الغربة)، التي نظمها (1965م)، وأرسلها إلى أهله في العراق:

ويا أحبابـــي الأغليـــن***منْ قطعوا ومَن وصلوا

ومن هم نخبةُ اللــذات***عندي حيـــــــن تنتخلُ

هُمُ إذْ كلُّ من صــافيت *** مدخــولٌ ومُنتـــــــحَلُ

سلامٌ كلـّــــــــــهُ قبـــلُ ***كأنَّ صميمــــــها شغلُ

وشوقٌ من غريبِ الدارِ***أعيــتْ دونـهُ السّـــــبلُ

ولهذه الإشكالية المعقدة بين الخاص والعام، وأعني بين خصوصياته العائلية الأصيلة والمتينة بروابط حبها الجارف من جهته على الأكثر، وعلاقاته الإجتماعية المتميزة و المتماسكة لمنزلته الأدبية الرفيعة، وبين المهمات الصعبة الملقاة على عاتقه عرفاً وطبعاَ لإثارة العقل الجمعي الواعي ... كم يجب تقدير وتثمين مواقفه الجريئة، وتضحياته الكبيرة إبان شرخ شبابه، ونضج كهولته، ولكن في شيخوخته - من سنة 1972م - أُثيرَ موضوع صمته واغترابه، لأغراض عديدة، ودوافع متعددة، اغتاض منها فردَ عليها - والشاعر ليس بكاتم غيض - متحاملاً على من تحامل، ومعللاً بتخريجات عامة على من تساءل، والعجيب أن ردوده تحمل في طيّاتها الانتقادات الواضحة والمباشرة، للمواقف المتخاذلة دون ذكر الأسماء، وينتقد ! وتعجبني من ردوده (1977م) هذه الأبيات الرائعة :

قالوا سكتَّ وأنت أفظعَ ملهـبٍ *** وعي الجمــوع ِ لزندها، قـدّاح ِ

فعلامَ أبدل وكـــرَ نسر ٍجامـح ٍ*** حردٍ بعشِّ البلبــلِ الصـــــدّاح ِ

فأجبتهم:أنا ذاك حيثُ تشابكتْ ***هامُ الفوارس تحتَ غابِ جناحيِ

لكنْ وجدتُ سلاحهمْ في عطلةٍ ****فرميتُ في قعرِ الجحيم ِ سلاحي

وقد يعذر من يعذل، ومن التفتَ وحلـّل بواطن (أعز علي من صفو الحياة)، يدرك أنه - إبان الحروب العبثية والمجانية - كان يخشى على المتعلقين به، والمخصوصين لديه من أفراد أسرته، داخل العراق وخارجه، بل حتى على نفسه، من سطوة نظام لا يعرف للرحمة معنىً، وشيخنا لم يرَ من حقـّه أن يتجاوز الخطوط الحمراء لأرواح ومصائر غيره، وبلا ثمن، ثم ما جدوى التهليل لهذا أو ذاك من المتحاربين أوالمتصارعين، قال الأبيات التالية - وفيها إشارة إلى أبنائه - من قصيدة ساخطة على الأوضاع، داعية للوحدة الوطنية ولمِّ الشمل على سبيل مقارعة الظلم والإرهاب، وجهها إلى صديقه السيد جلال الطالباني في (10/12/ 1980 م)، أي بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية بثلاثة أشهر، إثر رسالة من الأخير إليه، يحرضه فيها على التغني بالنضال:

يا صاحبي - ويموت المؤمنون غداً - ***وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ

حتـّى كأنّي - وأشبـــالي - بعيدهـــــمُ *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ

وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثـــــــن  ** ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ

فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ولنْ أنوحَ علــــــــى موتى بلا ثمنِ

والبيت الأخير واضح ومبين، فلا تضحية بلا ثمن ثمين، يعود مردوده للشعب والملايين، هذا رأيه، وربما لك رأي، لا أطيل عليك، والإطالة إفادة،إذا كان الوقت لديك يتسع، فالحديث عن الجواهري ممتع، رويدك - يا صاحبي - ما بقى لديَّ في هذه الحلقة إلا قصيدته (برئت من الزحوف)، نظمها الشيخ المشرف على التسعين في حزيران براغ سنة (1985م)، إذ صكَّ سمعه أخبار منتقديه، بل شاتميه، لموقفه الصامت من الحرب الرعناء، وتعالت حواليه الأصوات المنتمية من هذا وذاك، وهاجت عليه الأقلام المسيسة من هنا وهناك، وهرعت إليه سائلة عن سرِّ سكوته على هؤلاء وأؤلئك، فأجابها بإنسياب قافية شجية:

وســــائلةٍ أأنتَ تـُـسبُّ جهراً ** ألسـتَ محجَّ شبان ٍوشيــبِ؟

ألستَ خليفة َالأدبِ المصفـّى ** ألسـتَ منارةَ البلدِ السّليب!؟

أيسرحُ شاتموكَ بــلا حسيبٍ **وتسمعُ من هناكَ بلا نسيبِ!

أقولُ لهـــــا ألا أكفيكِ عبئـاً  ** ألا أ يكِ بالعجبِ العجيــبِ!؟

لقدْ هجتِ اللواعجَ كامنــاتٍ ***وقدْ نغـّرتِ بالجرحِ الرغيبِ

برئتُ من الزحوفِ وإنْ تلاقت **تسدُّ عليَّ منعطفَ الـدروبِ

زحوفُ "الرافدين"فقدْ تهزّتْ **بهنَّ مزاحـفُ البلــدِ الغريبِ

برئتُ من الزحوفِ بدونِ حول*سوى قـُبُلِ الحبيبِ على الحبيبِ

لتسلمهُ إلى وبش ٍخسيس ٍ****ومرتكبٍ ومشـــــبوهٍ مــريبِ

إلى صُحفٍ تسفُّ بلا ضميرٍ** سوى ما دُسَّ منها في الجيوبِ

برئتُ من الزحوفِ مجعجعاتٍ ***تخلـّفُ سكتة ّالموتِ الرهيبِ

مباحٌ عندهنَّ دمـي لذئـــبٍ *** ولا أسدٌ يبيـــحُ دمـــــــاً لذيبِ

وأُنبَذ ُ بالعــراءِ بلا نصير ٍ***** نبيل ٍأو أديـــبٍ أو أريـــــــبِ

بيت القصيد المفيد ما قبل الآخير، وخلاصة القول " ولا أسدٌ يبيحُ دماً لذيب ِ"، هل اقتنعت يا قارئي الكريم، أم أنّك تهزُّ رأسك حائراً بين الرفض والقبول، لك ولي ما نقول، وله: أعزُّ عليَّ من صفو الحياة !! وإلى الملتقى، فالموضوع ما انتهى سبيلا....وكفى بالله وكيلا!

4 - الجواهري بـ "ذكرياتي" بين إجابة قلبه وزبد صدره...!

أجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

ودّعتك على أمل اللقاء بك وعداَ، ووعد الحرِّ دينً عليه، سأواصل المسيرة، وهذا مشوار العمر أخيره، ولو أن العين ضريرة، لكن الذاكرة بصيرة، ليست هذه بشكوى، وإنّما هو التّحدي لأي نائبة من نوائب الدهر صغيرة كانت أم كبيرة، ولعن الله كلّ من باع ضميره!!!

هذا " ذكرياتي" بين يدي، قلبت ورقة الإهداء، فإذا بصورة الجواهري إبان مطلع شبابه تصافح عيني، بجبته وعباءته ونحافته وعمّته، واقفاَ باعتدال قامته الشامخة، سابلاّ يده اليمنى على كرسي بجواره، وواضعا يده اليسرى عليها، لا تبدو على ملامحه نظرات التحدي، وتعبيرات التصدي، وإن كان في شعره غيره في صورته، مما يعطيك انطباعاً، أن الرجل في الأصل طبعه الهدوء والسكينه والوداعة والألفة الطيبة، والعلاقة الحميمة، وما الثورة والتمرد والهيجان إلا حالات عابرة تنتابه بين حين و آخر، إثر موقف جماهيري، وصدمة قوية، أو عقبى انفعال شديد وحادث جلل، وغالبا ما يسكبها شعرا مبدعا،أو يكتبها نثرا رائعا، وعندما يأتيه الإلهام الشعري " أشبه إلى الوحي" فيضاً، ينعزل منفردا، ويغضب على من يأتيه قاطعا، حتى أنّ أروع قصائده (يا دجلة الخير) نظمها في ليلة براغية واحدة !! .

وقبل أنْ أقلب ورقة الصورة المعممة، تأملت قليلا متسائلا عن سرِّ اختيار هذه الصورة من بين آلآف الصور التي أخذت له كشخصية شهيرة، طيلة عمره المديد، ألم يقل ذات يوم بحقها ؟!:

قال لي صاحبي الظريف وفي الكفّ ***ارتعاشٌ وفي اللسان انحبــاسه:

أين غــــادرتَ "عمّة ً" واحتفاظــــاً ***قلت: إنّي طرحتها في الكناسه

عضضت على شفتي، وقلت ربما الأمر عابر، وورد على باله خاطر، لا بأس الصورة معبّرة و عابرة، وله ما يشتهي ويتشهّى، غلقت الكتاب، فوقع نظري على غلافه الأخير، فإذا بصورة ثانية للجواهري المعمم تحتله كاملاً، وهذه المرّة واضعا نظارته على عينيه، واقفا بشموخه المعتاد، ويبدو أكثر هيبة ووقارا، وأكبر عمرا، قلت مع نفسي لآتصفح الكتاب، فوجدت صورة ثالثة على الصفحة 173 تشغل حيزها تماما، إذاً الأمر مقصود لرغبة نفسية جامحة عارمة، تنطلق من اللاوعي المكبوت، وربما يدعمها وعيه بحدود، ولا اعرف بالتأكيد ما كان يدور في مخيلته إبان طفولته المبكرة، إذْ تتراكم العقد في العقل الباطن للإنسان، فهل كانت العمامة لديه ترمزالى وقار أبيه، أو علم جده صاحب الجواهر،أو جذور عائلته، أم انّها تمثل عمائم عمالقة الشعر، عمامة المتنبي العظيم، وعمامة العبقري الخالد ابن الرومي،وعمامة أبي العلاء الشاعر الفيلسوف العتيد؟ ولم أذكر عمامة الشاعر الشاعر الفنان المبدع البحتري، لعلمي أنّ الجواهري يعشق شعر الأخير، لريشته الفذة، وزجالته الرائعة، ويكره شخصيته لإنتهازيته الفجة، المهم لا يهمني كثيرا ما قال، أو ما لم يقل الجواهري بهذا الشأن ! فانا لا أعيد " ذكرياته"، وإنّما أسجل انطباعاتي على أعتابها، ولكن بالتأكيد هذا التغيير في لباسه، سيان لعمامته بطاقيته، أوغترته - الوشاح الأبيض الطويل الذي ارتداه إبان فترة سجنه - أم لعباءته و جبته بطاقمه ورباط عنقه ... لا يعبرعن دهاءٍ سياسيٍّ، ولا عن نفاق ٍ اجتماعيٍّ، ولا هم يحزنون، لأن ببساطة القول الشاعر العملاق لم يخلق لهذه الأشياء، فهو أكبر منها، وأعرف بها، والبيتان اللذان قالهما في مدح الملك فيصل الأول، ليشير فيهما إلى حسن تمرسه في السياسة، و ألمعيته في الدهاء - وهما يحملان الضدين المدح والقدح - لا ينطبقان على الجواهري نفسه، بأي شكل من الأشكال، أو حال من الأحوال، اقرأ معي وتمعن !:

لبّاس أطوار ٍيرى لتقلب الأيّــــــــام ِ مُدّخراً سقاط ثيابِ

يبدو بجلبابٍ فإن لم ترضْه **ينزعْهُ منسلاً إلى جلبـابٍ!!

لم تفتني الأبعاد المجازية، والصيغ البلاغية للبيتين، كما تتوهم، بل ألعب اللعبة نفسها، رجاء تابع معي، الرجل خلع عمامته، لا كرهاً لها، ولا سخطاً عليها، ولا تخلصا منها، وله أن يطرح صورتها المزيفة في الكناسة بجلسة عبثية، وإنـّما ابتعادا عنها، نشداناً لحريته، وتكيفاً لبيئته، واحتراماً لخلفيته،وإلا فهي مخبؤة في دمه، مزروعة في وجدانه، فاعادها إلى مقامها، وارجعها إلى هيبتها، متباهيا بها، فهي الشعر وإصالته، والتاريخ ومهابته، والكلام وبلاغته، هذا ما تقوله لي أعتاب " ذكرياتي"، وإنْ خُفيت الأمور على الجمهور:

أجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

الآن قلبت ورقة الصورة،ووصلت إلى ورقة تحمل عنوان (المقدمة)، والبيتين الموجعين:

أزحْ عن صدركَ الزّبدا ***ودعهُ يبثُّ ما وجدا

وخلِّ حطـــــامَ مَوْجدةٍ *** تناثرُ فوقــــهُ قصَدا

البيتان من قصيدة ما بعدها قصيدة في الروعة !! فإنْ كانت (يادجلة الخير) رمزالحنين والشوق ومناجاة الأوطان، و(أخي جعفر) عنواناً لجرح الشهيد، ودم الثائر ...، أمّا هذه فهي منتهى صدق ما تبثُّه النفس البشرية من مكنونات أليمة مكبوتة، تقطع نياط القلب، بجرأة متناهية في عصر ٍلا يرحم ! قال عنها الجواهري نفسه هنا (الجواهري ينتصر للجواهري) ! وكتب إلى مجلة الديار اللبنانية، التي نشرتها في عددها المؤرخ (15 - 21 أذار 1976)، قائلا: " آخر ما لدي، ومن أعزُّ قصائدي إلي "، حصل من خلالها الشاعر على جائزة (اللوتس) العالمية لسنة 1975م، فاقامت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف حفلاً تكريميا له بالمناسبة، وذلك مساء الخميس (2 / 11 /1975م) في قاعة الاجتماعات التكريمية، وألقى الشاعر قسماً منها، فعدد أبياتها (124) بيتاً، فإليك عدّة أبيات ونعقب:

ولا تحفلْ فشــقشـــــقة ٌ**مشتْ لكَ أنْ تجيش غدا

ولا تكبتْ فمِــــن حقبٍ *** ذممتَ الصبرَ والجــلدا

أأنتَ تخافُ مـــن أحدٍ *** أأنــــــــتَ مصانعٌ أحدا

أتخشى الناسَ أشجعهمْ ***يخافك مغضبـــــاً حردا

ولا يعلــــــوكَ خيرهمُ *** ولستَ بخيـــــرهمْ أبــدا

ويدنو مطمحٌ عجـــبٌ *** فتطلبُ مطمحا بَـــــــعدا

ويدنو حيثُ ضقتَ يداً ** وضعتَ سدىً وفاتَ مدى

أفالآنَ المنى منــــــحٌ *** وكانتْ رغـــــــوة ً زبدا؟

وهبكَ أردتَ عودتــها ***وهبكَ جُهــــدتَ أن تجـدا

فلستَ بواجدٍ أبـــــــداً ***على السبعين مــــــا فقدا

صفق الجمهور هنا كثيرا، ودعوا له بطول العمر، أريدُ منك أنْ تتساأَل معي، وتساعدني على الإجابة، لماذا كان يكبت الجواهري، ويصبر حتى ذمم صبره والتجلدا؟! وممنْ كان يخاف شيخنا فيصانعه حتى سكب لوعته مستنكراً حرداً على نفسه؟! ومن هو أشجع الناس الذي كان يخاف الجواهري إذا غضب؟! ومن هو خيرهم الذي لا يعلو شاعرنا منزلة ؟!!

والقصيدة طويلة، ولا أريد أن يغلب شعرُهُ مقالتي، وينجرف القارىء الكريم معها، ويتركني منفردا، وينسى في غمرة النشوة لذة الفكرة ! ديوانه متوفر وافر، والقصيدة من مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن   مفاعلتن مفاعلتن)، عروضتها صحيحة، وضربها مماثل لها، ويعتري أبياتها جوازات الوافر، ومعظمها من زحاف القضب، وهو حسن، تتحول فيه (مفاعلـَتن) الى (مفاعلـْتن)، بإسكان الخامس، فتصبح التفعيلة (مفاعيلن)، واختار الجواهري، أو انطلق - على الأصح - من اللاوعي، هذا - أو من هذا - البحر السريع المتلاحق - يأتي في المرتبة الثانية بعد الكامل في سرعته - لبث همومه المتراكمة كسيل جارف للأحقاد و الإعلام الزائف، وما ألف إطلاق قافيتها الاّ دليل الشموخ والانطلاق للمارد العملاق !

أزحْ عن صدركَ الزّبدا***وهلهلْ صادحاً غردا

وخلِّ البـــومَ ناعبــــة ً ** تقيء الحقدَ والحسدا

بمجتمــع ٍ تثيرُ بـــــهِ *** ذئابُ الغابـــةِ الأسدا

بهمْ عــــــوزٌ إلى مددٍ ***وأنتَ تريدها مــــددا

كفى من القصيدة مددا، وبعد انتهاء الحفل العائلي النجفي، والتكريم المعنوي، وكعادة أهله الأصيلة، ورفقته العريقة، دهدى بيتين من الشعر، كأنهما عند سامعيه جوهرتان من الدرّ:

مقــــامي بينكمْ شكرُ **ويومي عندكمْ عمرُ

سيصلحُ فيكمُ الشـّعرُ** إذا لـم يصلح ِالعذرُ

ونحن نعتذرإليك،ونرجو أن يصلح الأمر، ففي الإطالة مللٌ، وفي الترقب أملٌ، والجواهري لا يمُلُّ، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ...

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرحيم النجفي، ولد في النجف الأشرف بحدود 1192هـ / 1778م (تختلف الروايات في سنة ولادته)، وتوفي فيها سنة 1266 هـ / 1850م، ودفن في مقبرتهم الشهيرة قرب الصحن الحيدري الشريف، تزعم الحوزة، وكان المرجع الأعلى للطائفة الامامية في جميع أنحاء العالم، اشتهر بموسوعته الفقهية الاستدلالية (جواهر الكلام)، أنجب من الذكور ثمانية، كلهم خلفوا إلا الشيخ حسين، إذ توفي شابا قبل الزواج، والعائلة الجواهرية ترجع بكنيتها، ومجدها وشهرتها إليه.

(2) هنالك روايات تجعل ولادته في 17 ربيع الأول سنة 1317 ه ـ لذلك عزفت عن ذكر الشهر واليوم لعدم تيقني تماما من صحتهما.

(3) توفي الرصافي 1945م، وقال الجواهري بيته في ذكرى الرصافي 1959م .

 

محمد فتحي عبدالعالتقديم: تعد رواية أولاد حارتنا من الروايات الابرز تأثيرا في الأدب المعاصر والأكثر تطرفًا واثارة لحفيظة الأوساط الدينية في مصر والعالم العربي وقد قام بتأليفها  الكاتب المصري نجيب محفوظ وتعد الرواية عاملا أساسيا في وصوله للعالمية وحصوله علي جائزة نوبل للآداب عام 1988م، كأول مصري وعربي يحصل علي الجائزة وفي المقابل كانت سببا رئيسا لمحاولة اغتياله عام 1995.

الحكمة من الرواية بحسب المؤلف:

بعد ثورة يوليو عام 1952 توهم الكثيرون أن الأمور سوف تسير نحو التحول الي الحياة الاجتماعية العادلة الا أنه وبمضي الوقت اكتشفوا أن أصنام العهد الملكي التي هدمت حلت محلها اصناما جديدة وأن الأبواق الإعلامية التي سبحت بحمد الأصنام الهالكة هي ذاتها التي تصنع الأصنام الجديدة وتبارك عبادتها وأن لا شيء من حياة الناس قد تغير. حاول نجيب محفوظ عبر استحضار قصص الأنبياء أن يضع نصاب قادة يوليو 1952 حاجة المجتمع الماسة إلى تحقيق العدل ونبذ الظلم وهي القيم التي نشدها الأنبياء في رسالاتهم. غير أنه استخدم طريقة غير مألوفة فقد نزع عن هذا القصص الديني لباسها المقدس وأوجه الاعجاز فيها مسقطا إياها علي الواقع وبدت القوالب الواقعية شديدة السذاجة كما هو الحال في تحويل النبي موسی صاحب معجزة العصا الي جبل الحاوي والنبي عيسى الذي يبريء الاكمة والابرص الي رفاعة طارد العفاريت ! عبر محفوظ عن ذلك بقوله: "فقصة الأنبياء هي الإطار الفني ولكن القصد هو نقد الثورة والنظام الإجتماعي الذي كان قائما." ولأن الأمور بخواتيمها فهل وصلت الرسالة لقادة يوليو والاجابة: بالطبع لا.. فلم يفهم أحد أن للقصة طابعا سياسيا قبل تصريح الكاتب بذلك والدليل أن الرئيس جمال عبد الناصر والمعروف بصرامته مع المعارضة وجه رئيس تحرير صحيفة الأهرام آنذاك محمد حسنين هيكل بالاستمرار في نشرها الأول عام 1959علي الرغم من اعتراض الأزهر مع سرعة الانتهاء من نشر حلقاتها لتكون يومية بدلا من أسبوعية .

شخصيات الرواية:

تتضمن الرواية خمس قصص: الأولى: أدهم والثانية: جبل والثالثة: رفاعة والرابعة: قاسم والخامسة: عرفة.وقد استطاع محفوظ أن يختار للأنبياء أسماء مبطنة قريبة من إسم كل نبي ولصيقة بالواقع فأدهم هو أدم وجبل هو موسی ورفاعة هو عيسی وقاسم هو محمد أما إدريس فيمثل إبليس، وقدري هو قابيل، وهمام هو هابيل وشافعي وعبدة يوسف النجار ومريم أما عرفة فيرمز للعلم المادي الحديث .

قصص الرواية في ايجاز:

القصة الاولي أدهم: وتبدأ القصة بشخص يدعى الجبلاوي وهو المستمر معنا طوال الرواية علي الرغم من تباعد الأزمنة وكان كثير الحريم يقطن في بيته الكبير ذو الحديقة الغناء وله وكالة كبيرة، ولديه أبناء عدة أكبرهم إدريس ولكن الجبلاوي يفضل أدهم ابن الجارية السوداء على بقيَّة أشقائه لعلمه بأسماء المستأجرين واجادته الكتابة والحساب ، وهو ما قبله عباس وجليل ورضوان علي مضض ورفضه ابنه إدريس؛ فيطرده الأب من البيت الكبير إلى الأبد ، فيحاول الإنتقام عبر إفساد العلاقة بين أدهم وأبيه واغوائه بالوصول إلى كتاب الجبلاوي المتضمن الميراث حتي يطمئن إدريس إن كان له نصيب فى الميراث أم لا ؟ فتزين أميمة لزوجها أدهم خوض هذه المغامرة والوصول الي المجلد حتي يعلما نصيبهما أيضا من الميراث فيكتشف الجبلاوي ذلك فيطرد أدهم وزوجه من البيت إلی الخلاء .رزق أدهم من أميمة بقدري وهمام ثم ينشب الخلاف بين الأخوين مع دعوة الجبلاوي عبرالبواب كريم لهمام ليعيش مع جده في البيت ويبدأ حياة جديدة هناك فتتملك الغيرة من قلب قدري فيقذف أخيه همام بالحجر ويقتله ثم يدفنه.

القصة الثانية جبل:وتتناول القصة الصراع بين آل حمدان أفقر الناس وأكثرهم تعرضا للتنكيل والهوان والناظر الافندي حول احقيتهم في وقف الجبلاوي ثم يطل علي الأحداث جبل والذي تتبناه هدی هانم العقيم زوجة الناظر بعد أن رأته في حفرة مملؤة بمياه الامطار ، ثم يتعلم مباديء القراءة والكتابة، وحين يبلغ أشده يعينه الأفندي علي إدارة الوقف.ثم تتسارع الأحداث بفرار جبل الي سفح المقطم بعدما أجهز علي (قدره) احد فتوات الناظر لينقذ (دعبس) احد آل حمدان الذي كان علي موعد مع الهلاك بنبوت قدره الغليظ وفي سوق المقطم يجد جبل كشك حنفية مياه عمومية، يتزاحم حولها الناس ليملئوا أوعيتهم بالماء فيجد فتاتين (شفيقة وسيدة) منعهما الحياء من مزاحمة الناس فملأ لهما الماء. ثم كان استدعاء أبوهما المسن "البلقيطي" مروض الحيات له حيث يزوجه أحدي ابنتيه ويعلمه مهنة الحواة، فكان يخفي بيضة في جيب ويخرجها من جيب آخر، ويتعامل مع الحيات والثعابين ثم يرقّص الحيّة. ويذهب جبل إلى الناظر - بعد أن قابَل الجبلاوي وأمَرَه بذلك - مطالبًا بحقِّ آل حمدان في الوقف فيرفض ثم يلي ذلك أحداث عظام تقع في الحارة فتغزو الثعابين البيوت حتي وصلت بيت الناظر وارعبت الهانم فطلب من جبل أن يطهر الحارة من الثعابين في مقابل إحترام كرامة آل حمدان وإعطاءهم حقهم في الوقف. لكن الناظر يحنث وعده لجبل بعد أن انجز مهمته لتحدث مواجهة بين الطرفين وتنتهي القصة بعودة الحق لآل حمدان .

القصة الثالثة رفاعة: حيث زنفل الطاغية قاتل الاطفال ينزل بآل جبل أشد ألوان العذاب مما يضطر شافعى النجار وزوجته الحامل (عبدة) إلی الفرار ثم العودة مرة اخري إلى الحارة بعد أن هدأت الاحوال وبصحبتهما ابنهما رفاعة ..كان رفاعة شغوفا بالقصص التي يرويها الشاعر جواد بقهوة جبل عن الجبلاوى وأبنائه وهذا ما صرفه عن التركيز في مهنة أبيه في النجارة وكان رفاعة كثير التردد علي زوجة الشاعر (أم بخاطرها) التي كانت تجيد ترويض العفاريت بالزار والبخور السوداني والتعاويذ الحبشية والاغاني السلطانية ليتعلم منها فشعر أن هذا هو العلم الذى يحقق السعادة الحقيقة ويعالج الشرور ثم جاءه  أمر جده الجبلاوي(فالإبن الحبيب من يعمل !!) علي عودة العدل إلى الحارة ، يتزوج رفاعة من البغي ياسمين انقاذا لها إلا أنه كان زاهدا في الزواج فتستغل غيابه في تطبيب الناس عبر طرد العفاريت وتخونه ياسمين مع بيومي الفتوه والذي يتآمر مع الفتوات علي قتل رفاعة فلمَّا عرف رفاعة بعزمهم هرب مع أصدقائه الأربعة الذين كان قد اصطفاهم بعد توبتهم (زكى الصعلوك وحسين الحشاش وعلى البلطجى وكريم القواد) ، الا أن الفتوَّات ظفروا به بمساعدة ياسمين وقتلوه ثم دفنوه ويستخرج أصدقاؤه جثته من المكان الذى دفنها فيه الفتوات ليدفنوها فى إحدى المقابر ثم يقتلون ياسمين لخيانتها إلا أن أهل الحارة سري بينهم أن الجبلاوي رفع جثَّة رفاعة ودفنها في حديقته ، ثم بالَغُوا في تقديس والديه ومنهم من امتنع عن الزواج اتباعا لسيرته.

القصة الرابعة قاسم: نأتي لقاسم الطفل يتيم الأبوين الذي تربي في كنف عمِّه زكريا بائع البطاطا من حي الجرابيع والذي يذهب به إلى يحيى العجوز بائع الأحجبة والبخور والمسابح وتتوطد العلاقة بينهما ، ومع عمل قاسم في رعي الغنم حُبِّب إليه الخلاء والهواء النقي وحب النساء ثم يحدث الزواج بين قاسم والسيدة (قمر) التي يرعي غنمها والتي تكبره بسنوات وفي أحدی الليالي ينتاب القلق قمر علي زوجها فترسل في طلب عمه زكريا وابن عمه حسن وصديقه صادق للبحث عنه فيجدوه مغشيا عليه ولما أفاق أخبر قمر أن أحد خدم الجبلاوي ويدعي قنديل قد أخبره بأمر الجبلاوي له بالتصدی لظلم الفتوات وبعد قمر يخبر صديقه صادق وابن عمه حسن ، وعمه زكريا يحاول إثنائه خشية بطش الفتوات ومع اضطهاد أتباع قاسم وموت قمر يقرر قاسم الهجرة بعيدا عن الحارة وتصله الأخبار بأنهم يتآمرون لقتله فيهرب عبر الأسطح المجاورة تاركا مصباحه مشتعلا في شقته لتضليل المتآمرين ويقابله أتباعه المهاجرين ممن سبقوه فى جبل المقطم بالغناء ونشيد (يا محنى ديل العصفورة) ثم يتزوج ببدرية الفتاة الصغيرة أخت صديقه صادق وبعد أن نمت قوة أتباع قاسم فيهجمون على زفة سوارس فتوة الحارة وتدور معركة بالشوم والنبابيت تنتهى بانتصار قاسم وأصحابه فيقرر الفتوات الثأر فيزحفوا على الجبل حيث قاسم وأتباعه ويفاجئهم لهيطة الفتوة الكبير من الجنوب وتدور معركة عنيفة يقتل فيها لهيطة .ثم يحاول رفعت ناظر الوقف أن يستأصل شأفة قاسم وأتباعه عبر استدعاء جلطة وحجاج الفتوتين لإحكام القبضة علي قاسم وأتباعه في الجبل وليطمئن أن لا خلاف بينهما فيمن يصبح كبيرا للفتوات خلفا للهيطة ؟.لكن يقتل حجاج غيلة ويدب الشقاق بين جلطة وأنصار حجاج المغدور ويحاول ناظر الوقف الحيلولة دون اندلاع القتال بين المعسكرين موضحا أنها مكيدة من قاسم لبث الفرقة  ولكن نصح الناظر يذهب ادراج الرياح ويتقدم قاسم ورجاله إلي بيت الناظر والذي فر من توه ويقف قاسم أمام البيت الكبير خطيبا قائلا: (هنا يقيم الجبلاوي جدنا جميعا لا تمييز في الإنتساب إليه بين حي وحي أو فرد وفرد) ثم وزع ريع الوقف على الجميع بالقسطاس فرأى فيه الجرابيع نموذجا فريدا لم يعرفوه من قبل ثم تعددت زيجاته ليربط نفسه بأهل الحارة جميعًا ثم مات قاسم فخلفه (صادق)على النظارة متبعا سيرته، ثم دب الخلاف بين القوم حينما رأوا أن (حسنًا) أحق بالنظارة لقرابته من قاسم، ليعود الجرابيع بعد موت صادق للتناحر وتمنَّى الناس لو عادت أيام قاسم وصادق مرَّة أخرى. القصة الخامسة: حيث عرفة الغريب والذي يتخذ من بدروم في الحارة معملاً فكان هو وأخيه حنش يعملان على ضوء مصباح غازي مثبت في الجدار لصناعة الأعاجيب، حيث يخلط المواد بعضها ببعض مستخرجا موادا جديدة ، كان عرفة لا يصدق حكايات أهل الحارة عن الجبلاوي وجبل ورفاعة وقاسم ويقول عرفة (وما أنا فتوة ، ولا برجل من رجال الجبلاوي ولكني أملك الأعاجيب في هذه الحجرة ، ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين) ويدير محفوظ على لسان عرفة وزوجته عواطف حوارا هاما للغاية: (فقالت عن جبل ورفاعة وقاسم: أولئك كلفوا بالعمل من قبل جدنا الواقف ، فقال عرفة بضجر جدنا الواقف ؟ كل مغلوب على أمره يصيح كما صاح أبوك " يا جبلاوي " ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون جدهم ، وهم يعيشون حول بيته المغلق ؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا؟ فقالت: إنه الكبر ، فقال لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر فقالت: ربك قادر على كل شيء فغمغم قائلا: كذلك السحر قادر على كل شيء) فدفعه فضول العلم لاستجلاء حقيقة كتاب جده الجبلاوي وسر قوته المتضمن شروط الوقف والذي طرد ادهم بسببه فتسلل إلی البيت الكبير فحفر حفرة بمساعدة أخيه دخل منها ليري أمامه خادم الجبلاوي الأسود العجوز فخنقه خشية افتضاح أمره ثم فر مسرعًا، وإذا به يسمع أن الجبلاوي لم يحتمل خبر قتل خادمه فمات كمدا عليه، فيشعر عرفة بالذنب تجاه وفاة الجبلاوي ويعزم علي اعادة الحياة له بسحره وأن يحل محله قائلا: (إنه يجب على الابن الطيّب أن يفعل كلّ شيء، أن يحلّ محلّه، أن يكُوْنه.) فيقتل فتوة الحارة ويفجر عددا من الفتوات الاخرين عبر متفجرات من زجاج سحري ثم تأتي خادمة الجبلاوي تنفيذا لوصية الجبلاوي ، لتخبره أن جده الجبلاوي قد مات وهو راض عنه! ثم تتوالی الأحداث ويدفن عرفة وزوجته عواطف أحياء بأمر الناظر قدري الذي حاول الاستحواذ علی سحر عرفة لبسط سلطاته وظلمه ولكن عرفة قد أستطاع أن ينقذ قبيل موته الكراسة التي سجل فيها خلاصة عمله،وبحث عنها حنش في القمامة حتي اهتدی لها وأصبح عرفة حديث الناس ورأوا أن ملاذهم الوحيد هو سحر عرفة وواجه الناس شعراء المقاهي الذين يتغنون بقصة الجبلاوي "لا شأن لنا بالماضي ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر"؛ ثم رفع أهل الحارة أسم عرفة فوق جبل ورفاعه وقاسم ولم يعد يعنيهم إن كان قاتلا للجبلاوي أم لا؟ .

الجدل حول الجبلاوي:

لا مفر أمام القاريء لهذه الرواية من الإعتراف أن الشخصية الرئيسية فيها هي الجبلاوي ثم يليه عرفة ...ويحاول الكثير من المتيمين بأدب محفوظ تخطي مسألة تجسيده للذات الالهية في شخص الجبلاوي خاصة وأن محفوظ قد صب عليه جام غضبه علي ألسنة أبطال الرواية بعبارات متدنية واعتباره رمزا للدين وكأن هناك اختلاف بين الله والدين!!

لقد أضاف محفوظ للجبلاوي أوصاف لا تكون إلا لله تعالى فيذكر أنه عاش فيها (يقصد الحارة) وحده وهي خلاء خراب وهو ما يتطابق مع ما جاء في العهد القديم في سفر التكوين: (في البدء خلق الله السماوات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية) ويصفه في موضع آخر: (وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين ، كأنما من كوكب هبط) . ويقول أيضا على لسان جبل: (ولكنه بدا لي شخصا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعا) وهو ما يتطابق مع القران الكريم في قوله تعالي: " ليس كمثله شيء " اضافة إلی أن الجبلاوي بقي للأجيال المتعاقبة ، معتزلا ومختفيا لا يراه أحد ولا يتصل بأحد إلا عبر وسطاء وخدم ، ولا يعلم الناس عنه شيئا إلا من خلال ما يروى وهو ما يتفق مع قوله تعالي:" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم "

كما يلحق محفوظ بالجبلاوي أوصاف لا تليق بالذات الالهية فهو لا يكترث بوصاياه المهملة ولا بسلب أمواله وأموال أحفاده فيقول علي لسان عم شكرون: (يا جبلاوي يا جبلاوي حتى متى تلازم الصمت والاختفاء. وصاياك مهملة واموالك مضيعة .انت في الواقع تُسرق كما يسرق احفادك يا جبلاوي.يا جبلاوي الا تسمعني؟الا تدري بما حل بنا؟لماذا عاقبت ادريس وكان خيرا الف مرة من فتوات حارتنا؟يا جبلاوي؟).

وهو الاب القاسي المذل لابنائه علي لسان ادريس: (ما أهون الأبوة عليك، خلقت فتوة جبارا فلم تعرف إلا أن تكون جبارًا، ونحن أبناؤك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين)..ويقول ادريس (ملعون البيت الذي لا يطمئنّ فيه إلا الجبناء، الذين يغمسون اللقمة في ذلّ الخنوع، ويعبدون مُذلّهم..). وعن غياب التسامح لدي الجبلاوي يقول بالرواية: (لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كانت كبرياؤك أحبّ إليك من لحمك ودمك؟وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار!).

تفسير نهاية الرواية في ضوء فكرة موت الإله عند نيتشه:

و يشير هذا المصطلح الي التكفير عن الخطايا عبر موت المسيح وصلبه إلا أن نيتشه طرح فكرة موت الاله في إتجاه مغاير عبر كتابه (العلم المَرِح) الذي نُشِر عام 1882، حيث قال: (لقد مات الإله. ونحن الذين قتلناه). فموت الإله المسيحي، هو موت للإله الأخلاقي وأنه لا توجد قوة ميتافيزيقية (غيبية) تتحكم في الإنسان ، فالإنسان هو المسؤول عن أفعاله وهو القادر علي تشكيل عالمه ومن هنا طرح فكرة الرجل الخارق أو السوبرمان ليكون بديلا للإله الميت، هذا «الرجل الخارق» سيأتي لإنقاذ العالم وسيصوغ أهدافا ثابتة ومعاني قيمية واخلاقية حياتية نابعة من عالمه الذي يعيش فيه وسيكون أكثر وعيا بمعاناة الوجود، ومستعدًا للتضحية بنفسه من أجل تقدم الإنسانية.

ربما نجد في هذه الفكرة تفسيرا للنهاية التي أختارها محفوظ ففكرة الرجل السوبرمان تتجلی في عرفة الذي يمتلك قوة السحر(العلم) والتي لا يمتلك عشرها جبل ورفاعة وقاسم ممثلي الديانات الثلاث مجتمعين مما يجعل أهل الحارة يرفعون اسمه فوق جبل ورفاعة وقاسم كما تضع الرواية قدرة السحر (العلم) في مواجهة قدرة الله فكليهما قادر علي كل شيء وذلك بكل وضوح علي لسان عرفة ثم تنتصر لقوة العلم في قول عرفة (أن أثر السحر لا يزول) ثم نري انقشاع سحب المواجهة بين العلم والدين بموت الجبلاوي (الدين او الاله) بتأثير عرفة (العلم) ثم عزم عرفة علي اعادة الجبلاوي للحياة مرة أخري عبر (أن يحل محله) وهو ما تحقق عبر قتله للفتوات بسلاحه السحري وهنا ينجح العلم في فترة وجيزة في تحقيق ما عجز عنه الدين وصم أذنيه عنه عبر عقود ثم تضحية السوبر مان بنفسه بعد أرسی القواعد الثابتة في كراسته والتي يجدها حنش لينير الطريق للآخرين الذين وجدوا في سحر عرفة الملاذ .وموت عرفة ليس موتا للعلم فالعلم سلاح مستمر بينما موت الجبلاوي هو انقضاء لعصر الدين كحل للصراعات الإنسانية.

انها مفردات محفوظ وعوالمه الخاصة وتصوراته بعيدا عن فكرة الايمان والكفر فأذا أردت سبر أغوار الرواية فأنت تتحسس صراعا نفسيا داخل الرجل لم يحسمه في صفحاته التي تعدت الخمسمائه صفحة بشأن أفكار ثلاث الله والانسان والعلم والمكان هو الحارة الكون بالنسبة لمحفوظ فهو يناقش فكرة الله من منظور ظلما الهيا يراه بحق الضعفاء المتروكين فريسة لفتوات الحارة وأن العدل الالهي لا يظهر إلا عبر مصلحين لا تستمر رسالتهم طويلا (فآفة الحارة النسيان) وينتكس المجتمع مرة أخری ومع كونهم مصلحين فهم يتعاطون الحشيش الأفيون والخمر ثم يناقش فكرة الأنسان وتنوعه بين الخير والشر وذلك عبر السجال الممتد بين الفتوات والمصلحين وأهل الحارة الضعفاء المفعول بهم دوما ثم في النهاية يري أن العلم هو البديل للدين فهو طريق مستمر غير متقطع وبالتالي هو القادر علي ترسيخ ديمومة العدل ومحاربة الظلم دون حدوث انتكاسات بينيه.

ما فات محفوظ:

والحقيقة أن المسألة محسومة فالشر هو وجود أنطولوجي فكيف للانسان أن يتذوق الخير أن لم يعرف مقابله وهو الشر وكيف نستطيع تقرير حقيقة أن الانسان مخيرا دون أن يكون موضوعا بين أضاد أما العلاقة بين الدين والعلم فلا تصارع فيها فالانسان في ممارسته للدين والعلم وفي محاولته اكتشاف المجهول انما يلبي حاجة فطرية ملحة ويدعم الوشائج التي تربطه بخالق هذا الكون .

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

جمعة عبد اللهتعتبر هذه الرواية نقلة نوعية في تطوير لغة السرد الروائي، بتقنياتها المتعددة الاساليب في الحبكة الفنية الحديثة. وحتى التطوير في منصات الضمير المتكلم، الذي يجمع صوت السارد والمسرود وصوت الكاتب. اي هناك تداخل بين صوت بطل الرواية او الشخصية المحورية، وصوت الكاتب او (السارد العليم) والمنولوج الداخلي في حواس المشاعر الداخلية. هذا التنوع بالصياغة التعبيرية وأدواتها السردية. وظفت في براعة متناهية اسلوب التداعي الحر. الذي يسلط الضوء الكاشف على العالم الداخلي في الشخصية. هواجسه في التوجس في القلق الحياتي الذي يلفها بالخوف والرعب، أو كشف كابوس الحالة النفسية والسايكولوجيةلهواجس الذات. في تدفق الاحداث الجارية وفي صراع الذات، ان الرواية استخدمت، حركة استرجاع الماضي في خزين شريط الذاكرة (فلاش باك) والنافذ التي يطل من خلالها على الواقع ومنصات تداعياته الجارية، اوفي العالم المحيط به، يراقب ويرصد ويلاحظ تحولات الواقع والشارع. في مؤثراته، في صياغة الوضع العام القائم للواقع. اي اننا بصدد الزخم في اعطى الوصف والتصوير العالم الداخلي والخارجي، بهذا الكم الهائل من الاحداث الجارية والمتلاحقة، في اسلوب توظيف التداعي الحر الذي يكشف بانوراما الحياة والواقع، فأن الفضاء الروائي اعتمد على ركيزتين. بناء الديكور الداخلي للشخصية المحورية او بطل الرواية (يوسف النجار)، في كشف العوالم الداخلية، من خلال الاستبطان والاستنطاق والاستقراء والتحري الداخلي. اوبالاختصار بما في جعبته الداخلية. اما الديكور الخارجي هو العالم المحيط بالشخصية وبالواقع في مجرياته وتداعياته. لذلك نجد التمازج والانسجام بين صوت الشخصية المحورية، وصوت السارد. وصوت الكاتب نفسه، الذي وضع بصماته بشكل واضح في المتن الروائي. ونجد تحولات في الازمنة المتعددة في التنقل، بين الماضي والحاضر، او بشكل ادق ما قبل وبعد عام 2003. لذلك الاحداث تلاحق الشخصية المحورية (يوسف النجار) حتى في منولوجه الذي يغطي حالته النفسية والسايكولوجية. من خلال تسليط الضوء الكاشف على طبيعة النظام الشمولي، الذي يتميز بالعسف والاضطهاد والانتهاك. سواء قديما وحديثاً، والمرحلة ما بعد عام 2003. التي تتميز في سمة الفوضى العارمة أو الخلاقة الى الاسوأ، العابثة بالحياة، والتي تدفع او تصرع الانسان الى مراتع الخوف والقلق من المجهول القادم. تجعل الانسان يعيش شرنقة كابوس المغلق بالقلق والخوف والتوجس والشكوك. هذه افرازات النظام الشمولي بتعدد صياغته واسالبيه وسلوكه وممارساته. لكن تبقى السمة البارزة في هذه النظم الشمولية. هو الانتهاك والخوف والتوجس، وعدم الثقة في فزاعة الشكوك والظنون التي تولد الريبة، عالم قائم على الخوف والفزع. هذه دلالات النص الروائي في رواية (الذئاب على الابواب) يعني الذئاب التي تترصد الابواب، تتحكم في مصير الانسان وتترقبه عند الابواب لتقوده الى المجهول. ان الرؤية التعبيرية في المتن السردي. تدلل على محنة الانسان ومعاناته، هذا الترميز الدال. وفق هذا المنطق، فأن شخصية (يوسف النجار) هي شخصية كل مواطن عراقي ويمكن القول بأن ضمير المتكلم يمزج بين (انا ونحن) تحت قبضة النظام الشمولي. فأن الشخصية المحورية او بطل الرواية، يحمل مظاهر عامة، كما هي مظاهر ذاتية وخاصية، رغم ان الرواية تدور عن المحنة الحياتية لسيرة حياة (يوسف النجار) لكنها محنة حياتية عامة. من حيث الكابوس الحياتي العام، من حيث الاستلاب والانتهاك. من حيث زرع الخوف، من حيث وضع الانسان تحت مجهر المراقبة والترصد والملاحقة. من حيث الخوف من المجهول، يعني ان المحنة ذاتية عامة، المتعددة الجوانب. بأن تكون الحياة رخيصة. وتعمق الحياة الى الازمة الوجودية وخاصة، وخاصة بعد عام 2003. حيث كثرت الذئاب على الابواب، تعمقت المعاناة اكثر من السابق، دلفت الحياة الى شرنقة شريعة الغابة. ولكن لابد ان نسجل النقلة النوعية، او التحول النوعي في حياة بطل الرواية (يوسف النجار) هو استعداده الشجاع في تمزيق الكابوس، في مواجهة الذئاب على الابوب بالعزيمة الشجاعة وبالتحدي، ونزل من شقته، وهو في كامل الاستعد للمواجهة (تيقن من وضع سلاحه تحت طيات ثيابه، قام بفحص السلاح الناري قبل الهبوط نحو الاسفل تأكد من وجود الاطلاقات داخل السبطانة، أعاد مسدسه الى وضعه، ورتب هندامه، أغلق الباب وراءه وهبط لملاقاة الرجلين، أستجابة لتحديهما العنيد) ص327.

أحداث المتن الروائي

الشخصية المحورية (يوسف النجار) يعيش حياة صعبة وشاقة، بعدما نسف الارهابين بيته وقتلوا زوجته وابنته الوحيدة. فقد ظل منعزلاً يعاني سأم والحزن الحياتي بعد فقدان عائلته، ويعيش حالات الخوف والكابوس، بأنهم ارسلوا رسائل تهديدية، بأنه سيكون الضحية القادمة، او القتيل المنتظر. ويحاول صديقه ان يواسيه ويشد من عزمه (- لقد كشفوا عن انفسهم بالاعتداء على بيتك

- ولكن لا أظن أن لي أعداء يكرهونني الى درجة الانتقام من أسرتي؟

- عليك بالصبر وألا تبدو أمامهم ضعيفاً خائر القوى، انهم ينتظرون تلك اللحظة التي تتهالك فيها الى الارض، كي يملأ الحبور صدورهم الخاوية. حذار. حذار من لحظة الانهيار تلك) ص13. هذه الديموقراطية الهوجاء والعرجاء التي بشر بها المحتل الامريكي في العراق. حين جعلوا المواطن يبحث عن ملجأ من الرعب الحياتي، والعبث في الحياة، والخوف من القادم بالمعاناة والانتقام، وتصفية الحساب بالقتل والاختطاف. اصبح الواقع يعيش الارهاب والاجرام، في دولة الفوضى. كأن الحياة تعود الى الماضي البغيض، بعد فشل انتفاضة الشعب عام 1991.، حيث اصبح الكل مطارد وملاحق بالسجن والتعذيب والاعدام. هكذا يطل من شريط خزين الذاكرة (فلاش باك) وهو يتطلع من خلال النافذة. تلك الحياة آنذاك، حياة البؤس والمعاناة، معاناة الحروب والارهاب والانتهاك والاهمال، فبعد تخرجه من الجامعة سيق الى الجيش كضابط احتياط. وارسل الى جبهة منسية من الله والانسان. لا احد يسأل ولا احد يزورهم. كأنهم في سجن اختياري، او في منفى في ارض منسية. ولكن بعد انتهاء فترة التجنيد، كون حياته، رغم انه كانت لديه مغامرات جنسية مع الفتيات من خلال استوديو التصوير.. ولكن بعد الاحتلال تدهورت الحياة الى الاسوأ، في تردي الى الفوضى. والحكومة والمسؤولين ليس عندهم حاسة الاصغاء، لا يحركوا ساكناً، كأنهم ليس لهم علاقة في حماية الناس، وليس لهم علاقة بالفوضى الجارية، من القتل والاختطاف أمام الموت المجاني، امام القتل على الهوية، أمام السطو المسلح، امام الرعب في الشارع. كل هذا والحكومة غافلة عما يحدث سوى انهم انفتحت شهيتهم على نهب المال العام، استولوا على المال ودمروا البلاد (- لا يمكن لهذا ان يحصل أمام انظار المسئولين في الدولة، ولا يردعهم الموت المجاني، الذي أكل الاخضر وألتهم اليابس) ص30. بأن الامور انفلتت عن السيطرة. الفقراء يموتون جوعاً ’ بينما الاغنياء واللصوص يعيشون في ثراء فاحش بالتخمة. اصبحت الحياة تليق بالحيوانات السائبة، وليس ان تليق بالبشر. و(يوسف النجار) يأكله القلق والخوف، من رسائل التهديد التي يرسلونها بالاقتناص من حياته بالقتل (لن يطول اختفاؤك عنا، ايها الواشي الرخيص) ص187. (لن تفلت من ايدينا، نحن اقرب اليك من حبل الوريد، أيها الماجن) ص209. ويتعرف على زميلته في الكلية (عبير) بعد حوالي ثلاثين عاما. فكان في البداية يتوجس منها، بالظنون والشكوك بأنها مرسلة منهم لتجسس عليه، او مدسوسة منهم، لكن بعد ذلك تبددت الشكوك حين عرف معاناتها الحياتية والعائلية، واقترب اليها في علاقته، ليبدد الوحشة والانطوى. في واقع لا يحمل الثقة والاطمئنان من الاخرين. في واقع تعيس في ظل الحاكم المدني (بول بريمر) والذين من جاءوا بعده في الحكم. فقد فككوا المؤسسات الدولة وباعوها في المزاد العلني. واهملوا المواطن بالحرمان، ان يصارع من اجل البقاء في كفاحه اليومي، في هوس الحياة العابثة. كأن الانسان يعيش وسط ذئاب كاسرة لا ترحم، في هوس الشعارات المزيفة بأسم الدين والمذهب والشريعة. ويقودون الفقراء الى الجحيم، بأسم الفضيلة والايمان والتدين. تزهق الارواح البريئة في الاحتراب الطائفي، وتنزف الدماء. بأسم الدين يشرع السحت الحرام والفرهدة والقتل على الهوية والاسم. لذلك يحير الانسان في وصف هؤلاء الشراذم التي تعصف في البلاد بهذا العبث الكبير، من اي صنف سياسي ينتمون (لذلك يحير الانسان في تسمية أهل هم سياسيون. أم عصابات، أم مليشيات خارجة عن القانون. تعاديك لاسباب غامضة، لانك لا تستطيع الوصول أليهم، لتفهم منهم اسباب العداء) ص156.. ولكن يعرف الانسان أنه مطارد ومطلوب رأسه كحالة (يوسف النجار) الذي يرى الحياة عبارة عن كابوس، لذلك يشعر بالقلق من حياته وهو مطلوب منهم. ولا يعرف من هم، واي صنف وجماعات هم، هل هم حقيقة بشر أم وهميين. في هذه الغابة، التي تعج بالذئاب بمختلف الاصناف والاشكال. هذه الحياة المزرية بالتدهور الى قاع الانحدار، اينما تذهب تشم رائحة الموت بالقتل اليومي العشوائي (وطالت التفجيرات، أماكن لم يتوقعها يوسف أو سواه. فجروا المقاهي ودور السكن والاسواق، وبدأت مسيرة القتل على الهوية، وفرز الطائفة والدين والمذهب من خلال تحليل الاسم واسم الاب والجد) ص233.. والكل يتساءل الى اين المطاف في هذه المحنة الحياتية وما هي النهاية ؟. الى متى تظل الناس تعيش الرعب الحياتي في واقعها اليوم؟ والنخبة السياسية الحاكمة، يبعون الوطن الى دول الجوار. انه زمن اللصوص التي تنهب كل شيء من خيرات واموال البلاد. ولكن حين يتكلم المواطن عن معاناته ويرفع صوته، يأتيه كاتم الصوت ليخرسه الى الابد، في سبيل تكميم الافواه بالارهاب الدموي، ومحروم عليهم النطق بعذاباتهم ومحنتهم. انهم يرريدون الانسان مسلوب الارادة، كالخرفان التي تقاد الى مسلخ الذبح. بهذا الاختناق يشعر (يوسف النجار) هكذا قتلوا واغتالوا المثقفين والمفكرين البلاد الوطنيين، الذين رفضوا الواقع المأزوم، هكذا كان مقتل (هادي الهادي، واغتيال كامل شياع واخرين غيرهما لم اتذكر، منْ يصدق أن المدينة أستجابت الى خرائب وفضلات تهيم فيها الحشرات والدواب ويختفي فيها اللصوص وقطاع الطرق في الليل) ص272. انه زمن اللصوص والقتلة، ان تصبح الحياة لعبة الحظ والقدر. هؤلاء الذين يحكمون الوطن جاءوا من اجل كعكة الوطن وتقاسم الفرهود. لا يعنيهم من الوطن شيئاً. واصبح الانسان سلعة زهيدة، ازاء هذا الاختناق مزق (يوسف النجار) الكابوس القلق والخوف، واستعد للمنازلة في مجابهة الذئاب على الابواب.

 

× الكتاب: رواية الذئاب على الابواب

× المؤلف: أحمد خلف

× الطبعة الاولى: عام 2018

× الناشر؛ دار النخبة 6 شارع رجاء الرسول من شارع وادي النيل / القاهرة

× عدد الصفحات: 328 صفحة

جمعة عبدالله