المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

ساعة بغداد .. رواية تخالف توقعات القرّاء

adnanhusan ahmadأثارت رواية "ساعة بغداد" لشهد الراوي ضجة إعلامية لم يألفها الوسط الثقافي العراقي من قبل، فقد صدرت طبعتها الثالثة من دار الحكمة بلندن، وبيع منها أكثر من 25 ألف نسخة، كما تُرجمت إلى الإنكَليزية، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البُوكر العربية لهذا العام، ولمّا يزل القرّاء منقسمين بين مُحبّين للرواية، ومُعجبين بها، وبين كارهين لها، وناقمين عليها شكلاً ومضمونًا. ولكي نصل إلى حُكمٍ نقدي مُحايد لابدّ من قراءة الرواية قراءة موضوعية تغطّي اللغة، والأسلوب، والبنية المعمارية، والنسق السردي، وتعدد الرُواة الذين يسردون الأحداث بطرق مغايرة تخالف توقعات القرّاء، فلاغرابة أن ينفروا من هذه الأنساق السردية الجديدة أو يناصبوها العداء.

تكتب شهد الرواي بلغة عفوية، منسابة هي أقرب إلى "السهل الممتنع" الذي يمكنكَ أن تُجاريه لكنك لا تستطيع أن تأتي بمثله. وربّ قائل يقول إن هذه الرواية فيها الكثير من الأخطاء اللغوية، والصياغات الشاذّة، والجموع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا تشخيص دقيق لا غُبار عليه. ويبدو أنّ الكاتبة قد اعتمدت في اجتراح أسلوبها المتدفق الذي لم يصل بعد إلى حد البصمة الخاصة على قراءات عربية وأجنبية فهي معجبة بأسلوب الكاتب العراقي الساخر نوري ثابت الذي كان ينزل إلى مستوى القارئ العادي ولا يجد حرجًا في استعمال الكثير من المفردات العامية في عموده الصحفي. وقد أشارت غير مرة إلى أنها متأثرة بالموجة الأولى من روائيات عصر "السوشيال ميديا" من أمثال  الأميركية إيما كلاين، والبريطانية جوجو مويس التي بيعت من روايتها "أنا قَبلك" ستة ملايين نسخة، وسواهنّ من الكاتبات اللواتي ينتمين إلى تيار الرواية ما بعد الحداثية التي تقوم على تحطيم بنية السرد التقليدي التي عرفناها سابقًا في تيار الرواية الجديدة الذي مثّله ألن روب-غرييه، وكلود سيمون، وميشيل بوتور، وغيرهم من الروائيين الفرنسيين الذين رفضوا نموذج البطل التقليدي، وانتهكوا محدودية الزمان والمكان.

لم تعترف شهد الراوي بالبطولة الفردية لذلك وزّعتها على العديد من شخصيات النص الروائي مثل الراوية التي تحمل بعضًا من مواصفات المؤلفة، ونادية، وبيداء، وباجي نادرة، والمشعوِّذ، و "المستقبَل" وسواهم من الشخصيات التي هشّمت آلية السرد المُتعارَف عليها سلفًا، بل أنّ صوت الراوية نفسها قد تدرّج من الطفولة إلى المراهقة حتى وصل إلى سنّ النضج ولهذا فإنّ من يشْرع بقراءة الرواية يعتقد أنها مخصصة للأطفال أو الفتيان في أفضل الأحوال. وقد ساهمَ هذا التدرّج التصاعدي في تخليص الرواية من رتابة النسق السردي ذي الإيقاع الواحد. ومثلما تحررت شهد الراوي من البطل التقليدي الواحد الذي يهيمن على سياق الرواية فإنها تحررت من الثيمة الرئيسة الواحدة واعتمدت على ثيمات متساوية من حيث العمق، والشمولية، وأهمية الأفكار التي تنطوي عليها كل ثيمة على انفراد كالحُب، والحرب، والهجرة، والإرهاب، والانتحار، والشعوذة، والنبوءة وكأنها تريد أن توحي للمتلقين بأنها تكتب عن ثيماتٍ يعرفها العراقيون جميعًا.

لابد من قراءة هذه الرواية قراءة مجازية، فالمحلّة التي ترسو مثل سفينة عملاقة على شاطئ المحيط هي العراق، وأنّ سكّان هذه المحلّة هم الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه، والقبطان هو الرئيس، وأن الطبقة المتوسطة هم أبناء الدولة، والفقراء هم أبناء الوطن، وباجي نادرة هي كردستان التي تقوقعت على نفسها عام 1991، ومزّقت العقد الدستوري بينها وبين بغداد، غير أن العم شوكت يجزم بأن هذا الانفصال مؤقت، وسوف تعود كردستان إلى حضن الوطن إن عاجلاً أم آجلا.

تقع أغلبية المراهقات في الحُب، فنادية تحب أحمد، والراوية تعشق فاروق، ومروة تنجذب إلى أحمد أيضًا ولكن من طرف واحد، وميّادة تهيم بالدكتور توفيق. وعلى الرغم من أجواء الحرب الكئيبة، والحصار الظالم المفروض على الشعب العراقي إلاّ أن شعلة الحُب ظلّت متقدة في قلوب العراقيين ولعل أجمل ما في الرواية هي القصص الرومانسية المُعبِّرة التي اجترحتها مخيلة باجي نادرة مثل قصة جوانا التي أحبّت ماندو، الفتى الوسيم الذي تراه في أحلامها فقط. وبما أنها لا تراه في الواقع فقد صنعت له تمثالاً من الثلج، وحينما وضعت اللمسات الأخيرة عليه قال لها: أحبكِ! ذهبت إلى البيت كي تجلب له الطعام وحينما عادت اكتشفت أن أشعة الشمس قد أذابت تمثاله الثلجي فسألت الشمس التي اقتربت من حافة الجبل: لماذا أخذت ماندو؟ فردّت عليها:"أنا لم آخذ ماندو، لكنه كان يُحبكِ كثيرًا حتى ذاب من الحُب وصار جدولاً"(ص40).

تستعير شهد الراوي بنيتها التدوينية من رواية "مئة عام من العزلة" لماركيز فتفتح الراوية بمساعدة صديقتها الحميمة نادية سجلاً أزرق أسمتاه "ساعة بغداد- تاريخ المحلّة" ودوّنتا فيه عشرين صفحة عن كل عائلة من عائلات المحلّة كي تحفظ الذكريات من النسيان، وحينما باتت معهما بيداء دوّنت كل ما تعرفه عن أهالي المحلّة وربما تكون خيانة هيفاء لزوجها أسامة مع شابٍ جميل هي بمثابة تدوين للمسكوت عنه، وتعرية للقضايا المحجوبة، وبما أن بيداء لا تكذب أبدًا فقد قررتا الاحتفاظ بالقصة في السجل التوثيقي لأن الجميع ليسوا ملائكة.

لا تنهتي قصص الحُب بالزواج، بل تخالف توقعات القرّاء تمامًا، فلا تتزوج نادية من أحمد، ولا الراوية من فاروق، بينما تُقتل ميادة على يد شقيقها حسام الذي ينقلب رأسًا على عقب حيث يُصبح معارضًا للنظام الدكتاتوري وحينما يعود مع المعارضة يتحول إلى رجل دين بلحية كثة ويصادر بيوت المسيحيين ويبيعها واحدًا تلو الآخر من دون خوف أو خجل. وعلى الرغم من تشتت المراهقات اللواتي نضجنَ الآن لابد من إحاطة القارئ علمًا بأن نادية قد تزوجت من مهندس وسيم يعمل في شركة معروفة في دبي، وبعد أقل من عام سوف تتزوج الراوية من شاب في غاية اللطف تخرّج في جامعة عالمية ولعله قال لها نفس جملة فاروق: "أنا معجب بك" وحينما تتلعثم سيقول لها: "أنا أحبكِ" ثم ينتهي بها الأمر في دبي أيضًا، وحينها تُدرك بأنها سوف تعيد صداقتها بنادية، وتجتمع معها من جديد، فما يشتتهُ التاريخ، تجمعهُ الجغرافية.

تحتاج الشخصيات الأخرى إلى قراءة نقدية واسعة مثل القبطان، والمشعوِذ، والعم شوكت الذي يمثل الطبقة المتوسطة التي اعتبرتها المؤلفة "الأرض الحرام لكل حرب"(ص107)، والكلب برياد الذي يودع كل أبناء المحلة إلى منافيهم البعيدة ثم يتعرّض للذل والركل والإهانة على أيدي القادمين الجدد فيندفع تحت إطارات شاحنة كبيرة ليواجه مصيره المحتوم.

ربما كان النسق السردي تصاعديًا فيما يخص فتيات المحلة اللواتي التقينَ في ملجأ محصّن ضد صواريخ التحالف الأنكَلو- أميركي لكن ذلك لم يمنع الروائية من العودة العكسية إلى الماضي والصعود إلى الجنة للقاء جدها الذي كانت تراه في الصورة المثبّتة على الجدار، أو مقابلة والد أحمد الذي استشهد في الحرب العراقية- الإيرانية.

لا أحد يشكّ في أن "ساعة بغداد" هي رواية حداثية معنىً ومبنىً، وأن شخصياتها مدروسة وهي تتحرك ضمن سلسلة الأحداث المفجعة في غالبيتها لكن بصيص الأمل كان موجودًا بين طيّات النص السردي الذي أنقذ الذاكرة الجمعية من الغرق والنسيان بالكتابة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

للاسف....وكوجهة نظر لم اقرأ قراءة نقدية محايدة بل مداهنة وتلميع للنص الروائي الهابط الذي قرأته،ولا يمكن حمل هذه ااسطحية في الرواية على المجاز...تصلح كقصص مراهقين لا يستطيعون التعبير عن اذواقهم بصيغة حضارية او متقدمة.لكنها كسرد روائي ناضج لا اجد فيه ( الحبكة، السرد الناضج، الحكمة، المهارة، التشويق، النص الرمزي، الاثارة....الخ) .
مع التقدير.....

انور الموسوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أتفق معك أستاذ أنور، وأشد ما أخشاه أن يصبح هذا الكم الهائل للغة الرواية (الهابطة) هو لغة الأدب مستقبلا فتتميع اللغة الرصينة ويضيع جمالها وسط فوضى الأذواق الشاذة.

منتهى البدران
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4166 المصادف: 2018-01-31 12:04:37