نجيب طلالخارج المشهد: من الظاهرة العَجيبة؛ التي طفت وبقوة على المشهد الفني والثقافي عَبر ربوع العالم العربي؛ ولربما لم ينتبه إليها العَديد من المهتمين بالشأن الإبداعي؛ لأسباب موضوعية أكثر من الذاتية؛ ولكن هنالك نصيب لديهم من ظهور ظاهرة الإشهار والنقد الذي يتحدد في التعليقات والردود وبعْض التحْليلات التي تتضمنها وسائل التواصل الإجتماعي من/ فايس بوك/ تويتر/ أنتسغرام /.../ هنا نشير بالقول الصريح: لا يمكن لأحد كيفما كان نوعه أن يُصادر حَق الرأي والتعبير؛ أو يحجم أو يمنع شغب تفكير رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ فحتى السلطات العربية لاحق لها لسبب وحيد؛ أنها لم تنتج تلك الوسائط؛ ولم تكن ضمن بنود المنع. بحيث لمْ ولن تستطيع إيقافها أو حَتى التشويش عليها.

ففي هذا السياق وبناء على  إنتاج  كل دولة عربية بعْضا من المسلسلات الدرامية لشهر رمضان؛ وهاته عادة دأبت عليه الدراما العربية؛ يوم تقوت التلفزة وتشعَّبت قنواتها؛ ولكن الإشكالية الكبرى أن أغلب القنوات أمست تتسابق نحو نسب المشاهدة؛ التي يتحكم فيه “ميتري” والذي  يقدم إحصائيات دقيقة لنسب المشاهدين للقنوات والمحطات. من أجل نيل حصص الأسد من الاعتمادات ومن استجلاب الشركات والمؤسسات للإستشهارمنتوجاتهم. ولربما بعض القنوات توظف منصات التواصل بطرق مختلفة؛ كتمويل شباب أو إغرائهم من لدن وسطاء مجهولين لشركات الإنتاج أو من لدن مخرجي تلك المسلسلات الدرامية؟ لأنني أتساءل بجدية  من أين تولد هذا النشاط  والحيوية لجل الشباب العَربي؛ لمتابعة والحكم والتعليق على أعمال الدرامية من خلال حلقة واحدة أو حتى ثلاث؟ هل سببه الحجر الصحي الذي يعيشه العالم قاطبة سيكون سببا أساس؟                                                           في تقديري هذا مبرر ضعيف؛ لأن الوضعية النفسية التي يعيشها المواطن العربي أمام الحجر تجعله شبه متوترا في بعض الحالات واللحظات؛ وخائفا من مصير مجهول أمام انتشار أو اندثار الفيروس. هذا لا يعني أنه لن يشاهد ويتفاعل ويستمتع بما هو معروض على الشاشة .

هَل نسب المشاهدة سببها شهر الصيام؟ كذلك مبرر جد ضعيف؛ لأن الدراما منذ عقود كانت ترتبط إنتاجيتها بشهر رمضان؛ والمشاهدة من الطبيعي أن تكون قوية بحكم مائدة الإفطار؛ ولم  تكن وسائل التواصل ألاجتماعي مفعلة بالشكل الذي هو عليه هاته السنة ، ولكن لنتأمل ماقاله أحد الفنانين المشاركين في مسلسل(البرنس) [...يريد أن يصبح في الدراما أيضا نمبر وان (أي رقم واحد) ولعل هذا هو سبب تعاونه مع المخرج محمد سامي...خصوصا وأن رمضان قدم عملين دراميين بعده لم يحصلا على ردود فعل ضخمة".هذا هو التحدي بالنسبة لرمضان، أن يكون رقم واحد، وهو تحد صعب في رأيي، لأن المنافسات قوية وهناك نجوم جذب في نفس الدائرة] (1) فهذا التصريح له ماله في تحريك منصات التواصل .

ولقد  نشط رواد وشباب وسائل التواصل الإجتماعي؛ وتطورت وتنوعت التعليقات والردود والتغريدات  بين المبررة والساخرة والجادة والمستهترة والسخيفة واللامسؤولة؛ فطبيعي هذا التنوع له علاقة وطيدة بالسلوك وبالتفكير الموازي لسن المُدوِّن/ المبْحر؛ بحَيث تعليق شاب ذي ربيع عشريني؛ ليس هو تعليق من تجاوز سِن الثلاثينات أو الأربعينات؛ ولكن المحصلة  هناك نشطاء ومبحرون ومدونون يتفاعلون في الإبان مع معطيات (الحلقة) التي شاهَدوها؛ مستغلين كل الوسائل المتاحة لهم كالفيديو والكاريكاتور ووسائل التواصل الاجتماعي . وهذا الفعل وتلك الدينامية تحتاج لدراسات  وأبحاث جد معمقة ورصينة – علميا / منهجيا / إجرائيا  /  إطارها: كيف يفكر ويتفاعل الجيل العنكبوتي أمام الدراما العربية؟. وبالتالي هاهنا لامناص من طرح تساؤلات أو يمكن أن نعتبرها عتبات للنقاش  والدراسة:

تساؤلات ومَشاهد:

مبدئيا هاهنا؛ لست مع هذا المسلسل أو ضد غيره؛ بقدر ما أقوم بشبه استقراء ضمني؛ وبصوت عالي. وبتتابع؛ بحكم أهمية موضوع القضية المقرونة بمشاهد كيف التقطتها؟ وكيف قرأتها؟ ولاسيما أن الانتقادات والردود سائرة المفعول في كل موسم رمضاني؛ الذي تنجز فيه إنجازات درامية؛ إلا أن هاته السنة تحركت الانتقادات بقوة؛ وبضربات ضارية عبر تلك المنصات التفاعلية وبالتالي: سألت وتساءلتُ:هَل الدراما العربية بحكم تعدد القنوات والشركات الإنتاجية؛ وتطور التقنيات والتفنن في صانعة الحيل الفنية والجمالية أمست تعيش إشراقات أو إحباطات أو انحطاطا؟ لأنني لاحظت عدة نقاط مطروحة هنا وهناك وتحتاج لنقاش جاد ومسؤول:

أولا: وجود جملة من الأخطاء الفنية والإخراجية؛ والخلط الفادح بين السخافة والفكاهة والكوميديا رغم أن السياق الدرامي؟ وكذلك ظهور عدة مغالطات، سياسية ودينية وتاريخية في أغلب المسلسلات العربية؟

ثانيا: ملامسة أن هنالك صراعا مريرا؛ يصل إلى حد الحسد أو ما شابه ذلك بين مخرجي وأطقم مسلسلات هاته السنة؛ ويتبين ذلك من خلال الردود والهجوم على طرف واللاهجوم والسكوت والتغاضي على مسلسل آخر ! وكذا من سباق الدعاية للمسلسلات التي اشتعلت بين  القنوات والفضائيات واليوتيوب والفايس بوك. وإطلاق صفحات بأسماء الأعمال على مواقع (السوشيال ميديا) استغلالا لجاذبيتها وجماهيريتها. وما هو ملموس أكثر؛ التهافت نحو الماديات نتيجة انوجاد شركات إنتاج متعددة؛ بدل الإهتمام بروح الإبداع وبجودة العمل الفني. !

ثالثا: يلاحظ تشابه في مجريات بعض الأحداث كالتحرش الجنسي/ القتل/ الصدف/  وكذا تشابه في توظيف الأمكنة؛ المستشفى/ السجن/ الشركات/ الشرطة/ التحقيقات/

رابعا: كما أشرت سلفا الانخراط القوي لنشطاء التواصل الإجتماعي؛ في كل الأقطار العربية .و الذين تصدروا المشهد  بدون منازع؛ عبر ملاحظتهم وتعليقاتهم اليومية تجاه أغلب المسلسلات؛ وانطلاقا من هاته النقطة نتساءل مرة أخرى:

المشهد الأول:

1 // هل تلك الردود والتعليقات تعتبر (نقدا) بديلا؛ عن المقاربات النقدية العالمة والمنهجية؟ مادام أغلب أهلها استكانوا للصمت؛ وبعْضهم يكتب تحْت الطلب؛ وبعض البعض بالتعْويضات المالية (؟) ذلك شأنه؛ وإن كان هو ذا الواقع  والملاحظ في المشهد النقدي (العربي) تجاه (الدراما) وغيرها . فهناك شباب من الجنسين ومن مختلف الأعمار أغلبه هاجم وعبَّر بتلقائية ساخرة ومستهزئة ومضحكة على  أخطاء فادحة في الإخراج  وكذا على سيناريو المسلسل المغربي “سلمات أبو البنات” لكاتبه ومخرجه هشام الجباري؛ وذلك [....بسبب مجموعة من الأخطاء، التي تضمنتها كثير من المشاهد، والتي لم يتم الانتباه إليها. ووجه رواد مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من التعليقات، التي تحمل في طياتها رسائل السخرية من مشاهد كان من الضروري الانتباه إليها، باعتبارها أخطاء لا يمكن التغاضي عنها،...](2) والمدهش أن هذا المسلسل؛ من كثرة ما له من مشاهدين حسب ما يروج؛ بقدرما له من كثرة التعليقات والردود؛ بحكم أخطاءه الفادحة؛ واللامهنية؛ إضافة لسيناريو متهلهل ومتهالك دراميا [...وأول ما لاحظته، من جملة ما يمكن أن يلاحظ هو أن كاتب السيناريو عادة ما يلجأ إلى الصدفة، من أجل إيجاد حلول سهلة وبليدة لبعض المطبات التي تعتريه في الكتابة......اما الصدفة الكبرى، أو أم الصدف بتعبير أدق، فهي التي جعلت من الشاب الظريف عمر بقدرة قادر مفتشا للشرطة ومحققا في قضية ثريا وهي صدفة ضربت بها الدراما المغربية ثلاثة عصافير بحجر واحد ..العصفور الاول هو عصفور الدراما الهندية التي لا يعجزها شيء.. والعصفور الثاني هو عصفور الدراما التركية وما فيها من عواطف جياشة.. اما العصفور الثالث فهو عصفور الدراما المغربية المتسمة بالتسرع والارتجالية، المفتقدة للتوازن والاقناع والرؤية الاخراجية والمعالجة الشاملة...] (3) في هذا الباب من يمكن أن نصدقه ونقتنع بتموقفه الفني والفكري أمام المسلسل ما سبق أو التالي[...ان سر تألق المسلسل ... يعود الى ملامسته الاشكالات المجتمعية الحقيقية التي تحاكي واقع الجمهور كما ان انتصار المسلسل للفرجة العائلية ساهم بدوره في هذا النجاح ] (4)

طيب إذ قبلنا هذا الطرح؛ فلماذا تدخل (الطب) ولأول مرة في تاريخ الدراما؛ ليعكس علمه ومهنيته على الإبداع؛ أليس الطب لصيق بالإشكالات المجتمعية في أمراضه: [...لذا قرّر طبيب مغربي تشريح مشاهد المسلسل الرئيسية من أجل رصد أبرز الأخطاء الطبية التي تضمنها. ..وسخر الطبيب العسكري السابق، والطبيب العام الحالي في مدينة سلا صلاح الدين الرفالية، من هذه المشاهد، قائلاً إن الطريقة الوحيدة لتكون أحداثها ممكنة هي أن يكون ما على ملابس البطلة صلصة كاتشب وليس دماً.....ويوضح الرفالية أن أسوأ خطوة يمكن أن يقدم عليها ضحية طعن هي نزع الآلة الحادة قبل الوصول إلى المستشفى، لما يعني ذلك من نزيف داخلي يفقد المريض دماءه بسرعة. ...](5) وعلى إثر هذا التحليل الطبي؛ ظهر تعليق لأحد الشباب يتهكم هكذا معنى (كيف تصبح بوليسي في 3 أيام  وكيف تصبحين ممرضة في ربع ساعة) وليس هذا المسلسل الذي وقع في أخطاء طبية ساذجة استفزت الجمهور وأثارت سخريته؛ فهناك مسلسل المصري (فرصة ثانية)[ هو مكياج الفنانة...  الذي بقي على وجهها وتحديداً الرموش والكحل، بعد خروجها من غرفة العمليات، بسبب تعرّضها لحادث كبير..](6)علما أن هذا المسلسل نال النصيب الأكبر من الانتقادات والسخرية؛ نتيجة ضعف ممثليه والأخطاء الطبية الفادحة التي كانت أفظع مما سبق ذكره؛ وخاصة لحظة سحب عينة دم من ريهام [..يضع زياد مادة مخدرة لريهام، لسحب عينة دم وفحصها مخبريًا للتأكد من وجود حمل،... نجح في سحب عينة الدم بسرعة لا يمتلكها الطبيب المخبري الذي يجتهد لإيجاد وريد، ثم أخذ العينة على حالها، دون خلطها بمادة الهيبارين لمنع التجلط، ودون وضعها في أنبوب اختبار مفرغ من الهواء، فقط سحب العينة ثم ركض بحثًا عن مختبر قريب...](7)  ويتقاسم مسلسل (حب عمري) و(البرنس) مع مسلسل (سلمات أبو البنات) و(فرصة ثانية) في الأخطاء الطبية الفظيعة؛ والتي كانت تحتاج لاستشارة الأطباء؛ وإشراكهم ضمن المسلسل بحيث نلاحظ في (البرنس)[..قام الأخوة بتدبير حادث قتل أخيهم، فيتم نقله على الفور إلى المستشفى، وفي مشهد درامي يستقبل محمد رمضان خبر وفاة زوجته وابنه وينهار من البكاء، في حين تم توصيل جسمه بجهاز رسم القلب. لكن الغريب أن الجهاز تم توصيله بذراع البطل وليس القلب، كما أشار الجهاز إلى توقف القلب تماما، وهذا يعني موته.... وفي المشهد نفسه أسفل جهاز رسم القلب كان يوجد جهاز (Cautery Machine) الذي يستخدم في الكي الجراحي، وبالطبع يكون ذلك داخل غرف العمليات وليس في غرف المرضى](8)

وعلى ضوء هاته الردود والتعليقات المثيرة للسخرية ! فالمسلسلات المغربية الأخرى ، هل هي  خالية من الأخطاء وتهلل القصة والأحداث وتفكك السيناريو والإخراج؟ إطلاقا: لأن  نشطاء التواصل ركزوا على أخطاء بعض المسلسلات ك( الغريبة/عيد ميلاد/ ياقوت وعنبر/ السر المدفون/.../ عبر الفيديوهات؛ لكن الملاحظ بعض (النقاد) لم يقتربوا من تلك المسلسلات(؟) والبعض مرعلى بعضها مرور الطيف وسرعة برق؛ ولمس أخطاء بسيطة جدا [أربك استخدام تقنية "فلاش باك" في (ياقوت وعنبر) كسماع كلمة " أكسيون" في مسلسل (الغريبة)؟ مقابل هذا اعتبرت تعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي أن الأخطاء التقنية؛ من هذا النوع دليل على الاستخفاف بالمشاهد المغرب(9) واستخلاصا للسؤال [... في الحقيقة هناك الكثير من المسلسلات المغربية التي تعرض هذه السنة .في قنواتنا بالإضافة إلى المولود الجديد قناة MBC5....وأن أغلب المسلسلات للأسف متواضعة جداً فنياً وتقنياً وفكرياً، طبعاً هناك استثناءات لكنها قليلة جداً.... لم أهاجم الأعمال الرمضانية بل انتقدتها بما يمليه علي حسّي الفني والفكري كمتلق وكناقد....وهذا كله من منطلق غيرتي على الفن المغربي وباعتباري مواطناً مغربياً ينتظر بشوق الموسم الرمضاني للاطلاع على آخر الأعمال الدرامية المغربية للاستمتاع بها، لكنه في الأخير يصطدم بمستواها المتواضع جداً...] (10)

هنا فالأمر لا يتعلق بقطر دونما آخر بل في كل قطر- عربي- كان جمهور المشاهدين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالمرصاد للأعمال المقدمة (الآن) بحيث ترصدوا للعديد من الأخطاء والهفوات التقنية والإخراجية. إلا أن المثير في عملية التعليقات والتغريدات عند البعض  تكون دائما مصحوبة بفيديوهات للقطات ومشاهد طافحة بالمبالغات والتناقضات . الأمر الذي أثار موجةً من السخرية بين المشاهدين/ النشطاء. ولم تسلم أغلبها من التعليقات المضحكة واللاذعة؛ وكشف الثغرات الإخراجية والتقنية:  كمسلسل = عيد ميلاد/ السر المدفون/ سلمات أبو البنات/ عنبر وياقوت/(مغربي) أنا وراجلي (جزائري) قلب الذيب (تونس) سوق الحرير(سوريا) أم هارون - جنة هلي- محمد علي ورد (الكويت) مخرج 7(سعودي) مباراة زوجية - حارس الجبل - رياح السموم (الأردن) أحلام السنين-بنج عام (العراق) عرس بيروت(لبنان/ تركيا) الاختيار- البرنس - فرصة ثانية - أولاد آدم- ليالينا 80- النهاية- الساحر- حب عمري- فلانتينو (مصر) هاته المسلسلات وغيرها تعرضت لعدة انتقادات وتغريدات بدورها مثيرة للجدل؛ نتيجة للأخطاء البشعة التي تضمنتها.  فعلى سبيل الإشارة المشهدية: في مسلسل (البرنس) [رُصد خطأ فادح، حيث يقوم رمضان بأداء دور صاحب ورشة سيارات، تأتي إليه سيارة “هيونداي آكسنت” للتصليح، ثم تخرج بعد التصليح سيارة من نوع “هيونداي إلنترا”] أما في (فلانتينو) للزعيم عادل إمام، حيث رُصد خطأ في شكل علم مصر المرفوع بجوار علم بريطانيا في المدرسة المملوكة للشخصية التي يؤديها إمام، فقد رُفع علم مصر بالمقلوب، فظهرت ألوانه مرتبة بشكلٍ عكسي] حتى أن الصحيفة نشرت تغريدة كتبها أحد المغردين اسمه (أحمد شوشة) يقول فيها [للأسف زعلت جد لما لقيت مشهد في أول حلقة في فلانتينو علم مصر متعلق في مدرسة بالمقلوب جنب علم بريطانيا] (11) وبناء على الأخطاء التي تم رصدها؛ من لدن نشطاء منصات التفاعل تدخل «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» المصري. الذي كشف أخيراً، عن أكثر المسلسلات والبرامج التلفزيونية تسجيلاً للأخطاء خلال الأسبوع الأوّل من شهر رمضان 2020.وذكر في تقريره أنّ عدد الملاحظات والمخالفات التي تم رصدها وصل إلى 287، بينما كانت أعلى المعايير المخالفة بسبب «السب والقذف والسخرية»(12) كيف يمكن تفسير هذا؟؟

يتبع.

 

نجيب طلال

........................

الإحالات:

1/ مسلسلات رمضان" من نجح في امتحان الحلقة الأولى؟  تصريح محمد رمضان لموقع "سكاي نيوز عربية بتاريخ 25/05/2020

2/ هجوم على “سلمات أبو البنات بقلم امينة كندي ” جريدة الصباح المغربية 11/05/ 2020

3/ الصدفة في "سلمات أبو البنات" وثلاثة عصافير بحجر واحد "ليوسف توفيق:كفى بريس في 15 /05/  2020 –

4/ محمد خيي يتكلم عن سرتوهج مسلسل سلمات بو البنات القسم الفني لهبة بريس بتاريخ:  2020-05-15

5/ أخطاء طبية خطيرة في المسلسل المغربي "سلمات أبو البنات"  العربي الجديد .الرباط في / 15 /05/ 2020

6/. أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 دبي - معتز الشافعي – سيدتي نت- في 01-05-2020

7/ أخطاء طبية فادحة: أخطاء مسلسلات رمضان تثير سخرية السوشيال ميديا:مدى بوست- فريق التحرير في 25/05/2020

8/ أخطاء طبية فادحة في مشاهد درامية – موقع (الجزيرة) بقلم: ماري هارون في 6/5/2020

9/ انظر لموقع – المغرب اليوم:(أخطاء الإخراج والحبكة تفسد متعة مشاهدة) بتاريخ 06/05/2020

10/ دراما رمضان في المغرب لم ترق بعد إلى مستوى الإبداع- دردشة مع فؤاد زويريق: أوريون.ما   - 12 /05/ 2020  المصدر سيدتي نت ”

11/ أخطاء طبية فادحة: أخطاء مسلسلات رمضان تثير سخرية السوشيال ميديا:مدى بوست- فريق التحرير في 25/05/2020

12/  مصر: اكثر المسلسلات والبرامج تسجيلا ل " الأخطاء" انظر صحيفة الأخبار بتاريخ 11/05/2020

 

 

نبيل عودةقصّة د. راوية بربارة "محاولة إقناع" فاجأتني بفكرتها أوّلا، وبقدرة السخرية أن تكون مستترة داخل السرد القصصيّ، بدون تكلّف، وبدون مبالغة، عبر سرد يبدو تقليديًّا للوهلة الأولى، وأظنّ أنّ الكثيرين من القراء لم ينتبهوا للسخرية التي تفجرّها الأديبة د. راوية بربارة، متجاوزة الصياغة القصصيّة التقليديّة، رغم أنّ القارئ العادي لن ينتبه لقوة السخرية المستترة بفكرة القصة. وبالمناسبة لا بدّ أن أضيف أنّ اكتشافي لمضمون السخرية في هذا النص القصصيّ قد يفاجئ معظم من قراء القصة.

قد يتفاجأ من قرأ هذا النصّ القصصي بأنّني أتحدّث عن مفارقة ساخرة. فهي تبدو للقارئ نصًّا قصصيًّا تقليديًّا يتحدّث عن مجموعة طلاب بطريقهم للمشاركة بحوار، أمر لا شيء غريب فيه، تكتب: "السيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول"

فأين السخرية اذن؟ طبعا هذا تمهيد للآتي. وتضيف: " ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا."

حتى هنا النصّ يمكن أن نسميه نصًّا متوقّعًا لا شيء يثير التفكير فيما هو غير متوقع.

وهنا تبدأ اللعبة اللغويّة، لعبة المفارقة لطرح واقع ربما اعتدناه، حضر الطلاب  لإجراء حوار يهوديّ عربي، يقترح الأستاذ أن يجري اختيار المتحدثين حسب ترتيب الحروف الأبجدية.

وتفجّر راوية بهدوء قنبلة أولى قد لا تثير التفات أحد "الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود".

ماذا يتوقّع القارئ من لقاء كهذا؟

أن يطرح كلّ طرف ما يخصّه سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا.

وهنا المفارقة الساخرة لكن لمن يقرأ النص بعقل وليس بعين مغمضة وعين مفتوحة.

تتحدّث اليهودية ياعل، يشغلها امر أساسي "تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ"

اليهودية يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد"

انتبهوا للسخرية هنا. أسلوب الطرح لا يقول شيئا، لكن الطرح لمواضيع تافهة هنا، يجب أن تجهّز القارئ لما هو آت.

طبعا تضيف راوية تفاصيل لا علاقة لها بالحوار الذي يتوقّعه القارئ للقصة من لقاء يهوديّ عربيّ. أي تجهّز القارئ ليعيش المفارقة الساخرة التي تنتظره.

وتؤكّد راوية الأمر الجوهريّ بالنسبة للعرب:" أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة"

ماذا سيكون حديث العرب؟

انتبهوا هنا للفجوة بين مجتمعين ونهجين وتفكيرين وواقعين.

هنا تبدأ اللوحة الساخرة بالظهور بكامل المفارقة بين اتجاهين.

العربي سمير يحاول، كما تكتب راوية على لسان المشاركين العرب: "إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب"! طبعا لا حذاء ياعل ولا عباءة يفيت.

اذن كل الكلمات التي سهر على إعدادها سمير كممثّل للمشاركين العرب كما تكتب راوية: "ارتبكتِ بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار". بالمقابل قدمي ياعل وجسد يفيت هما مقابل حقوق شعب يطالب بالسلام.

هل من سخرية أبشع من هذا الواقع بين اليهود والعرب؟؟

هل من سخرية أرقى من هذا النص القصصيّ عن واقع نعيشه؟ شعب قلق لقدميه وجسده وشعب قلق على مستقبل السلام والحرية.

يجيء دور سعاد لإنقاذ الكرامة من الغرق. وبصوتها الخجل امام لقاء من هذا النوع الذي يشغل أبناء عمومتنا اليهود بأحذيتهم وحماماتهم تطرح سعاد بصوت خجل "مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ للسلام المنتظَر"

هل هو سلام بين حذاء ياعل وحمام يفيت؟ دون أن يكون للمحتلة أرضهم والمميز ضدهم رأي بما يتعلّق بمستقبلهم؟

وهنا تطرح الكاتبة التساؤل الجوهري:" كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لا حاجة فيها للإقناع؟!"

وتصل الكاتبة للموقف المليء بالمفارقة الساخرة من هذا اللقاء بين عالمين ونهجين:" تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!"

هذا الواقع أضحك الطلاب "حين حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل".

وتنهي قصّتها بأنّ أستاذ فنّ الخطابة "ضجّ من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل

أفكارنا العربيّة". وأضافت الكاتبة بسخرية قوية:" ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين."

راوية قدّمت هنا بأسلوب يحمل جانبين من الفن، القصّ الجاد وبإطاره لمن يستطيع اختراق مضمون المفارقة الساخرة بين مجتمعين، عالمين متناقضين في وحدة مصير.

 

بقلم: نبيل عودة

...............................

نص قصة: "محاولة إقناع" / بقلم: د. راوية بربارة

العبق الشتويّ يحترف إثارة المشاعر في الطريق من الجليل إلى قمّة الكرمل، ونحن في سيّارة الأجرة تتململ الأوراق بين أيدينا، نقرأ ونراجع كلماتٍ سهرنا الليل في تنميقها باللغة العبريّة، لا نأبه للأشجار تستحمّ نافضةً تراب الصّيف، ولا يخطف أبصارنا إلا وميض ضبابٍ متلألئ منبعثٍ من نوافذ بناية الجامعة الشامخة على قمّة جبل الكرمل يستفزّنا أن نشمخ..

ألسيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول.

ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا.

أفسح الطلاب مكانا للأستاذ فجلس بيننا ليستمع لمحاولات الإقناع، اقترحَ أن نبدأ بالدور حسب أبجديّة حروف الأسماء، لكنّ الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود.

قامت يعِل وأخذت تستعرض موضوعها.. توزّع نظراتها على الجميع، تبتسم وتعبس وتستفهم بالكلمات وبالجمَلِ، تاركةً جسدها يتحرّك على طبيعته، وتاركةً إيّانا مستغربين من الموضوع المطروح، فهي تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ، تذكر مساوئ الأحذية الشّتويّة فتسدّ أنفها بإصبعها، تنتعل حذاء مفتوحا وتحرّكُ أصابع قدميها بحريّة، فتدبّ الحرارة فيهما ويدبّ البرد في أقدامنا المغلّفة وينفعل الحماس في أطراف عقولنا...

القادم. أنهتْ يعِل محاولتها النّاجحة، صفّقْنا لها ووعدَها الأستاذ أن ينتعلَ حذاء مفاجئا في الدرس

ثمّ قامت يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد، ينتعش ويترطّب بدفء الماء في الشّتاء وببرودته أيّام الحرّ، بدل أن نجفّفَه بمنشفةٍ قطنيّةٍ فنجهده أكثر بعد يومٍ شاقّ...واسترسَلَتْ وتمايلت وعرَضَتْ أنواعا وألوانا من العباءات التي تلبسُ الروح قبل الجسد.

صفّقْنا لها واقترح الأستاذ مازحا أنْ تفتتح يفيت شركةَ عباءاتٍ لأنّها ستنجح في تسويق قناعتها... أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة... قام سمير متأنّقا بلباسه، بمظهره وبأوراقه محاولا إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب...

ارتبكتِ الكلمات بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار، لم يستطع رفع نظراته عن الحبر الأسود المطبوع على الصفحات البيض، فشعرْنا بالضيق وبدأت الأرض تزلزل تحت أقدامنا، لماذا تهرب منك الكلمات يا سمير وقد سمرنا الليالي نزخرف النظريّات، نناشد السّلام وننشده في الشّوارع، نمهّد له، نصبو إليه، ونقرأ عنه بكلّ لغات الأرض، لغته العالميّة دون ترجمةٍ.. والآن نفشل في ترجمة آرائنا!!

جلس سمير يتصبّب فشلا، يجفّف عرق ارتباكٍ ويطوي الأوراق اللعينة التي جلس ساعات يحثّ فكره ليقنعنا بمحتواها.

كان على سعاد أن تنتشل كرامتنا من الغرق الأكيد، أسرعت تجرجر نظرة حائرة تجول بها بين المقاعد، وصوتا خجلا يطرح مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ قبلي للسلام المنتظَر. عدّدتِ الأسباب والسّلبيّات والإيجابيّات من وجهة نظر أحاديّة وثنائيّة وثلاثيّة. لم تطلق العنان لجسدِها فحنّطته مع الفراعنة في هرم الخوف.. ولم تطلق لسانها السّليط الذي طالما هوى بسياطه ينتقد الأحزاب الطّلابيّة والسياسيّة والنظريّات المعارضة يفنّدها ويعرقلها ويوقعها أرضا بنقاط حروفه التي لا تتوقّف عن الثرثرة الهادرة.. ما بال لسانها قد انعقد وأين اختفت قدرتها الإقناعيّة ؟؟؟

كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لاحاجة فيها للإقناع؟!

أخذْنا مهلة نستردّ فيها أنفاسنا، بينما تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!!

واستشاط الصف ضحكا عندما حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل، مقتبِسَةًً الآيات القرآنية والتوراتية والإنجيليّة...وضجّتِ القاعة عندما اقترح أحدهم أن نُلبس عري النخيل غطاء للرأس، وضجّ أستاذ فن الخطابة من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل أفكارنا العربيّة، وللغة أجسادنا التي تُلبسنا طقما جاهزا، وللغة عيوننا المصابة ببُعد النظر والتي تعجز عن رؤية ما يقع تحت أنوفنا...ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين.

 

نجيب الخالديوأنت تكتب قصتك، معنى هذا أن نصك القصصي سيقوم على دعامتين أساسيتين: السرد والوصف، وهما في العمل القصصي عنصران متلازمان. وأنت تسرد، يعني أنك تحكي أحداثا وأفعالا متعاقبة في مظهر زمني، بينما الوصف فستتخذه أداة لتصف الأماكن والأشياء والشخصيات سواء واقعية كانت أم خيالية... هكذا، فقد تهتم في مقطع بالوصف، وفي آخر بالسرد، وفي آخر بالوصف والسرد معا، أي أن تجعل الوصف مع السرد في تناوب حسب طبيعة الحدث أو الموقف أو تحولات الزمان والمكان. تفهم من هذا أن الوصف عنصر مهم في السرد، لكنه لا يمتلك القدرة على أن يحل محله فيؤدي وظيفته، كما لا يمكن للسرد أن يستغني عن الوصف، فهو مساعد له في تطور الحدث وبناء الشخصية.

وبقدر ما يكون وصفك مفيدا في السرد مطورا للحدث وملقيا الضوء عليه، بقدر ما يؤثر سلبا عليه عندما تسيء توظيفه، فتجعله مهيمنا طاغيا غارقا في بحر بلا حدود، معرقلا بذلك مسار الحدث، ومزيحا بالتالي السرد عن سكّته الأصلية ألا وهي الحكي.

وعندما تصف الأشياء أو غيرها في قصتك، فأنت تتعامل مع اللغة بالدرجة الأولى، وليس مع هذه الأشياء كما هي في الواقع، أي أنك وأنت تصفها، تجردها إلى حد كبير من دلالتها الأصلية من خلال لغتك الإبداعية، التي تتم عبرها ترجمتك لهذه الموصوفات إلى أفكار ومشاعر، فهي لا تخبرك بما تعاني أو بما تفكر، لأنها في الأصل لا تعاني ولا تفكر، ولكنها تعبر عما تتركه في نفسك من أثر، وعما تحس وما تفكر به، على أساس أن ما تقدمه من أشياء موصوفة ليس كما تراه أنت، ولكن كما تراه شخصياتك.

و من عناصر تشكيل الوصف، أن تعتمد على الحواس باعتبارها أدوات بناء الحدث وتشييد العالم الفني لقصتك، لكن توظيفها يجب أن يكون بالقدر الذي يحقق للنص وظيفته الفنية والجمالية. والحواس تستدعي محسوسات من جنسها، فالعين لا يمكن أن ترى إلا الأشياء المادية المرئية، والأنف لا يشم غير الروائح، والأذن لا تسمع غير الأصوات... وما يجب أن يميز هذه الحواس، أن تُوظفها توظيفا إيحائيا يسهم إلى حد بعيد في تطوير الحدث والمضيّ به قدما نحو الأمام. وهذه الحواس يمكنك أن تستعملها استعمالا مجازيا، فتجعل من الأنف على - سبيل المثال- يستقطب بواسطة الشم رائحة الغدر والخيانة، والأذن تستقطب بواسطة السمع صوت المجد والانتصار وهكذا...

ليس من الضروري أن يقتصر وصفك على ما هو ظاهري من خلال تقديمك للمرئيات اعتمادا على حاسة البصر، بل بإمكانه أن يتغلغل إلى ما وراء المرئي ليكشف عن المشاعر والانفعالات والمواقف، أي الكشف عن مكنون الشخصية وباطنها.

ومن حيث طريقتك في الوصف، فيمكنك الانتقال من العام إلى الخاص، منطلقا من تقديم أوصاف عامة متوجها نحو الجزئيات والتفاصيل، كما يمكنك الانطلاق من الجزئيات والتفاصيل لتبني عليها أوصافا عامة شاملة.

أما الحوار فهو التخاطب الذي ستجعله جاريا بين شخصيتين أو أكثر من شخصيات قصتك. ويقتضي تعاقب المتحاورين على الكلام بالإرسال تارة وبالتلقي تارة أخرى. يمكنك توظيف الحوار في قصتك كما يمكنك الاستغناء عنه إذا لم يكن الغرض منه ضروريا. واختيارك للحوار يأتي لتُحقّق أغراضا، أهمها إبراز ما تخفيه الشخصيات من أحاسيس ومشاعر وأفكار ودوافع، من خلال منحها فرصة التعبير عن نفسها بنفسها لتقترب أكثر من المتلقي وهي تتكلم، وكأنها حقيقية واقعية، وليساهم الحوار أيضا في بناء الحدث في قصتك ونقله من مرحلة إلى أخرى، بالإضافة إلى أن اختيارك للحوار سيبث في نصك القصصي إيقاعا من الحركية والحيوية، بعيدا عن رتابة قد يحدثها طول السرد. امنح كل شخصية داخل الحوار صفات خاصة بها تميزها عن باقي الشخصيات الأخرى من خلال اللغة التي تعتمدها، وهي لغة يجب أن تكون مناسبة لمستواها الفكري والثقافي والاجتماعي، علما بأن لغة الحوار ليست لغتك أنت باعتبارك كاتبا، ولكنها لغة الشخصيات التي تمثلها، فلا يجوز - مثلا- أن تجعل شخصية أمية لا تمتلك ما يدل على علاقتها بالفكر والثقافة، تتكلم لغة راقية ذات أبعاد إيحائية فكرية فلسفية قابلة لتأويلات عدة، فسيكون هذا تناقضا صارخا بين تكوينها التعليمي واللغة التي جاءت على لسانها في الحوار، بل يجب أن تجعل لغتها سهلة بسيطة قريبة ممّا يدور على ألسن الناس في حياتهم اليومية، لكن بعيدا عن الثرثرة والإسراف في الكلام الزائد الذي لا يخدم تطورها وتطور الأحداث في قصتك. هكذا، فإن الشخصية التي تشتغل عليها في قصتك، هي لغتها التي توظفها في التعبير عن فكرها ووعيها وثقافتها وحالتها السيكولوجية.

وأنت تنسج الحوار، تجنب ما أشرت إليه وأنت تسرد، كأن تقول على لسان السارد:

قال لها بأنه سيغادر هذه المدينة لأنه لم يعد يطيقها: - لم أعد أطيق هذه المدينة، سأغادرها.

تجنب أيضا السقوط في تكرار" قال، يقول"، يمكنك الدخول مباشرة في الحوار دون اللجوء إلى فعل " القول" أو ما يدل على معناه (قال لها... وقالت له... فردت عليه قائلة، ثم أردف قائلا...). ولتبتعد عن السقوط في المحادثة اليومية المبتذلة التي تدور عادة بين الناس، وجّه حوارك نحو التكثيف والاختزال بانتقاء المفردات والتراكيب المناسبة، ذات بعد فني إيحائي ينفذ إلى جوهر الأشياء مهما كان الحوار أمينا في نقل واعتماد لغة الواقع.  

كما يمكنك توظيف الحوار الداخلي، وهو غير منطوق وغير مسموع، حوار فردي يدور بين الشخصية وذاتها، حيث تكون مرسلة ومستقبلة في الوقت نفسه، توظفه في مواقف معينة لاستجلاء الحالة النفسية والمقاصد التي تنطوي عليها الشخصية، خاصة إذا كانت هذه الشخصية متأزمة غير قادرة على الكشف بشكل مباشر وصريح عن دواخلها من الأحاسيس والمشاعر والأفكار (الاغتراب، الوحدة، الضياع...) 

علاقة الوصف بالحوار علاقة بنائية تقتضي الاهتمام في قصتك، لاسيما أن الوصف والحوار لا يتداخلان كما السرد والوصف، لهذا فتنسيقك بين الوصف والحوار ضروري حتى يظهر الوصف في مظهر مناسب للحوار لائقٍ به.

(يتبع)

 

نجيب الخالدي

.............................

المراجع:      

- عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، ع 240، س 1998

- عبد اللطيف محفوظ، وظيفة الوصف في الرواية، دار اليسر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1989

- دراسات موصلية، العدد السابع والعشرون 2009 

- دراسات، المجلد 33، العدد1، السنة 2006

- علي عز الدين الخطيب، الحواس الخمس في قصص لطفية الدليمي، دراسة تحليلية لأدوار الحواس في بناء العالم القصصي، مجلة كلیة التربیة/ جامعة واسط، العدد التاسع 2011

- فاتح عبد السلام، الحوار القصصي: تقنياته وعلاقاته السردية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1999

 

 

 

جمعة عبد اللهللكاتب حسين فاعور

قبل الدخول في تفاصيل النص الروائي والحدث السردي وتقنياته. بأن الكاتب أعتمد على الاسلوب القديم الكلاسيكي في عالم السرد، في تعاطي مع السرد في مواصفاته وطريقة عرض الاحداث وابراز تفاصيلها. وكذلك في تقنيات السارد بضمير المتكلم، الذي ادار المتن الروائي حسب ماجاء في المذكرات الرئيس، بطريقة العرض الخطابية والتقريرية السردية الحكائية، في كشف ورصد الاحداث. وطريقة تقديم الشخوص المحورية، في الرصد اليومي، وهو يتحدث عن الحياة اليومية ونشاطها في القرية، التي تعتمد في مورودها اليومي ومصدر حياتها وعيشها ومصيرها هو (البئر). طريقة البناء الفني للنص الروائي تعتمد على صيغة السارد الحاكي في عرض سيرة الحياة الذاتية للرئيس، المرتبطة بموقعه في القرية (رئيس مجلس القرية) وتعمد الكاتب في عدم وضع اداة التعريف (رئيس / الرئيس) حتى لا يكون التشخيص بشخص معلوم ومحدد بعينه، وانما جعلها كلمة (رئيس) تخص كل رئيس في بلداننا العربية، من رئيس قرية الى رئيس الجمهورية. في ابراز الاحداث وكشفها، سواء كانت للقرية أو رئاسة الجمهورية. في كشف الاحداث الجارية والبارزة في الشأن الاجتماعي أو السياسي في الادارة واسلوب التعامل في الشأن الحياتي. والكاتب برع في مسك خيوط المتن الروائي من خلال شخصية السارد بضمير المتكلم. من عرض الاحداث الحساسة تتعلق بحياة القرية وتفاعلها مع الاحداث اليومية الجارية في التفاصيل الدقيقة، المتمثلة في قضية (البئر) الذي يشكل عصب الحياة للقرية، ومصدر عيشها ورزقها اليومي، فهو مصدر ثرواتها في تفاصيلها اليومية. والحدث السردي يطرح مسألة في غاية الاهمية والحيوية في دلالاتها البليغة. وهي ايضاً مسألة الوطن، وكيف يتم التصرف به. وكيف يتم بيعه الى الاجنبي. واستغلال ثرواته وخيراته لصالح الاجنبي، ويحرم اهل الوطن والارض من هذه الثروات. وهي تدخل في الصميم في كيفية استغلال المنصب والكرسي، والحفاظ على صولجان السلطة، تجعل المسؤول عن السلطة والادارة، ان ينزع ثيابه ويكشف حتى عن عورته ويدوس على شرفه وضميره، من اجل استرضى الاجنبي لضمان بقاءه في المنصب والكرسي. وان تكون للاجنبي اليد الطويلة في مقدرات الوطن ومستقبله ومصيره، والنموذج الصغير هو القرية وبئر الماء. وهي حالة عامة في البلدان العربية في بيع اوطانها بسعر زهيد لكل من يضمن بقاء المنصب والكرسي لهم، ويعتبر الاجنبي المالك الوحيد والشرعي. فمن الطبيعي ان تذهب الثروات البلاد، سواء كانت بئر ماء أو بئر بترول، نفس القياس والمعايير. في الاستغلال والاستحواذ. لذلك نجد السيمائية الدالة للبئر في القرية ورمزيته تشمل الواقع الفعلي لكل حاكم عربي. فالبئر هو يمثل رمزية الوطن الدالة. لذلك الكاتب يدخلنا في تفاصيل الاحتدام بين اهالي القرية، بين من يرفض البيع، وبين من يدعم بيع البئر الى الشركة ألاجنبية. ويعرض حالات الزيف والتحريف والتلاعب بالعقول بالنفاق والدجل، بأن هؤلاء من يمسكون صولجان السلطة، هم اولياء الله على الارض والبشر. في قلب المعايير الى صيغ جديدة تخدمهم في البقاء في سدة الحكم، حتى في استخدام اتعس المعايير الهابطة والرديئة، بشكل داعري فضاض في قيمه الهابطة والساقطة، وبالاعتماد على الاقلام المأجورة التي تقيم صلاة المجد لكل من يدفع لها مالاً (صار الكذاب هو الصادق، والخائن هو الامين. والقاتل هو البريء، صار الكذاب يدعو الناس الكف عن الكذب، والقاتل ينادي بوقف القتل، والسمسار يقود الامة، والسارق يعين أميناً على الاموال العامة) ص25. بهذا الشكل يرسم مواصفات الحاكم والمسؤول، بأعطائهم صفات اولياء الله على الارض وامراء البلاد هم رجال صالحين. حتى لو مارسوا الدعارة والقوادة من اجل المنصب والنفوذ، مثلما كشف رئيس القرية في مذكراته، بأنه اصبح قواداً للبغي والدعارة في تقديم خدماته لكل من يساهم في تدعيم الكرسي. وما على الناس سوى الاطاعة وهي من امور الدين وشريعة الله. وهم شراذم وحثالات عفنة، وكل واحد منهم يمثل الشيطان بحد ذاته، في استخدام النفاق الديني لضحك على الاغبياء والجهلة. هذه سخرية واقعنا العربي الفعلي. فهؤلاء الحكام هم مصاصي الدماء لشعوبهم، ولكن المضحك / المبكي يتسترون بجبة الدين، لترويج بضاعتهم الفاسدة. مثل التريج بأن ماء البئر ملوثة تجلب الامراض والاوبئة. وبيعها الى الشركة الاجنبية، هو يصب لصالح ومنفعة اهالي القرية، وسوف يجلب لهم منافع كثيرة، حيث تزدهر الزراعة ويكثر الحصاد والحقول، وتكثر البساتين العامرة بالفواكه والخضروات. وتشرب القرية الماء النقي الصالح للشرب، وتعيش القرية في بحبوحة العيش والازدهار، في بيع البئر للشركة الضامنة، مثل بيع آبار النفط الى الشركات الاجنبية. ويأخذنا المتن السردي الروائي في درامية البيع للبئر، بين فريقين معارضين ولكل منهما مبرراته وحججه وذرائعه التي يستند عليها في المحاججة. ويعرج الى مسألة الانتخابات وكيف تدور في الاروقة السرية في شراء الاصوات والذمم، والتلاعب والاحتيال والزيف، بمعنى تتحول الى انتخابات شكلية وصورية. طريقة الترويج الانتخابي. والاعتماد على الدين والقبيلة والعشيرة والملة في انتخاب أبنهم البار، لكي يكون في خدمتهم، وبالشعارات المزورة والمخادعة. لكي يكون حال الناخبين مثل حال قطيع الخرفان يسيرون خلفهم بالطاعة العمياء (أما انتم فيخدعونكم ببعض الشعارات التي تدغدع غرائزكم، فتسيرون خلفهم كالقطيع، يلهونكم ويخدعونكم بانهم يخوضون معارك بطولية من اجلكم، بينما هم في الحقيقة يخدمون السلطة ويسترون عورتها) ص105. وبالتالي حسمت مسألة بيع البئر لصالح الشركة الاجنبية. واصبحت المالك الشرعي. فأنقطعت مجانية الماء، وانما اصبح الماء لمن يدفع. وكانت النتيجة المأساوية في التنازل عن البئر والتفريط به (بعد خسارتنا للبئر جفت البساتين والحقول التي كانت تزود القرية بكل ما تحتاجه من الفواكه والخضراوات..... الماء والتراب هما اصل الحياة، وعندما فقدنا البئر، فقدنا الكثير من مقومات وخصائص حياتنا التي تحولت الى جحيم) ص126. فأهملت البساتين والحقول وتوقفت الزراعة، وانتشرت البطالة. واصبحت الحياة اكثر معاناة وارهاقاً.

هذه المنصات التي كشفها الحدث السردي من خلال ماجاء في (مذكرات رئيس). وهي تكشف كيف يلعب الابناء المحليين في بيع الوطن لصالح الاجنبي

 × الرواية : البئر الملوثة / مذكرات رئيس

× المؤلف : حسين فاعور

× عدد الصفحات : 134 صفحة

× تاريخ الاصدار : عام 2018

 

 جمعة عبدالله

 

 

 

عبد الاله الياسري"أشعار مقاتلة" هي الجزء الثاني من الأجزاء الثلاثة المتكوِّنة منها(المجموعة الشعريّة الأولى، الطبعة الأولى 1998م)، للشاعر الدكتور جودت القزوينيّ.  وهي تحتوي على ثلاثَ عشرةَ قصيدةً.  تمتدّ من ص109 حتّى ص165 في مجموعته الشعريّة المذكورة. وليس قوله:"مقاتلة"وصفاً مجازيّاً لأشعاره. إنّما ذلك، باعتقادي، وصف حقيقيّ؛ لأنّ الشعر هو فكر مصاغ بأشكال جماليّة متفاوتة كمّاً أو كيفاً، رغم كلّ الأزياء المفهوميّة المتضاربة حول معنى الشعر. والفكرة، وإن كانت مجرّدة، قد تتحوّل إلى قوّة ماديّة فاعلة إجتماعيّاً، إذا آمن بها الإنسان، وعبَّر عنها. وقد يكون فعلها قتالاً كما فعلته "أشعار مقاتلة"التي لاتُصنَّف مع الشعر العراقيّ الحالي، وإن كانت من عصره، لأنَّ معظمه ساكت عن سلطة بني العوجة(**)، وطغيانها..  إِنَّ الشعر العراقيّ لم يسكت تاريخيّاً، عن سلطة الدولة الظالمة، لاقديماً ولاحديثاً؛ بل ظلّ يقاتل ــ على سبيل المثال ــ سلطة بني أميّة بأشعار الكميت بن زيد الأسديّ وغيره، وسلطة بني العبّاس بأشعار دعبل الخزاعيّ وغيره، وسلطة المحتلّ الأجنبيّ بأشعار ثورة العشرين(1920م)، وسلطة العهد الملكيّ بأشعار الرصافيّ والجواهريّ وغيرهما من الشعراء الوطنيّين. وحسْبُنا دماء الشاعرينِ بشّار بن برد والمتنبي، واضطهاد جميع الشعراء العراقيّين المعارضين، دليلاً على استمرار المذهب القتاليّ، في شعر أهل العراق، رغم التضبيب التاريخيّ، بضغط من سلطة الدولة القمعيّة، على حقائق مواقفهم. غير أنّ الشعر العراقيّ الحالي قد سكت عن سلطة العصابة المتسلّطة  على بلدنا العزيز (العراق) منذ عام 1968م. وسبب سكوت الشعراء العراقيّين عنها لايرجع إلى خوفهم من قمعها السلطويّ وحده، لأنّ قمع السلطة للشعراء المعارضين وسيلة مشتركة بين جميع السلطات الأستبداديّة التي حكمت العراق؛ بل يرجع إليه، وإلى سبب آخر:هو انفصال معظم الشعراء العراقيّين المعاصرين عن تراثهم الثقافيّ، وعن قيمهم الوطنيّة والنضاليّة تأثّراً بالثقافة الأوربيّة ـ الأمريكيّة المترجمة، وانسياقاً أعمىً أمام دولار الثقافة النفطيّة. فالسكوت، إذاً، هو القاعدة العامّة؛ لكن لكلّ قاعدة استثناء. والمستثنى من السكوت هو الشعر المعارض للسلطة الأستبداديّة.  وهو شعر قليل جدّاً. والمستثنون من الساكتين خوفاً او طمعاً أو ضياعاً هم بضعة شعراء معارضين. مازالوا يقاتلون في مواقعهم الوطنيّة بذلاً في سبيل الوطن؛ لكنَّ كلّ فرد منهم  يكاد يساوي وحده جيشاً كاملاً، بعد أن ضعفت روح القتال الجماعيّة عند شعراء العراق اليوم، وسكتوا تاركين وراء ظهورهم مسؤولياتهم الوطنيّة والتاريخيّة ــ ورحم الله الشاعر محمد سعيد الحبّوبي الذي لم تمنعه شيخوخته، من حمل السلاح دفاعاً عن وطنه المحتلّ في العشرينيّات ــ ومن ذلك الشعر القليل المستثنى من السكوت "أشعار مقاتلة". ومن أولئك الشعراء المستثنين من الساكتين الشاعر جودت القزوينيّ الذي قلَّت جراته بين الشعراء في مقارعة الحاكمين الظالمين.. لاأريد أن أقوم بعمل نقديّ لتقييمه أو تقييم أشعاره المميّزة معنىً ومبنىً، لأني لست مؤهَّلاً للقيام بمثل هذا العمل الأدبيّ الشاسع؛  لكنّي أريد أن أكشف قيمة قصائده المقاتلة، فأُنبّه إلى أهميّتها الفكريّة والوطنيّة، لأنّها فكّرت بمواجهة سلطة الدولة غير المفكَّر في مواجهتها، والمسكوت عنها في الشعر العراقيّ اليوم.. إنّ سلطة الدولة الحاكمة في العراق مذ ثلاثين ونيّف حتّى يومنا هذا - وهي عصابة مجرمة - اعتبرت كلّ من لم ينخرط من العراقيّيين، في تنظيماتها الأرهابيَّة، معارضاً لها، حيث كانت تقول:"من ليس معنا، فهو ضدّنا". وبناء على هذا الشعار الإرهابيّ، انقسم العراقيّون ــ والشعراء جزء منهم ــ إلى معارضين (ليسوا مع السلطة) كالشاعر جودت القزوينيّ؛ وإلى موالين (مع السلطة) كالشاعر عبد الرزّاق عبد الواحد، وأمثاله من عبيد العصابة الذين عبّر عنهم الشاعر القزوينيّ في قصيدته:"سقط القناع". ص127. قائلاً:

"أَيدٍ تناهبت الرؤوسَ فلم يعدْ * إِلَّا صفيقٌ يمدح الحكَّاما"

وكان المُرتجى من الشعراء العراقيّين المدفوعين إلى المنافي، بأسباب سياسيّة، ألَّا يسكتوا بأَشعارهم عمّن أَخرجهم من بلادهم قسراً، وشرَّدهم في المغتربات؛  لكنّ العكس هو الحاصل، على الرغم من غزارة نتاجهم الشعريّ، وتعدُّد موضوعاتهم التي خاضت أبعد مايخطر في الذهن إلّأ موضوع الحكومة الجائرة في بلدهم العراق. وإذا أشار إلى ذلك بعضهم في هذه القصيدة أو تلك بعبارة ما؛ فهي إشارة لا تكاد تعبّر، في الحقيقة، عن موقف نضاليّ واضح، لأنّها انفعال مؤقّت لموقف جزئيّ من السلطة الظالمة.. إنّ هذا المسكوت عنه، في الشعر العراقيّ الحالي، واللامفكَّر فيه، احتلَّ المساحة كلَّها في"اشعار مقاتلة"للشاعر القزوينيّ؛ ليُشكِّل موقفاً كلّيّاً ثابتاً، قد أَكسب قصائده خصائص فكريّة ونضاليَّة، يفتقر إليها الشعر العراقيّ في المنافي.  أَذكر منها: أوّلاًـ تناولُ رأس السلطة (صدّام) وحزبه (البعث) صراحة، دون تردّد أو تهيّب، ودون أيّ حساب؛ لأنَّ الحسابات هي من شأن التجّار المصلحيّين لا الشعراء المقاتلين. إذ يقول فيه:

"أَصدّام ياعـــورةَ الكائنـاتِ * وياصوتَ عاهرِها المُخجلِ

تعرَّشتَ فوق جماجـمِ شعبٍ * يُكبَّــلُ في عقلِــــك المُقفــلِ

فيا أَسوءَ النـاسِ من معشــرٍ* يعيشون بالكونِ من معـزلِ

خسئتَ فلستَ ببـالــغ قصـدٍ * ودرب الشـهــادة منّي ولي"

ص113. من قصيدة"أتيناك يا أرضنا". ويقول فيه أَيضاً:

"وياربيـب الخنـا لو كنـتَ ذا غِيَـرٍ* مااستعبدتك بوادي الغرب أَسيـادُ

إلى العروبـــة تُنمى ياابن زائفــةٍ * وأنـت للعهــرِ قد لفَّتـــك أَجــــدادُ

صدّام لا دار طهـر قد تركت ولا * بيتاً به ـ من ثقات الخلق ـ عبّـادُ"

ص159. من قصيدة "حديث الجراح". ومن قوله فيه كذلك:

"نصَّبك القدر الملعون رئيساً

وأَكفّ الغرب على ظهركْ.

وجماجم شعب ترفع كرسيَّكْ

أحفر ذاكرتي مبتعداً عن اخباركْ"

ص123. من قصيدة"هذا جسرك يابغداد".  ومما يقول في حزبه:

"بَيْنَا يسـوسُ العـربَ فَـدْمٌ أَحمقٌ * تركَ العروبــةَ هيكلاً وحطاما

يشوي الوجوهَ على مذابحِ بعثــه * ويرشّ أَفياءَ العــراق حِمامـا"

ص127. من قصيدة"سقط القناع".

ثانياً ــ تبنِّي مصلحة الجماعة المظلومة في العراق. وتتجلَّى قيمة هذا الموقف وأهميّته الوطنيّة، إذا قورن بشعر المنفى العراقيّ الذي لا يكاد يعبّر معظمه اليوم إِلاّ عن الهموم الذاتيّة والأحلام النرجسيّة. ومن شعر القزوينيّ في هذا الإتجاه الغيريّ قوله:

"وطنٌ تقاسمت اللئام ترابَه * فغدا ثكالى أَهلُه ويتامَى"

ص127. من قصيدة"سقط المتاع". وقوله:

"فتعالي تفحّصي كلَّ شبرٍ* من أَراضيك يا ضحايا العراق"

ص117. من قصيدة"مرثاة الشهيد". وقوله أيضاً:

"لم يهدأْ الجرح فالثأر الطويل لنا * وليس يجهل جرحاً من يعانيهِ"

لاحظ ضمير الجماعة في قوله"لنا". ص117. من قصيدة "مرثاة

الشهيد" نفسها مع اختلاف القافية. وقوله كذلك:

"آلافٌ في الوطن المجروح يعيشون بلا فمْ وآلافٌ من غير لسانْ"

ص123. من قصيدة"هذا جسرك يا بغداد".  ومن قوله البيت الآتي:

"دعْ ذكرَ بغداد إن لم تنتفض خجلاً * حتّى تُردَّ لأهلينا الكراماتُ"

لاحظ ثانية ضمير الجماعة في قوله"أهلينا"تأكيداً على المصلحة الإجتماعيّة العامّة. ص137. من قصيدة"مرثاة الشهيدة بنت الهدى".

ثالثاً ــ تمجيد الشهداء والثوّار، والإقتداء بسيرهم البطوليّة في سبيل الحقّ والعدالة. وقد خصَّ بعضهم بقصائد مطوَّلة تشيد بمواقفهم البطوليّة ضد الظلم والطغيان. وتؤكّد خلودهم الأبديّ. وممّا يعبّر عن بطولات بعضهم قوله:

"إنّي رأَيتك صقراً كيفما اتجهتْ *  له البغاث قويّاً ليس ينهزمُ"

وقوله في القصيدة نفسها:

"فكان رأسك مرفوعاً بهامته * وفوق راسهمُ تعلو لك القدمُ"

ص164. من قصيدة "في موكب الشهادة". ومما يعبّر عن خلودهم قوله أيضاً:

"خسأَ البعث أنت مازلت سيفاً * تهب الخلقَ ثورةً كفَّاكا"

ص155.  من قصيدة "الإبحار في أفق الدم".

لقد تجاوز الشاعر القزوينيّ في قصائده هذه، مفهومي الموت والحياة السطحيين، مؤكّداً عمق حياة الشهيد بموته، وعمق موت الطاغية بحياته. ومن تعبيره عن هذا المعنى قوله في الشهيد:

"هل أنت متَّ؟قتيلٌ فَتَّ قاتلَه * فأنت حيٌّ، وإنَّ الميّتين همُ"

ص164. من قصيدة "في موكب الشهادة".

رابعاً ــ الدعوة إلى الثورة والتضحية من أجلها، لتغيير الواقع أملاً بحياة فضلى. وممَّا يدلّ على هذه الفكرة الثوريّة، وما يتمخّض عنها من عواقب، قوله:

"كما لاح بـرقٌ فلُحْ للجهــادِ * فقــد آنَ للظلـــم، أنْ ينجلي

تقدَّم أَخا الحرب بين اللهيب * وسـدِّدْ رصاصك للمقتــلِ

تقـدَّمْ تقـدَّم فكــلُّ الطلائـــــع * تهفو إلى سيـرك

الأمثـلِ"

ص113. من قصيدة"أتيناك يا أرضنا". ومثله قوله:

"فاطبق على زمرة الكفّـار منتقماً * واقطع عن الأرض رجساً من أياديهِ

وليـس تُـربُــك محميَّـاً بمعجــــزةٍ * إنْ لــم تكنْ كفّـك الخضبـــاء تحميهِ"

ص117. من قصيدة "مرثاة الشهيد".

في هذه الخصائص الأساسيّة الأربع، التي يمكن تلخيصها بـ(معارضة السلطة،  والتزام مصلحة الجماعة، وتمجيد الثورة والشهادة، والتضحية حتى الخلاص)، تتجلّى أَهميَّة"اشعار مقاتلة" للشاعر القزوينيّ مقارنةً بنرجسيَّة غالبيَّة الشعر العراقيّ في المنافي حالياً.. إنَّ معارضة الشاعر الوطنيّ القزوينيّ للسلطة الإرهابيّة المتسلّطة على وطنه العراق بشعره الجرئ حقاً، ليست تدخّلاً منه في الشأن السياسيّ، أو رغبةً في المشاكسة الفنيّة؛ بل هي حالة طبيعيّة من حالات دفاع الكائن البشريّ عن جوهر وجوده، حيث جوهر وجود الإنسان يكمن في أنّه كائن مفكّر، وفي أنّه يعبّر عمّا يفكّر فيه. وعندما تريد سلطة مستبدّة من إنسان مفكّر أن يكون معها أي أن يتنازل عن عقله بمفهومها السلطويّ، ليفكّر بعقلها هي؛ فلابدّ أن يعارضها ويحتجّ عليها تأكيداً لوجوده وكينونته البشريّة، لأنّها تريد أن تصادر كنه حياته وقيمته الإنسانيّة، وتجعله يقبل موته. وإذا كان الخضوع لها هو الموت عينه، فإنّ الإحتجاج عليها هو الحياة عينها، لأنّ في الأحتجاج دليلاً على استمرار التفكير وقدرة الإنسان على التعبير عنه.. وهذا المعنى هو مادلّت عليه قصائد"أشعار مقاتلة". وهو ردّ فعل طبيعيّ للشاعر الإنسان (القزوينيّ). ولكلّ عراقيّ يشعر أنّه إنسان موجود وله قيمة في الحياة، لكن غير الطبيعيّ هو أن يسكت الشعراء العراقيّون في المنافى على من شرّدهم وظلم شعبهم وخرّب بلادهم. وسكوت الشعراء العراقيّين في الخارج حالة عجيبة تحتاج إلى دراسات في علم التحليل النفسيّ لكشف أسرارها. أقول هذا إضافة إلى أنّها ، أي "أشعار مقاتلة"، تغري المتلقّي بالثورة على الظلم والطغيان مؤكّدة أنَّ الحياة في التضحية والشهادة كلتيهما، لأنّهما هما طريق الخلاص الوحيدة، لتغيير الواقع العراقيّ بما هو أمثل. كما أنّها تسهم  بتأسيس شعر عراقيّ معارض في المنفى تعبيراً عن كلّ حرّ اضطرّ إلى الغربة رافضاً قيود العبوديّة وذلّها في بلاده؛ وعن كلّ معارض حقيقيّ ملجوم الفم، كما أشار لذلك الشاعرّ بقوله:

"فصرت أحمل للأوطان حنجرتي * لمّا تلجّمت الإفصاحَ أفواهُ"

ص148، من قصيدة "صلة الشهيد"

والمُنتظَر، أخيراً، من النقّاد والباحثين أن يولوا اهتماماً خاصّاً للشعر العراقيّ المعارض السلطة الإرهابيّة التي خرّبت البلاد. ولعلّ في محاولتي هذه تحفيزاً وتحريكاً للأقلام النقديّة الساكنة؛ لتسليط الأضواء على ما يستحقّ الأهتمام من أدب المنافي وادبائها العراقيّين الأحرار الذين لم يخضعوا لسلطة الدولة وإرهابها المنظّم..

 

عبدالإله الياسري

...............................

* هذه مقالة جزئيَّة، عن شعر جودت القزوينيّ (1953م ــ 7/4/2020م). نشرتُها قبل تسعةَ عشرَ عاماً، في جريدة "المنبر"الورقيّة،  لندن  بريطانيا،  العدد 77،  صفر1422ه/ أيّار2001م.  وماكنت لأُعيد نشرَها اليوم، لولا رغبتي في إحياء اربعينيّته حبَّاً ووفاء.

** العوجة:مكان ولادة رئيس العراق السابق صدّام حسين. وهي قرية في محافظة صلاح الدين العراقيّة.

 

1509  فلاح رحيم أقرأ روايات فلاح رحيم لأرمم ثلماً في ذاكرتي العراقية. روايتاه (حبات الرمل .. حبات المطر، 2017) و(صوت الطبول من بعيد، 2020) سياق متصل من سيرة الكاتب خلال النصف الثاني من السبعينات وبداية الثمانينات، وهي فجوة انقطاعي التي تبدأ من نهاية ما سمي بالجبهة الوطنية ثم تنتهي بالحرب العراقية-الإيرانية، بينما روايته الأولى (القنافذ في يوم ساخن، 2012) عن سيرته كمنفي خلال حياته الأكاديمية. قرأت الروايتين الأخيرتين متتبعاً زمانهما مستحضراً الأمكنة من الذاكرة، وأشهد أن فلاح أسعفني كثيراً لأنه في منفاه يمسك بالتفاصيل قبل أن تغطيها سحابة النسيان. يحرص، وهو يكتب، على أن يغلق الباب خلفه حين يفتحها دون أن يترك للقارئ أن يعرف ذلك ضمناً من تجربته الخاصة.

 تتجول عيناه خلال الرواية لتُرينا كل تفاصيل الزقاق والبيت، تتفحص أشياء الألفة كأنه يراها لأول مرة، ويتنقل في جبهات الحرب من موقع لموقع، وحيثما ذهب يؤثث المكان قبل أن يضع الحدث فيه، وأحياناً يضحي بالسرد الحركي الروائي لصالح وصف الأشياء الجامدة، الرادارات وأجزاء المدافع وجغرافية المواقع بتفاصيل دقيقة. كتب فلاح رواياته في المنفى حيث يصير استرجاع الأماكن والأشياء جزءاً من مشاغل الذاكرة. يسترجع المنفي التفاصيل ويسميها ليتوهم امتلاكها. وقد دفع فلاح الكثير حياةً ووعياً بهذه التجربة لذلك يحرص على أن يرويها كما هي مكاناً وزماناً.

الرواية وحدها لا تبرر سببها. ينبغي أن يكون هناك سبب خارجي يبرر كتابة الرواية. في (حبات الرمل..) هناك قصة تحت نفس العنوان كتبت قبل أربعة أعوام من بداية حدث الرواية تستدعي الآن التمدد إلى رواية، هذه القصة "تفرض نفسها نولاً للحكاية وطاقة محركة". وفي (صوت الطبول..) يكتب الراوي لأن صديقاً "طلب مني أن أروي حكايته الحربية كما سمعتها منه مراراً". الرواية لم تكتب بذاتها ولذاتها، إنما تلبية لوعد. وفي كلتا الروايتين تُكتب الحياة ثم تعاش لاحقاً كما أقدار الرب.

الخيال في روايات فلاح شحيح. شحة الخيال تقول لنا إن في الواقع الذي عاشه الكاتب، وفي جبهات الحرب بالتحديد، ما يكفي من اللامعقولية. المصالحة بين المخيلة والذاكرة تحدث على أرض الواقع، فقد كتب ما عاشه وما رآه فعلاً كسيرة شخصية. ما يحتاجه الروائي هنا ذاكرة دقيقةً بدلاً من المخيلة. ما عليه إلا أن يلتقط اللحظة الأكثر دلالة، والحياة في جبهات الحرب كريمة بمثل هذه اللحظات: تكفي مثلا صورة السجين والسجان في قيد واحد، تكفي حالة التأهب بدون عدو، أو بعدو لن يأتي، ابتذالات الحياة اليومية وسط الشظايا التي تبحث عن اللحم الآدمي.

تسلسل روايات فلاح يساوي تماماً تسلسل الزمن، لذلك يؤكد "لن أقفز إلى الأمام، لست من المولعين بالعبث بالتعاقب السردي وألاعيب المبتكرين. أنا حريص على استعادة الانتظام والرتابة وسط هذا الاضطراب الشامل." 

في روايتيه (حبات الرمل...حبات المطر) و(صوت الطبول من بعيد). يعكس، كمدني وجد نفسه وسط الحرب، المفارقة الحادة بين الحياة المدنية والحياة العسكرية في بلد بلغ فيه التعارض بين الحياتين حد التناقض بين الموت والحياة.  هذه المفارقة تقسم روايته (حبات الرمل..) إلى روايتين منفصلتين جمعتا في ٦٠٧ صفحات. الخيط الذي يربط تناقض العالمين هو قصة حب معاشة أو متذكرة من وراء المتاريس. للحياتين إيقاع زمني متقارب.. إيقاع الحياة المدنية بطيء، زمن انتظار وتأجيل. كل العواطف مكبوتة ومؤجلة بانتظار وضوح ما. لا يتخذ البطل (سليم) قراراته العاطفية لأن إرادته مسلوبة بسبب وضع سياسي يفوق إرادته. الخوف من الآتي يحكم البطل ويعطل إرادته فيترك الأمور للزمن. حياة سليم منقسمة بين نشاطه السياسي كشيوعي منتمي، وبين عقله كمثقف شكاك بالحزب الذي ينتمي إليه، وبين سعيه لإخفاء هذا الانتماء لأن "البلاد مقدمة على فصل مخيف من المواجهات ولا مكان للموقف الوسط". عليه أن يتوارى ويواري أفكاره وفعاليته، أن يخفي ذاته الحقيقية وراء قناع من الحياد، يخفيها عن أقرب الناس إليه، بما في ذلك أهله وحبيبته. بسبب كل هذه التعارضات والتعارض بين فكره وأقداره فقد تلك الثقة القديمة في أن المرء مهندس مستقبله يصنعه كما يهوى. هنالك ما يشبه السقوط الحر في فراغ شاسع دون تخوم بينة وهو يتخبط متشبثاً بأي جسم صلب ثابت يقيه الارتطام بصلابة القاع، ولا أثر لمثل هذا المرتكز حوله.

المكان في الجزء العسكري من الرواية هو معسكر وسط صحراء على امتداد الأفق وحياة عسكرية بدون حرب تذكر برواية بوزاتي عن "صحراء التتار"، بانتظار عدو غير مرئي و لن يأتي. الحراسات رمزية في "صحراء شاسعة خالية منكشفة لا تسمح لأحد بالاقتراب منه متسللاً...الصحراء المنبسطة الجرداء تحتمي بانكشافها." والموقع الذي تجري فيه الرواية لم يكن مستهدفاً من أحد، كان هامشاً بعيداً عن اهتمام الجميع في المدن الآهلة. ما من عدو، المكان نفسه هو العدو: "حر الظهيرة المجنون وعواصف التراب ووقت العصر حين تغطس الشمس في الرمال يكثف الإحساس بالوجوم والقنوط حيث لا ظالم ولا مظلوم، سعيد أو تعس ...هذه التصنيفات تصح في المدن الآهلة...الصحراء لا تميز في حصصها من القسوة." في مواجهة هذا الأفق الموحش ينصرف الجندي "إلى إحصاء خساراته والتوجع مع نفسه."

في هذا الجزء من الرواية وبانتظار اللاشيء يهيئ فلاح لروايته القادمة.

كاتب الحرب

شروط كاتب الحرب تنطبق تماماً على فلاح رحيم. هذه الشروط حددها صموئيل هاينز في كتابه "حكاية الجند" (ترجمة فلاح رحيم) "ما يناسب مذكرات الحرب أن يكون الكاتب في وسطها، وثيق الصلة بأحداثها، لكنه بعيد الصِّلة عن قيمها، غريباً عنها، شاهداً عليها إلى جانب كونه جندياً فيها، يحس بالحرب لكنه لا يحبها."  ففي الخندق وبانتظار الموت الذي يأتي صدفة عبثية، وحيث شظايا القذائف تشق الهواء والفضاء المفتوح فوقه، يسجل فلاح يوميات الحرب كوسيلة لاستعادة المبادرة لفعل شيء يتحدى به استهانة الحروب بوجوده الفردي. لا يتوقف فلاح ليشرح لنا دوافع هذه الحرب واستراتيجياتها. الحرب قائمة مثل القدر والراوي منقذف وسطها دون إرادة. الشخصيات التي تصنع الحرب وتديرها غائبة. ليست هناك غرفة عمليات وخرائط ولا شخصيات مثل نابليون أو كوتوزوف كما في "الحرب والسلام" لتولستوي. الراوي سليم   يرى الحرب من خلال الأفعال الصغيرة، وحتى المبتذلة للأفراد الذين يقع عليهم عبء الحرب. مشاركين في القتل وضحايا له في نفس الوقت. عشرات الشخصيات العابرة، تظهر مع الحدث ثم تختفي لتنبثق مع حدث آخر.. جنود وضباط صغار تنكشف شخصياتهم في مجاورة الموت: الذي يحلم بشراء سيارة جديدة، والذي لم تسعفه إجازته القصيرة ليرتوي جنساً من زوجته الجديدة، والمراسل المنافق الواشي عند الآمر، نائب الضابط الذي لا يغادر مخبأه...التراتبية العسكرية الصارمة لا تخفي عن فلاح الوقائع التي تكشف جوهر الأفراد في هذه الأمكنة الجهنمية. الشخصيات لا تنكشف في صمتها وسكونها من خلال مونولوغها الداخلي، إنما تنكشف من أقوالها والأكثر من أفعالها وهي في خضم الحدث. الحياة المعاشة لكاتب هذه الرواية، على خيباتها، تعاش في النهاية لأنها تخضع بدقائقها لاختبار الروائي وتسجل بتفاصيلها. التوثيق اليومي للتجربة يحتل الجزء الأكبر من الرواية. بدون التوثيق تتحول الحرب لفاجعة صماء لا تعني إلا للامعنى. تستعاد روائياً بوصفها تجربة لها صلة بالذاكرتين الجماعية والفردية. السرد اليومي بصيغة المفرد، لكنه يشمل الجنود حوله بصيغة الجمع "هل يوجد في رعيل المقر الصغير اثنان متفاهمان دون شائبة؟ أشعر بألم وأنا أجيب بالنفي القاطع..." عيون الكاتب ووعيه يتجولان في الموقع لرصد الحركات والخروج بأحكام.

في روايته (صوت الطبول..) تتناوب ذاكرتان: ذاكرة تتصل بالتجربة المدنية في البيت ومع أصدقاء الجامعة والمقهى وعلاقته مع عمله وبالمركز منها علاقته مع البولونية بيانكا، وهي ذاكرة تسترجع الأحداث بعد وقوعها وتتصل بزمن الكتابة بوعي مفارق ومن زمن حالي يستشرف أحداثاً وقعت في زمان سابق. تجري الحركة الروائية في الحياة المدنية وفق زمن انسيابي يسير مع تتالي الأمكنة من الثكنة ثم محطة الوصول ومنها بالسيارة إلى مدخل الزقاق متتبعاً تسلسل الأمكنة وصولاً إلى البيت.

 ذاكرة أخرى تتصل بتجربته في الخطوط الأمامية. الفجوة بين الحدث وروايته تقلصت لأن الكاتب يروى الأحداث يوماً بيوم، وأحياناً في لحظة الكتابة "أنا أجلس الآن في نفس الحفرة التي اخترتها منذ البداية." الجمل برقية قصيرة بدون استطرادات. والعين التي تشاهد مربكة تدور وتلتقط مشاهد لا على التعيين، والزمن مبعثر حيث نعرف حركة الجنود في النص قبل أن نعرف سقوط القذيفة. السرد هنا يوحي بتشظي الحياة في لحظات القصف العشوائي: "استيقظت في الحادية عشرة ليلاً على أصوات متداخلة وتراكض ... هرعنا جميعاً إلى بنادقنا تملأ آذاننا أصوات الاشتباك الصاخب بالأسلحة الرشاشة. كانت مدفعية الميدان وقتها خارج الحلبة! ارتدى عريف عبد خوذته وجاء ينقل خطوه بحذر كوميدي مبالغ فيه محدودب الظهر داعياً الجميع أن يفعلوا مثله." تمتزج المشاهد الجماعية والفردية، ويمتزج المشهد بالانطباع بعجالة دون حاجة لتفسير.

يهدأ الزمن ويتمدد حين ينفصل عن الأحداث "أتذكر أنني رأيت في أول يوم أصل فيه الجبهة وأسمع صوت القصف أمراً أثار دهشتي...." ها هنا، في انفصال الذاكرة زمانياً عن التجربة تدخل حكمة الكاتب وأحكامه حين يطغى التأمل على فوضى التجربة وحرارتها.

الملل بدل البطولة

الحرب كما يصفها كلاوفتس تدفع الطاقة الإنسانية حتى أقصى حدودها. فلاح، من معايشته الخاصة ومن إنكاره شرعيتها، يثبت العكس فيرينا في روايته "صوت الطبول.." رتابة الحياة على حافة الموت. لا عجب أن يبدأ فلاح روايته الأخيرة من نهاية الاندفاعة الأولى في الحرب العراقية-الإيرانية. يبدأ من حالة الانكفاء والدفاع السلبي والتراجع.

في منفاي، وهو مناف متعددة، تابعت سيل الروايات التي أدرجت تحت عنوان (أدب القادسية) هناك تمجيد للحرب بذاتها باعتبارها مطهّر خلقي. ففي الأحاديث الهامسة بين الرصاصة والرصاصة يعترف الجندي لرفيقه بأن الحرب غيرته تماماً بعد أن كان يفزع من صوت الطلقة، وينحي الكاتب الخوف ليجد جمالاً في ليل البصرة الذي تضيئه قذائف التنوير، هناك حوارات مطوّلة عن "جماليات الاستشهاد في قادسية صدام". الرموز تغتصب الوصف والترددات الداخلية للشخصيات، والسمة الرمزية لتلك الكتابات هي الاقتران الدائم بين الموت والميلاد حيث يأتي الوليد الجديد في اللحظة التي يُقتل فيها الوالد.. هذا الاقتران يتجسد في نصب الشهيد الذي يتجاور فيه سقوط الدرع مع الرحم.

يفند فلاح رحيم أية أسطرة رمزية للحرب. ليست هناك حركات جماعية للجنود حوله. ليس هناك فرد يفقد ذاته ضمن الجمع المندفع، وليس هناك صراخ عصابي (هجوم!) ليست هناك فكرة أيديولوجية مقنعة تبرر قبول الحرب والثمن الفادح.

الفعاليات القتالية خلال الهجوم والهجوم المضاد من جانبه غائبة كلياً والتركيز على ردود الفعل السلبية على فعالية العدو من خلال القصف البعيد: الكل في حالة كمون إزاء قصف معادي ولا بطولات، البطولة، إذا سميناها، تكمن في اعتياد الموت: "الجنود يصوبون حجارة إلى كعب زمزمية، وقد حفزهم رهان الفوز ببعض النقود. ظلوا منهمكين في لعبتهم بينما القصف يشتد حول موقع البطرية." هل هم شجعان؟ يسأل فلاح، ثم يجيب نافياً "الدافع إلى فعلهم ذاك معايشتهم الخوف مدة طويلة". يسخر فلاح من الكليشيهات الصحفية التي تريد أن تربط الشجاعة بعمق الإيمان بالقضية التي من أجلها يحارب الجندي: "لكن من يعش في الجبهة كنفر ضائع، لا صحفي موفد لتسجيل انطباعات سريعة، يدرك كذب هذا التفسير."

بعد قراءة رواية فلاح وقع بين يدي بالصدفة كتاب "الكاتب في الحرب" A writer at  Warللكاتب الروسي فاسيلي غروسمان Vasily Grossman الذي غطى مقاومة الهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي في كل الجبهات ومنها ستالينغراد المحاصرة. بين التقارير الصحفية التي كتبها للصحافة اليومية وبين المذكرات الخاصة هناك شرخ بين الكليشيهات الثابتة للمراسل وهو يكتب للصحافة العسكرية خلال الحرب، وبين النبرة الخافتة في يومياته وهو يصغي لأحاديث الجنود "معهم لست بحاجة لأسئلة، كانوا يتحدثون لي دون تصنع ولا عبارات رنانة في بوح صادق عن معاناتهم ومصائرهم." وفي مذكراته ورسائله الشخصية نبرة تأملية متشككة بقصدية واعية في المآسي التي رافقت بدايات الحرب عام ١٩٤١، يتابع مصائر الناس المفجوعين بالحرب بصبر ودقة ووصف دقيق للأمكنة والجو العام الذي رافق الحرب.

التذكر في رواية فلاح، يشمل الأيام العادية والأيام الاستثنائية. بل أن الأيام العادية تحتل معظم وقائع الرواية، ليست هناك بطولات ولا هجمات أو هجمات مضادة، الدفاع السلبي هو الغالب، انتظار القذيفة القادمة ولا يظهر العدو كصورة مجسدة، إنما تأتي قذائفه. في الهجوم أو الهجوم المضاد يفقد الفرد ذاته ويتبع الآخر، وهو القائد الذي ينفخ صافرته ويصرخ بالجمع: هجوم! القتلى خلال الهجوم يتساقطون إلى الخلف تماماً كما الماضي دون أن يلتفت إليهم أحد. في الدفاع السلبي يرسل العدو قذائفه ولا يهجم.. ردود الفعل على القصف البعيد فردية، كل يتصرف حسب طبيعته. فلاح يقتنص بمراقبته ردود الفعل الفردية. "لم يمهلنا القصف الإيراني العنيف الذي تصاعد في تلك اللحظة وأعقب انفجار آخر أعتدة الكدس مباشرة فرصة تأمل ما يعنيه موت قاسم. تفرق الجمع مهرولين إلى مواضعهم تاركين الجثة وحدها وسط أكياس الرمل المسخمة... لجأت مع هاشم إلى موضعنا القريب هذا ننتظر ما تسفر عنه موجة القصف المقصود الموجه هذه المرة... سقطت قذيفة هاون قرب موضع الطبخ وجثة قاسم المتروكة هناك... ظل أزيز اللاسلكي متصلاً كما هو لا تعكر صفوه أية كلمة من الجانب الآخر". هناك موتى في حرب فلاح، لكن الموت نفسه غائب. يقترب الموت فيفقد هيبته، يترك فلاح القتيل كتحصيل حاصل لعبثية القصف ويمر بالجثة مروراً عابراً لثلاث مرات دون توقف. لا يستحق الموت وقفة تفصيل، إنه مجرد فارزة، في السياق المتناثر للحركة العامة. لا يتوقف الراوي ليصف لنا كيف قتل القتيل، لأنه لم يره ولا يريد أن يتفحصه. الموت أكيد وعابر، تتعداه الأحداث الأخرى. الملل يغلب خلال انتظار الموت في الخنادق على الإثارة. خلال القصف البعيد لا يرى الجندي قاتله أو قتيله كما في الاقتحامات.

المثقف أو الروائي؟

يتناوب الروائي والمحلل في روايات فلاح. الروائي يتخلى عن موضوعيته ككاتب من خارج تجربته يصمم مكاناً وزماناً ويضع فيه حدثاً يهدف لتوصيل فكرة عامه. فلاح يدخل في صلب حكايته. وهي في الحقيقة ليست حكاية، إنما شهادته ويومياته عن تجربته الخاصة التي عاشها كجندي في حرب. هي تجربة محولة إلى رواية وليست رواية ذات قيمة رمزية عامة مصممة لتكون كذلك. تنطلق الرواية من فرد لا يقبل تجربة فرضت عليه. تنطوي هذه التجربة على كل ما يخدش البديهيات العامة. فالشجاعة مفقودة في حرب فلاح، وكذلك المهارة، فالضباط مخادعون يسعون للنقل إلى أماكن أهدأ في المعسكرات الخلفية، العادة حلت محل الشجاعة، الحظ حل محل الأقدار الروائية. في نفس الوقت هناك إذعان قسري من خلال تهميش المشاركين وتحويلهم إلى بيادق إزاء لوحة الحرب الكبيرة.

ليس فلاح الروائي من يروي الوقائع، بل البطل سليم المدني المثقف الذي جاء لواقعة يرفضها أصلاً ولا يعيشها بصفتها حياته، إنما يراقبها بعين متشككة، بصفتها قدراً مفروضاً. ولا يستطيع الروائي أن يقف بمعزل عن روايته، إنما يتخلى عن موضوعية باردة، ويدخل الرواية وعالمها باعتبارها تجربته الخاصة وإن كانت تجربة الجماعة أيضاً.

حيلة الرواية تكمن في احتواء الانطباع من خلال السرد. الحوار والوصف يستوعبان أفكار الروائي. لكن روائي مثل بلزاك يأخذ مكان الله وهو يرى شخصياته وأفعالها من الأعلى. يراها ويحكم على أفعالها بمجرد أن تفتح الشخصية باباً لتدخل صالة مقامرين قبل أن تجلس معهم. المثقف المدني سليم يزيح الروائي أحياناً ويهيمن المحلل على الوصاف ويتغلب الحكم على التجربة المعاشة من فوقها. الحكم لا يتداخل مع سرد الأحداث إنما يسبقه أو يليه وتتغلب لغة التحليل على لغة الرواية حين تهدأ الأمور: "اكتشف سليم بعد حين من الصدمة أن أصعب ما في الموت الحياة. الموت ينتمي إلى سكون الأبدية وغفلتها وهو ما تنبشه الحياة وتشاكسه وتتحداه بيأس غاضب. تعذب الحياة نفسها على عتبات الموت وتوغل في تأمل فجيعتها حد التعب والوهن ثم تأتي طقوس المواساة. أبلغ تعليق على الموت هو الصمت، ولكن الحياة لا تقبل الصمت وتبقى تصر على الكلام والمعنى في وجه ذلك الصمت الأبكم. لذلك ينتمي كل ما يقال ويكتب ويفعله الناس في مواجهة الموت إلى ما قبل الواقعة وما بعدها. الواقعة نفسها لا تقبل أي تعليق، إنها النقيض الكامل للكلام والحياة." أحياناً يخرج فلاح عن سياق النص ليعكس لنا بمرارة سخطه على جنود عراقيين يأخذون صورة تذكارية وأمامهم جثث الجنود الإيرانيين الذين قتلوهم.

في لحظة حزن ثقيل يغادر سليم مشاعره الداخلية ليدقق في حركات أهله خلال طقوس الزيارة. هنا لا يكتفي العلماني بالمراقبة الخارجية لحركات الآخرين، إنما يستبطن مشاعره الخاصة ويصدر حكماً: "انتبه سليم وهو يرصد العالم المحيط به أثناء الزيارة وبعدها أنه لم يندمج في طقوسها كلياً وأن انشغاله بتقصي معانيها وطريقة والديه وإنعام في استقبالها قد أفسد عليه ما حصدوا هم منها."

وفي الحالين، في السرد أو الحكم، يكمن العمق في دقة التفاصيل التي عاشها الكاتب وسجلها يوماً بيوم بأعصابه وبوعيه.

 

زهير الجزائري

 

 

محمد تقي جونيقوم (التوزين الجاهلي) يقوم على استشعار النغم والايقاع، بينما علم العروض يجعل التوزين على مقدار وأوقات الحركات والسكنات. واذا كان الايقاع يحدد نوع الوزن الجاهلي، فعلم العروض يجعل الحركات والسكنات هي المحدد للبحور. ونحن لا نستعمل للشعر الجاهلي مفردة البحر بل الوزن، لان الشاعر الجاهلي كان يتعامل مع الوزن ايقاعا ولم يعرف البحر حركات وسكنات، ومصطلح البحر اوجده الخليل.

يقوم الشاعر الجاهلي باختيار الوزن في ذهنه ثم يكتب عليه الشعر. وهذا جعله أكثر حرية في اختيار الوزن لموضوعه لان العملية تكون سليقية وليست بالتفكير شأن الشعراء العروضيين. كما انه أكثر حرية بالتصرف في الوزن واخضاعه وليس العكس لدى الشعراء الاسلاميين الذي يخضعهم البحر لصرامته. فالوزن الجاهلي اكثر مرونة، والشاعر يتحرك في منطقة صارت فيما بعد ممنوعة ومسيجة بالزحافات التي جعلها علم العروض في اضيق الحدود. وكانت تلك المساحة يجول فيها الشاعر الجاهلي لان المهم عنده هو الابداع. وقد سمى العروض تلك التجاوزات (التزحيف الشديد) و(التخليع). فقول عنترة: " ينبع من ذفري غضوب جسرة" لم يقبلها العروض ففيها تزحيف شديد في (ينبع) فالذي ينسجم مع الوزن العروضي (ينباع) لذا صحح الى ينباع مع العلم ان اللفظة لا معنى لها. وكانت (ينبع) مقبولة في الوزن الجاهلي) لانه لا يقوم على الحركات والسكنات بل على الايقاع.

والاوزان الجاهلية مستقلة الايقاع، يعرفها الشعراء دون مسميات. فالاسماء وضعها الخليل. وقد قام الخليل بلمّ وجمع البحور فجعل بعضها تابعا او مشتقا من بعض، فما عرف بالـ(مخلع) جعله تابعا للبسيط مع اختلاف ايقاعهما بشكل واضح. فأين ايقاع:

بغداد يا قبلة الأسود            يا كعبة المجد والخلود

من  ايقاع:

متى ستعرف كم أهواك يا رجلا      أبيع من اجله الدنيا وما فيها

وكثير من المجزوءات هي في الحقيقة الموسيقية أوزان مستقلة.

أرجع الخليل البحور التي أحصاها وهي ستة عشر بحرا الى خمس دوائر. ولم تكن البحور منسجمة في هذه الدوائر، ولا كانت البحور في الدائرة الواحدة ذات روابط ايقاعية حقيقية بينها، وكأنها أجبرت على الدخول في هذه الدوائر وألقيت في غيابتها القاءً؛ لان الخليل وزع البحور على الدوائر بناء على (التقليب) فيقلب البحر الاول ليخرج منه بحر آخر والبحور التي تنتج من البحر الاول يجعلها في دائرة واحدة. وهذه عملية ساذجة تشبه الى حد بعيد عملية (الجقلمبة) التي يمارسها الاطفال. وقد كانت هذه العملية الساذجة هي المحدد لبحور الدوائر العروضية.

الدائرة الاولى:  اسماها الخليل (المختلف) وبحورها:

الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلين

المديد: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

ولا رابط ولا تشابه بينها سوى (فاعلن) الشبه والمشترك الوحيد بين المديد والبسيط. ولذا سمى الخليل الدائرة (المختلف) وهي بالفعل في اشد الاختلاف.

الدائرة الثانية (المؤتلف) ولم تكن تستحق اسم المؤتلف؛ فهي متكونة من بحرين فقط هما:

الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن

الوافر: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

الكامل مقلوب الوافر تماما؛ الكامل: 3/2 ثلاث متحركات فساكن، فمتحركان فساكن والوافر عكسه 2/ 3. فأين الائتلاف بين مقلوبين متعاكسين؟

والدائرة الثالثة فقد اسماها الخليل (المجتلب) ولا معنى للمجتلب سوى ان بحورها جلبت كيفما اتفق فلا جامع نغمي بينها:

الهزج: مفاعيلن مفاعيلن

الرجز: مستفعلن مستفعلن مستفعلن

الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

وهي اشد اختلافا من دائرة المختلف لعدم وجود تفعيلة مشتركة واحدة بين بحورها.

الدائرة الرابعة (المشتبه) وبحورها مختلفة جدا:

السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن

المنسرح: مستفعلن مفعولات مستعلن

الخفيف: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

المضارع: مفاعيلن فاعلاتن

المقتضب: مفعلات مستعلن

المجتث: مستفعلن فاعلاتن

فيها اربعة بحور جاهلية وثلاثة بحور مولّدة، وهذا اكبر اختلاف جوهري بينها، وكثير من الشعراء العرب انفوا من الكتابة على البحور المولدة كالمتنبي والمعري. وبدت هذه الدائرة كالخرج الذي يوضع فيه الزائد من الاشياء. وايقاع هذه البحور بعيدة عن بعضها جدا.

أما الدائرة الخامسة (المتفق) فالخليل جعل فيها بحرا واحداً هو (المتقارب) بعد ان استبعد المتدارك حين راضه فلو يروّض ولم تنطبق عليه قواعده. وقد اضافه الاخفش الى العروض. فدائرة المتفق مع من ستتفق وهي من بحر واحد؟!!

ونضيف الى موضوع توزيع البحور على الدوائر، ان الخليل جعل لاغلب البحور تفعيلات نظرية غير موجودة عمليا، ففي الدوائر نجد صورة للبحر وفي الاشعار نجد صورة اخرى. مثل الوافر صورته في الدائرة (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن) وصورته في الدواوين (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) وذهب الخليل الى انها مقطوفة دوما لتكون واقعية.

وهذا يعني ان توزيع الخليل البحور حسب التقليب غير موفق، او في الاقل غير صحيح موسيقيا، بل حتى غير صحيح تفعيلاتيا. واذا كان توزيع البحور المستعملة غير موفق موسيقيا، فان البحور المهملة أكثر بعدا عن التوفيق الموسيقي، وهي  لا موسيقية فيها. وقد حاول الشعراء لاحقا التجربة في الكتابة عليها فلم يفلحوا في كتابة شعر جيد لان موسيقيتها سقيمة.

فيما يخص توزيع البحور، هناك بحور قريبة في ايقاعها، ولكن الخليل فرقها في الدوائر ولم يجمعها في دائرة واحدة. مثلا:

-        السريع والرجز: الفرق بينهما حركة واحدة:

(يرى اسيرا في دواة وكم = سريع)

(يرى اسيرا في دواة أو وكم = رجز)

- الرجز والكامل:

(جادت عليه كل بكر ثرّة = رجز)

(فتركن كل قرارة كالدرهم = كامل) وهما بيت واحد

- الطويل والكامل (اذا جاءت فعولن الاولى تامة والثانية مقبوضة)

(فلا أحزن الله الامير فإنني = طويل)

(لا احزن الله الامير فإنني = كامل

- الهزج ومجزوء الوافر

(فلا كانت ولا كنَّا) يعد هزجا ومجزوء الوافر

- الخفيف والرمل والمديد. اسميتها (البحور الاخوات) لانها تشترك بتفعيلتين وتختلف بتفعيلة واحدة

الخفيف = فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

الرمل = فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

المديد = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

بالمقابل هناك بحور عدها الخليل مجزوءات بحور اخرى وهي متنافرة اشد التنافر. مثل الطويل ومجزوئه، البسيط ومجزوئه (المخلع). والبحور الصافية التي فيها تفعيلة واحدة تتفق نغمتها مع مجزوءاتها مثل الكامل ومجزوئه والرمل ومجزوئه والمتقارب ومجزوئه.

وبهذا ننتهي الى ان علم العروض لم يتعامل مع الاوزان على اساس الايقاع والنغم، بل التقليبات في التوزيع على الدوائر، والحركات والسكنات في تحديد البحور.

 

أ. د. محمد تقي جون

 

 

تشتغل رواية (آلام السيد معروف) لغائب طعمة فرمان في (مكانين مختلفين كل الاختلاف في آن واحد – جاك دريدا) (1) بمعنى أن الرواية تتكون من نصين متداخلين، نص داخل / مقروء، ونص خارج / لا مقروء، فالنص الأول / المقروء، يشير خفية إلى النص الثاني / اللامقروء، الذي يستمد منه خطابه وبنيته وآلياته، واعتماده عليه في فك رموزه.

إن اللامقروء، هو ليس مناقضاً للمقروء أبداً، بل هو المتن الذي يمنح المقروء قوة، وفعالية، مع العمل على انطلاقه في الفضاء الروائي، وهذا يجعله يدخل في تجربة رمزية، تعمل على ترميز مختلفة الظواهر الاجتماعية – التاريخية – الفكرية المنحدرة من الميتانص، ومن هنا يبدأ تشظي النص، ومن الممكن العثور على ذلك التشظي إذا ما قمنا بعملية تتبع النص وحضوره في نصوص أخرى جانبية من خلال تفكيك النص والبحث في أجزائه، فذلك من (شأنه أن يؤدي إلى نمط من أنماط الأرشيف إلى نص ذاكرته معلقة في لا زمانية حاضرة)(2)، والعثور على استفادة النص المقروء من الذاكرة الثقافية المتواجدة خارجه وكيفية توظيفها لإنتاج نص متشظي، وهذا التداخل بينهما يكون كبيراً جداً، بحيث يتعذر علينا التفريق بينهما، لكنه يحقق قراءة شمولية متماسكة تشتغل على نصين، ومنتجة للمعنى المزدوج المتشظي، ومرغمة القارئ في محاولة من أجل إعادة تجميع آفاق النص الدلالية.

والراوي في نطاق الرواية، ليس مجرد ضمير المتكلم، اذ هو لا يمثل المؤلف تماماً، وكذلك من الضروري ألا يقع الخلط بين الشخصية الروائية الرئيسة السيد معروف وبين المؤلف غائب أيضاً، ولكن قد تقترب وجهة نظر الراوي من وجهة نظر الشخصية مثيراً إلى درجة (يتلاشى فيها صوت الرواي في صوت الشخصية، بحيث يصعب التمييز بينهما في كثير من الأحيان) (3)، لكن الراوي يبقى حلقة الوصل المتداخلة بين النص المقروء / السيد معروف، واللامقروء / غائب، بمعنى أنه يتحرك داخل النصين، ويتفاعل معهما بطريقة جدلية – حوارية عالية جداً بالخفاء.

ومما يزيد في تمييز وتفرد رواية (آلام السيد معروف)، هو أنها نص مفتوح، يشكل معاني مفتوحة، وأحداثها دائرية، وباستطاعة القارئ أن يبتدئ من أية صفحة ولكن ليس في استطاعته الانتهاء أبداً، لذا فما على الراوي إلا أن: يروي، يحكي، يسرد، ليجعلنا مطلين على تاريخ الإنسان: المنسي، المضطهد، الإنسان الذي يصنع الحياة الحقيقية والتاريخ الحقيقي بصمت، لذا جاءت شخصية السيد معروف، متناسقة، متألقة، مكتملة، ناضجة، فلقد اعتبرها الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: (من أكثر الشخصيات نضوجاً واكتمالاً في الرواية العربية) (4)، وإنها شخصية إنسانية – تاريخية، مشبعّة بروح التاريخ، ومستوعبة لها، تموج بالحياة، والحيوية، لكنها في الوقت ذاته، تقوم بالاحتجاج ضد وحشيته، في مسخ وطمس إنسانية الإنسان، فإن هناك (ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، وربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل لا تحس بالتاريخ ولا تعترف به – ص113)، وتعمل على تعرية ذاتها بشكل مخيف، بلا مواربة، ولا تزوير، وهذا يعطيها الحق في أن تكون حالة عامة، أي أن تكون مرآة عاكسة لحياة ملايين البشر، الذين يولدون ويموتون في صمت، ودون أن يثيروا أي همس، أو إشارة تدل إليهم: (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً، لكان تاريخي – ص127)، هكذا يقول السيد معروف عن نفسه، عن وجوده، في نهاية الرواية فلقد قام غائب بتشظية هذه الشخصية الروائية في عمق الذاتية، وفي عمق التاريخ، ولتكون متساوية فيهما، لأنها: حكت وتحكي، وستحكي، عن المأساة الإنسانية: الذاتية – الجماعية، وعن الحلم الضائع، المهدور، المسروق.

والسبب في مجيء هذه الشخصية بهذه القوة، والرسوخ، لأن المؤلف كانت له (صلات عميقة بالحياة الشعبية في أكثر تشعباتها تنوعاً، أي بالحياة الواقعية لجميع الطبقات في المجتمع)(5)، واستيعابه لوضعه، ووضع الناس، والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية التي يمارسونها، فهو يكتب (من الناس، لا من أجل الناس، إنه يكتب عن تجاربهم، من روحهم)(6)، ويرسم خسّة وغباء وفساد الطبقة (الفوق) بسخرية موجعة، من خلال الرؤية الثاقبة للسيد معروف، ووجهة نظره، وعن طريق الشخص الثالث، الراوي الذي (حضوره محرر من الجسد)(7)، كما قلنا، مع القارئ، أو مختفٍ عنه، لكن القارئ يحس به بشدة، وهذا ما شاهدناه منذ السطر الأول في افتتاح الرواية، عندما يعلّمنا الراوي: بجملة إخبارية عن افتتان الشخصية الروائية بالغروب، إلى حد أنه يشترك معها في إعطاء التبريرات لهذا الافتتان (للغروب فتنة لدى السيد معروف لا تعادلها فتنة أخرى في الدنيا كلها. والغروب بعد كل شيء، صار رمز حياته، حياة السيد معروف الآيلة إلى الغروب، حياته الشاحبة المتراجعة المتقلصة، المتراكضة، كالغروب نفسه – ص7-8) فالمؤلف تاه بين رحلة الحلم في المنافي والمأساة في الوطن، وبين جواز سفره غير المجدد، وجنسيته المسقّطة، فعندما حزم ذاته وارتحل، ضاع الحلم والوطن، وخاصة عندما اختار (منفاه في مدينة الحلم) (8)، فرحلة غائب / كلكامش، وصلت إلى طرق مسدودة، وأصبح الحلم من اليوتوبيات، فالمؤلف ما هو إلا نسخة أصلية من منفيي داخل الوطن وخارجه، لذا كان على غائب أن (يلبس الخيبة ويلتحف المأساة)(9)، لحين رحيله، لكنه بقي في منفاه عراقياً حتى النخاع، مسكوناً بروح مدينته بغداد وواقع وطنه ومستقبله، وهذا لا يعطينا الحق في المطابقة بين المؤلف وشخصية السيد معروف، ولكن يبيح لنا المقارنة للقيام بإظهار (المأساة الباطنية)(10)، المستمرة بين أضلاع التاريخ – الاجتماعي، والمعاناة، والغربة، والمرض، عند السيد معروف، ولنعثر على الاختلاف في التفاصيل اليومية، والحياتية، والتطابق في رؤية التاريخ – الإنساني عندهما، ومن خلال ذلك نكتشف وجوهنا، والوجوه التي تشبه وجه السيد معروف، ووجه غائب بكل وضوح، وفي أحيان كثيرة تختلط علينا الأصوات: المؤلف – الراوي – السيد معروف، ونحسبها لواحدٍ منهم، بينما هي في الحقيقة متداخلة، لأنها تمتلك وجهة نظر واحدة مضادة لوجهة نظر المميز منهم والمدير العام: (في مكاتبة رسمية لنفسك بأن تكتب تحويل تفكير.... تفكير من هذا الذي تريد تحويله ؟ الدائرة ؟ الدولة ؟، المجتمع ؟ هذا شيء يحاسب عليه القانون... هذا – ص46).

وكلية النص للرواية كلها، إذا لم تقرأ، قراءة رمزية – تأويلية، فإننا سنظل نتصور أن السيد معروف، (الإنسان النكرة، المضطهد، المحروم، عاشق الغروب)(11)، الحزين، الكئيب، المريض بالمعدة، الموظف في إحدى دوائر الحكومة، كاتب طابعة، وجملته المخيفة الخطيرة (أنا مجرد آلة طابعة – ص38)، جملة تجريدية، في الظاهر، وتفقد دلالتها إذا لم تفسر ضمن الرمزية – التأويلية، ومنظورها المستتر، وقراءتها الموازية للأخرى، لتوصلنا إلى رؤية داخلية مكثفة، لأن النصين، المقروء، واللامقروء، مصنوعان أساساً (من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض)(12)، وهذا التداخل بين النصين، يدفع القارئ إلى حيث لا يستطيع أن يفرق بينهما، وأن يعرف أيهما الحقيقي أو الضمني، لأن السيد معروف يمثل الآخر، والمؤلف من الآخر والقارئ كذلك، وهكذا (يبلغ إيقاع الرثاء مقامه الأخير، ويأخذ شكل الهجاء أو شكل الأدب الساخر في عمل روائي قصير وكثيف وبالغ في الرهافة... والمأساوية هو: " آلام السيد معروف ")(13)، وهذا ما نلمسه في كل الحوارات التي تجري بين المميز أو المدير العام مع السيد معروف، حوارات تبين مدى عمق التصادم والتضاد الفعال بينهم، وكلما يتطور هذا الصراع، يعمل على فضح تفاهتهم، وأساليبهم البربرية في التعامل مع السيد معروف، بشكل أكثر صراحة وعلانية، في العمل على قمعه، وتهميشه، ومن خلال هذا الصراع المحتدم، نكتشف أن محور الأشياء هو الإنسان، عند غائب (ولا سيما الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً – اخلاقياً)(14)، ونرى ذلك بوضوح في الحوار التالي مع المميز:

وضحك السيد معروف ضحكة، باردة قطعها الأستاذ عبد الرحيم

بجملة غامضة:

- ولكن المهم القصد والغاية... الفكرة التي تسيطر على الدماغ وتدمره.

- لم تسيطر أية فكرة على دماغي.

- سيطرت، سيطرت.

- أية فكرة ؟

- كنت تريد تغير لغة المكاتبات الرسمية.

- أبداً والله. ولكني كنت أحب أن ألطفها. وهذا أيضاً تبت منه... حتى الأخطاء النحوية لا يهمني أمرها الان.

- أخطاء ؟ هذه هي الفكرة المدمرة. كل الذين لا يعجبهم شيء، ويريدون رفضه أو تبديله قالوا إنه خطأ، ليأتوا بفكرة من عندياتهم ص43.

مشهد يصور المؤسسة البيروقراطية، ووحدانية فكرها، ووحشية أيديولوجيتها، عندما تعمل على رفض أو اضطهاد أي فكر آخر، وقمع أي تطوير أو تجديد، بل إلى حد اعتباره (فكرة مدمرة)، يجب تجميدها أو إلغائها نهائياً، حسب مفهومهم السوسيولوجي المبتذل، لأن التاريخ حسب منطقهم فوضى، وهو تاريخهم.

تاريخ القوة والنفوذ والمال والسلطة، وهذه العلاقة تخضع لجدلية مادية ولا تخضع للمنطق والرؤية الإنسانيين، ولتساعدنا في الوقت ذاته على فهم المواقف الخفية وغير المعلنة في النص الروائي، وحتمية وجود التغيير في هذه المواقف الواعية، الني ترى معاناة وآلام الناس، حتى ولو كانت في دوائر مغلقة، لأنه كلما يزداد الصراع والتفاعل في النص، يزداد وعي القارئ ورؤيته تجاه وضعه وتجاه العالم، مع ترجمة هذا التفاعل إلى فعل إنساني، يتسم بالغرابة الواقعية، الداخلة ضمن عملية فض بنية المجتمع العراقي، عبر الكشف عن الاتجاهات: الاجتماعية – السياسية – الثقافية.

ولقد رسم غائب طعمة فرمان، الجانب الإنساني على نحو شاعري، ولكن بتجسيد رمزي مخيف، غارق بالتأويل، لأن (تأويل البنى الرمزية يدفع إلى الغور عميقا على لا نهاية المعاني الرمزية)(15)، كما يقول باختين، وعلى ضوء ذلك يكون هدف القراءة هو الكشف عن الواقع الحقيقي الذي يكون خارج النص، من خلال تلاقي النصين المقروء واللامقروء، اللذين نعثر فيهما، على (العمق الإنساني مسكوناً بالآخر)(16)، وللتدليل على ذلك، نقوم بقراءة الصفحات من 110 الى 114 من الرواية، مع عثورنا على ذروة الصراع واحتدامه، المتمثل في الحوار بين السيد معروف والمدير العام، وفي هذه الصفحات تتلخص كلية النص تقريبا مع معرفتنا برؤية السيد معروف الواضحة والصريحة في موقفه من ذاته ومن العالم، المغايرة لرؤية المدير العام المزيفة تجاه الناس والأشياء، المبطنة بإلغاء الآخر، والمصادرة لفكره، واستلابه، وقمع رأيه، ولاستفاضة الحوار وطوله، سأقوم باستعارة الجمل المكثفة بالمعاني والمواقف التي تفي بالقصد وتوضحه:

- وهي مذيلة بتاريخ... حين كنت تعمل في لجنة النشر.

- لا تاريخ يا سيدي

- كيف لا تاريخ ؟

- هكذا ببساطة، لا أذكر تاريخا.

- هل أنت تنكر وجود التاريخ عليها، أم التاريخ بشكل عام ؟

- الاثنين، يا سيدي.

وضع المدير العام القلم على الأوراق مستفزاً، وقال:

- أنت مجرم إذاً، غبي، وغير وطني.

- تؤمر سيدي.

- قلت لك لا تكرر كلمة سيدي.

- أرجو المعذرة: ما هو التاريخ ؟

- أوه... التاريخ، يا بهلول. هو تاريخ الناس. تاريخ البشر.

- لا أعتقد يا سيدي. أرجو أن تسمح لي لهذا النداء اللازم. من قبل كان يا مولاي و الآن يا سيدي. ساد سيادة، هكذا اقتضى التاريخ الذي تعتبره حضرتكم تاريخ البشر، وأعتبره أنا تاريخ المميزين والمديرين العامين وملاك البيوت والمقاولين وأصحاب الأسواق العصرية، ومن شاكلهم وأكل أكلهم.

- اسكت سفيه.. هذا تلقين دعاة السوء والمشاغبين ومقسمي الناس إلى طبقات، هذا تحريف بالقيم.

- هناك ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، أو ربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل، لاتحس بالتاريخ، ولا تعترف له.

- اسكت حيوان، حشرة.

- وهكذا نفيتني بهذين النعتين من تاريخكم، يا سيدي.

ومن الملاحظ أن غائب لم يوظف التراث في رواياته السابقة نهائياً، ولم يقترب منه، أما في رواية آلام السيد معروف، فقد وظفه فيها توظيفاً عالياً، باستخدام الرموز التراثية العربية: المتنبي – المعري – الجاحظ – الزمخشري، وغيرهم.. وجاء متناسقاً، ومتجانساً، إلى حد أنه أصبح جزءاً لايتجزأ من النسيج السردي للرواية، مع اشتراكه في تشكيل جمالية النص اشتراكاً فعالاً، بالإضافة إلى إعطاء النص قوة وحيوية وزخماً في التعبير، مع العمل على تعزيزه وتماسكه، كل هذا انعكس على بنية الشخصية الروائية، وتم ذلك بكل مرونة وحرية في التشكيل السردي، واستخدام التراث كمفتاح لقراءة النص، لاستيعابه، لتحليله، لتفكيكه وإعادة صياغته، وهذا يعتمد على المتلقي، فكلما كانت ثقافته واسعة أو نشطة، فإن خياله وتأويله، سيكونان متمكنين من الإحاطة بخفايا التراث في النص.

وتصل إنسيابية استخدام التراث وعفويته، إلى حد أن يجعل القارئ يقرأ الحاضر والمستقبل بعين الماض التراثي، على وفق منظور تاريخي – اجتماعي – سياسي، كما في الفقرة التالية، التي تبين مدى تداخل الموقفين وتوافقهما وتماثلهما تجاه وضعية إنسانية معينة، من خلال رؤية تهكمية ساخرة، بين الجاحظ – السيد معروف، والزيات – المدير العام:

والجاحظ طيب الله ثراه اتقى تنور الزيات برسالة موجعة مفجعة، في الجد والهزل، ينفي عنه التهم الباطلة، ويفرق بينه وبين صاحب نعمته. أنت طويل وأنا قصير. أنت أصلع وأنا أنزع. أنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير. أنت شاعر وأنا راوية. أنت ملك وأنا تابع. أنت مميز وأنا كاتب طابعة. ص61.

ومن حق القارئ أن يتساءل: كيف نستطيع أن نقيم تجربة السيد معروف ؟ بالإضافة إلى ما عرفته آنفاً، فإنه كان يقوم بإعالة (أم عجوز، وأختان عانستان – ص25)، وإنه يمثل أو يشكل: الذات – الآخر، وهو لا يمر في حالة موجود لكنه غير مفكر، أو مفكر لكنه غير موجود، بل هو يمر في حالة موجود وهو يفكر، (أنا موجود، إذن أنا أفكر)، لكن أين يكمن التقاطع ؟ يكمن في أنه ليست لديه حرية التعبير أو الحق في طرح وجهات نظره، مفارقة حادة، أنه النموذج الملغي السائد في المجتمع، مهمش ومعزول، فقط المطلوب منه تنفيذ ما يؤمر به، والخضوع للآخر – السلطة (مؤسسات – شركات – أرباب العمل – دوائر أمنية...الخ) فهذه (التجربة تتجاوز الواقع من أجل أن تحسن الغوص في داخله، وتحسن استقصاء ما يضمره) (17)، وكشف أسرار الذات، والواقع، والمتخيل. وهنا يبرز دور النص اللامقروء – الخفي في دعم وإيضاح المقروء – الظاهر، وفي منح القارئ الرؤية الشاملة، العميقة، ومعرفة الكثير عن قصدية النص،عبر القراءة الرمزية – التأويلية، والعثور على (أن عيش اللامعقول بمعقولية جامدة وباردة، تثير الدهشة ليس من غرائبية اللامعقول بل واقعيته، بل تثير الذهول من درجة واقعيته التفصيلية) (18)، وينسحب هذا أيضاً، عندما يتناول غائب تفاعل الذهنية الدينية في بنية المجتمع، ومدى رسوخها وتأثيرها فيه، واعتبارها من العوامل التي تحكم تطور وتغير الوعي السوسيولوجي، وفي تكوين رؤيته تجاه الأشياء، يقوم بتناولها ضمن رؤية مدروسة ومحسوبة بدقة، مع تجانس في كلية السرد:

لا، لست متزوجاً. قسمة ونصيب، لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف. سر على ما كنت تسير عليه دائماً، لا تعرف، ما لا تعرفه ولا تتدخل فيما لا يجوز التدخل فيه. نعم. قسمة ونصيب. أم عجوز، وأختان عانستان. لا. قسمة ونصيب. ص25.

هذا تحليل القدري للظواهر السوسيولوجية، والأخلاقية، يدفع بهذه الشخصية – النموذج، إلى ناصية التاريخ وناصية المجتمع، (فتحس ذاتها منعدمة بالاغتراب، وتستلمح به عجزها وحقيقة وجود لا إنساني – ماركس) (19)، لكن هذا لا ينفي من كون السيد معروف – النموذج، يمتلك وعياً بوضعه الاجتماعي ومعرفته العميقة بحاضره، لأن هذه المعرفة (تعمل تغييراً بنيوياً، موضوعياً في موضوعها) (20)، وأن قوته الدلالية تتجاوز النص.

ويشمل هذا أيضاً، موقفه المتشدد إزاء المشاركة في الفعاليات التي بفرضها المدير العام على الموظفين، وبقائه للأخير رافضاً عدم المشاركة، في أي فعالية، ومقاطعاً لها، لإحساسه بزيفها وتفاهتها.

وللسيد معروف صوته الداخلي، الصوت الثاني (ينطق بلسان غير لساني – ص67)، وما لم نفهم ذلك يتعذر علينا فهم هذه الشخصية – النموذج فالصوت الثاني: هو الحوار الداخلي الموجه إلى الذات، وكأنه موجه إلى إنسان آخر، يعنفه (أسكت، يا سيد معروف. ص27)، ويوبخه (لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف – ص25)، ويستفزه (هل أنت كائن، يا سيد معروف ؟ ومن أين جاءتك هذه الكينونة ؟ ص97)، والصوت الأول يتقاطع مع الصوت الثاني في الرؤية والطرح، فالأول مستسلم، خانع، هامشي، بينما الثاني متمرد، متحفز، ويتسم باستقلاليته وعدم اندماجه، وهذا ما يطلق عليه باختين (المزدوج) في هكذا شخصية روائية، وأن العلاقة الجدلية – الحوارية المتبادلة بينهما، تزداد وتتبلور، كلما إزداد احتدام الصراع بينهما، ولتشكل البنية الحقيقية للرواية.

وعند تناولنا النص، لا يمكننا أن نغفل جانباً جوهرياً فيه، ألا هو توظيف غائب للشخصيات التراثية، والأقوال المأثورة، والأمثال، والأشعار...، التي جعلت الخطاب الروائي الأصلي، يستمد منها غايته ووسائله التي يعبر بها عنها، وفي أغلب الأحيان يوظفها بتصرف مميز إلى حد يتم فيها تغير المعنى، في محاكاة ساخرة حزينة، ولتحقيق الوحدة الدلالية الشاملة في النص، بالإضافة إلى العمل على إثراء النص وتماسكه، وتكثيف المعنى وتجسيدها، مع الكشف عن رؤية النص للعالم، من خلال عملية التناص، التي تتم فيها التحولات داخل الخطاب الروائي، وأن (التناص ينتسب إلى الخطاب)(21)، وهذا يقودنا إلى قراءة النص، باعتباره نصاً واحداً لا يتجزأ، وخلاف ذلك يعني (تشتت هويته، وتبديد أنظمته الدلالية والخيالية والإيحائية، بحيث تصير مرتبطة بغيرها من الأنظمة في النصوص الغائبة التي اعتمد عليها الأديب صاحب النص المدروس)(22).

إن جوهر السيد معروف الإنساني، يكمن في وعيه العميق بذاته وبالعالم، وحدة وعيه الطبقي (وذوو الميزانيات الضعيفة هل سيحشرون ؟ أما كفاهم حشراً في البيوت الضيقة والباصات المكتظة، والدوائر الخانقة بفعالياتها ومميزيها ومديريها العامين – ص120)، ومن خلال التصدع الذي يحصل فيه – الألم، المعاناة، السخرية، التهميش، الإهمال – يقوم غائب بإعادة خلق السيد معروف، أو بالأصح كلما اشتد عليه الضغط خرج أقوى، ففي خضم الألم يفخر نفسه مزيحاً القناع عن الوهم، وإدامة كينونته الاجتماعية – التاريخية، مع تحديد العلاقة التي تربطه بالعالم، التي بدورها تكشف لنا، العلاقة بين النص الروائي والعالم، ويأخذ التحول مداه في نهاية الرواية، والذي يعد من أرقى أشكال التعبيرية في الرواية، عندما يعلن السيد معروف أنه مستعد لمواجهة المدير العام / السلطة، ولن يتراجع عن ذلك، فكفى خضوعاً وخنوعاً، لأنه (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً لكان تاريخي).

ولابد من التوقف أمام بنية العنوان (آلام السيد معروف) وبنية الإهداء (إلى الشهداء الأحياء ممن لهم شبه بالسيد معروف)، فهذه الجمل الإشارية والمرجعية، تخلق رد فعل فوري إيحائي من قبل المتلقي عند استقبالها، منطلقة من انفعالية شعورية، اعتماداً على الإحالة إلى الواقع، ولأن هذه الإيحائية التوصيلية تجعل المتلقي يشكل صوراً ذهنية وحسية تلقائية ذات دلالات قيمية، قبل الدخول إلى عالم المتن الروائي، فأنها ستعمل على إضاءة النص بكامله، أو ستجعله يخضع لبنية سلطتها، ولتكون علامة تحفيزية، لأن المؤلف في هذه الجمل حصر قصدية كلية السرد فيها، وأن هذه الجمل ملحقة بغائب / النص اللامقروء، وبالسيد معروف / النص المقروء، وبهما تتشكل بنية النص الروائي.

 

أسامة غانم

............................

الهوامش والإحالات:

1- ال. ال. جميز، النص وما وراء النص ت: د. محمد درويش، مجلة الأقلام، العدد الرابع / تموز – آب 2001.

2- م. ن

3- د. شجاع مسلم العاني، البناء الفني في الرواية العربية في العراق، ص195، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1994.

4- عبد الرحمن منيف، لوعة الغياب، ص138، المؤسسة العربية للدراسات العربية، ط2، بيروت 2000 والمركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع الدار البيضاء، المغرب، وانظر كذك: مجلة الهدف، العدد 1134 في 31/1/1993.

5- جورج لوكاش، الرواية التاريخية، ت: د. صالح جواد الكاظم، ص432- 433، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط2، 1986.

6- م. ن، ص417.

7- مايكل. هـ. ليفنس، أصول أدب الحداثة، ت: يوسف عبد المسيح ثروة، مراجعة د. فائز جعفر، ص21، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

8- د. فيصل دراج، غائب طعمة فرمان في ذكراه الثالثة (ملف)، مجلة الهدف، العدد 1134 في 31 / 1م1993.

9- م. ن.

10- نيقولا برديائف، رؤية دوستويفسكي للعالم، ت:د. فؤاد كامل، ص19، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986.

11- لوعة الغياب، ص137.

12- رولان بارت، نقد وحقيقة، ت: د. منذر عياشي، ص24، مركز الإنماء الحضاري، دمشق.

13- د. فيصل دراج، الرواية والمجتمع المدني، مجلة الهدف، العدد 1123 في 1/10/1992.

14- الرواية التاريخية، ص184.

15- تزفيتان تودوروف، المبدأ الحواري: دراسة في فكر ميخائيل باختين، ت: فخري صالح، ص38، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

16- م. ن، ص50.

17- أدونيس، الصوفية والسوريالية، ص185، دار الساقي، ط2، بيروت 1995.

18- د. عبد الرزاق عبد، سلمان رشدي في المنظور العربي (ذهنية التحريم، صادق جلال العظم)، ص372، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ط2، دمشق 1994.

19- جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ت: جورج طرابيشي، ص133، دار الاندلس، ط2، بيروت 1982.

20- م. ن، ص149.

21- المبدأ الحواري، ص82.

22- محمد أديوان، مشكلة التناص، مجلة الأقلام، العدد 4-5-6، نيسان – مايس – حزيران / 1995.

 

عادل الفتلاويدوّامةٌ تلكَ التي يدْخلها قارئُ روايات (دان براون/Dan Brown) إذ يمتزجُ هناك القديم بالحديثِ، جماعاتٌ سريّةٌ منحدرةٌ من الأديرةِ والكنائسِ بمخطوطاتها ورموزها، في مقابلِ النشاطِ المتسارعِ للتطوّر العلميِّ الحديث، مع أحداثٍ بوليسيّةٍ غير متوقعةِ الجريانِ، يقودها بطلُ رواياتهِ(روبرت لانغدون) عالم الرموز الذي بذكائهِ يفتحُ مغاليق المغامرةِ القائمةِ على تحليلِ واكتشافِ ومعلومات كثيرةٍ يدسّها في متنِ رواياتهِ، إلى حدِّ استعراضِ ثقافتهِ العالية في مجال التتبِع التاريخيِّ للتراثِ المسيحيّ المتشعّب منذ فرسانِ الهيكل، فضلا عن سعةِ اطلاعهِ على الجماعات والأعلام الماسونيةِ والفنونِ بكلِّ أشكالها لدرجةٍ تثير الإعجاب حقّا.

بعدَ صدورِ روايته الأخيرة (الأصل/Origin) دفعتني الرغبةُ إلى إعطاءِ رؤيةٍ مجملةٍ وقصيرةٍ لأفكارهِ التي بثّها بينَ طيّاتِ رواياتهِ، ومحاولةِ اكتشافِ عوالمهِ المكتظةِ بالأسرارِ والسعي إلى تفسيرها فكأنهُ يمارسُ تفكيكا للمثيولوجيا، مستخدما خبيرَ الرموزِ والفنّ الأستاذ في هارفرد (روبرت لانغدون) قناعا وأداةً لذلك، ولا شكَّ أننا أمام رواياتٍ تحتاجُ إلى متلقٍّ لهُ اهتمامٌ بالتاريخ وولعٌ بالتراثِ والجماعاتِ الدينيةِ والغموض، ليكملَ سيرهُ في أدغالِ براون، ولاشكّ أيضا أنه سيجعل من قارئهِ مهتما بهذا التاريخ المنسيِّ ومتسائلا في الوقتِ ذاتهِ (هل ما زالت هذه الجماعات مؤثرةٌ في عالمنا؟) خاصةً أنّ هناكَ نظريةً للمؤامرةِ وسياساتٍ عالمية تقودها أيادٍ خفيّة أقوى من الماسانوية التي قرأنا أنها مجرّدُ منظمة عالميةٍ تعملُ على انحدارِ الإنسان نحو ملذّاتهِ دونَ الإحاطةِ بأفكارها الأخرى، فقد حرّكَ –براون- المياه الراكدةَ وأخرجَ –بتأثير روايتهِ- هذا التاريخ إلى السطحِ، من خلال كتبٍ تُرجمتْ حديثا تتناولُ كلّ ما لهُ صلةٌ بما بثّهُ في رواياتهِ لفرسانُ الهيكل، والمجدلية، والمعابدِ الماسونيّة، والجماعات السريّة، والرموز الدينية، والمؤامرات المقدسة، والصراع بين الدين والعلم .. الخ.

وبما أنَّ عملَ الأديب يرتبطُ بشكلٍ وآخر مع قناعاتهِ الشخصيةِ، وبيئتهِ الاجتماعيةِ والعلميّة، فقد أفاد براون كثيرا من وجودهِ بينَ أسرةٍ تدورُ اهتماماتها بهذا المجالِ بشكل مباشر فوالدهُ عالم رياضياتٍ ووالدتهُ محترفةٌ للموسيقى الدينيةِ، أما زوجتهُ بلايث فهي أستاذة في علم تاريخِ الفن ورسامةٌ أيضا وشخصيا فهو-أي براون- من المولعين بتتبعِ الأسرارِ والرموزِ ومحاولة تفكيكها، وذلك لم يتجلّ فقط في رواياتهِ التي بطلها "لانغدون"، بل حتى في روايتيهِ الأخريتين "الحصن الرقمي" التي تدور في أروقة ال(C. I. A) و"حقيقة الخديعة" التي يتعرّض فيها إلى وكالة ناسا الفضائية، وفسّرَ شغفه بهذا الاسلوب قائلا:" - أعدُّ نفسي كاتبًا يكتشف التاريخ، تثيرُ المعتقداتُ المتعارفُ عليها اهتمامي لا سيما أن جذورها ليست مرسّخةً في الواقع التاريخيّ بقدرِ ما هي مرسّخة في الإبداع البشري"، فهو حتما يجدُ أن هذه المادة التي يستند عليها مكتنزة بالتشويقِ الذي يسعى إليهِ دون أن تكونَ مبنيّة على أسس فلسفيةٍ إنسانيّةِ.

خامرتني فكرةٌ مفادها: هل هناكَ قصديةٌ في تسلسلِ رواياتهِ؟ فمن الصراعِ بينَ السلطة الدينية (الفاتيكان) والتنوير/العلم، ومحاولة نسف الفاتيكان بقوة العلم، إلى البحثِ عن ذريةٍ للمسيحِ وضريح مريم المجدلية ومحاولة منعِ انكشاف هذا السرّ من قبل منظمةٍ سريّة في إطارٍ من الألغاز والرموزِ ذاتها المستخدمة في روايتهِ الأولى من السلسلةِ، ثمَّ إلى عالم الماسونيةِ وثقافتهِ بهذه الحركةِ وإعجابهِ بها نافيا أن يكون ماسونيا بقوله:" "أحترم كثيرًا الفلسفات الماسونية وتاريخها ومبادئها إلا أنني لست ماسونيًا. كي يصبح المرء ماسونيًا، يجب أن يتعهد بكتم الأسرار، أما أنا فأفضّل أن أحظى بحريةِ الكتابةِ عن كلِّ شيء، حتى عن تقاليدِ الماسونيين واستخدامهم الغنيّ للرموز"، ثمَّ التطرّق إلى مشكلةٍ عالميةٍ هي الانفجارِ السكانيّ انطلاقا من جحيم دانتي في الكوميديا الإلهية واضعا خطّةً طبيعيةً لذلك وهي بقاء العنصرِ الأنقى جسديا، ثمَّ تكرار الفكرة ذاتها لكنّ التفوّق يأتي من خلالِ دمج الإنسان بالآلةِ وتحويله إلى كائن سوبراني كتطوّرٍ طبيعيٍّ للأجناسِ إذ لم يتوقف على الكائنات الحيّة العضوية.

ففي روايتهِ الأخيرةِ –أعني الأصل- استحضرتُ فيلم (RoboCop) ذلك الشرطي الذي أصبح ثلثي جسمه آليّا بعد إصابتهِ!! وبرأيي ليسَ هناكَ جديدٌ في فكرة براون؟ كتبَ عن أمر موجود أساسا(الإنسان السوبراني) عدا المعلوماتِ عن كنيسةِ "ساغرادا فاميليا" التي قدمها بطريقة يجيدها!!، لكنَّ ذلكَ لم يمنع من كونِ الروايةِ اتخذت الحماس ذاته بالنسبة لي كقارئ، فنرى أفكار ستيفن هوكينغ وداروين وبعض الملحدين والمتنورين واضحةً لدرجةِ عدم محاولة اختبارِ ثقافةِ القارئ لاستنباطها من خلال الرواية، ولمّحَ في لقاءٍ صحفيٍّ الى أن روايتهُ القادمة ستكونُ عن بطلهِ المحبوب له ولمتابعيهِ أيضا عالم الرموز العبقري"روبرت لانغدون" لكننا في الحقيقة أصبحنا نستطيع أن نخمّن ما سيجري الكتابة عنه، مكان جديد بالآلية ذاتها مع قصة بوليسية مشوقةٌ، وماذا بعد؟

دان براون ليس في مصاف الروائيين الأمريكيين الكبار كأدغار ألن بو، وهمنغواي، ووليم فوكنر وغيرهم، ولكن له أسلوبًا خاصًا في كتابة الرواية وهي الرواية التشويقية، وهذا النوع ينحصرُ بمرحليته فليستْ رواياتهِ من الخالدات- برأيي الخاص- إنما موجهة للجماهير ولا تنطوي على رسالةٍ إنسانيّة يستطيعُ القارئُ البحثَ عنها من خلالِ الغوصِ في أعمقها، وهو يعني ذلك بقوله: "أقوم بتأليف الرواية التي أحبُّ قراءتها وهي رواية تسلّي وتلبّي الفضول الفكري وتلهمه".

مع كلّ ذلكَ فهو روائي عبقري استطاعَ بهذا الخليطِ التاريخي، المثيولوجي، البوليسي خلقَ رواياتٍ استطاعت أن تترجمَ إلى 50 لغةً عالميةُ ويباع منها أكثر من 200 مليون نسخة.

 

عادل الفتلاوي

 

 

منذ بدء الخليقة والموت يتربّص بالإنسان ويقوّض أحلامه في عالم موعود بالغياب والفقد والتلّاشي.

موت ليس يأبه بالأحلام والأمنيات ولا يهتمّ للمواقيت ولا للمواعيد. كوحش يأتي على الأخضر واليابس.

ويحصد السّنابل الغضّة والنّاضجة لا فرق. وأمام هذا المارد الأعمى لم يجد الإنسان غير الفنّ يقارع به العدم. نحتا كان أو رسما أو نغما.

وكان الشّعر عند العرب خير ملاذ يبثّه الشاعر شجونه وأحزانه ويتصدى به صولة الفقد والغياب .فيسعى إلى تخليد الرّاحلين عبر القوافي والأاشعار

وها نحن إزاء نصّ شعريّ ...مرثية للشاعرد.جمال مرسي .... بثّ فيها عصارة أحزانه وأشجانه تخليدا لذكرى فقيده وبن عمّه

"رحمك اللّه يا هشام "

القصيدة رغم حداثتها استجابت لرّوح الشعر العربي الصّميم واستبطنت بنية المرثية العربية التقليدية والتي يتوزعها التفجع والرثاء والعزاء او السلوان ,لان الموت في نهاية الأمر يبقى مستجيبا لقوانين انسانية تقتضي أن يملكنا الجزع والحزن لفقد من نحب ويحتم علينا التذكر ان نسرد مناقب الفقيد وماثره .ولابد في نهاية الأمر من الّببر والتّسلي لأنّ الانسان كائن هش لا حول له ولا قوة أمام جبروت الموت وصولته..واذا تأملنا القصيدة ألفيناها قابلة إلى مقاربات شتى .

فالقصيدة يتوزّعها معجمان بيّنان

الأول ينتمي إلى السّجل الوجداني الإنفعالي من قبيل"أشكو...أـشتكي حزني .. الحرمان... الأسى ...دمع العين ...دماء تسفك. تفجعني. بحور ادمعنا ..ادمى الأسى الجمر"...

أمّا المعجم الثاني الذي حذا فيه الشاعر حذو أسلافه من الشعراء المفجوعين الرثاة فهو معجم التأبين أي ذاك الذي يهرب فيه الشّاعر من لحظة الحاضر الموسوم بالفقد إلى الماضي المطبوع بالحضور وفيه سيجد الشّاعر ملاذ التّذكر والامتلاء الوجداني بما يعدّده من خصال المفقود ,خصالا من شأنها أن تخلّده وأن تجعل منه أيقونة قيّم ومُثُل لا تبيد وهذا بين نلمسه في ذلك الانتقال الزّمني من اليوم إلى الأمس....

بالأمس قد غرست يمناك بذرتها

واليوم نحصد ما خلفت من غرس

واذا تأمّلنا الصّورة التي رسمها الشّاعر للفقيد ألفينا المعجم ينهل من معين أخلاقي صرف وهو ما يضمن لسيرته التّواصل والخلود.

فهو لئن باد جسدا فإن بستان أخلاقه ظل مزدهرا رييّنا يهرب رواءه للناهلين

اللّسان رطب بالاذكار متعفّف عما يشين

والنفس مترفعة عن الصغائر ما يرتقي بها لتعيش بجوار النبيين والشهداء

والخير هو النذهج الذي اختطه لنفسه لبس يحيد عنه ابدا.

وما كان الشاعر لينسى أن يضمّد جراح نفسه وشعره بما يسمّى عزاء في قصيدة الرثاءوهو قسم بطول ويقصر ويأتي عادة بعد التأبين ,وهو ترجمة عن واقع الحال البشري ازاء الموت ذلك ان التّفجّع مهما كانت حدّته وسوْرتُه فإنه لا يدوم وما على الفاقدالا أنْ يتأقلمَ مع رحيل مفقوده لأن ذلك من سنن الوجود

والموت ما هو الا الوجه الآخر للحياة لذلك لا بد من الصّبر والاصطبار وهو ما نلمسه في قوله

"أستغفر الله قد ادمى الاسى لغتي. "

وفي قوله أيضا

"ليس اعتراضا على أقدار من خضعت

له الجبابر من عرب ومن فرس"

ويبلغ التّأسي ذروتهَ عندما يتحوّل البكاء والنّشيج إلى دعاء بالرحمة في ثقافة إسلامية وعدَتْ بالنّشور وجنّات النّعيم خاصة لمن زرع بذور الخير وظلّ لسانُه رطبا بالذّكر كحال الفقيد.

لكننا نلمس ان التّفجّع ظل يصاحب الشاعَر لم يغادره في مختلف اقْسام النص وهو ما يعبّر عن منزلة المرثي في نفس الراثي .

فرغم محاولة الشاعر ركوب صهوة العقل والتبدي بمظهر الحكيم المؤمن بقضاء الله وقدره فإن القلب ظل جذابا له مسيطرا على معجمه المفعم بالمشاعر والأحاسيس

.

لَــكِـــنَّـــهُ الــفَـــقـــدُ للأحبابِ أرَّقني

و وَقْــعُ آثَــارِهِ كالجمر فِـــي نَـفـسِـي

فالمقطع يشوبه احساس موجع والكلمات التي استعملها الشاعر نابضة بالأسى ..

فعندما يكون للفقد آثار الجمر في النّفس يعي المتلقي عمق حزن شاعرنا ايزاء هذا المصاب الجلل

بِــالأَمــسِ كُــنـــتَ أيا ابن العمِّ تؤنسنا

و اليومَ نحيا على ذكراكَ بالأمسِ

وعندما يُدوي الفقد والغياب ويستأثر "اليوم "بما حفل به الأمس تصير ذاكرتنا في الغائبين والرّاحلين زاخرة من معين متدفّق بهم ..

أختم بالقول أنّ مرثية د.جمال مرسي في بن عمّه قد استجلت الحس والشعور المرّ بالموت والفقد ..واعتبرها من اقوى المراثي التي أشاع في مقاطعها فيض حزنه وشجنه بما أكسبها بذاخة الوجع ....

رحم الله فقيدكم شاعرنا القدير ..وإنّا لله وأنّا إليه راجعون

 

منوبية غضباني – تونس

..............

للاطلاع على القصيدة

 ياموت / جمال مرسي

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/946306

 

 

حسين فاعور الساعديللدكتور الشاعر صادق السامرائي

الدكتور الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة الطويلة، بالمقارنة مع مقالاته الفكرية الشيقة والقصيرة، يتناول قضية العقل أو المعرفة أو العرفان لأنها هي التي توحدنا أو من المفروض أن توحدنا وتجمعنا وهي سبيلنا الوحيد لإرساء العدل والمساواة:

تَجَلّتْ وحدةٌ فينا وبانَتْ

بأنوارٍ مُشعشعةٍ تنامَتْ

 

فأغْرَتْنا بروح الحقّ شوْقا

لصادقةٍ مقاعِدُها تساوَتْ

لقد تطرق شعراء كبار لقضية العقل أو المعرفة في الشعر العربي كابن العربي وأبي العلاء المعري وأبو نواس وبشار ابن برد وغيرهم. لكن التطرق لها في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه له أكثر من معني وينطوي على أكثر من دلالة. فأمتنا العربية تتعرض لعملية إلغاء ممنهجة للعقل ولكل ما يتعلق به واستبداله بالغرائز والنعرات التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتحوله إلى حيوان سيء يقتل أخاه وجاره ويأكل لحمهما. والأبعد من ذلك يسهل توجيهه وتجنيده حتى ضد نفسه.

قوى الشر لتحكم سيطرتها على شعوبنا عمدت إلى تجريدها من أغلى ما تملك وهي جوهرة العقل التي لا تُقدّر بثمن. العقل الجمعي لهذه الأمة تم تغييبه تماماً لتحل محله الغرائز والنزوات التي قادت إلى صراعات دامية ومذابح لا يقبلها العقل:

صِفاتُ الذاتِ جَوْهرُها جُمانٌ

أحاطتْ كلَّ موجودٍ ودامَتْ

 

رأى نورا بهِ الأنوارُ تُسْقى

فما بَصَرَ الغيوبَ وما أجادَتْ

 

أ يُعْقلُ عَقلنا والنفسُ تهْوى

ودونَ العَقلِ أهْوالٌ توالتْ

 

وأوْهامٌ على وَهَمٍ سَتُلقى

بأفكارٍ مُألّسةٍ أغارَتْ

 

وكيفَ الوعيُ مُرتَهنٌ بحَدٍ

فوَعْيُ وجودِنا حُجُبٌ تسامَتْ

عندما يذهب العقل تبرز الأهواء والرغبات. وعندما يذهب العقل تتوالى الأهوال وتعم الأوهام وتضيع الأهداف ويسهل الاستهداف والاستهبال. والأصعب من كل ذلك تتحول الأمة إلى قطيع يسهل التحكم به والسيطرة عليه. فالعقل هو الذي يستفسر ويسأل ويناقش:

وإنّ الأيْنَ مِفتاحٌ لكشفٍ

بباصرةٍ أحاطتْ واسْتنارَت

التغريب واضح وجلي في هذا البيت وهو الأسلوب الذي اختاره الشاعر لهذه القصيدة التي أراد بواسطتها أن يهز النائمين الخاملين ويحثهم على النهوض.

فهلْ تدري وكونُ الكونِ يَفْنى

خلائِقُها بأخْلاقٍ أطاحَتْ

في هذا البيت يلجأ الشاعر إلى الانزياح ليزيد من جماله وليمرن المتلقي على التفكير وتشغيل عقله. في الحقيقة كل القصيدة مزركشة بالتغريب والانزياح والعدول مما زاد من جمالها وفي نفس الوقت من وقعها الصادم على المتلقي.

تَلاقى كلُّ مَوْجودٍ بآتٍ

كساطعةٍ مِنَ الأقْمارِ عانَتْ

 

أ يَذْهبُ خَلقها هَدْرا هَباءً

بكارثةٍ على أمَمٍ تداعَتْ

العقل هو الذي يسأل وكلما سأل كلما ازداد توهجاً. والعقل هو الذي يضع الضوابط أو الأخلاق فإذا ذهب العقل ذهبت  الضوابط وضاعت الأخلاق. والأمة التي تفقد أخلاقها تفقد ذاتها، تضيع وتتوالى عليها الكوارث والنوائب.

الأبيات المقتبسة أعلاه جميلة جداً لما فيها من تكثيف وحث على تفعيل العقل وشحذه بشكل متواصل ليظل منيراً وملماً. كما أن الانزياح في هذه الأبيات ناعم سلس ورائع وجاء ملائما لموسيقى القصيدة الهادئة الراقصة. الموضوع فلسفي عميق يطرع السؤال الكبير: هل تدري هذه الخلائق وهي تطيح بأخلاقها أن هذا الكون فانٍ وزائل؟ لو درت لما أطاحت بأخلاقها وهي أعز ما تملك.

ليس المستعمر والأجنبي لوحده من يعمل على مصادرة العقول وتجفيفها بل هنالك ذوي القربى من الملوك والسلاطين والحكام الذين يخافون العقل فيجهدون في كبته وتغييبه:

وطغيانُ العروش بها تمادى

ودائرةٌ بنا رَحُبَتْ وضاقَتْ

العقل أو المعرفة هو السبيل إلى معرفة الله. ومعرفة الله إذا حصلت بالعقل والمعرفة فهي الطريق إلى الاستقامة والمحبة والعدالة أما معرفة الله بالغريزة والنزوة فهي الفئوية والطائفية التي تنجب الضلالة والخطأ والظلم. وما كل هذه الحركات التكفيرية والطائفية والفئوية إلا نتاج هذه العلاقة الغريزية مع الله والبعيدة كل البعد عن سلطان ومنطق العقل والمعرفة:

هو الله الذي عَظمتْ عُلاهُ

كأنّ الروحَ إنْ تلقاهُ آبَتْ

 

تقاسَمتِ البرايا كدْحَ طوْعٍ

بإنصافٍ وإجْحافٍ توارَتْ

 

أ مَقهورٌ بقاهرةٍ لفَحْوى

كأنّ القهرَ أقدارٌ أصابَتْ

 

وقهّارٌ بأقْهَرها شديدٌ

عظيمُ العزّ في سُتُرٍ تعالتْ

 

لطيفٌ صانعٌ خَلقا وخَلقا

لطائفُ صُنعِها وَهَجا أثارَتْ

 

عليمٌ إذْ يَراها في دُجاها

كأنملةٍ بأقبيةٍ تخافَتْ

 

وينظرُها ويُطْعِمُها فرادا

ويُحْصيها وإنْ كثرتْ وزادَتْ

 

وإنّ الأرضَ مِعيارُ اكْتيالٍ

وكائنةٍ بأكوانٍ تصادتْ

اللقاء بين الله والروح يؤدي إلى التوبة والاستقامة. والعقل يلغي الظلم ولا يقبل به. وبالعقل تتم المساواة والعدالة ويتم إرساء النظم والضوابط أو الدساتير. وتنشأ العادات والتقاليد الحميدة التي توطد الأخلاق والقيم "فالأمم الأخلاق" وعندما تذهب الأخلاق تضيع الأمم ويصير حتى الأديب والشاعر يضرب بسيف السلطان الظالم والجائر ويتغاضى عن جرائمه بل ويدافع عنها.

الطباق والجناس قي هذه الفقرة جاء بارعاً وموفقاً. زادته جمالاً موسيقى القصيدة. كما أن التكثيف الموفق زاد من عمق الطرح لقضايا فلسفية كبرى: كخلق الله للإنسان وعلمه بظاهره وباطنه، وخلقه للكون بما فيه من اختلاف وتنوع.

هذا الإيمان بقدرة الله وعدالة رعايته وقسمته يمنح الإنسان الطمأنينة والاستنارة بسلطان العقل المقر بقدرة الله وسلطانه. فيبتعد عن الجشع ويأنس بالقناعة.

قلوبُ العارفينَ لها شروقٌ

بها الأنوارُ قد حفّتْ وطافَتْ

"ويخشى اللهَ من عباده العلماءُ" لأن العالم او العارف قلبه مضاءٌ بالأنوار التي تشع لتنير ما حوله أيضاً. والعلم أو العقل هو الطريق إلى معرفة الله والاستنارة بنوره.

فهُمْ رَعَدٌ وبَرقٌ مُستهامٌ

يريدُ بزوغَها أنّى تزاغَتْ

العارفون هم البرق والرعد الذي يبشر بالمطر ويريد بزوغ الشمس مهما كان ميلانها.

لنَسْعى نحوَ ستّارٍ حَليمٍ

يُبشّرُنا بخالدةٍ أكالتْ

دعوة خالصة ومخلصة إلى العودة إلى الله، الذي يبشرنا بالخلود لحلمه ورحمته بنا.

ونقرعُ بابَ غفّارٍ كريمٍ

يبرِّؤنا لأنّ النفسَ ساءَتْ

عودة حقيقية إلى الله بقرع بابه ليغفر لنا كل السيئات التي اقترفتها نفوسنا الأمّارة بالسوء.

حَوائبنا بميزانٍ قَسوطٍ

فما خَسِرتْ ولا كيلٌ تطاغتْ

ذنوبنا وخطايانا ستوزن بالقسطاس المستقيم الذي لا يظلم أحداً.

يُسَبّحُ كلُّ مَوْجودٍ بإلاّ

وذرّاتٌ بمَحْمودٍ تبارتْ

 

دموعُ غيومِها هَطلتْ فأحْيَتْ

كوامِنَ بذرةٍ سألتْ وتاقَتْ

كل ما في الكون يسبح بحمده ويتبارى في ذكره لتنهمر الدموع كدموع الغيوم التي إذا هطلت ربت وتحركت البذور التي كانت تنتظر وتتوق للنمو. حتى مع البذرة الكامنة في التراب يستعمل الشاعر فعل التساؤل كبداية للحياة وهذا يرمز إلى أهمية السؤال في تشغيل العقل وحثه على العمل وهو ما تحتاجه امتنا الخاملة.

تعشّبَ تُربُها والزرعُ يَسعى

بمثمرة لمَسْغبهٍ أجابتْ

بعد المطر تنبت الأعشاب. الفعل "تعشّب" جاء موفقاً ومعبراً. وتثمر الأشجار لتسد رمق الجائعين.

تجاوَبتِ الأيائكُ في نُواسٍ

تغرّد لحنَ أطيارٍ تشادَتْ

ومِنْ نفحاتها عَبقٌ عَذيبٌ

يُخلّع كنهَها وبهِ اسْتعانَتْ

وتتحرك الأيائك لتسبح وتغرد في ذكر الله كالطيور وتبث نفحات استعانتها بالله. في هذه الأبيات يذلل الشاعر اللغة ويصوغها من جديد لتتحمل ما أراد التعبير عنه من مفاهيم فلسفية صوفية روحانية عميقة.

تباركَ ربّنا بعَجيبِ كوْنٍ

تُسيّرهُ مَقاديرٌ أحاطتْ

تبارك الله أحسن الخالقين الذي أبدع هذا الكون العجيب الذي تسيره القوانين والأحكام والمقادير التي تشمل وتحيط كل شيء.

فهلْ عُدنا إلى الإحسان فيها

بصالحةٍ لإعثارٍ أقالتْ

 

ورغْمَ الحبّ فرّقنا لحبٍّ

يوجّعنا بداهيةٍ أغارتْ

 

تهجّرَتِ البرايا واسْتهامتْ

فلا وطنٌ بهِ الأقطارُ فازتْ

 

وإنّ القلبَ مكلومٌ بتيمٍ

ونبضُ وجودهِ جدواهُ خابتْ

في هذه الأبيات المقتبسة أعلاه يدعو الشاعر إلى الإحسان وفعل الخيرات. إنها دعوة الفيلسوف المؤمن بالله من خلال سلطان العقل وليس من خلال كونه ممثل الله على هذه الأرض كما يفعل المتسترون وراء الدين. فغياب العقل أبعدنا عن الله وأدى إلى العثرات وتهجير الملايين وبينهم العلماء من أوطاننا العربية. وهكذا خسرنا الأوطان وجرحت القلوب المتيمة بالمعرفة وحب الله.

أذِقْني يا إلهي بعض عَفوٍ

فإنّ نفوسَنا ولعَتْ وشانَتْ

إنه اعتراف المتصوف المؤمن بذنبه، كاعتراف النبي يونس وهو في بطن الحوت "...سبحانك إني كنت من الظالمين".الآية 87 سورة الأنبياء. ما أعظم هذا الإيمان.

أنيسُ الروحِ مَحفوفٌ بنورٍ

وإنَّ الروحَ مِنْ رَمَضٍ تساقتْ

التورية في هذا البيت أعطته أبعاداً مختلفة ودلالات تشحذ ذهن القارئ وتحفزه على التفكير والتأمل. من يسامر الروح تحفه الأنوار. الروح التي "من رمض تساقت". فالرمض قد يكون الحر الشديد وقد يكون المطر الذي يسبق الخريف. وتساقت قد يكون شربت أو تبادلت السقي وقد تكون تبادلت الحرب أيضاً. إمكانية التأويل هي أحدى ميزات الشعر التي تجعله يختلف عن الكلام العادي.

ومِنْ سُلاّفة الوْجد ارْتَوَيْنا

فكمْ أعْطتْ إذا عُصِرَتْ وسالتْ

الوجد والشوق إلى المعرفة التي هي العقل الذي هو الله هي التي تروي النفوس الظامئة إلى المزيد من المعرفة أي إلى المزيد من العقل أي إلى المزيد من معرفة الله والتقرب إليه. "سُلّافة" في اللغة البدوية هي الحكاية او القصة أو الرواية...لا أدري!

بتقصيري وجَهلي وافْتِقاري

كبوْتُ مُغفّلا فدَجتْ وخابَتْ

إنه اعتراف الناسك المتصوف الذي يرى الله نوراً ويرى المعرفة نوراً والجهل دجى وظلاماً وخيبة.

غفورٌ أنتَ رحمانٌ رحيمٌ

فكنهُ سلوكنا رُغَبٌ أعالتْ

الرب غفور رحيم رغم تصرفاتنا النابعة من الرغبات والنزوات.

تعالى الله عن رفدِ الرزايا

تُصنّعها مُؤمّرةٌ أشارَتْ

 

كأنَّ العقلَ موؤدٌ بغيبٍ

فما عَقلتْ ولا يوما أثابتْ

 

فكيفَ عِقابُنا والعَقلُ مُلغى

وكيفَ ثوابُنا وبنا تهاوَتْ؟!!

هي مناجاة المتصوف العالم المفكر الذي يؤمن أن الله لا يحث ولا يبارك الأخطاء والجرائم. ويتساءل كيف سيعاقب الله من عطل عقله وألغاه ومن ناحية ثانية كيف سيجزي من هوى في ظلمات المعصية والجريمة.

الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة المناجاة يغوص عميقاً في النفس البشرية المريضة  ليشخص الداء لإعطاء الدواء. وقد نجح في وضع يده اللطيفة الحانية على مواطن الوجع. الجسد العربي مريض بداء الجهل ودواؤه هو المعرفة. الجسد العربي مسلوب الروح مشلول العقل والدواء هو التساؤل والمزيد من التساؤل في كل شيء وتحريض العقل على العمل. العقل العربي الذي صودر وألغي واستُبدل بالغرائز المتوحشة التي تسترت بالدين السمح والحنيف لتنقض على كل ما هو جميل في وطننا. تركنا الإيمان بالله الذي هو الأصل وتبعنا المذاهب والطوائف التي هي فروع، فأفسدنا كل شيء. تجاهلنا قوله سبحانه: "فقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..." الآية 29 سورة الكهف. ونصبنا أنفسنا قضاة نقرر ذبح هذا ونفتي بقتل ذاك.

 

حسين فاعور الساعدي

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس*

ترجمة: د. صالح الرزوق

حينما اكتشف باتريك "زوجا من الأبواق القديمة" في المشهد الافتتاحي من رواية "النفور"، تضاعف انتباهنا بطبيعة إدراكاته وعلاقاته الأولية.  أولا حرض وجود "ساكسوفونات إنكليزية من فترة غابرة" ذكريات بعيدة عن "رغبة سرية عند البطل" ليكون رساما. وتحول تصوير الأشياء المادية  لتكهنات عن إمكانية أن تكون فنانا. وهذا ما يبدو واضحا في تركيب واتجاه الحكاية. فقد بدأت الجملة كما يلي: “الأنابيب أشياء غريبة بنظر باتريك وتترك لديه انطباعات عجيبة". أما نصف الجملة الثاني فقد عدل النصف الأول، ولم نعد ننظر للأنبوبين كأنبوبين، ولكن كوسيط يحرك إدراك وخيال باتريك. و"الغرابة" هنا شيء يعود على باتريك، لا على الأنابيب. الأمر الذي يدفعنا للتكهن والتخمين حول حقيقية هذه الأنابيب – بتعبير آخر ما هي الغاية الفعلية منها. يمكن النظر إليها كشيء استعمله الكاتب بسياق إستاطيقي قبل أن يتحول لهوية فعلية "محددة" (كما في قوله: الأنابيب العادية التي يستعملها السباك أو الكهربائي). وحتى قبل أن يقرر شراء البوقين، وقبل أن يعنى بوصف تفاصيلهما المادية، يقوم باتريك بإجراء اختبار "في خلفية" مركز الفنون المحلي. وهكذا يحتل الأنبوبان موضعا وسياقا بين الأشياء "العادية" و"الاستاطيقية" منذ أول لحظة في النص. وتراوح هذه المعاني بمكانها طوال أحداث الرواية. وحينما يعود باتريك للظهور مع البوقين يجذب انتباه زملائه في العمل فيرفعون حواجبهم من الدهشة، ولا يجد شيئا للتوضيح غير أن يقول:”من الآن وصاعدا سيكونان معي في كل مكان"، ولا يوضح أو يحدد كيف.

كان البوقان لغزا  له احتمالات جمالية ويطبق باستمرار ضغطا تفرضه الأشياء العادية والعملية. وبتأمل مشروعه نصف الواعي، الهادف لـ "تحويل الأشياء المنتجة تجاريا إلى أدوات جمالية"، يعتقد باتريك أن "أي شخص يمكنه النظر للأنبوب بطريقته ويتمنى لحامله حظا طيبا". ووبتقديم الأنبوبين بشكل أدوات موسيقية وليس صناعية يخلق "مسافة" تفصله عن الواقع المادي، وهو ما يقود لخلق سوء تفاهم  وعدم ثقة،  أول الأمر، بين باتريك وبين (أدوات الخلاص والهروب). ولكنه بالتدريج، أثناء العزف والتجريب، يشعر بالتحرر من حالته الداخلية الخانقة. ويفتح الباب لوعيه الباطن للانطلاق والتعبير عن ذاته ويستخدم الطقوس الفنية للتصعيد، يقول: ادخل إلى أعماقك يا قذر. اعزف بهذا الملعون قبل أن يمر الوقت وينقضي. ولكن ما يجري أن باتريك يرفع الأنبوب لشفتيه ويغلق جفنيه، وينفخ بصوت عميق وطويل، صوت واحد وحسب، يضغط شفتيه، ويحكم إغلاق جفنيه، فتنبع الدموع فيهما من الزوايا، كما يحصل عندما تبلغ منتهى السعادة والتأثر، شيء ما ينبع ويسيل من داخله ويحرر كتفيه من الأحمال الثقيلة التي تضغط، ثم يخف التوتر الفظيع الفظيع جدا، ويتخلص من ذلك الشقاء، شقاء نفسه، من جلد ومعاقبة نفسه، من هناك فقط، من هناك، هناك، يتابع ويتابع، يمكن أن تقول لمسافة قريبة، ليس لامتناهية، لكنها مسافة..”. مثل هذه القدرة على تصعيد المساحة الجمالية – التعليق المؤقت لما هي الأشياء عليه -  يفسر أيضا علاقة الأنابيب بالحرية والاحتمالات والخلاص. كما في قوله: (“وأنت تنفخ بهذه الأنابيب كل شيء يكون ممكنا . كلا!.  بل يصبح احتمالا!”).

لو أن الأنابيب (يقصد البوقين) راوحت بين ما هو مؤكد وصدفة – ولنتذكر أن باتريك عانى في البداية من "طبيعتها" التي تزيد  أو تقلل من “إحساسنا بمعناها الحقيقي” - فإن المعنى الجمالي والممكن جعل “المعطى والمحدد” فوق أي تشابه وتكرار يمكن أن يقود لشلل المعنى. وتحقق ذلك بواسطة المبالغة المقصودة: تكرار النغمة لفترة طويلة حتى تتحول إلى صوت مسموع يلغي كل ما عداه. هذه المسافة المتعمدة (“كان أشبه بفضاء للتنفس، ما صدر عنه”)، تعلق الحقيقي المقصود بذاته من خلال الاستغراق في خصوصية حسية، وهو شرط مسبق في أعمال كيلمان ويمهد به لعدة احتمالات مفتوحة وغير مغلقة وبالتالي لتحقيق شيء من  الحرية. والتفكير بـ "شيئية" الأنابيب نفسها يشكل جزءا من هذا الوعي (كما في قوله:“ولكن ماذا عن الأنابيب؟. هل هي أشياء؟. هل الأنابيب أشياء؟")، وذلك بلغة تسبب تحريضا يشبه أثر لوحة رينيه ماغريت المسماة "خيانة الصور / 1928 - 29)"، حيث كتلة من الصور لأنابيب "عادية" يقابلها عبارة تقول: Ceci n’est pas une pipe (هذا ليس أنبوبا). وهنا لا تتطابق الكلمة والصورة و"الشيء". وهذه العبارة صحيحة حرفيا، باعتبار أن المومأ له  لوحة وليس أنبوبا حقيقيا، ولكن حسب بروتوكول التمثيل الصامت إن التعبير الفني يكون تجريبيا وغير حرفي. إن فضاء اللوحة تصوري  حتما. وهكذا هو الحال مع الكتابة. علينا أن لا ننسى أن النصوص مركبة من إشارات، ومختلف أشكال التأثيرات الواقعية في كتابات كيلمان (ومن ضمنها الصوت) هي من نتاج التحوير :”وعلى نقاد ومتابعي الفن أن يلتزموا بالحذر… فكل التقنيات تعتمد على الاستعارة".

هناك نوع آخر من المشاكل تفرضه على الفن القواعد الاجتماعية التي تعتمد على التعبير باللغة. ففي موضع آخر من رواية "النفور" يطرح كيلمان مشكلة الكلام الفني – وذلك بالإشارة لنص حديث من العشرينات. يقول: "أنا دويل النافخ بالبوق. أنا أنفخ. أنفخ مثل دويل لأحيي سيرته. وحكاية كافكا عن أنثى صغيرة وجميلة،وهي بالتحديد فأرة مطربة ومتكبرة، قصة مدهشة، مدهشة، مدهشة حقا، ولكن فلتحل علي اللعنة إن كنت أتذكر لماذا. لقد نسيت”.

وكلام كيلمان هنا عن قصة "يوسفينا المغنية" (1924)**، آخر قصة أكمل كافكا كتابتها. وفيها اتكال على الفن الشعبي الذي لا يختلف عن بنية الكلام العادي: فـ “النفخ" رمز يدل على مصادر وهويات متعددة، ولكنه تحديدا "أداء" أفراد طامحين لبلوغ الكمال الفني والتميز. ومن خلال سلسلة من التأملات الطويلة حول هذا الفن "ينسف الراوي في قصة كافكا كل ادعاءات يوسفينا بالتفوق ويشير لشيء تختلف به عن غيرها، وهو أن أداءها عادي جدا بل مبالغ بعاديته. وحين نكون بين الأصدقاء والأقارب نعترف بصراحة أن غناء يوسفينا ليس أكثر من العادي. ونتساءل: هل هو فعلا غناء أصلا؟… ألا يمكن أنه مجرد صراخ؟. والصراخ شيء نتقنه جميعا، وهو فن حقيقي نشترك به، وربما هو ليس فنا ولكنه مجرد دليل على أننا أحياء. كلنا نصرخ ونصفر، وليس بيننا من يحلم أن يقول عن صراخه إنه فن… وإذا جلست أمامها، لن تجد أنه صراخ فقط. ولتقدر فنها حق قدره من الضروري أن لا تكتفي بالاستماع لها، ولكن أيضا عليك أن تنظر إليها وتراها. وحتى لو أن صوتها هو صراخنا اليومة المعتاد، تبقى هناك قبل كل شيء هذه الفكرة الغريبة التي يجب أن تفكر بها، أنه هنا شخص  يحيي حفلة ويغني أغنية نعرف كيف نؤديها جميعا، فهي صراخ وصفير".

وتفترض سياسة تصوير هذه العقدة من الأفكار ـ أنه “إذا كانت يوسفينا هي المغنية المحبوبة في وطن الفئران، ألا يقلل من شأن تفردها هذا المكان الرمزي؟. فهي لا تبدو مغنية بقدر ما هي مظلة يلتئم شمل الجماعة تحتها... فهذا الصراخ، يرتفع كلما رغب الناس بالصمت، ولذلك هو أشبه برسالة من الشعب لكل شخص على حدة”. ولاحظ أن أساس هذه الرسالة اجتماعي وليس شخصيا. وهنا، لا مجال للتعبير بالمعنى الرومنسي - ولا يوجد مساحة يمكن للـ “صوت” فيها أن يكون ذاتيا أو له صبغة غريبة.

صقل الهوية الذاتية بلغة المجتمع تمنع كما يبدو كل أشكال الاغتراب. ويوسفينا خلال بحثها عن "اعتراف دائم" بفنها تهدد "باختصار تنوع السلم الموسيقي لألحانها". وهنا يقول السارد: بافتراض أنها طبقت تهديدها، لم ألاحظ أي تأثير له على الأداء". ويوسفينا "تنكر أي علاقة بين فنها والصراخ العادي"، ولكن قوتها الاجتماعية الغريبة تنبع بالضبط من فشلها الفني. يقول السارد أيضا:”إنها تؤثر بنا  وهو ما يحاول المغني المتمرن جهده أن يقوم به  ونجاحها يتأتى لها من اتباع أساليب مناسبة". وهذا الجو المغرق بالجماعية "أو النحن" لا يمكنه أن "ينتعش" أو يتطور وفق منظومة أسلوب إفرادي. و"مجتمعانيته" الشمولية لا تترك مجالا للتميز.

***

هذا تصور كابوسي عن الكلام الفني الأصل الذي له "جذور عميقة".  وهو ما يرفضه كيلمان. ففنه محاولة لاكتشاف عناصر السيادة والحرية في واقع محدد، ولا علاقة له بإنتاج هذين الشرطين موضوعيا. وفنيته تلح على الإخلاص للحقيقي – وفي بدايات رواية "النفور" يلوم باتريك نفسه "لأنه ركز جوهريا على أشياء ذات قيم أصيلة، أشياء أصيلة فعلا، ذات معنى مادي وحقيقي" – ولكنها لم تتورط بعالم حقيقي موجود بذاته. والتحدي، الذي لا يقوم به أي بطل من أبطال كيلمان، يتلخص بعدم الدخول فيما – يتطلب جهدا عاليا لتحويله،أن تخلق ظرفا مختلفا باحتمالات تنبع من داخل واقعه الحقيقي. إن العنصر الجديد فيما هو معروف وشائع، أو غرابة الشيء الحقيقي – هو العنصر الجمالي الذي بنى عليه كيلمان سياسته اللغوية وواقعيته. وما يبدو أنه حقيقي Verisimilitude – أو كما يتعمد كيلمان أن يكتبه بتهجئة مغلوطة " حاقيقي versailintude" – هو ثاني شيء غريب في عملية الكتابة الإبداعية، وعن ذلك يقول كيلمان:”كيف يمكن أن نقول إنه خطأ مع أنه جزء مني، ولماذا لا ننظر له كتعبير جديد جدا عن الإبداع".

 

.....................

**تم تدقيق الترجمة الإنكليزية بترجمة خالد البلتاجي من التشيكية للعربية. الأعمال الكاملة لكافكا. ج2.

*باحث اسكوتلاندي متخصص بعلاقة السياسة مع الأدب. أستاذ في جامعة سترلينغ. والترجمة من كتابه "دليل جامعة إدنبرة لعالم جيمس كيلمان".   

    

حياتك بحر، صانع الإرادة فيها بوصلة، ولْيَكُنْ موطئ قدميك سفينة. أما مُضِيُّك في هذه الفلاة، فلا يختلف عن رحلة بَحَّار استهوته مغامرات عالَم البِحار..

عن البحر والحيتان، عن محيطات النسيان التي تسافر بالإنسان مما هو عليه إلى غير ذاك الذي كان، عن عناقيد الصبر الواعدة بشيء من الفرج حتى حين، عن غَدٍ لا يكاد يستبين، عن مساحات الصمت الغارقة تحت الماء، عن فائض الأهواء التي تجدد بَيعتها لعقيدة السماء، عن ضوء وظل، عن صمود لا يكلّ، عن النصف غير المضيء لقمر الأيام، عن مجاديف الأحلام، عن المسافة الضيقة بين داخلك والباب، عن مطر المنى وفاكهة السراب، عن كل هذا يحكي لك المغامِر الجميل هيرمان ميلفيل Herman Melville.

وأنتَ على مشارف مدينة الكتابة عند الروائي والكاتب والشاعر الأميركي هيرمان ميلفيل، لا شك في أنك ستستحضر عنوان "موبي ديك Moby Dick"، إنها الرواية الحالمة التي تَشهد بأسرار البحَّارة وأغوار البِحار بين قِلَّة صبر الزمان وثورة الحيتان..

كُلّ تلك العوالم الزاخرة التي تنبض بها رواية المغامرات البحرية تلك (بما استحضرته من فطنة كاتب لا يَخونه الخيال) لن تُصَدِّقَ يا صديقي أنها قد بخلت على هيرمان ميلفيل بالاعتراف، فإذا به المسكين لم يَجْنِ شيئا من ثمار التنويه ولم يحصد شيئا من سنابل النجاح..

كل ما يُذكَر هنا هو أن "موبي ديك" أو رحلة المغامرة البحرية تلك لم تَعد على صاحبها بنصيب من الفضل إلا بعد وفاته بزمن..

ولا غرابة أن يحدث مع هيرمان ميلفيل ما سبق أن حدث مع عمالقة الكُتَّاب والمبدعين والمفكرين في أزمنة سابقة، فلا أحد منهم قد نال شيئا من الشكر والتقدير إلا بعد أن جثم الموتُ وانتشل الروحَ من الجسد كما لن ينجو من ذلك أحَد..

ما قلناه عن مصير كتابات "نيتشه" العبقرية، ومنها "هكذا كلمني زرادشت"، سنقوله عن درر نوابغ رجال الفكر والأدب، وهذا هيرمان ميلفيل على شاكلتهم يسبح بعيدا عن مدن الضوء، فإذا بخياله يضيء بعد أن أظلمت حياتُه هو الآخَر..

صاحبنا هيرمان ميلفيل، شأنه شأن العشرات والمئات من رجال القلم الذين امتحقتخم الحياة، خبرَ شقاء الأيام وعناء تحقيق الأحلام في بلاد الإنسان الذي ينام، لا ينام هو إلا ليستفيق على رغبة أكثر صهيلا حُبّا في القفز من أعلى الجسر لالتقاط شيء من اللآلئ الواعدة بالتصفيق للقلم..

هيرمان ميلفيل، وإن كان قد ولد ونشأ في مناخ نفسي تنصهر فيه المادة لتقول لِسَيِّدِها "لبَّيْكَ"، لم يَسْتَطِبْ المسكين حرارةَ الرمال التي كان عليه أن يواصل المشي فوقها بقدمين حافيتين..

رغد العيش لا يَعِد بِـ "فاصل ونُواصِل"، وغيمة البذخ لا تسمح بأن تحلبها مجددا بعد أن يتَقَلَّصَ جو الرفاهية التي كان يَعِدُ بها والدُه (رجُلُ الأعمال الناجح في مجال اشتغاله) ثمانيةَ أبناء ما كان الأب لينتبه إلى كثرتهم في ظل السخاء الذي لا تبطله تجارتُه المربحة..

وفاة الأب لا شك في أنها ستنذر بالزلزال الذي سيرجّ سقفَ العائلة، فماذا بعد أن يخيب الخَلَف في ضمان استقرار الجدران التي بَناها السَّلَف؟!

هكذ تنحدر الحالة المادية لعائلة هيرمان ميلفيل، فإذا به لا يَجِدُ قبالته غير البحر الواسع لِيُفْرِغَ فيه كاتبنا حزنه الكبير، وهذا  أقصى ما في استطاعة الإنسان الباحث عن هامش من الحرية..

السفر حلّ مثالي يشجع على النسيان (ولو جزئيا) لسائر الأحزان التي تأكل القلب في صمت كما تأكل النارُ الحطب، ولهذا أطلق هيرمان ميلفيل الحالم بالمغامرة ساقيه للموجة..

الحياة موجة، موجة هي تقذف بك من المحيط إلى المحيط، تليها شبيهاتها في العنف لا العنفوان، وقَدَمَا هذا الـ"هيرمان" ميلفيل لا شك في أن قدَرها قد ضرب لها موعدا مع الموجة الهاربة عن شاطئ الأحزان..

يقرر هيرمان ميلفيل مُكْرَها لا عن طيب خاطر أن يَهوى الْمَخاطِر، ومن ثمة يركب هو مركبَ المغامرة ليبحر في اتجاه المجهول إلى أجل غير مسمَّى، ومن هنا تبدأ حكايته مع مَرَدَة البحر وحيتانه البشرية..

إنهم المتحكمون في عالم البحر أولئك الذي يملكون مفاتيح فَكّ شفرة لغة البحر، فإذا بهؤلاء البحَّارة الضعفاء على شاكلة هيرمان ميلفيل يشقُّون أكثر من طريق في عرض البحر لَعَلَّهم يعودون بشيء من أسراره وغرائبه..

بين الهروب والفرار، ومعاقرة الماء رغبة في الانتصار (الانتصار للنفس اللامطمئنة) يجود البحر باللاحياة واللاموت، ومن هنا كانت بداية كتابة هيرمان ميلفيل عن مغامرات البحر..

ولأن رياح التعجيز تجري بما لا تشتهي سفنُ الرغبة، فإن المعذَّب بين بحر الواقع وبحر الذات هذا المسكين هيرمان ميلفيل لا يجني غير الشوك، فإذا بالقلم يخونه الحظ مع الشهرة، وإذا بأبواب الانتشار تُوصد دونه هو الكاتب بإصرار..

"موبي ديك" الرواية الناقمة على البحر والحيتان نَجِدُها تعالج مشاكل البحر بإتقان، لكن المصير السيئ للرائعة تلك لا ينفض عنه الغبار وتراب النسيان إلا بعد غروب شمس البائس ميلفيل هيرمان..

بعد حلول زمن الزهد في الكتابة الروائية المخيِّب لأفق انتظار هيرمان ميلفيل، ستجِدُه يتوسل بِالناي، ناي الإحساس المرهَق/ المرهَف لِيُفَصِّل مشاعِره على مقاس الشِّعر، صدِّق، صَدِّقْ أنه تعبُ الروح ذاك الذي يَقود الواحد منهم (ومنهنّ) إلى غابات الشِّعر الواعدة بالظلال والصفاء يا صديقَ أيامي الحلوة والمرة..

رحلة عمر مضنية أنفق فيها هيرمان ميلفيل سنوات عطائه بين العمل كمحاسب ومستخدم بنكي ومدرِّس ورحّالة تشتهيه المحيطات، قبل أن يتفرّغ للكتابة التي تسلَّل إليها كلما رغب في شيء من البقاء مع نفسه، ينصت إليها وتنصت إليه، يجاريها وتُجاريه..

صحيح أن هيرمان ميلفيل تزوج من ابنة عائلة عريقة النسب وأنجب أربعة أبناء، إلا أن هنالك فجوة داخلية ظلت تتسع وتتمدد في أعماقه الجاثمة فيها مرارة الشعور بذاك الشيء الهارب منه رويدا رويدا بينما يشقى هو الشاعر بحاله ركضا وراءه عبثا..

وكغيره من صُنَّاع الروائع الإبداعية والنافضين عن قطعهم الفنية الثمينة غبار الإحساس باللامبالاة، كانت في انتظار هيرمان ميلفيل نهاية بائسة، نهاية لا تُصَفِّقُ لها عيناه المتداعيتان ولا قلبُه الذي شيَّعَهُ قدَرُه بعد أن كَفَّنَتْهُ في اتجاه اللارجعة تلك الأزمة القلبية التي لم يَحسب هو الْمُعَذَّبُ حسابَها..

نَعَم صحيح، معذَّب هو هيرمان ميلفيل، ولا غرابة أن تقول حالة "الصرع" التي انتابته كلمتَها لتقتص من إرادته وحرصه على وطنٍ بسعة الهدوء الراكض من بحر إلى بحر..

الصرع يساور هيرمان ميلفيل ليقصقص جناحي رغبته في الوصول إلى وطن السلام النفسي المعلَّق، وكأنَّ قَدَرَ كل من أرَّخوا ذاكرة إبداعهم وفكرهم لِيُحَدِّثَ بها تاريخُهم الأجيال اللاحقة قَلقٌ دفين ومجدٌ مؤجَّلٌ وجنون عابر لقارات الجسد المشروخ قبل أن يطرق الموتُ بابَه أو يركضَ إلى ساحة الموتِ الجسدُ..

نَمْ بسلام هيرمان ميلفيل، ولكَ من القلب تحية.

 

الدكتورة سعاد درير

 

 

السيد الزرقانياستمرارا لتقديم الأقلام الشعرية الجادة والمتميزة اسمحوا لي أن أقدم ذاك الصوت الشعري المتميز، الذي اكتسب النضج في سيرتها الإبداعية عبر تجارب عديدة أنها الشاعرة "فاطمة الرفاعي" التي تخطو في محراب الشعر بخطي ثابتة بما تمتلكه من ثقافة واداراك ميزها عن قرينتها في ذات المجال، فاطمة الرفاعي ليست شاعرة فقط فهي كاتبة صحفية اكتسبت ثرائها اللغوي من تلك التجارب الصحفية الطويلة واليوم نقدم لها قصيدة "لا تدق الباب " وأنا أراها تمثل مرجله النضج الشعري لها وان عليها أن تحافظ علي ما وصلت إليه في درب الإبداع الشعري وان الاوان ان نري لها إصدارها الشعري الأول، وتلك القصيدة هي حالة فريدة في ذاتها، فالشاعرة رسمت في مطلع قصيدتها صورة للمسرح الشعري ليكون عتبة الانطلاق بما لديها من ابداع البداية من عنوان القصيدة " لا تدق الباب " إذا هناك حوار بين طرفين احدهما الشاعرة والأخر هو قادم مجهول لم تفصح عنه وظل طوال القصيدة محور تساءل لدي المتلقي من هو؟

" لا تدق الباب " الرسالة واضحة ما بين من سيأتي ومن يقيم بمفرده خلف " الباب " الذي يمثل بابا للمسرح، بابا للحلم، بابا للقلق، بابا للخوف من المجهول، الشاعرة تأخذنا في علاقة مختزلة بين ذاك الحيوان الأليف الذي استأنسه الإنسان منذ القدم وتلك العلاقة التي تحولت الي صور مفزعة في الوقت الحاضر لدي من تدنت ثقافته البيئية والحيوانية بل والإنسانية، بشكل غير مسبوق لدي البشر، الشاعرة نجحت بتفوق بالغ علي نفسها في رسم تلك العلاقة الغير متوازنة بين طرفين حيث نجدها في البداية تقول :-

لا تدق الباب

أنا لست هنا

فى البيت قطة خائفة

تتحاشى ركلات الناس

أسفل سرير مهجور

أغطيته تحتضن الأتربة

- وتنتقل بنا الشاعرة في خفة لا نشعر بيها من مكان إلي أخر خلف هذا الباب الفاصل بين عالمين مختلفين، احدهما يعج بالبشر والتصارع والتشاحن وأخر لم يبقي فيه إلا تلك الذكريات ربما كانت جميلة في يوم ما وربما كانت العكس حيث تقول :-

لا تدق الباب

فالصمت يطارد الذكريات

والتجارب أشباح

وكل مصابيح البيت مهشمة

تمهل

لا تدق الباب

فالريح تحرك شباكى المكسور

وشموعى التعيسة تبكى دموعا

تنتظر لحظة خلاص

- الشاعرة "فاطمة الرفاعي " تمسك بزمام لغتها الجمالية من خلال هذا اللحن الشعري الهامس والمتحرك صوب الصور الجمالية التي أتقنت التحرك من خلالها، تنتقل بنا من صور الخيال إلي صورة الواقع أنها امرأة وحيدة تجلس خلف سباكها المكسور وتلك إشارة إلي روح انهزامية تسكن مكنون تلك المرأة، أمسكت خيط الإبداع لترسم لنا صورة واقعية لحال تلك المرأة المقهورة حيث الشعر الاشعس والحال البائس الذي تعيش فيه حيث تقول :-

لا تدق الباب

فبالداخل امرأة ثائرة الشعر

نسيت مكان مشطها

تتعثر فى مكحلتها المكسورة

تتحدث كثيرا إلى نفسها

وإلى أوهام تظنها أشخاصا مقربة لها

المجنونة لا تكف عن الثرثرة

شاعرتنا " فاطمة الرفاعي تنتقل بنا من عنصر المكان الي عنصر الزمن الواقف عن تلك المرأة التي استهوت الثرثرة مع نفسها حتي تحولت من إنسانة عاقلة إلي امرأة محطمة تفقد الرغبة في الحياة، بسبب ذاك التحول الاجتماعي الذ قهر بداخلها تلك الأحلام التي ظنتها في يوم من الأيام انه حق مباح لها إلا أن هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي ربما السياسي أيضا، اجبرها إلي الهروب داخل هذا النفق المظلم لتصرخ في وجه العالم انا لست هنا، قمة المأساة الإنسانية أن يفقد الإنسان إنسانيته في وقت،ويقبل بشغف علي الهروب إلي لا شيء أنها قمة العبقرية من الشاعرة في رسم تلك الصورة المأساوية للذات المحطمة حيث تقول :-

لا تدق الباب

فساعتى المعطلة يسكنها جنى

كلما دق الباب

دقت

ودقت

ودقت

يتعالى الدق

ويفر الزائرون

ترتعش أقدامهم

لا تدق الباب

اتركنى

أنا لست هنا

الشاعرة تمتلك من الخيال الفني ما يجعلنا نحلق معها في دور شعرية في غاية الجمال والإبداع فهي تمتلك تلك المهارة التي تجعلها ترسم بالكلمات أجمل اللوحات التعبيرية من خلال هذا الخيال الخصب مما جعل قصيدتها عبارة عن لوحات تشكيلية تتجانسن فيها الألوان بيد فنانة رقيقة المشاعر

وأخير ان إصرار الشاعرة علي كسر النمط المألوف بين أقرانها أعطاها تميزاً شعرياً وأن كانت مازالت في مفتتح الطريق الصعب بين المبدعات وتحتاج كثيراً إلي ثقل تلك الموهبة وتعدد أفكارها من خلال وعاء ثقافي هي قادرة علي الخوض في مناهله والاستزادة منه حتي تبلغ العلي ولكني أؤكد أنها تمتلك تلك المقومات التي تأخذها إلي مبتغاها في درب الإبداع الشعري

 

د. السيد الزرقاني

كاتب وناقد أدبي – مصر

 

 

عدنان الظاهر (كذّبتْ ثَمودُ بطغواها / سورة الشمس)

(طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي / الشاعر سامي العامري)

إشكالية لغوية:

الشكر للشاعرالأستاذ سامي العامري فهو الذي فتح عيني على هذه المسألة التي لم تخطر على بالي قبلاً. وما علاقة السيد العامري بكلمة [طغواها]؟ العلاقة وثيقة بل وثقى. كيف؟ في قصيدة نشرها العامري أخيراً في موقع المثقف (العدد  بتأريخ) نحت من المصدر المعروف "طغيان" صيغة لغوية لا هي حال ولا تمييز ولا مفعول مطلق ! ما كان الأساس فيما اجتهد ثم استخدم في بعض شعره وما كان ذاك اللغز الذي حيّرني واقلقني؟ إستخدم الشاعر لفظة " طغواً " معتمداً فيما قال لي برسالة خاصة على قناعة لديه تأكدت برجوعه إلى ثلاثة معاجم مضمونها أنَّ الفعل طغا يطغو طغياناً وطغْواً وليس طغى يطغى. أنا لا أعرف مصدراً للفعل طغى إلاّ طغيان ولم أسمع قبلاً بالمصدر طغواً حيث الفعل الماضي طغا والحاضر يطغو وفي هذه الحالة يتوجب أنْ يكونَ المصدر طغوان ... واو المصدر من الفعل يطغو. مع السيد العامري بعض الحق في قوله [طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي] لكنَّ هذا المصدر غير المألوف يُضعف البيت الشعري الذي هو ضعيف أساساً ! فما هو أساس هذا الحق ؟ إذا سلّمنا أنَّ الفعل هو طغا يطغو والمصدر طغيان وطغو مثل لغو وشجو[ كما أخبرته المعاجم الثلاثة التي استشارها وهي كما كتب لي : القاموس المحيط ومعجم الرائد والمعجم الغني] فيكون صحيحاً النص الوارد في الآية القرآنية من سورة الشمس كما يلي:

(كذّبتْ ثَمودُ بطغواها) ويعودُ حرف الهاء على قبيلة ثَمُود. هل سمع أحدنا بالمصدر طغواً ولماذا لا يكون منتهياً بالألف المقصورة طغوى مثل فتوى ودعوى وتقوى على أساس أنَّ فعليه هما طغى يطغى طغياناً وطغوى وطغواها بقلب الألف المقصورة إلى ألف ممدودة وهذا أمرٌ جائز ومعروف في اللغة العربية ؟ أرى تعليلأ أو تبريراً [لطغواها] التي وردت في الآية القرآنية : إنها قوة تأثير فعل السجع الإيقاعي الذي سيطرعلى كافة آيات هذه السورة. وسيطر أمرٌ آخرُ بشكل لم يسبق له مثيل في القرآن الكريم هوإستخدام ما فعله أبو العلاء المعري مع ديوانه الشعري الشهير [لزوم ما لا يلزم]. في كل آية من آيات سورة الشمس رويٌّ ثلاثيٌّ هو {آها}... ضُح ـ اها .... تل ـ اها .... جلّ ـ اها ..... يغش ـ اها .... بن ـ اها... كذّبتْ ثَمود بطغو ـ اها .... وهكذا باقي آيات هذه السورة (سورة الشمس) من مثل:

ونفسٍ وما سوّاها. فألهمها فجُورها وتقواها. قد أفلحَ مَنْ زكّاها. وقد خابَ مّنْ دسّاها. كذّبتْ ثَمُودُ بطغواها.

 مثال ما لزوميات المعري الثلاثية :

في اللاذقيةِ ضجّةٌ ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوسٍ يَدُقُّ وذا بمأذنةٍ يصيحْ

كلٌّ يُعززُ دينَهُ يا ليتَ شعري ما الصحيحْ

أمثلة أخرى من لزوميات المعري :

لا يُغبطنَّ أخو نُعمى بنعمتهِ

بئسَ الحياةُ حياةٌ بعدها شَجَبُ

 

والحسُّ أوقعَ حيّاً في مساءتهِ

وللزمانِ جيوشٌ ما لها لَجَبُ

 

لو تعلمُ الأرضُ ما أفعالُ ساكنها

لطالَ منها لما يؤتىي به العَجَبُ

واضح هنا الإلتزام بما يلزم لكنه هنا رويٌّ ثنائي: حرفا الجيم والباء.

 

عدنان الظاهر

10/ 5 / 2020

 

وليد العرفي قصيدة: "أنا وجمال والذئب"  للشاعر:حسين فاعور الساعدي أنموذجاً

مما لا شك فيه أن النص يحمل مفاتيح الولوج إليه، ومن هنا يبدو النص منفتحاً على الدلالة التي يريد المؤلف أن يوصلها؛ فالنص في نهاية المطاف إنما هو رسالة بين ذات المبدع ومتلق غير محدد، وفي هذه المقاربة لنص الشاعر حسين جميل الساعدي أحاول أن أقارب النص من زاوية اعتماد الكاتب على  أحد عناصر القص، وهو الحوار، والحوار عادة يكون في السرد القصصي أما أن يكون في الشعر فلا بد أن يحمل دلالات ويحيل على مرجعيات ومن نافل القول إن الحوار ليس تقنية جديدة في الشعر العربي قديمه وحديثه  منذ مغامرات امرىء القيس ومروراً بنرجسيات عمر بن أبي ربيعة وليس انتهاء بامرىء هذا العصر .

أولاً ــ النص

يبدأ الشاعر نصه بوصف ينم على حميمة العلاقة الجامعة بين الجد

(الشاعر) والحفيد (جمال) والاستهلال أشبه ما يكون بمحاولة تقديم صورة حسية مشحونة بعاطفة الحب الأبوي بين الشاعر وحفيده الذي يقدمه للقارىء بنمطيه الجسماني والنفسي فهو اسم على مسمى رمز  للجمال والحيوية والشفافية وحب المعرفة والاكتشاف يقول:

صديقي الوحيدُ الوفيُّ الذكيُّ الشجاعُ جمالْ

صديقي يا ابن الثلاثِ الطوالْ

جميلٌ كزهرةِ لوزِ

كطلّةِ صبحٍ

نديٍّ كنسمةِ صيفٍ

وعيناكَ عينا غزالْ

فيهما عالمان: شتاءٌ حزينٌ

وصيفُ أمانْ

أحِبّكَ يا ابنَ الثلاثِ الطوالْ

وأهوى سؤالَكَ حين يليه سؤالٌ

يليهِ سؤالْ

ليبدأ بعد هذا المشهد الوصفي الذي قام على بنية الصورة والتشبيه إذ توالت درجات التشبيه ما بين التشبيه البليغ والتام والمؤكد والمجمل، وبهذا كأنني بالشاعر يريد أن يحيط بالحفيد بصورة جمالية لا يترك مجالاً للتشبيه فيه إلا واستعار منه بعض وجوهه التي استند فيها الشاعر على ثنائية النبات والحيوان من عناصر البيئة والطبيعة البكر إذ نلحظ: (زهرة لوز، غزال) مثلما تظهر ثنائية الزمن: (شتاء، صيف)

لينتقل بعد ذلك إلى ثنائيات الحوار التي تُشكل معمار القصيدة كلها، كما تُبيّن  الثنائيات التي تتكشف وفق الصيغة الفعلية بين الطلب بصيغة الأمر والتلبية بفعل الحاضر: (احكِ عن الذئب) ـــــــــــــــ فأروي

تلوذُ بحضني وتهمسُ:

"احكي عن الذئبِ. جدي!"

فأروي الحكايةَ...

تُصغي بعينينِ جاحظتينِ

وتسألني بانفعالٍ:

ويُلاحظ بجلاء أن معمارية القصيدة تتسلسل وفق هندسة متوالية الثنائيات التي جاءت عبر الأسئلة المتوالية فالأسئلة التي جاءت مستفسرة عن شكل الذئب بنيت على الثنائيات أللذئبِ رأسٌ؟

أللذئبِ عينٌ؟

أللذئبِ أنفٌ كأنفكْ؟

أللذئبِ  فمٌّ؟

وكذلك الأسئلة التي جاءت مستفسرةً عن المجتمع الذي ينتمي إليه بصلات القرابة: أللذّئبِ عمٌّ؟

أللذّئب خالْ؟

والأمر نفسه يُقال عن الأسئلة التي استفسرت عن حالاته في الفرح والألم: هل الذئبُ يبكي؟

هل الذئبُ يضحكْ؟

ليعود الختام على الاستهلال إذ نلحظ عناية الشاعر بالصورة المشهدية التي عادت إلى التشبيه التي تتناوب في ثنائتي:

الحركة بين ثنائتي السرعة التي يمثلها الحفيد والبطء التي يمثلها الجد:

تسيرُ أماميَ كالشبلِ...

أمشي ورائك كالسلحفاةِ

فتصرخُ: أسرِعْ!

كما تتبدى من خلال قوة الحيوية التي تنبعث بدافع خارجي أحدثه صوت الحفيد في داخل الجد، إذ تبرز تلك الثنائية في تجدد الطاقة وحيوية الحركة المتبدية في الأفعى والظبي:

تعودُ الطفولةُ تَسْري بجسمي كأفعى

وأنت كظبيٍ صغيرٍ أماميَ تسعى

فأحبو وراكَ،

أعدّلُ ظهري

ويشتدُّ بين الضلوعِ الحراكْ

تغيبُ وراءَ الشجيراتِ،

تبعدُ عني،

أخافُ عليكَ الأفاعي

أنادي بصوتٍ أجشٍّ وكلي ارتباكْ:

تعال نعدْ...

كم أنا خائفٌ يا جمالْ!

فتصرخُ بي من بعيدٍ: "وماذا تخاف؟"

تعودُ وعيناك تقدح ناراً

وتُمطرني بالسؤالِ وراء سؤالْ:

هل الذئبُ خلفَ التلالْ؟

أم هنا خلفَ هذي الشجيراتِ،

حدّ الطريقِ هنا؟

هل الذئب يسكن في بيتنا؟

أم الذئبُ بين الجبال؟

وأتعبُ...

أخشى عليكَ

فأطلبُ منكَ:

تعال نعدْ... يا جمالْ

فتصرخُ بي باحتجاج شديدٍ:

لماذا تخافْ؟

سأضرِبُهُ بالعصا

ألستُ أنا من سيحمي الخراف؟؟

تبنى قصيدة أنا وجمال والذئب على ثنائيات  الإنسان ممثلة بشخصية الجد الذي يقوم بدور السارد الراوي،  وفي لغة القص الشعبي (الحكواتي) وشخصية الحفيد جمال ابن الثلاث سنوات،  وهنا تتكشف لنا ثنائيات الشخوص فشخصية الجد تتماهى بين: المجيب المعلّم بالمعنى التربوي، والرسام الذي يُشكّل صورة للذئب  أما الحفيد فيتبدى بثنائية الطفل الجاهل والطفل المستكشف، وهو ما يتجلى باستمطاره الأسئلة، والسؤال هو مفتاح المعرفة في علم النفس، وهو ما تُشير إليه نظريات التطور النمائي لدى الأطفال الذين غالباً ما يكون السؤال عندهم محاولة لاستكشاف العالم المحيط بهم، وهذه الأسئلة التي غالباً ما يضيق بها الأهل ذرعاً، وربما سببت لهم حرجاً ما في تقديم الإجابة في بعض الأحيان، ومن هذه الثنائية نصل إلى ثنائية  الذئب، وما تحيل عليه تلك الصورة بين واقعية الحيوان  المُشاهد في الحقيقة والذئب بدلالته الرامزة إلى كل فعل قائم على الغدر والمخاتلة سواء أكان هذا الفعل من قريب مجاور أم من بعيد ناء، وعلى هذه الثنائيات تتبدى البنية اللغوية التي ارتكزت على أسلوبي الكلام الذي تناوب بين الجمل الخبرية والجمل الإنشائية التي جاءت هنا بحمولات أسلوب الاستفهام بالهمزة  والهمزة وفق النحاة تستخدم وفق ثنائية التصديق أو التصور، وبناء على هذه الثنائية تتوضح دلالات النص  الأخرى بين ثنائية المقول والمسكوت عنه، فثمة ما هو معلن وآخر مختفٍ، وما بين القول والصمت ثمة إيحاءات ودلالات جاءت مرتدية ثنائية الوعظ والإرشاد من جهة، والتعليم والكشف من جهة أخرى

ولا بدّ من الإشارة أخيراً إلى ثنائية تتمثل في شخصية الطفل  بوضعه الراهن  (الآن) فهو مرافق للجد، ولكنه في المعتقد المتصوَّر ذهنياً هو من سيقوم بفعل حماية الخراف في المستقبل، وهو ما يُحيل في مراميه الأخيرة إلى ثنائية النضال لدى الشعب الفلسطيني الذي يتواصل من الأجداد إلى الأحفاد في حركة الحياة والعداء التي تتمثّل في ثنائية: الخراف والذئب في إحالة إلى فلسطين والكيان المحتل في دلالات النص الأخيرة .

 

 د. وليد العرفي

 

 

مادونا عسكرحيث يكون عقلك يكون كنزكَ. وبقدر ما يرتقي العقل ويتثقّف يتنقّى من شوائب مرض الجهل ويستقبل الصّور والأفكار بمنطق يعلو فوق الغرائز وفوق (ميكانيزمات) التّفكير المحدود فيكون الكنز المعرفة والغنى الفكريّ. لا ريب أنّ تثقيف العقل يحتاج إلى تدريب طويل وإرادة حقيقيّة عازمة على درء الجهل، وإلّا فكيف ترتقي الشّعوب وكيف ينتقل الشّخص من مشروع إنسان إلى إنسان؟

استكمالاً لمبدأ كيفيّة تلقّي القارئ للنّصوص الأدبيّة وخاصّة الشّعريّة منها، لا بدّ من رصد حالة القارئ في تلقي روح النّصّ الدّينيّ في النّصوص الشّعريّة. فقصائد كثيرة خلقت جدلّيات واسعة في ما يخصّ استخدام النّصّ الدّيني في القصيدة أو استدعاء "الله" في النّصّ الشّعريّ. قد ينفر بعض القرّاء من هذا النّصّ أو ذاك بحجّة التّعدّي على النّصّ الدّينيّ أو تحويل المعنى المقدّس لاستهلاكه في نصّ شعريّ. وقد يكفّر الشّاعر ويتّهمه بالإلحاد، معتبراً إيّاه عدوّاً للإيمان القويم، بل عدوّاً لله. ولمعالجة هذا النّوع من التّلقّي لا بدّ من أن يُفهم هذا النّوع من القرّاء لتمييز طريقة تفكيرهم ليكون بالإمكان الارتقاء بهم، فهدف الأدب الأساسيّ المرتبط به هو الارتقاء بالشّعوب وتحضّرها الفكريّ واستعدادها النّفسيّ لقبول الأفكار ومناقشتها واحترامها.

لا بدّ للقارئ من أن يعلم أوّلاً أنّ النّصّ الدّينيّ شيء والنّصّ الشّعريّ شيء آخر. ما يدعو إلى الفصل بين اللّاهوتيّ والشّعريّ، وبين دور النّصّ الدّينيّ ودور النّصّ الشّعريّ. إلّا أنّه لِفهم القارئ الممتعض من هذه النّصوص يلزم شرح (ميكانيزم) التّفكير المتديّن الواحد عند كلّ المتديّنين المتزمّتين. وهنا عليّ أنّ أفرّق بين المتديّن والمؤمن. فقد لا يكون المتديّن مؤمناً من ناحية الارتباط بالله، وإنّما قد يكون مرتبطاً بمنظومة الدّين الخائفة دائماً على العقيدة، وكأنّ العقيدة هشّة لدرجة أنّه يمكن لأيّ شيء أن يزعزعها. لذلك فهو يترصّد أيّ خلل يمكن أن يطرأ على المعنى النّصّيّ ظنّاً منه أنّه بتبدّل الحرف أو بإخراجه من الحرفيّة النّصّيّة تتبدّد العقيدة. كما يعتبر أنّ النّصّ الدّينيّ المقدّس لا ينبغي أن يخرج من الإطار الدّينيّ حتّى لا يتداخل مع أفكار أخرى تنزع عنه قدسيّته. يعتبر المتديّن المتزمّت أنّه يخدم النّصّ والحرف وليس العكس. إلّا أنّ النّصّ الدّينيّ حاضرلخدمة إنسانيّة الإنسان وليس سلاحاً في يد المتديّن يحارب به العقل والشّعور.

تختلف تقنيّات النّصّ الشّعريّ قطعاً عن تقنيّات الشّروحات الدّينيّة، والشّاعر حين يكتب قصيدة يستدعي روح المعنى المقدّس لأهمّيّته ولحضوره ولجلاله وقيمته الإنسانيّة أوّلاً نازعاً عنه قداسة الحرف، لأنّ قداسة المعنى أقوى. والشّاعر الحقيقيّ هو من تكتبه القصيدة، القصيدة الخارجة من اللّاوعي تتحكّم بالشّاعر وتفرض نفسها بقوّة. والقصيدة حالة شعوريّة قاسية لحظة انبعاثها، بل هي لحظة وحيٍ أو ما يشبه الوحي فيتمسّك بها الشّاعر لأنّها تعبّر عن أعماق أعماقه.

"إِلَهِي.. إِلَهِي، لِمَاذَا تَخَلَّيْتَ عَنِّي؟ لِمَاذَا تَزَوَّجْتَ مَرْيَمْ؟

لِمَاذَا وَعَدْتَ الجُنُودَ بِكَرْمِي الوَحِيدِ.. لِمَاذَا؟ أَنَا الأَرْمَلَهْ." (محمود درويش)

هل كان يسعى درويش إلى شرح المزمور الثّاني والعشرين من مزامير داوود، أم أنّه كان يستدعي الحالة الشّعوريّة المرتبطة برمزيّة هذا المزمور؟ في أعماق الشّاعر كما في عقله أسئلة وجوديّة تحتّم استخدام الرّمز لترتقي القصيدة إلى مقام الشّعر. فالشّعر أبعد من حالة تعبير عن الذّات والأفكار. الشّعر لحطة تزاوج الفكر بالمعنى، لحظة البحث غير الواعي. وهنا يحاكي لاوعي الشّاعر لاوعي القارئ فيستفزّ فيه المقصود بالمعنى، إلّا أنّ القارئ الضّيّق الأفق يعتبره تهجّماً على الدّين أو على الآية المقدّسة. وأعود لأقول إنّ الشّاعر مسّ أعمق نقطة في القارئ لذلك استنفر وجيّش ردّات فعله العشوائيّة وإلّا لعبر عن النّصّ دون أن يعتبر.

لو يعلم القارئ المتزّمّت مدى قسوة الحالة الّتي كان عليها أمل دنقل وهو يقول: "خصومة قلبي مع الله، ليس سواه!" ما اتّهمه بالإلحاد. فالقارئ المسكين تعامل مع هذا القول وكأنّه في يوم الحساب إذ نعت دنقل بالملحد. ولم يدرك حالة الأسى المضني والشّاق الّتي جعلت أعماقه مضطربة. (خصومة قلبي مع الله) حالة من الارتباك الشّعوريّ، من الصّدمة بين ما يُرى على أرض الواقع والفهم العام لله. إنّها خصومة القلب المتعب والمتألّم بل هي حالة أشدّ قسوة على الشّاعر ممّا يظنّ القارئ. لحظة خيبة استدعت الحزن والألم. من المهمّ أن يتنبّه القارئ إلى أنّ أمل دنقل قال خصومة قلبي ولم يقل خصومة عقلي، ما يجعله يستدلّ على قسوة الشّعور واضطراب القلب والنّفس.

إنّ القارئ المتزمّت المسكين المندفع للدّفاع عن النّصّ الدّيني في نصّ شعريّ يشعر في عمقه بتفلّت من نظام القطيع. كأنّه يخشى على نفسه من فقدان الحماية. هو يحتمي بفكر الجماعة ويعتبر أنّ أيّ مسّ لهذا الفكر تهديد لوجوده.

الشّاعر شاعر، واللّاهوتيّ وشارح النّصّ الدّينيّ يتّخذان سياقاً آخر لا دخل له في الشّعر ولا بالحالة الشّعوريّة. الشّاعر تكتبه القصيدة وهو أسيرها حتّى تكتبه قصيدة أخرى. وأمّا شارح النّصّ الدّينيّ فهو يعي ما يشرح مستدعياً مخزونه المعرفيّ الدّينيّ أيّاً كان منبعه. والشّاعر ليس معنيّاً بالشّرح العقائدي، كما أنّ القارئ ليس معنيّاً بتتبّع كفر الشّاعر من إيمانه. ما يعني القارئ المعنى الكامن في قلب الشّاعر إذا استطاع إليه سبيلاً. وإن لم يستطع فلا يصدرنّ الأحكام والإدانة وكأنّه موكّل من الله لمحاسبة النّاس. الشّاعر عقل حرّ يودّ التّفاعل مع عقل حرّ مثله حتّى تبلغ القصيدة كلّ المعنى. فإن كان عقل القارئ أسير الأفق الضّيّقة كان كنزه الجهل، وإذا كان عقله حرّاً كان كنزه المعرفة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية  قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) للأديب السوري زياد كمال حمامي

إغناء: اخترت أن أبدأ دراستي  بمقدمة لبحث منشور في موقع maaber.org  بعنوان (باراديغم[11] الحرب العالمية الثالثة محاولة في تحديد مفهوم الإرهاب) كتبه /الفاهم محمد/، وهو باحث في قضايا الفكر الفلسفي من المغرب، في مقدّمة مقاله يستعرض القوانين  والقيم الأخلاقية التي كانت تحكم الحرب الكلاسيكية:

....ورغم أن الحرب كانت دومًا تمثل الخطر الأقصى الذي ينبغي دفعه واستبعاده عن الأمة، إلا أنها مع ذلك وفي حالة قيامها فهي تنبني على أخلاقيات صارمة، تتعلق مثلاً في حالة الإسلام باحترام العدو وعدم التنكيل بأطفاله ونسائه، كما تفرض أيضًا قيودًا صارمة بضرورة احترام الطبيعة  وعدم تسميمها، فالحرب ينبغي أن تتمَّ في نوع من الممارسة الفروسية النبيلة، والانتصار غير المستحق ليس انتصارًا شريفًا وإنما هو هزيمة مقنَّعة. إن المبدأ العام الذي كانت تقوم عليه معارك الماضي هو أن الهزيمة بشرف خير من الانتصار الغادر. كانت الحرب حتى في أبشع صورها أخلاقية لأنها لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل هي وسيلة من أجل وضع القانون وخلق نظام اجتماعي ما. غير أن المنعطف الذي تعرفه الألفية الثالثة بعيد كليًا عن هذا الأفق، فنحن لأول مرة في تاريخ البشرية نتجه نحو تأبيد الحرب وجعلها علامة مميزة للحضارة المعاصرة.

التبئير الفكري:

المتتبع لأعمال الأديب السوري زياد حمامي يجد أنه كاتب وطني، تعتصره آلام الوطن، وتتحشرج في   حنجرة قلمه غصّة قهر وهو يرى وطنه عرضة للسلب والنهب، يعيث فيه الفساد والفاسدون، يتآمر على حريته وكرامته كلّ من هبّ ودبّ، من الخارج والداخل، وطن كان حضنًا آمنًا لكلّ من وفد إليه، عدا عن أبنائه الذين نبتوا فيه، ولم يكن له نصيب كبير من الوفاء  لدى العديد منهم، خانه الكثيرون، وباعه العديدون بأبخس الأثمان، مقابل عرض دنيوي، وسرقه الطامعون.

 وعلى هؤلاء (السارقين والخونة) يركّز الكاتب عدسة قلمه،  ليكشف سرقاتهم وخياناتهم، على الذين يسرقون تاريخه وحضارته، ويزيّفون هويّته الثقافية والفنيّة، يسرقون آثاره، ويشير صراحة إليهم، في داخل الوطن وخارجه، ويكشف الستر عن منظمات عالمية ماسونية تخطط وتنفذ عبر أذرعها المشبوهة وهي عبارة عن تنظيمات سرية شاذّة داخل الوطن، لا تنفصل بالمعتقد الفكري والديانة عن القاعدة الماسونية، يهودٌ اختاروا البقاء في هذا الوطن الخيّر، فلم يلفظهم حين حاولت الوكالة الصهيونية استقطابهم  للقدوم إلى فلسطين في العام 1948، بل أمّنهم فيه وترك لهم حرية الاختيار، فكان جزاؤه منهم أنهم سرقوه بخديعة، وما كان بقاؤهم إلّا لهدف سرقته بطريقة ممنهجة، يعاونهم في ذلك الفاسدون المرتزقة من أهل البلد الجهلاء، الذين استباحوه حدّ الاغتصاب، تحجب جرائمَهم حربٌ عبثية لم ينتصر فيها أحد، ولم يكسب فيها إلّا تجّار الحروب من أهل النذالة والدونية. عالج الكاتب هذه الفكرة الخطيرة باستراتيجية قلقلة، فقد أعطى عنوانَين للرواية، فسار بطريق الإيهام، وبما أنّ روايته هي عمل واقعي فإن الإيهام كان سدًّا أمام المتلقي لإدراك بؤرة الكاتب وبؤرة النص عن طريق عتبة النص الأولى (العنوان)، فالعنوان الجيّد يجب أن يتّصف بصفتين، الأولى  قصر العنوان، والثانية: تركيز المحتوى في تكوينه، ليقود المتلقي نحو بؤرة النص الأساسية بشكل مباشر لا لفٌّ فيه ولا دوران، كما كانت ديباجة الرواية مبعثرة- وهذا أمر معذور فيه الكاتب- تعجّ بالمشاهد الباعثة على الشَّدَة والذهول من هول الواقع الذي فاق الخيال فعلًا، وذريعتي في ذلك اعتراف الكاتب نفسه، والذي قدّم به العمل، فقد دخل في منطقة كانت -وما تزال -  تُعدّ محظورة، خطيرة كحقل ألغام وأكثر، فكان شجاعًا يبتغي التحرّر، لكن أيضًا كان مضطربًا ويائسًا، استنجد بالخيال للتخفيف من حدّة الواقع، فخلط بين الواقع والخيال والتبس عليه الأمر بين صحوة الجرأة والإقدام وخَدَر التشاؤم واليأس. يقول في مقدمة الكتاب:

اعتراف

قد يكون الواقع أغرب من الخيال، وأشد وطأة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيته هو الواقع نفسه، أو هو الحقبقة المخفية، وأعرف إذ ذاك، إن ما نخشى منه لا بدّ من الولوج فيه، والمغامرة من أجله، ولهذا، أردت أن يدرك المرء ما يخفى في نفسه، وفي محيطه، وما يصاغ في الأقبية السرية، وفي الحارات، والأزقة الشرقية، ويحاكيه، أو يحاكمه، بلا توجّس أو خوف أو خجل.....

الخلفية الأخلاقية للعمل:

 وهي جزء متمّم  من المستوى الأخلاقي، الذي يضم التبئير الفكري والخلفية الأخلاقية، مقدّم على شكل  صورة بهيئة مخطوط قديم، خُطّ ّعليها جزء من رسالة الإله بعل: إله البرق والعواصف والأمطار 5000 عام  قبل الميلاد.

"سورية بلدكم، أينما

كنتم. وهذا حقكم.

فحطّم سيفك، وتناول

معولك.

واتبعني لنزرع السلام

والمحبة:

أنت مركز الأرض"

وهي رسالة محبة وسلام واحتواء، اختارها الكاتب لتكون رسالته الإنسانية والأخلاقية والوجدانية، ترفد خلفيته الأخلاقية، وأيديولوجيته الوطنية والإنسانية، وفيها رفض واضح لكل الأيديولوجيات والنزعات الطائفية والعنصرية والعرقية، ودعوة للبناء والسمو بعيدًا عن الصراعات والحروب والنزاعات الطائفية والعقائدية التي لا تخلّف إلا الدمار والخراب والفناء للإنسانية.

 المستوى البصري:

العنوان كمكوّن نصي موازي:

لاحظت في البداية أن للعمل عنوانين، ولا يمكن أن يكون عنوانًا واحدًا طويلًا هكذا، أو عنوانًا رئيسيًّا وآخر فرعيًّا، حتى ولو كان  العنوان الثاني موضوعًا ضمن قوسين، وحسبت أن الكاتب لا يمكن أن يفعل ذلك غافلًا، وإنمّا عامدًا، فالعمل ليس أول عمل له، وله باع طويل في الأدب السردي والقصصي، وله خبراته ومهاراته ومعرفته الأدبية الكبيرة في هذا المضمار، فلابدّ أنه فعل ذلك قاصدًا، وفعلًا  كان ما حسبته صحيحًا، فالكاتب يضمّن عمله الروائي موضوعَين هامَّين، أحدهما ديباجة للآخر، لذلك وضع عنوانين، ولكني لم أجد ذريعة لتصرّفه الإجرائي هذا، فلا يوجد عنوانان لعمل أدبي، كما لا يوجد اسمَان لشخص واحد، وإنّما هناك اسم ولقب، سيّما وأن الكاتب قد استند على الواقع الإنساني والعلوم المرافقة، وهو يوجّه عمله نحو متلقٍّ يهمّه أن تكون اللغة أداة توصيل، طالما أن العمل مكتوبٌ وليس منطوقًا، فلو كان منطوقًا لتحقق التواصل عبر اللغة المحكية وليس المكتوبة، ولو أنّ الكاتب عطف العنوان الثاني على العنوان الأول بحرف العطف ( الواو) لكان أفضل، ولأعطى مدخلًا واسعًا يعبّد الطريق نحو فهم إنساني وعلمي للمحتويات السردية والبؤرة الأساسية للكاتب والنص، مع ملاحظة أن العنوان الطويل ليس محبّذا في أي عمل أدبي. 

 المستوى المتحرك والتجربة الأدبية الإبداعية للكاتب: 

اختار الكاتب أن يشيد بناء عمله فنيّا على الثنائيات، توحّدت في:

 الزمكانية:  فالزمان: زمن الحرب القائمة في سوريا وإلى الآن، وتحديدًا من العام 2013 حين انتقل أوار الحرب إلى حلب، هذا هو الزمن العام، أمّا زمن الحدث فهو خلال فترة هدنة بين الأطراف المتصارعة (الجيش النظامي والمعارضة المسلحة) مدّتها  48 ساعة، وما بعدها بقليل.  

والمكان: حارة اليهود أو حي البندرة.

الموضوع:

موضوعان، أحدهما مضمونه الحرب القائمة في سوريا، والثاني مضمونه سرقة التراث الثقافي والحضاري بمؤامرات سرية من منظمات ماسونية.

 الموضوع الأول:

يبدأ بحدث اغتصاب البتول مرارًا وتكرارًا على يد همجيين فاسدين طرحتهم الحرب في بدايتها، قتلوا والدها وتداولوا اغتصابها، والبتول هي أجمل بنات حارة اليهود: البندرة، شهد كل أهل الحي منظرها المريع بعد الاغتصاب، ولم تحتمل عار الاغتصاب، فألقت بنفسها من سطح البيت، لكن لم يُعثر على جثتها، فلم يجزم أحد بموتها، وجعلوا لها في مكان سقوطها المحتمل مقامًا، كانت هذه بداية الأحداث في هذا الموضوع.

ولقد صنع الكاتب من هذا الموضوع( الأول) ديباجةً لروايته الأصلية (الموضوع الثاني)، ليجذب القارئ،  وكأننا أمام شاشة عرض بانورامية شكّلت أرضية معقولة وبيئة منطقية للرواية، وهذا تكنيك يحسب للكاتب، حيث جعل الحبك الفرعية تصبّ في المجرى العام للحبكة الأصلية بذريعة التشويق، كمن يقدم طبقًا من طعام مع مقبلات ليداعب شهية الزبون، داعب الكاتب شهية المتلقي بتلك الديباجة.

التشابك السردي في الموضوع الثاني:

 شهدنا فيه مثلث صراع ومثلث انفراج ونهاية محسومة، البداية كانت من علاقة الحب التي بدأت قديمة بين عبد السلام الشاب المسلم والنحات، وبين ليزا الشابة اليهودية ابنة أبراهام فراحي الحارس السري للمعبد اليهودي في حي البندرة، قد تكون قصة الحبّ صادقة، لكن هناك إشارات يلقيها الكاتب من خلال تدفق تيار الوعي والذكريات عند عبد السلام تشكّك بذلك، لنجد أن كل الأمور حتى الحرب التي أرعبت كلّ أهل الحي، جاءت في مصلحة المهمة والمؤامرة التي كان أبراهام يخطط لها مع الوكالة الماسونية (أبناء الحليب) - والتي كانت ليزا من أهم أعضائها وتستعد لتتويجها ملكة فيها-  لسرقة تمثال (الإله حدد) من المتحف الوطني، تستخدم الوكالة بعض المرتزقة مثل أبو جمرة وجماعته، فيسرقون التمثال من المتحف مستغلين فوضى الحرب، بعد قتل الحارس، يستغل ابراهام حب عبد السلام لابنته ليزا، ويفاوضه على صور تظهره بأوضاع جنسية مع السائحة اليهودية سوزان، السائحة الكندية من أصول حلبية، والتي قضى معها ليلة في فندق البارون، وأرسلت له بعد سنوات صورة طفل ادعت أنه منه وعندما قامت الحرب أرسلت تطلب منه اعترافًا بنسب الطفل له، فاوض ابراهام عبد السلام على إخفاء هذا السر عن ليزا مقابل أن ينضم عبد السلام إلى جماعة أبناء الحليب التي رفض في السابق الانتماء لها رغم كل محاولات ليزا لإقناعه بها قائلة قولتها الشهيرة:

"إذا لم تستطع أن تغيّر العالم، غيّر نفسك، وكن من النخبة التي لا تستطيع أن تفعل ذلك"

ويكون أول مهامه أن ينقل التمثال المسروق من قبو منزل أبراهام إلى خارج المدينة، مستغلًا أيضًا الفوضى  الخلاقة بعد توقف الاشتباك بين المتحاربين، جيش النظام والجماعات القتالية المعارضة، على اعتبار أن عبد السلام نحّات معروف، وجود التمثال بحوزته أمر طبيعي، تمثال يدّعي أنه نحته، معتمدين على جهل العناصر الموضوعة على الحواجز، يتم إخراج التمثال في تابوت كان من المفترض أن يحوي جثمان (روز) زوجة أبراهام التي ماتت إثر نوبة اختناق بأزمة تنفسية، عندما أجبرها أبراهام هي وليزا على الاختباء في القبو الرطب العفن، يخرج عبد السلام بالتمثال، كما هو مخطّط، لكنه لا يتجه إلى خارج المدينة، وإنما يتجه إلى المتحف الوطني، يقتحمه وسط مخاطر إطلاق الرصاص عليه، وإصابته فعلًا، لكنه يصل المتحف ويعيد التمثال إلى مكانه محبطًا مؤامرة السرقة، ومغيّرًا نفسه، يستشهد، ليكون من النخبة التي استطاعت أن تغيّر نفسها، وتهب حياتها لفنّها ووطنها، طالما أن تغيير العالم غير ممكن، لأنه إنجاز فوق قدراتها.

استخدم الكاتب الطريقة الحديثة ببناء الحدث في موضوعه الأول (الحرب):  والتي تبدأ من التأزّم وعاد إلى الماضي flashback مستخدمًا التقنيات السردية الراجعة:

كتيار الوعي Stream of consciousness، والذكريات Memories.

ومن خلال تلك التقنيات، وبالإضافة إلى السرد الحدثي المباشر، عرّج الكاتب على الكثير من القضايا، أبرزها قضايا الفساد المجتمعي، والطغيان السلطوي الذي جعل للكثير من أصحاب السلطات أياد طويلة، تسرق وتنهب وتستولي، وتبطش وتروّع وتعتقل، وتكمّمم الأفواه، وتوزّع المناصب على غير الجديرين، قضية اغتصاب الفتيات الأحياء والأموات، وتزويج القاصرات، وحرق الدور وقصفها بالقذائف، وقتل الشرفاء، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوّة، والتغريبة والتهجير حكاية يرويها أبو الرمز، وكذلك القضية العراقية، أمّا قيام الكيان الصهيوني في فلسطين وبروتوكولات الماسونية العالمية لتجريد العالم العربي من جذوره التاريخية والحضارية، وطمس هويته الثقافية، وسرقة آثاره أو تقليدها- وهنا تأتي ثنائية تمثال الحرية الأموري السوري ونسخته المقلدة تمثال الحرية المريكي- فكانت موثّقة توثيقًا معلوماتيًّا في هذا العمل.

واستخدم الطريقة التقليدية التي تعتمد على التطور السببي المنطقي من البداية إلى العقدة ثم النهاية في موضوعه الرئيسي (سرقة التراث).

المكان السردي:

إن الحيّز المكاني في النصّ السّردي هو الفضاء الذي تتحدّد داخله مختلف المشاهد، والصور والمناظر، الدلالات والرموز، التي تشكّل العمود له، إذ يُعـــدّ الخلفية المشهدية للشخصية القصصية،  فهو مسرح الأحداث، والهواجس التي تصنعها الذاكرة التاريخية برموزها المتنوعة، مادامت  صيرورة النص ليست سوى جزء من صيرورة الواقع، وآليات المكان، ما هي إلاّ وسيلة من الوسائل الرئيسة لرصد الواقع على مستوى السرد، وما بعده أي على مستوى الموقف والرؤية.

 فالمكان يسم الأشخاص، والأحداث الروائية في العمق، وعلى حدّ قول /غالب هلسا/[22]: "فالمكان هو الذي يلد الأحداث قبل أن تلده، فيعطينا تصوّرًا لها وللأشخاص وللزمان".

هذا العنصر الفنّي الهام ( المكان)، وطريقة بنائه من قبل الكاتب، يضيف إلى تجربته الإبداعية نقاطًا مرتفعة، وكأنّه هندس المكان بخبرة مهندس ديكور بارع يعمل في استديوهات شهيرة، وأعود لأؤكد أن مهنته كسيناريست جعلته يهتم بذلك.  

المكان العام: كان حارة البندرة، مسرح الأحداث الرئيسي، وصفها بجماداتها وشخوصها وزمانها الحاضر كما يلي:

هذا الحي الذي نسيه الزمن، وأهملته الحكومات المتعاقبة، تقطنه مجموعة من من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان...

 والمكان أيضًا في ذات الوقت يخطع لقانون الثنائيات البارادوكسية، وهي استراتيجية اعتمدها الكاتب، فهناك القبو والفناء، وهناك الفيللا والخرابة.

 وهناك القلعة وسورها وفندق البارون، والمعبد والمتحف، وحمّام الحارة الشعبي، ودور خاتون والخوجة عيشة وأبو النصر والهلالي وعبد السلام وأبو الرمز الفلسطيني وأكوب الأرمني،

ودكاكين مسماة بأسماء أصحابها،  والمستوصف،  وهي أماكن خاصة مغلقة جرت فيها أحداث الرواية.

استخدم الكاتب تقنية التخييل السردي على نطاق واسع، ما أدخله في المعاصرة من باب واسع، فأنسن الحيوانات، وجعلها من ضمن الشخصيات الفاعلة في مجرى الأحداث، مثال ذلك قطط "أم القطط" والتي بثّ من خلالها الكاتب العديد من الرسائل والمقاربات الساخرة، والكلب المخلص "ميمو"،  الذي بث الكاتب من خلاله العديد من الرسائل الوجدانية:

كما أنسن الجماد، فجعل القلعة أمّ المدينة، تسمع تنهدات سورها العظيم.

استخدم الكاتب أيضًا تقنية سردية يتقنها فقط النصّاص البارع، وهي:

 تقنية التدوير:

وهي تقنية مشهدية، يقوم فيها النصّاص باستهلال عمله بمشهد وصفي، يعود إليه في نهاية، وكأنه يدوّر النهاية على البداية. لنلاحظ بيان ذلك:

استهلال الرواية كان كما يلي:

ضربات إزميل ناعمة تتنزّل على الرأس..

تفتح حدودًا ضيقة، ومتاهات متشابكة، تتشكّل على جسد الكتلة الصخرية الصمّاء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها بنفسها، وتنبض بكلّ ما هو مدهش ومختلف ومذهل. تتوالى الضربات المتتالية من يد" عبد السلام" الرشيقة......

ثم في مثلث الانفراج، نجد عبد السلام يستمر في النحت فوق الحجر، يخبر أمه أن ما يحدث معه أقوى منه، ولم يكن أمامه إلّا أن ينحت، وها هو قد انتهى من نحت جناح تمثال حرّيته وانعتاقه:

يطرقب بإزميله على خطوط الجناح المتبقّي بغضب ظاهر، تتسارع لمساته، تتهافت. تدخل الثريا العمياء صامتة، تتلمّس ذاك الكرسي الخشبي العتيق، تجلس، تتابع الاستماع إلى صوت الإزميل وأنذاة الحجر، بينما تدور الأمّ مذهولة حول وحيدها.. تدور حول التمثال.. يستمر بمعزوفته على الحجر..

الأسلوب Style:

أسلوب أدبي سردي انزياحي خفيف، يشبه أسلوب السهل الممتنع في الشعر، اللمسة النزارية التي قلّما نفقدها عند الأدباء السوريين.  

المستوى النفسي  السلوكي:

 كان هناك تساؤلات سياسية مرمّزة  في حادثة اختفاء البتول، ساقها الكاتب برشاقة عبر أسلوب الكوميديا السوداء: 

.... جثة البتول " فص ملح وذاب" اختفت بلا أثر، بلا قبر، أو شاهدة، ولم يستطع أحد أن يؤكد أنها فارقت الحياة لعدم وجود الدليل القاطع، والإثبات بالبيّنة كحدّ السيف.

أين السيف؟! أوووه عفوًا: أين الجثة  والأرض الخراب؟! أين الدليل والمكان ليس هو المكان؟! والزمان هو كلّ الزمان؟! أين؟! وأين؟!

أسئلة فيها إشارات مضمرة إلى من يتحمّل المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في مكان (البلد) أضحى خرابًا عبر كل أزمنة الطغيان السلطوي، لا يكاد ينهض ويزدهر حتى تدكّه مدكّات الظلم والفساد، فلماذا نبحث عن السيف؟! سؤال تهكمي يائس، ممنوع ومحظور من التداول، لكن السؤال الأكثر سخرية ويأسًا هو من يهتم بالبحث عن حامل السيف الجاني ؟! الجواب لا أحد ! فالكل مهتم بالبحث عن مكان الجثة، لأنه الممكن، أمّا البحث عن الجناة فرعب لا يجرؤ أحد من أفراد المجتمع على تحمّل نتائجه، لذلك ستضيع كل الحقوق في بلد ضاعت فيه القوانين إلا قانون الغاب:

كلّ الأسئلة متاحة ولكن لا أحد اهتمّ بسؤال واحد: من سيبحث عن السيّاف الجاني؟! أو عن الجناة ؟! أو عن الذي .. الذين قاموا باغتصابها؟!

سؤال آخر حائر يطرحه الكاتب حول ماهية هذه الحرب، ويضع فيه كل الأجوبة المقترحة التي تتبنّاها جهات عدّة من وجهات نظر مختلفة، وكلها تتفق على أنها حرب مؤلمة:

ماهذه الحرب المؤلمة؟ ! طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادًا، وآخر يعدّها احتلالًا، وأطراف أخرى تؤكّد أنها فوضى!

 

بقلم الناقدة الذرائعية د.عبير خالد يحيي

...........................

[1] Paradigm: النموذج الفكري أو النموذج الإدراكي أو الإطار النظري، ظهرت هذه الكلمة في أواخر الستينات من القرن العشرين بمفهوم جديد ليشير إلى أي نمط تفكيرضمن أي تخصص علمي أو موضوع متصل بنظرية المعرفة " الإبستيمولوجيا"  

[2] غالب هلسا: أديب ومفكر وناقد أردني، من  كتاب (المكان في الرواية العربية) صادر عن دار رشد بيروت العام 1981

 

جبار ماجد البهادليقراءةٌ نقدية في قصيدة: (أنا وحَقيبتي وخيباتُ الوًجعِ ) للشًّاعر يحيى السَّماوي

حين يُصبح العنوان انعكاسا نصيّا موازيا لنصّ الواقعة الشعرية، ويكون مؤديًا لوظائفه الأربع : (الإخبارية والدلالية والتأويلية والثقافية)، فإنه يكون عتبةً دلاليةً ومفتاحا رمزيا لثريا النصّ المُشعة بأفيائها الوارفة على ظلاله الداخلية. بيدَ أنّ هذا الأثر السيميائي لا يكفي إيقاعا ودلالة جمالية إذا لم تكن التجربة الشعرية حاضرةً بنفسها قبل وحي اللحظة الشعورية للواقعة الشعرية، وذلك من خلال تفاعل الذات الشّاعرية (الأنوية)، والعالم الخارجي الموثِّر في موضوع جمالي يُؤرخِنُ لحدث الواقعة الشعرية زمانيا ومكانيا. فزمانيا (الوقت مَشلولٌ) عاجز عن أداء وظيفته الزمنية المتتابعة لمسايرة الحدث، ومكانيا (المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى) البصر وغير قادر على كشف الرؤية الحقيقية لكوامن الأشياء، فكلّ شيء عنده سِيّان، وقد استوت لديه مظاهر الأنوار وعتمة الظُلَم. وحتّى بصيص الأمل المنتظر الذي يطلّ علينا من ضياء النوافذ الكاشفة تَصيَّرَ أخرسَا أبكما لا ينطق صوتا أو يبعث نورا، بل يشتكي بصمته المطبق من هول الواقعة وأثرها (الزمكاني) . وبهذا التجديد اللّغوي لفنيّة التعبير التخليقي، تمكّن يحيى السَّماوي لغويا بأسلوبه المخيالي الإنزياحي من (أنسَنَةَ)هذه الجمادات الصورية والمعنوية الثلاث فنيّا وجماليا، والتقطَ لها بعدسات شعره النصيّة من خلال هذه الأرخنة الزمانية والمكانية صورا حيواتيةً جديدةً، لكنّها صورٌ معطّلةٌ تماما لا ماءٌ فيها ولا رواءٌ، سوى أثرها السلبي المؤثِّر بنكوصه على الواقعة الشعرية، كونها مغايرةً لدلالات صورها الحقيقية الفعلية المعروفة تداوليا . وتماهى وعيه شعوريا مع صور هذه المغايرة الدلالية القريبة والبعيدة وأسقط ظلالها الفنيّة على تضاريس الواقعة الحدثية، لإنتاج معانٍ ودلالاتٍ تركيبية جديدة شكلا ومضمونا :

الوقتُ مشلولٌ

وهذا المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى

والنوافذُ تشتكي خَرَسَا

ليس غريبا على شعرية السَّماوي، ولا على مظاهر سمت خطابه الأسلوبي المعاصر أن يكتب تشعيرا قصصيّا حكائيّا يعمد فيه إلى تأثيث وبناء تركيب بنيته الشعرية وسردنتها دراميا بتراجيديا شعرية حزينةٍ أو كوميديا شعرية مُفرحةٍ  في حدود الواقعة الشعرية. ولا غرابة في الأمر حين نجوس خلال بنية هذه القصيدة أو غيرها من شعره ، فنجد أنفسنا أمام مشاهد شعرية صورية تقترب في إيقاعها الأسلوبي من مسرحة الشعر ولا تقع فيه وتوزع أصواته الرئيسة على فضاءاته النصيّة بدءاً بصوت الشاعر الظاهر والمُضمر قناعيا، ومرورا بصوت العسكري بنقطة التفتيش، فصوت سائق السيّارة مشفوعا بصوت (الحقيبة)دالة الحدث الأكبر ومهيمنة حياة الواقعة الموضوعية. ولكنّ الأغرب في الأمر أو اللافت للنظر في أسلوبية الشاعر السَّماوي في البنية النصية لهذه القصيدة المفرطة بتراجيديتها المؤلمة توظيفُ الشاعر لوحدته الموضوعية وتجسيد أحداث واقعتها الشعرية بلغة تفاصيل الحياة اليومية،أو ما يُسمّى في النقدية الشعرية الحديثة (قصيدة التفاصيل اليومية)، أي تشعير ما هو متداول حياتيا بلغة فنيّة مؤثّرة ومتأثّرة بالواقع اليومي الذي يلامس شغاف قلوب الناس ويعكس معاناتهم اليومية، وهذا الانحراف بحدّ ذاته يعدّ تحولا فنيّا وتجددا مباشرا في أسلوبية الشاعر المعجمية المبهرة في الميزان النقدي . وهذا اللون من التشكيل الأسلوبي لفنيّة التعبير التفصيلي المتداول لأنماط وقع لغة الحياة اليومية هو ما انماز به الشاعر اليوناني الشهير (يانيس ريتسوس) الذي برع فيه فنيّا وجماليا في تصوير الحياة التداولية، وقد تأثّر به شعراء الحداثة من العرب والعراقيين، واتّبعوا طريقته كمحمود درويش وسعدي يوسف،وغيرهما من الشعراء على سبيل المثل لا الحصر. ولا ضيرَ أن يُخلِّقَ شاعر مبدع مثل السَّماوي هذا (الماحول) المحيطي من التفاصيل ويؤرخنها صوريا بلغة إبداعية شفيفة يُعيد فيها إنتاج معانى الحياة ويترجمها فنيّا، فيكون التساؤل للوصول إلى المبتغى وسيلةً مؤجّلةً، ويكون الشعر غاية المنشود وسفينة النجاة إلى مراسي الحُلُمِ وضفاف الأمان، ولكنّ الآمال تتبدّدُ حين يكون اليأس عدما :

كيفَ الوصولُ إلى الضُّحى

واللّيلُ مَشدودٌ إلى جبلِ الدُّجى؟

 فإذا كان صوت الشاعر متعاليا واضحا بـ (كيفَ الوصولُ)، فإنه بعد وقوع الواقعة وتأثيرها أخذ يخفت متخفيا بالهمس من خلال ضمير الشاعرية المستتر بفعل المشاركة الاستمرارية الحالية (أمشي) للتعبير عن ذاته الشعورية المنكسرة الخطى، لا أمل له فيها يحقّقه ولا رجاء ينتظره بعد خيبات الانكسار :

 أمشي فَيرجعُني إلى حيث انطلقت الدربُ مُنكسِرُ الخٌطى

وتموت كل مفاتيح الرجاء وتقنط آمال الشاعر المعقودة على الانفراج، فلم يبقَ من صوته المتعالي نحو أفانين الرجاء إلّا (الحقيبةَ) رمز الحياة الشاعرية وإيقونتها السحرية المؤثّرة، كونها تمثّل في حقيقتها الدلالية السيميائية جوهر المعادل الموضوعي الشعري للواقعة الشعرية بكل أبعادها وتشكّلاتها الدلالية الفاعلة :

وحَقيبتي تَمشي ولا تَمشي

 فالشاعر هنا يؤنسن (الحقيبة) صورة هذا الجماد الرمزي ويمنحه دلالة روح الحياة وإكسيرها المتجدد القادر على الفعل الحركي (يَمشي)، حيث مسيرة مبتداها ومنطلقها الأول. فالفعلان ( تَمشي ولا تَمشي) مختلفان في هواهما ومسيرهما المحايث، ولعلّ هذه الصورة الانحرافية المخيالية المغايرة تذكرنا بصورة عروة بن حزام في وصف ناقته خلال رحلته الطويلة إلى ديار الحبيبة:

هوى ناقتي خًلفي وقُدَّامي الهًوى وإني وإياها لمُختلفانِ

ويمضي السَّماوي بسرد وقائع رحلته وتفاصيل حكايتها بعد أن نفدت آمال رجائه وتغشته سمادير الكدر والحزن والألم حين يأتيه صوت العسكري قاطعا عليه الطريق وسادّا كلَّ آمال الرجاء بوجهه، حيث لا سفر ولا بقاء إلّا الامتثال لأمر العودة القسرية:

يَقولُ العًسكريٌ بِنقطةِ التَّفتيشِ جِئتَ مُبَكِّرَا ..

عُدْ فَالصًباحُ رَبَاحُ

لا إركابَ هذا اليومَ فالصالاتُ مُغلِقةٌ

 وَلَستَ مٌخوَّلَا لتنامَ في " كَرفاننا"

لم نعهد في شعرية السَّماوي من قبل مثل هذا التسريد الشعري الذي يدخل منطقة نصّه زائرا شاخصا بتفاصيل الرحلة اليومية، وقد يكون مملولا رتيبا ممقوتا في هذه القصيدة لولا وراؤها هذا الجهد الكبير والروح الشعرية النقية المفعمة بالتفاعلات الحياتية الصافية المهمّة، والتي أوصلت القصيدة عند السَّماوي إلى هذه المنطقة الفنارية المضيئة اللامعة من الإشعاع الروحي الذي كرس فيه جُلَّ جهده الإبداعي الثرٍّ لمخاطبة الناس والأشياء بهذا النصّ الذي يمكن لنا أن نطلق عليه جماليا (قصيدة الحياة) التي نحسّ فيها هِزَةً حسيّة متدفقة من روح الشاعر، ورعشة حركية من قلبه المٌجهد بالألم، لذلك فإن القصيدة عند يحيى السَماوي قد تلامس شيئا من تخوم الغنائية الحزينة ولكن لا تنتمي إلى خطوط طولها أو عرضها ، وتقف عند أقانيم الوصفية الرائعة ولا تلِجُ إلى نفقها اللامتناهي، وتقترب من تسريد الشعر ولا تنغمس في تضاريسه الممحلة بأمطار السرد . وكأنّ القصيدة عند السَّماوي حالة ما (فوق الشعورية) متدفقةً يتوالدُ فيها خطّان شعريان جميلان، خطّ التوجّه التصويري الحسّي للأشياء المادية، وخطّ التفجّر الروحي النفسي التخييلي الرّحب بمداراته العميقة وأضوائه الكاشفة. ولولا نثيث روح التماهي الصوري الفنّي الذي تعاضدت فيه صورتان من الإزاحة اللغوية والمعنوية مع صورة الإزالة الجمالية التي تمثلت بظلال الواقعة الشعرية التداولية التي هي وحدة الموضوع ونقطته التحولية، لما كانت القصيدة ثورةً نفسيةً وردَّ فعلٍ قاسٍ عن الحياة بفرائدها اليومية وتجلياتها الروحية. وإن تكرار وَحْيِ الشاعر بصورة عفوية تلقائية لا قصدية أو تعمدية لموضوعة (الحقيبة) في أكثر من موضع أو  شاهد أو صورة شعرية في ثنايا القصيدة يمنحها رمزيا نقطة الإضاءة المركزية اللافتة بإضاءتها البلورية المشعة، ويجعلها دلاليا بؤرة العمل الفنية المحتشدة بطاقات إيحائية مكثفة من سُبُلِ حياة الناس:

أمشِي ولكنَّ الحقيبةَ لمْ تَعُدْ تَمشي

وأبعدُ من سماواتٍ عن القَدَمِ السَّماوةُ

كم هي عصية على قلب الشاعر تلك الرِّحلة الروحية التي شٌدّت بنياطه علائقَ لا تنفكُّ، ولا تعرف اليأس طريقا لهذه الحياة المتجددة. ومهما اختلطت على الشاعر وجهات بوصلته وتباينت رؤيتها فكريا وفنيّا، فإنه ظلَّ يرسم لوجه حقيبته الحياتية -رمز الهداية والحقيقة والخلاص- صورةً حسيّةً لعمق المتاهة ملازمةً لصورة (يوتوبيا) المكان أو اللامكان حين ينشطر الشاعر نصفين بينها كمن يُقسِّم جسمه وروحه في جسوم كثيرة ولا يجدها إلّا ضائعة، وكأنه يعيش حُلما لا واقعا محقّقا :

هًا أنا نِصفانِ نِصفٌ ضَائعٌ في اللامَكانِ

ونِصفي الثّاني يُجَرجْرُ بالّتي تَمشي ولا تَمشي

فَتأبى غَيرَ أن تَتًدَحرًجَا

وتفاصيل القصيدة بهذا الضياع الوجودي (أكون أو لا اكون )، وبهذه المتاهة المغلقة، تؤكّد أن الشاعر بتفاصيلة المتواترة لا يُريد أن يَهمُلَ أو يُهمّش أي صوت من أصوات رحلته المعراجية العسيرة، فهو حريص كلَّ الحرص على إبراز كُلِّ شخصية مؤثّرة فيها، ولعلّه هذه المرّة يُريد أن يجسد صوت السائق الشّهم الذي لم يُبارحه في أديم الصحراء اللاهبة، فيتسلل صوته هادئا مطمئنا عل لسان حاله :

نَمْ إن أردتَ فإنَّ وجهَكَ شَاحِبٌ

وأردفَ سَائقُ "التَكسِي" المُهَذَّبُ "أحمدُ بنُ سعيدِ لَفتةَ" فًالطَريقُ إلى السَّماوةِ آمنٌ فَدِعِ القَلقْ

فالشاعر بإيقاع أسلوبه المسترسل بالتداولية مهتمٌ وحريص كلّ الحرص على (أرخنة) مثل هذه التفاصيل البسيطة لا لجذب انتباه المتلقي وشدّه إليه فحسبَ، وإنّما ليعيش واقعية الواقعة الشعرية الحياتية وما يُحيط بها من تجليات ومآسٍ وأبعاد نفسية خطيرة . لذلك نراه يمنح صوت السائق فرصة أخرى للتعبير عما آلت إليه أمور واقع الحال وصور المحال. فبعد خيبة الرجوع إلى السَّماوة والوصول إليها بِخُفِّي اليأس والانكسار ينطلق صوت السّائق إيذانا بدخول البيت واصفا طبع (الحقيبة) وسلوكها الشكلي كيف تغيًّرَ مكانيا مع طبع المكان وقيمته التوافقية، فالحال الجديد غير الحال المكاني والزماني السابق الذي هو بالطبع حال تجربة الشاعر الحياتية:

أُدخُلْ.. وَصَلنا البيتَ .. لا تَقلَقْ

حًقيبتُكَ الّتي تًمشي ولا تَمشي تَغيَّرَ طَبعُهَا

صارتْ تَسيرُ كَمَا تَشاءُ عَلى مَلاطِ البًيتِ

تَعدُو كَالغزالِ إذا انطَلًقْ

هكذا يَهبُ الشاعر السَّماوي هذا الرمز الحياتي صورة نفسية أخرى مغايرة لواقعها المحلي المحيطي المألوف، لِيَخلُقَ منها روح الألفة الدائمة والتواشج المحايث بين الواقع النصّي الشعري الإبداعي والواقع الموضوعي للواقعة الحياتية. فينتج الشعور بالواقعة -حسيّا أو مخياليا- من العدم حياةً ومن الحياة عدما . وتعود خيبات الوجع ومعصرات مرارة الألم تجترُّ بدائرتها الفلكية ورحى قطبها السالب على طريق الشاعر مرّةً أخرى من حيث دورة (المُنتهى والمُنطلق)، وتُصبح الصورتان سِيّان في خلاص الحدث، بل يزداد تشاؤم الشاعر ويتضاعف يأسه من وقع هول أمطار الوجع التي لم تفتأْ أن تنفكّ عنه ولو لفرصة واحدة مؤاتية يرى فيها النور إشراقا بعد حلكة ذلك النهار وليلتة المدلهمة بخطبها المؤلم القاسي. وتتعاظم واقعة المصيبة من جدبد في مخيلة الشاعر وتأخذ انحرافا صوريا جماليا أخر حين بات من غشاوته الفكرية لا يُفرق بين صورتي الشفق الصباحي الذي يكسر بحمرته قيد الليل بالنهار، وصورة غسق الغروب المسائي الذي يُبدل ضوء النهار بالليل و يُبددُ أحلامة بهذه الطامة. ولم يتردّد وحي السَّماوي أبدا عندما جعل ختام القصيدة صورة حيّة ناطقة بالمطلع :

 الوقتُ مَشلولٌ

وهذا المَحجًر الحَجَريُ أعمَى

والنوافذُ تَشتَكِي خَرَسَا

فَمَا أدرِي

هل الشّفقُ الّذي خلفَ الجِدَارِ أم الغًسَق ؟

***

د. جبّار ماجد البهادلي

.........................

 

أنـا وحـقـيـبـتـي وخـيـبـات الـوجـع

(1)

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـمـكـانُ الـمُـرتـجـى

*

كـيـف الـوصـولُ الـى الـضـحـى

والـلـيـلُ مــشــدودٌ الـى جَـبَـلِ الــدُّجـى ؟

*

أمــشـي

فــيُــرجِـعُــنـي الـى حـيـثُ انـطـلـقـتُ الـدربُ

مُـنـكـسِـرَ الـخـطـى

وحـقـيـبـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي

يـقـولُ الـعـسـكـريُّ بـنـقـطـةِ الـتـفـتـيـشِ :

جِـئـتَ مُـبَـكِّـراً  ..

عُـدْ

فـالـصَّـبـاحُ ربـاحُ

لا إركـابَ هـذا الـيـومَ فـالـصـالاتُ مُـغـلـقـةٌ

ولـسـتُ مُـخَـوَّلاً لِـتـنـامَ فـي " كـرَفـانِـنـا  "  ..

نَـمْ حـيـثُ شِــئـتَ سـوى هـنـا

فـالأرضُ واسـعـةٌ  ..

ولا مـن فـنـدقٍ فـي هـذه الـصـحـراءِ

فـاطـلـبْ مـن ســوانـا لـلـمـتـاهـةِ مَـخـرَجـا

*

ــ هـل لـيْ بـإيـداعِ الـحـقـيـبـةِ عـنـدكـمْ حـتـى الـصـبـاحِ ؟

ــ أأنـتَ تـمـزحُ ؟ مـا نـقـولُ إذا رآهــا ضـابـطُ الـتـفـتـيـشِ ؟

خـذهـا والـتَـمِـسْ لـيْ مـنـكَ عـذراً  ..

أمْ تُـراكَ تـريـدُ لـيْ أمـراً  مُـهِــيـنـاً مُـحْـرِجـا ؟

....

.......

..........

 

أمـشـي

ولـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لا تـريـدُ الـمـشـيَ

هـا أنـذا تـوسَّـدتُ الـحـقـيـبـةَ أســتـحِـثُّ الـشـمـسَ

واسـعـةٌ هـي الـصـحـراءُ

لا مـاءٌ ولا شــجَـرٌ

سـوى قـمـرٍ خـجـولٍ خـلـفَ غـيـمـتِـهِ سَـجـا

*

مُـتـدَثِّـراً  بـمَـلاءةِ الـتـعَـبِ الـمُـذِلِّ غـفـوتُ  ..

أيـقـظـنـي رذاذٌ بـاردٌ

فـنـهـضـتُ  ..

نَـفَّـضْـتُ الـرمـالَ  ..

مـشـيـتُ  ..

لـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لـمْ تـعـدْ تـمـشـي

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـسـمـاوةُ

هـا أنـا نـصـفـانِ

نـصـفٌ ضـائـعٌ فـي الـلامـكـانِ

ونـصـفـيَ الـثـانـي يُـجَـرجِـرُ بـالـتـي  تَــمـشـي ولا تــمـشـي

فـتـأبـى غـيـرَ أنْ تــتــدَحـرَجـا

***

(2)

نَـمْ إنْ أرَدتَ فـإنَّ وجـهَــكَ شــاحِـبٌ

ســأقـودُ فـي حَـذَرٍ

وأردفَ ـ سـائـقُ  " الـتـكـسـي " الـمـهـذّبُ " أحـمـدُ بـنُ سـعـيـدِ لـفـتـةَ " ـ (*)

فـالـطـريـقُ الـى الـسـمـاوةِ آمِـنٌ فـدَعِ الـقـلـقْ

*

ســأنـامُ ـ قـلـتُ لـهُ ـ ولـكـنَّ الأرقْ

*

يـأبـى مُـغـادرةَ الـحَـدَقْ

*

مـا حِـيـلـتـي ؟ فـالـريـحُ عـاتـيـةٌ

فـكـيـف يُـقـاومُ الـريـحَ الـورَقْ ؟

......

.........

...........

 

وغـفـوتُ بـعـدَ  " الـنـاصـريـةِ " ... ربَّــمـا " الـبـطـحـاءِ "  ...

لا أدري

فــقـد كـنـتُ الـغـريـقَ

ولـيـس سـهـلاً  أنْ أفَـسِّـرَ كـيـفَ فـاجـأنـي الـغَـرَقْ

***

(3)

أُدخُـلْ  .. وصَـلـنـا الـبـيـتَ .. لا تـقـلـقْ ..

حـقـيـبـتـكَ الـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي تـغـيَّـرَ طـبـعُـهـا

صـارتْ تـسـيـرُ كـمـا تـشـاءُ عـلـى مِـلاطِ الـبـيـتِ

تـعـدو كـالـغـزالِ إذا انـطـلـقْ

*

شـكـراً عـزيـزي أحـمـدَ بـنَ سـعـيـدِ لـفـتـةَ ـــ قـلـتُ  ـــ ..

غـادَرَنـي ..

وأغـلـقـتُ الـرتـاجَ  ..

رمَـيْـتُـنـي فـوق الـسـريـرِ مُـضَـرَّجـاً بـلـظـى الـرَّهَـقْ

*

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وهـذا الـمـحـجَـرُ الـحَـجَـريُّ أعـمـى

والـنـوافـذُ تـشـتـكـي خَـرَســاً

فـمـا أدري

هـل الــشــفَــقُ  الـذي خـلـفَ الـجـدارِ

أمِ الــغَــسَــقْ؟

***

 

..............................

(*) أحمد سعيد لفتة: هو سائق سيارة الأجرة الذي أقلّني  من بيتي في السماوة  الى مطار البصرة وأبى أن يتركني وحدي بعد انتصاف الليل حين  تعذّر علينا دخول المطار وتحتّم عليّ الإنتظار حتى الصباح  فقاسمني النوم في الصحراء، وفي الصباح  بعد التأكد من تأجيل الرحلة عاد بي الى السماوة ... كان شهماً نبيلا .. 

مطار البصرة / السماوة 19/4/2020

 

نبيل جميل ثمة دائماً نقطة انطلاق وفي أيّ عمل فني، وهو تقليد راسخ وأمر وطيد، من اجل الارتقاء بالعمل الى مستوى السّموّ بمصاف الأعمال القرينة له، نقطة الانطلاق والتي هي نواة البناء ستحدد الموقف، الأساس في الفهم العام، الموضوعي، الواقعي أو المتخيّل، المعرفة بأيّ فن عامة، ولأننا بصدد قراءة قصة قصيرة، فسوف نتحدث عن سرد، فالأسلوب الذي اتبعه القاص في صياغة الجمل، وتركيب الأحداث، هي من الخواص التي تميّز كل كاتب عن غيره، اذ لا يوجد متشابه بين كل الكتّاب في العالم، وكذلك الموضوع، فلكل أديب زاوية خاصة به يرقب منها ويعالج، وفق تقنيات ذهنية معمّقة، بتجربة وخبرة، وإلّا كيف يمكنه الغوص والكتابة في أيّ موضوع، دون المام عام به، وايجاد طرق معالجة موفقة، وكل هذا يصب في النهاية لصالح العمل الفني الناجح (الموهبة / اللغة / الفكرة / الاسلوب / المخيلة ..) كل هذه مجتمعة تنتج لنا اديباً يتقن عمله ولا يكون عالة على القارئ، الالتزام سند يعرف الأديب كيف ومتى يستخدمه .

بعد نيسان (2003) انتشرت الأسلحة النارية، وعمّ السّلب والنهب كل مرافق الحياة، لم تسلم حتى الأخلاق! فقد تغيرت وفق مفهوم الطيش والبطش، الاجتياح الأجنبي دمّر البنى التحتية، مجازر هنا وهناك، تصفيات سياسية وعشائرية، ثارات واغتيالات بالجملة، فأصبح مُطلقي العيارات النارية يحملون تسميات عدة، واشتهر القضاء بجملته المعتادة (مصادر مجهولة) .

في قصة (نورس بلون الشمس) للقاص عبد الرزاق السويراوي والمنشورة ضمن عدد مجلة الاقلام (2/ نيسان / حزيران 2015)، نكتشف من خلالها ثمة تصاعد في حمّى الحدث، وكشف عن الذين يريدون ايقاف عجلة الناس الأنقياء الأبرياء، والمنعم الله عليهم بالبحث عن عيش بسيط وهادئ، بعد ان كانوا يعانون من ظلم وقسوة نظام حزب البعث، اغلب العراقيين تخيلوا ان التغيير سوف يجعل البلد اجمل وأروع ويعم السلام والبناء، لكن هذا التصور لم يتحقق، وظل حبيس حوار النفس مع الطبيعة والذات الإلاهية، فضاعت كل مظاهر الفرح، وخيّم غراب الموت، منذ عام (2003) والى هذه اللحظة على جوّ بلدنا العراق . هل هو البحث عن (زمن مفقود) أم هو الحكم بالمطاردة والتخفي ؟ اسئلة داهمتني وأنا اقرأ قصة (نورس بلون الشمس)، وعن فحوى الرسالة التي اراد ان يوصلها القاص الى المتلقي، كما هو معروف فإن افلاطون يرى بأنّ الفن هو محاكاة للحقيقة المعيشية، بمعنى عدم محاكاة الفكرة المجردة وانما الظاهرة، وهذا ما عمل عليه القاص، حيث اجبر المتلقي على ايقاظ ما بداخله من واقعية تراكمية، حدث مدفون في الذاكرة أو ربما مرّ به ذات يوم، لكن هل ينتهي دور القاص في الايقاظ وانهاء الحكاية؟ أم ان لهُ هدفاً معيناً ؟ هل القصة مجرد مضمون وتعدد دلالات ؟ وشكل جاهز فَرض عليه القاص موضوعه ؟ اسئلة لابد من التوقف عندها وهي التي تهم القارئ (المتابع / الواعي)، تأكيداً، فالقارئ الغبي لاوجود له بيننا، وهنا يأتي دور القاص المتمرس، الواعي، صاحب الموقف، الذي يستطيع ان يقدم عمله الفني ببراعة، تاركاً في اذهاننا اثراً مدويّاً، فالقصة ليس ايقاد فكرة ما، يتمكن القاص من الوصول الى حل لغزها، أو ترك نهايتها مفتوحة، فهناك العشرات من القصص تتناول نفس الموضوع وللعديد من الكتّاب، لكن من يبدع في تقديمها بشكل ومضمون مميز يستحق وبجدارة ان نطلق عليه قاص مبدع، خاصة اذا ما اهتم بالجانب الانساني، النفسي، الهاجس، الحس، الاشباع، الرغبة في الاستمرار لمعرفة النهاية، الموقف، سحب القارئ دون اعطائه فرصة لرفع عينيه من الورقة، الشد، بالإصرار على مواصلة الدرب، من يصل قبل الآخر القاص أم القارئ ؟ (الخبّاز) أم (الرصاصة)، طائر (النورس) أم (بزوغ قرص الشمس)، ثنائية جميلة وليس مكررة بملل، ترسبات تجارب، ذكريات وأحلام، تداعي، استخراج ما في النفس من احداث، بدفق سردي دقيق، بعيداً عن الغموض، رسم شخصية (الخبّاز/ البطل) وكيفية حصوله على المخبز، بعد ان كان عاملاً فيه : (كان المخبز يعود لرجل ظل يديره لفترة، بمعونة ولديه اللذين ازدردهما وعلى التعاقب فم تنين، لحربين متعاقبتين، فلم يتحمل الرجل هاتين الصدمتين، بحيث داهمته الشيخوخة، قبل اوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، ما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له .. انت أولى بالمخبز من أيّ شخص آخر لأنك طالما تعبت معنا فيه ..(، لكن الرجل لا يعلم بأن فم التنين ما يزال مفتوحاً وازدرد العامل الوفي ايضاً، (التنين / الموت)، (الأمل / الأمنية)، الأمنية تحققت لكنها الآن اضحت ضريحاً غارقاً في نهر دجلة : (يتواصل اندفاع الرصاص، الرؤية لديه تشوشت حتى انه أمسى غير متأكد من انه اصيب برصاصة في كتفه الأيسر، أم لا ؟؟ وكل الذي شعر به الآن هو ان حركة يديه ورجليه تباطأت، وان جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهول، تاركة بعض بقع دائرية حمراء لا حصر لها)(.

الموت في قصة (نورس بلون الشمس) هو ليس موتاً عادياً، مبتذلاً كأيّ موت نمر به اثناء القراءة لبعض القصص والروايات، الموت هنا مصحوب بهالة من الاصرار الذي لا يخلو من دهشة، اذ ربما يتساءل قارئ ما : " ترى لماذا لم يعد الخبّاز ادراجه لحين انتهاء عملية اطلاق النار ؟" تساؤل تشوبه عاطفة قارئ عادي، وأنا متأكد كوني كاتب قصة بأن (السويراوي) قد فكر بهذا الأمر، لا اقصد ما تساءل به القارئ، بل ما سوف يفكر به مثل هؤلاء القرّاء، انها لحظة التخيّل، الاشراك وعلى كافة المستويات من القراءة، القاص لاعب ماهر والقارئ ساحة مفتوحة من المشاعر، انها ليست عملية نجاة من الموت بل عملية استمرار في اتخاذ قرار، رغم ما مرّ به (البطل / الخبّاز) طوال سنيّ حياته، حروب، حصار، غلاء معيشة، دمار البنى التحتية، العوز الدائم لمظاهر العيش، انها حقائق تصل بنا لأعماق ذواتنا، تخبرنا بأن الأحداث هي من تتحكم فينا، واحياناً تنوب عنّا في رسم المصائر، مهما حدنا عنها، لكن الحياد لا يكفي للخلاص من المجهول .

خاتمة

(على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحت تحلّق عقب توقف اطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي، وطفقت حركة المارة والسيارات تمارس ضجيجها اليومي)، ان هذا (المقطع / النهاية) يعطينا انطباعاً بالاستمرار، بريق أمل، درب حرية، طوق نجاة، بشرى وفرح.. لكن تبقى المخاطر تتحين الفرصة المناسبة للخروج، أماكن مغيّبة وبؤر معبّأة، هنا أو هناك، صور وافية عمّا جرى ويجري، كاميرا القاص هي من اعطت الوصف للمكان والزمان، وغاصت في الأعماق.. ذهنية الخبّاز، هواجس النورس، مطلقي الرصاص المجهولين، ولأنهم مجهولون فلم يحدد القاص تسميتهم، لذا فضّل ترك ذلك للقارئ فهو من يختار، اذ تعددت الأسماء والجرم واحد . ليظلّ حلم البحث عن برّ الأمان هو الهاجس المهيمن، والمهمة الشاقة، المليئة بالعقبات، حلم يراود كل انسان عراقي، تحولت حياته الى عملية هي اشبه بتقطيع سينمائي، ولا يدري في ايّة لحظة يتم فيها (قطع / حذف) (المشهد / الدور) الذي يظهر به .

 

نبيل جميل

..........................

القصة

نورسٌ بِلونِ الشمْسِ

عبدالرزاق السويراوي

لسنواتٍ عديدة، تعوّد النهوض مبكّراً مع أوّل ترنيمةٍ لأذان الفجر، تصْدحُ بها مئذنة المسجد القريب من بيته، بعدها، ببضعُ دقائق، وريثما يسْتبدل ملابسه، ينسلّ بجسده الناحل في فضاءات أزقّة محلته الغارقة في الظلمة، إلاّ من بعض مصابيح متناثرة، هنا وهناك، فيبدو شحوب ضوؤها، ناعساً، يحاكي نعاسَ عينيه، ما يضطرّهُ بين الوهلة والأخرى، لتمريرِ أطراف أنامله عليهما. شارف على الوصول الى نهاية الزقاق الأخير، والذي يتصالب عند أحد طرفيه مع الشارع الرئيسي الممتد بموازاة نهر دجلة. ينعطف في سيره، يساراً، حيث الجسر الذي يتحتّمُ عليه عبوره، كما دأبَ على ذلك، في رحلته اليومية فجر كل يوم، ليصل أخيراً الى مخبزه الكائن في الضفة الأخرى. كان يحرص كثيراً، على الوصول الى مخبزه، قدر الإمكان، قبيل شروق الشمس .

في السابق، كان جلّ اهتمامه، هو امتلاكه لنفس المخبز، بدلاً من العمل فيه بأجرٍ يومي مثلما عليه الحال، أيّام كان المخبز، يعود لرجلٍ ظلّ يديره لفترة، بمعونة ولديه الذين ازدردهما، وعلى التعاقب، فمُ تنّينِ، لِحرْبينِ متعاقبتين، فلم يتحمّل الرجل هاتين الصدمتين بحيث داهمته الشيخوخة قبل أوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، مما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له... أنت أولى ببيع المخبز لك من أيّ شخص آخر، لأنك طالما تعبتَ معنا فيه... هكذا برّر الرجل، فإبتاع المخبز منه، منذ ذلك اليوم .

الشارع الرئيسي، ما زال خالياً من المارة، في مثل هذا الوقت، ومن السيارات أيضاً. لم يبقَ بينه وبين مقترب الجسر، سوى أمتار قليلة. شعر بمداعبة النسمات الربيعية لوجهَه بحنوّ فاستجاب لها جسدُهُ، إذْ تحرّرَ من بعض خمولِ ليلةٍ أرِقَ فيها كثيراً ولم ينلْ كفايته من النوم. واصلَ سيرَه. مصابيحُ أعمدة الإنارة، رغم خفوت ضوؤها النسبي، بدّدَتْ مساحات ممّا تبقّى من ظلمة الفجر الذي ما زال يفرش رداءه على معظم الموجودات. تنبّهَ لظلّه وهو يتعملق تدريجياً من أمامه، كلّما ابتعد حثيثاً عن عمود الكهرباء، ليتلاشى تماماً أو يكاد، وحين يقترب من عمود مصباح جديد، يعاود ظلُّهُ الالتصاق على أسفلت الشارع ولكن هذه المرة من خلفه.. تتكرّرُ عملية انعكاس ظلّه، من الأمام ومن الخلف، على التناوب، كلّما ابتعد، أو اقترب، من عمود كهربائي يحمل مصباحاً في أعلاه. في لحظة مباغتة، انطلقت رشقةُ رصاصٍ من الزوايا المشبّعة بالعتمة من الضفة الأخرى للنهر، مزّقتْ السكون المطبق فسمعَ موجَ النهر، يردّدُ صداها بوضوح، أعقبتها رشقةٌ أخرى، كأنها جاءتْ لتتناغم مع الرشقة الأولى، غير أنها انطلقت هذه المرة، من على يمينه، حيث تتوزع الكثير من البيوت. ارتبك فورَ سماعه لعلعة الرصاص، فشعر بقدميه يتسمّران فوق الشارع، لكن تزايد كثافة إطلاق الرصاص، ومن الجهتين، أعانَ قدميه على أنْ فكّ عقدة الارتباك منهما ليركض مسرعاً باتجاه مقترب الجسر، إذْ خمّنَ في لحظة وامضة، لم تأخذْ من تفكيره، عُشْرَ عشرٍ من أجزاء الثانية، فرأى أنْ لا خيار له للرجوع من حيث أتى، وينبغي عليه مضاعفة سرعة ركضه نحو مقترب الجسر، علّه يوفّر له ملاذاَ أكثر أماناً ليختبئ خلفه. وصل المقترب وهو يلهث بشدة، فيما نظراته القلقة تمسح كلَّ الاتجاهات دون التركيز على نقطة بعينها. حدّةُ الرصاص وكثافته آخذة بالازدياد ومن وجهتين متقابلتين. داهمه رعبٌ شديدٌ، خصوصاً حين أبصر لونَ الرصاص الجمري، فتخيّله مثل رزمٍ مبعثرة لعشرات من السجائر التي أُشْعلتْ في وقت واحد لتطرّزَ بحمرتها، ظلمةَ كلِّ الفجوات التي تمر بها، بعضها يصل مداها الى البيوت البعيدة نسبيا، فيصطدم بجدرانها ليرتد متقهقراً. خياراتٌ بعينها، باتتْ الآن تتقافز كفقاعاتٍ، أمام ذهنه الذي أوشك أنْ يفقد قدرته على التركيز، وأيقنَ بعبثيّة المكوث أطول حيث يختبئ الآن لصق الجدار الحديدي لمقترب الجسر، فثمة رصاصة، وربما أكثر، أصابتْ هذا الجدار. وبالرغم من تشوّش ذهنه، رجّحَ خيارَ القفز في ماء النهر... ولِمَ لا؟ وأنا الذي شهدَ لي كلّ أهل محلّتي، ببراعتي في السباحة منذ صباي.. فأنا ابن الماء، ابن دجلة!...

وهو يرمي بجسده في النهر، حسم أمر الإسراع بالسباحة والوصول الى الدعامة الكونكريتية الأولى للجسر، وليس أكثر من مرور دقائق، إنْ هو ضاعف جهده في السباحة، فسوف يصلها حتماً في الوقت المناسب. هكذا قدّر المسافة التي تفصله عن الدعامة الكونكريتية الاولى للجسر. أحسَّ ببرودة الماء تسري في جسده، فأكسبته نوعاً من اللذّةٍ لم يشعر بمثلها من قبل، لكنها كانت لذّة ممتزجة بالخوف، فالرصاص ما أنفكَّ يعاود الترتيلَ. اندفع بعزم أشد للوصول الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى. اقترب منها أكثر. تخيّلها مثل جبلٍ أسطوري وهي تجثم بجبروت فوق صدر النهر. كان يعوّل على وصوله الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى للجسر، بأنها ستجعله بمنأى عن وجهتي الرصاص النازف من الجهتين. رشقات جديدة أصاب بعضُها جزءاً من هيكل الدعامة، فأصابه القنوطُ، غير أنّ هاجساً لأملٍ في النجاة، دغدغ خيالَه، حين لمحَ انحساراً تدريجياً لخيوط ظلمة الفجر... لعلّهم، سيلوذون بالفرار حين يبزغ قرص الشمس، فالأفق الشرقي، أخذ يتسربل حثيثاً بجلبابِ حمرةِ خيوط الشمس التي أوشك قرصُها على أنْ يعتقَ نفسَه من قبضة سجن ظلام الليل.

وهو يسرع نحو الدعامة، حانتْ منه التفاتة، فأبصرَ الأمواجَ ترسم دوائرَ تتوالد من نقطة جسده الغاطس في الماء، فكانت تتّسع شيئاً فشيئاً كلما ابتعدت عنه، لتتلاشى، ومن ثمّ تتوالد أخرى غيرها من جديد، في حركة تراتبية بطيئة نوعاً ما. وصل الدعامة، لكن الرصاص هو الآخر، بات يصلها أكثر من ذي قبل، فلم يتمكن بعد، من العبور الى جهتها الشمالية. أيقن بتأزم الوضع وأنّ الخيارات أمامه، وصلتْ حدود الّلا خيار، أو أنها باتتْ متساوية في درجة انعدام جدوى أيّ خيار.. من بعيد، شاهد أوّل نورس وفدَ من الجهة الجنوبية.... قد يكون هو الآخر، تورّط مثلي، إذْ جازف بالتحليق.. لاحظ اصطباغ جناحيه البيضاويين بحمرة شمس الصباح، فأضفتْ على بياضهما نصوعاً أخّاذاً. لكنه ما زال بعيداً عنه بعض الشيء، فلربما توهّم في تقدير المسافة التي تفصل بينهما.

يتواصل اندفاع الرصاص. الرؤية لديه تشوّشتْ حتى أنّه أمسى غير متأكد من أنّه أصِيبَ برصاصة في كتفه الأيسر، أمْ لا؟ وكل الذي يشعر به الآن، هو أنّ حركة يديه ورجليه، تباطأت، وأنّ جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهولٍ، تاركة بعضَ بقعٍ دائرية حمراء، لا حصر لها، وثمة نورس، يترنح في طيرانه أوشك أنْ يسقط قريباً من مركز دوائر الأمواج الحمراء التي ابتلعته بالكامل، لكن النورس تمكّنَ بحركة ارتدادية، من استعادة توازنه فيواصل طيرانه ماراً بالقرب من الدعامة الأولى ومن ثم ليجتاز الجسر من الأسفل.

على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحتْ تحلّق عقب توقف إطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي. وطفقتْ حركةُ المارة والسيارات تمارس ضجيجَها اليومي.