المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

ثنائيّة الفنّ واتّحاد الفكرة.. قراءة في نصّ للشّاعر التّونسي يوسف الهمامي

مادونا عسكرالنّصّ

اليد..

تمتدّ فوق يدك

عندما تنزعني أرواح الخلق ألبسك

(يوسف الهمامي)

- القراءة:

يحاكي هذا النّصّ بما استخدم فيه الشّاعر من تكثيف في الصّورة والمضمون لوحة جبران خليل جبران "العالم الإلهيّ". ولا تبلغ المحاكاة أقصى التّشابه بين النّصّ واللّوحة بل تخلق نوعاً من التّواصل الإبداعيّ تمثّلت به (اليد) في اللّوحتين، الشّعريّة الّتي جعلت اليد وسط المعنى الّذي في قلب الشّاعر، وقد شكّلت محور النّص والعنصر المستهلّ به ومفتاح إلى العالم الّذي ينطلق منه الشّاعر ليرسم القصيدة. والأخرى، أي لوحة جبران خليل جبران الّتي خرجت عن تأمّل خاص للعالم الإلهيّ تَمثّل بالعين في وسط اليد المحاطة بالأجساد العارية الّتي غالباً ما رسمها جبران بطابع ملائكيّ دلّ من خلالها على الأرواح السّماويّة.

(اليد) تمثّل في النّصّ واللّوحة معاً السّلطة والرّحمة والاحتواء. فكما نراها في لوحة جبران خليل جبران مبسوطة تحتلّ وسط اللّوحة دلالة على سلطة المحبّة لا السّلطة بمعناها العنفيّ المتسلّط، مشكّلة الرّعاية للأرواح الّتي تحيطها بل للعالم بأسره. كذلك اليد في نصّ الشّاعر دلّت على سلطة المحبّة وبدت مبسوطة غير منقبضة، دلّ عليها الامتداد من علوّ كعلامة تقود القارئ إلى عالم إلهيّ يستقي منه الشّاعر تأمّله الخاص، ويحيا به وفيه اتّحاداً علويّاً من جهة وأرضيّاً من جهة أخرى. (تمتدّ فوق يدك)

إذاً نحن أما "اليد" الإلهيّة الّتي يخلص إليها نصّ الهمّامي، و"اليد" الإلهيّة الّتي تخلص إليها الأرواح في لوحة جبران خليل جبران. وفي كلا العملين مثّلت اليد الاحتواء. استهلّ الشّاعر نصّه بلفظ (اليد) وتركه مفتوحاً على الغيب / المطلق ليعود ويظهر حضورها الجليّ في كينونته المتّحدة بكينونة المحبوبة. ولئن كان الحديث عن اتّحاد بين حبيب ومحبوب فلا بدّ من أنّ اليد عنت للشّاعر سلطة الحبّ.

منح جبران خليل جبران اليد في لوحته طابعاً بشريّاً إذ رسمها مشابهة تماماً ليد الإنسان. ولعلّه أراد بذلك الخوض في الصّورة الإنسانيّة الّتي على صورة الله أو أنّه أراد التّعبير عن قرب الله من الإنسان. وأمّا الشّاعر يوسف الهمامي فاكتفى بتصدّرها المشهد دون وصفها أو تحديد ملامحها. لقد أراد الشّاعر أن يدلّ القارئ على "اليد" المطلّة من فوق، الّتي تحتويه وتقوده وترعاه وتدلّه على محبوبته. فنفهم أنّ اللّقاء المرجو بين الحبيب والحبوب لقاء رتّبه الله وأوجده من صلب محبّته. ولقد عبّرت الجملة التّالية (تمتدّ فوق يدك) عمّا يشبه الترتيب الإلهيّ لاجتماع هذين الشّخصين العاشقين. إنّ امتداد "اليد" الإلهيّة فوق يد الطّرف الآخر أشبه بإلهام أو دليل قاد هذا الطّرف أي المحبوبة إلى الشّاعر. لم يقل الشّاعر (اليد.. تمسك بيدك) بل (تمتد)، فحافظ من جهة على خصوصيّة العلاقة البشريّة والرّوحيّة بينه وبين المحبوبة. ومن جهة أخرى امتدّت (اليد) فوق يده لأنّ يده هي ذاتها يد محبوبته.

في اللّوحة الجبرانية يدور العالم حول اليد ويخلص إليها، وأمّا في لوحة الشّاعر فاليد جعلت المحبوبين منفصلين عن العالم على الرّغم من ارتباطهما به واقعيّاً. (عندما تنزعني أرواح الخلق). الشّاعر منفصل عن عالمه وهو القائل في مكان آخر "أنا أعيش في مكان لا أدري أين../اقرعوا،، يُفتح لكم". وعدم دراية الشّاعر بمكان عيشه لا يدلّ على هذيان ما أو عدم معرفة للمكان، وإنّما يشير إلى حياة في داخله معروفة لكنّها تفوق قدرة الاستيعاب، لأنّه استخدم فعل (أعيش). ما دلّ على حياة قائمة بحدّ ذاتها. هو هنا، في العالم، تحت رعاية (اليد)، وهناك بالرّجاء الّذي تمحنه هذه (اليد)، رجاء الحبّ. ويدور الشّاعر ومحبوبته حول هذه اليد ويخلصان إليها ولكن روحيّاً. (عندما تنزعني أرواح الخلق ألبسك)

الأرواح الّتي تدور حول اليد في لوحة جبران تبدو غير فاعلة لأنّها في حالة انجذاب إلى اليد. لكنّ الأرواح في نصّ الهمامي فاعلة منحها الشّاعر طابعاً كونيّاً اجتمعت فيه أرواح الخلق. لكن يبدو أنّها أرواح سماويّة تسهم في تدرّج الشّاعر روحيّاً وارتقائه سلّم العالم الإلهيّ كاختبار روحيّ عميق يتّحد من خلاله بمحبوته. يُنتزَع الشّاعر من عالمه فيحلّق ليلتقي بمحبوبته في عالمهما الإلهيّ ويتّحدان روحيّاً (ألبسك).

قد يكون في لفظ (ألبسك) إيحاء إلى الآية القرآنيّة (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة: 187) أراد من خلاله الشّاعر تبيان خصوصيّة هذا الاتّحاد الّذي يعبّر عن ذوبان العاشقين في كينونة واحدة فيكون الواحد ستراً للآخر. والفعل (ألبسك) يبلّغ في النّصّ ذروة العشق وذروة الاتّحاد العشقيّ الّذي يجعل من الشّخصين شخصاً واحداً.

لا غرابة إذن من اتّحاد لوحة ونصّ في فكرة واحدة، فلغة العشق واحدة، تتجلى بقوالب إبداعيّة مع احتفاظ كلّ عمل بوهج إبداعه الخاصّ الّذي ينطلق من التّجربة الخاصّة والمميّزة بكلّ تأكيد. لعلّي أغامر وأقول إنّ الهمّامي يفتح أفقاً جديداً لتناص أدبيّ منقول من الفنّ التّشكليّ، هذا التّناصّ الّذي لم يتنبَّه له إلا قلّة من المبدعين، قد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين على أحسن تقدير.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4360 المصادف: 2018-08-13 02:09:22