وليد العرفي قصيدة: (أسئلة الشعراء) للشاعر: سعد جاسم أنموذجاً

يبني الشاعر: سعد جاسم قصائده الوامضة على تقنية الأسئلة المفتوحة التي لا تسعى إلى تحقيق إجابة بقدر ما تفتح الأفق؛لاستثارة مزيد من الأسئلة، إنها محاولة أسئلة برق وغيم يستمطر ما بعده على فضاءات احتمال أكثر تعددية واستمطاراً ، يقول في البداية:

هل الشعراءُ

حُرّاسُ بيوتِ الكينونة؟

أَمْ هُمْ أُمراءُ الكلام؟

تبدو طبيعة السؤال الاستفسارية مرتبطة بطبيعة تعامل الشاعر مع اللغة، ومدى مطاوعة الكلمات لهم، ومقدرتهم على تطويعها وفق تعابيرهم، ومشاعرهم التي يُعبّرون من خلالها عنها .

وقد شكّل السؤال / الأسئلة مقولة النص المحورية التي انسجمت في وحدة عضوية ارتبطت بعلائق متينة من عتبة العنوان حتى القفلة، ويُمكن توضيح علاقات تلك الصلة من خلال التقنيات الأسلوبية، وتكنيكات اللغة التي استثمر الشاعر طاقاتها؛ لتحقيق تلك الوحدة التي تجلَّت من خلال:

التكرار والتكرار من ضروارت الشعر ومستلزماته؛ فقد رأى لوتمن "أن البنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية حين تنتظم في نسق لغوي"

بواعث التكرار

تتجلى ظاهرة التكرار في الشعر العربي بوضوح؛ فهي سمة متفردة من سماته الفارقة التي تميزه على اختلاف أنماطه، والعصور التي مرَّ بها في مراحل تطوره، ومن أهم بواعث التكرار في لغة الشعر

أولاً ـ الطبيعة البشرية:

لقد وجد الكائن البشري منذ وجوده أنَّه محاط بنظام كوني يقوم على مبدأ التكرار والإعادة، وما تعاقب الليل والنهار، ودورة الفصول إلا تكرارات وجد فيها الإنسان نفسه أنه مقيد في إطار تكرارها وفق نظام كوني متكرر ولا محيد له عنها

ثانياً ـ اللغة

ولعل في طبيعة اللغة نفسها ما يجعل التكرار أمرا واردا، ذلك أن مدى المعاني متسع في اللغة أكثر من الألفاظ، وهو ما يستدعي إعادة الألفاظ على أوجه مختلفة من الهيئات والدلالات، وقد وعى العرب القدماء تلك الحقيقة فعدوا التكرار من سنن العرب في كلامهم، وأن ليس لأحد مهما علا كعبه في فصاحة اللسان، وبلاغة القول أن يجاوزها

ثالثاً ـ طبيعة الشعر

فالشعر نفسه إنما هو نمط من أنماط التكرار في الحرف والموسيقى والمعنى، والبناء الهندسي للقصيدة العربية إنما يرتد إلى نمط من أنماط التكرار، والوقفة الطللية تُمثّل أحد أشكال تكرار الشاعر لاستهلال القصيدة التي كانت سُنَّة الشعراء في الاستهلال بها ، وقد عبَّر عنترة عن هذا المعنى في معلقته:

هل غادرَ الشُّعراءُ منْ مُتردّمِ   أمْ هلْ عرفْتَ الدَّارَ بعدَ توهّمِ ؟ !

كما أشار إليه شاعر العربية المتنبي: الشعر ميدان خيل وقد يأتي الحافر على الحافر، وفي هذا ما يُعبّر عن وعي الشعراء لظاهرة التكرار التي تبدَّتْ في نمطية القصيدة التي اتخذت لها شكلا يعتمد التكرار أسلوبا لها

رابعاً ـ الأثر النفسي

تولع النفس البشرية بما يثير فيها السرور فتتعلق به وتعيده، ولعل في شعر المديح والرثاء وما يكرر فيهما من اسم الممدوح أو المرثي ما يكشف عن الباعث النفسي وراء التكرار وحقيقة التي تفيد بتلذّذ ذكر الاسم المرغوب، وفي تكرار أسماء حبيبات الشعراء ما يُشير إلى تلك الدلالة .

خامسا ـ القصد ويكون بأن يتعمد الشاعر ذلك التكرار وهو يسعى إلى تحقيق هدف محدد؛ فالتكرار يكون مشحونا بحمولة دلالية كبيرة تحقق التكثيف المطلوب والقصد في التكرار يستدعي وعيا كاملا،ويتطلَّب قدرة لغوية فائقة وذاكرة شعرية فذَّة .

ويبدأ التكرار من الحرف، فالكلمة وصولا إلى الجملة، وتُشير نازك الملائكة إلى هذه الظاهرة في الشعر العربي، إذ بينتْ أن التكرار في ذاته ليس جمالاً يُضاف إلى القصيدة ، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة ، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات؛ لأنه يمتلك طبيعة خادعة ، فهو على سهولته وقدرته في إحداث موسيقي يستطيع أن يضلل الشاعر، ويُوقعه في مزلق تعبيري؛ فهو يحتوي على إمكانيات تعبيرية تغني المعنى إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه ويستخدمه في موضعه ، وإلا فإنَّه يتحوَّل إلى مجرد تكرارات لفظية مبتذلة . كما أشارت إلى أنواع التكرار وحصرتها في تكرار الحرف والكلمة والعبارة والمقطع، ولا يكون التكرار الهدف بحدّ ذاته ، وإنما جمالية التكرار تتأتّى من أسلوبه .

وقد أشار بالي إلى أهمية هذا الجانب في اللغة عندما فهم الأسلوبية على أنها علم الوسائل اللغوية من زاوية نظر وظيفتها الانفعالية والتأثيرية. وسنبدأ من الحرف لأنه يُمثّلُ: (أبسط أنواع التكرار أو أقلها أهمية في الدلالة)

وسننظر في أنماط التكرار في هذه الأسئلة التي تبدأ بالتكرار الحرفي، والحرف هو الصوت الذي لا معنى له، فهو: (المادة الخام التي يُبنى منها الكلمات أو العبارات)

و(الصوت ظاهرة طبيعية ندرك أثرها دون أن ندرك كنهها)، وهذا الأثر الذي يحدثه الصوت في المستمع، إنما يعود إلى: (فعالية الأصوات في قدرتها على إضافة طبقة دلالية من خلال الطبقة الصوتية )، والصوت هو العامل المؤثر في التعبير الموحي عبر ما يتردد عنه من إشارات رامزة خافية؛ فنبرة الصوت تستطيع أن تؤدي دلالة ما، وعلى الرغم من قلة أهمية التكرار الصوتي إلا أنه يشكّل: (صيغة خطابية رامية إلى تلوين الرسالة الشعرية بمميزات صوتية مثيرة هدفها إشراك الآخر المتلقي في عملية التواصل الفني، ولذلك يُعدُّ التلازم الحرفي من أعم خصائص الخطاب الشعري في البنيات التشاكلية؛ فهو وفق هذا التصور يعمل على: (تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية)،

تكرار (أم) التي جاءت حرف عطف يجمع بين المقدمة والخاتمة في كل سؤال، وغاية هذا العطف تحقيق الترابط بين مستويي السؤال المنفتح على الاحتمالية، والتوقّع الذي يشغل الشاعر به نصه التساؤلي:

هل الشعراءُ

عُشّاقُ الأُنوثةِ والجمال؟

أَمْ أَطفالُ الابدية؟

هل الشعراءُ

أَنبياءُ الوهم؟

أَمْ مُهرّجو البلاطاتِ والمجالس؟

تكرار التركيب: وهو ما تجلَّى بالأسلوب الإنشائي الذي جاء بصيغة الاستفهام (هل الشعراء) في استهلال كل تركيب جديد، وومضة لاحقة لأخرى سابقة، وقد شكَّلت تلك المتواليات بؤراً إشارية منفتحة على مزيد من الانفتاح على التأمل، والتوقعات اللامتناهية .

تكنيك التركيب الإضافي: وهو من التراكيب اللغوية التي تُحقّق بفعل انزياحاتها اللغوية، ومصاحباتها اللغوية غير المألوفة حالة إدهاش، وبؤر توتّر تتخلّق بالفجوات التي يُحدثها فعل المصاحبة اللغوية غير المتوقعة بين الدال والمدلول؛ فيما يبدو أنه فعل ممارسة إغواء يتفنَّن الشاعر في تلوينها بالحركة والصوت واللون:

هل الشعراءُ

صاغةُ ذهبِ المعنى؟

أَمْ أنَّهم رعاةُ الكلمات؟

هل الشعراءُ

صيادو جواهرِ الخيال؟

أَم فرسانُ عرائسِ البحار؟

هل الشعراءُ

بستانيو فواكهِ الأَمل؟

أَمْ حكماءُ منافي الأَلم؟

هل الشعراءُ

عازفو ناياتِ الشَجَن؟

أَمْ هُمْ الذينَ

يُموْسقونَ قصائدَ الحنين؟

التضاد: وهو ما يُسمّى في الموروث البلاغي العربي بالطباق، ومن خلاله يتم تأكيد المعنى وتوضيحه وجلاء صورته، وكما قال الشاعر قديماً الضدُّ يُظهر حسنه الضدُّ، وهو ما نجده في قوله: هل الشعراءُ

صعاليكُ الأَحلام؟

أَمْ مجانينُ الحقيقة؟

فالتضاد هنا بين: الحلم ـــ الحقيقة

هل الشعراءُ

شياطينُ الأَرض؟

أَمْ ملائكةُ السماء؟

وهنا بين: الشياطين ــ الملائكة

والأرض ـــ السماء

هل الشعراءُ

ملوكُ الرؤى والطقوسِ؟

أَمْ انهم الغاوونَ

والمطرودونَ دائماً

من المدائنِ الفاضلة؟

وأخيرا التضاد بين: ملوك ــ مطرودون

وهكذا تبدو تلك التقنيات الأسلوبية قد أسهمت بشكل فاعل في مدّ تلك الومضات بمزيدٍ من الشعرية، وأضفت عليها الحيوية والتجدد، ومنحتها مزيداً من الدهشة والانبهار .

 

د. وليد العرفي

......................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة  المثقف

أَسئلة الشـعراء / سعد جاسم

 

 

مالكة عسالمقدمة: استهلال لابد منه

هو الشاعر بن يونس ماجن، المقيم في لندن منذ السبعينات، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مسقط رأسه ليكمل دراسته الجامعية بلندن، حاصل على شهادة الماجستر في الترجمة من جامعة وستمنستر -  لندن، يكتب باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية .نشرت مواده في الصحف والمجلات الغربية، له عدة إصدارات باللغة العربية والفرنسية: من ضمنها : مجموعة الشعر التي بين أيدينا المعنونة ب" حتى يهدأ الغبار"الموزعة على 108 صفحة، وقد شاء الشاعر وبوعي منه أن يخلي الكتاب من المقدمة والإهداء والفهرس وحتى عناوين القصائد، والاكتفاء فقط بترقيمها حيث حصر عددها في رقم 70، بالإضافة إلى إهدائه لبعض النصوص، الشيء الذي لم نألفه لدى غيره من الشعراء.

1ــ  الظروف الواقعية/أوضاع بلاده:

المتصفح لهذه المجموعة يكتشف بصورة أو بأخرى، معاناة الشاعر وصراعه القوي مع الأشياء،مع المحيط،بل مع الكون كله، فالشاعر يمرر عدسته من الأقصى إلى الأدنى، بنظرة تأملية تحليلية لما يلحق الإنسان بصفة كلية، وما يصادفه من خبث وقهر، يفرغ الأشياء من محتوياتها حتى غدت تبدو له ليست كما هي ..تكتنفه سبل ومسالك ملتوية لا تؤدي إلا إلى فراغ :واقع مزر تحت نيره ترزح شرائح عريضة من البشر: المتسولون،والمشردون،والعاطلون والقاطنون بمدن الصفيح:

والمشردين   

والعاطلين عن العمل

ص:42

رغم أنه مرّ رَدْح من الزمن فالشاعر يرى الواقع مازال راكضا،لايسير إلى الأحسن..

والرياح كعادتها

توقظ الغبار الناعس

ص:73

-  الأحلام التي يغتالها الزمن القاسي:

فحين يعاسرنا تحقيق ما نصبو إليه من أهداف مرسومة في الواقع،يبقى الحلم آخر وسيلة نتنفس في رحمه بواعث الأمل،ولو أنه يغتال هو الآخر :

وأحلامكم زفت إلى مقصلة الزمن القاسي

ص:74

فالشاعر حالم بطبعه، لمّا يصده جدار عن تحقيق حلمه في الواقع، يرحل في فضاء الخيال ليحققه في القصيدة…

- المرأة نصف المجتمع :

كما يشد الشاعر بالإضافة إلى الواقع، وضعُ المرأة المجردة من كينونتها كإنسان،حيث مازالت صريعة الأفكار الذكورية،التي تهضم حقوقها،وتسلب حريتها،وهذه قمة وعي الشاعر بالإقصاء الاجتماعي للمرأة، حتى غدت قضيتها مهيمنة على جزء مهم من شعره،

المرأة كالمسبحة الخشبية

في يد شيخ متعبد

في دير مهجور

ص:44

- الهجرة

و مدى التصاق الشاعر بالهموم الإنسانية، التي يفرخها الواقع المزري جعله لا يقصي نفسه من الصورة،حيث خصّها هي الأخرى بقسط وفير من الشعر، طارقا باب الهجرة والغربة وما يكابده شاعرنا واصفا الوضعية بالتفصيل :

ثمة شاعر يطل برأسه من مرايا الإلهام

يصيغ قصائد نثرية بلون الضباب اللندني

ص:48

والهجرة لم تكن باختيار الشاعر، بل أرغم عليها،كما توحي لنا بعض النصوص، وهي الهجرة السرية، وقد خلفت أثرا بالغا في نفسية الشاعر، حيث نجده يطرق في نصوصه بوابتها بأدق التفاصيل، واصفا أشلاء المركب المحطم،وجثث الضحايا المهاجرين السريين:

غرقى ومفقودون على الساحل الجنوبي

موجات مد غاضبة

وأشرعة بلا مجدفين

وقوارب محطمة

ص:66

-  الغربة

يحس الشاعر بفظاعة الغربة في بلاد المهجر إلى درجة الشك في وجوده،فتنطرح عليه أسئلة محيرة،يحاول جاهدا الإجابة عنها لإثبات كينونته،وهذه قمة غربة الشاعر في ذاته نحو عالم مبهم، وتواجده في إحدى زواياه ..

لابد أنني موجود في مكان ما ..

في فضاء ما..

في دائرة ما..

في بلد ما..

ورغم ذلك أحس أني جسد غريب

ص:67

نفسية الشاعر متعبة وممزقة بين التنصل من القهر، والاشتياق إلى الوطن،وشمسه الدافئة، يتقاسم المرارة مع نفسه في بلاد الغربة،خاصة وأنه مازال يحمل معه في جرابه ذكريات الطفولة المتعبة، وقساوة العيش في بلاده، وهذه نفحة من سيرته الذاتية التي حظيت وحدها من بين نصوصه بالعنوان..

أحلم بشمس بلادي

أتدفأ بأخبار طقسها المشتعل

ص:91

- الذكريات

للشاعر ماض موشوم بلغة القهر في ذاكرة الطفولة/ وذاكرة والشباب وجرابهما الممتلئ  بالأحلام،التي تهشمت على أول صخرة،وهذه طبيعة كل مبدع حين يراوده الحنين إلى إحيائه.

أقف على حافة الوقت الضائع

لم أتسكع في وشم الذكريات

ص:47

2ـــ القومية والغيرة على الأمة العربية

وككل مبدع حقيقي يتنفس الشاعر في عروق الأمة العربية، وتجتاحه غيرة حارقة تجاه ما يلحق بها، فيصرخ محتجا على عاصمة أمريكا للعراق،الشبيهة بالتسونامي..

إنه التسونامي الأمريكي

الذي اجتاح شط العرب

ص:51

-  العراق معدن الثقافة والحضارة

طارقا أبواب الإنسان في مختلف قضاياه، ليضع رحله في العراق، مشخصا بعين مجهرية ما يستفحل فيها من خراب وتدمير من طرف الجنود الأمريكيين،حيث أتلفوا التراث الإنساني الخالد منذ آلاف السنين..

يقتفي الجندي الأمريكي أثر المتارس

في متحف بابل

ص:54

كما يقف واصفا ما يلحق الشعب العراقي من تشتيت وقتل وفتكن شاجبا بشدة مخططات أمريكا..

سمع عن وحوش سادية

تفترس الجسد العراقي

ص:99

- فلسطين / القضية الكبرى

وغيرة الشاعر على الأمة العربية تبلغ به أقصاه، فينعطف نحو بلد فلسطين ليطلعنا على أوضاعها بصورة أعمق، يشجب فيها التنكيل والتعذيب الذي يمارسهما الصهاينة على الشعب الفلسطيني الأعزل..

خفافيش إسرائيل تنهش جثة آدم

وترتع في أوجاع الإنسان العربي

ص:56

-  العولمة الذابحة للديموقراطية

ولا يقف الشاعر عند النظر قرب القدم،بل يجس النبض بنظرة تأملية في بعدها الإنساني، وخطر العولمة المفروضة على الإنسان،ووقعها على الدول الفقيرة، وماستلحقه بها من ضرر وخطر..

نلعب على الحبال المحبوكة في سيرك العولمة /الهيمنة

مهرجون بلا أقنعة

مقص الرقيب مرّ من هنا

ص:72

-  الكون وما يلحقه من شرور إنسانية

وأبعد من هذا يرحل الشاعر في فضاء الكون بأسره مجسدا ما يخدش جماليته من شرور إنسانية .

رياح متواطئة

مع دخان المصانع

فتتناثر شرايين الماء

ص:85

كما يقف متأملا الكوارث الطبيعية المتلاحقة

وهي تتمايس كصخرة يتيمة

تغتسل في مياه تسونامي الدامية

ص:85

3ــ الشاعر وهوسه بالإبداع الشعري :

يسكن الشاعر هوس الشعر وجنونه،ويحب بكل افتخار أن يتقاسم معنا اللحظات الاستثنائية التي فيها يهيمن عليه شيطان الشعر،كأي شاعر عانقه إحساس بالظرف الزمنكاني لتوليد اللغة، وإنطاقها بما لم تقله بصفة مألوفة وعادية، فالشعر ملاذه الفاتن الذي يرحل في أعماقه حتى الجذور،حيث تزحف إليه القصائد،  تحمل ذاكرة وأشياء خفية بين سطورها، ليفجر فيها رصاصه، وعلى ضفافها يدفق بوحَه المطرد..

هو الشعر الذي يجرنا بيده

نحو سور المدينة البعيدة

ص:33

ولا ينسى الشاعر أن يقحمنا في جو الكتابة، لنتقاسم معه النشوة العميقة التي تبلغ ذروتها لحظتها،حين تلفه القصيدة بجدائلها المخملة.

وتلفني بجدائلها المخملة

ثم أدفنها

في كراسة مليئة

بضفائر شاردة

ص:87

وجنون الشعر جعله يستعرض لنا بدقة كيفية كتابة القصيدة،وأهم المراحل التي يمر منها لإخراجها إلى النور،فهناك القصيدة التي تطارده ولا يرتاح منها إلا بعد تجسيدها في الورق،والقصيدة التي تفر من بين كفيه لتسقط في البحر وتتركه في مستنقع راكض؛

والقصيدة التي

لا تظهر إلا في ملامح باهتة .

وأحيانا أمشي إلى وخز قصيدة

ولا أملك غير سحنتها الشاحبة

ص:88

فالغرض مما تقدم، هو التوضيح أن القصيدة لا تأتي على طبق من ذهب، بقدر ماهي عصارة قلق مطرد، وانفعال مطنب قبل ولادتها،وكتابتها هي نتاج مجهود عسير ومحنة بالغة، مفصحا بجلاء :أنه ليس كل من حمل قلما وكتب قصيدة يسمى شاعرا،بل الشاعر الحقيقي هو من يبحث عن قصيدة لم يكتبها بعد،وإذا أثبت أنه وجدها فعليه أن يخرج من زمرة الشعراء.

فخرجت من زمرة الشعراء

ودخلت البحر

ويقول :

ودفنت مفتاح الشعر

تحت وسادتي الطحلبية

ص:107

4ــ تطعيم الشعر بالسرد القصصي

ينعطف الشاعر بن يونس ماجن عن درب الشعر، ليندس رغما عنه في سياق القصة،بكل خصائص القص الفنية، وربما طبيعة الموضوع هو الذي أحاله على ذلك،حيث يشخص الأحداث في نفحة سيرة ذاتية، بضمير المتكلم كشخص من شخوص القصة، وسارد عالم بكل شيء، يتابع مجرى الأحداث بأدق التفاصيل، في سرد قصصي متين، ونلمس هذا بالمباشر في النص رقم41.

وكانت الهجرة قد سكنت مخيلتي منذ نعومة أظافري …كنت أتوهم في أحلامي اليومية أنني أتعلق بالأرض الأخرى ذات الاخضرار المستمر..

ص:57

 5ــ المعجم  والتنوع اللغوي

لقد شقت اللغة عند بن يونس ماجن درب السهل الممتنع،غير أنها محملة بمعجم مثقل استلهمه الشاعر من ظروفه المحيطة به، مما ولد لديه لغة متنوعة، تضطرب بين المباشرة والغموض؛ يوشّيها أحيانا بمصطلحات غريبة وغربية، يتلاعب بألفاظها، فغدت ذات تنويع مكثف،وربما طبيعة المواضيع هي التي فرضت عليه سلوك هذا المنهج ونرى ذلك في ما يلي :

- الفعل المضارع والتأسيس للمستقبل: 

ينطبع على بعض قصائد الشاعر الفعل المضارع،وهذه الخاصية جابت المجموعة بكاملها تقريبا،وهي إشارة بارزة إلى أن الشاعر يواجه الوقت الحاضر الذي يؤسس للمقبل، مسدلا الستار على الماضي، الذي كان هو رأس الحربة للحاضر، الشيء الذي تسبب في محن مازال يجر في أذيالها جراحَه الغائرة المتعبة.. .

ليشرب حتى الثمالة

يجر أذياله خلف جحافل الليل

ويسير إلى قعر اليم

ص:36

- الجمل الإسمية وتنوعها:

كما تكتنف الجمل الإسمية نصوص الشاعر تارة مبتدئة بالأسماء.

شلال من الألم

وجوه في صور ذاتية

ص:31

وأخرى بالضمائر المنفصلة.

هو الشعر ..لن يفقأ عيون سيده

وهو الشعر الذي يجرنا بيده

ص:33

وأحيانا يصوغ القصيدة، حيث تبتدئ أشطرها بالأسماء من بدايتها حتى نهايتها.

كما في النص رقم 48

غرقى ومفقودون على الساحل الجنوبي

موجات مد غاضبة ص:66

-  حرف الواو كأداة ربط:

يميل الشاعر بكثرة إلى الربط بين أبيات القصيدة ومقاطعها بحرف الواو كأداة رابطة، للَمّ شتاتها بتجاسر جملها للحفاظ على عضويتها.

ماذا لو افترش صفيحا ساخنا

وأسبل سوالفه الطويلة على غابة وحشية

ص:38

حتى غدت الواو أساسية في بعض النصوص كما نرى في الصفحتين: 106و107.

6ــ هيمنة المعجم الحيواني على بعض النصوص

المتصفح لمجموعة الشاعر بن يونس ماجن، قد يتلمس خاصية بارزة انتشرت بشكل طاغ، تتلخص في المعجم الحيواني، الذي ساد كل النصوص حد الغلو :الحشرات والخفافيش والذباب والضفادع والكلاب، والجراد والعناكب، والديكة، والغربان وما شابه ذلك.

خفافيش إسرائيلية تنهش جثة دم

ص:56

ويقول:

صياح الديك

يندلق في زمن الصمت

ص:79

كما يلتجئ إلى تفريغ البشر من الأنسنة  مُضفيا عليه صفات حيوانية، ويقصد بالضبط الإنسان الذي يتسبب في خراب الواقع، ونشر أساليب القهر والفتك بالإنسانية وإلحاق الضرر بها.

ونقيق ضفادع الوديان

وهيجان الجرذان

إنما هو إلا جعجعات وهذيان

ص:41

7ـــ الأمثال الشعبية لتطريز اللغة

يتقمص الشاعر بعض الأمثال الشعبية، ويصوغها في متن شعري موظفا مصطلحات العصر، الشيء الذي لم نألفه لدى غيره من الشعراء، محولا إياها بذات المعنى، ويتجلى ذلك في النص الشعري الذي ينطبق بحذافيره على المثل الشعبي القائل :"المزوق من برا آش خبارك من الداخل".

النص رقم52 ص:71.

8-  الجانب الفني

- خلو النصوص من العناوين

أول شيء يسترعي الانتباه في هذه المجموعة،هو غياب العناوين على غير عادة الشعراء،ويكتفي الشاعر بن يونس ماجن بترقيم النصوص، تنتهي حدود كل منها بالرقم الموالي، ولم يأت هذا دون وعي،بل نتاج نوايا  في نفس يعقوب، قد تكون من ضمنها ترك فسحة للقارئ يستنبط بنفسه العناوين.

- السخرية والمباشرة

يمور الشاعر بين التعبير الجدي والسخرية، مما يفرض عليه الانعطاف أحيانا نحو المباشرة،خاصة لما تبلغ به ذروة السخرية بالعرب، حد الاستهزاء ببعض عاداتهم التي أغرقتهم في التخلف بشكل قوي، وجعلت منهم مجرد أتباع للحضارة الغربية.

ويتخلى الشعراء عن بكاء أطلالهم

ويقلع العرب عن صيد الفهود وصيد الغزلان .. في ملاهي لندن ..

ص:70

-  الصور الشعرية وتعميق الدلالة

وكما تمثل الشاعر المباشرة سار بنفس الخطى في درب الرمز والانزياح،حد عسر القارئ على القبض على مفتاح النص، مؤثثا نصوصه بصور شعرية تتراقص كأسراب الطير، تخفي بين ثناياها دلالات قوية وشاسعة.. لاحظوا معي هذه الصور الجميلة .

ورودا في حديقة الشعر

كالحوريات النائمة في أدراج البحر

ص:40

وتتلاحق الصور أحيانا بشكل لا منقطع،تدحرج  على زجاجها عمق مشاعر الشاعر، تجاه مجريات الكون ووقائع الأحداث، التي تتوالد باستمرار.

هذا الوطن الذي ظهر فجأة في حلمنا

لايزال يذبح على منصات الانكسارات

ص:24

وتجوب القصائد فنون الشعر من انزياح ورمز وتعابير مجازية وتشبيه حد الإبهام، حتى تصبح الأشطر عرضة للتفكك والالتباس .

تتوسد الأتربة زهرة الصبار

ويدغدغ خواتمها الرذاذ

دون أن تتحول إلى غيمة

التي تدبرها الرياح القوية

ص:35

ــ كلمات دخيلة

ويقحم الشاعر في النصوص بعض الكلمات الغريبة، ربما لأنه يفتقد مرادفاتها في اللغة العربية، أو لأنه يريد تجسيد مشاعره بنفس الألفاظ الدخيلة،ثقة منه  فيها أنها الأنسب لتأدية وظيفتها، أو مجرد رغبة ملحة، تدلت من مجاز عال للتلاعب بالألفاظ..

ــ خلاصة

من خلال ما تقدم يتبين لنا أن أي شاعر مهما احترس في كتاباته، إلا وينبثق من بين السطور الجو العام الذي كان يعيشه، فتفتح نافذة خاصة نطل منها على ما بين أدغال النصوص، فنستطيع التجول بين تضاريسها بسهولة واقتحام مطاويها دون عسر، ومجموعة بن يونس ماجن بسطت لنا حضنها على متسعه، لنلج غابتها دون خوف ودون أي سلاح يذكر، لنفك شرنقة نصوصها بسهولة حيث خرجنا بشيئين اثنين :الانغلاق حد المعاسرة وخلق الدهشة والحيرة …ثم اللين والوضوح حد وقوفنا وجها لوجه أمام التهام معانيها بكل بساطة، وبين ذا ذاك متعة جمالية حققتها حركته الشعرية الساخرة،التي استطاع الشاعر توظيفها بحذلقته وتلوين سرد الشعر والنثر الشعري مما يجعل القارئ يقبل عليها دون ملل..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/05/2007

 

 

نجيب طلالصورة مكشوفة: حتى نضع القارئ والمهتم المفترض ضمن صورة مكشوفة . لا تأويل لها؛ فتجزئ هذا الموضوع ليس نشوة في الكتابة من أجل الكتابة؛ أو لا شغل لنا إلا هذا الموضوع. بالعكس فهو الذي فرض نفسه بشكل تلقائي عليَّ وعلى الكتابة، ارتباطا بعدة روافد أمست بديلة تحيط الدراما العربية؛ وفاعلة في شرايين نبض وجودها؛ لكي تستحوذ على شريحة واسعة من جمهور المشاهدين، الذي يعيش بشكل أوآخرعلى واقع ومنتوج هائل وغزيرمن الصور والمعلومات، التي ترسلها القنوات الإقليمية والفضائيات المفتوحة؛ وأمام تحديات العصر والمنافسات الشرسة بين الشركات والمنتجين؛ يختلط الإبداع بالأموال. لتصبح الدراما في أبعْد تقدير تجارة يتمظهر فيها البيع والشراء؛ مما يصبح الفنان/ التقني/ المخرج/ مجرد سلعة تتحكم فيه شركة الإنتاج/ رأسمال. طبعا أي إنتاج يحتاج لسيولة واعتمادات مالية؛ لكن في مجال الإبداع لامناص أن يكون المال وسيلة لإنتاج رسالة فنية؛ جادة وذات جودة في تركيبتها وإنتاجيتها ولها أبعاد مقبولة مجتمعيا وتخيليا؛ فحتميا سيكون لديها جمهورها الذي يساهم في ترويج المنتوج؛ لكن إشكالية الدراما العربية مع بعض الاستثناءات (طبعا) تتخبط في الارتجالية والعشوائية ! والإسفاف الفكري ! وغياب الحِس الفني ! فالعَديد من الأعمال الدرامية: موسيقاها لاعلاقة لها بالمشاهد؛ وموسيقى تشويقية suspense لاعلاقة لها بالتشويق/ الإثارة؟ أما الملابس فلم تتغير على جلد الشخصية / الممثل/ الممثلة (أي) بنفس الملابس من الحلقة الأولى إلى أخرها؟ أما تكرار الحوارات بشكل فظيع وممل فلا تسأل عن ذلك؟

والسؤال الجوهري لماذا كانت الدراما العربية إلى حَد ما قوية في أواخر السبعينيات وعقد الثمانيات من (ق.م) وهنا لا نقصد مصر بالذات بل كذلك لبنان/ العراق/ سوريا /…/ القضية بكل بساطة؛ ليست نتيجة انوجاد محطة تلفزية (وحيدة) أنذاك . بل الأمر يعود لصدق العطاء؛ والإيمان بقضية الإبداع . والبحث الجدي والابتكار من لا شيء، مع احترام الفنان لوضعه الاعتباري. بخلاف الآن فالإمكانيات متوفرة مع تعدد الشركات و المحطات. مما يفرض هذا تنافسية نحو الجودة وكسب ثقة المشاهد؛ لكن الرياح أمست جنوبية؛ تنتج هواء جافا؛ خانقا؛ في إنتاج [دراما] يغلب عليها طابع الاستعجال والارتجال وعدم التركيز؛ مما يتم إنتاج أخطاء مهنية وثقافية جد فادحة مثلا في مسلسل (سوق الحرير/ سوري)[... وقع طاقم العمل في خطأ كبير، حيث بدأ المسلسل بعبارة "دمشق صيف 1945" مع ظهور بوستر فيلم "فاطمة" لأم كلثوم، والذي تمّ عرضه في 15 ديسمبر عام 1947](1) أو في مسلسل (محمد علي رود/ كويتي) [عندما ظهرت إحدى ممثلاته في أحد المشاهد وهي تدعو الله قائلة: "يا من أنْجيت يوسف من بطن الحوت هذا الخطأ كشف جهل القائمين على العمل بأمور تبدو "معلومة بالضرورة" لمن يقرؤون أبجديات دينهم، وهوما أثار موجة استياء على مواقع التواصل.] (2) أليست هاته الأخطاء الفادحة وغيرها كثير والتي أثارت حفيظة المشاهدين. تعتبر مهزلة المهازل للدراما العربية؛ والأفظع أن تلفزيون الكويتي قدّم اعتذاره للمتتبعين عن هذا الخطأ، وأحال المسؤولين عن مراجعة العمل قبل عرضه إلى التحقيق.

إذن فهذا الانحدار والانحطاط الدرامي؛ طبيعي أن يحدث أمام التهافت والركض وراء الغنيمة بطرق ملتوية؛ هنا: فمسألة الاستقطاب لا يدخل فيها الموضوع المطروح فحسب، بل والصورة والأداء والفكرة والطرافة والموسيقى.... إنه عمل فريق كامل بداية من السيناريست وكاتب الحوار إلى الموسيقيين والتقنيين والمصورين والممثلين وصولا إلى المخرج، ثم المنتجين وطرق تسويقهم للعمل(3) كيف سيحقق كل هذا والمنتجين يعتمدون ويركزون (الآن) على وجوه رخيصة الثمن وسيناريوهات من لدن أسماء لا دربة له ولا دراية بماهية مفهوم الدراما؛ فكيف لا يمكن أن نرى مسلسلا متهلهلا دراميا؛ لامعنى له و فائدة مرجوة من الفكرة / القصة؛ وصاحبته ممثلة مبتدئة تطاولت على كتابة سيناريو وشخصت فيه وأخرجته كذلك؟ أومن لدن كاتب (سيناريو) اسمه هنا وفكرته هناك وممثل في مسلسل ومدير إنتاج في آخر... وهناك جماعة تقوف خمسة أفراد كتبوا سيناريو لمسلسل؟ مشاركة بعض الممثلين في أكثر من مسلسل؟ وهكذا دواليك في إنتاج الدراما العربية،مما يتبين ليس هنالك قوانين ضابطة وزجرية أمام خلل (ما) يشوب تنظيم المهنة سواء من لدن النقابات المهنية ولا من الغرف المهنية ومن المجالس العليا للسمعي البصري؛ بقدرما تفتح طلبات العروض الإنتاجية؛ وتظل المساومات والمفاوضات الكولسية سائرة المفعول؛ عكس التنافسية التي يرسخها وينظمها [اقتصاد السوق] حتى أن بعض الشركات الإنتاج سلكت منظور الدعاية القبلية لمنتوجها قبل الموافقة عليه، وبالتالي فلماذا تم توظيف الإشهار لدن بعض المخرجين / المنتجين/ الممثلين/ الريجيسورات/التقنيين/ بشكل الهستيري هنا وهناك؟

المشهد الثاني:

2 // ارتباطا بالمشهد الأول هل تلك التعليقات والتغريدات عبر وسائل التواصل الإجتماعي؛ تعتبر نقدا بديلا للدراما؟ من البدهي سيكون التضاد والتعارض حول مفهوم النقد؛ وعلاقته بأليات ومنهجية تفكيك الدراما. لكن إذا تفحصنا لأغلب النقود العربية على الدراما العربية؛ كثير منها يصنف بالنقد الوصفي/ الانطباعي/ السطحي/.../ مثلا [أشاد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، ببعض الأعمال الفنية التي تعرض في موسم رمضان 2020 وأكد أن موسم هذا العام يشهد تنوعا كبيرا في الأعمال الدرامية..... إن الكثير من الفنانين شهدوا نقلة نوعية وتغيرات في توجههم ..مثل الفنانة نيللي كريم التي انتقلت إلى الكوميديا مع عمل (ب 100 وش) يحتل المرتبة الثالثة من بين مسلسلات رمضان لهذا العام.أما المرتبة الثانية ...فقد ذهبت لمسلسل "ونجيب تاني ليه"، والذي رأى فيه أن الفنانة ياسمين عبد العزيز تقوم بدور مهم في قضية اجتماعية تحتاج لجرأة خاصة. وفي المرتبة الأولى.. مسلسل "الاختيار". حيث قال: "التوثيق كان رائعا في مسلسل يحمل تاريخا بطوليا جميعنا عشنا تفاصيله".(4) أساسا فهذا الأخير لم ينته بعد حتى نحكم عليه؛ ولكن مثل هؤلاء لازالوا في الساحة النقدية . وإن كان البعض يقرصن ويتلصص على ما يدونه المدونون والمغردون في الوسائط الاتصالية؛ لينتجوه كخطاب معرفي/ نقدي؛ صادر من قدراتهم وطاقتهم النقدية؛ ولاسيما أن الصحف و المجلات شكلت في السابق محركا فعالا في نقد الأعمال الدرامية . إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي الآن أخذت الصدارة بكل جرأة وبوضوح أكثر؛ مساهمة في دينامية الترويج و التقييم الأشمل للنقد بين النشطاء وكل منهم ينظر لزاوية أو فكرة معينة من كل عمل؛ رغم اختلاف رؤيتهم من ناشط عادي/ خبير/ مشاهد/ مهتم/ وهذا التنوع والاختلاف في الرؤية والنشاط، لم يحلل أو يناقش بعد. ولكن من الممكن أن يكون أحَد الأسباب لنقاد أعلنوا انسحابهم؛ أو ربما خفوت صوتهم النقدي في المشهدي الثقافي/ الإعلامي . بحيث [يؤكد الناقد السينمائي حمادي كيروم على مواصلته مقاطعة مشاهدة التلفزيون العمومي، ويرى ألا جدوى في الحديث عن إنتاج تلفزي في الوقت الراهن، لأن كل ما يقدم ما هو في نظره إلا "إلهاء"(....) من جانبه، يقول الناقد السينمائي محمد بنعزيز إنه كتب عن الكوميديا الرمضانية مقالات كثيرة منذ 2008 وأن ليس لديه ما يضيفه بصدد الإنتاجات الرمضانية لأن الملاحظات لا تؤخذ أصلا بعين الاعتبار....(5) ولكن لماذا الآن تلك الملاحظات والانتقادات التي قام ويقوم بها نشطاء منصات التواصل الإجتماعي؛ تؤخذ بعين الاعتبار؛ ولقد حمى ويُحمى حولها وطيس من الردود والتبريرات؟ بكل تلقائية فتلك الوسائط وفرت أليات وأدوات جديدة و التي يستخدمها الآن (الجيل العنكبوتي) تعتبر بدون تخريجات أو سفطسة زائده؛هي النقد البديل؛ كنسق يدفع عمليا لقطيعة إبستيمولوجية، لأن العالم الافتراضي ما هو إلا امتداد للعالم الواقعي/ الاجتماعي؛ وبالتالي من ساهم في إحداث سياقات جديدة؛ وتشكيل الرأي العام .في الربيع العربي سنة2011؟ أليست تفاعلية الوسائط الإجتماعية بين النشطاء والمدونين والشباب بخرجاتهم المثيرة والمؤثرة؟

المشهد الثالث:

إذن: شبكات التواصل الاجتماعي؛ أمست (الآن) سلطة خامسة؛ متجاوزة السلطة الرابعة:. فتجلّت كنظام بإمكانه الاستجابة لاختراق دوائر الصّمت ومنح الأفراد الاجتماعيين حضورا فكريّا وسوسيولوجيّا، حضور حجبته لوقت طويل أنظمة الإعلام الجماهيري الخطيّة. لكن الجدير بالنّظر في الظاهرة، هوّ أنّ كل الذي يحدث من تفاعل وتذاوت عبر هذه الشبكات، إنّما يجري بواسطة اللّغة، وهي التي يولّدها واقع الأفراد الاجتماعيين في جدليتهم التواصليّة مع الواقع الذي يعيشونه (6) وبالتالي فتداخل اللغة بالصورة تعطي قوة بليغة للخلل الذي ورد في مسلسل(ما) مما تتجاوزأي نقد مُحتمل إدراجه في فضاء الإعلام العمومي/ التقليدي. وخاصة (المكتوب) فعلى سبيل المثال الضجة التي وقعت لمسلسل (النهاية / مصري) وممكن أن تصبح أزمة ديبلوماسية بين (مصر/ إسرائيل) بحيث - أفيخاي أدرعي - يهاجم مسلسل "النهاية" وناشطون يردون عليه بعدما: انتقد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، عبر حسابه على تويتر المسلسل المصري "النهاية" ...مسلسل النهاية لا يستحق التعليق. يتحدثون ويعملون مسلسلات خيالية ونحن نصنع المعجزات يومًا بعد يوم. شاء من شاء وأبى من أبى ستبقى إسرائيل لأبد الآبدين". (7) علما أن هذا التعليق لقد أنجزه بعد أيام من بيان أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية، اعترضت فيه على تنبؤ الحلقة الأولى من العمل ب"زوال إسرائيل". والمثير جدا رغم تصريح الطرف (الإسرائيلي) فأغلبية المشاهدين لم يتجاوبوا مع المسلسل لكثرة أخطائه؛ وكذلك لم يتفاعلوا مع مسلسل(أم هارون/ الكويت) وحتى قبيل عرض الحلقة الأولى منه قوبل بجدل على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لكن اشادت به (إسرائيل) وعلق المتحدث بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي قائلا:": الذي يَغضب من مسلسل أم هارون على سبيل المثال ويخاف من كلمة تطبيع فهو فاقد البوصلة ضعيف الإرادة. بؤساء أنتم والله.(8) في المقابل كما اشرت: لقي المسلسل هجوماً منقطع النظير من المتابعين الذين طالبوا بملاحقة ومحاسبة من أنتج، ومن أخرج، ومن بث ومن مثل فيه، ولم يجرؤ أحد على مدح او الدفاع عن المسلسل، ليأتي الدعم فقط من "إسرائيل" التي وصف المتحدث باسم جيشها المهاجمين للمسلسل ب "المفسدين... (9) هنا نلاحظ بأن منصات التواصل الإجتماعي؛ بحكم التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات أمست بقوة حضورها سلطة تتحرك في الفضاء الإعلامي؛ ولها كلمتها:مما أطلق عليها: السلطة الخامسة هيّ حينئذ حضور مضاعف لإرادة اجتماعيّة تعمل في فلك المدوّنات والمواقع الاجتماعيّة على إنتاج المعنى وتحقيق التذاوت على نحو متحرّر من الضوابط القانونيّة والأخلاقيّة (...) والسّلطة الخامسة، في نهاية الأمرإنما هيّ أسلوب جديد لبناء الواقع الاجتماعي. خارج القوالب الميدياتيكيّة المهيمنة والضوابط المعتمدة في صناعة المعنى(...) من خلال إعادة إنتاج الإيديولوجيا السّائدة في المجتمع، وهي التي كانت تروّج لها الوسائل التقليديّة للإعلام الجماهيري (10)                                ربما سيثير قارئ (ما) بأن الوسائل التقليديّة للإعلام حاضرة لازالت بقوة في المشهد الثقافي/ الدرامي/ الإعلامي/رغم منصات التواصل الإجتماعي .

مظهريا أكيد ولا خلاف؛ ولكن الاختلاف سيتحدد في حضورها المحتشم الآن؛ وفي تبعيتها المطلقة (الآن) للأنظمة العربية؛ فحتى التي تعلن أنها (مستقلة / حرة/ خاصة) انكشف قناعها أنها تابعة لجهة

ما أو طابور خامس كما (يُقال). ولكن المتمعن في القراءة والمتتبع لمحمول تلك الصحف والمواقع؛بكل بساطة سيكتشف أن حمولتها الإعلامية مأخوذة من مواقع التواصل الاجتماعي. التي هي أساسا متعددة؛ حتى أن بعض المواقع تبث فيديوهات لنشطاء تمارس شغبها النقدي/ الساخر حول الدراما العربية؛ والبعض يترجمها كتابة؛ هي ليست سرقة أو انتحالا؛ بل القضية تندرج في التفاعل التلقائي بين النشطاء.: وجد الصحفي والسياسي والمواطن نفسه أمام مشهد إعلامي غير معدل او حتى مقنن. أصبح الصحفي ورجل الأعمال ورجل السياسة لاعبون رئيسيون جدد في تحديد ملامح البيئة الجديدة للاتصال(...)مجسدا في صحافة شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام التفاعلي.لإحراج كبرى التلفزيونات والإذاعات والصحف والمجلات ذات التاريخ العريق أو ذات المال الوفير (11)                                  إذن؛ وبالعودة للمسلسل الذي يشير لأول مرة إلى وجود اليهود بالخليج، نلاحظ هاته التغريدة لباسم نعيم القيادي في حركة حماس- الذي: اعتبر أن مسلسل "أم هارون" ليس فناً تطبيعياً، بل هو جريمة تاريخية، وغسيل أفكار وقيم يحاول الإسرائيليون تمريرها منذ عقود" واصفاً المسلسل بالعدوان الثقافي (10) منشورة في عدة صحف ومواقع إلكترونية؛ بمعنى أن التغريدات والتعاليق التدوينات مستباحة كفعل إعلامي بديل؛ والتي تعبر عن ظاهرة إنسانية غير مشروط بالتعويضات المالية؛ ولا بالهوية الإنتمائية (طائفيا/ حزبيا/ عشائريا / قطريا) ولا بحقوق الملكية الفكرية للمدون/ المغرد/ المؤلف . وإن كنا نلاحظ أن السلطات العربية؛في الآونة الأخيرة تحاول خنقه أو إسكاته وتكميم أفواه وأنامل النشطاء .بطرق يتداخل فيها القانوني بالعرفي والعرفي بالتحايل؛ بناء أن: الإعلام الجديد ساهم في إعادة تشكيل الأنماط التواصلية التقليدية القديمة القائمة على احتكار النخب السياسية والثقافية لوسائط الإعلام وباقي وسائل التعبير في الفضاء العام واعتماد هرمية انتقال المعلومات من النخب إلى العامة.فلم يعد عالمنا المعاصر منقسما إلى كتلتين متصارعتين من الدول وإنما أصبح بصدد»التسلسل الهرمي « منه إلى فكرة »Net work الشبكة «....والتي عززت من قوة الأفراد والجماعات، بينما قلصت من السلطة التقليدية للدولة (12) وبالتالي فقوة النشطاء فرضت نفسها في السنة الماضية؛ ولكن هاته السنة اكتسحت المشهد العربي؛ وخلقت جدلا خارج الدراما؛ جدلا تنظيميا/ سياسيا/ فكريا/ تقنيا/ والنموذج الأكثر إثارة ويحتاج لدراسة مفصلة؛ ومفادها قضية الدراما العراقية؛ و الجدل المثير حول عملين (أحلام السنين/ بنج عام) والتي نشره موقع (روسيا اليوم) وتبنته جل الصحف والمواقع العربية: بحيث بعد عرض مسلسلين (أحلام السنين/ بنج عام) في حلقاتها الأولى: استنكرت عشائر عراقية في محافظة البصرة مسلسلا عرض على قناة MBC عراق، تناول الحياة في أهوار جنوب العراق.... وهدد ناشطون إيزيديون بمقاضاة كادر مسلسل (بنج عام) بسبب ماعدوه "تشويها للقضية الإيزيدية"، على خلفية استخدام الممثل الذي يلعب دور عنصر في داعش، ألفاظا جارحة ضد الإيزيديين.... وفي سياق متصل، استنكرت النائب عن المكون الإيزيدي- فيان دخيل- مشاهد من مسلسل "بنج عام" العراقي... "المسلسل استخدم المأساة الإيزيدية بكل استهتار واستخفاف وعدم شعورٍ بالمسؤولية من أجل تسويق العمل على حساب أرواح وأعراض آلاف الضحايا الايزيديين ومئات الآلاف من أبناء جلدتهم (13) والذي ازداد في حمي الوطيس انضمام - النقابة الفنانين العراقيين - إلى الجدل ودخولها على الخط؛ بالرد على العشائر والنشطاء الذين تهجموا على المسلسلين بحيث وجهت: انتقادات شديدة لسياسيين وشيوخ عشائر هاجموا أعمالا فنية عراقية عرضت في شهر رمضان، واعتبرت أن مهاجمة تلك الأعمال تمثل تحريضا على الفنانين.... وأضاف بيان النقابة "حين تخرجُ أصوات نشاز، لتحرّض على فريق عمل مسلسل (بنج عام) والحلقة المتعلّقة بالجريمة التي تعرّض لها أهلنا الإيزيديون، هؤلاء يدوسون على جراح الضحايا، ولا يفهمون أنّ إبراز قبح الجلاّد هو تثبيتُ حقّ الضحيّة في التاريخ"(14) وبهذا الجدل نلاحظ أن هنالك نشاطا قويا وغريبا في آن لنشطاء التواصل الإجتماعي؛ وردود غير متوقعة من طرف من وجهت له أسهم الفضاء الأزرق والأحمر والأبيض وعدسات الفيديوهات...والمسألة في عمقها الأساس لا تعدو مبادرة فردية كما يُعتقد؛ بل هي جماعية (des groupes) مما تتم بسرعة البرق انتشارأي خبر أو فكرة؛ وتتبلور في سياقات متعددة. فعلى سبيل الذكر: على الرغم من الإشادة الواسعة التي حظي بها مسلسل "أولاد آدم" إلا أن الممثل قيس الشيخ نجيب تعرض لانتقادات واسعة، على خلفية تغطيته عينه على طريقة القراصنة. وتساءل كثيرون، هل لا تزال تغطية العين بهذه الطريقة مقبولة في العام 2020؟(15) فهاته الملاحظة؛ كانت كالنارعلى الهشيم عربيا؛ منتجة تعليقات متقاربة وتأويلات ساخرة ولاذعة. لأن مواقع التواصل يتبين أن لها قاعدة مستخدمين عريضة وبشكل لا يمكن تصوره، كما تضم النقيض والأضداد من ضمن الفعل الجمعوي. وهذا نقاش آخر؟

 

نجـيب طــلال

......................

إحالات:

1) أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 سيدتي نيت: دبي - معتز الشافعي

في- 01-05-2020

2) أخطاء فادحة وضعت مسلسلات رمضان في مرمى الانتقادات .بقلم أشرف كمال- الخليج أونلاين -

05 -05-2020

3) على صنّاع الدراما أن يفهموا: انتهى زمن الجمهور الصامت بقلم محمد ناصر في صحيفة العرب

يوم 2020/04/28

4) ناقد مصري يسمي أفضل 3 مسلسلات رمضانية لهذا العام: صحيفة شروق المصرية في 28/4/2020

5) الإنتاجات الرمضانية .العادة القديمة: متابعة - لعبدالرحيم سموكني: ص/20/21 في مجلة - تيلكيل عربي- ع

52 - من 15 إلى 21 ماي 2020

6) الميديا الاجتماعيّة- الأدوات البلاغيّة الجديدة للسلطة الخامسة مدخلة:عبدالله الزين الحيدري/ قطر ص 97

المجلة العربية الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

7) مصر وإسرائيل عن مواقع التواصل للجزيرة مباشر في- 3 مايو 2020

8) نفسها

9) هجوم جماهيري شرس على مسلسل التطبيع "أم هارون" والمديح يأتي من إسرائيل! صحيفة إضاءات- في –

25-04-2020

10) نفسها

11) الإعلام الجديد والربيع العربي:مراجعات بحثية: مداخلة جمال الزرن/ جامعة قطر ص12المجلة العربية

الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

12) دور مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز ديمقراطية الاتصال في اليمن - مداخلة صباح الخيشني / صنعاء،

اليمن ص110 - المجلة العربية الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

13) جدل في العراق بسبب أعمال رمضانية ونقابة الفنانين تُدافع – عن موقع روسيا اليوم (RT) في           02 /05/2020

14) دراما رمضانية تثير الجدل في العراق.. نقابة الفنانين تدافع وإيزيديون يهددون باللجوء إلى القضاء – عن: موقع الحرة / خاص – واشنطن في 02 مايو 2020

15) أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 دبي - معتز الشافعي مجلة سيدتي نيت في

01-05-2020

 

 

وليد العرفي للشاعر العراقي: سامي العامري أنموذجاً

تمهيد: تقوم فكرة القصيدة على بُعدٍ اجتماعي، وهو يتمرأى علاقة الذات بنظيراتها سواءٌ مَنْ كانوا مُختارين بانتقائية، وعنْ حريّة إرادة، أمْ ممَّنْ تفترض الحياة التعامل معهم، وأياً تكن الأسباب والدوافع الكامنة وراء نشوء هذه العلاقات يبقى السلوك الإنساني في التعامل هو معيار استمرار تلك العلاقات أو انقطاعها، كما يعكس جانبي الرضى عنها، أو النفور منها، وعلى هذا المنحى يبدأ الشاعر في طرح رؤيته .

العنوان وفعل المجاوزة والانغلاق

بدايةً أودُّ التوقف عند العنوان، والعنوان في النص الأدبي مفتاح دخول القارىء إلى عالم النص، لأنه: "  رسالة لغوية تُعرّف بهويّة النص، وتُحدّد مضمونه، وتجذب القارئ إليه وتغويه به "  ، مثلما يُشكّل قناة الاتَّصال الأولية مع القارىء غير أنَّ العلاقة تبدو مخاتلة في مقصدية العنوان هنا، وهو ما يُثير التساؤل عن ماهية العلاقة بين العنوان والنص، يتألف حدّ العنوان من تكرار يقوم على الأسماء، يداً بيدٍ مع اللازورد، وهو أقرب ما يُشير إلى عنوان شعاراتي ؛ فما وجه الالتقاء بين هذه المكونات:  اليد عضو في الكائن الحي يرمز إلى القوة، اللازورد من الأحجار الكريمة، وهو ما يدخل عادةً في صناعة الزخارف والمنحوتات ذات الطبيعة التاريخية، وبناءً على هذه الرمزية يبدو ثمَّة انغلاق يُحجّر على ذهن المتلقي فهم مرمى النص، وأنا أعي رغبة  الشاعر العامري  في تغلغله في تلك المساقات غير أن المجاوزة والغموض شيء، والانغلاق على المعنى شيء آخر.

البنية الإيقاعية ومستوياتها

ينطلق الشاعر: سامي العامري  في هذه القصيدة على راحلة البحر الخفيف، وهو من البحور ذات الطبيعة المركبة، كما قسمها الفارابي ذلك أن ما تألف من تكرار تفعيلة واحدة كالمتقارب بُسمَّى بسيطاً، وما  اختلفت في تأليفه التفعيلات يُسمى مركباً  ومنه الطويل والخفيف الذي اعتمده الشاعر، وهو يقوم على بنية فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن  وسأتوقف عند:

أولاً -  حدّ الأنساق القافوية

حدَّد العروضيون أنواع القافية بناء على معيارين هما:

- المعيار الكمي الذي يعني التزام القافية في القصيدة كلها بوحدة تامة- .

- المعيار الكيفي الذي يعنى بظواهر تكرار الحروف  والحركات، وبهذين المعيارين تمت عملية ضبط القافية، وما يعتريها من خرق أو خروج فيما يسمى بعيوب القافية، وقد أضاف حازم القرطاجني (الوقف)، وهي ترتبط بمسألة النهاية في البيت فهو مهم للتنغيم  لما للشعر من ارتباط بالغناء الذي يقتضي طبيعة تقفية مطلقة لا مقيدة  فالحرف الساكن حين يقع في نهاية الكلمة وثم يراد الوقف على كلمته قد يتعرض ذلك الحرف إلى الغموض أو الإبهام فيقل وضوحه في السمع أو قد يسقط في النطق،ولا سيما حين يكون من الحروف المهموسة الشديدة كالتاء والقاف ؛ فلا يكاد يتضح في الأذن، ولا يكاد السامع يدري حقيقة أمره ولا يحس بموسيقاه  ، فكيف تعامل شاعرنا العامري مع هذه المسألة من حيث اختيار القافية وطبيعتها، وتشكيل الأنساق القافوية على المستويين الأفقي والعامودي ؟  لقد اختيار شاعرنا العامري نمط القافية المتواتر، وفيه تتناوب الحركة والسكون بشكل ثنائي / 5/5

أ - الأنساق القافوية على المستوى الأفقي: *على مستوى الحرف تؤدي المواضع التقطيعية دوراً مهماً في تأليف نسق  القافية على المستوى ؛ لأنها  تظهر الإمكانيات المتسقة مع نصف الشطر تشطير التصريع، ونهاية القرينة غير المركبة تسميط الشطر ونهاية القرينة الترصيعية المركبة من أكثر من كلمة تسميط البيت، ونهاية الشطر حيث يقسم البيت إلى شطرين ومنه:

1- التصريع، وهو ما يُسهم عبر المواضع الأفقية في خلق تشكيلات من ألوان البديع المرتبطة بهذا النمط  ومما أورده العامري في هذه القصيدة التصريع، وهو أن يكون آخر حرف المصراع الأول على شاكلة حرف المصراع الثاني في البيت   أو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه تنقص بنقصة وتزيد بزيادته، وهو ما يغلب في مطالع القصيدة،  إذ يكون له في أوائل القصائد طلاوة ووقع في النفس لاستدلالها على قافية القصيدة   يقول العامري في مطلع القصيدة ؛ فقد توافقت آخر كلمة في المصراع الأول آخر كلمة في المصراع الثاني من حيث الوزن والتقطيع الصرفي وحرف الروي

 شَغلتْهُ الكؤوسُ عمَّا يليقُ         بفتىً مثلهِ  وطـــــــالَ النقيقُ!

2- التسميط : وهو أن يجمع عدة سلوك في ياقوتة أو خرزة ما ثم تنظم كل سلك منها على حدته يسيراً ثم تجمع السلوك كلها في زبرجد أو شبهها أو نحو ذلك ثم تنظم أيضاً كل سلك على حدته وتصنع به كما صنعت أولاً إلى أن يتم السمط، ومنه قول العامري:

دَبَّ في نهره الشجا فاشتهى الموتَ       فنادى كما روى لــــــــــــيْ غريقُ

 فثمة توقفات في البيت عند حرف الألف اللينة في كلمات الشجا، أشتهى، نادى، روى، وهو ما أسهم بزيادة النغمة الموسيقية  داخل البيت وقوت من الترابط بين أجزائه .

** أما على مستوى الكلمة ومن أنماطه رد العجز على الصدر،  ويلجأ الشاعر فيه إلى أن يمهد للقافية بلفظ مجانس لها في أحد مواقع البيت السابقة في صدر البيت أو الحشو أو الختام، وقد حددت نوع القافية بالتكرار أو بالمتجانسة أو قريبة منها أما مواقعه ؛ فيلزم الثبات في آخر البيت، ويتغير في صدر المصراع الأول وحشوه وآخره وصدر المصراع الثاني وحشوه، ومما لجأ إليه شاعرنا:  العامري هو صدر المصراع الثاني في قوله:

 فجموعٌ شـــطَّتْ، وغالتْ جموعٌ     وفــــــريقٌ صلّى، وعابَ فــريقُ

 أما الدلالي وهو على نوعين:

الترشيح: ويعني أن يأتي لفظ في البيت يدل على القافية، وذلك بأن يستدعي المذكور الغائب إلى الذهن لوجود رابطة دالة، وهو ارتباط يتخذ أشكال معنوية من مثل ارتباط السبب بالنتيجة أو ما بين فعلين متلازمين  ومن هذا القبيل والتلازم:

أنــــــــــتِ أبهى وإنْ تريدي فإنّا    نُكمِل البعـــــــضَ والزفيرُ شهيقُ

 فالزفير تستدعي إلى الذهن مرافقتها الشهيق ؛ لارتباطهما في عملية واحدة تقوم على التناوب، وهو ما يقتضي  وجودهما معاً،  وقد يكون الاستدعاء على لزوم الصفة للموصوف كما في قوله:

ما خـــــــــــلا ظلَّه البهيَّ وأنّى      يطأ الأضـــــــلعَ النسيمُ الطليقُ؟

إن ذكر الشاعر لفظ  النسيم  يستدعي الصفة الملازمة له، وهي الطليق   على سبيل التلازم ما بين النسيم وصفته الطليق

وفي قوله:

قالتِ الشمسُ قد تذيب مســـامي         قلتُ كـــلا، فذاك عصرٌ سحيقُ

فالحوار القائم على توقع أمر، ثمَّ نفيه من قبل الشاعر استدعى إلى الذهن صفة سحيق ؛ لتنسجم مع دلالات المعنى المراد إيصاله، والهدف الذي يرمي الشاعر إلى تحقيقه وقد يكون الاستدعاء قائماً على تلازم بين شيئين يرتبطان ببعضهما ارتباطاً يقوم على اشتراكهما في النوع من مثل قوله:

ولتفجير كـــــلِّ أوكارِ  ضَيمي          ليــس يكفي البارودُ والمنجنيقُ!

فالبارود المادة الدالة على فعل الموت تستدعي المنجنيق ؛ لارتباطهما بالغاية ذاتها .

وتتبدّى الموسيقى الداخلية بجمالية انتقاء الأصوات التي يبدو أنَّ الشاعر انتقاها بعناية لافتة ؛ لما فيها من الهمس، والمقاربة في مخارج الحروف، كما في مقاربته بين حرفي الصاد والسين والميم والتكرار الذي لم يخلُ منه بيت من أبيات القصيدة :

وقد بلغ التكرار ذروته في هذا البيت إذ تكرر حرف الميم 3 ثلاث مرات في كلمة واحدة هي (مسمّى)، كما تكرر حرف  السين بالتجاور  بين اسم، ومسمى، وكذلك تجانس حرف الصاد والسين لتقارب المخارج والصفة فيهما:

يا صِحاباً، إسماً علـــى لا مُسمّى

 أتُرى لا يَلْوح منكم شـــــــــفيقُ؟

ومن تجاور حرف الصاد في كلمتين ما نجده في:

الفعل: يصح ــــــــــــــــــــــــ   و الاسم: صديق

  ومن تجاور الفاء

الفعل دفعتم ــــــــــــــــــــ والاسم فاتورة

في قوله:

كم دفعتمْ فاتورةً عـــــــــن تحايا        ونقاءٍ ولم يصحَّ صــــــــــــديقُ

  كما يؤدي تماثل التركيب إلى إضفاء الموسيقى الداخلية ومن ذلك تماثل أشباه الجمل في البيت التالي: في دمعتيه، في وجنتيه، في وساداته، في خفايا،

 دَبَّ في دمعتيهِ، فــــــــي وجنتيهِ            في وســـــــــــاداته التي لا تفيقُ

ومن تكرار الفاء والميم والسين ما نجده في قوله:

 في خفايا خــــــــفائه اللاّ مُسمّى           كإلهٍ أنساهُ سُـــــــــكْرٌ عميقُ

وقد عمد إلى إعادة اللفظ الذي يرتبط بإكمال المعنى من مثل قوله:

 ليـــس غيرَ الندوب في القلب خِلٌّ      عنده اليومَ، والفراغُ شـــــــقيقُ

فقد جعل من الظرف نقطة فصل وانتهاء في البيت، ثم ابتدأ به لاتّصال المعنى الذي يريد إكمال فكرته والتعبير عنها بتوسيع الدلالة .

 غير أنَّ التكرار إذا لم يكنْ مُنضبطاً قدْ يُثقل على السمع، ومن ذلك ما نجده في تكرار حرف الشين 4 أربع مرات  في هذا البيت:

 عندَهُ مِــــنْ مآزقِ الفكرِ ما لوْ      عشْتُموهُ عَشَّشَ فيكمْ حــــــــــريقُ!

ناهيك على أنَّ العلاقة تبدو مغلقةً عصيةً على الفهم في تسويغ  الجمع بين القافية الحريق التي يبدو أنها طُوّعتْ لموافقتها القافية في إسنادها إلى فعل عشَّش ؟ !

  وسيلحظ المتابع تكرار غير حرف ما بين الصدر والعجز في بقية النص فحرف العين تكرر بين: العوم ــــــــــــــــــــــــــــ يعيق

  بُغيتي العَومُ كالضـــــياء ولكنْ    بَشَراً كونيَ اقتضــــــــــى ما يُعيقُ

 وتكرر حرف الراء  بين الأفعال: رأيت، يخرج، والاسمين: ركب، ريح  في قوله:

ورأيتُ الســـحابَ يخرج من نايٍ      وعصْــــــــفاً بركبِ ريـحٍ يَحيقُ

وبين الأسماء: الريح، وراء، دوران  البحار، والدوري: بصيغتيه الاسمية والفعلية في قوله :

  قلت للريح ما وراءك؟ قـالت:      دون لَفٍّ أو دورانٍ، عشــــــــيقُ!

 قلتُ لفِّي حـــول البحار ودُوري        وغـــــــناءُ الدُوريِّ فيك لصيقُ

كما يتكرر حرف القاف الذي أسَّس عليه حرف الروي في قفلة القصيدة إذ تكرر بين:

الحقد، قلت، حقدي، رشيق:

 ثُـــــم عادت فاستدركتْ بسؤالٍ       هل كبا الحقدُ؟ قلتُ حقدي رشيقُ

كذلك حرف الكاف والحاء والفاء والجيم: وهو بلا شك تكرر لا يُخفي انتباه الشاعر إلى محاولته تحقيق قدرٍ كبير من الموسيقى عبر انسجام الأصوات، وتقاربها، وهمسيتها . 

 كحنوٍّ علـــــــــى الحياة وأدري       كــــــان قد جفَّ مثلما جفَّ ريقُ

  التسبيغ أو تشابه الأطراف وفيه يعمد الشاعر إلى إعادة لفظ القافية في أول البيت الذي يليه، ويُسهم هذا النمط في تماسك وحدة البيت ويمنحه بُعداً دلاليَّاً عبر التكرار للفظ نفسه ومنه:

عبثاً وعيُنا انتهى مــــثلَ خُرْجٍ       بثقوبٍ ينثالُ مـــــــنها الدقيقُ؟

لا دقيقاً نرى وســـاءت موازيــــ....  ــنَ وفكراً كدرب نملٍ يضـــــيقُ

فتعاقب دقيقاً التالي لدقيق في قافية البيت السابق شكلت لحمة على المستوى الدلالي فحولت البيتين إلى بيت بنية لغوية معبرة عن معنى واحد ودلالة محددة، وهو ما ينفي عن النص انفراد البيت واستقلاليته، ويُكسبه نوعاً من الوحدة العضوية ذات الدلالة الواحدة .

ليتَ حُبَّ الجميعِ صــــافٍ وعارٍ

عن ثآليلِ مَـــــــن مضوا وحليقُ

 

كتماســــــــــيحَ قد علاها فَراشٌ

فاســـــتكانت والجلدُ بضٌّ رقيقُ !

الأنساق القافوية العمودية

تُشكّل القافية الوحدة البانية للقصيدة على المستويين الصوتي والدلالي، وقد جاءت القافية مطلقة،  وهذ النوع من القوافي يؤدي دوره الموسيقي الفاعل بسبب انفتاحها على حروف المد الناتجة عن إشباع الحركات، وهو ما يمنح هذه الحروف  أمداء أوسع في الاتساع والامتداد الصوتي، وهو ما يبدو قد لفت عناية الشاعر إليه في اختياره والتزامه غير الملزم بحرف الياء السابق للروي وهذا الالتزام أكسب القصيدة طاقة موسيقية مضافة، ومما أسهم في دعم تلك النغمة الموسيقية تناوب الحركة والسكون في القافية ما يؤدي إلى إطلاق الصوت واتساع مدى نبرته،  وهو ما حققته القافية المتواترة التي اعتمد الشاعر عليها في بناء القصيدة التي جاءت ركيزتها المعمارية على إيقاع البحر الخفيف في تأكيد من الشاعر أنه يغوص في أي بحر طالما أنه يتقن مهارة فن العوم .

وبعدُ فإنَّ هذا ما أمكنني رؤيته، واستكناه مرامي دلالاته التي كانت ضبابية في بعض جوانبها، وقد يرى سوايَ ما لم أره، وهو حقُّ اختلاف، فكلُّ إضافة على استبطان المُضمَر إنما هي إنجاز لثالوث الإبداع:  النصَّ، والمبدع والناقد . 

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

 

يداً بيد مع اللازَوَرْد / سامي العامري

 

نعثر في رواية (خاتم) للروائية السعودية رجاء عالم على شفرات متداخلة متقاطعة: ثقافية – سوسيولوجية- جنسية، وهي تشكل الجسد المزدوج (البطل) وتصنع المعنى، وبغياب الجسد يغيب المعنى برمته في السرد، باعتباره (أي الجسد) نقطة التقاء وتنظيم لهذه الشفرات المندمجة، والمحتوي على المعنى الكلي، وفي الوقت ذاته تكون بنى الشفرات هنا مشتركة في صناعة بنية النص وبنية الجسد، وبتداخلهما تتحقق الشعرية- الجمالية للسرد الروائي، فالسرد لدى الروائية رجاء عالم يختلف عن السرد الذي يحمل الطابع الذكوري، من حيث الرؤية، والتجربة، والمخيلة، فهي تهدف الى تكسير النموذج السردي الذكوري بتفتيت الوحدات السردية وتعرية عجزها... تحطم نموذج الحبكة الذكورية لتترك النص هشيما، كما يقول الناقد عبد الله الغذامي، وعليه تتحقق هنا أسبقية الجسد على النص، بمعنى ان النص يخرج من جسد لا هو بالأنثى ولا بالذكر، وهذه الرؤية تقع ضمن الشفرة الرمزية التي تعتمد على الجسد الإنساني بوصفه كلية النص، وبهذه العملية ينتج النص المشفر.

ومن خلال الجدلية – الجنسية، تتكشف لنا العلاقة المتناقضة داخل الجسد، وتميزه عن الآخرين، وتوحده مع العالم، وغربته مع الواقع، ويتحكم بهذه العلاقة الوعي الذي تمتلكه خاتم، وعي يتصف بالكثافة، يعمل على تعميق الإحساس بالانقسام داخل جسدها، واختلافه، ففي هذه الحالة يكون هنالك جسد مزدوج ووعي متداخل، غير متناقض، منسجم، ومنهما نستخرج المستويين التكويني والدلالي لشخصية خاتم، والتغلغل الى أعماقها غير المستقرة، القلقة، التي تصبو الى الوحدة والتكامل، بعيدا عن هذه الازدواجية، والتمزق بين اتجاهين مختلفين، لكن هذه الازدواجية تتوقف تجاه الخارج، لتمارس وضعها الحقيقي المفروض عليها بيولوجيا والمحكومة به اجتماعيا.

ان رجاء عالم تتجاوز النظرة التي ترى في الأنثى الجانب السلبي الضعيف للكائن الإنساني الخاضع للرجل، وفي الذكر الجانب الايجابي القوي المخضع للأنثى،ونلمس ذلك في خاتم الشخصية الإنسانية المركبة، التي صورتها الروائية بقصدية عالية ودقة عميقة، ولتفسر الاجتماعي بالفردي، وان الموجود الإنساني ليس هو الخنثى، وانما الإنسان : الأنثى والذكر، الإنسان الذي فيه الطبيعتان الذكورية والأنثوية، فأنهما الحياة وجوهرها الإنساني.

منذ بداية الرواية نحس بأن هنالك شيئا مفقودا أو غائبا عن القارئ: (انشق غشاء الخضرة وبان ما بين ساقي الوليد، بإصبع مرتعد أشارت سكينة لما بان، وجاوبها اصطكاك أسنان الشيخ نصيب – ص7)، انها الشفرة الغائبة التي يبنى النص عليها، انها الشفرة التي تعمدت الروائية ان تخفيها، انها حقيقة خاتم، وهذه الحقيقة لا تكشف من قبل الأخوات والجواري، الا بلحظات قبل مقتلها في نهاية الرواية، فتكون حقيقة مطعمة بالمرارة والخديعة لديهم، فلقد ارتسمت على وجوههم المذهولة (نظرة هي مزيد من دهشة على ذعر وغيظ وغدر ذاك الاكتشاف- ص31) لقد رأوا السر- الحقيقة أخيرا، بينما القارئ يعلم به مسبقا دون ان يراه، لانه كان قد فك رمز هذه الشفرة أثناء القراءة المتوارية في الكلمات، فالرؤية والمعرفة انحصرت بالأم سكينة، والأب الشيخ نصيب فقط، وان القراءة العميقة للرواية تستدعي ميدانا دلاليا من الكلمات، فالقارئ – الناقد ينتقل عبر الشفرات من النص الى لا تناهي الشفرات ليكشف المعنى(1)، وهذا يدفع بالقارئ لكي يتجاوز السر السؤال الذي يقول: ما هو؟

والموقف هذا يتشابه مع موقف سارازين بطل رواية سارازين لبلزاك، حيث يكتشف الخديعة التي وقع فيها، وحقيقة المرأة التي أحبها زامبنيلا كونها (كونه) لا امرأة ولا رجل، فإنها (حقيقة مريعة الى نفسه)(2)، فالقارئ هنا لا يكتشف تلك الحقيقة- السر، الا مع سارازين قبل مقتله في نهاية الرواية على يد رجال الكاردينال سيكونيارا، عشيق زامينيلا، فقد كانا يعتقدان بانها (المرأة، بكل مخاوفها المفاجئة، وكل نزواتها الطائشة، واضطراباتها الغريزية، واجتراحاتها من غير سبب، وتبجحاتها، ورقة مشاعرها) (3)، بينما هي إمراة زائفة، وولد مزيف في خاتم، وفي كلتا الروايتين سارازين وخاتم، تكون شفريتهما الرمزية : التشوه، الذي هو المحور الرئيسي لهما، أي لا طبيعية الجسد .

من هي / هو خاتم؟ تقول زرياب لرفيقاته في المبغى:

بنت في ثوب ولد، مثلما خطفونا من أهلنا خطفوه من جسده، نقلوه لجسد، لا هو بالذكر ولا بالأنثى، في الأفراح والولائم أنثى، وفي الصلوات ذكر، أي لغة يمكن لجسد هذا الإنسان ان يتكلم؟ لو استراح للغنج واسترسل فمن أين يجئ بالرجولة لحمل ثوب؟ جسد محبوس في لغتين، صار للشك في الوجهين لا هو يستريح للأنثى ولا للذكر- ص22.

ان تأويل (أي جانب من جوانب النص يعد تأويلا لواحدة من الشفرات " القوة الغائبة " التي تعمل بصمت في عوالم المعنى المضطربة ضمن إطار " شبكة اللغة المتاخمة" التي تشكل انسيابية النص) (4)، بمعنى انتقال الدراسة الباحثة عن المعاني على مسار واحدة من الشفرات، الواقعة خارج نطاق النص، وفي استطاعتنا القول بان عملية تفكيك الشفرات تعطي المجال لإنتاج نص آخر.

وكما قلنا فان النص محصور في الجسد، المهيمن عليه هيمنة مطلقة، والذي يكون حاضرا في جميع ثناياه، وصوره المختلفة، بتناغم وانسجام، والخاضع لدلالات تأويلية لا تخفي على القارئ: الجسد – المطر، الجسد – الآذان، الجسد- العود، الجسد- الغناء، الجسد- الحجارة،الجسد- الرؤية، الجسد- النور. الهواء . الصوت .

الجسد يخلق الجسد، من الجسد ينبعث جسد، وذلك باتحاد المرأة والرجل، اما في رواية خاتم، فالجسد معطل، ولا يستطيع القيام بفعلا الأنوثة والذكورة، فهو معطل عن خلق الحياة (لماذا لا يطاوع جسدي فيستسلم لهذه الرغبة الحارقة لاحتواء جنين بجسدي، ولا يستسلم للرغبة في الانصباب لجسد؟! . ص27)، رغبة خاتم اللا محدودة في إعطاء الجسد هوية مستقلة مختلفة عن الآخر، لكن هذه الرغبة تبقى واقعة في ميتافيزيقيا الحضور، ويبقى الصراع محتد داخل الجسد، وفي حالة ألم، اما تجاه الخارج فيتوحد، ليتوجه في محاولة بناء علاقة متوازنة معه، تتسم بالمثالية، متمثلة في اتحاد الجسد بالأشياء، لتكون البديل عن الآخر الطبيعي، (العود جسدي، هذا الكون الذي يعنيني. ص24) . رغم ان مركز الكون : الجسد، وفي موضع آخر من الرواية، يكون العود/ الموسيقى هو الجسد الآخر بالنسبة لخاتم، لتعاشره معاشرة جنسية مثالية (خاتم لم تكف تهرب وتعاشر العود عند زرياب الحلبية. ص22)، انها معاشرة مبتورة، غير طبيعية، فليس من الممكن ابدا، ان تعاشر الانا – الانا بل الانا – الانت، ومن هذا يتشكل عندنا معنى سوسيولوجي ودلالة جنسية، مفهومة في هذه العملية التي تحدث، من خلال منظور معقد، ينتج عنه بنية دلالية، تصب في انزياحات الجسد، وإحالاته المتعددة (زرياب تقودها للتخاطب مع جسدها دون رجل- ص20)، ليس هذا فحسب، بل أنشئت زرياب طقوس طوطمية أثناء حصول هذه العملية، حيث تقوم بنزع ثياب خاتم (مفترشة الأرض العارية- ص19) عارية، فمفردة الفراش تحلينا من خلال المفهوم اللغوي الإيحائي الى العملية الجنسية، هنا خاتم والأرض عاريان والعود محتضن، هذا المشهد سوف يعطينا تأويلات مختلفة، وتفسيرات تنتمي الى الشفرات: الرمزية، الدلالية، الإيحائية، تدفعنا للتفتيش في النص، للحفر فيه، من اجل العثور على الصور السلبية، الملحقة بالصور السردية، والتوصل مع زرياب الحلبية الى الأسرار الخفية عن جسد خاتم، التي تعرف (ما لا يعرف، وكتمت حتى عن نفسها ما تعرف- ص22).

ان غياب الهوية الجنسية في الجسد، تعمل على نشوء ممارسة سوسيولوجية مزدوجة، منقسمة، متناقضة، ففي الصلاة يوم الجمعة : غلام، وفي الأعراس: صبية، لكن (في اللحظة التي يتقابل فيها شيئان متعارضان فان من الممكن توقع التحامهما)(5)، وتعبر خاتم عن ذلك الوضع بدقة حينما تقول :

انا لا أطيق البقاء مع أخواتي في المبيتات ووراء البرقع، أحب نظر الناس في عيني ونظري في عيون الناس على الطريق، لا أطيق خروج الحمارة دون ان أكون على ظهرها، أحب الاختباء وراء أستار الشقدوف، لأنصت لأخفاف الجمل على صخر الجبل، أريد ان أرى وأريد للأشياء ان تراني، أحب النقلة بين الشيء وما بعده وقبله او وراءه او نقيضه، أحب مراقبة النساء، الدخول في مجالسهن، وأسرارهن لكن لا أريد ان أكون سرا محبوسا هناك، لا أريد ان أختبئ وفي الوقت نفسه لا أريد ان انكشف- ص12- 13.

ترفض الاختباء، ترفض الانكشاف، لعبة مزدوجة خطيرة بالنسبة لها، وهذا ما يبدو لنا في الظاهر، لكن ما تريده، وما ترغب به، وما تصبو اليه، أعمق من هذه اللعبة، انه حلم الإنسان، الذي يشترك فيه المرأة والرجل، انه الذي يحولها، الى النور/ الهواء / الصوت، انها : الحرية، (فالحرية في الإنسان لا تتجزأ وإذا منحت المرأة الحرية لتتكلم، فسوف تقود حرية الكلام الى حرية التفكير وحرية الفعل)(6)، حرية يقودها الوعي، فالوعي بالآخر، بالعالم، يعمق الوعي بالذات، فليس في مقدرة الوعي الانفصال عن الجسد الذي يحمله، وعليه لا يمكن اختزال الوعي والجسد ببعضهما، الا انهما دائمي الارتباط، لكن ما وظيفة الوعي في هكذا جسد؟ وما هو موقفه تجاهه؟ اذا عرفنا ان الوعي الجسدي- الجنسي يوجد في خاتم في صفة تعارض وتعاكس، على ان هذا التعارض ليس تناقضا انه جدلي- حواري، فان وجود الجسد بهذه الوضعية، يحدد وظيفة الوعي في الصراع من اجل السيطرة على الجسد، فلقد قام الوعي بترويض جسدها – بالاشتراك مع مجهولية الجسد للآخرين- وتكيفه مع الظروف الاجتماعية كما شاهدنا ذلك، وان معرفة خاتم بذاتها، تعمل تغييرا موضوعيا، بنيويا .

فالشخصية الروائية خاتم، لا يمكن فصلها عن العوامل الاجتماعية الموضوعية، والتعامل معها على انها فرد فقط، فلقد ابتعدت رجاء عالم عن النظرة (او الرؤية) الزائفة اللاعقلانية للشخصية، في وسط مغلق، بل كانت خاتم شخصية عامة، متفتحة، غير مفصولة عن المجتمع، ولم تجرد من صفاتها الإنسانية، ولم تكن تكتفي بذاتها وتستقل به، فهذه الشخصية لا تتطور بمعزل عن الواقع الموضوعي، بل كانت مركزا لبؤرة المعاني المشفرة، والتناقض المرعب بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، ويلخص باختين هذه الرؤية على النحو التالي( كل عمل ادبي اجتماعي بالضرورة، وان تلك الاجتماعية داخلية بالنسبة للعمل ومحفورة بعمق فيه)(7)، والرواية تنبع من هدف واحد: تصوير كلية الحياة الاجتماعية ذات البطل الإشكالي، هكذا اذا (ففهم اثر أدبي ما، يعني توضيح علاقته برؤية العالم ضمن البنية السوسيولوجية الشاملة)(8).

ان السرد يتضمن ثلاث قصص هي : قصة خاتم الخنثى- خاتم العواد، قصة خاتم – هلال، وقصة خاتم- سند، وان كل واحدة من القصص الثلاث تمتلك محورها الخاص بها، الا أنها تنتمي الى المحور الرئيسي الا وهو جسد خاتم، وفي نفس الوقت تتجاوزه الى فضاءات شاسعة تحت جناح الرمزية- التأويلية، ولهذا (ينبغي ان نعد أي سرد له ثيمة، سردا رمزيا لا واقعيا)(9)، وليس هذا فحسب، فالشفرة الرمزية تتسيد الرواية، تبدأ الرواية بانبعاث سند، خاتم، هلال الى الحياة وتنتهي بغيابهم ثلاثتهم سوية، ففي الموت ينتهي الجسد : الألم، الوعي، العالم.

ونلاحظ ظهور الدلالة الطبقية بجلاء، عندما تتعمد رجاء العالم بوضع الفوارق الطبقية الحادة بين الشخصيات الثلاث، فخاتم ابنه ثري من أثرياء المجتمع المكي، وهلال ابن مهاجر من خارج الجزيرة، وسند ابن عبد، وتمتد هذه الفوارق الاجتماعية – الاقتصادية، لتشمل الدار الكبيرة المؤلفة من ثمانية طوابق، والفناء من خلفها يتألف من المقاعد السفلية للمهاجرين، والأقبية للعبيد، والإسطبلات للحيوانات، والدار تقع في الجانب المسمى النعيم، المقابل للجانب الآخر الحميم او الجحيم، يفصل بينهما مسجد مهجور لا باب له، والعالم المحظور يتشكل من بوابات(ازقة) : السراق، والبغايا، والبائسين، والتنابلة، وجميعهم يعيشون على هامش النعيم، أناس سحقتهم الحياة، الى حد انهم محصورون في عالمهم الذي حكم عليهم، بأنهم شاذون ومختلفون ومتخلفون، ولكن في هذا المنفى تعثر خاتم على جسدها في شهقة المومس زرياب الحلبية، وتكتشف مجاهله، وتحس بالألم فيه لأول مرة.

وتستخدم رجاء عالم الأفكار الحوارية، وأفكار الشخصية كمرآة، كمتاهة، كلغز، في استجلاء المعنى، وليكون مفتاح الشفرة الخفية (حذرت خاتم قلبها: " لا تعبر الجسر، هو جسر سراق، من يعبره بنصك قلبه للأبد ويذوب المفتاح، جسر قام ليخطف المفتاح- ص9)، انها شفرات احالة: الجسر، المفتاح، وشفرة رمزية : الجسر/ المحظور، والمفتاح/ الحرية، وهذا نتوصل اليه من خلال الخطاب الروائي، وكذلك نتوصل الى شفرة الباب السرية، حيث يجعل السارد حكاية خاتم موازية لحكاية الباب، ونعثر على دلالة الباب التأويلية في الفقرات التالية:

- حكاية البيت انطلقت، ربما من باب قام من زمن متأخر بآخر الدهليز، لم يكن الباب موجودا في جسد البيت الأصلي، لكنه ظل موصدا بلا مفتاح لزمن، حتى شمله النسيان فانفتح دون ان يعتني بانفتاحه احد – ص5.

- باب الدهليز لم يكن له وجود يوم دخل سند نسل نصيب، ولا حتى حين حملت سكينة يوم البرد ووضعت طفلها الذي لم تطلع عليه قابلة، ليلتها لم تقم في الدار أبواب داخلية- ص6.

- على لحمة الباب انتصب جسد منقوش بضربات سكين، خط ودائرة الرأس مضروبة بعنفوان شفرة، إنسان مجرد أشبه بمفتاح تركته يد طفل محبوس وراء ذلك الباب- ص11.

- حين مست اليد خاتم توقف قلب الشيخ نصيب، ببياض عينه يجحظ لا على خاتم وانما للباب الدخيل يصفق بآخر الدهليز، لأول مرة أدرك ان خيالا كان منقوشا هناك وزال الآن – ص31.

حكاية الباب تنتهي بهذه الجملة الإخبارية الكلية ( ان خيالا كان منقوشا وزال الآن)، هنا نستطيع من خلال الخطاب السردي، العثور على رمزية الباب في شفرته الاحالية، وترابطيته بالجسد، فالجملة (على لحمة الباب انتصب جسد منقوش)، احالة واضحة وصريحة لجسد خاتم، والفقرات تلك تبين مدى التداخل السردي، والترابط المعنوي، والالتحام الصوري بين جسدي خاتم والباب.

فالجسد يعثر على حريته في انفتاحه على الآخر، بلا قمع او قسر، ويحقق هويته في العملية الفسيولوجية الصميمية، ولكن في وضعية خاتم ذات الجسد المثالي، فالعملية تصبح مثالية ايضا، والعلاقة مع الأشياء تكون غير مرئية، وأحاسيسها المرهفة الرقيقة لا احد يشعر بها باستثنائها:

وجاء همس الريح في حجارة المحراب:

" صلوا على ابينا نوح، صلوا على أبينا آدم.. " أسندت شفتيها لحجارة المحراب وهمست:

" صلوا على أمنا حواء.." – ص14.

فهي وحدها تتناغم مع العالم المحيط بها بانسجام وتجانس صوفي، فالجسد يصبح محور وجودها، محور عالمها، فعبره تتحاور مع الأشياء، مع الوجود، مع العالم، خاتم عبرت عن ذاتها بكل صدق وشجاعة، بكل حرية، لأنها اكتشفت السر الذي ظل غائبا عن الجميع بمن فيهم : سكينة- الشيخ نصيب- الشيخ مستور- سفر ياقوت- الشيخة تحفة، فقط كانت زرياب الحلبية تعرفه، وقادتها اليه بشهقتها السحرية، انه سر الحياة، ديمومة الوجود الانساني، والفناء فيه، لا يهم نوع الجنس، أنثى او ذكر او الاثنين معا، هذا السر تعطيه رجاء عالم بعدا أسطوريا لا يحس به القارئ لأول وهلة، وبما ان الواقع الروائي جزء من هذا السر، عليه أصبح الواقع الروائي بكل تناقضاته وأضداده ومفارقاته، واقعا أسطوريا مشبعا بالمعاني، وخاتم تعي واقعها بكل وضوح، فلقد اكتوت بنار التجربة، وبألم التجربة، وبرؤية التجربة، تجربة تشبه تجربة سدهارتا بطل هرمان هيسه، تختلف في التفاصيل وتتشابه في صورته الإنسانية للعالم، انهما شخصية الإنسان الباحث عن نفسه بين الناس وبين ذاته، لذا لا بد من ألم التجربة الإنسانية، التي تقودنا للمعرفة، فـ(العالم ايضا معرفة)(10)، وهذه المعرفة أعمق من (الصوت والجسد القابلين للتحريف بثياب انثى او ذكر- ص21)، لانها تخضع لسلطة الوجود، السلطة التي تمثل علاقة قوى، ولان كل علاقة قوى هي علاقة سلطة مؤسسة لمعرفة، فالجسد يصبح علاقة قوى وجودية في السلطة- المعرفة، (يرى ويُرى- ص26)، فالجسد- البؤرة، يرى ويتكلم ويكتشف، ضوء ولغة ومعرفة.

تقول ناتالي ساروت: اذا أراد القارئ ان يحدد ماهية الشخصيات فعليه، بالتعرف عليها من الداخل. ولنلاحظ ان لعنوان هذه الرواية (واسم الشخصية الرئيسة)، خاتم معنى رمزيا ودلالة، مع قصدية التسمية لإعطاء مدلول معرفي، فالمصدر الثلاثي للاسم (ختم) يدل على وضع إشارة ما على شيء ما – جسد، جلد، قماش، حديد، خشب، ورق...الخ، بمعنى انه يترك في عمليته هذه : وشم، حفر، نقش، وفي بعض البلدان العربية يأتي اسم خاتم مرادفا لـ(المحبس)، وجميعها تكون على شكل دائري، وتاتي الدائرة عند الحلاج في الطواسين، مغلقة على الحقيقة: النقطة في وسط الدائرة، والدائرة ما لها باب، والدائرة في أساطير العراقيين القدماء، تمثل الكون، المتكون من ذكر وأنثى معا، تمثل الكمال الانساني، والمحبس مشتق من الحبس/ السجن، هنا تتحكم ثنائية العبودية – الحرية، الجسد المستبعد، والجسد الحر، وفي الأخير يتضمن لدى رجاء عالم اكتشافا للجسد كحيز انقلاب وتغير، وسيكون خ، ت، م، خارج تاريخ الموت، ويتضح المعنى الأساسي ونفهم ان الخاتم اكتمال الرواية اكتمالا فعالا، وانها الشفرة البوصلة.

تتسيد ميتافيزيقيا الحضور/ الغياب، ثنائية الجسد، حضور الذكر وغياب الأنثى، أو غياب الذكر وحضور الأنثى، في تبادل المواقع، في تبادل الأحاسيس، في تبادل وجهات النظر، في الرؤية للعالم، ازدواجية مخيفة ينشأ عنها ألم فظيع، ووحشة،ووحدة عميقة مسكونة بالانقطاع، وجسد يتقاسمه قلبا واحدا، ولسانا واحدا، وشعورا حادا بالانقسام، باللاتكامل، انها حالة إنسانية مصابة بالتمزق والمعاناة.

أتريد رجاء عالم ان تصرخ مع هاملت من خلال شخصية خاتم؟ (ما أعجب الإنسان من كائن، ما أسمى ذكاءه، وما أبرع عقله وحصافته! ما أشبهه بالملك في عمله الطيب، وما أشبهه في إدراكه ببعض الآلهة! انه أجمل شيء في الكون)، رغم تشوهه الجنسي، فان روح الانسان مهما كان جنسه، لاتقهر، لا تحبط، وبتغلغل وعيه السوسيولوجي الى اعماق جوهر علاقاته الإنسانية، غير المشوهة، غير المتناقضة، ولكنها في المستوى الجنسي تكون غير متكاملة، كما في رواية خاتم، لان الفعل الإنساني – الجنسي مفقود، مما يسبب لـ(خاتم) انحرافات في صميمية العلاقة، وانزياحات في سايكولوجيتها الاجتماعية، هذا إعطائها ان تمارس حياتها اليومية بازدواجية متقنة تكاد تكون بالنسبة للآخر طبيعية، لا تثير الشك، ولا تثير الفضول لديه، لان هكذا نوع جنس نادر.

أدركت خاتم بتجربتها الحسية المكتملة على يد زرياب الحلبية، في بيت البغايا- لاحظ ان خاتم قد اكتشفت جسدها، وعثرت على البديل في الحجرة الضيقة لزرياب المُنتهكة، فلقد علمتها زرياب العزف على جسدها وعلى العود – باللا توافق الجسدي مع الآخر، فالإحساس بالتوافق أمر فردي يتأثر بالعوامل الجنسية- السوسيولوجية- الثقافية، لذا لجاءت خاتم في بداية أمرها، يقودها لا وعيها للنقاقير، للتعبير عما يجيش في نفسها من حزن، وألم، وغضب، بدون كلام، ثم يتحول هذا الأمر بالعود الى المثالية الجنسية- التسامي بالمفهوم الفرويدي – والاتحاد بالعالم عن طريقه لتشكيل هارمونية كونية، ليصبح بعدها العود هو الكون، فعبر هذه العملية تتوزع الشفرات السرية في سردية النص:

حين علا نغم الزير شعرت خاتم بعصارات جسدها تجيش، يصحو في جسدها صيف حراق، يتصبب العرق على نحرها، وتشعر به يسري بجسدها فيبسطه على قبة البروج الجهنمية من السرطان مرورا بالأسد للسنبلة، في جسدها سماء من ذروتها حتى مغربها، ويقبض جسدها على شباب مشحون بقواه الجذابة، كل من يعبر من طير ونور ينجذب لعريها المنطوي على العود- ص19.

يتمثل لنا في هذا الشكل الشفرات المختلفة في تجانس، وتداخل مع بعضها البعض بقوة الموسيقى الهارمونية الكونية، فالشفرة ( نسق من العلامات يتحكم في انتاج رسائل يتحدد مدلولها بالرجوع الى النسق نفسه، واذا كان إنتاج الرسالة هي نوع من " التشفير" فان تلقي هذه الرسالة وتحويلها الى المدول هو نوع من " فك الشفرة" عن طريق العودة بالرسالة الى إطارها المرجعي في النسق الأساسي)(11) ومنها نستدل على قبة البروج الجهنمية، ونكتشف موقعها في جسد خاتم.

عند قراءتنا للنص الروائي(خاتم)، لا يمكننا الا الوقوف عند اللغة التي تكاد تشكل لرجاء العالم المادة الأساسية، فاللغة عندها، لها أسرارها، وخباياها، وعوالمها، وأفلاكها، لانها لغة قوية، متماسكة، مبهرة، مدهشة، ممتنعة، انها لغة خاصة لرجاء عالم، كالقلعة الحصينة بأبوابها المختلفة، وطرقها المتنوعة، لا نتمكن من الدخول والوصول اليها الا عبر ممراتها السرية، بعد قراءة مرهقة، وجهد مضاعف، انها تهشم اللغة من اجل إعادة تشكيلها في أفق الميتالغة، مخترقة بها فضاءات السردية الذكورية وحتى النسائية، بدمجها للسردية اللسانية والدلالية بأعمق المستويات، ولتأسيس جدلية المعنى، فاللغة أساس المعنى/ الشفرة، حيث تجعل (النص، والإبداع هو الأصل الذي يلتقي عنده المؤلف والقارئ)(12)، كما يقول د. عبد الله الغذامي.

ومن خلال القدرة المشفرة لهذه اللغة تتعمق شخصية خاتم المأساوية، وتتحد العلاقة التبادلية بين القارئ والشخصية، وبين الراوي والشخصية، وبين القارئ والمؤلف، وفي هذه العلاقة يتفكك الاتساق، ويتم الاكتمال الرمزي/ الجسدي للشخصية، ومنها تبرز سيطرة اللغة التامة على البنية النصية، بالإضافة الى ذلك، تعمل هذه اللغة (على تعرية الرواية، من خلال إظهار مادية اللغة، بحروفها وكلماتها وجملها- سونيا ميشار)، وتعمل ايضا على تحويل مرجعية النص التاريخية – السوسيولوجية الى إيحائية دلالية، ولكن تبقى هذه المرجعية مرتبطة بها بالخفاء ومنها تكون رواية خاتم، رواية جسد : يرى ويتكلم ويكتشف، ورواية ضوء ولغة ومعرفة.

 

أسامة غانم

....................

الهوامش والإحالات

1- س. رافيندران، البنيوية والتفكيكية: تطورات النقد الأدبي، ت: خالدة حامد، ص83، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2002.

2- بلزاك، سارازين، ت: محمد معتصم، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد، 1/ 1991، بغداد (كتاب العدد).

3- رولان بارت، نقد وحقيقة، ت: د. منذر عياشي، ص15، مركز الإنماء الحضاري، حلب، بلا تاريخ.

لم اخذ هذا المقطع المستل من قصة (سارازين) من النص المترجم من قبل محمد معتصم بل اعتمدت على المقطع المترجم من قبل الدكتور منذر عياشي المتضمن في مقالة موت المؤلف لبارت، المنشور مع كتاب (نقد وحقيقة).

4- البنيوية والتفكيكية، ص96.

5- تزفتيان تودوروف،المبدأ الحواري : دراسة في فكر ميخائيل باختين، ت فخري صالح، ص132، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

6- نوال السعداوي، الأنثى هي الأصل، ص150، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1974.

7- المبدأ الحواري، ص15.

8- جاك لينهارت، قراءة سياسية لرواية الغيرة، ترجمة وعرض : إبراهيم الخطيب، ص129 ضمن كتاب (البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1984.

9- البنيوية والتفكيكية، ص78.

10- جيل دولوز، المعرفة والسلطة: مدخل لقراءة فوكو، ت : سالم يفوت، ص131، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء- المغرب 1987.

11- اديث كيرزويل، عصر البنيوية، ت: جابر عصفور، ص266، دار آفاق عربية، بغداد، 1985.

12- نقد وحقيقة، ص11 (المقدمة) .

* رجاء عالم، خاتم (رواية)، كتاب في جريدة رقم 56 (السنة الخامسة)، 5/ 6/ 2002، مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية- مؤسسة الحريري، يصدر بالتعاون مع وزارة الثقافة، بيروت – لبنان – وهي النسخة التي اعتمدت عليها في دراستي، وليس على نسخة الرواية التي صدرت عام 2001 عن منشورات المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المملكة المغربية.

 

حسين فاعور الساعديعرفته من على صفحات المثقف الغراء فأحببته لما في شعره من مشاعر جياشة صادقة. مشاعر صادقة مفعمة بالشوق والحنين لوطن حر أبي لا يعرف القيود. هذه المشاعر والعاطفة الجياشة أعطت شعره لوناً خاصاً وطعماً مميزاً جعلته يخترق القلب ليستقر عميقاً في النفس. فالصدق هو لغة القلوب.

الغربة صعبة وقاتلة أحياناً، خصوصاً عندما يكون المغترب شاعراً يذوب حباً وشوقاً ولوعة على وطنه. إلا أن كريم رغم الغربة ظل شامخاً أبياً إلى أقصى ما يمكن أن يكون الإباء: 

وأنتَ وحيدٌ أرى كوكباتٍ

يضجُ بها الكونُ تهفو اليكَ

تسامرُ صمتكَ كي لا تكونً الوحيدْ.

وأنتَ وحيدٌ أرى جبلاً هائلاً شاهقاً

من حديدٍ يسيلُ فراتاً ويأتي اليكَ ..

يقولونَ: كيفَ استحالَ إلى رافدٍ عذبٍ سائلٍ جبلٌ من حديد ؟!

هذا الشموخ، هذه الكبرياء، وهذا العنفوان جعل المجرّات الضخمة تأتي إلى الشاعر لتسامره وتخفف من وحدته. هذا الإباء جعل الجبال الشاهقة تنصهر وتذوب وتنساب إليه أنهاراً صافية رقراقة لتؤنس وحشته. إنه الإيمان المطلق والثقة التي لا تهزها الظروف والمصاعب. كل هذا وهو في الغربة وحيداً. فكيف لو كان في وطن يحتضنه ويرعاه؟

كريم الأسدي صامد لا تلين له قناة. لكن عتبه على العراق كبير، وعشمه عليه اكبر، لأنه ترك أبناءه الشرفاء للظلم وغدر الغادرين:

  لله قلْ لـــــــــي يا سليلَ مَسَلَةٍ

  كيفَ انغشيتَ  ففاتَكَ الأِبصارُ

 وتركتَ فتيتَكَ الورودَ لظلمةٍ

 يختالُ فيها قاتلٌ غـــــدّارُ؟!!

العتب كبير على الوطن، والظلم قاسٍ وفظيع. لكن إيمان الشاعر بوطنه لم يتزعزع وحبه له لم يفتر. فالوطن هو كل شيء ولا شيء يسد مكانه. الوطن هو الوطن لا يحول ولا يزول حتى لو تعامى وتجاهل أبناءه الطيبين. فمن يظلم ويُفسد ويخرب هم العاقون من أبنائه الذين سقطوا في أحضان الغريب وتنكروا لأهلهم وذويهم:

ويُدهشُ الآخرَ العلّامَ طــــــــالبُهُ

في العِلمِ والفهمِ والاضفاءِ والشيمِ

حتى يعود الى أهلٍ فينكـــــــرُهُ

بيتُ الأقاربِ والأترابِ والحلمِ

أنا الغريبُ ولكنْ قاسماَ بدمـــي

بأنَّ ما سالَ في بغدادَ كانَ دمي

أنا البعيدُ ولكنْ قاسماً بدمـــــــــي

بأنَّ ما سالَ في ذي قار كانَ دمي

الشاعر رغم الغربة ورغم تنكر العاقين من أبناء الوطن يظل مخلصاً صادقاً وفياً لأن ما يسيل في بغداد من دم هو دمه ليس الآن فقط بل في كل معارك الشرف التي خاضها ويخوضها العراق.

عزة كريم الأسدي وكبرياؤه وصدقه لا تنبع من منطلقات شوفينية أو عنصرية أو مذهبية وإنما من انتمائه الإنساني الراقي الباحث عن الحب والعدل والمساواة: 

تُرى أينَ غابَ المسيحْ؟!

منذُ ألفيتين وعشرين عاماً

فالمسيح هو رمز المحبة ورمز الإخاء والإنسانية والتسامح. وغيابه يعني غياب هذه الأشياء. المحب لا يكره، والعاشق لا يحقد مهما ظُلم ومهما قست عليه الظروف. يظل شامخاً كبيراً بعشقه وحبه وصدقه وسعة قلبه:     

صدِّقْ، فوهجُ الشمسِ بعضُ ملامحي

              وجنانُ دجلةَ والفراتِ جنوني

والبدرُ بدري كاملاً أو ناقصاً

                   والبارقاتُ تجلياتُ جبيني

ليس أجمل ولا أرقى من هذا الشموخ، ومن هذا البوح الصادق الصافي صفاء روح الشاعر. إنها عزة النفس البدوية النقية الطاهرة كرمال الصحراء وكواحات نخيل العراق. إنه الحب الصوفي لحدائق دجلة والفرات والكبرياء التي لا ترضى إلا بالحق كاملاً غير منقوص.

"البدر بدري كاملاً أو ناقصاً"

صرخة تخترق القلب وتستقر فيه لأنها من القلب ولأنها تعبير عن الحب المطلق غير المرتبط بظرف أو بحالة. إنها البساطة والصدق حتى النخاع. وفي هذه البساطة والعفوية سر سحرها وعظمة وقعها. 

كريم الأسدي شاعر المواقف الصادقة والانتماء.لا يحب الوطن فقط وإنما يحب كل من يحبه وينتمي لكل من يضحي في سبيله بالإخلاص لأبنائه والتضحية في سبيل إسعادهم:

يا مَن مشيتَ دروبَ الليلِ منفرداً

حتى تعودَ مريضاً مسَّهُ الوجـــعُ

 

يا قاسمَ الراتبِ الشخصيِّ تحملُهُ

في جيبِ بَدلةِ جنديٍ به ولَــــــعُ

 عبد الكريم قاسم رئيس جمهورية العراق في الستينيات من القرن الماضي مَثَلُهُ الأعلى في هذا الزمن الرديء. يستذكره عندما كان ينزل ليلاً إلى شوارع بغداد متخفياً في ثياب جندي عادي ويوزع معاشه الشهري على الفقراء والمحتاجين ولا يبقي في جيبه إلا جنيهات قليلة. يستذكر هذا الرئيس الشهم وهو يرى شذاذ الآفاق من أبناء قومه ينهشون لحم الوطن بعد أن سلموه للغزاة. الكبرياء لا تتجزأ والعزة لا تُكتسب بالمال تماماً كما أن كثرة المال لا تجلب الكبرياء والعزة للجبناء. فهاهم أصحاب المليارات يشتمهم ترامب ويبتزهم في عقر دارهم.

من يعشق عبد الكريم قاسم لا يمكن إلا أن يكون شامخاً شموخ المجرات:

 روحي مدى الأكوانِ في أفلاكِها

هلّا دريتِ بأيِّ بُعْدٍ روحـــــــي

 هذا الشموخ هو شموخ العراق وهذه العزة هي عزة الرافدين قبل أن يلوثهما الغزاة وعملاؤهم.

في كل قصائد كريم الأسدي التي استطعت الوصول إليها والاقتباس منها تبدو هذه الروح جلية وواضحة في كل بيت وفي كل كلمة. هذه الروح الثائرة المحلقة في مدى الأكوان وفي كل الأبعاد، غير آبهة بالسفلة والعملاء الذين يحاولون تعقبها والثأر منها. لأن صاحب هذه الروح هو الوطن بحد ذاته يحمله في قلبه ويصونه كبؤبؤ عينه:

تعقَّبني الرذيلُ يريدُ ثارا

وأعقبهُ العميلُ يزيدُ نارا

أنا وطنٌ أُصوِّرُهُ ديارا

 أُقدِّرُهُ المنازلَ والمدارا

إذا كان الوطن لا يتسع لكريم وإخوانه من الشرفاء فإن قلب كريم يتسع لهذا الوطن بما فيه من واحات ونخيل وجبال ووديان:

نخيلُهُ معـــــــــــــهُ أَنّى مضى ولَهُ

قربَ (الشواطيءِ) بيتٌ أمرُهُ عَجَبُ

هذا هو قدر الأحرار الشرفاء الذين يؤمنون بأوطانهم ويريدونها حضناً دافئاً للجميع. فمن يحب لا يكره ومن يحب لا يحقد. كبرياؤه لا تسمح بذلك: 

الحبُ بَحرُهُ فيما كارهوهُ لَهمْ

مس تنقعُ الغِلِّ مغلولٌ ومكتئبُ

 الأحقاد والضغائن من شيم الصغار الذين لا يعرفون الشموخ والكبرياء. وهي السبب في كل هذه الصراعات العبثية التي دمرت الأوطان وجلبت الغزاة.

"ونامَ الجميعُ، ومزمورُهُ يقظٌ وعتيدٌ ومُنوجدٌ قبلَ خلقِ المزاميرِ في غيهبِ الغيبِ في أبدِ الابتداءْ"

العراق شامخ بتاريخه العريق الذي يسبق التاريخ. من هذا الشموخ جاء شموخ الشاعر ابن هذا الوطن أبي الحضارات ومنبع الثقافات. وسيظل شامخاً مهما تداعت عليه النوائب والمحن:

 يكبو فنحملُهُ على الأعنـــــــاقِ

هذا عراقُك يا صديقُ، عراقي

هؤلاء هم الأبناء البررة لا يعرفون إلا العطاء ولا يرتاحون إلا عندما يحملون الوطن وهمومه في أعناقهم. الوطن بالنسبة لهم هو عطاء وليس بقرة حلوب. "هذا عراقك يا صديق، عراقي" قمة العفوية ومنتهى البساطة التي تأسر النفوس وتشعل المشاعر. عندما يكبو يُحمل على الأعناق وليس فقط عندما يزدهر. من هنا جاء الشموخ. من ترابه الخصب ومن مياهه الثرة النقية.

تحية لهذا الشاعر الكبير كبر العراق والشامخ شموخ نخيله وجباله:

يا هاتفاً "عيني" إذا خاطبته     ومردداً "روحي" أوان تلاقي

قمة العفوية النابعة من قلب كبير لا يعرف غير العشق ولا ينبض إلا بالحب الصادق النقي. تحياتي لهذا الشاعر المجبول بالصدق والشموخ.

 

حسين فاعور الساعدي

 

 

ماهر عبد المحسنتتميز أعمال نجيب محفوظ بتعدد مستويات القراءة ومستويات الفهم. فيمكن الدخول إلى عالم محفوظ من البوابة السياسية أو الاجتماعية أو النفسية. كما يمكن مقاربة هذه الأعمال باستخدام أكثر من منهج، لأنها تستفز فى القارئ النشط ملكاته النقدية ومخزونه المعرفى والمنهجى، سواء أكان بنيوياً أو تفكيكياً أو فينومينولوجياً تأويلياً. باﻹضافة إلى قابلية النصوص المحفوظية إلى القراءة الجمالية الخالصة أو تلك المحملة بأبعاد أيديولوجية لخدمة أغراض أخرى غير فنية.

وفى كل الأحوال يمكننا أن نقول إن أعمال محفوظ الروائية تحتوى على طاقة تعبيرية وفكرية هائلة بحيث يمكنها الاستمرار فى الزمان والمكان دون أن تفقد ألقها أو ينفد مخزونها السحرى الجذاب.

من هذا المنطلق سنحاول فى هذه المقالة أن ندلف إلى عالم محفوظ من المدخل الثقافى، مستفيدين من المنجز الفكرى الكبير الذى تحقق فى حقل “الدراسات الثقافية” فى السنوات الأخيرة. وهو مجال معرفى جديد، ينتمى إلى التيار ما بعد الحداثى، وينطوى على طبيعة ذات مرونه خاصة مكنته من اقتحام مناطق شديدة الوعورة والحساسية من قبيل قضايا العرق والجنوسة والنسوية والثقافة الشعبية، مستندا فى ذلك إلى الأدوات المنهجية التى قدمتها علوم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والفلسفة والتاريخ.

وبالرغم من خصوبة أعمال محفوظ ومرونة حقل الدراسات الثقافية، إلا أن التساؤل عن مدى إمكانية إخضاع رواية ذات أبعاد فلسفية عميقة مثل ”الشحاذ” لأبجديات الدراسات الثقافية يظل مطروحاً. ويمكننا أن ندرك مدى الصعوبة التى يمكن أن تكتنف مثل هذه المحاولات عندما نتعرض لطبيعة العلاقة بين النظرية الأدبية والدراسات الثقافية، فهذه الأخيرة قد أخذت على عاتقها تجاوز البعد الجمالى فى الأعمال الإبداعية على نحو ما كانت فى النظرية النقدية التقليدية، والعمل على إزاحة النقاب عن العلاقات المتشابكة التى تحيط بالعمل وتؤثر فيه أو تتأثر به كمنتج ثقافى. وبهذا المعنى يكون التركيز على علاقة العمل بدور النشر والدعاية واستجابات القراء على اختلاف مشاربهم.

والإشكالية التى تكمن هنا إنما تتعلق بالمضمون الجمالى والفكرى الذى يتم إهداره لصالح إبراز عناصر أخرى لا تدخل فى صلب العمل أو العملية الإبداعية. وفى هذا السياق اختلف المنظّرون حول هذه الإشكالية، فقال البعض بجواز تطبيق الدراسات الثقافية على الأعمال الروائية، بينما استبعد البعض الأخر هذا الاقتران على اعتبار أن الدراسات الثقافية لا تنطبق إلا على الظواهر الثقافية الواقعية لا الخيالية.

والحقيقة أن الحل فى نظرنا إنما يكون بانتقاء بعض المصطلحات ذات الدلالة الثقافية، ومحاولة قراءة الرواية وفقا للمعانى والدلالات التى منحتها الدراسات الثقافية لهذه المصطلحات. وهنا يمكننا أن نعيد اكتشاف العمل فى ضوء المفاهيم الثقافية الجديدة. وبهذا المعنى يمكننا أن نقرأ فى ”الشحاذ” ما يتجاوز أبعادها الفلسفية الصريحة والمباشرة، لنكتشف رؤية محفوظ لمفاهيم أكثر معاصرة مثل الهوية، والتعددية الثقافية، والجنسانية والجنوسة، والعلاقة بين الفنون البرجوازية والفنون الشعبية، خاصة أن الرواية سبق قراءتها فلسفياً من قبل مفكرين كبيرين: د.زكى نجيب محمود ود.حسين على أستاذ المنطق بجامعة عين شمس، ومازالت تحتمل المزيد من القراءات والتأويل.

ومن الأمور التى لا يفوتنا الإشارة إليها أننا سنعتمد فى قراءتنا للرواية على التمييز الذى وضعه الدكتور عبد الله الغذامى بين مؤلف ضمنى ومؤلف صريح. فالمؤلف الصريح هو ذلك الذى يكتب النص بوعى، وهو لا يقصد سوى المعانى المباشرة التى يمكن أن يستخلصها القارئ العادى من النص. أما المؤلف الضمنى فهو ذلك الجانب اللاواعى فى شخصية المؤلف، والذى يعبّر عن ثقافة العصر الذى يوجد فيه، ومن خلاله تأتى الأفكار المضمرة التى تتجاوز المعنى المباشر، وتحمل من الدلالات ما قد يتعارض مع قناعات المؤلف الواقعى الذى يكتب بكامل وعيه.

وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الآراء التى سوف نستخلصها من رواية ”الشحاذ” لا تنسب إلى محفوظ نوبل الذى نعرفه تمام المعرفة بقدر ما تنسب إلى العصر الذى عاش فيه وكتب روايته المشار إليها.

وفى هذا السياق يمكننا أن نقول إن الرواية تزخر بالعديد من الإشكاليات الثقافية التى تحتاج إلى التأمل والدراسة. ولعل أبرز هذه الإشكاليات هو مسألة ”الهوية” فعمر الحمزاوى، الشخصية الرئيسية فى الرواية، كان شاعراً ثم مناضلاً سياسياً قبل أن يهجر الشعر والسياسة ويصير محامياً كبيراً. وفى هذا المعنى يحدثه طبيبه المعالج، الذى كان زميلاً له فى الدراسة، قائلاً: ”وكنت تظهر لنا بأكثر من وجه، الاشتراكى المتطرف، المحامى الكبير. ولكن وجهاً منك رسخ فى ذاكرتك أقوى من أى شئ سواه. هو عمر الشاعر” (نجيب محفوظ، الشحاذ، مكتبة مصر، القاهرة، دون سنة نشر، ص١٣).

والحقيقة أن ”عمر الشاعر” كان يمثل مرحلة الحلم، والبراءة الأولى، التى يبدو أنها لم تصمد كثيراً أمام الواقع السياسى والاجتماعى الخشن. ربما يشعر تجاهها بشئ من الحنين بعد أن هجرها إلى غير رجعة، لكنه الحنين الملىء بالشجن، كأى شئ جميل يتحول إلى ذكرى. وفى حوار ذى دلالة بين الحمزاوى وابنته الشابة ”بثينة” ندرك حقيقة علاقة الحمزاوى بالشعر، وعلاقة هذا الأخير بالهوية:

“وتساءلت فى مرح:

- متى تعود إلى الشعر؟

- ادعى الله أن أعود لمكتبى أولا!

- إنى أعجب، كيف هان عليك أن تهجره؟  فقال وهو يدارى ابتسامة حياء:

- كان لهواً ليس إلا..

- والديوان يا بابا؟

- توهمت يوماً أننى سأستمر..

- ولكنى أسألك عما أوقفك.

... ودفعته رغبة صريحة إلى الاعتراف، فقال:

- لم يسمع لغنائى أحد.

وسألت ”بثينة”:

- وهل من الضرورى يا بابا أن يستمع لغنائنا أحد؟

فداعب خصلة من شعرها الأسود، وقال:

- ما معنى أن ندعو سر الوجود من الصمت إلى الصمت؟” (الشحاذ، ص ص٣٨-٣٩).

يتضح من هذا الحوار أن الهوية الإبداعية لا يمكن أن تتحقق دون أن تحظى باعتراف الآخرين. والحقيقة أن نفس المعنى يمكن أن ينطبق على ”الهوية” عموماً. فالهوية، فيما يبدو، لها تجليات متعددة بحسب أدوار الإنسان فى الحياة. وفى كل أحوال الذات يحتاج الشخص إلى الاعتراف بفرادة هذه الذات. والحمزواى لم يركن كثيراً إلى موهبته، ولم يقدم للشعر من وقته ومن جهده ما يجعله راضياً عن نفسه كشاعر، لأن الشعر بدوره، لم يحقق له شيئاً مما كان يطمح إليه خلافاً للحلم والتطلع البرئ للإصلاح السياسى والاجتماعى الذى يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع. ولعل هذا الشعور بخيبة الأمل من الموهبة ومن الشعر هو ما جعله يصفه فى أكثر من مناسبة بأنه ”لعبة من لعب الطفولة”.

وإذا كان الحمزاوى يصف الشعر بأنه نوع من اللعب، إلا أنه يتحدث بلغة الخبير، المدرك لأصول اللعبة. فاللعبة السياسة واللعبة الاجتماعية لا يناسبهما الشعر، الهائم فى ملكوت الوجود، الرامى إلى فض الأسرار العليا المخفية. فيقول: ”مال الشعر، وهذا الطول والعرض، والتفكير الدائب فى القضايا، وبناء العمارات، والطعام الدسم لحد المرض؟! (ص٣٩).

غير أن الاعتراف بالهوية المبدعة يظل هو الأساس لإثبات الوجود. يترسخ هذا المبدأ لدى صديقيى الحمزاوى المقربين، ”عثمان خليل” المناضل السياسى الذى دفع حريته ثمناً للدفاع عن مبادئه، و"مصطفى المنياوى” الذى تخلى عن مبادئه الفنية من أجل تحقيق الشهرة والثراء المادى. فيقول ”عثمان”:

- اقذف بشعرك فى المعركة تظفر بآلاف المستمعين! (ص٣٩).

ويقول ”مصطفى”:

- لا فائدة من تجاهل الجماهير!(ص٤٠) .

لكن ل"بثينة” رأى آخر، تلخصه فى عبارة دالة، عندما يسألها الحمزواى:

- ألا تودين أن يسمع لغنائك الناس؟

فتقول:

- طبعاً، لكنى سأستمر على أى حال.. (ص٣٩).

ولعل فى تفوق ”بثينة” فى العلوم ما يدعم هذا الموقف الإيجابى المتميز. فالخلفية العلمية لها تجعلها تقف على أرض ثابتة، وتحقق لها رسوخاً فىالشعر. إن ”بثينة” لم تكتب الشعر تعبيراً عن حالة من الجيشان العاطفى العابر، ولم تستهدف بكلماته شخصاً بعينه، لكنها كانت تبحث عن الشئ الغامض، الذى هو ”غاية كل شئ” بتعبيرها، والذى هو ”سر الوجود” بتعبير الحمزاوى.

إن الحوارات الفلسفية العميقة التى يصوغها محفوظ ببراعة، إنما تنطوى على تمييز ثقافى كبير بين المعارف الإنسانية، ومدى قربها أو بعدها من الحقيقة، ومن آمال الإنسان وآلامه. فالعلم هو صاحب اليد العليا فى العصر الحديث، بعد أن ولى زمن الفلسفة والفن. هكذا توصل الحمزاوى، وصديقه ”مصطفى”.. وفى هذا السياق يقول ”مصطفى” : ”... قضى العلم على الفلسفة والفن،  فإلى مسرات التسلية بلا تحفظ، ببراءة الأطفال وذكاء الرجال، إلى القصص الخفيفة، والضحكات المجلجلة والصور الغريبة، ولنتنازل نهائياً عن غرور الكبرياء وعرش العلماء، ولنقنع بالإسم المحبوب والمال الوفير” (ص٤٠).

وبهذا المعنى، ينقل ”مصطفى” الفن من دائرة الجد إلى دائرة الهزل. يقوم بذلك فى محاولة ساخرة لتبرير تحوله من العمل فى المسرح الطليعى إلى العمل فى البرامج التليفزيونية الخفيفة. فالعلماء هم الأجدر بأن تسلط عليهم الأضواء لا الفنانون، العلم ينبغى أن يظل فى المركز بينما ينزاح الفن إلى الأطراف. ليس هذا فحسب، بل إن الفن فى عصر العلم، ليس له من دور سوى التسرية والترويح عن العلماء الذين يمتلكون الحقيقة، ويعملون على تقدم البشرية. الفن الحقيقى ينتمى إلى الماضى السحيق، ولا مكان فى المستقبل إلا إلى العلم. لهذه الأسباب حرص الحمزاوى على أن يطمئن على مستقبل ”بثينة”، فطلب منها أن تحافظ على دراستها العلمية بجانب حبها للشعر، بحيث تضمن فى المستقبل وظيفة علمية، كأن تكون مهندسة مثلاً، وشاعرة فى ذات الوقت. لا يريد ”الحمزاوى” أن يحقق تصالحاً بين العلم والفن، فالمسألة بالنسبة له محسومة منذ البداية، فقط لا يريدها أن تضيع العمر فى الشعر بينما العالم يتحرك سريعاً، وفى اتجاه آخر إلى الأمام، فيقول: ”لا أحب أن تنتبهى يوماً فتجدى نفسك فى العصر الحجرى، على حين يعيش من حولك فى عصر العلم” (ص٤١).

وكما ميّز محفوظ بين العلم والفن، وجعل للعلم اليد العليا، فإنه فى الوقت نفسه كان يميز بين نوعين من الفن.. الفن الراقى، والفن الجماهيرى، وهى تفرقة أقامها المجتمع البرجوازى الذى كان يعيش حياة مخملية ناعمة، يرتاد المعارض الفنية الحديثة، ويستمع إلى سيمفونيات عالمية مفارقة للواقع. يتبدى ذلك بوضوح منذ السطور الأولى للرواية، حيث تصور الحمزاوى جالساً فى غرفة الاستقبال فى عيادة طبيب وهو يتأمل لوحة فنية معلقة على الحائط. فبالرغم من أن محتوى اللوحة كان يتسق والحالة النفسية والذهنية التى كانت مسيطرة على ”الحمزاوى”، إلا أنه لم يجد فيها، من الناحية الجمالية، سوى عمل فنى من النوع الرخيص، فيقول الراوى: ”رجع يتسلى بلوحة المرعى. الطفل والأبقار والأفق. رغم أنها صورة زينة رخيصة القيمة، ولا وزن إلا لإطارها المذهب المزخرف بتهاويل بارزة” (ص٥).

لكن المفارقة التى يطرحها محفوظ لا تتعلق فقط بوجود فن راق وآخر متدنى، وإنما بغياب نوع راق من الفن وحلول نوع آخر أدنى مرتبة محله. فالفن الحقيقى تراجع أمام انتصارات العلم المدهشة، ولم يعد باقيا إلا الفن الجماهيرى الذى ليس له من دور سوى التسلية الرخيصة. عبّر عن ذلك المعنى ”مصطفى المنياوى“ فى أكثر من موضع، فأحياناً يصفه باللب والفشار، وأحياناً أخرى يعتبره حلية نسائية مما يستعمل فى شهر العسل. إلا أن التشبيه الأكثر تعبيراً عن هذه النظرة التمييزية للفن إنما نجده فى عبارة ”المنياوى” عندما قال: ”... وما نظن أنه الفن الحقيقى ليس إلا الضوء القادم من نجم مات منذ ملايين السنين، فعلينا أن نبلغ سن الرشد وأن نولى المهرجين ما يستحقون من احترام!” (ص٤٠).

وبالرغم من أن ”المنياوى” يدرك أهمية الدور الثقافى الذى تلعبه الفنون الجماهيرية خاصة فى الحياة المعاصرة، إلا أنه يظل ناظراً لهذا اللون من الفنون باعتباره فى مرتبة أدنى، حتى أنه يتهكم على القائمين به لكونهم ليسوا أكثر من مهرجين فرضتهم حركة تاريخ تأبى إلا أن تربط بين العلم والنضج، وبين الفن والتسلية.

تمييز ثقافى آخر مهم يمكن أن نعثر عليه لدى محفوظ فى ثنايا رواية ”الشحاذ”، ألا وهو التمييز الجنسى بين الذكورة والأنوثة. فالرواية لها منحى ذكورى واضح منذ البداية وحتى النهاية. فالبطولة رجالية، والأزمة العقلية والروحية التى تتمحور حولها الأحداث يعانيها رجل، والرواية برمتها يتم سردها من وجهة نظر ذكورية بإمتياز. ولا يمكنك أن تعثر على دور حقيقى ومؤثر للمرأة. بل على العكس، تأتى النساء فى الأحداث كمحطات على طريق ”الحمزاوى” فى رحلته الحائرة للوصول إلى الحقيقة، بدءاً من الزوجة التى تزوجها عن حب ثم تحولت إلى كومة من اللحم المترهل،  وانتهاءً بعشيقاته اللائى عرفهن من أجل الخروج من حالة الضجر التى انتابته، والدخول معهن إلى عوالم المتعة واللذات الحسية العابرة.

فبعد سنوات الحب والزواج يختزل ”الحمزاوى” زوجته إلى َمحض جسد طرأت عليه التغيرات البغيضة المنفرة، عدا ابتسامة رقيقة صافية أفلتت من معاول الزمن الذى قضى على كل شئ، ”وتبدى عنق زوجك من طاقة فستانها الأبيض متين الأساس. واكتظت وجنتاها بالدهون، وقفت كتمثال ضخم ملىء بالثقة والمبادئ، وضاعت عيناها الخضراوان تحت ضغط اللحم المطوق لهما، أما ابتسامتها فما زالت تحتفظ ببراءة رائقة ومحبة صافية” (ص١٥).

إن ”زينب” زوجة ”الحمزاوى” لم تعد سوى رمز للملالة والضجر، تلك الحالة التى تعرف ب"الاستقرار” وهو استقرار زائف لأنه لم يحقق للحمزاوى اليقين ولم يجعله يذق طعم الراحة. إن أسئلة ”الحمزاوى” الكبرى تفوق عقلية ”زينب” المشغولة طوال الوقت بأعمال ”الكنافاة”، وترتيب حياة الأسرة، فيقول الحمزاوى:”وها أنا اليوم أكافح للتملص من المواد الدهنية، ولا أرى فى ”زينب” العزيزة إلا تمثالاً لوحدة الأسرة والبناء والعمل”(ص٢٩).

إن استخدام محفوظ للفظة ”تمثال” أكثر من مرة فى أكثر من موضع لوصف مكانة الزوجة فى حياة ”الحمزاوى” إنما يدل على تكلس القيم والمبادئ الراسخة التى تحافظ عليها ”زينب” دون أدنى شعور بالضجر أو القلق على نحو ما حدث للحمزاوى رغم مرور عشرين عاماً على زواجهما. ويعنى ذلك أن المرأة لا تملك حساً فلسفياً، أو روحاً قلقة، أو عقلاً معذباً مثل الرجل.  وأنها تركن إلى وتيرة واحدة من الحياة تختزل فيها كل آمالها وطموحاتها التى هى فى الغالب ”الحب والاستقرار العائلى”.

يتأكد هذا المعنى فى علاقة الحمزاوى بنساء أخريات، ففى هذا الحوار الذى دار بين ”الحمزاوى” وفتاة الليل ”وردة” يتبدى لنا الفارق الكبير بين العقليتين، وكيف أن “الحمزاوى” يعانى مشكلة وجودية ويطرح أسئلة ميتافيزيقية عميقة، بينما ترضى ”وردة” بحياتها كما هى ، ولا تقنع بأكثر من الحب والرقص، والعيش فى كنف رجل مثل ”الحمزاوى” يحقق لها الأمان والحياة الرغيدة، حتى ولو دون زواج :

“- خبرينى يا وردة لماذا تعيشين؟

- وهل لهذا السؤال من معنى؟

- لا.بأس أن نسأله أحياناً.

- إنى أعيش، هذا كل ما هنالك.

- بل إنى أنتظر جواباً أفضل.

- لنقل إنى أحب الرقص، والإعجاب، وأتطلع إلى الحب الحقيقى.

.................

- والله، ما موقفك منه؟

- أؤمن به..

- بيقين؟

- طبعاً.

- من أين جاء اليقين؟

- إنه موجود وكفى..”(ص ص١١٧- ١١٨).

وبالرغم من أن ”بثينة” إبنة ”الحمزاوى” بدت وكأنها النموذج الإيجابى الوحيد فى نساء الرواية، التى كانت تجمع بين العلم والشعر وتحمل بداخلها إصراراً كبيراً على مواصلة الطريق رغم وعورتها، إلا أن أحداث الرواية تكشف لنا فى السطور الأخيرة عن أنها لم تختلف عن بنات جنسها اللائى أوقفن حياتهن على هدف واحد لا يمكن أن يتحقق دون وجود رجل، وهو الحب والزواج والإنجاب، باعتباره الهدف الفطرى الذى يتماشى مع الطبيعة الأنثوية للمرأة، وهى طبيعة تتماهى مع العاطفة والرغبة الدفينة فى الحفاظ على النوع الإنسانى. فقد تزوجت ”بثينة” من ”عثمان خليل” المناضل السياسى الذى يقارب أبيها فى السن وحملت منه، كما حملت أمها من ”الحمزواى” قرب نهاية الرواية، لتصير كل واحدة منهن محطة فى رحلة الرجل المهموم بقضايا فلسفية وسياسية، الحمزواى الباحث عن معنى لحياته وعثمان الباحث عن العدالة لمجتمعه.

وهنا ينبغى أن نتساءل عن السبب فى غياب التجربة الوجودية فى الأدب النسائى، خاصة بعد أن أقصاها الرجل، بنزعته الذكورية، بعيداً عن هذه التجربة فى كتاباته، وحولها إلى مجرد محطة أو مرفأ يركن إليه كلما رغب فى الاستراحة من عناء البحث عن الحقائق العليا. فعلها سارتر فى ”الغثيان”، وكامو فى ”الغريب”، ومحفوظ فى أكثر من عمل.

وقبل أن ننهى مقالنا لا ينبغى أن يفوتنا الإشارة إلى قضية ثقافية هامة مر عليها محفوظ سريعاً دون أن يمنحها الاهتمام الكافى، وهى ”التعددية الثقافية”. ربما تبدو هذه القضية بعيدة تماماً عن السياق العام للرواية، سواء من الناحية الفلسفية أو السياسية، غير أن الإشارات البسيطة التى ضمّنها محفوظ فى الرواية لهذه القضية تحمل من الدلالة ما يجعلنا نتوقف عندها قليلاً.

فزوجة ”الحمزاوى” التى يعرفها الجميع بإسم ”زينب” هى فى الأصل فتاة مسيحية تدعى ”كاميليا فؤاد”، عرفها ”الحمزاوى” منذ عشرين عاماً، وهى خارجة من الكنيسة، مرتدية الأسود حداداً على عمها. وعندما سأله صديقه ”مصطفى” عن مسألة الاختلاف الدينى، أجاب دون تفكير” لم أعد أكترث لهذه العوائق”، وعندما عرّفته بنفسها على استحياء، قال: ”يا عزيزتى، حبنا أقوى من كل شئ، وسوف نتغلب على أى عائق”. والغريب أن محفوظ لم يقف عند مسألة اختلاف الدين طويلاً، بالرغم من حساسيتها المفرطة فى المجتمع المصرى، ولم يعط الموضوع من الاهتمام أكثر من نصف صفحة، لخص فيها مراحل التعرف ومشاكل الارتباط، ولم يذكر صراحة كيف تحولت ”كاميليا” المسيحية إلى ”زينب” المسلمة، حتى أن القارئ غير االمدقق قد يمر على السطور دون أن يلحظ هذه النقلة الكبيرة التى حدثت فى حياة ”كاميليا” وانعكست على حياة ”الحمزاوى”.

وإذا أردنا أنا نرصد تفاصيل هذا التحول عن قرب فينبغى أن نضع بعض العبارات تحت الرؤية الميكروسوبية حتى نضع أيدينا على جوهر القضية الثقافية محل التحليل. وفى هذا السياق يكفى أن نقف عند عبارات ”مصطفى” ذات الدلالة من قبيل: ”إننى أعرفك منذ عهد آدم بحّاثة عن المتاعب، زوبعة فى بيتك وزوبعة أعنف فى بيتها، وأنا حائر بينكما.. ”(ص٤٨). وهى عبارة تكشف عن حقيقة ثقافية وعقائدية هامة تشير إلى صعوبة اقتران إثنين من البشر ينتميان إلى عقيدتين دينيتين مختلفتين فى المجتمع المصرى.

وفى نفس الموضع يقول ”مصطفى”: ” مبارك عليكما، أصبح الماضى فى خبر كان، ولكن تضحيتك لا تقاس بتضحيتها، وللعقائد طغيان حتى على الذين نبذوها، صحتك يا زينب، صحتك يا عمر.. ”. وتميط هذه العبارة اللثام عن الحقيقة الهامة التى لم يصرّح بها محفوظ، ولم تأت على لسان ”الحمزواى” أو ”زينب” فى أى موضع، فى حين أتت على لسان ”مصطفى” وهو فى حالة سكر، وهى مسألة تدعو للتساؤل.

وفى عبارة ثالثة موحية، يقول ”مصطفى” وقد استغرقته حالة السكر تماماً: ”لا تنس الأيام الأليمة، لا تنس الحب أبداً، تذكر أنه لم يعد لها أهل فى هذه الدنيا، مقطوعة من شجرة، ولا أحد لها سواك”. وهنا يحاول ”مصطفى” الصديق الوفى أن يوجد أسباب للتعايش بين الفرقاء، دينياً وثقافياً، مرة عن طريق العاطفة ومرة عن طريق الواجب.

غير أن ”الحمزاوى” لم يكن يعدم أسباباً للتعايش مع ”زينب” المسلمة ذات الخلفية الدينية والثقافية المسيحية، تلك الثقافة التى جعلت منها راهبة فى حياتها العائلية مع ”الحمزاوى” كما كانت راهبة، ذات يوم، فى الدير. فمثل ”الحمزاوى”، المحامى الطموح، لا يرضى بغير راهبة تفنى حياتها فى خدمة أهدافه وطموحاته التى بلغت الآفاق. وفى هذا المعنى يلخص ”الحمزاوى” الدور الهام الذى لعبته ”زينب” فى حياته فى هذه الفقرة المعبّرة: “تزوجت قلباً نابضاً لا حدود لحيويته، وشخصية فاتنة حقاً، تلميذة مثالية للراهبات، مهذبة بكل معنى الكلمة، مدبرة حكيمة كأنما خلقت للتدبير والحكمة، وقوة دافعة للعمل لا تعرف التوانى، ونظرة ثاقبة فى استثمار المال، ارتفعت فى عهدها من غمار العدم إلى التفوق الفريد والثروة الطائلة”(ص٤٨).

وبرغم هذا الاعتراف الصريح من ”الحمزواى” بفضل ”زينب” على حياته إلا أنه يفهم الرهبنة بمعنى خاص، فلا يفهمها بمعناها العقلى والروحى، لكن بالمعنى العاطفى والحسى الذى يختزلها فى خدمة الرجل وتحقيق متعته، وهو فهم يتسق والنزعة الذكورية التى تهيمن على الرواية، فيقول: ”وجدت فى حرارة حبها عزاءً من الفشل والشعر والجهاد الضائع، رمز الجنس والمال والشبع والنجاح، فماذا جرى؟”(نفس الموضع).

وأخيراً، يمكننا أن نقول إن كلمة ”الرهبنة” بالرغم من أنها لم تذكر إلا مرة واحدة، تقريباً، على مدار الرواية، إلا أنها تصلح لأن تكون مفتاحاً لإعادة قراءة الرواية من منظور مختلف، بحيث يصير كل شخص فيها راهباً فى محراب ثقافى خاص به، يتعبد فيه ويقدم له القرابين، سواء أكان العلم أوالفن أو السياسة، وأن الإيمان بعقيدة ما، دينية أو دنيوية، إنما هو الذى يحقق للإنسان الاستقرار وينقذه من الحيرة، لأنه يجعل لحياته معنى، فلا يجد صعوبة في المحافظة على هويته من ناحية والانفتاح على الآخرين من ناحية آخرى، وهذه مسألة تفتح الباب على دراسات أخرى مستقلة يمكن أن تنجز لنفس الرواية.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

المصطفى سلامتقديم: يعتبر الكاتب المغربي حسن البقالي من الكتاب الذين مارسوا الكتابة السردية وأسس تقاليد في الكتابة تميزه عن المجايلين له من الكتاب، والذي يؤكد هذا التصور، الوقوف عند منجزه الإبداعي عامة والسردي خاصة. وطبعا، هناك أعمال أخرى، ويستحق هذا المنجز السردي، الذي اختبر فيه الكاتب تقنيات الكتابة السردية على مستوى الرواية والقصة الطويلة ثم المتوسطة وأخيرا القصة القصيرة جدا، الدراسة والتحليل من أجل استجلاء رؤية الكاتب للواقع المغربي خاصة والعربي عامة ثم رصد رؤيته أيضا لقضايا الإبداع المغربي مثل وظيفة الأدب وتطور الاجناس الأدبية والخصوصية المغربية في هذا الإبداع ودرجات التأثر والتأثير التي مارسها هذا الإنتاج الفني سواء في المتلقي العربي أم المغربي. ومثل هذه الدراسات والأعمال تشكل في حد ذاتها اعترافا معنويا بالأديب المغربي بغض النظر عن المجال الإبداعي الذي ينتج فيه وعبره الدلائل ويتناول القضايا ويرصد التحولات.

في هذا السياق، سأقف عند مجموعته القصصية: كالعزف على القيثارة .

تتألف هذه المجموعة القصصية من سبع وسبعين قصة، جاءت معنونة ومختلفة الحجم من حيث المساحة السردية، إذ هناك نصوص شغلت صفحة وأخرى لم تتعد السطرين . كما أن هناك قصة لم تكتب وفق النظام النثري بل اعتمد فيها طريقة مغايرة حيث لدينا جدول يتألف من أربعة أعمدة وعناوين وفي هذا نوع من التجريب لكتابة القصة القصيرة.

-  من الخارج إلى الداخل:

تأسس القراءة الأدبية حداثيا على النظر في الموازيات  للنص أولا ثم النص ثانيا،وذلك لأهميتها في عملية التلقي ككل، حيث لم يعد المعنى يقتصر على النص فقط، بل هناك أثر لهذه العناصر الموازية في تشكيل عالم النص دلاليا وتأسيس افق توقع عند المتلقي:

العنوان المركزي: كالعزف على القيثارة

يمارس العنوان في هذه المجموعة اثره من خلال بنيته النحوية أولا ثم البلاغية ثانيا:

-  من حيث التركيب النحوي، يضمر العنوان جزء من التركيب الإسمي (جملة إسمية)، ولاكتمال المعنى وجب تأويل ما أضمر أو تقديره كأن نقول: العزف على القيثارة رائع أو ممتع أو ممل ....

-  من حيث البناء البلاغي، يخفي العنوان أيضا مكونا أساسيا من مكونات البنية التشبيهية حيث لدينا المشبه به فقط .

بهذه الطريقة في صياغة العنوان يؤسس الكاتب ميثاقا مع القارئ أساسه:

-  الكتابة إضمار وحذف، والمعنى لا يأتي تاما مكتملا .

-  القراءة تأويل واستحضار لما تم حذفه أو إضماره .

العنوان الفرعي: أقراص قصصية

يتألف هذا الجزء من عنصرين:

أقراص وهي جمع قرص . والقرص عبارة عن قطعة مبسوطة مستديرة من المادة اللغوية "قرص" التي تفيد معاني مثل القطع واللدغ والإيلام والإيذاء والتنبيه  ...كما ان للقرص دلالات أخرى حسب السياق الذي ترد فيه مثل الهندسة والرياضة والصيدلة .

قصصية نسبة إلى قصة وهي نوع سردي محدد المقومات والخصائص الفنية والجمالية. فما العلاقة بين الأقراص والقصص؟

يكشف القارئ من خلال اندماجه في لعبة التأويل أي استحضار ما أضمر في الملفوظات قصدا من طرف الكاتب أن هناك تقاطعا بين القرص والقصة:

من حيث المكونات: في مجال الصيدلة، الأقراص خليط من المواد الفعالة في شكل مسحوق وهي مستحضرات قوية مقسمة إلى جرعات متفردة في كتل صغيرة متماسكة ومعدة للتعاطي والتناول .

وفي مجال الأدب، القصة بناء لغوي وأسلوبي ودلالي يتخذ شكلا معينا ويصاغ بغاية القراءة إفادة وإمتاعا.

من حيث الحجم: للأقراص أحجام مختلفة، لكنها في الغالب صغيرة والصغر او القصر سمة من سمات القصة وهو خلاف الطول والاسترسال. كما أن للقصر حدود أدناها جملة أو جملتان، وأقصاها فقرة فما فوق. إن القصة القصيرة جدا اختزال وتكثيف لمكونات جمالية كبرى مثل الوصف والسرد والحوار.

من حيث الصيغة: يخضع القرص في تركيبه إلى تكثيف وضغط، كما تخضع القصة القصيرة إلى نفس الإجراء. وهذا لن يتحقق لجميع الكتاب، فكم  من كاتب طويل هزمته قصة قصيرة .

من حيث التناول: يفيد حجم الأقراص السهولة في التناول، حيث هي مهيأة للتعاطي بالفم عن طريق البلع أو المضغ أو الاستحلاب، كذلك نفس الأمر بالنسبة للقصة القصيرة فهي معدة للتلقي في وقت وجيز.

من حيث المفعول: طبعا ينصح بالأقراص حسب نوعية المرض ويتغير مفعولها وفقا لذلك، فهناك أقراص طويلة المفعول وأخرى متوسطة التأثير، ونفس الأمر فيما يخص تأثير هذا النوع من السرد. فهناك قصص قوية الأثر على القارئ وأخرى ضعيفة أو خفيفة الأثر.

هذا التقاطع بين القصة القصيرة والأقراص يدفعنا إلى إثارة سؤال العلاج بالأدب .فهل ذلك ممكن ؟ وإن كان كذلك فكيف يتم؟

الاستهلال:

استهل الكاتب مجموعته القصصية بما يلي: " مثل جبل صغير لم يتعلم الطيران بعد "

يتأسس هذا القول المستهل به على بنية تشبيهية، شأنه في ذلك شأن العنوان . وقد تم إضمار ركن من بنية التشبيه (المشبه) والتأمل في هذا التعبير المجازي، يجعل القارئ يسال: هل الجبل صغيرا كان أم كبيرا يتعلم ؟ ويطير؟ فهل ما لا يتحلحل يطير؟

يسعى هذا النوع من الاستهلال إلى خلق تشويق عند القارئ، مما يجعل تلقي  هذه النصوص ينبني على الانتباه إلى أهم خاصية فنية وتقنية في بناء القصة القصيرة، إنها المفارقة .حيث يسعى الكاتب  من خلالها إلى مباغتة القارئ وجعله يغير عادة تلقيه وكأن القصة القصيرة تتطلب انتباها ويقظة في التلقي والتناول حتى يدرك بعض أسرارها .

نحو الوعي بالاختلال:

تمتح القصة القصيرة قدرتها على تمثيل الظواهر وتشخيص المواقف الإنسانية المؤثرة من مرجعيات مختلفة مثل الرمز والمثل والخبر والكناية وذلك عبر تقنيات وآليات فنية مثل التكثيف والترميز والسخرية والمفارقة والتلغيز ...

وإذا كانت للرواية قدرتها على تشخص الظواهر الإنسانية في مختلف تجلياتها التاريخية والاجتماعية والسياسية  بشيء من التحليل والتمثيل السردي عبر مقتضيات النظام  السردي أو العمليات السردية ، فإن القصة القصيرة جدا لا تحفل بالتحليل عبر خلق وضعيات سردية مركبة بل تكتفي بفن الالتقاط والتلميح في صيغ فنية محدودة جدا . في هذا السياق سنقف عند بعض نصوص " كالعزف على القيثارة " لرصد المدار الدلالي الذي انتظم المجموعة ككل.

خلال قراءتنا المتأنية لنصوص هذه الأضمومة القصصية، نستنتج انها تنتظم حول ظاهرة الاختلال التي أصبحت تتمظهر في كثير من الأنساق والأنظمة التي تؤطر الحياة الاجتماعية / الإنسانية في شموليتها مثل القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية أو الاجتماعية والهوية والمرجعيات الفكرية والثقافية ... فما نوعية الاختلالات التي رصدتها نصوص المجموعة ككل؟

سنتخذ من بعض نصوص الأضمومة عينات نصية للتمثيل:

في قصة " براءة " ، وعبر آلية السخرية، رصد الكاتب مظهرا من مظاهر الاختلال في المنظومة السياسية العربية، يتعلق الامر بمسالة انتقال السلطة أو توريثها أو احتكارها من خلال آليات تقليدية مع الادعاء بان ذلك من علامات الديمقراطية !!!!

تنبني القصة حدثيا على الجلوس على الكرسي كموقع لممارسة السلطة وإنتاج الخطاب . هذا التموقع يحمل معاني مثل الحكم في مجال السياسة، والاعتراف في مجال القانون، التربية والتهذيب والتعليم في مجال الثقافة والمعرفة، والسلطة المطلقة الميتافيزيقية في مجال الدين (وسع كرسيه السماوات والأرض).. وهنا في القصة يأتي بمعنى الاعتراف أما القاضي: " صدقني يا سيد ترامب ...ليس في الأمر أي استئثار بالحكم ضدا على الأعراف الديمقراطية ..."

وتثير القصة بأسلوبها الخاص سؤال البراءة: هل من يتربع على الكرسي يتصف بالبراءة أم الاتهام ؟ وسؤال البراءة يحمل ضمنيا سؤال الاتهام. ولإثبات عدم براءة الجالس على الكرسي في عالم القصة هو استجابة الحاكم لطلب الكرسي، لا استجابته لمبادئ تدبير السلطة وإجراءات تداولها، حيث تألم الكرسي وأصابته رجفة كبيرة عندما أحس أو شعر بأن غير مؤخرة الحاكم هي من تلامسه، فما كان على الحاكم إلا أن يستجيب لطلب الكرسي  وان يعتبر استجابته فعلا إنسانيا جسورا يؤكد براءته . أمام قاض يسائل المتهم في تهمة البقاء في الحكم عقودا من الزمن: " لا ارضى عن مؤخرتك بديلا. هذا ما قاله الكرسي يا سيد ترامب ...".

في قصة " الصوت "  يرصد الكاتب أيضا خلال ضمن المنظومة السياسية، وخاصة على مستوى العلاقة بين الحكومة والمواطن. وتنبني القصة على لعبة التوازي بين صوتين:

-  صوت المواطن الذي هو خطاب أو كلام أي رأي وموقف ووجهة نظر . ثم هو فعل وإجراء أي ممارسة في الواقع. وبواسطة هذا الصوت تنشأ الحكومة.

-  صوت الحكومة: هو كذلك خطاب أو كلام، كما أنه إجراء وممارسة صادرة عن الحكومة باعتبارها فاعلا معنويا. وإذا كان صوت الحكومة ناتجا عن صوت المواطن، فماذا يتوقع المواطن من صوت الحكومة بعد صوته؟ هناك احتمالان:

- الاعتراف بفضل صوت المواطن وبالتالي شكره على ذلك، من خلال  تأهيل المرافق العمومية وتسهيل الاستجابة لطلبات المواطن وتجويد خدماته .

- إرهاب المواطن من خلال قمعه وتعنيفه بالخطاب أو الفعل. وهذا ما استوعبه المواطن وأدركه في آخر القصة: صوت هو دعوة ملحاح إلى الموت. أو ما هو أفظع . هو هدية الحكومة إلى الشعب بمناسبة عيد عالمي للموسيقى " .

هناك إشارة ذكية في قصة " العمارة "  باعتبارها فضاء حديثا للسكن وشكلا جديدا للاجتماع البشري فرضته التحولات السوسيو اقتصادية، إلى خلل آخر بدأت تظهر آثاره على مستوى العلاقات الاجتماعية في مثل هذه الفضاءات العمرانية . فكيف ذلك ؟

تتأسس القصة حدثيا على تناظر زمني:

-  قبل العمارة، حيث كان الناس في السابق هويات متنوعة ومختلفة .

-  في العمارة، حيث أصبح للناس هوية واحدة . أو شكل وقالب واحد.

لقد انتقل قاطنوا العمارة من بيئات ثقافية مختلفة: لغة وتقاليد وزيا وعادات ...أي من هوياتهم المختلفة إلى هذا الشكل الجديد الموحد أصلا في المساحة والتصميم والمرافق والرؤية . لقد تخلوا تدريجيا عما كان يصنع اختلافهم وتنوعهم واصبحوا متشابهين على نمط واحد . فكأن العمارة إطار صناعي يتضمن منتوجا معلبا.

انبنت قصة "جنون" على منطقين:

-  الواقعي أو السببي: أي أن الوقائع تدرك وفق نظام سببي، أي (سبب – نتيجة)

- اللاواقعي أو اللاسببي: أي حدوث وقائع خارج النظام السببي .

وفق هاتين الآليتين، تأطر الحدث الرئيسي في القصة: فرار أحد عشر مجنونا من المشفى .

ولما كان الحدث في واقعيته ومنطقيته أو معقوليته يخضع للترتيب التالي:

-  الاتفاق والحوار(التفكير في خطة) يقتضي التخطيط أولا ثم التنفيذ تانيا  ثم الهروب أو الفرار ثالثا كنتيجة . وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الفواعل يفكرون بطريقة أساسها العقل . أما في حالة غياب العقل وحضور بديله أي الجنون، فسيتغير منطق الحدث:

-  لا اتفاق ولا حوار (ليست هناك خطة) أي ليس هناك تخطيط ولا تنفيذ وبالتالي ليس هناك فرار من طرف مجانين .

إذن من هرب؟ ومن خطط ؟ ومن نفذ؟ الجواب أن من يملك عقلا ويفكر به هو الطبيب أو الطاقم الطبي، إذ فمن هرب في الأصل هم أحد عشر طبيبا من مستشفى الأمراض العقلية . وإذا كان هذا ممكنا، فهو يكشف عن خلل في معيار تقويم الأحداث التي تنقلها الوسائط الإعلامية . ويتأكد الخلل هنا في كون الكذب هو السائد والمستشري في هذا المجال . وهنا توجب على المتلقي أن يعيد ترتيب الأحداث والوقائع وفق منطق سببي وعقلاني . كما يدفعنا هذا الأمر إلى التفكير في سؤال: لماذا يهرب الاطباء؟ ولما ذا يخططون للهرب؟

في قصة " ادفع بالتي هي أحسن" يتابع الكاتب رصد مظاهر الخلل التي استشرت في الواقع الاجتماعي والانساني. يتعلق الأمر هنا بمسالة الأمن كمطلب أساسي للفرد  أو الجماعة، وهو ما يمنح تعادلا وتوازنا للوجود الإنساني . وعندما يغيب الامن او يفتقد لأسباب ذاتية وموضوعية: يهيمن الاضطراب والخوف والقلق والتهديد وبالتالي الموت والعدم . وتعميقا لهذا النقص أو الخلل افترض وجود شخص يطلب إتاوة / ضريبة من السارد مقابل خدمة توفير الأمن له. هذا الوضع يكشف عن خلل ما . فما هي طبيعته؟

-  توفير الأمن يتحقق في الوقت الراهن من طرف الدولة أو الجماعة التي يندرج ضمنها الفرد. وهو أمن مادي ومعنوي، أي منع كل ما من شأنه إلحاق الأذى والضرر بالفرد ومصالحه أو حقوقه المادية والمعنوية. أي ما من شأنه أن يجعل الحياة لدية صعبة ومتعذرة .

-  غياب الأمن يعني تعذر الحياة لدى الفرد وصعوبتها، وبالتالي تهديد وجوده . وهذا يدل على غياب الطرف المسؤول عن ذلك أي الدولة كمؤسسات ومرافق وجهات وظيفتها توفير الأمن للمواطن. وفي هذه الحالة من الغياب أو الفوضى تظهر بعض الجهات أو الأفراد يتولون تقديم هذه الخدمة للمواطن، وبمقابل مادي، تلخصه في القصة عبارة " ادفع بالتي هي أحسن "

وهذا الخلل له ابعاد اجتماعية واقتصادية وإنسانية خطيرة، تتأكد أبعاده في المناطق التي تضعضعت فيها شخصية الدولة إما بسبب فساد أو حروب أو أوبئة أو استعمار أو كوارث طبيعية ...

لقد أصبح الوجود الإنساني في الفترة الراهنة مبنيا على دفع إتاوة تحت الإكراه من أجل حريته وشغله وأمنه وعرضه ...

وتنبني قصة "سعار" على حدث محوري، يتمثل في إصابة شخص بسعار نتيجة عضة كلب مسعور . وهذا الحدث يستوجب الاستشفاء من السعار. وهذا هو المنطقي والطبيعي أو الواقعي. لكن أن يرفض المسعور الاستشفاء فذلك يكشف عن خلل معين . فكيف تجلى ذلك وما هي أبعاده؟

يمكن أن نكشف عن المحاور الأساسية التي انبنت عليها هذه القصة في ما يلي:

-  المحور الأول: الإصابة بالسعار تقتضي العلاج والاستشفاء

-  المحور الثاني: الإصابة بالسعار لا تقتضي علاجا أو استشفاء . ولما كان السعار خطيرا على الحياة ومهددا لها، فلماذا تم رفض المصاب بالسعار العلاج ؟  هنا يكمن الخلل ؟ أي هناك مبرر لذلك الموقف

-  المحور الثالث: المواطنة الحقة تقتضي الاعتراف والتنويه والشكر، أما أن تكون مواطنا حقا وليس من نصيبك غير التهميش والإقصاء والإبعاد والتحقير ...فذلك ربما اهون من السعار أو هو أكثر تأثيرا من السعار .

هكذا تكشف القصة عن نوعية الخلل الذي أصبح يطبع حياة الفرد وفكره وسلوكه الناتج عن تجاهل وطنيته أو اعتبار وطنيته من درجة ثالثة أو رابعة ...لقد أصبح المواطن يحس أن وطنيته وانتماءه  إلى وطنه ليس مفخرة أو علامة قوة ..لهذا أصبح يفضل أن يصيبه سعار الكلاب لا سعار دولته .

في قصة "نجاح مبهر" يزيل الكاتب اللثام عن مظهر آخر من مظاهر الاختلال التي تؤثر سلبا على الوجود الإنساني سواء في علاقاته أو قيمه أو معتقداته . ولكشف نوع الخلل الذي يتمظهر في القصة، نكشف عن منطق الحدث الرئيسي الذي ينتظم القصة ككل:

-  علاج العقم يقوم على معرفة وعلم وخبرة  ثم التزام أخلاقي . ومن توفرت فيه هذه الشروط سيحقق شهرة .

-  علاج العقم يقوم على الجنس أي ممارسة الطبيب الجنس مع من قصدنه لعاج عقمهن. وهذا خرق لمبادئ المهنة وميثاق الثقة بين المريض والطبيب ...و من كان على هذه الشاكلة سيحقق شهرة . والفرق بين الشهرتين أن الأولى امتياز والثانية تشهير وفضيحة .  إذن بين المنطق الأول والثاني يكمن الخلل .

-   النجاح: يقوم على المعرفة والإتقان ثم الإخلاص في العمل وهذا يترتب عنه شهرة  وهي صحيحة وحقيقية .

-  النجاح قد لا يقوم على الإخلاص أو المعرفة بنوع وخصوصية العمل، وهذا تترتب عنه كذلك شهرة لكنها شهرة مزيفة وباطلة سرعان ما يتم  فضحها .

هكذا أشار النص إلى ظاهرة شهرة بعض المعالجين المزيفة والتي أصبحت تغزو حياتنا المعاصرة، خاصة فيما يتعلق ببعض المشاكل العويصة مثل العقم والعنوسة .

في قصة  " انتهازية "   والتي ينتظمها حدث محوري، يمكن صياغته كالتالي:

-  العمل يقتضي أجرا ماديا ومعنويا، بغض النظر عن قيمة وحجم العمل ضمن تراتبيات الأعمال والأفعال الدنيوية والدينية، الفكرية أو العملية .  شريطة أن يكون هذا العمل مشروعا وذا منافع لا أن يجلب مضارا تلحق ضررا بالإنسان أو الطبيعة أوالذات . وقد اختار الكاتب عمل ماسح الأحذية ليشخص ظاهرة تمثل خللا خطيرا أصاب الحياة الاجتماعية والإنسانية، يتعلق الأمر بالانتهازية . وتبعا للقاعدة التي انطلقنا منها، يقتضي هذا النوع من الأعمال التي يمارسها بعض الناس في الحياة العامة وهي غير مهيكلة  أو غير خاضعة لتقنين أو ترتيب إداري، لكنها متداولة بين الناس وتحقق بعض الآثار الإيجابية سواء عند ممارسها باعتبارها موردا ماليا وسواء عند المستفيد منها من خلال كونها تدخل ضمن ما يسمى إيتيكيت اجتماعي عام ـ يتعلق بالمظهر أو الصورة التي نرغب أن نكون عليها في الخارج من حيث تنسيق اللباس وتعطير الجسم وتنظيف أو تلميع الأحذية:

-  عامل ماسح الأحذية: يستوجب أجرا سواء كان ماديا أو معنويا . وهذا هو الطبيعي والمنطقي .

-  عامل ماسح الأحذية: حرمانه أجره المادي أو المعنوي . وهذا يكشف عن خلل ما . يتعلق الأمر بالانتهازية في أبشع صورها وأمقت أشكالها . والانتهازية:

-  أن تستغل شيئا أو شخصا لا يحق لك ذلك .

-  أن تحرم شخصا أجره المادي أو المعنوي .

-  أن تستجيب لرغباتك الذاتية فقط .

-  أن تجفف من ذاتك قيم التضامن والتكافل والتآزر .

-   أن تكون نرجسيتك وأنانيتك  في أقصى حدودهما .

-  أن تضاعف من مآسي الناس  لا أن تجبر كسورهم ...

لقد شخصت القصة ظاهرة الانتهازية من خلال تمثيل لها بموقف أو سلوك متداول ومشهود . وهذا الخلل يهد منظومة القيم ويؤثر على العلاقات الإنسانية كما يؤثر على التماسك الاجتماعي فيجعل التراتبات الاجتماعية تتباين وتتسع الهوة بينها .

في قصة " ببساطة "   تنهض القصة على منطقين:

-  منطق طبيعي أساسه السبب النتيجة، ويتمثل في ما يلي:

-  وجود الإدارة كمرفق عمومي يستوجب تقديم خدمات للمواطن .

-  وجود الإدارة يعمل على تعطيل خدمات المواطن أوعدم الاستجابة لمصالحه كما أطرها القانون . وهذا يكشف عن خلل في هذا المجال لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية أو فنية أو تقنية مثلا، فقد يرجع الأمر إلى نوعية الإجراءات أو التدابير البيروقراطية التي تحكم كثيرا بعض الإدارات . كما يرجع الأمر إلى عدم أهلية الموظف إما معرفيا أو تقنيا أو اجتماعيا على مستوى التواصل الاجتماعي بين الموظف والزبون،وهذا نلمسه من خطاب الإدارة المتداول بين الموظف وطالب الخدمة من تلك الإدارة .

وعندما تستجيب الإدارة للمواطن وتنجز طلباته  المشروعة وفق القانون المنظم لذلك، تستحق تلك الإدارة الشكر والاعتراف والاحترام، وتخلق  الرضى عند المواطن . أما في حالة العكس، أي عندما تتعطل خدمات المواطن فسيترتب عنده الغضب والتذمر والاحتجاج . إذن، فرضى المواطن أوغضبه وحنقه ينتجان ببساطة، وليس الامر صعب الفهم والتفسير .

تتأسس قصة " زاوية نظر "  على بنية عميقة، تتمثل في بنية الوعظ التي تتركب من:

-  واعظ: من له خبرة ودراية في مجال ما . قد يكون إنسانا أو طبيعة أو حدثا ....

-  موعوظ: من تقدم له الموعظة أو من يعظه الواعظ، قد يكون رجلا أو امرأة، يافعا أو كهلا ...

-  موعوظ به: ما يعظ به الواعظ موعوظه.

وفكرة الوعظ اقترنت خطابيا وتداوليا بالمجال الديني، حيث يقدم رجل الدين موعظته للناس عامة أو  لفرد واحد يكون حاكما أو قاضيا أو تاجرا ....و تكون الموعظة بمثابة التذكير بالمصير والنهاية ومآل الإنسان في الآخرة . تتضمن الموعظة نصائح وتصور للموعوظ كيف يجب عليه أن يكون سلوكا واعتقادا وتصرفات وعلاقات مع الناس أو مع أهله وغيره .وغالبا هناك ما يبرر الوعظ أو الموعظة، أي وجود أسباب وحوافز تحفز الواعظ على ذلك، مثل غفلة الناس عن الآخرة، واقترافهم للذنوب والآثام، وتعديهم للحدود وخرقهم للآداب ...و القصة هنا تكشف عن خلل كامن في خطاب الموعظة حيث المفارقة بين مكوناتها صارخة:

-  الواعظ: شيخ أو كاهل أو فقيه له ثقافة دينية .

-  الموعوظ: أطفال، لم يبلغوا رشدهم بعد، ولم  يقترفوا من الذنوب ما يبرر موعظتهم أو أن يكونوا هدف الواعظ. هم في طور يستلزم أن يوجه لهم خطاب آخر، وأن يعاملوا معاملة خاصة، وأن تراعى في ذلك طبيعة وجدانهم  وبنية عاطفتهم. إذ من المفترض، أن يستجاب لمتطلباتهم العاطفية والخيالية مثل اللعب والحركة والمعرفة والإبداع والقصص .

-  الموعوظ به: في النص يقدم الواعظ وعظه للأطفال بالحديث عن الآخرة، ولا سيما الحديث عن صورة العذاب وما يعتمد في ذلك من طرائق مثل الصراط ودقة المرور عبره وتهويل الوقوع في النار وما يترتب عن ذلك من حرق وإيلام .

يتمظهر الخلل هنا في تجليات المفارقة:

1-  ما يقدمه الواعظ أو يعرضه من خبرة ومعرفة لا يناسب المقام، أي أن متطلبات الطفل في هذه المرحلة لا يتناسب وجدانيا مع خطاب الواعظ لا وجدانيا ولا نفسيا ولا خياليا .

2-  الموعوظ به: يفتقد خطاب الواعظ على مستوى الأداة  الموعوظ بها شرط التناسب أوالتلاؤم. إذ المطلوب تنمية قدرات الطفل وطاقاته التعبيرية والإبداعية والخيالية . لا قمع تلك القدرات أو توجيهها توجيها عكسيا .

3-  في النتيجة والمآل: غالبا ما تترتب عن الموعظة نتائج نفسية وآثار معنوية، وذلك حسب قوة خطاب الواعظ من جهة ومدى مناسبته للمقام أو السياق، وكذلك درجة مصداقيته، إضافة إلى حاجة الموعوظ النفسية والفكرية لتلك الموعظة . وهنا في النص، لا أعتقد أن الأطفال في حاجة إلى تلك الموعظة، كما أن شرط المصداقية غير متوفر في الواعظ، إذ كيف للأطفال أن يحكموا على صدق خطابه .

4-  في الغاية من الموعظة: غالبا ما يقدم الواعظ موعظته استجابة للمبدأ الذي يقول: الدين النصيحة . أي أن هناك التزاما معنويا بهذا المبدأ وغيره من المبادئ الدينية من أجل الحفاظ على الدين أولا وتقويته ثانيا وكذلك الاستجابة لمبدأ من رأى منكم منكرا فليغيره ...و بالتالي فالوعظ علامة من علامات الالتزام بالدين ومبادئه . لكن هنا نسأل: ما المنكر الذي صدر عن هؤلاء الأطفال؟ وما مدى خطورته؟ وهنا نرجع إلى العنوان الذي يتضمن تفسيرا لهذه المسألة " زاوية نظر" أي للواعظ هنا وجهة نظر، ترى منكر هؤلاء الأطفال في الغيب، في الآتي من الزمن، لهذا وجب عليه موعظتهم وترهيبهم بالنار والصراط. وطبعا هذه وجهة نظر قاصرة وحاسرة .

على سبيل الختم:

تكشف أغلب نصوص هذه الأضمومة على مسألة الخلل أو ظاهرة الاختلال التي أصبحت تطبع كثيرا حياتنا المعاصرة، سواء في علاقاتنا الإنسانية والاجتماعية أو تلك التي تطبع سلوكنا ومواقفنا من كثير من القضايا والأسئلة ذات الطابع الإشكالي مثل علاقة المواطن بالمؤسسات الوطنية (الإدارة) ومسالة المواطنة التي تنبني على ثنائية الحق والواجب ومسألة الأمن الذاتي والرشوة التي استشرت كالوباء في الجسد الاجتماعي . كما اتخذت هذه الأضمومة  بعض الظواهر كمادة لها مثل الظاهرة الدينية على مستوى خطابها الدعوي وكذا بعض الظواهر التي ذاعت بصورة لافتة مثل الشعوذة والشهرة  ومسألة الهوية والديمقراطية وغياب المصداقية في كثير من الخطابات المتداولة سواء في الخطاب الإعلامي أم السياسي  أم الإبداعي الفني .

وقد ابانت الكتابة القصصية في هذه الأضمومة على قدرتها في الكشف عن بؤر الخلل في الواقع وفي الوعي وكذا في الرؤية . وإن كانت هذه النصوص مختزلة في بنيتها السردية ومادتها اللغوية فهي غنية بكثافتها الدلالية، وهي تسهم في بناء الدلالة وتداولها بخصائصها تلك إضافة إلى تطوير قدرات القارئ وترويضها لتلقي مثل هذا اللون من الميكروتخييل في الثقافة الأدبية المعاصرة .

 

د. المصطفى سلام  

 

وليد العرفي ينشغل  نص الشاعر: غانم العناز الذي بين أيدينا بموضوعة الحب،  وهو من الموضوعات التي طالما انشغل بها الإنسان عموماً والشعراء بوجه خاص ؛ فالحب تلك العاطفة الإنسانية الجميلة السامية هي ميزة الله في مخلوقه الإنسان، وقد تمظهرت تجلياتها في لغة الشعراء الذين تفننوا في التعبير عنها، وسيبقى الحب سمت رؤيا الشاعر، وموجّه بوصلته التي لا تحيد عن جهة القلب، ولا تعرف طريقاً  إلا منه وإليه

يبقى الحب الميدان الأثير للشعراء، وهو ما يبدو إبداعاً مستمراً لا يقف عند حدود عمر محدد، أو حالة اجتماعية، أو منبت  طبقي ؛ ففي الحب يتساوى الناس جميعاً، فكيف عبر شاعرنا : غانم العناز عن هذه العاطفة، وكيف تجلَّتْ لغته في هذه القصيدة؟

يستهل الشاعر قصيدته بالحرف (لو)، وهو ما يُشير إلى مُتمنَّى غير مُحقَّق، وقد جاء استهلالاً موفقاً فيما أراد الشاعر أن يُخبر عنه، ويصل إليه في نهاية القصيدة التي جاءت تأكيداً لطبيعة الحب على اختلاف مذاقه، وتعدد ألوان معاناته غير أنه يظل حالة جميلة، وربما كانت لذَّ ة الحب في تلك المعاناة لدى المحبين الذين غالباً ما يقعون في صراع بين القلب وهواه، والعقل وعصاه، وفي هذا الصراع تبدو خصوصية الحالة وجمالية مكابداتها :

لو كان قلب المرء يرضى سامعاً

               للعقـل حكماً ثم يـبقى طائـعـا

لمـا سـمـعـنا هـائمـاً في عـشـقـه ِ

              يـشقى ولا صباً يداري أدمعا

لكن هيهات للقلب أن يطيع وللعاطفة أن تقبل بالطاعة : فكم أذل الحب عاشقاً وطوع أقوى الفرسان لإرادته؟!  وهو ما عبَّر عنه ابن حزم بقوله : "عندئذ تصبح صحبة المحب استسلاماً؛ فإذا وقعت المحبة تسبَّب عنها طاعة المحب للمحبوب"  

يقول شاعرنا العناز في تأكيد هذه الحقيقة :

ولا شـجـاعـاً قد غـدا مـستـسلماً

              أو عاقـلاً من حـبه قـد روّعـا

وأبعد من ذلك بل إن الحب يرفض الاستسلام، حتى من تعلق قلبه بالتقوى والصلاح ؛ فإنه في محراب الحب سيجد نفسه قد هام وراء طيوفه غير مبال بالرجوع، ألم يقل الشاعر: ربيعة بن عامر الدارمي  المعروف بالمسكين قديماً:

 قلْ للمليحةِ في الخمارِ الأسودِ            ماذا فعلْتِ بناسكٍ مُتعبّدِ

 قدْ كانَ شمَّر للصَّلاةِ ثيابَهُ  لمَّا وقفْتِ لهُ ببابِ المسجدِ

 وفي هذا السياق نجد وصف العناز :

أو نـاسـكاً قـد طـار مـنــه لـبـه ُ

            من نظرة ٍ لا يرتجى أن يرجعا

لـكـنه في الـحب يـبـقـى حاكـمـاً

            قلب الفتى والعقل يبدو ضائعـا

حتى تساوى فى الهوى شيخ وقـو

           رٌ مع غرير ٍ جامح ٍ ما قد وعى

والحب لا يمكن إخفاؤه أو التستر عليه، إذْ طالما كانت عيون المحبين فواتح قلوبهم، ومرايا عاطفتهم:

أهـل الهوى لو حاولوا أن يكـتموا

             سـر الهوى لـبات سـراً ذائـعـا

أهل الهوى لو جاهدوا من حبهـم

            أن يفلـتوا ما أجدى ذاك إصبعا

ويبدو الحب قدراً لا مفر منه؛ فهو سلطان يتملّك العاطفة حتى يطغى على كيان الإنسان كلّه : 

كـم ناصح ٍ أو عـاذل ٍ قـد حـاولـوا

         صدَّ مُحـبّ ٍ عن حـبـيـب ٍ أذرعـا

لكـنه يـجـري الهوى مـستـرسلا ً

         ما كان من طبع الهوى أن يركعا

يبدو في قصيدة شاعرنا العناز، وكأن الزمن هو الزمن منذ العصر الأموي إلى عصرنا الحالي، ولم يتغير إلا الشخوص، وما بين مسكين الدارمي ومسكين العنازي في عصرنا ثمة وشائج عاطفة لا تنقطع، وصلات مشاعر  ما زالت تؤكد حقيقة الحب في أجمل مظاهره، وأسمى تجلياته

في الحب تسمو الـروح في عـليائها

           والنفس قد تصفو صفاءً ناصعـا

الـحـب حـلـوٌ طـعـمـه أو عـلـقـمٌ

           من لم يـذق للحب طعـماً أدقـعـا

وهكذا تبدّت لنا صورة الحب في لوحة الشاعر غانم العناز بألوانها الزاهية، وقد تأطرت بلغة ذات توهّجٍ عالٍ من الخبرة، وتزركشت بريشة شاعر أتقن فنَّ الرسم بالكلمات، وهندسة القصيدة في تشكيلها البنائي عبر تدرج فكر، وتسلسل عبر، إذ جاءت القصيدة بلغة البوح الشفاف الذي خلا من بذاخة الصور، وتعرجات الانزياح في القول؛ لأنَّ الشاعر إنما أراد الصدق في البوح والتعبير، لا الانسياق وراء الانزياح و التصوير.

 

د. وليد العرفي

............

للاطلاع على القصيدة في المثقف

طــبـعُ الـهـوى / غانم العناز

 

الكبير الداديسيظل الاعتقاد سائدا بين المثقفين وطلاب الأدب كون رواية زينب لمحمد حسين هيكل الصادرة سنة 1914 تعد باكورة الرواية العربية، وأن المرأة العربية لم تقتحم الكتابة الروائية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين برواية (أروى بنت الخطوب) للأديبة وداد سكاكيني المنشورة عام التي ستكتب بعد سنتين روايتها الثانية «الحب المحرم» (1952).. ولازال هذا الاعتقاد إلى اليوم مكرسا عند الكثير من الطلبة والباحثين كمسلمات لا تقبل النقاش…

لكن أمام تطور النقاش حول الرواية العربية، إثر وفرة الإنتاج و تعدد المسابقات والجوائز الوطنية الجهوية والقومية المخصصة لكتاب الرواية، أصبح النبش في تاريخ الرواية العربية يفرض نفسه، بعدما غدا يحلو للبعض اعتبارها الجنس الأبي الأنسب للظرفية الراهنة، فأطلقوا عليها ديوان العرب المعاصر، وهو يرونها تزيح الشعر وتمتطي صهوة الثقافة العربية المعاصرة، لكن ما لا يعرفه بعض شبابنا هو أن هذا الجنس الطاغي اليوم على ساحة الثقافة العربية، ليس سوى شكلا أدبيا حديث الولادة في ثقافتنا، وأنه لا زال غض العود، فلم تكد تمض إلا سنوات قليلة على ظهوره في عدد من البلدان العربية، بل وعلى الرغم من كل ما تراكم من ونصوصا روائية، فأن عدد الروايات لا زال على رؤوس الأصابع في دول عربية كثيرة، وأن ما يبدو من زخم في التأليف والإصدار اليوم مرتبطة في الغالب بالألفية الثالثة أكثر من أي فترة أخرى، فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة نتاجا روائيا دافقا ربما أكثر مما شهده تاريخ الرواية العربية عبر تاريخها؛ ففي بلد مثل المغرب لم يصدر إلى حدود سنة 2010 إلا حوالي 671 رواية أكثر من نصفها (339 رواية) صدر في سنوات العشرة الأخيرة، ولم يكن للنساء فيها إلا 53 رواية صدر منها 34 رواية في عشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة.

وقد يكون الوضع متقاربا في باقي البلدان العربية الأخرى، بل من المرجح أن تكون نسبة كتابة الرواية بداية في الألفية الثالثة في بعض الدول أكثر مما هي عليه في المغرب إذا ما علمنا أن معظم الدول العربية لم تعرف جنس الرواية إلا بعد المغرب مع ما أتيح لها من إمكانيات لطبع،نشر وتوزيع الكتب: فإذا كان أول نص روائي في المغرب (طه) لآحمد السكوري يعود إلى سنة 1941، وفي الجزائر (غادة أم القرى. لرضا حوحو) إلى سنة 1947، وكانت رواية (آلام صديق) لفرحان راشد الفرحان فاتحة هذا الجنس بالكويت سنة 1948 .. فإن دولا أخرى انتظرت النصف الثاني من القرن لتشهد بواكير رواياتها فكانت سنة 1956 سنة ظهور أولى الروايات بتونس برواية (زمن الضحايا . لمحمد العروسي المطوي) وبعدها بثلاث سنوات كان نص (ثمن التضحية ) للأديب حامد بن حسين دمنهوري بالسعودية، بل ومن الدول العربية من انتظرت نهاية القرن العشرين لتجود قريحة كتابها، وتفتح عين قرائها على هذا الجنس الذي أصبح اليوم من أهم الأرقام في المعادلة الإبداعية الأدبية العربية ولتعرف أولى تجاربها الروائية. فكانت أول رواية بموريتانيا سنة 1981 (رواية الأسماء المتغيرة للروائي أحمد ولد عبد القادر)، وهي نفس السنة التي صدرت فيها أول رواية بسلطنة عمان (رواية الشراع الكبير) للأديب عبد الله الطائي كمحاولة جنينية، مع أن المحاولات الجادة بهذا البلد لم تر النور إلا سنة 1988 عندما أصدر سيف السعدي روايتين هما رواية (خريف الزمن) ورواية (جراح السنين). يبدو أن كل هذه الدول قد عرفت الرواية بعد تجربة محمد حسين هيكل…

وقد يبدو للبعض أن هذه الإشارات تؤكد ما كان سائدا حول حداثة الرواية عندنا، وأن ولوج المرأة غمار الكتابة الروائية جاء متأخرا بدعوى الوضعية التي كانت عليها المرأة في العالم العربي آنئد، لكنهم أصحاب هذا الرأي قد يفاجَؤون بوجود نساء سبقن حسين هيكل بسنوات لدرجة أن هناك من يعتبر المرأة أول من فجر نبع الرواية عربيا بنصوص مثل (حسن العواقب) لزينب فواز التي صدرت سنة 1898 وبعدها بست سنوات كانت رواية (قلب رجل) للكاتبة لبيبة هاشم الصادرة سنة 1904 وإن كانت (قلب رجل ) أهم ما اشتهر للبيبة هاشم فقد صدر لها روايتان أخريتان هما “حسناء الجسد” سنة 1898 و”شيرين” سنة 1907. وهي أعمال سبقت رواية محمد حسن هيكل ( زيب) التي لم تر النور إلا سنة 1914..

يبدو من خلال هذا العرض الأولي وجود أعمال روائية نسائية قبل رواية (زينب) لكن التعصب لفكرة “المركزية المصرية” التي أرادت تكريس اعتبار مصر قاطرة الثقافة العربية، وأن كل جديد في ثقافة العرب مصدره مصر أبت إلا اعتبار “زينب” الباكورة الأولى، فرددها المصريون وتداولها المفكرون العرب بقصد أو بغير قصد، ولقِّـنت للتلاميذ والطلبة في المدارس والكليات،حتى أصبح اليوم من الصعب إقناع النشء بغير ذلك.. ومن المستبعد يكون الرواد المصريون جاهلين ببواكير الرواية العربية وهي أعمال صدر أغلبها في بلدهم، بل كان لأصحابها دور ثقافي هام في مصر والشام: فزينب الفواز (اللبنانية) استقرت سنينا في مصر ونشرت عدت مقالات في صحف مصرية وصدر لها عدد من الكتب بمصر مثل “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور”، الذي أرخت فيه ل456 امرأة من نساء الشرق والغرب. وكتاب الرسائل الزينبية”، وفيها ناصرت قضايا المرأة وحقها في التعليم والعمل قبل أن تظهر دعوة قاسم أمين التي جعلها المصريون أول صيحة من أحل تحرير المرأة العربية، وكتاب “مدراك الكمال في تراجم الرجال”، وكتاب “الجوهر النضيد في مآثر الملك الحميد”،، إضافة إلى ديوان شعري جمعت فيه منظومات لها،، ومسرحية ” لهوى والوفاء ” . وكذلك كانت لبيبة هاشم (اللبنانية): استقرت بمصر وأسست مجلة “فتاة الشرق ” وأصدرت إلى جانب رواية ” قلب رجل ” عددا من الأعمال منها (حسنات الحب) الصادر بالقاهرة 1898، وكتاب (الفوز بعد الموت) القاهرة 1899، ومجموعتها القصصية الأولى “جزاء الخيانة” القاهرة 1903، وبعدها المجموعة الثانية ” جزاء الإحسان” وهو ما يجعل من من رواية ” حسن العواقب ” 1898 من بواكير الرواية العربية، أينعت وقطفت قبل رواية (زينب) للأديب محمد حسين هيكل بأزيد من 15 عاما.

صحيح أن المرأة لم تقتحم الرواية لج الرواية في عدد من البلدان العربية إلا في النصف الثاني من ق.20، إذ كانت (الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل) لآمنة اللوه أول ظهور للرواية النسائية المكتوبة بالعربية في المغرب العربي سنة 1954 وينتظر المغاربة حوالي 14 سنة أخرى ليجود مخيال لنساء برواية ثانية (النار والاختيار) لخناتة بنونة سنة 1968 وتمر السبعينيات عجاف دون أي نص روائي نسائي .. فطيلة ثلاثين سنة في النصف الثاني من ق.20 ( الخمسينيات والستينيات السبعينيات) لم يعرف المغرب إلا نصين روائيين يتيمين من أنامل النساء بينما شهدت الثلاثين سنة الأخيرة 52 نصا روائيا منها 34 في العشرية الأخيرة، أما في الخليج فكانت رواية رواية نسائية (بريق عينيك) لآسية خاشقجي سنة 1959 أول نص يظهر بالسعودية وبمنطقة الخليج عامة، لينتظر الخليجيون إلى سنة 1971 ليظهر أول نص روائي نسوي بالكويت (وجوه في الزحام) للكاتبة فاطمة يوسف العلي، بل انتظرنا سنة 1976 لتشهد الأردن أول كتابة روائية نسائية مع رواية (سلوى) للكاتبة جوليا صوالحة… مع العلم أن من الدول العربية ما لم يعرف الرواية النسائية حتى تسعينيات القرن العشرين يعني إلا قبل حوالي الثلاثين سنة كما حدث في الإمارات بظهور “شجن بنت القدر الحزين” لسارة الكروان الكعبي عام 1992 وهي باكورة الرواية النسوية في دولة الإمارات. لكن كل ذلك لم يمنع من كون المرأة كانت سباقة على محمد حسين هيكل، كما كان الشام سباقا عاى مصر في ولوج عباب الرواية.

وقد يجد المدافعون عن فكرة المركزية المصرية مخرجا ليقولوا أن رواية (زيب) أول رواية عربية من تأليف الرجال، إلى هؤلاء نقول أن العذر أكبر من الزلة إذ كيف يمكن غض الطرف وتجاهل دور بعض الرادة الأوائل في الشام مثل خليل الخوري (1836/1907) صاحب جريدة «حديقة الأخبار» والتي نشر عبرها بعض الروايات المؤلفة والمعرّبة منذ بداية صدور جريدته عام 1858. وكانت أول رواية ُنشرت فيها هي رواية (البرّاق بن روحان) التي لم يذكر اسم مؤلفها. وقد بدأت في الظهور اعتباراً من العدد 40 في السنة الأولى لصدور الجريدة. وبعدها نشر الروايات المعربة مثل (المركيز دي فونتاج) و (الجرجسين)، وهما من تعريب سليم نوفل. لينشر خليل الخوري روايته: «وَيْ. إذن لستُ بإفرنجي» عام 1859 والتي قدمها للقارئ بقوله: (إذا كنت أيها القارئ مللت مطالعة القصص المترجمة، وكنت من ذوي الحذاقة، فبادر إلى مطالعة هذا التأليف الجديد المسمى: «وي اذن لست بإفرنجي) وبعد نشرها بجريدته صدرت الرواية كاملة في كتاب من 162 صفحة سنة 1860. بأزيد من نصف قرن على رواية زينب..

وكان سليم البستاني المتوفي سنة 1884 قد خلّف تسع روايات نُشرت جميعها في «الجنان» بين الأعوام 1870 و1884 وهي (الهيام في جنان الشام)، (وزنوبيا)، و(بدور) (أسماء)، (الهيام في فتوح الشام)، (بنت العصر)، (فاتنة) (سلمى) و(سامية) نشر سليم رواياته قي الوقت الذي كان ينشر فيه دستويفسكي (1821/1881) رواياته…

قد يقول قائل إن هذه الأسماء اللبنانية غير متداولة بقوة وقد تكون غير معروفة للمصريين في مطلع القرن العشرين لذلك اعتبروا رواية (زينب) أول تدشين للرواية العربية، ولنسلم جدلا بذلك، لكن ما ردهم على تجاهل الروائي اللبناني جرجي زيدان الذي يعتبر مؤسس الرواية التاريخية بدون منازع وخلف عشرات المؤلفات منها أزيد من 20 رواية تاريخية وتوفي سنة 1914 أي سنة صدور (زينب)

يستنتج إذن أن ترويج اعتبار رواية زينب باكورة الرواية العربية، تتحكم فيها خلفيات أيديولوجية لا تختلف كثيرا عن نظرية المركزية الأوروبية التي تروج أن مصدر كل الفنون والعلوم هو أوربا القديمة (اليونان/ الإغريق) ضاربة عرض الحائط كل الحضارات القديمة شرقية كانت (هندية، صينية، مصرية، وبابلية ..) أوغربية (حضارة المايا..) وغيرها من الحضارات…

لقد كانت فكرة المركزية المصرية إذن متحكمة في الرادة المصريون الأوائل الذي حملوا على عاتقهم تنوير الرأي العام العربي وغدوا يربطون ظهور كل جديد ب(أم الدنيا)، فكان في نظرهم مولد القصة، والرواية، والأغنية العصرية .. ومختلف الفنون المحدثة في ثقافتنا بمصر دون غيرها، هكذا ربطوا المسرح بجيل يعقوب صنوع وبعده توفيق الحكيم رغم مجهودات الشاميين، كما ربطوا تعريب الرواية بالمنفلوطي، وترجمتها بطه حسين، وربطوا الأغنية العصرية بسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبده.. جاعلين من باقي الدول العربية هامشا يدور حول المركز المصري يمتح وينهل من ينابيعه، وإن حدث واعترف مصري بدور غير المصري فيجعل للتأثير المصري أوالاستقرار في مصر كبير الأثر على حياته وإبداعه. فلم يكن أي مستقبل لمارون النقاش في المسرح، ولا جرجي زيدان، ولا اسمهان وأخيها فريد … لو لم يزوروا مصر.

قد يكون صحيحا أن مصر سبقت الدول العربية إلى الرواية إذا ما قورنت بدول الخليج، أو المغرب العربي، لكنه بالأكيد غير صحيح بالمرة مقارنة مع الشام.. دون أن يكون في هذه المقارنة أي تبخيس أو تقليل من قيمة أولئك الرواد المصريين. وكل ما نأمله من هكذا حكم هو تجنب النظرة القطرية الضيقة، في التعامل مع الأدب العربي، و النظرة إليه في شموليته واعتبار الكل مساهما في ذلك الموروث الذي يجب علينا الحفاظ عليه وتطويره دون عصبية قطرية..

 

الكبير الداديسي

 

 

وليد العرفي مصطلح الومضة: تنتمي قصيدة الشاعر الخماسية إلى ما بات يُعرف في المصطلح النقدي المعاصر بالقصائد الومضة التي تعني: صور الوميض، وصور البرق الخاطف ذات الإشعاع القوي النافذ، والتي تتولد عنها إثارة مفاجئة في منطقة اللاشعور، وهي تشبه وميض البرق، تلتقط في لحظة انبهار ضوئي يكاد يغشي الأبصار، ولكنه ضوء يكشف عن جزئيات وحساسيات ذهنية في غاية الحدة، ناقدة ساخرة تهكمية، وهذه الصور التي تعتمد الوميض، صور في منتهى الغرابة من حيث البناء الفني  وهي تعتمد على أن يجمع الشاعر بين المعنى الحسي، والمعنى الذهني في لمحة واحدة، فتشتمل الصور حينئذٍ على العمق والسطح معاً، المفهوم والإدراك الحسي للمفهوم، على التجربة وخلاصة التجربة .

تلك الفعالية التي تكمن في: "مقدار المردود الانفعالي للنص في تحوّله من حيز البناء إلى حيز الإنتاج والتأثير، أي انتقاله من فعل إبداعي داخلي لدى الشاعر، إلى تفاعل استقبالي لدى القارئ، وهو في الأساس نتاج حساسية خاصة بين الشاعر واللغة التي يكتب بها"  أو حسب تعبير يوسف سامي اليوسف: "التأثير استيلاء حساسية المرسِل على حساسية المتلقي استيلاءً كلياً أو نسبياً، وهذا وضع لا يتيسر إنجازه إلّا بالمجيء من الأعماق أو من النائيات، وبداية لا بد للتأثير من مضمون، أو من غاية، ولعل فحواها أن يكون الارتقاء بالنفس، وتهذيبها، وصقلها حتى تخبر سمواً لا شبيه له في الحياة اليومية. اللهم إلّا أن يجيء ذلك على ندرة وحسب، فالنفس لا تحصل على الشعور السامي إلّا في الأدب وحده، في الغالب الأعم، أي إلّا من الحساسية الممزوجة بالخيال مزجاً لا يقبل الانحلال"  وسنتوقف عند خماسية الشاعر: زياد كامل السامرائي في محاولة استكناه بواطن تلك الخماسيات، واستكشاف مضمراتها الماورائية  يقول في ومضة:

نُعاس

منذ زمن طويل، مثلك

انتظرتُ العيد

يأتي أحيانا على هيئة طائر كالرخِّ

يشعلُ بجناحين كبيرين

فوانيس غُربة، اخضلّتْ بالظلام

وكلما أدركني النعاس

تلاحقني الطرقات بما خَسِرتُ من زفير

ينحسرُ الليل في الشرشف الأبيض

أسمعُ من بعيد .... أغنية أم كلثوم

"يا ليلة العيد"

أقلّبها وأنام.

تنهض هذه الومضة على خطاب الآخر الذي يبدو طرفاً فاعلاً على الرغم من إضماره، وتبديه بصورة الضمير الكاف في (مثلك)، وتتداعى الومضة عبر استرخاء تذكاري يتوضح دلالياً من خلال دوال: فعلية (انتظرت) واسمية: (الرخ) وهو طائر أسطوري يستند إلى الخرافات الشعبية وما تناقلته القصص في ألف ليلة وليلة ومغامرات السندباد البحري، وبهذا التشبيه يبدو العيد منزاحاً في دلالته من الواقع إلى الخيال، ومن المأنوس المألوف إلى الغريب المستوحش، وهو ما يتواءم مع دلالات السياق الذي جاء يصف حالة الاغتراب ووحشة النفس في هذا المناخ النفسي الذي يؤسّس الشاعر السامرائي ومضته عليه، ولنلحظ التركيب الاسمي الدال على الثبات: "فوانيس غربة "، والتركيب الفعلي: "خضلت بالظلام: الدال على الحركة وكيف يُشكل الشاعر معجمه اللغوي عبر انزياحات، ويُقارب بين حقول اللغة المتباعدة ‘ إذ يجمع ما بين المصنوع المادي فانوس، والحالة " غربة " وما بين الواقعية " الظلام " والفعل المرتبط بالزمن "اخضلت " عبر تسلسل يمضي الشاعر فيه تدرج الحدث من الطرقات حتى وصوله إلى لحظة النوم التي تبدو لحظة حاسمة في الكشف عن هامشية مناسبة العيد في نفس الشاعر الذي يكتفي باستعادة أغنية أم كلتوم يا ليلة العيد، ويغط في النوم .

2- دمعة

أبــي الذي شغلته ضحكة النجمات

و أتعبته هواجس القلب المزمنة

تركَ في قعر العالم دمعة

صار غدها

جسرا ضيّقا

لقبره المُهدّد بالضياع

تكشف هذه الومضة عن نمط آخر من المعالجة ؛ فالنهاية افتراضية متوقعة، ولكنها غير متحققة بالفعل، وإنما هي ربما استشراف مستقبل متوقع بناء على معطى من معطيات الحالة النفسية، والنظرة التي يرى من خلالها الحقائق، ومآلات الأمور الجارية .

3- ألم

 أنا الأعزل

النابت في حفرةِ حياةٍ رديئة

و نائية

لمْ يراودني الطوفان بعد قراءتي نوح

لذلك، يُغرقني الألم

وأسفي لا تسحقه المعجزات.

تتشكل هذه الومضة في بنيتها اللغوية من الأسماء التي سيطرت بوضوح على معمارية المتن كله ؛ فلولا وجود الفعلين المضارعين: " يراود، ويغرق" كنا أما لوحة صامتة خالية من الحركة، وهذا الصمت ينسجم مع حالة التعبير عن الألم الذي يكتنف الشاعر، وهو ما جاء وسماً دلالياً في العنوان .

قفلة الومضة:

وأهم ما في القصيدة الومضة الشكل القفلي لها، فختام الومضة هو سرّ جماليتها، وعليه ترتكز قدرة التأثير في المتلقي ؛ لما تشكّله القفلة من أثر ارتدادي في نفس المتلقي، و القفلة في الومضة تتخذ أحد شكلين هما:

أ‌- القفلة المغلقة: وهي تعتمد على تقديم كل شيء في قالب جاهز، وتشير إلى نهاية محسومة، وفي هذا النمط الأسلوبي تبدو القصيدة محددة النتيجة ؛ فتأتي على شكل قرار قطعي، أو في إطار تقديم حقيقة ثابتة، وهو ختام يجعل الأمور قطعيةً، والمواقف محسومة، وقد تعتمد الإخبار أو لبوس حكمة، أو تظهر بموعظة وتوجيه،ومن هذا النمط قصيدة الشاعر: زياد كامل السامرائي المعنونة بـ:

انتظار

يتثاءب الوقت

أُحصي أنياب ثوانيه

وأنا أنتظرك

تشيرُ سِهام الساعة الى قلبي

قد تتوقف في أيّة لحظة

ولا أحد يستطيعُ إصلاحها. 

ب- القفلة المفتوحة: وهذه النمط من الختام يعتمد على مشاركة المتلقي في استكمال أبعاد الومضة الدلالية، وامتداداتها الماورائية، وهذه القفلة المفتوحة غالباً ما تكون على شكل تضمين لموروث تاريخي، أو تشكل تناصّاً معه، ومن هذا الأسلوب ومضة:

 4- غناء

الأرض شاسعة

حتى و إنْ بَدَتْ كتفاحةٍ مدوّرة

لم يأكل منها أحد من الشياطين

تروّض شجرتها رياح حارقة

لكن الغبار الثقيل

يهزّ النمل أميالا

ويدحرجُ البداية الى فوهةِ الجنون

النمل يغنّي في جوقة

لكنّه يحتاج الى قصائدٍ و ناي

فليس هنالك من بساطيل لتحطّمه بعد.

تبدو حالة الومض هنا أقل وهجاً من سابقاتها، وهو ما يبدو في تأكيد حقيقة الأرض بأنها شاسعة ومجىء هذا الاستدراك والتردد بـ (حتى) ما جعل السردية تظهر غير أن الشاعر سرعان ما يعود ويقبض على جمرة اللغة الشعرية بالتصوير الذي اعتمد فيه تقنية التشبيه ؛فالأرض تفاحة، ووبالترميز فللتفاحة فعل إغوائها الذي جعل الإنسان يهبط بسبب منها الأرض، ويحضر الرمز الثاني: "النمل " وهي تحيل على نمل سلمان، وثمة تناصية مع القرآن الكريم مع مخالفة السياق النصي: " حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "  ولكن نمل الشاعر يبدو أضعف مما يمكنه من البقاء إذ تجرفه الريح، ويبقى في متاهة يغني من دون أن يمتلك وسائل غناء من شعر وناي، وهذا الاستدراك جعل الومضة مفتوحة على تعدد احتمالات فيما لو توفر للنمل القصائد والناي،لتغني، وماذا لو حدث ووجدت بساطيل تُحطّم النمل فيما بعد؟! .

 

 د. وليد العرفي

......................

للاطلاع على القصيدة في المثقف:  

النمل يغنّي في جوقة / زياد كامل السامرائي

 

جمعة عبد اللهيأخذنا الكاتب (ضياء الخالدي) الى المهارة الاسلوبية غير المسبوقة في الفن الروائي المتطور في تقنياته وفي الحبكة السردية، التي هي من صنع الخيال المتخيل الفسيح في تصوراته في خلق الاحداث وتعبيد مساراتها المتخيلة. في سياحة الخيال المدهش في التخيل والتصور، في التناول اعقد قضايا حساسة من تاريخ العراق. الذي يستند على طرحه جملة افتراضيات يجعل منها حقيقية قائمة بذاتها. لاشك ان هذه الافتراضيات في ذائقة الاحتمال والتوقع، تملك أرضية واقعية في الشأن السياسي، وترسم خارطة العراق المتخيلة من هذه الافتراضات. ومن خلالها تتشكل اعمدة الواقع المتوقعة اذا في حالفها الحظ ونجحت نظرية الافتراضيات. هذه المحاور هي عماد البناء الفني للمتن الروائي ومنصات الحبكة السردية، الذي ابدع في تكوينها وتشكيلها وصياغتها بذائقة التشويق المرهف. وهي تخص تاريخ العراق على مدى قرن تقريباً من الزمن. لذلك لابد في تفصيل هذه الافتراضيات في النص الروائي التي تختص مجمل الواقع العراقي. أولى هذه الافتراضيات هي : ماذا لو فشل الانقلاب العسكري في 14 تموز في عام 1958، كما فشلت الانقلابات العسكرية الاخرى على النظام الملكي؟. والافتراضية الثانية. ماذا لو استمر النظام الحكم الملكي حتى عام 2000. كيف سيكون شكل العراق؟ هل يكون شكل العراق عبر الانقلابات العسكرية الدموية أم تقمع الى الابد؟ هذا الافتراضيات تخلق الاحتمال والتوقع. ربما تدور في ذهن كل عراقي من زخم الكوارث الدموية المتعاقبة التي سقطت على رأس العراق حتى الى اليوم الحالي. هذه هي علقم المشاكل والازمات وحال العراق، منذ الهجوم على قصر الملك وعاث المهاجمون بالقتل والحرق وسحل الجثث في قصر البلاط، حتى لم يرحموا من الحقد الدفين الاطفال. هذه محاور المتن الروائي بذائقة الخيال والتخيل، لكنها تحمل وجاهة في الطرح والتناول، من خلال سيرة حياة (عارف البغدادي) الذي ولد في (الحيدرخانة في بغداد) عام 1910. ويتابع السياق الروائي منذ ولادته حتى على مشارف حياته في عمره التسعين عاماً. وتتميز حياته بالمجازفات والمغامرات والمفارقات الغريبة. ونعرف انه منذ ان نشأ عوده تمرد على العلاقات الاجتماعية والعائلية والدينية، ضرب مؤذن (جامع حيدرخانة) بالحجارة ساعة الاذان وهو في العاشر من العمر، وعندما كبر واصبح شاباً كان يشعر بالاختناق وانه عنصر سلبي في مجتمع يحاصره في الاختناق وفشل في تعلم مهنة يكسب منها. حتى انه ترك المدرسة العسكرية لتخريج ضباط في الجيش. لذا جالت في ذهنه مغامرة الهجرة للوصول الى المانيا، لذلك خاض رحلة طويلة مليئة بالاحداث العاصفة من بغداد الى تركيا مروراً بسورياً ثم تركيا ولكن تعثر في روما / ايطاليا. فقد سجن وحكم عليه بالسجن عشرة اعوام على جريمة لم يرتكبها، وحالفه الحظ بضرب السجن خلال الحرب العالمية الثانية فتهدم السجن وهرب مع صديقه التركي، وفي تركيا تزوج من (عائشة) ورزق مولداً (قدوري / جيار) ولكنه اجبر عنوة من عائلة زوجته على الطلاق، رغم انه يحب زوجته (عائشة) ثم طرد من تركيا. وعاد خائبًاً الى بغداد. واطلع عن قرب على الوضع العراقي وبلاط الملك منذ (فيصل الاول) قبل مجازفة هجرته وبعد رجوعه الى بغداد، وتعرف على ولي العهد (غازي) من خلال المدرسة العسكرية. وكان يتسم بالبساطة والتواضع. وكان شأنه اي طالب اخر، واثمرت العلاقة الصداقية حتى اصبح ملكاً على العراق. وتعرضه الى الموت من حادثة اصطدام سيارته بعمود الكهرباء. وكثرت الشائعات بأن حادث الموت كان مدبر ومقصود وليس قضاء وقدر. بما يعرف عن ملك (غازي) بشكل واضح كرهه الى الانكليزي وخلافه العميق في تفاصيل كثيرة معهم، فتخلصوا منه بهذا العمل المدبر. لذلك عاشر في علاقاته (عارف البغدادي) عن قرب مع البلاط الملكي حتى مجزرة القصر، التي قتل فيها الملك الشاب (فيصل الثاني) والتمثيل بجثته وسحله.. ولكن محور البناء السردي يعتمد على المشكلة النفسية التي تعاني منها ابنة الملك فيصل الاول (عالية) كانت منذ صغرها تعاني من مرض غريب يهجع حياتها بالنحول والهزال والضعف، ويجعلها طريحة القلق والخوف، وكبر معها هذا الكابوس الثقيل في السنوات اللاحقة، رغم انها حاولت البحث عن تفسير له من خلال الكتب العلمية وكذلك كتب (فرويد) حتى عجز الاطباء في تفسير حالتها النفسية المريضة. وكان هذا الكابوس الذي يثير في روحها الخوف والفزع، يأتيها في اليقظة وليس في المنام، واخفت سره عن عائلتها حتى لاتثير القلق والفزع فيهم. ولكن هذا الكابوس المزعج يرسم مصير عائلتها ونظام الحكم الملكي. يرسم مصير العراق ومستقبله. يرسمه بريشة السواد الكاريثية. لذلك طلب الملك (فيصل الاول) معاونة (عارف البغدادي) في الاسهام في حل المشكلة النفسية لابنته، بان يلتقي مع ابنته الصغيرة (عالية) وخاصة الاوضاع العامة ولا يوجد فيها تهديد جدي يزعزع عرشه، سوى بعض الانقلابات العسكرية الفاشلة، وانتحار رئيس الوزراء (محسن السعدون)، وخاصة ان خصال الملك، انسانية ومتواضعة في بساطتها دون بهرجة وتكلف. والنظر الى الامور بواقعية في المدار الانساني لها.

قال الملك مؤيداً كلام الشاب !

- هذا صحيح، قصدك بحذافيره، ان نكون أنسانيين

- أنسانيون، حسب ما يراه الاسلام، وليس ما يراه الغرب

- لا يوجد فرق. الانسانية واحدة، يا فتى) ص73.

وبالفعل تم اللقاء بين (عارف البغدادي) وابنة الملك (عالية) بما تعاني من مشكلة نفسية وهو الكابوس المزعج الذي يروودها.

(- جدي. أنا حزينة

لم اقاطعها، كنت منصتاً لها، وهززت رأسي دلالة الى اكمال ما تريد قوله.

- بأختصار. ارى في يقظتي رؤية مزعجة. حريق شب في هذا القصر، وجثث عائلتي مسجاة في الباحة، أجسادهم محترقة بالكامل، وانا الوحيدة التي لم يصبني أذى، أتنقل مذعورة بين الجثث، وانظر الى النيران الخارجة من نوافذ القصر

- حلم ؟

- لا، في يقظتي أمام عيني، مثل مشهد حي) ص10.

هذا الكابوس كان نذير بحرق العراق عامة، قبل حرق قصر البلاط، به انزلق العراق الى الانقلابات العسكرية الدموية المتعاقبة على رأس العراق، ولم تتوقف كوارثه الدموية الى اليوم، بالدماء والمجازر التي لم تنقطع في تاريخ العراق. لذلك البناء الفني للنص الروائي اعتمدت على فرضية في غاية الاهمية. ماذا لو فشل الانقلاب عام 1958؟ هل تحدث انقلابات دموية اخرى تلعب في مصير العراق؟ ماذا لواستمر النظام الملكي حتى عام 2000، كيف سيكون حال العراق؟ ان سر الكابوس حصرته ابنة الملك داحل نفسها. كما فعل (عارف البغدادي) بشكل لامبالاة بما يرواوده في رأسه يمر عليه بشكل عابر غير مهتماً به، وهي تشكل محطات العراق الدموية في تواريخها الكارثية (يظهر في رأسي ارقام لتواريخ سنوات معينة. 1958. 1963. 1968. 1980. 1990. خمسة تواريخ لا تفارقني، وكلما نقبت عنها في سيرة حياتي وبلدي والعالم، لا اجد شيئاً للانتباه سوى عام 1958) ص125.

لذلك يبني على فرضية لو فشل انقلاب عام 1958، وظهور عبدالكريم قاسم في مقابلة صحفية لجريدة بغدادية يعلن فيها فشل الانقلاب العسكري (عندما كشفها عبدالكريم قاسم في مقابلة في صحيفة بجريدة بغدادية، بعد فشل انقلاب تموز لعام 1958، عندما اشتهر أسم هذا الضابط) ص78.

ولكن سوء حظ العراق لا يقبل الافتراضيات. وانما قبل بالتواريخ الدموية الخمسة التي جلبت الكوارث على رأس العراق. وتنتهي خاتمة المطاف في الرواية بالمفارقة التراجيدية المأساوية، بين التشييع المهيب والرسمي بموت الملك (فيصل الاول) وبين قتل وحرق وسحل جثة الملك الشاب (فيصل الثاني) في الشوارع.

 

 جمعة عبدالله

 

 

الشاعر مظفر النواب من الشعراء العراقيين الذين امتازوا بالشعر السهل، والشاف، والمثمر؛ لأنه يدخل من باب الألفاظ المألوفة البعيدة عن جفاء البلاغة وصعوبتها، ويأتي ليتسلل الينا من زاوية المألوف، والعامي، والشعبي، وهو ما اتاح له سمة الأنتشار، والشعبية العالية، وليحفظ من شعره الكثير من العراقيين، لنجد شعره متداولاً بين العامة والخاصة، بين الريف، والمدينة، بين الطبقات السياسية، وبين العشاق، والمغنيين، وغيرهم.

وهذه العبقرية في اللغة وسلاستها تحسب للشاعر لا عليه، وحققت وجوده ونجاحه في ميادين الساحة الشعرية، وهي التي رصندها في نجاح قصيدة (للريل وحمد)، وهي اول قصيدة يطلق لها العنان والنور، بعد الحاحاً قوي من صديقه، وليفاجيء النواب نفسه، بالنجاح الذي نالته هذه القصيدة، وليتعلق بنهج شعره اكثر واكثر، خصوصاً بعد قراءته للتعليقات والأصداء التي نالتها قصيدته.

فاللغة ملكة تدخل في كل جوانب الحياة وافاقها، بخيالها، ونسيجها، وعفوية صياغتها، أو ببلاغة صياغتها، وتكثيفها النحوي واللغوي ببساطته، فضلاً عن أن النتاج الشعري من الأجناس الأدبية المستقلة بذاتها، ببنائها، وامتيازها بالوزن، والايقاع المميز.

اشكد نده نكط عالضلع

ونسيت اكلك يمته

اشكد رازقي ونيمته

واشكثر هجرك عاشر ليالي الهوى ومالمته

انت السحنت الليل بكليبي وكلت موش انته

ياما التراجي مرجحن حسك الصافي وغفه

وياما اسفحتلك بالليالي ادكوع كانت ترفه

ويا ما الدمع ضوه سواد العين

وعينك صلفه

وتدري تنبت الدفو ابلهفة ورده

وماجيت ونيمتي الثلج والشته كله اتعده

في مثل هذا النص، يمكن أنَّ نرى الأفصاح المباشر، إذ ارتبط الحب باللغة العامية المفهومة، والمحكية، ليفاجئنا الشاعر في نصه هذا بتوظيف (اشكد)، متوارية و متداخلة مع الفعل الإيروتيكي .

إذ تظهر قدرة الشاعر في السيطرة على فضاء المعنى، وفي القدرة على توظيف الفعل ؛ وذلك حين يقول: (ونسيت اكلك يمته) إذ كسر الحاجز بمعادلة رياضية، وهي معادلة تشي بالاستمرار أمام صورة تشي بالقسوة، في تصويره (واشكثر هجرك عاشر ليالي الهوى ومالمته)، والأفعال الواردة في النص (تدري، تنبت) دلالة للحدوث والتجدد والاستمرار، فالنص أمام مخاتلة معلنة للحب، حيث تبدأ ذات الشاعر في احتلال موقعها داخل النص الشعري بعيداً عن المخاتلة، فنجد الشاعر يهدف إِلى الكشف عن العشق، والهيام، بلغة نسيجية بعيدة عن التكلف، وتهدف الى الأعلان المباشر، وبمخاتله جميلة تارةً اخرى، عن طريق توظيفه لفظة (وعينك صلفه) تسرد النص، ولعل هذا الكشف بدوره يكشف حقيقة تجاوز الشاعر لحدود التابو ؛ لأن الحب والعشق في النص، جاء ليبين  هوس الشاعر بجسد المرأة ومكنوناتها الحسية (ياما التراجي مرجحن حسك الصافي وغفه)، وذهب ليطلق العنان لأحاسيسه.

اضيف، أن اللغة الصريحة المعلنة، البريئة العامية، شكلت هندسة لغوية جميلة، واسلوب منفرد، يمتاز به الشاعر عن غيره، شعلا جمع الحداثه بالصياغة الشعرية المتقنة، وبايقاع  حسي، واوزان شعرية جميلة، وهذه الميزة تكاد تكون قلة ؛ لأن العامي والمحكي، لم يعد ينال الحظوة التي نالها عند النواب، وهو ماجعل شعره منفرد بناسجه، وصائغه.

 

د. وسن مرشد.

 

 

صلاح الدين اشرقي(خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أنموذجا)

مقدمة: تندرج خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ التي تعتبر أول خطبة جمعة جمعها بالمدينة ـ ضمن الخُطب الوعظية الإرشادية، وذلك لوجود مجموعة من المعطيات التي تؤكد انتماءها إلى هذا النوع من الخطب، من بينها الحضور القوي للثنائيات الضدية، مثل: الإيمان والكُفر، الجنة والنار...، فهذه الثنائيات من أهم ما يميز الخطب الوعظية الدينية التي يهدف الخطيب من خلالها إلى الإقناع بالدرجة الأولى، هذا إلى جانب انقسام معجم الخطبة إلى قسمين: الأمر والنهي، بالإضافة إلى لجوء الخطيب إلى استهداف أهواء الجمهور المتلقي، وهي تقنية إقناعية أساسية يوظفها الخطيب بشكل قوي في مثل هذه الخُطب، فالمتلقي يأتي للاستماع إلى الخطب الدينية وهو مشحون بأحاسيس ومشاعر يفرزها طبيعة الموقف وكذلك طبيعة الكلام المتمثل في كلام الله عز وجل وما له من تأثير نفسي قوي على الإنسان، لذا فإن متلقي الخطب الدينية يكون مهيئا للاقتناع بالعاطفة أكثر من العقل، ومهمة الخطيب الأساسية تكمن في هذه النقطة بالذات، أي تحريك أهواء المتلقي ثم اختيار الخطة المناسبة للموضوع الذي عليه مدار الإقناع في الخطبة، والذي يتجلى ـ في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ "في تقوى الله عز وجل".

نص الخطبة

"الحمد لله أحمدُهُ وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفرُهُ وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداٌ عبده ورسولهُ، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترةٍ من الرُّسلِ، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنُوٍّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسولهُ فقد رشِدَ، ومن يعصهما فقد غويَ وفرط، وضلَّ ضلالا بعيداٌ، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوْصى به المسلمُ المسلمَ أن يَحُضَّهُ على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحةٌ، ولا أفضل من ذلك ذكراٌ، وإن تقوى الله لِمنْ عمِلَ به على وَجلٍ ومخافة من ربه، عَوْنُ صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يُصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السِّر والعلانية لا ينوِي بذلك إلا وجهَ الله، يكن له ذُكراٌ في عاجل أمره، وذُخراٌ فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدَّم، وما كان من سوى ذلك يودّ أن بينه وبينه أمداٌ بعيداٌ، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف [كذا] بالعباد، والذي صدق قوْلَهُ، وأنجز وعده لا خُلف لذلك، فإنه يقول عز وجل: (ما يُبدَّلُ القولُ لديَّ، وما أنا بظلاّمٍ للعبيد) فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السِّر والعلانية، فإنه من يتقِ الله يُكفر عنه سيئاته، ويُعظم له أجراٌ، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله يُوقِّي مقْتهُ، وُوقي عقوبته، ويوقي سخطه، وإن تقوى الله يُبيضُ الوجوه، ويُرضي الرَّبَّ، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تُفرطوا في جنب الله، قد علَّمكم الله كتابه، ونهجَ لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلمَ الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينةٍ، ويجيا من حيَّ عن بينةٍ، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يُصلح ما بينه وبين الله يكفِهِ الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يَقضي على الناس، ولا يَقْضون عليه، يملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم"[1]

ـ ظروف ما قبل الخطبة

قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة إلى المدينة حتى نزل بقُبَاء، على بني عمرٍو بن عوفٍ يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول، حين اشتد الضُّحى، فأقام بقباء إلى يوم الخميس السادس عشر ربيع الأول وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة السابع عشر ربيع الأول إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوفٍ في بطن وادٍ لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة جمعة جمعها بالمدينة.

ـ معجم الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطبة

لقد وظف الخطيب مجموعة من الكلمات في خطبته، بهدف إقناع الجمهور المتلقي، وقد اختلفت هذه الكلمات باختلاف سياقات الإقناع داخل الخطبة، ومن هذه الألفاظ ما كانت سهلة واضحة،  ومنها ما يحتاج إلى شرح وتوضيح، مثل: كلمة " غَوَى " بفتح الغين، فكلمة غوى ـ كما جاءت في لسان العرب لابن منظور ـ غوى، الغيُّ: الضلال والخيبة، وغَوى بالفتح غَيًّا، وغَوِيَ غَوَايَةً: ضلَّ، ورجل غَاوٍ وغَوٍ وغَوِيٌّ وغَيَّانُ: ضَالٌّ، ومن معاني كلمة غوى أيضا " الفساد "، كما في قوله عز وجل " فعصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى "، أي فسد عليه عيشه[2]، لكن المعنى المقصود بكلمة غوى في الخطبة، هو المعنى الأول أي الضَّلال والخيبة، لأن السياق الذي وردت فيه هو تبيان أن من يعصي الله ورسوله فقد غوى بمعنى ضل الطريق وضاع، ومن الكلمات الغامضة التي تحتاج إلى شرح، كلمة " وَجَلْ "، فالوجلُ: الخوفُ، وقد وَجِلَ بالكسر يَوْجَلُ وَجَلاً ومَوْجَلاً أيضا بفتح الجيم فيهما، والموضع مَوْجِلٌ بالكسر[3]، وكلمة وَجَلْ في الخطبة معناها الخوف، إذ وظف الرسول صلى الله عليه وسلم الكلمة لكي يثير عواطف المتلقين وذلك من أجل إقناعهم بتقوى الله، ومما جاء كذلك في الخطبة من الكلمات التي تحتاج إلى توضيح، كلمة " عَوْنُ "، والعَوْنُ: الظهير على الأمر، والجمع الأعْوَانُ، والمَعُونَةُ الإِعَانَةُ، يقال: ما عنده مَعُونَةٌ ولا مَعَانَةٌ ولا عَوْنٌ، قال الكسائي: والمَعُونُ أيضا المَعُونَةُ، وقال الفرَّاء: هو جمع مَعُونَةٍ، ورجل مِعْوَانٌ: كثير المَعونةِ للناس، واسْتَعَانَ به فَأَعَانَهُ وعَاوَنَهُ، وتَعَاوَنَ القوم: أَعَانَ بعضهم بعضا، واعْتَوَنُوا: أيضا مثلُهُ[4]، فالمعنى المقصود بكلمة عَوْنُ في الخطبة التعاون، إذ يحث الرسول صلى الله عليه وسلم العباد بالتعاون الصادق بينهم لتحصيل ما يطمحون إليه في الآخرة، وتكملة لشرح معجم الرسول في الخطبة، نقف عند كلمة " مَقْتَهُ "، فمَقَتَهُ بمعنى أَبْغَضَهُ من باب نَصَرَ فهو مَقِيتٌ ومَمْقُوتٌ، فتوظيف هذه الكلمة له دلالة في الخطبة، فقد جاءت لتبين النتائج الإيجابية لتقوى الله عز وجل، إذ بتقوى الله يتجنب المرء غضبه وبغضُهُ عليه، فهذه هي أهم الألفاظ التي لمِسنا فيها شيئا من الصعوبة في الفهم، وعلى العموم فإن معجم الرسول في الخطبة كان واضحا ومفهوما لكونه موجها لعموم الناس وليس لفئة معينة منهم.

ـ مضمون الخطبة

لقد بدأ الخطيب الخطبة بتبيان الغاية من إرساله والتي تتمثل في هداية الناس إلى النور وإرشادهم إلى الطريق الصحيح، وإنقاذهم من الضلال والضياع، وكذلك نشر العلم والقضاء على الجهل، وبعد تبيانه صلى الله عليه وسلم الغاية من بعثه، انتقل إلى إظهار النتائج الإيجابية المترتبة عن تقوى الله والنتائج السلبية الناجمة عن معصيته، وذلك من خلال استهداف الجانب العاطفي للجمهور المتلقي، إذ ركز الرسول صلى الله عليه وسلم على بيان مصير من يتقي الله، ويتجلى هذا المصير في الفوز بالآخرة ولقاء وجه الله عز وجل وهو الأمر الأكثر مطلبا من قِبل المسلمين، وقد اعتمد الخطيب ـ لإقناع المتلقين بتقوى الله ـ أسلوبا الترغيب والترهيب وهما من الأساليب الحاضرة بقوة في الخطابات الوعظية، فبالنسبة للترغيب أورد الخطيب مجموعة من الأمور الوخيمة التي يتجنبها الإنسان بتقوى الله، مثل: تجنب بغضُ الله، وتجنب عقابه وسخطه أيضا، هذا وقد لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الترهيب كوسيلة للإقناع، غير أن الترهيب الذي مارسه الرسول في خطبته هو ترهيب " مهذب "، بمعنى أنه لم يفرض على المتلقي اتباعه قسراٌ، مثلما نجد في خطب الحَجَّاج الوعظية التي تتميز بالتسلط وقمع المتلقي، فالنتيجة في خطب الحَجَّاج معروفة منذ البداية، حيث يُجبر المتلقي على اتباع رأيه بالقوة من خلال التهديد، لذا فإن الترهيب في خطب الحَجَّاج هو ترهيب قسري، لأنه يَحرم المتلقي من الاختيار، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ترك ـ في خطبته ـ الفرصة للمتلقي من أجل الاختيار والتقرير، ويتضح هذا الأمر من داخل الخطبة حيث قدم الخطيب أطروحة ونقيض أطروحة، ومنح المتلقي حرية الاختيار، ويمكن أن نمثل لهذا الأمر بما نصه: " من يطع الله ورسوله فقد رشِدَ، ومن يعصهما فقد غويَ وفرط وضل ضلالا بعيداٌ "[5]، ففي هذا النص أطروحتين متناقضتين، الأولى توضح مصير من يطع الله، والثانية تبين طريق من يعصه، غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يفرض على الجمهور المتلقي اتباع طريق دون آخر، وبعد أن أظهر الخطيب مصير المتقي ومصير العاصي، انتقل بعد ذلك ـ في آخر الخطبة ـ إلى أسلوب الوصية، حيث دعا السامعين إلى الجهاد في سبيل الله والإكثار من ذكره عز وجل والعمل للمستقبل لتحقيق النجاح الأكبر، وهو الفوز بالآخرة.

ـ الاهتداء بالبلاغة من أجل الإقناع

ـ مكونات البلاغة في الخطبة

تعتبر البلاغة من أهم الوسائل التي يهتدي الخطيب بها من أجل الإقناع، ولأن أي خطبة تكاد لا تخلو من مكونات البلاغة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وظف مجموعة من العناصر البلاغية في خطبته، من بينها الطباق، ويظهر في قوله: " الحمد لله أحمدُهُ وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره "[6]، فكلمة الإيمان ضد كلمة الكُفر، وهو طباق الإيجاب، حيث لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا، ومن أمثلة الطباق في الخطبة كذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: " ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه "[7]، وهو طباق السَّلب، إذ اختلف فيه الضِّدان، والطباق وظيفته الأساسية الإفهام والتوضيح، فالأمور تتضح بأضدادها، ومن الوسائل البلاغية التي اهتدى بها الخطيب، أسلوب المقابلة، ويتضح فيما نصه: " من يطعِ الله ورسولُهُ فقد رشِدَ، ومن يعصهما فقد غوِيَ وفرط "[8]، فقد أتى الخطيب بمعنٌى ثم أتبعه بما يقابله في الترتيب، والمقابلة من أهم وسائل البلاغة إقناعا في الخطب، وخاصة الخُطب الدينية، ومن العناصر البلاغية المميزة لخطاب الوعظ، ثنائية الأمر والنهي، حيث تعتبر من صميم الإقناع في الخُطب الدينية، ومن أمثلة الأمر في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم، قوله: " فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده "[9]، ويتضح لنا جليا في هذا النموذج النصي توظيف الخطيب أسلوب الأمر، أما فيما يتعلق بالنهي، فمن أمثلته، قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تُفرطوا في جنب الله "[10]، ففي هذا النص يدعو الخطيب إلى تجنب التفريط في الله عز وجل، وللأمر والنهي حضور قوي في الخطب الإرشادية إذ يسيطران على معظم أجزاء الخطبة، وقد وظف الخطيب أيضا أسلوب القصرِ، ويتجلى في قول الخطيب: " وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له "[11]، حيث يَقصر الخطيب الشهادة على الله دون شريك له، هذا ونجد حضور الاقتباس أيضا بوصفه وسيلة للتأثير، ويظهر فيما نصه: " ما يُبَدَّلُ القول لديَّ، وما أنا بظلاّمٍ للعبيد "[12]، فقد لجأ الخطيب إلى الاقتباس من القرآن الكريم لتدعيم فكرة وهي، تخويف المتلقين من عقابه عز وجل، وبالإضافة إلى ما سبق فإن الخطبة تميزت بخاصية الإيجاز، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " وما كان من سوى ذلك "[13]، حيث تغاضى الخطيب عن ذكر سلوك وأفعال الذين لا يتقون الله، وفي هذا التغاضي تكثيف للمعنى وإقناع للمتلقي أيضا، حيث إن عدم ذكره لأفعالهم دليل على أنه ليس أمراٌ مهما بل ثانوي وهامشي، ومن الأساليب البلاغية الحاضرة في الخطبة، الجناس بنوعيه: التام، وغير التام، فبالنسبة للجناس التام من أمثلته: " يودُّ لو أن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أمدا بعيداٌ "[14]، ففي كلمتي بينه وبينه جناس تام، أما الجناس غير التام، فمن نماذجه قول الخطيب: "ويحيا من حيَّ عن بينة، إذ بين حيَّ ويحيا نَقص من حيث عدد الحروف لذلك فهو جناس غير تام، فهذه هي أهم الوسائل البلاغية التي وظفها الخطيب للتأثير على المتلقي وإقناعه.

ـ إستراتيجية التأثير بالعواطف

لقد لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقنية ـ تعتبر مميزة للخطابات الوعظية الدينية ـ وهي التأثير في الجمهور المتلقي من خلال تحريك الجانب العاطفي فيهم، فالخطبة الوعظية تفرض على الخطيب أن يَسلك هذا المنهج من أجل الإقناع وذلك لعدة أسباب، أهمها طبيعة المتلقي، فالمخاطَب المستهدف ليس محدداٌ بل هو الجمهور، لذا من الصعب الإقناع بالعقل في الخطابات الجماهيرية، فالمتلقي متعدد ومختلف، فمنهم من هو مثقف، ومنهم من هو ليس كذلك، أي من العامة، وعليه فإن أنجع وسيلة للتأثير في مثل هذا الموقف استهداف الجانب العاطفي، وتختلف طرق التأثير العاطفي، فقد يكون مصدره الخطيب نفسه، كأن يلجأ إلى البكاء في حال إيراده لموقف حزين، أو ذكره لعذاب الآخرة وغير ذلك، وقد يتمثل كذلك في نص الخطبة، وهو ما نجده واضحا في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ وظف بعض المصطلحات التي فيها ترهيب وترغيب، وهذا الترهيب والترغيب يمسُّ نفسية المتلقي بالدرجة الأولى ويجعله يقتنع بموضوع الخطبة، الذي يتجلى في " تقوى الله عز وجل "، ومن النماذج النصية التي تدل على هذا المُعطى، قوله صلى الله عليه وسلم: " فاحذروا ما حذركم الله من نفسه "[15]، وقوله كذلك: " ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده لا خُلف لذلك فإنه يقول عز وجل: ( ما يُبَدَّلُ القول لديَّ، وما أنا بظلامٍ للعبيد ) "[16]، ففي هذين النموذجين النصيين وغيرهما يتضح لنا جليا أسلوب التخويف الذي وظفه الخطيب لكي يُدخل الرعب في نفس المخاطَب، فالغاية الأولى من الخطب الوعظية إقناع المتلقي والتأثير فيه، وليس الأساس هو الجانب الجمالي الذي يُمثله الخطيب بكلامه، فالتركيز في الخطبة الدينية يكون على الرسالة وليس على المرسل الذي يعتبر وسيطا بين الله والمخاطَبين، فهو يعيد قول الله لذلك تكون مهمته إقناعية بالأساس.

خاتمة

من خلال ما سبق يتبين لنا امتلاك الخطيب خطة مُحكمة في إقناع المتلقي بموضوع الخطبة، وهو الخوف من الله عز وجل واتباع طريقه السَّوي، وهذه الخطة تتماشى مع طبيعة الخطبة، أي تتلاءم مع الوعظ  والإرشاد، وعليه فقد كان الخطيب آخذا في نظر الاعتبار طبيعة الموضوع والوسائل الإقناعية المناسبة له، فلكل مقام مقال معين، هذا وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مراعيا لنوعية المتلقي أيضا، وهو الجمهور وما يتميز به من اختلاف وتعدد، لذا فقد تسلَّح بالتقنيات المنسجمة مع هذا موقف، وأبرزها إثارة أهوائهم بنص الخطبة، إذ لجأ إلى أسلوب مألوف في الخُطب الوعظية، وهو أسلوب التخويف وما له من تأثير يصل إلى درجة أن يَعدل المتلقي عن توجه أو قرار ما، ويُعوِّضه بقرار آخر، وعليه فإن خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر أنموذجا للإقناع في الخطب الوعظية الدينية.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه في جامعة محمد الأول بالمغرب

.........................

الهامش

1)ـ جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوة، ص: 148 ـ 149

2)ـ لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف، ص: 3320

3)ـ مختار الصِّحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مكتبة لبنان، ص: 296

4)ـ نفسه، ص: 194

5)ـ جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، أحمد زكي صفوة، ص: 148

6)ـ نفسه، ص: 148

7)ـ نفسه، ص: 149

8)ـ نفسه، ص: 148

9)ـ نفسه، ص: 149

10)ـ نفسه، ص: 149

11)ـ نفسه، ص: 148

12)ـ نفسه، ص: 149

13)ـ نفسه، ص: 149

14)ـ نفسه، ص: 149

15)ـ نفسه، ص: 148

16)ـ نفسه، ص: 149

 

فاتن كشوتطالعنا أقصوصة الموت الأزرق للكاتب "للسيد الزرقاني" كأنها قصة نفسية ذات بناء فني ثري، تغوص في نفس الراوي الذي لم يذكر لنا اسمه.كأنها حلم من أحلام اليقظة، تشكل بذهن البطل ليشكل بدوره الأقصوصة التي تمثل تلاقي ثلاثة أزمنة أدمجها الكاتب بحرفية وفن وهي الزمن الواقعي وزمن الحلم والزمن الماضي الذي شاهد فيه المرأة ...تلك المرغة التي كانت تغسل أقدامها بمياه البحر وبالقرب منها ولدها وغير بعيد منها طائر بدا كأنه يحرسها..." وكان البحر ثائر ، أمواجه هائجة عاتية" .ربما قصد الكاتب بالبحر عقله او وجدانه وقد تكون الأمواج المتلاطمة هي ثورته وتوقه لتحقيق أمنياته ولعل التمني الشبق لتلك المرأة ليس سوى شهوة الحياة تراوده ليحياها كما ينبغي ، لكنه يجد نفسه مسجونا في أسوار حلم قد لا يتحقق .." تزداد دقات قلبه، يتقوقع داخل بنيانه النحيف" وقد نقل ألينا الحلم في مشهد كامل، مشهد حي يدور في الزمن الحاضر استخدم الكاتب في كتابته أفعالا في المضارع المرفوع كأنه يصف واقعا ملموسا يعيشه في الزمن الحالي وظهر فيه اناس كثيرون منهم من كان يتأمل المرأة وفي المجمل أطلق عليهم تسمية " بعض البشر الشارد" بكل ما تحمله هذه المفردة من رمزية مكثفة ترمز لعذاب الإنسان وتوهانه في هذه الحياة .ولا ننسى انه قد وصف المرأة بذات الجمال الباهر وهي الحلم بل هي الحياة السعيدة الهانئة التي يحلم إن يحياها والتي تتعرض للموجات العاتية والتي قد تغفل عن ابنها فيتوه وكان طائر ازرق يحوم حول ذلك الفتى : الطائر والبحر والمرأة والطفل: طفولة وحياة وخطر داهم وحراسة طبيعية.. وكأننا بالكاتب قد استدعى أبطال مسرحية الطائر الأزرق للكاتب البلجيكي موريس ميترلنك والطفلين ميتيل وتيتيل والجارة وابنتها العاجزة عن المشي ...فيقرر الطفلان إحضار الطائر الأزرق لها هنا في قصة الكاتب السيد الزرقاني كان الطائر الأزرق قريبا من الأم وابنها ونجده قد كان سابقا يمثل الأداة السحرية l ' objet magiqueالذي يتوفر باي حكاية وهو ضروري لنجاة البطل او البطلة والآن بقصة السيد الزرقاني هو شخصية مساعدة يتدخل من تلقاء نفسه لينقذ الفتى وليعيده لأمه ...ويهمل الطائر الأزرق فراخه فتأكلها الغربان ويتقاطر دمها، هذا المشهد الدموي بهذا الحلم ليس سوى ما نعيشه من مجازر وإرهاب يلف حياتنا وواقعنا المرير والكاتب يتفاعل مع هذا الواقع ويتأثر...الإنسان العربي والشرقي مسكون بهاجس الدم الذي يتهدد وأينما حل بل هو متهم بإراقته في غالب الأحيان. أينما تواجد هو ضحية لإرهاب ما وهو متهم أيضا بالمسؤولية عن ارتكابه. والطائر الأزرق الذي ا ختفى في مسرحية موريس ميترلنك بعد ان شفى البطلة ... وقف عاجزا في قصة "الموت الأزرق " للكاتب المصري فلا هو حمى الطفل ولا قد حمى فراخه ...الضعف هنا واضح والعجز شديد التجلي: ضعف المواطن العربي إزاء واقع متشظ بل هو عجز تام وإذا قارنا الأمر بمسرحية موريس ميترلنك الكاتب الغربي نجد ان طاىره الأزرق قام بواجبه على أكمل وجه واختفى كأنه نظام حكم عادل او قوانين اجتماعية رحيمة: يد الجماعة الرحيمة المختفية ...بينما يد الجماعة في العالم العربي تائهة لا تعرف اتجاهها تضيع بين المصالح الفردية والجماعات السياسية والكتل المتصارعة ...في القصة كان الراوي يحلم لكنه حلم انتهى نهاية مريرة . كما الطفل الذي وصفه في قصته ونقل الينا صورته : الطفل يجلس على حافة الماء يخط بيديه الصغيرتين فوق الرمال الرطبة بعض الإشكال الهلامية ويصمم بيتا رمليا ، تأتي الموجة فتهدم أحلامه الصغيرة وتجرفها فيضحك وليس مقصود بالضحك هنا الفرح ولكنه الضحك من سخرية الأقدار وحمقها ومن قتامة المصير ومن العجز ... إنه الضحك المرير والسخرية المرة... والفتاة التي كانت جميلة ويلمع نهدها تحت شعاع الشمس بما للنهد من رمزية للتكاثر والحياة والولادة والرضاعة وتحسن السلالة والجنس البشري هو نفس هذا الجسد يقع في الماء ويخرج مبللا صارخا ويعانق البحر في صرخة مدوية.يتلاشى في اللانهائي بعد حياته القصيرة، في الوجود الأزلي نقطة صغيرة لا تُرى ويعجز الإنسان في تحقيق خلوده او تألهه ويظل ذلك الريشة في مهب الأقدار تتقاذفه في الفناء .وتنتهي الأقصوصة بالصحو من حلم فاشل وفزع من دم ونسيان ابتسامة ...نفس هواجس الإنسان تتواصل دوما وتتكرر ولا يأخذ منها عبرة بل يواصل متجاهلا ذلك الفشل ومدفوع بما جُبل عليه من عناد ونسيان .

 

بقلم الروائية التونسية/ فاتن كشو

 

وليد العرفي استهلال: بداية لا بد من تأكيد أن الخوض في النص الشعري لدى الشاعر: جمال مصطفى مغامرة، وهي مغامرة بما فيها من مخاطر الانزلاق في تأويل  إلا أنها في الوقت ذاته تُغوي باستكناه مجاهيل ما تنطوي عليه مغاليق تلك الرحلة، وما يُمكن أن تؤدي إليه في ختام مطافها؛ فلغة الشاعر مصطفى لغة تجترح ذاتها من ذاتها حتى يُمكنني القول بأن النص لديه  نسيج وحده، وهو ما يتبدّى فيما ورائية الصياغة، نص الشاعر: جمال لغة تبعث على التأمل، وفي هذا التأمل لذة المكاشفة، وهو ما يُسبغ على النص جماليته الخاصة، ونكهته التي لا تُشبه أي مذاق آخر، يسعى شاعرنا جمال فيما ينشر إلى إثبات خصوصية، وتأكيد حالة متفردة في الاشتغال الشعري لديه الذي يُؤسّس فيه مساراً نمطياً غير متشابهٍ مع غيره، ولا متأثر بمن سبق، وهذا التوق اللائب في كل ما قرأت للشاعر يتمظهر بتجليات النمط الشعري الذي يُصرُّ عليه، وهو نمط الـ (سباعيات)  وهنا أشير  إلى أن للعنوان ارتباطه الدلالي بالنص الشعري،وهو ما يطرح السؤال عن دلالة العدد، ولماذا العدد 7 لا سواه؟ وهنا نُشير أن العدد فيما ــ أظن ــ يرتبط بحكم معيار بلاغي، وأن الرابط السيميائي بين النصوص السبعة، والعنوان ليس العدد وحسب، وإنما يتعدّى ذلك إلى ما تواضع عليه العرف لدى العرب أن النص الذي يقلُّ عن ال 7سبعة أبيات لا يدخل تحت مسمّى القصيدة، من هنا يبدو العنوان عنوان معيار وقيمة، لا عنوان عدد وكمية أو أنه يتجه بمنحى ديني أو ميتافيزيقي  .

التعالق الديني

من نافل القول بأنَّ الموروث الديني يُشكّل مرجعية خصبة في التفكير الإنساني بشكل عام والعربي بشكل أخص، وهذه المرجعية تعدُّ المنهل الذي يُغذّي نسغ الشعر العربي، ويمدّه بروافد لا تنتهي ولا تجف بما فيها من غنى وتشعّب دلالات، وتعدّد رؤى، وطالما كانت القصص الدينية و حكايات الأنبياء مثار اهتمام الشعراء على مختلف العصور، ويتبادر إلى الذهن هنا لماذا يعود الشاعر المعاصر إلى التراث الديني، ولماذا يستدعي شخصيات الأنبياء في القصيدة المعاصرة ؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال مرتهنة باشتراطات الاستدعاء، وظروف الشاعر الذاتية والموضوعية، وكي لا أبتعد كثيراً عن دلالات الاستدعاء سأبقى في دائرة النصوص التي بين يدي، وهي سباعيات الشاعر: جمال مصطفى التي تعددت فيها تقنيات الاستدعاء وتكنيكاته، ومن تلك التقنيات:

أولاً ـــــ تقنية استدعاء الشخصية بالاسم الصريح كما في سباعية إدريس التي يبدأها بالنبي إدريس يقول فيها:

مِـنْ قـبْـلِـهِ حُـرّةٌ  بـيْـنَ الأبـالـيـس ِ      إدريـسُ أودَعـهـا سِـجْـنَ الـقـراطـيـسِ

يأتي استدعاء شخصية النبي إدريس عليه السلام في هذه السباعية استهلالاً، والنبي إدريس مختلف عليه في الاسم والوجود؛ فهو مثار احتمال وشكّ،  وفي حقيقة وجوده حيّاً أم ميتاً، إذْ  قيل أنه رُفع إلى السماء الرابعة، وهناك قُبضت روحه، وقيل بل هو حيٌّ،  ومهما كانت حقيقة النبي إدريس؛ فإنه  كما ذكر ابن إسحاق أول من خط بالقلم، وهو المقصود في إجابة الرسول محمد ﷺ عن الخط بالرمل فأجاب: "إنه كان نبي يخطُّ به فمن وافق خطَّه فذاك "، ومن هنا تتكشف مقصدية الشاعر: جمال مصطفى  من استدعاء شخصية النبي إدريس ذلك أنَّ: "  أهم وأغنى ما يستطيع التراث بالنسبة لشعرنا الحديث ليس أن يصبح واجهة منطوقة للعمل الفني تُضاف إليه من الخارج، بل أن يُحسه الشاعر، ويؤمن به بحيث يغدو جزءاً من صميم تجربته الشعرية "   .

وهو ما أراد أن يُعلن عنه شاعرنا: مصطفى بتأكيد فعل الكتابة لديه، وتفرّد ذلك الفعل بما أسبغ عليه من أبعاد تاريخية، ودلالات تتجاوز محدودية الكتابة المتعارف عليها،  ولعلَّ الابتداء بإدريس يحمل تلك الدلالة التي لم تكن من قبيل المصادفة، أو مراعاة للتأريخ والزمن في وجود الشخصية، وهو ما يتكشف في سياقات القصيدة التي شكَّل فيها كل بيت صفة جديدة لطبيعة تلك الكتابة، وما فيها من تفرّد ومجاوزة؛ فهي لغة مكتوبة بحبر سرّي تحتاج إلى تعمّق باطني من أجل سبر أغوارها، والوقوف عند حقيقة مداليلها، ومقاصدها الأخيرة، ونلاحظ أن الابتداء جاء بشبه الجملة، وهو ابتداء مغيَّى يحمل رمزيته التي تعني أن الكتابة بمعناها الإبداعي عملية خلق مستمرة لا منقطعة، وهي عملية تراكم معرفي، وبهذه الـ ( من) التي اقترنت بالظرفية إشارة إلى فعل الزمن في حركة الفعل الإبداعي التي يُلمح إليها السياق: 

شـمْـطـاءُ لـكـنَّـهـا بِـكْـرٌ وطـلْـسَـمُـهـا          سـاقٍ يُـمـالِـىءُ أكـوابَ الـكـوابـيـس

مخـطـوطـة ٌحِـبْـرُهـا الـسريُّ يَـفـضحُهـا:     كَـأنَّ أقـلامَـهـا ريـشُ الـطـواويـس ِ

لَـيلاً تَـمُـرُّ (إذا مَـرّتْ) بـهـودجـهـا              لا تَـنـطـلي وانـطـلَـتْ يا حـاديَ الـعِــيـسِ

إنها كتابة متخلّقة زاهية الألوان، بهيّة المناظر تشبه ريش الطاووس في تعدّد ألوانه، وجمال منظره، وتعدّد مجازاتها .

تنهض سباعية إدريس فيما أرى على ثنائيات الأضداد؛ فعلى النسق الاستهلالي ثمة ثنائية بين المقدّس (إدريس) والملعون (أباليس)

ثنائية ثانية بين الحرية: (حرة ) والعبودية: (سجن)، وعلى مستوى الزمن بين:(شمطاء) وهي صفة تُطلق على من خالط بياض شعرها سواده، والـ: ( بكر) تُشير إلى فتاة في مقتبل القمر، وبين التجلّي: (يفضحها) والتخفّي (السري)

كما ينهض الأسلوب اللغوي برفد تلك الثنائية باستخدام ثنائية: النفي والإثبات (لا تنطلي وانطلت)،  أو الاحتمالية والتوقع: ( تمر)، (إذا مرت)، وعبر ثنائية الزمن بين الماضي: (أمس) والمستقبل:(غداً)؛فأية كتابة تلك التي تتجاوز حدود الحرف؛ لتكتنز جمالية الممانعة والكشف في هذه السباعية الاستهلالية التي لا تُسلّم نفسها للقارىء، إنما تُبدي له فعل غواية الاستكشاف الذي لا يُمكنه إزاءه إلا ملاحقة تلك الغواية، ومحاولة الكشف عنها:

وهـكـذا دَيْـدَنُ الـنـاعـورِ أمْـسِ غَــداً        إذ يَـجْـمـعُ الـنِـيـرُ أعـنـاقَ الـجـوامـيـسِ

إنها طبيعة الحالة التي لم تتبدّل برغم تقلبات الزمن؛ فهي حالة متماثلة في الماضي والمستقبل طالما أن مسبباتها نفسها لم تتغيَّر؛ فحالة الانسياق والانصياع التي تُجبر عليها الجواميس في موضع واحد هو: (النير) يجعل من هذه الجواميس أرقاماً لا تفاضل، أو تمايز فيما بينها، إنها في عُرف النير مجرد جاموس واحد متشابه الملامح، ووحيد الإرادة، وبذلك يبدو الاتجاه الذي يُسيّر إليه غير مهم، كما لا يعني طبيعة ذلك التوجه شيئاً طالما أن المُتوجّه مسلوب الإرادة والتفكير؛ لتكون ختام هذه السباعية بالعودة إلى الفرد الذي يُمكن أن يُحقّق ما تعجز عنه الجماعة:

ولا غـضـاضـةَ في مـا بَـعْــدُ إنْ جَـنَـحَـتْ         صَـوْبَ الـمــآذنِ أو صَـوْبَ الـنـواقـيـسِ

مـيـزانُـهُ: كِـفَّـةٌ لا غـيْـرَ قــد رَجَـحَـتْ              فـصـارَ نـامـوسُـهُ فـوقَ الـنـواميـس

إذ يبدو الفعل الفردي فعلاً فوق القدرة البشرية، وهو ما يأتي برمزية لا تنسى اعتمادها على طبيعة الثنائية التي التزم الشاعر فيها في سباعيته من خلال رمزية الميزان المفرد الذي يفوق بناموسه النواميس كلها .

ثانياً - تقنية استدعاء الشخصية بالعلامة اللسانية

ومن ذلك سباعية الخضر:

مـوسى مُـصادفَـة ً، لَـيستْ مُـصادفـةً             بَـعْـدي تَـلَـثَّـمَ بالأسـرار وارتبَـطـا

الـحـائِـطُ، الـطــفـلُ، رُكّـابُ الـسـفـينةِ أو         مـا رُحْـتُ أفـعَــلُـهُ لأراهُ قـد سَـخـطـا

تُحيل هذه السباعية إلى قصة أفعال الخضر برفقة موسى الذي صاحبه في تلك الرحلة، وتلك القصص هي: قتل الطفل وإغراق السفينة وبناء الحائط، تتخذ هذه المفردات  علامات لسانية تحمل كل منها دلالات رامزة تُشير إلى أحداث وقعت في أثناء تلك الرحلة ؛ لتصبح مداميك البناء في هذه القصيدة، تنطلق منها، وتسير وفق مسارها عبر لغة حوار تتواءم والنص المرجعي الديني الذي اُستمدت منه مرجعيتها غير أنها لم تلتزم بحرفية النص، وإنما انزاحت وفق مسارها الشعري؛ لتخلق مناخها النصي الذي لا يرتبط بالنص المرجعي إلا بمقدار ما يشي بغرض الإشارة؛ فهو تلميح يكتفي بالإيماء الشفاف، وهو ما يبدو تعالقاً نصياً مختلفاً عما هو معهود ومألوف:

سـرْعـانَ مـا قـال لي: مَـن أنتَ؟ قـلْـتُ أنـا          ـوعــادَ مِـن بَـعْــدِهـا لِـلـقــومِ مُـغْــتَـبِـطــا

كُـنتُ الـوسـيـطَ الـذي يُـبْــقـــيـهِ مُـعْــتَــمِـداً            عـلى الـوسيـطِ ولـكـنْ لَــمْ أكُــنْ وسَـطـا

ولَــمْ يَـكُـنْ راضـيـاً إلاّ عـلى  مَـضَـضٍ:            كـانتْ هــواجِـسُـهُ تَـجْـتـاحُـهُ شَـطَــطــا

تبدو جمالية النص في هذا السياق أنها تقول بالمضمر أكثر ما تُعبّر عنه بالمُصرَّح به وهو ما يظهر في قوله:

يَـدري بـأنَّ الـذي ـ ـ لـيـسَ الـذي ويَـرى           نـوراً عـلى جَـبَـلٍ مـا مَــرّةً هَـبـطـا

يُحِـبُّ أبْـخـرَةً (يَـهْــوا) وقـد شُــويَـتْ            لَــهُ الـعــجـولُ ولــكـنْ يَـكْــرَهُ اللـغَـــطـا

يقوم فعل استدعاء الشخصية الدينية في هذا النص باستخدام مرجعية القص الوارد ذكره في القرآن الكريم، وتلك الرحلة التعليمية بمصاحبة النبي موسى للخضر عليهما السلام برموز

غير أن ما يُشار إليه في موضوعة الموسيقى أنَّ  استخدام الشاعر لروي حرف الطاء، وهو أحد حروف القلقة، جعل النص يحمل ثقلاً صوتياً في السمع؛ فكيف إذا كان روياً، وحرف الروي آخر ما يعلق في أذن المتلقي، غير أنَّ ما خفَّف حدَّة ثقله في سياق النص أنه جاء مطلقاً ما أضفى  عليه نوعاً من الامتداد واللين .

ويدرج في السياق ذاته سباعية يـونـس:

في وصـف الحـوت

مِـن بـابِ مُـقـلَـتِـهِ كـانَ الـدخـولُ إلى         مـا يُـشْبِـهُ العَـرْشَ بـيـن الـمـاءِ والـمـاءِ

عـلى آرائِـكَ شـاهَـدْتُ الـذيـن ولَـمْ        أسـمعْ سِـوى الـصـمْـتِ مَـصحـوباً إيـمـاءِ

كـان الـدُوارُ أنـا وحـدي ضَـحـيّـتَـهُ           سـرْعـانَ مـا هـرعـوا صاروا أطـبّـائي

مـزاغِـلُ الحـوتِ كُـثْـرٌ مِـن هُـنـا وَهُـنـا        يَـرى بهـا كُـلَّ مـا مِـن حـولِـهِ الـرائي

آمَـنـتُ بـالحـوت حـتى أنهـمْ فـرحـوا              وأرجَـعــوني كَـراءٍ بَـعْــدَ إسْـراءِ

في فُـلْـكِ آلِـهَـةٍ لا يَـغـرقـونَ ولَــوْ          حـاقَـتْ بِهـمْ لُجَـجٌ في جـوْفِ ظـلْـمـاءِ

ما كُـنتُ ذا الـنـونِ  إنَّ الـنـونَ نُـونُهُـمُ          أنـا غـريـقُ تَـدابـيـرٍ وإخـفــاءِ

يُرجِع هذا النص قصة النبي يونس وقصة ابتلاع الحوت له، وهي قصة تستدعي أحداث ذلك الرحيل عبر جوف الحوت، وما تراءى له غير أن النص الشعري يُعيد بناء تلك الرحلة بأبعادها الدينية بطريقة مخالفة للواقع،، إذ يروي لنا مشاهد، ومناظر مبنية من خياله الشعري، وكأنما أراد الشاعر أن يُعيد سرد القصة من منظور شعري معاصر؛ ليؤكد أن تلك المعجزة، إنما تحققت بفعل رباني له حكمته، ودلالات اعتباره لمن يَعتبر .

ومنه في قصيدة (هـذا الـسُـلـيْـمـانُ):

الـسِـرُّ في السحْـر حتى الآنَ يَـخـتَـبـىءُ    والـسِـرُ لا غـالـبٌ إلاّهُ  يا سَـبَـأُ

يبدأ استهلال النص بتأكيد مقولة ثابتة، وقناعة راسخة، وهو ما يُعلّل لجوء الشاعر إلى استخدام التركيب الاسمي والأسلوب الخبري الابتدائي، وهذا النوع من الكلام الخبري يخلو من أي مؤكد؛ لأنه كلام ينهض على أمور ثابتة، ويستند إلى حقائق قارَّة في ذهن المُتلقّي وعاطفته، وهو ما لا يحتاج معه إلى أي تأكيد؛ لما لدى المُتلقّي تجاه هذا المقول من معرفة وإيمان به؛ فيشكّل فعل الكشف مقولة النص الأساسية التي تدور حولها مفردات النص كلها، وهو ما يُبيّنه الحقل الدلالي المشكل لمفردات القصيدة: (السر) تكرَّر مرتين، (بلقيس) تكررت مرتين، (الهدهد) على اختلاف المفرد والجمع، وقد جاءت  هذه التكرارات  لتأكيد حالة، وتوضيح موقف .

لا سـاقُ بـلـقـيـسَ  لا بـلـقـيـسَ تَـغْـلـبُـهُ  ولا رَجـاحـةُ رأيٍ  أيّـهـا الـمَـلأ ُ

هـذا الـسلـيْـمـانُ مـأمـورٌ كَـهُـدْهُــدِهِ   أربـابُـهُ مَـن عـلـيهـمْ راحَ يَـتّـكيءُ

قـد خطّـطـوا فـسرى الـنامـوسُ بعـدَئـذٍ والحـوضُ لَـمّـا يَـزلْ بالـمـاءِ يَـمْـتـلىءُ

ويأتي ختام النص ليفيد حقيقة اختلاف تفكير طبيعة الحاكم عن المحكوم الذي يرى أنه من طبيعة غير طبيعة الناس:

الـعِـلْـمُ للـنـاسِ أمّـا الـسحـرُ فهْـو لِـمَـنْ           كـادوا لِـيُـفـتَـحَ جـرْحٌ كُـلّـمـا نَـكـأوا

هَـداهـدٌ عـنـدَهُـمْ  في كـلِّ حـاضـرةٍ           إنَّ الـهـداهـدَ (يَـهْـويـّـونَ)  مُـذ نَـشـأوا

الـسحـرُ قـد غَـطْـرَسَ الأربـابَ غـطْـرسـةً       حـديـدَهـمْ وحـدَهُ  لَـمْ يَعـتـرِ الـصـدأُ

يتبدَّى التناص في قصيدة (السليمان) في أكثر من نمط استدعاء؛ فمن الشخصيات نجد:  النبي سليمان وبلقيس، ومن الطير:  الهدهد ومن الجماد: سبأ .

وفي نص (صـيـارفـة ) يقول:

صَـيـارِفَـةٌ مِـن العـهْــدِ الـقـديـمِ       لِـتَـمْـويـلِ الـجـحـيـمِ  مِـن الجحـيـمِ

وتَـذهـيـب ِ الـكـتـابِ  بـمـاءِ نـارٍ    وتَـغـلـيـبِ الـرجـيـمِ عـلـى الـرحـيـم ِ

تُحيل قصيدة صيارفة على امتهان اليهود صياغة معدن الذهب، وهذه المهنة تقوم على حرق المعدن، وهو ما أشار إليه شطر البيت الجحيم من الجحيم، إذ تتعدد دلالة المفردة الواحدة إلى معنيين: المعنى الأول:  يُشير إلى الظلم واستعباد الآخرين، والمعنى الثاني يدلُّ على مهنة الصياغة

وهذا التركيب (بماء نار) يطرح السؤال التالي:  كيف تلتقي النار بالماء؟!، وهل للنار ماء؟!، وهما متناقضان لا يلتقيان، غير أنَّ الشاعر بحنكته لجأ إلى لعبة اللغة في التورية؛ فاقتنص منها ما أضفى على المعنى بعده الإيحائي الدال، والمُفضي إلى حقيقة تزوير الحقائق وتزييف التاريخ، وهو ما أحالت عليه لفظة: (تذهيب) التي جاءت مصدراً للفعل ذهّب، وهذا الوزن من دلالاته الإزالة والصيرورة، وهي بهذا الحمل الدلالي تنفتح على معاني متَّسعة سواء من حيث بنيتها الصرفية تفعيل، أم معناها الدال على إحداث التغيير، ومن هنا تتبدّى جمالية اللغة القائمة على المفارقة، ومخالفة المألوف ما يبعث على الإدهاش، ويتطلَّب مزيداً من إعمال الفكر فيما يريده الشاعر، وفيما يحاول أن يبلغه، إذ الشعر في النهاية ما هو إلا رسالة لغوية مشحونة بطاقات فكرية ورؤى جمالية وعاطفية، وهكذا تظهر جمالية الأضداد التي تبدو أحد مرتكزات البلاغة في سباعيات الشاعر: جمال مصطفى كلها:

بـمـيـثـاقٍ ومـيـعــادٍ ورؤيـا                   سـبـيـكـةِ صـاحـبِ الـكـنـزِ الـعـظـيـم ِ

يَـراهُ، ولا نَـرى إلاّ نُـجـومـاً                   مُـرَصّـعَــةً عـلى اللـيـل ِ الـبَـهـيـمِ

مَـزاغِـلُ  خَـلْـفَـهـا وُكَـلاءُ مَـكْـرٍ                 لأمـكـر مـاكـرٍ، طـاغٍ، عـلـيـم ِ

يـنـامُ، ويَـسهـرُ الـوكَـلاءُ عـيْـنـاً             عـلى  فـرْض الـصـراطِ الـمـسـتـقـيـمِ

عـلى الـقُـطْـعـان ِ:أيـن مـتى وأنّـى          تُـسـاقُ، وحِـصّـةِ الـذئـبِ الـخـصـيـمِ

فمما جاء بين الأفعال من مثل:

يراه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ولا يراه

ينام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يسهر

ومما يشير إلى حالة الصراع الأزلي بين طرفين نجد:

الذئب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القطعان

وأخيراً من خلال دلالتي المكان والزمان باستخدام الاستفهام بـ : (أين ومتى )

ثالثاً - تقنية التحدّث إلى الشخصية: ومن هذا النمط  آخر نصوص الشاعر المعنون بــ:

يـا هــــود يقول فيه:

أنتَ إذنْ عـربيٌّ ونبيٌّ

مِـثْـلُ شُعَــيْـبَ وإسـماعـيـلَ وصالحْ

لا ذكْــرَ لَـكَـمْ في الـتـوراةِ

إسـمـاعـيل؟

:ابـنُ الـجارية الـمـطـرودهْ

 

يبدأ الشاعر سباعيته بخطاب  النبي هود الذي أرسل إلى قبيلة عاد التي أبادها الله كما جاء في القرآن الكريم: " وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ "  بتأكيد حقيقة نسب وصفة، ويتابع:

يا هـودُ

الـتـوراةُ لِـنـاحـومَ ومِـيـخـا

الـتـوراةُ لِـحَــبْــقــوقْ

أمّـا أنـتـمْ فـانتـظــروا

حـتى يُـبْـعَــثَ خـامـسُــكُــمْ

آه ٍ لَـو كـان لَـديـكُــمْ كُـتُـبٌ

بـالــفُــصحى يـا هــودْ

آهٍ لَــوْ كـانْ

آهٍ لَــوْ نَـزلَــتْ أربـعــةٌ قـبْـلَ الـقـرآنْ

لـكـنْ

مـاذا عَـمّـنْ لـيـسـوا

عِـبْـرانِـيـيـنَ ولا عَـرَبـا؟

تبدو قفلة القصيدة مغزى القصيدة وسمتُ مآلها الذي اتّخذ من صيغة التساؤل صيغة تعبيرية في التصريح عمَّا يريد الشاعر إبلاغه؛ ففيه بيت القصيد الذي يريد الشاعر الوصول إليه في هذه السباعية التي يُشير فيها  إلى أولئك المزيفين الذين لا لون لهم ولا انتماء ولا هوية، وهي تقوم من حيث أسلوبُ بنائها اللغوي على الثنائية؛ فقد جاءت وفق نمطين، إذ اعتمد الشاعر في الأبيات الأولى الكلام الخبري الابتدائي، وهو كلام ذو طبيعة سردية اعتمد التقريرية، وأسلوب العطف والنفي، أما الجزء الأخير؛ فقد بني على نمط الأسلوب الإنشائي الذي تنوَّع في أساليبه بين التمني والنداء والاستفهام الذي جاء منفرداً بالأسلوب الإنشائي في الختام  الذي حُمّل دلالياً معنى الاستفهام والتعجّب، وهو البيت الذي يحمل فكرة النص كله .

يبدو السرد والتقريرية في هذه السباعية مُسيطراً على تفاصيل الحدث، إذ بُنيَ النص على توالي سرد بأسماء لشخصيات من التاريخ، وما ارتبطت به تلك الشخصيات من كتب دينية، وقد أضعفت تلك التقريرية والمباشرة في التعبير فنية القصيدة، وما زاد ذلك  تراكم التناصيات بهذا الحشد لأسماء متوالية في إطار سياق لغوي واحد من غير أن يكون له إضافات مسوّغة ما جعل هذا الحشد يُثقل على النصّ، و لو أعدنا بناء القصيدة بطريقة أفقية وجدنا أنفسنا نقرأ مقطوعة تثرية لا شعرية على الرغم من التزامها بإيقاع بحر الخبب: " يـا هــــود، أنتَ إذنْ عـربيٌّ ونبيٌّ  مِـثْـلُ شُعَــيْـبَ وإسـماعـيـلَ وصالحْ لا ذكْــرَ لَـكَـمْ في الـتـوراةِ إسـمـاعـيل؟: ابـنُ الـجارية الـمـطـرودهْ، يا هـودُ الـتـوراةُ لِـنـاحـومَ ومِـيـخـا، الـتـوراةُ لِـحَــبْــقــوقْ،  أمّـا أنـتـمْ فـانتـظــروا  حـتى يُـبْـعَــثَ خـامـسُــكُــمْ، آه ٍ لَـو كـان لَـديـكُــمْ كُـتُـبٌ  بـالــفُــصحى يـا هــودْ، آهٍ لَــوْ كـانْ آهٍ لَــوْ نَـزلَــتْ أربـعــةٌ قـبْـلَ الـقـرآنْ، لـكـنْ، مـاذا عَـمّـنْ لـيـسـوا  عِـبْـرانِـيـيـنَ ولا عَـرَبـا؟

يلحظ القارىء أن النص مُثقل باستدعاء الشخصيات ما حوَّلها إلى عبء إضافي على القصيدة بدل أن يكون رمزاً جماليّاً يمنح النصَّ أبعاداً أخرى، ويكسبه مزيداً من تعدّد الرؤى، واتّساع الآفاق لولا أن الشاعر يتنبَّه أخيراً في الخاتمة، وهو ما يبدو لي أنها لعبة لغوية يُتقن الشاعر:  مصطفى جمال التفنّن بها؛ فقد حمل القارىء عبر تسلسل سردي معه بفعل التنويم المغناطسي، وكأنه يسرد عليه قصةً من التاريخ وفق علاقات نسبة الكتب الدينية لشخصياتها، وإعادة قول الثابت، وتأكيد القارّ المعروف،ذلك أنَّ تلك الشخصيات: " ليست مجرد ظواهر كونية عابرة تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي؛  فإن لها إلى جانب ذلك دلالتها الشمولية الباقية والقابلة للتجدد على امتداد التاريخ في صيغ وأشكال أخرى، وهي قابلة لأن تحمل تأويلات وتفسيرات جديدة "

وهو ما وعى دوره الشاعر: جمال مصطفى في هذه السباعيات التي عاد إلى استدعائها؛ ففعل القص أو الحكي بالمعنى السردي لدى الشاعر  إنما يُعبّر عن: " رغبة إنسانية تكشف رؤيته للأشياء، وتُحدّد علاقته بالعالم، إنها رغبة في البوح وإعادة صياغة العالم، وهو في حالة تجلّ" ،  وفعل إيقاظ  المتلقّي الذي جاء  في الخاتمة بصيغة سؤال أشبه ما يكون بوخزة الإبرة التي أيقظت متلقيها بألم لذيذ، ومثل هذه اللعبة لا يُتقنها إلا من امتلك مهارة الشعرية، وعرف كيف يُدغدغ مشاعر المُتلقّي، و يُقلقل أفكارَهُ، بل ويُعيد تشكيلها من جديد .

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع

سباعيات حرة / جمال مصطفى

 

 

قصي الشيخ عسكرعندما كنت في البصرة قبل أن تقطع علي زيارتي لعبة الموت، كورونا، قدّم لي العزيز الدكتور صدام فهد الأسدي مسرحية الملائكة والشياطين للكاتب الدكتور علي جبّار الأسدي  لم التق مؤلف المسرحية ولم أعرف بعد لكن الدكتور صدام حين يقدم لي عملا مسرحيا ليس شعرا لا قصة أو رواية فهو يعني شيئا ذا دلالة عميقة لأن الدكتور صدام الأسدي بدأ مسرحيا متابعا وكاتبا والحق بدأنا معا كنا نطالع بنهم  المسرح اليوناني والمسرح الأوروبي  ثم شاءت الظروف المحيطة أن نبتعد عن المسرح إلى الشعر والقصة والرواية والنقد.

إذن تقديم الدكتور صدام مسرحية لي  لأطالعها معناه يذكرني بما مضى وكأنه يقول لي إن هناك من تابع المسيرة واختص بهذا الفن على الرغم من أنه احترف الحقوق فأصبح قاضيا ذا شأن لكنه وجد ضالته في كتابة المسرحية.

لا أبالغ إدا قلت إن المسرحية أعجبتني، فهي فاتنة رشيقة تستند إلى الماضي بصفته حاضرا وتتوغل في التاريخ كونه حيا يعيش فينا الآن، والمسرحية تجمع في شخوصها نماذج أممية متواصلة كي لا تبدو منفصلة عن عصر العولمة والعلم فهناك:

كاارل، وفيلب وهما اسمان أجنبيان وكذلك فالتيوس

راجح اسم عربي

أيوب اسم عبري مقدس يثير

ومثلما تتداخل الشخصيات باجتماعها واتصالها على الرغم من كونها مختلفة النشأة واللغة والمنزلة الاجتماعية نجد التداخل الزمني يعزز هذا الاختلاف المتواصل فنحن نعيش مع الابطال في اي زمن عبر حوار متقن يطول مرة ويقصر تارة أخرى، وفي اليوم التالي وعند الصباح الباكر ص88 وبعد أيام قام الرجال بصناعة قوارب لأجل استخدامها

ونجد في الحوار الصياغة الرمزية لمجمل التاريخ المقدس والحاضر النقي:

كارل: إن أيوب ورفاقه نجوم متلألة في ليل بهيم.

ومن خلال الحوار نستدل على أحد مواضيع المسرحية المهمة ألا وهو الصراع الطبقي الذي يعاني من الإنسان على مرّ العصور:

أيوب: سيدي صاحب الأرض لقد حققت ريعا لا بأس به.ص 82

والموضوع الديني الذي يرمز إلى النقاء :

فالتيوس: أيها الخادم لتذكر الرجل المسيحي الذي تفاوض معي بخصوص الأرض.ص81

إن مشكلات المسرحية وموضوعها موضوع عالمي وقد جاء العنوان بالتعريف ليحتوي تلك السعة العالمية فقد كان بإمكان الكاتب أن يستند إلى التنكير فيأتي العنوان بهذا الشكل .ملائكة وشياطين أو شياطين وملائكة لكن التعريف نفسه احتوى التنكير والتقديم اشتمل على التأخير لتبدأ اعمال الخير أولا ثم لنكتشف الشر فيما بعد فتكون نهايته.

***

قصي عسكر

....................

ملاحظة

علي جبار قاض هو كاتب مسرحي يكتب المسرحية باقتدار.

 

 

حسين فاعور الساعديجمال مصطفى شاعر عراقي من مواليد العام 1958 ويقيم في الدنمارك. عرفته عبر المواقع الإلكترونية في الأشهر الأخيرة لسوء حظي، وسوء حظ كل من لا يعرف هذا الشاعر. لن أقول مبدع لأن هذه الكلمة فقدت معناها لكثرة ما ابتذلها النقاد المنافقون الذين ألصقوها بكل فاشل.

أنا لست في معرض نقد أو تقييم هذا الشاعر ولا في معرض التعريف به لأنه غني عن التعريف ومن لا يعرفه فهي مشكلته ودليل واضح أنه غير مواكب للشعر الجيد والمتجدد.

"سباعيات حرة" هي قصيدة غير مألوفة غامضة وبعيدة عن التقليد. كلها حداثة من رأسها حتى أخمص قدميها. وأهم ما يميزها أنها تضفي هيبة ووقاراً على اللغة وتجعل القارئ يفرك يديه فرحاً ونشوة، وهو يكتشف كم هي غنية ومزركشة. وكيف استطاع الشاعر خلق هذا الانسجام المتبادل بين المبنى والمعني ولم يسمح لأحدهما بالتطاول على الآخر. ليس هذا فحسب فهنالك الحداثة والأصالة التي استطاع الشاعر، ليس في هذه القصيدة فقط وإنما في معظم أشعاره، التوفيق والمزاوجة الموفقة بينهما.

قرأت هذه القصيدة ثم أعدت قراءتها مثنى وثلاث ورباع فوجدتني كلما قرأتها أكثر كلما غرقت أكثر في بحرها المحتدم بالصور والمواقف التي في معظمها لا يمكن أن تخطر ببال القارئ ولا يمكنه التنبؤ بها أو توقعها. صور ضبابية ومواقف غير متوقعة تجعل العقل يستيقظ من سباته.

أشخاص في القصيدة:

القصيدة من أول بيت فيها حتى آخر بيت لا تعج بالأحداث والمواقف فقط بل وبالشخوص التي لها علاقة بهذه الأحداث والمواقف:  إدريس، الخضر، موسى، يونس، سليمان، ياهود، شعيب، إسماعيل وصالح عليهم السلام وجميعهم أنبياء. الطفل الذي قُتل، ركاب السفينة، الغلامان صاحبا الجدار، بلقيس وجنودها، الصيارفة، قارون (على ما أظن) وربما ذو القرنين الذي مكن له الله في الأرض وآتاه من كل شيء سببا. والذي لم يبنِ سداً بين القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا وبين قوم يأجوج وماجوج المفسدين في الأرض كما طلبوا منه بل جعل بينهم ردما. بالإضافة للهدهد والجدار والسفينة وحوض الماء أو حوض السحر.

كل هذا الحشد الهائل من الأشخاص والأحداث تم رصده بعدسة الشاعر (أي زوم هذا؟) وتم توظيفه أعماقاً وظلالاً لهذه اللوحة التشكيلية.

مبنى القصيدة: كما هو واضح من عنوانها فهذه من سباعيات الشاعر وأكاد أقول من أجمل سباعياته وقد أعطى لكل سباعية عنواناً هو واحد من أشخاص القصيدة ليقول من خلاله ليس ما قالته الكتب السماوية فقط بل ما يمكن للعقل أن يصل إليه أو يتصوره. أو ما يريد القارئ الحذق أن يراه.

القصيدة من ست سباعيات  لكل واحدة منها وزن واحد وقافية واحدة ما عدا السباعية السادسة فهي بلا وزن وبلا قافية.

القصيدة مصاغة صياغة ذات إسقاطات تاريخية دينية مستقاة من الكتب السماوية لليهودية والإسلام وربما المسلمات الدينية المختلفة.

معنى القصيدة: ليس لها معنى واحد ولا تفسير واحد. فكل قارئ يستطيع أن يفسرها كما يشاء ولا اعتراض للشاعر على ذلك كما أظن وربما هذا ما أراده. ما فهمته منها من معنى ساورده في التطرق الآتي لسباعياتها.

السباعية الأولى، إدريس (ع): هل هو النبي إدريس عليه السلام الذي جاء ذكره في القرآن في أكثر من موقع؟ أم هو إيزيس أو أخنوخ كما جاء في رد من ردود الشاعر على أحد المعلقين.

ما فهمته من فحوى القصيدة أنه إدريس المذكور بالقرآن الكريم والذي كان أول من اخترع كتابة اللغة وجاء بها من الحرية التي كانت تنعم بها بين الأباليس إلى سجن القراطيس. حداثة في قالب أصالة والعكس صحيح. ويقال أنه سُمي بإدريس من دَرَسَ أو دَرّس وهذا يصح في اللغة العبرية أيضاً ف أخنوخ من حنوخ (חינוך) في العبرية. وهو ابن قابيل الذي قتل أخاه هابيل.

في هذه السباعية يصف الشاعر اللغة بالشمطاء لكنها بكر لتجددها. ويصف الأقلام التي تكتبها بريش الطواويس. هو لا يقول ولكنه يلمح ويترك لعقلنا أن يسبح كيف يشاء ويستنتج ما يشاء.

من هي التي تمر بهودجها ولا تنطلي؟ والتي تنطلي يا حادي العيس. تداعي جميل وعفوي يجعل الخيال يسبح وينطلق. مجال واسع ومفتوح للتأويل. كل هذا عن اللغة أم عن شيء آخر؟ وكيف ربطها بالعبودية؟ ألأننا بواسطتها نكتب الشرائع والدساتير التي تحد وتقيد الحرية أم لأنها هي ذاتها تقيدنا ولا تتسع لما نريد قوله؟ ربما هذا ما قصده الشاعر. النير الجواميس الناعور ربطها بالعبودية. لماذا العبودية؟ فقط بسبب التكرار وعدم الإبداع والتسليم بالروتين. ومن هنا جاء الربط مع المآذن والأجراس التي تكرر نفسها. إنها دعوة للتغيير والتجديد في التفكير وفي الممارسة. التكرار أو الروتين يقتل العقل ويحجّمه.

السباعية الثانية: الخضر (ع)، وهو معلم الأنبياء ومرشدهم. التقى بموسى صدفة لم تكن صدفة. وعندما طلب منه موسى أن يرافقه ليتعلم منه مما علمه الله قال له الخضر انه لن يستطيع معه صبراً لأنه لم يحط خبرا بما سيرى. فوعده موسى بالصبر والطاعة وهما ركنان أساسيان وشرطان لا بد منهما في أي معاهدة بين المعلم والتلميذ. لكن الخضر كان يعرف أن موسى لم يكن جاهزاً ليكون تلميذاً أو ربما قصد تجهيزه ليكون تلميذا كما كان يفعل الفلاسفة. وقد سقط موسى في الامتحان الأول عندما خرق الخضر السفينة ليس ليغرق أهلها كما فهم موسى بل ليعيبها وليبقيها لأصحابها المساكين ويمنع الملك من مصادرتها. الخضر يعلمنا التسامح فقد عفا عن موسى وتغاضى عن سقوطه في الامتحان الأول. لكنه سقط في الامتحان الثاني أيضاً عندما قتل الخضر الطفل الذي كان أبواه مؤمنين وخاف أن يرهقهما طغياناً وكفراً فقتله ليبدلهما الله خيراً منه زكاة وأقرب رحماً امتحان أصعب من الأول. لكن الخضر عفا عنه هذه المرة أيضاً وقد وعده موسى أن تكون المرة الأخيرة. وهنا يظهر مدى تلهفه للتعلُّم. لكنهما عندما دخلا إلى قرية وكانا جائعين فطلبا الطعام فلم يلب أحد طلبهما فسارا فوجدا جداراً يريد أن ينقض أي يتهدم فأقامه الخضر وأصلح حاله مما اغضب موسى الذي كان حانقاً على أهل هذه القرية البخلاء فقال له: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. وهنا تركه الخضر بعد أن فسر له لماذا قام بكل تلك الأعمال. هل تركه لأن هذه الدروس الثلاث التي سقط فيها موسى أثبتت أنه لم يكن جاهزاً بعد، ليكون تلميذاً. أم لأن الدروس كانت كافيه ليقيس عليها موسى ويتعلم منها؟ وهل ما كان يريده الخضر من موسى هي الطاعة العمياء؟ لا أظن ذلك فالخضر معلم بارع يفوق أفلاطون وسقراط يعرف ألا تعلم بدون تساؤل.

في هذه السباعية يصل الشاعر جمال مصطفى القمة في المزاوجة بين الحداثة والأصالة: " كنت الوسيط الذي، يبقيه معتمداً على الوسيط، ولكن لم أكن وسطا" هل قصد الشاعر ما يقوله سارتر "أنا بحاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه".؟ لا أدري ولكنني هكذا فهمت. هي الأسئلة التي لا بد منها: هل أراد الخضر من موسى الطاعة العمياء؟ لا أدري ما هو رأي الشاعر. وهل فعل ما فعل ليجعل موسى يسقط في الامتحان أم ليعلمه؟ أظن أنه أراد ان يعلمه فمن الفشل نتعلم أكثر.

السباعية الثالثة: يونس (ع)، ودخوله إلى بطن الحوت. وحتى لا يدعنا نطمئن بما عندنا من معلومات فان الشاعر يفاجئنا أن الدخول كان من مقلته وليس من فمه. فالحوت بالنسبة للشاعر كان شيئاً آخر غير الحوت. دخول إلى عرش ليس على الماء كمان كان عرش الله في بداية التكوين ولكنه بين الماء والماء: مجال لا نهائي للخيال وللتحليق. هناك على الأرائك لا يدري الشاعر ماذا شاهد ويترك لنا أن نرى ما نرى ولكننا لا نسمع إلا الصمت والإيماء القريب من الصمت. ولا يجب أن ننسى الدوار الذي أصابه. ما خفف هذه الأجواء أن للحوت مزاغل كان يونس يطل منها كالحامية على الأسوار  يراقب ما حوله من أحداث وتطورات. أصالة مع حداثة مع انزياح سلس وجميل.

تم إيمان يونس في بطن الحوت (آمن بالحوت)عندما قال مخاطباً رب العرش العظيم: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" . يونس تم إيمانه بالحوت لأنه خرج من قومه قبل أن يأذن له الله بذلك لأنه لم يتوقع أن يعفو الله عنهم . وفي بطن الحوت عرف واعترف أنه كان من الظالمين. لكنه يرفض أن يكون ذا النون لأنه نونهم أي حوتهم وما هو إلا ضحية سوء تدبيره وإخفاء نواياه السيئة بقومه عن رب العالمين.

لا أدري من هو المتحدث؟ الشاعر أم ذو النون أم الاثنان معاً أم الاثنان والقارئ. هذه السباعية أشبه ما تكون بالمناجاة بين عابد متنسك يعترف بذنبه أمام خالقه. إنها ذوبان فيلسوف متصوف عاشق بمعشوقه.

السباعية الرابعة: سليمان (ع)، قول الشاعر "السليمان" يعبر عن الكثير ويقول الكثير ولا أريد الدخول أو الخوض في ذلك.

أنا كقارئ أعتقد أن سليمان نبياً مع أن اليهود ذاتهم يقولون عنه انه ملك (ميلخ)،  وربما من هذا الباب تعامل معه الشاعر.

لقد ربط بين سليمان والسحر الذي به انتصر على بلقيس ملكة سبأ رغم رجاحة عقلها وحكمتها. الهدهد كان يأتمر بأمر سليمان تماماً كما كان سليمان يأتمر بأمر أربابه الذين هم الرابيم أو الصيارفة. في هذه السباعية الإيماءات كثيرة ومتشابكة وشاملة. وظف الشاعر التاريخ الواسع المتشابك ليفسر الحاضر وربما المستقبل. الناس لها العلم ولقوم سليمان السحر الذي به يفتحون جراح الأمم. لهم ليس السحر فقط بل ولهم هداهدهم التي لا تختلف عنهم كثيراً. وبالهداهد البشرية وغير البشرية وبالسحر لم يصدأ لهم حديد حتى يومنا هذا.

كل شيء مفتوح أمام القارئ ليفهم ما يفهم ويقول ما يقول. الشاعر لمح وأومأ. عمم ولم يحدد تأمل وشاهد وراقب ولم يقل رأيه.

السباعية الخامسة: صيارفة، هؤلاء منذ العهد القديم وحتى اليوم من قارون إلى روتشيلد يملكون رأس المال ويتحكمون بكل شيء. يمولون الجحيم من الجحيم. ومن مزاغل أسوارهم يراقب وكلاء  أمكر ماكر كل ما يدور. هؤلاء الوكلاء يراقبون بعين كل من تسول له نفسه أن يزيح عن صراطهم المستقيم وبالعين الثانية القطعان التي تساق إلى مصيرها المحتوم والمجهول وحصة الذئب فيها. صور وإيماءات أصالة ومعاصرة تصريح وتلميح في أقل ما يمكن من كلمات عن كتب ومجلدات من التاريخ في قالب واحد وفي خلطة نادرة لا يقدر عليها إلا فنان بارع ومحترف. هؤلاء الصيارفة يعتمدون في استمرارية وجودهم على جهل وغباء القطعان، على الوكلاء المكارين الذين يراقبون كل شيء من خلال مزاغل الأسوار أو الحيتان، وعلى الشر الجحيم الذي يغلبونه على الخير الرحيم.

السباعية السادسة: ياهود (ع)، لا أدري لماذا قال الشاعر عن هذا النبي أنه كشعيب لا ذكر له في التوراة. فشعيب مذكور بالتوراة باسم يترو كما هو الحال مع ياهود المذكور في القرآن الكريم باسم هود وهنالك سورة على اسمه. لا ألوم الشاعر فهو شاعر وليس مؤرخاً.

كما يبدو الشاعر يحلق في خياله ويكتب الشعر ليجعلنا نفكر ونعترض، ولا يكتب تاريخاً يعتمد على الإحصائيات الدقيقة. لكنه يورد حقائق فإسماعيل ابن الجارية لا ذكر له في التوراة. حتى يزعمون أن الله لم يفدِ إسماعيل بالذبح العظيم وإنما فدى إسحاق أو يتسحاك كما يسمونه. أمام هذا الظلم التاريخي (والمتواصل) تغير البناء وتغيرت الموسيقى واختل الوزن. لا بد من تحريض ياهود وحضه على فتح عينيه ورؤية الظلم الذي أسسوا له. فالتوراة لحبقوق وميخا وناحوم ويشعيا وشموليك. أما أنت يا ياهود فلك الله كصالح وشعيب وإسماعيل. وانتظر الخامس. لو كانت لكم كتب انتم الأربعة. كتب بالفصحى كالقرآن الكريم والتوراة. لكن أنّا لكم ذلك وانتم لستم عبرانيين ولا عرباً.

لا أدري إن كان هذا ما أراد أن يقوله الشاعر جمال مصطفى في هذه السباعيات. ولكن هذا ما فهمته. والاهم من ذلك لماذا جعل من هذه السباعية خروجاً على الوزن والقافية. ربما ليغضبنا وربما لينعفنا كما نعف هذه السباعية.

تحياتي لهذا الشاعر الأصيل المتأصل بالحداثة الذي ينحت من صخور اللغة تماثيلَ تنبض بالحياة. ويسبك من مجلدات التاريخ قلائد عز وفخار لشمطاء لكنها بكرُ. هذا بعض يسير مما أثارته وعملته فيَّ هذه القصيدة.

للاطلاع على القصيدة في المثقف

سباعيات حرة / جمال مصطفى

***

حسين فاعور الساعدي – الحسينية

....................

سـباعـيّات: حُـرّةٌ / جمال مصطفى

إدريـس:

مِـنْ قـبْـلِـهِ حُـرّةٌ

بـيْـنَ الأبـالـيـس ِ

إدريـسُ أودَعـهـا

سِـجْـنَ الـقـراطـيـسِ

 

شـمْـطـاءُ لـكـنَّـهـا بِـكْـرٌ

وطـلْـسَـمُـهـا

سـاقٍ يُـمـالِـىءُ

أكـوابَ الـكـوابـيـس

 

مخـطـوطـة ٌ

حِـبْـرُهـا الـسريُّ يَـفـضحُهـا:

كَـأنَّ

أقـلامَـهـا ريـشُ الـطـواويـس ِ

 

لَـيلاً تَـمُـرُّ (إذا مَـرّتْ)

بـهـودجـهـا

لا تَـنـطـلي

وانـطـلَـتْ يا حـاديَ الـعِــيـسِ

 

وهـكـذا

دَيْـدَنُ الـنـاعـورِ أمْـسِ غَــداً

إذ يَـجْـمـعُ الـنِـيـرُ

أعـنـاقَ الـجـوامـيـسِ

 

ولا غـضـاضـةَ في مـا بَـعْــدُ

إنْ جَـنَـحَـتْ

صَـوْبَ الـمــآذنِ

أو صَـوْبَ الـنـواقـيـسِ

 

مـيـزانُـهُ:

كِـفَّـةٌ لا غـيْـرَ قــد رَجَـحَـتْ

فـصـارَ نـامـوسُـهُ

فـوقَ الـنـواميـس

**

الـخَـضِـر:

مـوسى مُـصادفَـة ً،

لَـيستْ مُـصادفـةً

بَـعْـدي تَـلَـثَّـمَ بالأسـرار

وارتبَـطـا

 

الـحـائِـطُ، الـطــفـلُ، رُكّـابُ الـسـفـينةِ

أو

مـا رُحْـتُ أفـعَــلُـهُ

لأراهُ قـد سَـخـطـا

 

سـرْعـانَ مـا قـال لي: مَـن أنتَ؟

قـلْـتُ أنـا ـ ـ

وعــادَ مِـن بَـعْــدِهـا لِـلـقــومِ

مُـغْــتَـبِـطــا

 

كُـنتُ الـوسـيـطَ الـذي

يُـبْــقـــيـهِ مُـعْــتَــمِـداً

عـلى الـوسيـطِ

ولـكـنْ لَــمْ أكُــنْ وسَـطـا

 

ولَــمْ يَـكُـنْ راضـيـاً إلاّ عـلى

مَـضَـضٍ:

كـانتْ

هــواجِـسُـهُ تَـجْـتـاحُـهُ شَـطَــطــا

 

يَـدري بـأنَّ الـذي ـ ـ لـيـسَ الـذي

ويَـرى

نـوراً عـلى جَـبَـلٍ مـا مَــرّةً

هَـبـطـا

 

يُحِـبُّ أبْـخـرَةً (يَـهْــوا)

وقـد شُــويَـتْ

لَــهُ الـعــجـولُ

ولــكـنْ يَـكْــرَهُ اللـغَـــطـا

**

يـونـس:

في وصـف الحـوت

مِـن بـابِ مُـقـلَـتِـهِ كـانَ الـدخـولُ

إلى

مـا يُـشْبِـهُ العَـرْشَ

بـيـن الـمـاءِ والـمـاءِ

 

عـلى آرائِـكَ شـاهَـدْتُ الـذيـن

ولَـمْ

أسـمعْ سِـوى الـصـمْـتِ

مَـصحـوباً بإيـمـاءِ

 

كـان الـدُوارُ

أنـا وحـدي ضَـحـيّـتَـهُ

سـرْعـانَ مـا هـرعـوا

صاروا أطـبّـائي

 

مـزاغِـلُ الحـوتِ كُـثْـرٌ

مِـن هُـنـا وَ هُـنـا

يَـرى بهـا كُـلَّ مـا مِـن حـولِـهِ

الـرائي

 

آمَـنـتُ بـالحـوت

حـتى أنهـمْ فـرحـوا

وأرجَـعــوني كَـراءٍ

بَـعْــدَ إسْـراءِ

 

في فُـلْـكِ آلِـهَـةٍ لا يَـغـرقـونَ

ولَــوْ

حـاقَـتْ بِهـمْ لُجَـجٌ

في جـوْفِ ظـلْـمـاءِ

 

ما كُـنتُ ذا الـنـونِ

إنَّ الـنـونَ نُـونُهُـمُ

أنـا غـريـقُ تَـدابـيـرٍ

وإخـفــاءِ

**

هـذا الـسُـلـيْـمـانُ

الـسِـرُّ في السحْـر حتى الآنَ

يَـخـتَـبـىءُ

والـسِـرُ لا غـالـبٌ إلاّهُ

يا سَـبَـأُ

 

لا سـاقُ بـلـقـيـسَ

لا بـلـقـيـسَ تَـغْـلـبُـهُ

ولا رَجـاحـةُ رأيٍ

أيّـهـا الـمَـلأ ُ

 

هـذا الـسلـيْـمـانُ مـأمـورٌ

كَـهُـدْهُــدِهِ

أربـابُـهُ

مَـن عـلـيهـمْ راحَ يَـتّـكيءُ

 

قـد خطّـطـوا

فـسرى الـنامـوسُ بعـدَئـذٍ

والحـوضُ لَـمّـا يَـزلْ

بالـمـاءِ يَـمْـتـلىءُ

 

الـعِـلْـمُ للـنـاسِ

أمّـا الـسحـرُ فهْـو لِـمَـنْ

كـادوا

لِـيُـفـتَـحَ جـرْحٌ كُـلّـمـا نَـكـأوا

 

هَـداهـدٌ عـنـدَهُـمْ

في كـلِّ حـاضـرةٍ

إنَّ الـهـداهـدَ (يَـهْـويـّـونَ)

مُـذ نَـشـأوا

 

الـسحـرُ قـد

غَـطْـرَسَ الأربـابَ غـطْـرسـةً

حـديـدَهـمْ وحـدَهُ

لَـمْ يَعـتـرِ الـصـدأُ

**

صـيـارفـة

صَـيـارِفَـةٌ

مِـن العـهْــدِ الـقـديـمِ

لِـتَـمْـويـلِ الـجـحـيـمِ

مِـن الجحـيـمِ

 

وتَـذهـيـب ِ الـكـتـابِ

بـمـاءِ نـارٍ

وتَـغـلـيـبِ الـرجـيـمِ

عـلـى الـرحـيـم ِ

 

بـمـيـثـاقٍ ومـيـعــادٍ ورؤيـا

سـبـيـكـةِ صـاحـبِ الـكـنـزِ

الـعـظـيـم ِ

 

يَـراهُ،

ولا نَـرى إلاّ نُـجـومـاً

مُـرَصّـعَــةً

عـلى اللـيـل ِ الـبَـهـيـمِ

 

مَـزاغِـلُ

خَـلْـفَـهـا وُكَـلاءُ مَـكْـرٍ

لأمـكـر مـاكـرٍ، طـاغٍ،

عـلـيـم ِ

 

يـنـامُ،

ويَـسهـرُ الـوكَـلاءُ عـيْـنـاً

عـلى

فـرْض الـصـراطِ الـمـسـتـقـيـمِ

 

عـلى الـقُـطْـعـان ِ:

أيـن مـتى وأنّـى

تُـسـاقُ،

وحِـصّـةِ الـذئـبِ الـخـصـيـمِ

**

يـا هــــود

أنتَ إذنْ عـربيٌّ ونبيٌّ

مِـثْـلُ شُعَــيْـبَ وإسـماعـيـلَ وصالحْ

 

لا ذكْــرَ لَـكَـمْ في الـتـوراةِ

إسـمـاعـيل؟

:ابـنُ الـجارية الـمـطـرودهْ

 

يا هـودُ

الـتـوراةُ لِـنـاحـومَ ومِـيـخـا

الـتـوراةُ لِـحَــبْــقــوقْ

 

أمّـا أنـتـمْ فـانتـظــروا

حـتى يُـبْـعَــثَ خـامـسُــكُــمْ

 

آه ٍ لَـو كـان لَـديـكُــمْ كُـتُـبٌ

بـالــفُــصحى يـاهــودْ

 

آهٍ لَــوْ كـانْ

آهٍ لَــوْ نَـزلَــتْ أربـعــةٌ قـبْـلَ الـقـرآنْ

 

لـكـنْ

مـاذا عَـمّـنْ لـيـسـوا

عِـبْـرانِـيـيـنَ ولا عَـرَبـا؟

 

 

وليد العرفي قصيدة العيد في زمن كورونا  للشاعر: د. نوري الوائلي أنموذجاً

أوَّلاً - التعالق مع الموروث الشعري: يبني الشاعر: نوري الوائلي نصه: "العيد في زمن كورونا" على معارضة المتنبي، وهو بناء يحدد سمت اتجاهه الموضوع العام، وهو قدوم العيد في ظل جائحة كورونا، إذ يبدو ذلك مفتاح الولوج التخاطري بين النص الحاضر والنص الماضي الذي يستحضر بفعل المحاكاة، أو ما يُصطلح على تسميته بفنّ المعارضة، وهو من الفنون التي شاعت بشكل أبرز في العصر الأموي بين الثلاثي جرير والفرزدق والأخطل على اختلاف هنا طبعاً في التوجه والمقصد والغاية في مآلها الأخير .

تبرز نقاط التلاقي في موضوعات عدّة أولها: ثيمة "العيد" التي تبدو مقولة محورية تدور في فلكها جميع المقولات الفرعية الأخرى، وعلى هذا يُمكننا عدُّ العيد النهر الذي يتفرع عنه مجاري عدة، أو بتعبير أدق الجذر الذي يتفرع عنه الأغصان التي تظل مرتبطة به، وإن هي اتخذت أشكالاً أخرى، وتنوعت أوراقاً وتلونت  ثماراً، ومن بيت الاستهلال يبدو التعالق النصي واضحاً، إذ يُحيل استهلال مطلع: د. نوري الوائلي على قصيدة المتنبي، وهي إحالة لا تحتاج من السامع أو القارىء كثير جهد أو إعمال فكر،

 الأمر الثاني أن القصيدة بنيت على إيقاع البحر البسيط نفسه، وكذلك اختارت تسكين الوسط في قافية فعلن على غرار قصيدة المتنبي الدالية التي التزمت به قصيدة الوائلي كذلك .

ويبدو التساؤل الاستهلالي في المطلعين متوافقاً في تصوير الموقف النفسي، وحالة القلق التي جعلت من العيد محطة تأمل باعثة على التساؤل، وهو تساؤل لا ينتظر جواباً من الآخر لأنه سؤال الكاشف العارف لا سؤال المستفهم الواصف:يستهل الوائلي قصيدته بالقول: 

العيد في زمن كورونا

 عيدٌ تهلُّ كما نهْواكَ يا عيدُ                 أمْ فيك أمرٌ به للبالِ تسْهيدُ

حالي لسَائلتي صَبْر ومُحْتَسب             قدْ هَدّهُ بالنوى شوْقٌ وتشْريدُ

 وهو يستدعي إلى الذهن قول المتنبي في استهلال داليته المشهورة إذ يقول:

 عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ            بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

ويبدو طبيعة الاختلاف في البيت الثاني من حيث توجيه السؤال الذي يكشف عن وجود مخاطبة امرأة افتراضية أو ربما كانت هي الذات الشاعرة التي يستنسخها الشاعر من نفسه لتكون مقام الشخصية المحاورة جرياً فيها على سنة القدماء من الشعراء العرب، وهو ما أراد الشاعر الوائلي ألا يحيد عن اتباع سنتهم، ولا أن يغير الدرب التي اقتفى فيه آثارهم، وهو ما يبدو من خلال المحاكاة للمتنبي في نصه إذ يصف حاله التي انقسمت ما بين نوازع البعد والاشتياق والصبر و التأسي ،، وفي هذا السياق استدعي قول الشاعر العراقي:  جواد كاظم غلوم الذي عبَّر عن ذلك الاستهلال بقوله: "  استفهام المتنبي الانكاري مليء بالتعجب والغرابة، حيرة الانسان وحزنه وغربته حتى في اجمل ايام الله وهي الاعياد حيث لا أحبّة جواره والمسافات ابعد من ان تقطع واللقاء الجميل امّحى؛ فصار القطع بدلاً من الوصل، وكيف نُعبر بيداء الفراق، وأمامنا الكثير من المطبّات والعثرات الجسام، ويبدو أن طريقنا أخذ يطول ويطول، وليس أمامنا سوى اليأس من فرج لا يأتي الاّ في المخيلة " وهو ما يتردد صدى لقول المتنبي الذي ابتعد عن الأحبة، وحالت مسافات الصحراء بينه وبينهم:

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ                  فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

وتعقيباً على هذا البيت يقول الشاعر خالد الحسن: "هكذا تتحقق نبوءة المتنبي بهذا البيت يوماً بعد يوم , العيدُ الذي يأتي للمتنبي مثل العيد الذي يأتي على شعراء العراق المعاصرين، لذا هم يتساءلون عن سبب مقدم العيد , ولو أكملنا البيت الثاني من نص المتنبي: أما الأحبة فالبيداءُ دونهمُ.... الخ ؛ فهو أيضاً مرتبط بنا وبه،  أكاد اجزم إن المتنبي كتب هذه الأبيات على دولة مستقبلية تُدعى العراق عام 2014 م "1.

  وتتابع بعد ذلك القصيدة وفق متوالياتها الإشارية؛ لتتشعب إلى فكر فرعية جامعها الرئيس هو العيد في زمن كورونا، وقد تسلسلت تلك المتواليات وفق إشاراتها الآتية:

 الهجر سبب             ــــــــــــــــــــــ        نتيجته انطفاء بهجة العيد

في وَحْشةِ الهجرِ نوْرُ العيدِ مُنْطفءٌ         كانّـُه منْ رَمـادِ النـارِ مَوْقودُ

الغربة عامل من عوامل   ــــــــــــــ   الحزن

عيدُ الغريبِ غريبٌ نبعهُ شجنٌ         مثلُ الزهورِ ولكنْ أرضها صيدُ

 لم يعْرفِ الرَوحَ لم تعْرفْ مَلامِحَه        هما الغريبانِ والمَلقى الموْاعيدُ

وتبلغ النفس ذروة معاناتها من خلال  حالة المفارقة الصادمة التي تعكس حالة الاختلاف بين الذات والموضوع، والنفس والآخر إنها حالة الصراع النفسي التي تتبدّى في موقف المشاهد الخارجي للمعاناة ؛ ففيما تشتكي النفس لواعج الألم وتعاني الحزن يقف الآخر منها موقف الحاسد، هنا تبدو كون الآخر قمة الألم بين النفس التي تشتكي الألم والحسد يقول الوائلي:

عنْد المَراغمِ حيْن اللهُ يُسْعفُه              لمِا أتاهُ وفي شكْواهُ مَحْسودُ

مع إبدالات في أسلوب الصياغة التي جاءت عند الوائلي تقريرية واصفة باعتمادها بنية الأسلوب الخبري الابتدائي بينما كانت عند المتنبي قائمة على الأسلوب الإنشائي المحمول على صيغة الاستفهام الذي أفضى إلى إظهار حالة التعجب مع تغيير لفظ بكاء عند المتنبي إلى شكوى عند الوائلي، وهو ما قام على محفوظ الشاعر من قول المتنبي:

ماذا لَقيتُ مِنَ الدُنيا وَأَعجَبُهُ          أَنّي بِما أَنا باكٍ مِنهُ مَحسودُ

ويرتبط العيد لدى الوائلي بجزئيات المكان الذي يحضر بدلالة شجر النخيل، وهو مما يتميز فيه طبيعة العراق يقول: 

في مُوْطنِ الأهْلِ يوْم العيدِ يُسعدُنا         مثلُ النَخيلِ زَهتْ فيه العَناقيدُ

كما يتبدى العيد من خلال العلاقات الاجتماعية الحميمية التي تسود بين أبناء الوطن الواحد الذين يجمع العيد فيما بينهم، ويزيد روابط الألفة ويُعمّق فيما بين الأقارب أواصر القربى ووشائج الدم وهو ما يعبر عنه الشاعر بوصف مشهد الاحتفاء بالزوار، إذ تحضر الموائد وتعلو أصوات الأغاني المرحبة بالقادمين:

الأهْلُ للجارِ والزوّارِ مَائدة             والدارُ لحْنٌ به تعلو الأغاريدُ

عنْد العِناقِ بهمْ دفْءُ الشتا سَكنٌ       وفي شذى القُبلِ القنْديدُ والعودُ

ليبدو في مقابل هذه الصورة المستحضرة مما علق في ذاكرة الشاعر من مشاهد العيد التي كانت سابقاً إلى تصوير مشهد العيد في زمن كورونا، ومع هذا الانقلاب في المشهد والانقلاب الزمني من الماضي إلى الحاضر ثمة تحول على المستوى اللغوي إذ نجد الأسلوب ينتقل من الخبر إلى الإنشاء،ومن التقرير إلى الاستفهام المحمول دلالياً إلى معنى الإنكار، وهذا الانتقال يتساوق مع الحالة المشهدية، والموقف النفسي المستدعي لها يقول: 

اليومُ عيدٌ ولكنْ كيْف يُبهجُني         والخلُّ عنّي نأى والدارُ مَنْكودُ

كمْ سَائلين هِلالَ العيدِ منْ بَطرٍ       هلْ حَانَ فيكَ منَ التقليدِ تَجْديدُ

ويبدأ المشهد الواصف بعد ذلك الاستفهام ؛ ليؤكد وقائع العيد ومجرياته في ظل كورونا، وما أحدثته من تغيير في سلوكيات وشعائر، وما غيرت من أنماط وعادات اجتماعية، إذ يشير إلى خلو العيد من مظاهر التحايا والمعانقة بين الناس:

العيدُ آتٍ وعند الناسِ جَائحة          فيها الوباءُ بحبلِ الموتِ مَعْقودُ

العيدُ يأتي فلا خلٌّ يُعانقهم             ولا ذراعٌ منَ الأحْبابِ ممْدودُ

وتغيب صلاة العيد، وهي من الشعائر الأكثر تعبيراً عن عمق الأسى الذي فرضته هذه الجائحة حتى تحولت أحد أركان الإسلام الصيام إلى مجرد عادة من العادات السلوكية، إذ خلت المساجد من المصلين، وأصبحت كالأطلال الخالية من البشر:

ولا صَلاةٌ بفجْرِ العيدِ تجْمعُهم            ولا صَديقٌ ببابِ الدارِ مَنْشودُ

ولا صيام كما صَامَ التقا تبعوا         كانّما الصوْم تقليدٌ وتعْويدُ

دوْرُ العبادةِ كالأطلالِ مُوحشة      خوفاً من الداءِ عنْها العبدُ مرْدودُ

راموا الخروْجَ ضجوْراً منْ بيوتِهمُ       كمَا يلوْذُ بغَـارِ اللّيثِ مَطرودُ

ليشير إلى أن العيد قد تحول بمعناه حتى على المستوى النفسي الداخلي من حالة شعور بالفرح والسعادة والأمن إلى حالة من القلق والشعور بالخوف، وهو ما يعكس قسوة العيد وحالة الضيق التي جاء فيها:

من كانَ ينْعمُ في أعيادِه أمِناً            فاليوم يُدركُه رعبٌ وتهْديدُ

هزّ النفوسَ وباءٌ بُرْءَه أجلٌ             به تَهاوتْ منَ الدنيا العواميدُ

وفي المتوالية الأخيرة يبين الشاعر أن هذا الابتلاء جاء نتيجة اختلال القيم وتغير المبادىء ؛ فالجائحة إنما هي جرس إنذار للبشر، ونذير تحذير لهم ، وقد تعددت أسباب  ذلك، إذ عمَّت مظاهر الشر، وانتشرت المظالم، وكثرت المفاسد:

جاءَ ابتلاءً يُفيق الخَلقَ إن فقهوا       منَ الظلالةِ حيْن الظّلمُ مَعهودُ

سادَ الفَسادُ وطالَ الجوُرُ مُقتدراً         والحقُّ عنْد نفاقِ الناسِ موْءودُ

ومن أحزن ما وصلت إليه مظاهر الفساد والظلم الاجتماعيين تتمثل في تغييب أصحاب الكفاءات، وسيادة الجهلاء والفاسدين:

قد سيّدوا جُهلاءَ القومِ مجْلسهمْ     وصاحبُ العلمِ مغْبونٌ ومزْهودُ

مثلُ النجومِ نِفاقاً حينَ تسْمعهمْ    بيْضُ السطوْحِ وفي أعْماقهمْ سُودُ

وهذه الحالة تتواقع مع قول المتنبي الذي رأى سيادة العبيد، وتسلّطهم على السادة:

 صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها                فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ

نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها               فَقَد بَشِمنَ وَما تَفنى العَناقيدُ

وينتقل الـ: د. نوري الوائلي في المقطع الأخير إلى تقرير واقع وتصوير ما فيه من مظاهر قاتمة تجمع بين المظهر النفسي والمادي للناس:

قَستْ قلوْبهمُ رغْم الهُدى علم         حتّى كأنّ فؤادَ المرْءِ جلمودُ

لم يضرعوا وسقامُ الموت آخذهم       والناسُ بالداءِ معلولٌ وملحودُ

عاشوا الحياةَ غُزاةً في توافهِها        وفي العطاءِ لهم أيْدٍ كما البيدُ

الخُلقُ والحلمُ عنْد البعْضِ منْقصةٌ   والغدْرُ والمكْرُ والتزويْرُ محْمودُ

مثلُ العروْسِ زَهتْ هذيِ الحياةُ لهمْ   والطبلُ فيْها هُمُ واللّحنُ والعودُ

كم يبلغ العيدَ قومٌ لا حَصَادَ لهمْ    فالخيرُ فيه إلى الأبْرارِ مَحْصودُ

ويُنهي الشاعر الوائلي  بمجموعة من الحكم التي نمَّتْ على تجربة  استمدَّت تعابيرها من الواقع، وجاءت انعكاساً لحقيقة، وحالة راهنة .

وهذا ما أكده الشاعر:  خالد الحسن الذي رأى في تشابه الحالة، وتماثل الموقف سبباً لتشابه القصائد  وتماثلها بالقول: "  نحن أمام جرح متكرر في الضمير العربي، لذا قد تتشابه الأبيات والحكم بل،  وحتى الأحداث" 2 .

وإذا كانت قصيدة الوائلي قد اقتفت قصيدة المتنبي من حيث البحر وحرف الروي والموضوعة الرئيسة، إلا أنه لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ قصيدة الوائلي قد حملت خصوصيتها، وبصمتها الذاتية، ذلك أن قصيدة المتنبي جاءت ردة فعل على موقف لحظي، وهي نتيجة خيبة أمل، وانتظار لمأمول لم يتحقق ؛ فدافع المتنبي ذاتي ينبع من نزعة فردية تنمُّ على مطمح معلن، ووعد لم يوفَّ:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً            أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

إِنّي نَزَلتُ بِكَذّابينَ ضَيفُهُمُ           عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ

كما أبرزت في  قصيدة المتنبي النزعة الذاتية التي عبَّر عنها  تكرار ضمائر الذات  باستخدام الشاعر ضمير المتكلّم:  فمن تكرار الياء:

لَم يَترُكِ الدَهرُ مِن قَلبي وَلا كَبِدي           شَيءً تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جيدُ

يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما              أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ

ومن ورود الضميرين: أنا والياء:

 أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني             هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريدُ

ومن تكرار تاء الفاعل:  قوله:

إِذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَونِ صافِيَةً            وَجَدتُها وَحَبيبُ النَفسِ مَفقودُ

وقد انتهت قصيد المتنبي بالخروج إلى هجاء كافور صراحةً لا تلميحاً بقوله:

مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً              أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ

أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً                   أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ

أَولى اللِئامِ كُوَيفيرٌ بِمَعذِرَةٍ                   في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ

وَذاكَ أَنَّ الفُحولَ البيضَ عاجِزَةٌ           عَنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ

بينما تأسَّستْ قصيدة الشاعر د. نوري الوائلي على بعدٍ جمعي، ونظرة شمولية تجاوزت حدود الذاتية، وحدود المنفعة الشخصية، واختتمت بلبوس الحكمة والموعظة، وضرورة الاعتبار، وهي بهذا الترفّع اكتسبت سموَّ الغاية، ونُبل المقصد .

 

د. وليد العرفي

........................

1  ــ أدباء عراقيون يحاكون قول المتنبي: " عيد بأية حال عدت يا عيد "، عبد الجبار العتابي، صحيفة إيلاف الالكترونية، 29 يوليو، 2014 م .

2  ــ المصدر نفسه

  للاطلاع

العيدُ في زمن كورونا /  نوري الوائلي

 

الطيب النقرأضحى علم البلاغة من العلوم التى يلتقطها الطلاب فى يسر، ويتداولونها دون تعقيد، بعد أن أرسى دعائمها جهابذة من أقطاب اللغة والأدب على مر العصور، ذلك النفر الذي غاص في أعماق هذا العلم، ودقق في محيطه اللجب، واستجلى أخباره من خطفات الأحاديث، ونتاف الكتب، التي تحتوي على الفكر المشرق، والبيان الجميل،  فالبلاغة دوحة سقاها النبل الخالص، وغذاها الكرم المحض، وتعهدتها اليد الأمينة، ورعاها الكتاب الحق الذي فصل من لدن حكيم خبير، فلقد ألهم الأدباء، واستهوى الشعراء، وتكالب على مرعاه الخصب، وبستانه النضر، وفود الفقهاء، ونجد أن البلاغة التي نطق بها أناساً لم تثبت لهم قدماً فى أرض، ولم تطمئن لهم نفس في بقعة، أتخذت مفهومين لا ثالث لهما هما المفهوم الأدبى للبلاغة كما فى العصور المنصرمة، والمفهوم العلمي الذي تبلور نتيجة لتعاقب الحقب فى عصرنا الحالى.

المفهوم الأدبى للبلاغة:

مالا يند عن ذهن، أو يغيب عن خاطر، أن البلاغة كانت في بداية نشئتها عبارة عن صفة تلازم الأديب أو البليغ، الذي كانت له جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، لأن الكلام الذي يتفوه به تنزه عن شوائب اللبس، وخلص من أكدار الشُبهات، وبرئ من وصمة التعقيد، فالبلاغة لم تكن تدل على معنى اصطلاحى كما هو شائع الان، وذلك لأن العرب الأقحاح أساطين الفصاحة قد طبعوا على جزالة الألفاظ، وفخامة الأساليب، ولم يتلقوا هذه الأفانين من النثر المشرق الإسلوب، والشعر المحكم الأداء، والزجل الجيد الحبك، والخطب الناصعة البيان، من أساتذة يظهرون مكنونها،أو يفصحون لهم عن مضمونها، وإنما أدركوه بفطرتهم التي ليس فيها كدر ولا عيب، ولا إفك ولا ريب، وبسليقتهم التي لم تطبع على ضعف، أو تعكس على كلال، أو تدل على ركاكة، ولعل الدلائل التي تؤكد صحة هذا الزعم تفوق الاحصاء، ولقد نقلت إلينا مدونات الأدباء تلك الجواهر النفيسة التي لا تخلق ديباجتها، ولا يخبو بريقها العديد من هذه الصور والعوالم، التي لا تضاهى فى حسن رونقها، وشدة طلاوتها، ومن ذلك "ما يروى عن طرفة بن العبد أنه استمع وهو في معية الصبا، ولم يبلغ بعد مبالغ الرجال، إلى المسيب بن علس ينشد احدى قصائده وقد ألمّ فيها بوصف بعيره على هذا النحو:

وقد أتناسى الهم عند ادكاره *** بناج عليه الصيعيرية مكدم

فقال طرفة: استنوق الجمل. وذلك لأن الصيعرية سمة خاصة بالنوق لا بالجمل وتكون عادة في أعناق النوق" وعندما جاء الإسلام ومعه معجزته الخالدة القرآن الكريم، ذلك الكتاب المحكم النسج، الدقيق السبك، الجزل العبارة، المتناسق الأجزاء، الذى يأخذه بعضه برقاب بعض، ووقف حيال فصاحتة وأية براعتة، من خلعت عليهم الفصاحة زُخْرفها، مبهورين مبهوتين لا يلوون على فعل شئ رغم أن حروفه وألفاظه نظمت من تلك اللغة التي استقامت لهم، وجرت على ألسنتهم، ولكن في تراكيب لم يألوفوها، وأساليب لم يعهدوها، الأمر الذي جعل الوليد بن المغيرة صاحب الذوق المصقول، والذي لا يباري في مجافاة الحق الذي قُدِم له بصادع البرهان، ذلك الشيخ الذي كان يخاصم الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، ويغالي في خصومته، و يعمل على تأريث تلك الخصومة بين بهاليل قريش وسادتها، يقر في عجز وصغار ببلاغة هذا الكتاب الذي أنعش الذاوى من قيم، وجدد البالي من عدم، وأحيا موات الأنفس التي تضطرب في الحياة، فقال بعد أن أفحمته آيات من سورة "فصلت" وأعيته قوة سبكها وحسن نظمها وسلاسة معانيها لصناديد قريش:"والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، أن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يعلي عليه".

لقد كانت البلاغة فيٍ القرون الغابرة، والعهود المندثرة، لا تخرج عن كونها مجرد مهارات للإبانة والإفصاح عما يجيش فى نفس المتكلم من معان، بحيث يتم توصيلها إلي نفس السامع على نحو محكم محسن، يبرهن على ذكاء المتكلم، وإدراكه لمتطلبات الموقف، بالإضافة إلي مؤثرات شخصية أخرى، تتعلق بشمائل المتكلم وسنه وسمته، وجماله وطول صمته". ونحن إذا استفرغنا الوسع فى معرفة كنه البلاغة لأدركنا الصلة الوثيقة التي تجمع بين مفهوم البلاغة، ومفهوم التوصيل، فلقد قرر بعض القدماء فيما رواه ابن رشيق في كتابه العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده:"قيل لبعضهم:ما البلاغة؟ فقال:إبلاغ المتكلم حاجته، بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة"إذن البلاغة هي "تحبير اللفظ وإتقانه، ليبلغ المعنى قلب السامع أو القارئ بلا حجاز، كما أنها إهداء المعنى إلي القلب في أحسن صورة من اللفظ" ونجد أن عبدالله بن المقفع أجرى الكُتاب قريحة، وأغزرهم مادّة، وأطولهم باعا،ً والذي يرجع إليه الفضل في إقرار الحقائق اللغوية والأدبية، زعم أن البلاغة:"اسم جامع لمعان تجرى في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها يكون فى الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، وخطباً ومنها ما يكون رسائل" و البلاغة في السكوت التي أشار إليها بن المقفع الكاتب المترسل في فنون الإنشاء ليست هي البعد عن المناقشات الفجة، والأصوات الناشزة، بل في الصمت الذي يعد أحياناً أبلغ من الكلام كما قال الشاعر رياض الحفناوى:

ولربما سكت البليغ لحاجة*** وسكوته ضرب من الإفصاح

فالبلاغة في أوضح صورها، وأدق معانيها، كما ذكر أبوهلال العسكرى الذي يعد من أوائل البلاغيين الذين تناولوا هذا اللفظ تحديداً لمفهومه، وتعريفاً لمعناه، أنها تعنى: "بلوغ الغاية، والإنتهاء إليها، فمبلغ الشئ:منتهاه، ثم ذكر أنها سميت كذلك لأنها: تُنْهِى المعنى إلي قلب السامع أو عقله، ولو أتى هذا المعنى عن طريق الصمت المطبق، وعدم تحريك اللسان بالكلام، "فالبلاغة كلّ ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن" وعرفها الآمدى صاحب الموازنة أنها:إصابة المعنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة، سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية...فإذا اتفق مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن فذاك زائد فى بهاء الكلام، وان لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه".

المفهوم العلمى للبلاغة:

إن البلاغة علماُ قديماً ضارب بأطنابه في عمق التاريخ، منذ أن تهيأ النابغة الذبيانى للفصل بين الشعراء، بعد أن يصغى لأشعارهم في خيمته التى نسجت حبالها من الآدم الأحمر، ثم يفصح عن رأيه في كل بيت نظمه جهبذ، وفي كل قصيدة دبجها قطريف، فالبلاغة كانت شائعة في المدن والأسواق، وفي القرى والطرقات، وظلت على تلك الهيئة إلي أن جاء العهد العباسى الذي كانت ممتزجة فيه بمسائل علم النحو واللغة والنقد فهيأ الله لها رجل لا تعزب عنه مادة فى اللغة، ولا معضلة في الأدب، ولا مبهمة في النحو، فأماط عنها اللثام، وجردها عن عزلتها، وإن كانت تدب بين الأنام حين سطر أبوعبيدة معمر بن المثنى كتابه الذى يعده البلاغيون قاطبة أول كتاب في البلاغة أسماه"مجاز القران" الذى ألفه عقب سؤاله عن سر بلاغى يتعلق بإحدى آيات القرآن الكريم وهى قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} الصافات: ٦٥ في تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤس الشياطين التي لم يتسنى للبشر رؤيتها إلا في يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وبرر بن المثنى السر في ذلك، أن الله عزوجل أجرى كلامه الأزلي المقدس على غرار العرب في كلامهم، فامرئ القيس يقول:

أيقتلنى والمشرفى مضاجعى*** ومسنونة رزق كأنياب أغوال

والعرب لم ترى الغول قط إلاّ في مخيلتهم وأساطيرهم"

وكتاب ابن المثنى الذي انتظمت ألفاظه، واتسقت عباراته"مجاز القرآن" لم يكن يرمي من كلمة مجاز الوصف البلاغي الذي تعارف عليه علماء البلاغة فيما بعد، وإنما كان ينشد "طريق الوصول إلي فهم المعانى القرآنية، يستوى عنده أن يكون طريق تفسير الكلمات اللغوية التي تحتاج إلي تفسير بالجملة الشارحة، أو بالمرادف المفسر من المفردات، وما كان عن طريق الحقيقة بمعناها، أو طريق المجاز بمعناه عند البلاغيين" ثم تقاطرت مؤلفات العلماء كوكف المطر، تحمل في ثنياياها أسرار البلاغة وقد دمجت خيوطها الموشية مع اللغة والأدب كما في "الكتاب" لسيبويه المتوفى عام 180هـ، وكذلك كتاب "البيان والتبيين" للأديب الذى كان يحرص على الأدب حرص الشحيح على المال، واللغوى المتصرف بأعنة الكلام، والمتفنن في ضروب الخطاب الجاحظ المتوفى عام 255هـ، ثم أعقبه فطحل من صاغة الكلام، وعلماً من الأعلام مازال كتابه "الكامل فى اللغة والأدب" تتهافت لإقتنائه الأنفس، وتشرئب لمطالعته العيون، محمد بن يزيد المبرد المتوفى عام 285هـ صاحب السمع الواعي، واللسان البليغ، وكتاب "البديع" الذى سطره يراع بن المعتز يعد باكورة التأليف المقنن في البلاغة حيث تحدث فيه مؤلفه باسهاب عن سبعة عشر فناً من فنون البلاغة.

ولعل الحقيقة لتى لا يماري فيها أحد أن القرن الرابع كان من أزهى عصور البلاغة، فقد راجت فيه أنماطها، بعد أن أجلى عنها الواغش رجال ذو عقلية فذة، وعزيمة شماء، تعهدوا ألفاظها، و تدبروا معانيها، الأمر الذى أكسب مؤلفاتهم التي اتسعت آفاقها، وتعددت معانيها، مذاق يلذ العقل، ويغذى الوجدان، على نحو ما نقف عليه في "عيار الشعر"لابن طباطبا المتوفى عام322هـ، و"نقد الشعر" لقدامة بن جعفر المتوفى عام337هـ، والموازنة بين أبي تمام والبحترى للآمدى المتوفى عام 371 والذي وازن فيه بين شاعرين قرظوا الآذان، وشنفوا الأسماع، بعقود بعيدة الغاية، رفيعة الطبقة، وكذلك كتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه، لعلى بن عبدالعزيز الجرجانى، المتوفى عام 392هـ، ثم كتاب الصناعتين لأبى هلال العسكرى، المتوفى عام 395هـ، والذي فصل في سفره بين موضوعات النقد ومباحث البلاغة،

بلغت البلاغة أوج عظمتها، وحققت أسمى غاياتها، على يد العالم الثبت، واللغوى النحرير صاحب"أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" الذى زلل العقبات التي تكتنف هذا العلم، وأنار ليله المدلهم ببوارق من ضياء قلمه، وأرسى قواعده بعلمه الغزير، الذى تجلى فى تحليله للشواهد والأمثلة التي تجعلنا نقف على ينبوع يضخ الجمال، ويورد الفتنة، يقول الشيخ المراغى عن فضل "عبدالقاهر الجرجاني" على البلاغة:"الذي جمع متفرقات هذا العلم، وأقام بناءها على أسس متينة، وأملى فيه كتابيه "أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز" وأحكم بناءها بضرب الأمثلة والشواهد، مع التحقيق العلمي البديع الذي حاكه بلسان عربى مبين، وقرن فيهما بين وضع القواعد الفنية، وصوغها بالأساليب الأدبية، فجمع بين العلم والعمل، إذ هو جد عليم بأن مسائل الفنون إن لم تؤيد بالأمثلة والشواهد لا تتضح حق الوضوح، ولا تتمثل فى الأذهان تمام التمثيل"

ثم بدأ هذا الوهج يخبو، ويتداعى البنيان الوثيق الأركان، الذى شيده الجرجانى بذهنه المتقد، ونظره الثاقب، وساعده المفتول، على"يد علماء غير أدباء ركزوا همهم في جمع قواعدها، وتحديد مصطلحاتها، على حساب النص العربى، والذوق الأدبي، وقد بدأت هذه المرحلة"بنهاية الإيجاز فى دراية الاعجاز للرازى المتوفى عام606هـ، وبلغت غايتها فى"مفتاح العلوم"لأبى يعقوب السكاكى المتوفى عام 626هـ ، والذي جرى الدرس البلاغى في فلكه فترة من الزمن غير قصيرة"، ثم خلف من بعدهم خلف، أضاعوا الأصالة، وذبل فى عهدهم محيا البلاغة، بعد أن كان يتلألأ كفلقة البدر على صفحة الماء، والسر لا يكمن فقط في القرائح التي جهدت، أو العقول التى تراجعت، بل لأن مدونات ذلك النفر قطع جامدة، لا صخب فيها ولا حياة، لقد كانت البلاغة في عصر الجرجانى وأصحابه الغر الميامين، دوحة باسقة الأفرع، ريا الأماليد، وأمست في عهدهم مسخ لا يورق لها غصن، ولا يخضر لها مرعى، ومما زاد الأمر ضغثاً على إبالة، أن أدباء تلك المرحلة اتسموا بالغثاثة والهزال، فأضحت البلاغة على عهدهم أحكاماً يجترونها في رتابة كما تجتر الدابة طعامها في كلال، أو معارف تعاكفوا على صياغتها وحفظها" فقد ابتدأ"الفخر الرازى" بتلخيص كتب الجرجانى تلخيصاً أخذ يبتعد بالبلاغة عن النصوص، ويقترب بها من الحدود والقوانين والأحكام والقواعد، ثم استكملت تقعيدها على يد"السكاكى" فى كتابه مفتاح العلوم" ونجد أن ديدن العلماء الذين جاءوا من بعد السكاكى هو شرح العبارات الصعبة، ووضع المختصرات حوله، لا ومضة من فكر تجول فى ذهن كاتب ، ولا صورة تتمثل فى مخيلة شاعر، بل هو الابتذال، ووضع الحواشى على المتون، والشئ الذى لا يغفل عنه الخاطر، أن قبيلة الشراح كانوا من أطياف شتى، فمنهم الفقيه والمتكلم والنحوي، وقد ظهر جماع ذلك فى ما سالت به أقلامهم، وجرت عليه تعليقاتهم على كتاب السكاكى"مفتاح العلوم" الذى ظل محور للتأليف البلاغي حقبة من الزمان، ونجد أن التلخيصات والشروح لهذه التلخيصات أدت في نهاية المطاف إلي أن ينزوى مفهوم علم البلاغة حتى عصرنا الحالى في ثلاثة أقسام هي علم المعانى، وعلم البيان، وعلم البديع، والقطوف التي نجنيها من خلال هذه الجولة السريعة بين حواشى البلاغة ومراتعها، أن البلاغة مرت بعدة مراحل الأولى هى مرحلة الذوق والفطرة، ثم مرحلة الصقل الأدبى والنضج البلاغى، ثم مرحلة الاضمحلال وانزواء الأدب، الذى غاب خلف أكداس الشرح، وقراطيس الحواشى.

 

الطيب النقر