المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

شعر المرأة في الاندلس واثره في المجتمع الاسباني

شاعرات الأندلس لأننا وقفنا من خلال مطالعاتنا للأدب الأندلسي على لون جديد من التعبير الأدبي يتسم بالجرأة والصراحة والقوة والعنف في التعبير عن عواطف المرأة الشاعرة وهذا اللون يعد ظاهرة جديدة في الأدب العربي في الأندلس ليس هناك ما يماثلها بهذه الحدة في الأدب المشرقي (لقد عرف المشرق العربي عدداً من الشاعرات .. أمثال الخنساء وليّلى الأخيلية وفضل وعلية بنت المهدي ونيران بنت جعفر بن موسى الهادي ...) ولكن عدد هؤلاء قليل إذا ما قيس بعدد الشاعرات في الأندلس وقصائدهن محدودة الكم فضلاً عن خضوعهن إلى حد ما لتقاليد بعينها لم يستطعن أن يتعدينها في نطاق مجتمع المشرق العربي الذي مهما قيل في تبذله وانحلاله في فترات بعينها فأنه ظل يحاسب المرأة على قولها وفعلها  . ونضيف إلى ذلك أن عدد شاعرات الأندلس كان كبيراً ويكاد يضاهي الشعراء عدداً حيث  لم تقتصر الرغبة في الشعر والارتياض بنظمه على الرجال بل عدتهم إلى النساء فنبغ منهن شواعر يكدن يضاهين الشعراء عدداً وكان منهن طبقة من المحسنات البارعات كولادة بنت المستكفي وتلميذتها مهجة القرطبية وحمدة بنت زياد المؤدب المعروفة بخنساء المغرب وحفصة بنت الحاج الركونية وعائشة بنت أحمد القرطبية ونزهون القلاعية الغرناطية[1]. وكن جمياً موصوفات بالجمال والظرف إلاّ عائشة فقد استغنت بالفهم والأدب والفصاحة.

وهناك أسباب كثيرة أسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة  وعلى المدى الطويل في ظهور هذا اللون الشعري الذي يتسم بالجرأة والصراحة في تعبير المرأة الشاعرة عن عواطفها :

أولها : يتصل بدخول العرب المسلمين الفاتحين بلاد الأندلس : إذ أن دخول هؤلاء الفاتحين في الطوالع الأولى بلاد الأندلس كان على شكل جيوش نظامية ولم يصطحبوا معهم زوجاتهم وبعد فتحهم البلاد واستقرارهم فيها احتاجوا إلى زوجات فكان لابد لهم من أن يتزوجوا من النساء الإسبانيات النصرانيات[2] , وهؤلاء النسوة الاسبانيات النصرانيات كان لهن تأثير كبير في حياة أسرهن أولاً وفي حياة المجتمع الإسلامي في الأندلس ثانياً ، إذ أن الكثيرات م نهن بقين على ديانتهن المسيحية التي فيها الكثير من التسامح في جانب العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي يأباها المجتمع الإسلامي. وينقل أحد الباحثين المحدثين عن المستشرق الاسباني خوليان ريبيرا قوله إنّ كل الخلفاء الأمويين هم أبناء لنساء غير عربيا ت (وقد أقبل على هذا الزواج المختلط أول أمير عربي ولي أمر الأندلس بعد الفتح وهو عبدالعزيز ابن موسى بن نصير كما أقبل عليه غيره من العرب حيث  شرع لهم أمراؤهم سنة الزواج بالاسبانيات)[3]حتى لقد ثبت أنّ جميع أمراء العرب وخلفاء الأسرة الأموية في الأندلس كانوا أبناء لغير عربيات.

ثانياً: الحرية والتسامح الديني . لقد حمل المسلمون معهم ‘إلى البلاد الجديدة روح الرسالة الإسلامية المتسمة بالتسامح والعدل والمساواة انطلاقا من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. (الحجرات: ١٣ )

وإلى جانب الحرية الدينية أو حرية العبادة والاعتقاد كانت هناك الحرية الاجتماعية , حرية الأفراد في ممارسة حياتهم ونشاطاتهم الاجتماعية والتعبير عن أفكارهم وآرائهم ما دامت لا تمس أمور الدين والسياسة ولذلك أسرف الناس في متعهم ومسراتهم وتفننهم في اقتناص اللذات فقد  كنت ترى حياة الدعة والتساهل منتشرة .  وهذه الحرية دفعت عدداً من شاعرات الأندلس إلى الإسراف في التعبير عن عواطفهن بل إلى التبذل والانحدار والبذاءة في القول. [4]وهذا اللون من الشعر ظهر في الأندلس في القرن الخامس الهجري بعد أن فقد المجتمع الأندلسي تماسكه وضعفت الأواصر التي كانت تشد بناءه وانغمس الناس في الترف المادي والتردي الاجتماعي وانغمست المرأة وتردت فكانت تتغزل في الرجل كما يتغزل بها وكانت تلح في إغرائه وإغوائه وتصف مفاتنها ومحاسنها ولم تكتفي بذلك بل كان يستبدبها الشوق والرغبة الملحة فتذهب إليه زائرة .

ان الكتابة عند المرأة لا تتم الا اذا توفرت لها شروط منها التواجد في عصربعينه يسمح لها فيه المجتمع بالمشاركة في الحياة العمومية ،مع توفير مستوى ثقافي معين،فضلا عن ضمان حرية القول ،والانتماء الى نمط اجتماعي بذاته.وتضيف الكاتبة عنصرا آخر ليتسنى للمرأة مزاولة عملية الابداع وهو الانفتاح في العادات وعدم تحجر التقاليد مثلما كان عليه الأمر في المجتمع الأندلسي .انتقلت الباحثة بعد ذلك للحديث عن الحب العذري عند العرب و كيف أنه انتقل عن طريق الأندلس الى فرنسا و دخل أرقى بلاطات الحب ،ثم انتقل الى ايطاليا بواسطة «برونيتو لاتيني» الذي كان سفيرا لبلاده لدى بلاط الملك ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم،و الذي تربطه بالحضارة العربية رابطة وثقى نظرا لاعجابه الكبير بها و نهله منها و تأثره بها.

شيخ المستشرقين الاسبان «اميليو غارسيا غوميس» عند تقديمه لكتاب «طوق الحمامة» للفقيه ابن حزم أشار الى أن الحب العذري دخل الأندلس حوالي 890م. و تبرز الكاتبة تأثير ابن حزم في هذا القبيل خاصة في البلاطات الأوربية[5].

وتذهب الباحثة الاسبانية الى القول ان التمعن في الشعر النسائي الأندلسي أمر يبعث على الاعجاب و الاندهاش و يثير دهشة الغرب سواء لدى القراء أو الباحثين ،نظرا لما تتضمنه هذه الأشعار من حرية في التعبير التي لا يمكن أن تقارن سوى بحرية التعبير الموجودة في الوقت الراهن،و كيف أن هذه الحرية لم تتمتع بها المرأة الغربية في تاريخها الى اليوم. و تورد رأيا للباحث « أدولفو فديريكو شباك « مفاده أن الحرية التي تمتعت بها المرأة العربية في الأندلس بزت الحريات التي كانت لدى المرأة في المجتمعات الاسلامية الاخرى. و يمضي المستشرق « هنري بيريس» في الاتجاه نفسه الذي يضع المرأة الأندلسية في مراتب راقية تتساوى فيها مع الرجل ،بل أن المرأة الأندلسية كانت تتوارد على نوع من الأكاديميات التي تتعلم فيها الفنون المختلفة والعلوم وأشهر هذه المدارس التي كانت موجودة بقرطبة.[6]

 

 م.م. ابتهاج عباس احمد

 ...................

[1] الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه : د. مصطفى الشكعةص ١١٧

[2] في الأدب الأندلسي : د. جودت الركابي ص ٦

[3] تاريخ الفكر الأندلسي : بالنثيا ص ١

[4] في الأدب الأندلسي : ص ١٣٠

[5] الشعر في عهد المرابطين والموحدين في الأندلس : ص ١

[6].النفح : ص 4

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4058 المصادف: 2017-10-15 01:16:30