المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الممثل المسرحي: المفهوم والتاريخ ونوع التشخيص

jamil hamdaoui2المقدمة: يعد الممثل عصب المسرح وعامله السيميائي الرئيس؛ إذ يصعب الحديث عن المسرح في غياب الممثل والمخرج. فالممثل هو الذي يحول النص المسرحي إلى عرض بصري درامي وسينوغرافي عن طريق التشخيص والأداء والإنجاز فوق خشبة المسرح. ولم يعد الممثل ذلك الشخص المادي المحسوس، أو تلك الكتلة المرئية التي تتحرك فوق الركح في اتجاهات مختلفة، بل أصبح علامة رمزية وبصرية وأيقونية تتحرك وفق أنساق سيميائية متنوعة ومضبوطة. وبهذا، يكون الممثل هو الذي يشكل جوهر العملية المسرحية من بداية العرض المسرحي حتى نهايته. لذا، يتطلب الأمر منا أن نتوقف عنده للبحث عن مفهومه الدقيق، واستقراء تاريخه، واستجلاء نوع التشخيص الذي يمارسه.

المبحث الأول:  مفهـــوم الممثــل

من المعروف أن هناك فرقا كبيرا بين الممثل، والشخصية، والشخص، فالشخص هو إنسان من دم ولحم يوجد خارج النص.أي: كائن إنساني عضوي حقيقي يتكون من جسد ونفس، بينما الشخصية بمثابة كائن تخييلي ورقي فني وجمالي، لا حياة لها خارج خشبة المسرح ، وترتبط أدائيا بعدة أدوار اجتماعية تناط بها لإنجازها سرديا أو دراميا أو شعريا. أما الممثل، فهو كائن تاريخي ثابت يتأرجح  بين الشخص والشخصية. بمعنى أنه إنسان حقيقي عضويا ونفسيا فوق خشبة الركح. بيد أنه مطالب بأداء دور شخصية خيالية ما إيهاما، أو تقمصا، أو إبعادا. وهنا، يطرح في المسرح إشكال  الحقيقة والوهم، أو إشكال الصدق والكذب. بل يمكن الحديث مع كريماص عن العامل السيميائي، على أساس أن العامل مقولة نحوية، قد يعني شخصا، أو شخصية ، أو فكرة، أو شيئا، أو مكانا، أو مؤسسة. أي: لنقل بصفة عامة: العامل هو كل المجردات والمحسوسات التي تحيط بنا في هذا الكون الشاسع.

ويمكن أن نستغني ، في مجال المسرح ، عن كل العناصر السينوغرافية، بل يمكن الاستغناء حتى عن المؤلف والمخرج معا، ولكن لايمكن الاستغناء عن عنصرين ضروريين بدونهما لايتحقق العرض المسرحي هما: الممثل والمخرج. فالممثل هو الذي يجسد فكرة المؤلف أو الدراماتورج فوق خشبة المسرح ، وهو الذي يحقق العرض ماديا فوق الركح  من أجل التأثير في الجمهور إيجابا أو سلبا.

ومن هنا، ينجز الممثل مجموعة من الأفعال ذات أهداف وأغراض معينة، وقد تكون هذه الأفعال الإجرائية السلوكية أفعالا عقلية ووجدانية وحسية حركية. ويتميز الفعل بأنه وحدة تجمع بين مستويين: المستوى الفيزيولوجي والمستوى السيكولوجي. وقد يكون الفعل المسرحي المؤدى قولا أو حركة.وقد انصب الحديث قديما عن شخصية البطل Héros أو البطلة Héroïne في المسرح الملحمي والمسرح الشرقي. وبعد ذلك، انتقل المسرح للحديث عن الممثل النجم، ليصبح الكلام – فيما بعد- عن الشخصية الدرامية، أو العوامل السيميائية، أو الحديث عن الممثل بصفة خاصة.

المبحث الثاني: تاريــخ الممثــل

مر المسرح الإنساني، في مسيره الفني والجمالي ، بثلاث مراحل أساسية، يمكن حصرها في المراحل التالية:

1-  مرحلة التمثيل الفردي عن طريق اللعب، والرقص، والغناء، والإنشاد؛ إذ ولد المسرح مع الإنسان غريزة فطرية ، وشعورا داخليا، وانجذابا سحريا إلى اللعب والتمثيل، وهذا ما تؤكده الدراسات الأنتروبولوجية والإثنولوجية والاجتماعية.

2-  مرحلة الظواهر الاجتماعية، ويعني هذا أن الفعل المسرحي قد انتقل من ظاهرة فردية إلى ظاهرة جماعية، تتكون من شخصين فأكثر. كما تتشكل هذه الظاهرة الاجتماعية من الممثلين واللاعبين لأداء مجموعة من الطقوس الدينية والفنية. ويسمى هذا النوع من التشكيل الدرامي الاجتماعي بالظواهر المسرحية ،أو الأشكال ماقبل المسرحية، أو الطقوس الاحتفالية.

3-  مرحلة المسرح التي ظهرت مع المسرح الإغريقي ، ووجود البناية المفتوحة في أثينا، ووجود النصوص الدرامية ، سواء أكانت تراجيديات( سوفكلوس- أسخيلوس- يوربيديس) أم كوميديات (أريستوفان).[1]

ومن الأكيد أن يكون التمثيل قد ارتبط بالإنسان منذ وجوده على هذه الأرض، فالإنسان منذ أن وجد على البسيطة، وهو يمارس اللعب والمحاكاة والإيهام، ويتقمص الأدوار إما بطريقة فردية، وإما بطريقة جماعية.ويعني هذا أن الممثل ظاهرة إنسانية قديمة وجدت مع وجود اللعب والطقس الاحتفالي.وفي هذا السياق، يقول محمد الكغاط:" أعتقد أنه لم يعد بإمكاننا أن نتساءل عن أول ممثل عرفته البشرية، مادام التمثيل نزعة فطرية عامة وجدت بوجود الإنسان، إلا إذا كنا نقصد مراحل مختلفة مر بها الممثل في مختلف العصور المسرحية. ومع ذلك، نستطيع أن نشير إلى أن الحاكي كان يقوم بمفرده بعدة وظائف تبلورت في الميدان المسرحي على مر الحقب التي عرفها هذا الفن: فهو الذي كان يرتجل النص انطلاقا من حدث مر به، أو من حدث يرتجله من خياله في الآن نفسه، أو من مخطط يفكر فيه من قبل، وهو الذي يقوم بالتمثيل منتقلا من شخصية إلى شخصية، معبرا بالصوت تارة وبالحركة والإيماءة تارة أخرى، وهو الذي يقوم بعملية الإخراج، محاولا التنسيق بين كل العناصر التي يتوفر عليها، وهو الذي يصمم المناظر، ويرسمها بالحركات والكلمات.ولعل هذا مادفع جورج جان(George Jean) إلى تساؤل يبدو جريئا في الغوص، بعيدا عن بدايات العناصر التي تكون المسرح، وذلك عندما قال: وهكذا، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان أول كاتب وأول ممثل وأول مخرج وأول مصمم مناظر هو الحاكي نفسه.

إن الحاكي في الواقع يمثل مرحلة أساسية من مراحل الظاهرة المسرحية، إذ لا يمكن لأي باحث أن يعود إلى بدايات المسرح، دون أن ينطلق من الراوي أو الحاكي، إلا أن بعض الدارسين يرى أن الانتقال من الرواية إلى التشخيص هو الذي أتاح الانتقال من مرحلة التمثيل إلى مرحلة المسرحة، وهذا ينطبق مع ما ذهب إليه أرسطو في كتابه:" فن الشعر"، عندما ميز بين الشعر الغنائي والشعر الملحمي والشعر الدرامي، إذ نعتقد أن الانتقال من الرواية إلى الفعل أو التشخيص هو الذي أوحى لأرسطو نفسه بتعريف التراجيديا في إطار ما أسماه بالشعر الدرامي."[2]

وكان الإنسان البدائي يمثل  مجموعة من المواقف والظواهر الطقسية والدينية والأسطورية، باستعمال الإشارة، والحركة، والرقص، والجسد، والارتجال، والقناع.ومن ثم، يتبين لنا أن الأداء قد سبق ظهور النص. بمعنى أن النص لم يظهر إلا في المسرح اليوناني مع ( الضارعات)لأسخيلوس.ويمكن أن نحدد مجموعة من المراحل التي مر بها الممثل:

Œ1- مرحلة الحاكي أو الراوي الفطري المرتجل قبل ظهور الدراما اليونانية.

2 - مرحلة النص منذ انبلاج المسرح اليوناني.

Ž3 - مرحلة الممثل النجم.

4 - مرحلة الدراماتورج مع بريشت.

 - 5مرحلة الإخراج منذ أواخر القرن التاسع عشر.

و" لاشك أن الفترة التي مر بها المسرح، وهو يعتمد على الأداء وحده، أطول بكثير من المراحل التي ظهر فيها النص، ثم أخذ يستأثر باهتمام المسرحيين والجمهور على السواء، إلا أن النص ارتبط ببداية التاريخ للمسرح، الشيء الذي أكسبه منزلة خاصة، وجعله يبدو وكأنه جزء لايمكن أن ينفصل عن المسرح.وقد ظل الأمر كذلك إلى أن تحولت الأنظار إلى الممثل، باعتباره العنصر الرئيسي في العرض المسرحي. ومع ذلك، ظل النص محتفظا بقسم كبير من مكانته، وإن أصبح خاضعا لرغبات الممثل. لكن، مع ظهور سلطة المخرج، أعيد طرح مسألة النص من جديد ، وتزعم المخرجون هذه الحركة، وكانوا في جميع دعواتهم التجديدية يستندون إلى الأصل الأدائي الذي قام عليه المسرح، معتبرين أن إلغاء النص يعني إعادة الحياة إلى المسرح.وينقل ب.شارفي (P.Charvet) عن جرتوفسكي (Grotovski) قوله في أن التطور الذي عرفه فن المسرح كان النص أحد العناصر المتأخرة التي أضيفت إليه."[3]

وإذا كان أسخيلوس أول كاتب درامي في تاريخ الإنسانية، فإن ثيسيبس هو أول ممثل درامي بمعنى كلمة التمثيل، tقد مارس مهنة التمثيل عن احتراف واقتدار في أثناء الاحتفالات المسرحية التي كانت تقام في جميع أرجاء اليونان احتفالا بالإله ديونيزوس إله الخمر والكروم. وكان ثيسيبس في الحقيقة ممثلا احتفاليا شاملا،  يمتلك ناصية الحوار والتعبير والأداء  تجريبا وإبداعا وتصويرا. وبعد أن كان  هناك ممثل واحد، أدخل أسخيلوس ممثلين إلى مسرحياته، وزاد سوفكلوس الممثل الثالث. ولا ننسى أن الشعراء في المرحلة اليونانية هم الذين كانوا يمارسون التمثيل في البداية، إلى أن ظهر الممثل المحترف أو الموهوب. وفي هذا، يقول محمد الكغاط:" انتقلت الرواية إلى التشخيص، وانتقل رئيس الجوقة إلى التمثيل، وأصبح الشاعر بدوره ممثلا، الشيء الذي قد يعني أن الراوي ورئيس الجوقة كانا يقومان أيضا بإنشاء الشعر. ويترتب عن ذلك ، كما قلنا، أن المسرح كان نتيجة لمواهب متعددة، وكانت بذرته الأولى هي الممارسة.ويذكر طه حسين أن الشعراء كانوا:" يشاركون بأنفسهم في التمثيل أول الأمر، ثم نشأت طائفة الممثلين المحترفين، وجعل الشعراء يكتفون بإنشاء الشعر، وإرشاد الممثلين وأعضاء الجوقة.وإذا كان طه حسين يشير صراحة إلى الممثلين المحترفين ، فإنه يلمح ضمنا إلى المؤلفين الذين يتولون مهمة إعداد عروضهم المسرحية. وبالرغم تخليهم، أحيانا وليس دائما، عن التمثيل، فقد ظلوا يقومون بعملين هامين، هما: التأليف والإخراج، هذا الإخراج الذي يقتضي إرشاد الممثلين وأعضاء الجوقة؛ ولاشك أن كل هذه الأعمال تتطلب مواهب متعددة، حتى يتسنى لرجل المسرح أن يقوم بها مجتمعة.

كان الشاعر الدرامي يقوم بكل تلك الأعمال منطلقا من مواهبه وحبه للمسرح، ولم يكن يقف إلى جانبه من أجل مساعدته إلا الخوريجس، هذا "المنتج" الذي كان يتولى اختيار الممثلين وأعضاء الجوقة، ويدفع رواتب الممثلين والمنشدين والموسيقيين والمدربين ومن إليهم، كما كان يتولى شراء الملابس التي تتطلبها المسرحية، يحفزه إلى ذلك حبه لخدمة الدين، وتطلعه إلى مشاركة الشاعر شرف الظفر بالجائزة والتتويج إلى جانبه، ولا نتصور أنه كان يتدخل في توجيه الخط الإيديولوجي للمسرحية، كما نعرف ذلك فيما يسمى بمسرح المنتج في مقابل مسرح المخرج. ومسرح المنتج في الغالب مسرح تجاري في أيامنا."[4]

وهكذا، يمكن القول :إن المسرح الإنساني قد مر بمجموعة من المراحل على مستوى التشخيص والتمثيل، مرحلة الحاكي أو الراوي الفطري، سواء أكان فردا أم جماعة ، مع ظهور الإنسان المقلد والمحاكي للذات والطبيعة، ومرحلة الممثل المحترف مع المسرح اليوناني والروماني ومسرح مابعد عصر النهضة، ومرحلة الممثل النجم مع التيار الرومانسي، ومرحلة المخرج. ويعني هذا أن الممثل كانت له مكانة كبرى في تاريخ المسرح الغربي، إلى أن تضاءلت قيمته الفنية والجمالية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ليحل محله المخرج المسرحي أولا، والدراماتورج ثانيا.

المبحث الثالث: مدارس التمثيل والتشخيـص

يمكن الحديث عن اتجاهات ثلاثة في مجال التمثيل المسرحي، يمكن حصرها فيما يلي:

Œمدرسة التشخيص والعرض التقني الصرف ذات المنظور الخارجي، وهي مدرسة كوكلان.

مدرسة المعايشة الصادقة ذات المنظور الداخلي، وهي مدرسة ستانسلافسكي.

Žمدرسة توفيقية تجمع بين اللااندماج والمعايشة الصادقة، أو بين الداخل والخارج، وهي المدرسة البريشتية.

إليكم – إذا- هذه المدارس من أجل الاطلاع على مفاهيمها النظرية، ومرتكزاتها التطبيقية، ومبادئها في مجال التمثيل والتدريب.

المطلب الأول: مدرسة العرض والتشخيص الخارجي

ارتبطت مدرسة العرض والتشخيص الخارجي بالممثل الفرنسي المشهور كوكلان Coquelin  الذي ينظر إلى الممثل نظرة تقنية خارجية صرفة، فالممثل عنده هو الذي يحاكي الآخر محاكاة مطابقة في شكلها الخارجي، باحتذاء مقوماتها السلوكية، وتمثل تصرفاتها الأدائية بشكل تماثلي إلى حد كبير. إن الممثل - حسب كوكلان-"يخلق نموذجه في خياله. وبعد هذا، يصنع ما يصنعه المصور الذي يأخذ كل لمحة من هذا النموذج، وينقلها إلى لوحته، فينقلها هو إلى نفسه، إنه يرى ثياب طرطوف، فيرتديها ، ثم يلاحظ قامة طرطوف فيقلدها، ثم ينظر إلى سحنته، فيوائم بينهما وبين نفسه. ثم يجعل وجهه مشابها لها، وهو يتكلم بالصوت نفسه  الذي سمع طرطوف يتكلم به. وبعد ذلك، يجعل الشخص الذي جمع أطرافه يتحرك، ويمشي، ويشير بيديه وجسمه، ويصغي ، ويفكر كما يفعل طرطوف. وبعبارة أخرى، يذعن له إذعانا تاما. وهنا، تكون اللوحة معدة، ولا ينقصها إلا أن توضع في إطار، أعني لا ينقصها إلا أن تعرض على خشبة المسرح. وعندئذ، يحكم الجمهور، فيقول : إن كان هذا طرطوف، أو أن الممثل لم يؤد دوره كما يجب....

إن الممثل لا يعيش في دوره.إنه يمثله.إنه يظل باردا إزاء الهدف الذي يستهدفه بتمثيله. غير أن فنه لابد أن يكون كاملا كل الكمال...

إن الفن ليس هو الحياة الواقعية، بل ليس صورتها المنعكسة، إن الفن في ذاته قوة مبدعة خلاقة، وهو يخلق حياته الخاصة، إنه جميل في صورته المجردة، وهو فوق الزمان والمكان."[5]

ومن هنا، تطالب مدرسة كوكلان الممثل ، وهو يؤدي دوره، أن يطابق الشخصية مطابقة كلية ، خاصة تلك الشخصية  التي يمثلها، وألا يعيش دوره بشكل مرآوي انعكاسي، بل عليه أن يؤديها ببرودة تمثيلية من منظور أدائي حيادي خارجي تمثيلي.

ويرى  فنان مدرسة كوكلان أن المسرح" تقليد وسنن، وخشبة المسرح فقيرة أشد الفقر من حيث إمكانياتها، بحيث لا يمكن أن تخلق لك صورة موهومة من الحياة. ومن هنا، وجب ألا يتجنب المسرح التقاليد والسنن، وهذا الطراز من الفن فيه من العمق أقل مما فيه من الجمال، وهو يؤثر فينا تأثيرا سريعا مباشرا، أكثر مما يشعرنا في الواقع بما فيه من قوة، والصورة فيه أكثر أهمية من المضمون الداخلي، وهو يفعل في سمعك وبصرك أكثر مما يفعل في نفسك، ونتيجة لكل هذا كان أقمن أن يسرك أكثر مما يحرك عواطفك.

إنك تستطيع أن تتلقى كثيرا من الانطباعات خلال هذا النوع من الفن، لكنها انطباعات لن تدفئ روحك، ولن تنفذ إلى أعماقها: إن لها تأثيرا حادا، لكنه تأثير لا يدوم، إنها تثير فيك الإيمان،ولن تجد في نطاق هذا اللون من الفن إلا ما يمكن إنجازه بوساطة ما يبهرك من الجمال الزائف المصطنع، أو المشاعر الخلابة المحركة للعواطف. أما المشاعر الإنسانية الدقيقة الرقيقة العميقة، فإنها لا تخضع لمثل هذه الصنعة أبدا، إنها تتطلب الانفعالات الطبيعية في اللحظة نفسها التي تتجلى لك فيها في كيان الممثل، إنها تتطلب التعاون المباشر مع الطبيعة ذاتها. ومع ذلك، فإن عرض الدور أو تشخيصه يجب أن يعترف به كفن خلاق، مادام يساير طريقتنا في ناحية من نواحيها."[6]

وعليه، فمدرسة التشخيص البراني هي مدرسة خارجية محايدة، تكتفي بالتمثيل الخارجي أداء وتعبيرا وتمثيلا، دون استبطان الدور جوانيا، أو استضماره شعوريا ونفسانيا ، أو استكناهه داخليا إلى درجة الاندماج والتقمص والمعايشة الصادقة . وقد عرف هذا التصور التشخيصي الخارجي بالنسق التقني الفرنسي، ويمثله بشكل جلي فرانسوا ديلسارتيه (François Delsarte). وقد أخذ به بعض الممثلين الإنجليز، مثل: تايرون جثري (1971م)، ولورنس أوليفييه(1982م)...

المطلب الثاني: مدرسة الاندماج والمعايشة الصادقة

ارتبطت مدرسة الاندماج بأرسطو الذي أثبت في كتابه (فن الشعر) أن الممثل عليه أن يندمج في دوره لكي يثير الشفقة والخوف في نفوس الجمهور. كما اقترنت هذه النظرية أيضا بالمخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي الذي أكد مدى أهمية معايشة الدور عن صدق وإحساس داخلي، بتفتيق الذاكرة الانفعالية، وتذكر المواقف المشابهة عن طريق الاسترجاع والتذكر. ومن هنا، يركز ستانسلافسكي على السيكولوجيا الداخلية في تحليل الشخصية الإبداعية. يقول ستانسلافسكي:"إن فننا هو أن تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه. وفي كل مرة يعاد فيها خلق هذا الدور، يجب أن يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لأول مرة."[7]

ويعني هذا أن مدرسة ستانسلافسكي هي مدرسة الداخل، ومدرسة المعايشة الصادقة، والاندماج في الدور إلى درجة تقمصه ذهنيا ووجدانيا وحركيا بغية إقناع المتفرج بالدور المؤدى، والإيهام بصدق الدور واقعيا ونفسانيا. ومن ثم، فقد أوصى ستانسلافسكي " بضرورة أن يشعر الممثلون بأنفسهم داخل الدور الذي يلعبونه، ويتخيلوا ما يمكن أن يكون عليه هذا الدور الذي يلعبونه، ويتخيلوا ما يمكن أن يكون عليه هذا الدور خلال الموقف الدرامي على المسرح.إنهم ينبغي أن يفكروا، بينهم وبين أنفسهم، قائلين:" ما الذي ينبغي علي فعله لو كنت في هذا الموقف؟ ولو هذه التي يسميها ستانسلافسكي لو السحرية ، هي ما يقال عنها: إنها المفتاح الخاص الذي يفتح باب التجسيد الخيالي للمشاعر والانفعالات التي على نحو يتسم بالكفاءة.

وهناك ملكة أخرى شعر ستانسلافسكي بضرورة أن يجربها الممثلون ويطوروها، وهي الملكة الخاصة بالذاكرة الانفعالية. فينبغي على الممثلين أن يحاولوا تذكر المناسبات التي حدثت فيها، خلال حياتهم، ظروف مماثلة لهذه الظروف التي يمثلونها على المسرح، و يعيدوا تكوين أو إيقاظ ذلك الانفعال الذي كانوا يشعرون به خلال ذلك الزمن الماضي. ثم، يمكنهم بعد ذلك دمج ذلك الانفعال، وكذلك الإيماءات التي أوحى بها، أو استثارها،  في المشهد الدرامي الحالي بشكل مناسب.

لذلك، فإن وظيفة الممثل هي أن يكتشف مادة داخل نفسه يكون في إمكانه تكييفها بشكل يتناسب مع الدور.[8]"

وهكذا، فاتجاه ستانسلافسكي هو اتجاه داخلي يعتمد على التقمص  والاندماج ، والمعايشة الصادقة، والتخييل الانفعالي. وقد أخذ به المخرج النمساوي لي ستراسبيرج(Lee Strasberg) الذي أسس بنيويورك أستوديو الممثل(Actor’s Studio)، وعرفت طريقته في التمثيل بالمنهج؛ حيث يركز لي ستراسبيرج على الواقعية النفسية في إدارة الممثل، والتحليل الداخلي والباطني للشخصية.  وقد استعان المسرح الطليعي الأمريكي بهذا المنهج، بل استفاد منه رواد السينما الأمريكية  أيضا. ومن أهم المعجبين بهذا المنهج جيمس دين، ومارلون براندو، ورود شتايجر، ومارلين مونرو، وبول نيومان، وآل باشينو، وجاك نيكلسون...

المطلب الثالث: مدرسة اللااندماج

ترتبط هذه المدرسة الدرامية بالمخرج الألماني بريشت الذي ثار على المسرح الأرسطي ومقومات المسرح الكلاسيكي، فحاول أن يخلق مسرحا تجريبيا قائما على الاغتراب، ونظرية التباعد، واللااندماج في الدور، وخاصة في كتابه( الأورغانون الصغير). بمعنى أن الممثل عليه أن يبتعد عن التقمص التطهيري، والاندماج في الدور، وعليه أن يبين للمتفرج أنه يمثل فقط.لذا، عليه، أن يغير ملابسه أمام الجمهور، و تكون الإضاءة واضحة ومنيرة لكي لايستغرق المتفرج في إيهامه الزائف. ومن ثم، تقوم وظيفة المسرح في منظور بريشت على التعليم، والتنوير، والتوعية، والتحريض، والتغيير، وليس التطهير الأخلاقي والديني والنفسي. وقد تأثرت مجموعة من الاتجاهات والنظريات والبيانات والتجارب المسرحية والإخراجية العربية بالمنهج البريشتي المبني على تكسير الجدار الرابع، وتمثل تقنية اللااندماج، والإيمان بنظرية التغريب والإبعاد، كما نرى ذلك في مسرح التسييس، ومسرح الشوك، والنظرية الاحتفالية، ومسرح عبد القادر علولة، ونظرية النقد والشهادة، والمسرح الثالث، وبيان الإخراج الجدلي...

تلكم- إذاً- أهم المدارس الثلاث التي اعتنت بالتمثيل والتشخيص، فهناك مدرسة التشخيص الخارجي، ومدرسة التشخيص الداخلي، ومدرسة التشخيص المزدوج التي تجمع بين الداخل والخارج.

الخاتمة:

وخلاصة القول: لقد انتقل مفهوم الممثل - اصطلاحا- من مرحلة  الشخص والبطل والبطلة إلى مفهوم الشخصية مع الطرح البنيوي واللساني، ليصبح في الأخير بمثابة علامة أو عامل من العوامل السيميائية. كما أثبتنا تاريخيا أن الممثل، في مسيره التطوري، قد انتقل من مرحلة الرواية إلى مرحلة التشخيص. وبتعبير آخر، لقد انتقل من مرحلة الحاكي الفطري إلى مرحلة الممثل المحترف، فالممثل النجم، لتتضاءل مكانته وقيمته في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع ظهور المخرج والدراماتورج على حد سواء.

ومن جهة أخرى، فقد أثبتنا أن هناك ثلاثة اتجاهات في مجال التمثيل المسرحي: اتجاه التمثيل التقني الخارجي (اتجاه كوكلان وفرانسوا ديلسارتيه)، والاتجاه الخيالي الداخلي(اتجاه ستانسلافسكي ولي ستراسبيرج)، واتجاه اللااندماج (اتجاه بريشت).

 

 د. جميل حمداوي

.................

الهوامش:

[1] - محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، القنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1996م، ص:23-26.

[2] - محمد الكغاط: المسرح وفضاءاته، ص:25-26.

[3] - محمد الكغاط : نفسه، ص :37.

[4] - محمد الكغاط: نفسه، ص:72.

[5] -  قسطنطين ستانسلافسكي: إعداد الممثل، ترجمة: الدكتور محمد زكي العشماوي ومحمود مرسي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، ص:29-30.

[6] -  قسطنطين ستانسلافسكي: نفسه، ص:30-31.

[7] - قسطنطين ستانسلافسكي:نفسه، ص:25-26.

[8] - جلين ويلسون: سيكولوجية فنون الأداء، ترجمة: شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة، الكويت، العدد:258، سنة 2000م، ص:131.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4102 المصادف: 2017-11-28 04:30:47