المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعر الذي يسبق القصيدة بخطوة .. محمد عفيفي مطر

لطالما تهيبت من ولوج عالم محمد عفيفي مطر الشعري، لأنهُ اتسم بالغموض والإبهام، غير أن موته يوم الثامن والعشرين من شهر يونيو العام 2010م بعد مُعاناة مع المرض ودخوله في غيبوبة لمدة ثلاثة أيام، جعلني أُراجع موقفي من شعره وأتقدم نحوه خطوة ولا أنتظر أن يفعل هو ذلك، وكان أن أعدت اكتشافه بعد أن تغيّرت زاوية النظر، فالقارئ لشعر مطر في تصوري ينبغي أن يكون مُسلحاً بذخيرة معرفية عميقة نظراً لمرجعيات الخطاب ومصادره التي تتعدد بتعدد قراءات الشاعر في كافة حقول المعرفة إضافة إلى خبرته في الحياة التي امتدت حتى عمر الخامسة والسبعون، ويعد بلوغه هذه السن خروجاً على تقاليد الموت في عائلته والذي اعتاد أن يحصد الرجال في الثامنة والستون على أكثر تقدير، كما قال مطر في مُقابلة معه، واعتبر السنوات الإضافية التي مُنحت لهُ بمثابة بقشيش جميل أو إكرامية عليه أن يستفيد منها فيما يعود عليه بالنفع، وقد تعددت مرجعيات النصوص لديه بين الفلسفة التي درسها في بواكير حياته بجامعة عين شمس وتمثُلهِ للثرات العربي شعراً ونثراً وتاريخاً وتعمقهُ في الأسطورة والتصوف إلى جانب اطلاعه العميق على الحضارة المصرية القديمة وخلفيته الواسعة حول الفنون التشكيلية ومدارسها والموسيقى ومقاماتها كمُتذوق ومُستشف لجمالياتها، وكل هذه الأشياء وخلافها ظهرت في شعره بعد أن دخلت مصفاة ذائقته وعبرت مطبخهُ الشعري وتفاعلت بداخله، لتطل علينا كقُراء بنكهة مُغايرة لما عرفناه فقد استطاع مطر أن يُطوع هذه العناصر التي قد تبدو لوهلة متنافرة متناقضة لخدمة مشروعه، فاتخذت منهُ أبنية قصائده الشكل التفعيلي الحر والشكل النثري الخالص المسترسل، وهكذا تدفقت الأخيلة والصِور والأنغام وصيغت العواطف وتميزت المفردات المعبرة التي أحياها الشاعر واستحضرها من مُدونة الشعر والنثر العربيين قديماً فتجلت بطزاجتها الأُولى وطلّتها البِكر وكأنها ليست مفردات مهجورة تنتمي إلى عصور ولّت، ففي قصيدة لهُ عنوانها (أصطلاء النشيد) نجد أثر التراث واضحاً حيثُ تقاطعت الأغراض الشعرية التقليدية من غزل وحِكمة ورثاء وثأر وصيد ومديح هُنا بتناغم، إذ ينشد قائلاً:-

غزل هو القطيفة والحرير المُنمنم ووشي

الدراهم الذهبية وورود الصباحات الساطعة

صيد وطِراد للغزالات والنُسور هُما ليونة

العراك الشبقي مع الأوزان

والطُبول البعيدة

وإحكام المجاز الفاصلة

وإتمام النِعمة بالحكمة وسيار المثل

مراتﹴ هي زحام الآفاق بمواكب الدم وبطائح

الشُهداء وداثر الثارات المؤرثة

بُكاء أطلال هو وشمُ الدمع على هول

التدوير وانفراط المكان المنثور

مدائح نساجين لم يتركوا خيطاً من الغيم

والأفلاك وعروق السلالات والمصائر إلا

نسجوه في مُخرمات الغامض المنكشف.

ولئِن تخفى المعنى وراء طبقات الكلام اللامترابط اللامتماسك لأول وهلة في الكثير من قصائد عفيفي مطر فإن وحشية المفردات وقوتها التعبيرية وطريقة اصطفافها كانت قادرة دائماً على رسم الصورة الشعرية الغريبة وتأسيس المشهد السوريالي، ولكن يبقى النسق الذي يكتب به عفيفي قصيدته نسقاً مرتفعاً ومتصاعداً أو في ذات المستوى في كُل الأحوال فإن بدأ بمستوى مُعين وإن لم يتصاعد بوتيرة مُسرعة فإنهُ لن يتراجع إلى ما دونها وهذا ما يُميز القصائد التي نستطيع أن ننعتها بالوحشية والنافرة والخشنة لأن المعنى فيها قد لا يشد القارئ أو المستمع ولكن بالتأكيد ستشده التراكيب اللامعتادة واللُغة القوية التي ستُسفر عنها الألفاظ الداخلة في تكوين القصيدة، وسيستثيره صدى الكلمات ورنينها القوي، وكل من لا يستطيع التواصل مع شعر الشاعر لا ريب في أنهُ يجهل رؤيته وخلفيته وتكوينه، فهذه الأشياء لا تنفصل عن قول الشاعر وينبغي على المتلقي أن يلم بها كلها أو ببعضها على الأقل حتى يحصل على المعنى كاملاً غير منقوص ويتمتع بقراءة النص قد يقول قائل أن ذلك شرط مستحيل التحقق مع كل شاعر نقرأ لهُ وأن المقياس هو النص فقط إلا أنهُ يظل شرطاً أساسياً معرفة أساس الشاعر حتى نتواصل مع شعره فأحياناً لا يقدر الواحد منا أن يقرأ شعراً بمعزل عن سيرة قائله لأنها تكون مبثوثة فيه بكثافة، وهذا ما ينبغي أن نفعله مع شاعر مثل محمد عفيفي مطر الذي يتأسس شعره على أرضية التمرد والتساؤل المستمرين حتى ليكاد يتحول الشاعر نفسه إلى علامة استفهام كبرى تسير على قدمين، وآية ذلك القفز على الجاهز والمتوارث والتجريب المتواصل والألتصاق الشديد بالواقع إلى حد الفناء فيه فمفردات مثل المطر والطين والطمي والشمس والرمل تتردد كثيراً في القصائد وهو الذي وعاها مُبكر اًو تفتحت مداركه الشعرية على التمرغ فيها ومُعايشتها بكثافة، ومن هُنا فإن هكذا شعر هو شعر حسيﱢ إلى أبعد الحدود لأنهُ يشتغل بحذق على الحواس من شم ولمس وتذوق ورؤية واستماع .

كانت ولادة الشاعر بمُحافظة المنوفية العام 1935 في قريته التي لم يبرحها ألا لفترات محدودة قبل أن يعود إليها مُسرعاً ليحتمي بها من وحشية المدن التي لاحقتهُ بتعقيداتها وقسوتها وهو البدوي البسيط ابن القرية والمنتمي إلى طين الأرض والمرتبط ارتباطاً وثيقاً بترابها إلى الحد الذي جعلهُ يُكثر مثلما سبق القول من تضمين أشعاره بكل مفرداتها مثل الطين والرمل والطمي والماء وحتى النباتات كالنارنج والليمون، مارس التدريس في مقتبل حياته قبل أن يُسافر إلى العراق ويبقى هُناك فترة ثُم ليعود إلى مصر متفرغاً للكتابة والمٌشاركة في الحياة الثقافية، ويُذكر في هذا السياق أن عفيفي كان قد حلّ ضيفاً على ليبيا خلال السنوات الأخيرة في حياته للمُشاركة في مهرجان الربيع الشعري الذي انتظمت دوراته الثلاث بطرابلس وقام بتنظيمه والإشراف عليه مجلة المؤتمر أبان ازدهارها حيثُ قرأ الشاعر باقة من قصائده صحبة الشُعراء العرب، الصغير اولاد احمد من تونس وإبراهيم داوود من مصر وبعض شُعراء المغرب والعراق وليبيا .

أجاب ذات لقاء معهُ وهو المُتهم أبداً بالغموض في شعره، عن هذه النقطة قائلاً بيني وبين شعري ليس ثمة غموض ولكنني أشعُر بغموضه وانغلاقه وتعقُدهُ فقط حينما أطرح أسئلة بعض النُقاد حوله وأقرأ استفساراتهم وتحليلاتهم، فأعتقد لوهلة أن الذي كتبهُ شخص آخر غيري وحينما أتخلص من كل هذا الضجيج والإزعاج النقدي وأصفو إلى شعري وأنصرف إلى تلقائيته واستسلامي للقول بطرائقه الخاصة وأخيلته وأنغامه الشجية تنقشع غمامة النقد وعشوائية أسئلته وأطره النظرية المُسبقة وأنماطه المُعقدة فيعود الشعر إلى صفائه وبهائه ووضوحه فتسحرنا آلية الإبهار التي تنطوي عليها ميكانيزماته، ولا شك في أن الشاعر هُنا يتحدث عن ذلك الغموض الشفيف الباعث غلى التدبر وتفعيل ملكة التأويل والبحث فيما بين السُطور وما وراء المعاني الظاهرة فذلك الغموض مُباح أو حتى مطلوب للقصيدة كي تنجو من فخ الخطاب التقريري والمُباشر .

 للشاعر صدرت مجموعة من الدواوين الشعرية نذكُر منها، من دفتر الصمت 1968، والجوع والقمر 1972، ورسوم على قشرة الليل 1972، وشهادة البُكاء في زمن الضحك 1973، ويتحدث الطمي 1977، ورُباعية الفرح 1990، ومن مجمرة البدايات 1994، وكتاب الأرض والدم 1972 وغيرها، وفي النثر كتب عفيفي مجموعة كُب موجهة للطفل تحت عنوان (مُسامرات للأطفال كي يناموا) إضافة إلى كتاب (شروح في مرآة الأسلاف) أما قمة ما سطّر قلمه فهو كتابه (أوائل زيارات الدهشة) الذي يندرج تحت تصنيف السيرة الذاتية وأعتُبر من عيون النثر العربي ولاقى احتفاءﹰ كبيراً حال صدوره .

ومن جديد الشاعر الذي كتبهُ قبل وفاته بقليل نقرأ قصيدة (أغنيتان للختام والبدء) وفي بعض مقاطعها نستشف أن الشاعر كأنه يرثي نفسه قبل مماته بطريقة ضمنية حيثُ يقول مطر:-

تقلبت الشمس بين مدارات مولدها من

سديم البدايات حتى تُريك ممالك

رملك كيف استوت فوق عرش النهار

الأخير

فلا مُلك من بعده،  ليس من بشر

سرمدٌ وحش هذا الضياء

فلا ليلة يستجن بها طائف من هلاوس

 رؤيا

ولا قطرة من غمائم حلم بأزمنة سوف

يأتيك منها بريد البشارة بالغيب

والنبأ المستفيض ببرد اليقين

وهذا يقينك

ملٌ تجذر فيه أزمّة الخُطى تحت وحش من الضوء

في أبدﹴ من حضور النهار الأخير

فأرخِ أعِنة موّالك

أحلل سرجك واطوي الركاب

ترجّل وبلل بوقدة روحك رفرفة الظمأ

المستعر بين السراب

فهذا شرابٌ ومُغتسل

ربما تستطيع بإبرة رمل وخيطين من

ظمأ وسراب تمرُّهما أن تلُملم معنى

اكتمالك رملاً على الرمل

علّك ترفو شظاياك حتى ترُد الرمل

معنى اكتمالك في جسد ليس يفنى

عيونك هذا الحصى ولسانك زمزمة الريح

 والشمس مجمرة يتنضحُ منها غناء توغل

في صمته، ليس من سامع

ليس من معجم أو كلام

تمامُ القصيدة في صمتها

والزمان استوى أبداً في نهار أخير

لي خيمة في كُلِ بادية ولي كهف ألوذ بِهِ

ولي طللٌ وشاهدُ مدفن

وهدير كلب حول نيران القِرى

وأنا المُغني جامع الأشعار من متردم الشُعراء

أروي ما رأيت لمن رأى

وأنا ربيب الدمع

كل أرامل الشُهداء أُماتي

على وترين أسحب قوس أُغنيتي

وأضرب نقرة الإيقاع في عظم الرباب

وأنا يقين الرمل

آخر نفحة للخلق والتكوين

مُنفردُ وباقﹴ ليس يغلبني سواي .

ونلحظ في القصيدة السابقة سطوة التراث وتجليه الواضح في سطورها ورضوخ الشاعر لتأثيرهُ الكبير لا سيما تأثير القُرآن في رسم الصورة الشعرية وتقريب المعنى فكلمات مثل أحلُل وهذا شراب ومُغتسل، كلمات وردت في القُرآن، أُخذت هنا وبتبديل طفيف وظِفت في سياق غير سياقها الأساسي .

ولكي يُصعّب الشاعر من مُهمة القارئ وفقاً لخُططه في الكتابة ووصولاً إلى غاية أسلوبه نراهُ لا يأبه لتنظيم مقاطعه الشعرية كما في هذه القصيدة وغيرها حين لا يتوقف في المقطع أو الجُملة الواحدة عند انتهاء واكتمال المعنى ويُرغم القارئ على تتبع المعنى في الجُملة التي تليها أو السطر القادم، أي بمعنى أنهُ قد يبتر الجملة من  منتصفها دون مراعاة استواء المعنى الذي ينتقل جزأهُ المُكمل إلي الجُملة الموالية .

دُفن الشاعر في (رملة الأنجب) قريته التي لم يُغادرها إلا للسفر والقيام بزيارات للقاهرة أو إلى خارج مصر ليعود إليها يسبقهُ الحنين كما لو أنهُ مشدوداً إليها بحبل سري غير مرئي .

أتذكرُهُ اليوم أو بالأصح كأنني أراه حقيقة وهو يقف بإحدى عشيات مدينة طرابلس غير بعيد عن شاطئها المتوسطي أمام ما كان يُطلق عليه اسم مركز أبحاث الكتاب الأخضر أين ألقي شعره ذات مهرجان ربيعي للشعر، أراهُ ملتفتاً يميناً وشمالاً يسترق النظر إلى هُنا وهُناك من وراء جفنيه الضيقين وعينيه الصغيرتين وكأنهُ يستكشف المكان من حوله ويُحدد موقعه، واضح والغيمة فوق رأسه - شعره الكثيف تماماً والأبيض تماماً – أنهُ لا ينتمي  إلى المكان ويشعر فيه بالغربة لولا دفئاً وأُنساً يستمده من أصدقائه الشعراء الذين حضر من أجلهم ومن أجل الشعر، الشعر الذي أورثهُ لقب المجذوب، حتى إذا ما أراد البعض تقديمه قال عنهُ (مجذوب الشعر) أو المأخوذ به وهو اللقب الذي طالما اعتز به وتقبله بسرور،

كان الشاعر يقف قريباً من رفاقه الشعراء مفتاح العمّاري والمنصف الوهايبي عقب تلك الأمسية الشعرية بحذائه اللامع وبدلته البيضاء المُتممة للغيمة التي تُكلل هامته، كان واضحاً أن معقله ومكانه الحقيقي هناك في قريته وأن ملابسه التي لا يصطنع ارتداءها ويرتاح داخل نسيجها هي الجلباب أو الجلابية الصعيدية والشال اللذين طالما ظهر بهما في الصور التي التُقطت لهُ في بيئته الأصلية، من رآه ذاك المساء بجسده الناحل والضئيل، بعظام وجنتيه البارزتين وبُشرته التي لفحتها الشمس فصبغتها بالأسمرار، من يراه خفيفاً مُعافﹴ حينها يعتقد أنهُ لم يتجاوز الستين من عمره على أكثر تقدير وليس في السبعين أو ما بعدها بقليل، كان يبدو أصغر من عمره الحقيقي بكثير، لم يشيخ الجسد ولم تظهر عليه علامات الكبر، وربما لطيبة عفيفي مطر كإنسان قبل أن يكون شاعراً وبشاشته ومحبته للحياة وإقباله عليها وتمتعه بحمل روح طفولية لم تُفارقه وظلت مرسومة في ملامحه حتى بعد أن بلغ من العمر عتياً وقدرته على خلق مساحات ود وحب كبيرة تجمعه بمن يُحب رُبما كان لذلك كله علاقة باحتفاظ عفيفي بجسد قوي وطلة شبابية، فمن أين يستطيع الكبر والشيخوخة أن يتسللا إلى جسد يحمل صاحبه كل هذه الصفات المحمودة التي تُطيل العمر وتجعل من الحياة مقبولة على مرارتها وتُحيل الأوقات إلى عيد متصل ومهرجان مستمر .

 

ناصر سالم المقرحي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3949 المصادف: 2017-06-28 03:47:40