المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعر المغربي وفعل التحديث الشعري

يرتبط التحديث بالخلق، والابتكار، والخروج عن المألوف والسائد. وينبثق بتظافر مجموعة من العوامل، ولعل أبرزها تلك المؤثرات الخارجية التي تنتج بسبب تفاعل وتأثر الذات الشاعرة بنتاج ثقافي آخر، له سبق في التطور والتحديث.

دفع النقاد في المغرب بالشعراء إلى ركوب حركة التجديد والبحث عن آفاق مغايرة تستشرف أشكالا فنية، وموضوعات لها ارتباط بروح العصر. يقول عبد الجليل ناظم: " تعرض النقاد منذ محمد بلعباس القباج إلى الشعر المغربي باعتباره شعرا تقليديا، وبالتالي طالبوا الشعراء بمواكبة حركة التجديد والتخلي عن مناحي القول الموروثة" [1] من ثم واكب الشعراء المغاربة التحولات التي عرفها الشعر الحديث من التقليدية والرومانسية، إلى الشعر المعاصر، وانخرطوا في سؤال الشعر الحديث وقضاياه. فانقسم شعراء التحديث داخل المغرب إلى فئتين؛ فئة عانقت الشرق واعتبرته مرجعها الأسمى. وفئة عانقت النموذج الغربي، وجعلت منه متنفس حريتها، للتخلص من الضغوطات الاجتماعية والثقافية والشعرية. ومن تجليات هذين الرغبتين ظهور خطاب الشاعريين المؤسسين للتحديث الشعري، واندماجهم في التجربة الشعرية التقليدية، وتجلي الخطاب المضاد الذي مثله الشعراء الشبان، كمواجهة التقاليد الشعرية. يقول محمد بنيس:" منذ أواسط العشرينيات أدركت الشبيبة المغربية أن النموذج الشعري التقليدي السائد هو شعر بعيد عنها، وقد جعلت منه فترة ما يسمى عادة ب"الانحطاط" مجرد قوالب عروضية وتراكيب لغوية فارغة من كل تجربة إنسانية، لها صيحة الإبداع، ومسافة الحرية، ولذلك اتجهت هذه الشبيبة نحو البحث عن لغة أخرى، وعن سمة جديدة لهذا الفعل اللغوي الفريد، يتجاوب مع مد"النهضة" الشعرية العربية في المشرق، ويدخل في مغامراته الأولى لإعادة صياغة الرؤية إلى الوجود والموجودات، واستبطان الحساسية الآخذة في التبلور بفعل التبدلات التي أصبحت تشترط النسيج المغربي اجتماعيا وسياسيا وتاريخيا " [2].

فاختيار الشعرراء لهذا الاتجاه جعلهم يتواجدون في الأمكنة الرحيمة لهم ولاختيارهم الشعري الحر، معتبرين الذات ومعانقة الشعر العالمي منطلقهم." فكان الجواب الرومانسي، رغم حيائه أكثر قدرة على ما يرسخ صورة مجتمع جديد، يعاني من ضغط التقاليد الشعرية، فيما هو يتوق لتبني معالم الحرية وأسس الاندماج في نهضة الشرق، التي كانت مصر نموذجها العربي، وترقي الغرب، مستوحيا، هذه المرة نماذج شعرية أوروبية مترجمة إلى العربية خاصة لشعراء مثل فيكتور هيجو ولامارتين، شيلي وكيتس، غوتة وبوشكين(...) وهكذا انبثقت جماعة من الشعراء المغاربة يمثلها كل من عبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم بنثابت، ومحمد الحلوي، وعبد القادر حسن، ثم اتسعت فيما بعد لتشمل محمد الصباغ، وعبد القادر المقدم، ومحمد السرغيني . وهذه أسماء باختلاف الأعمار والأساليب، ولدت مناخا شعريا، له الأنين، والهمس، والغربة، والمناجاة... أي هذا السياج العاطفي الذي يجعل من الرومانسيين عائلة واحدة.

لقد بدا الاندماج في الحركة الرومانسية العربية واضحا لدى هذا الجيل (جيل الأربعينيات) الذي اتسعت أمكنة تواجده، في كل من تطوان والعرائش وطنجة وفاس والرباط، ومراكش، كما حقق تواصلا بينه عبر المجلات والصحف التي كانت تصدر في كل من تطوان والعرائش والرباط على الخصوص، وهو ما منحه حماية من القدماء ووحد لغته وفضاءه الشعريين" [3].

لقد وجد خطاب التحديث الشعري الذي مثله الشعراء الشبان حوافزَه في النموذج الغربي الأوروبي، وحققوا تواصلا بينهم، وهو ما منحهم حماية من القدماء . وعلى لسانهم بدأ اختيار الرؤية الحرة لشعر يعلن عن نفسه، عبر خطابات وإشكالات انطوت على الوعي بأزمة الشعر ومحنته وحريته وحيويته وإنسانيته، وفي علاقاته بالأخلاق والمؤسسات السياسية الكابحة لجموحه.

و" عبروا بذوقهم الجديد وباطلاعهم على الآداب الغربية عن مبدع متلق من نوع آخر، يرفض الوضوح والصراحة الموهومة ولايتجاوب إلا مع ما يبعث في النفس الشعور الغامض والسؤال الجموح" [4].فالحرية في الإبداع والتغني بالجمال والطبيعة والاغتراب جعلت مجموعة من الشعراء يعلنون عن ضرورة التجديد، وارتياد آفاق شعرية جديدة، لها ألق الذات ورحابة الانفتاح على الثقافة الأوروبية.

لا يمكننا أن نفهم التحديث الشعري إلا كصرخة ذوات حرة لها الحقائق والجمالية والرؤية الخاصة للعالم والمجتمع والتاريخ الحديثين، ضمن أوضاع تاريخية ثقافية كابتة، تلغي الحقائق الشعرية المتعددة. لقد نسجت استراتيجية التحديث الشعري لحظاتها، من خلال المشروع الثقافي لمجلة السلام، الذي يكشف عن الاحساس بالتحول الحضاري المشروط بدعامة مركزية، هي دعامة الأدب والشعر: " الأدب الحي المعبر عن سعادة الإنسانية وشقائها، الأدب المفصح عن آمال النفوس وآلامها، والشعر المطرب للأرواح المتعطشة إلى الفضيلة في سمائها، والحرية في عليائها" [5]، ويعتبر بيانا ثقافيا للحداثة المغربية. يضم موجهات تنطبق على الرؤية إلى التحديث الشعري من زاوية شمولية . تتحقق بالشعر الحرية.لذلك كان هذا الخطاب دليلا على شيء حديث أخذ يتبلور في المجتمع المغربي، وهو الأدب الحي؛ أي الشعر الجديد.

أعلن هؤلاء الشعراء الحديثون عن رؤيتهم المغايرة للغة، بتبني اختيار الذات المنفتحة على المرجعية الأوروبية كنموذج صالح لتأسيس وعي ومجتمع جديدين، " وتحرير الأدب من استعماره التقليدي "[6].

وشكل اختيارهم للذات، وتركيزهم على العبقرية والفردانية والحرية رؤية حديثة عصفت بالذوق الثقافي العام، الذي ترسخت فيه قيم التقليد أكثر مما ترسخت فيه قيم الذوات المبدعة والخلاقة. يقول عبد الكريم بن ثابت:"إن أعز مخلوقات الله عند الله هم الذين رزقهم المو هبة الخالقة، ومنحهم القدرة على الإبداع الفني في هذه الحياة وبذلك اكتسبوا بعض صفات الخالق الأكبر والمبدع الأعظم وهي الخلود" [7]. فالشاعر هو الفرادة والنبوة الشعرية. ومن خلال هذا التصور الأسمى للشعر تعرض التحديث الشعري لدى الشعراء لعدم الفهم من قبل النقاد والمجتمع، وخولهم غياب الفهم أن يعيشوا متفرقين وعاشقين لمن يسمع خطابهم الجديد، ومن بينهم نما محمد الصباغ ؛ ذاك الشاعر الذي لم يحتف به وطنه، فيما احتضنته لبنان وإسبانيا بحرارة نادرة، بإصدار أول أعماله الشعرية باللغة الإسبانية، حماية من سلطة التقليد في بلده. وكان الاعتراف هناك، قبل أن يكون هنا في المغرب، ورأى فيه المركز الــثـقـــافي (لبنان) صيحة هادرة وعينا جديدة لرؤية العالم في خفاياه، " شاعر يعيد خلق اللغة (...) يجب أن يكتشفه الأدباء العرب خارج المغرب أيضا" [8].بهذه الدهشة استقبله المركز الثقافي، وكان الاحتفاء ثم الأمر إلى اكتشاف الهدير. يقول محمد الصباغ في رحلته مع التحديث الشعري: " لم أكن مفهوما في المغرب، ووجدت في لبنان التشجيع والمؤازرة، لما اخترت لبنان، اخترت الحفاوة، اخترت الحرية ورؤيتي الخاصة للأشياء، التي لا ندركها ببصيرة الطين، اخترت الوفاء لحبيبي جبران " [9].

توجه محمد الصباغ، لحظة تآلف أوضاع الثقافة والمجتمع في ترسيخ التقليد بالمغرب، نحو مرجعين ثقافيين، هما الشعراللبناني والإسباني. وحقق هذا التوجه انفتاحا وتجاوبا مغربيا ولبنانيا و إسبانيا، له فرادة الذات، حيث كان هذا اللقاء انفصالا شعريا عن المؤسسة الثقافية السائدة في المغرب. لقد احتفى الأدباء المشارقة في لبنان وأمريكا بهذه الصيحة التحديثية، بمتابعة ما يكتبه محمد الصباغ فكان من نتائج هذه الرعاية تقديم بولس سلامة لكتاب العبير الملتهب، الصادر بتطوان سنة 1953، وتقديم ميخائيل نعيمة لكتاب اللهاث الجريح، الصادر بتطوان سنة 1955.

وتتوسع دائرة التواصل الشعري بهجرة الشعر العربي الحديث إلى القارىء الإسباني، بعد ما كان مجهولا من طرفه، بفضل مبادرة محمد الصباغ، كما يقول خاثينطو لوبث كورخي:" لا يمكننا أن نوفي بالشكر الشاعر الشاب المغربي محمد الصباغ، الذي بدأ يوقظ في الإسبانيين الرغبة في الإهتمام بالشعر العربي في القرن العشرين"64.

وفي هذا الصدد يقول خوسي لوبنيث:" إن محمد الصباغ جسر بين البلدين، المغرب و إسبانيا، عبر رحلاته المتتالية لإسبانيا وعبر اهتمامه الشخصي والدراسي بالشعراء، فتنطي الكسندري وخيرارد ودييغو وخوسي ييرو، ومن خلال نشره بالمجلات (...) التي تشهد على ذلك"[10].

تنبع أهمية محمد الصباغ في مسعى التحديث الشعري من كونه خرق بنية الشعر العربي التقليدية، واقتحم تجربتين شعريتين ؛هما التجربة الرومانسية المشرقية، ممثلة في لبنان، والتجربة الشعرية الإسبانية الحديثة، ممثلة في كبار شعراء إسبانيا، بعدما كانت التجربتان لا مفكرا فيهما من طرف التقليدية الشعرية بالمغرب.

إن المسعى التحديثي لدى محمد الصباغ انفرد بعدم خضوعه للرومانسية العربية في المركز، وبعدم استنساخه لها. لقد شملته لبنان بالرعاية وكذا إسبانيا، ولكنه اختار أن يكون، عبر لقائه وحواره مع هذين النصين الغائبين، نصا مغربيا حديثا، له خصوصيته.  هاجر محمد الصباغ، بلهجة الخرق لموانع التحديث الشعري بالمغرب، نحو لبنان وأمريكا وإسبانيا. وقد ضمن اختيار الاختراق، في دوال الموت والهجرة والشعور الحر، فتنة بغدران الماء . ولهذا يقول في قصيدة " أنا مَيِّتٌ ":

أنا مَيِّتٌ فهل تُرْجىَ حياتي؟

[...]

أنا مَيِّتٌ وفي الموت سِحْرٌ وأحْلامٌ، رهْبِةً وسكينَةٌ، فكلما ذهَبْتُ في

الشارع رأيْتُ أجساماً محنَّطَةً، تسوقُها رنَّاتٌ متقطِّعَةٌٌ، وموسيقى موجعةٌ،...[11] .

أعلن محمد الصباغ عن صرخته بجرأة نابعة من ذات عشقت حريتها و حرية الخيال والحياة، فكانت المواجهة بينه وبين التقليد، من أجل اختراق بنية الشعر المغربي التقليدي . وهذا ما تشف عنه بنية العنوان" آن لأقول لكم": "نعم، آن الأوان لأقول متمردا ولا رقيب يراقبني ولا ضميريخزني إلا أشباح"جبران"(...) إنكم لا تلمسون أخيلتي، لأنها في شرعكم تفقد روح الأبدية، ولأنها تنخر في عقيدتكم و تتلاشى في هذا الجو البعيد الشقة عن مصدر هذه التصورات و الأخيلة. افعلوا ما شئتم فإني معاهد نفسي و ضمير حبيبي "جبران"

مصغ إلي أني لا أحيد عن مبدئي، ولا ألتوي عن عزيمتي ". 67ينم هذا الخطاب عن سلطة التقليد التي تواجه المدى الحر لمحمد الصباغ، وهو" يخترق، رمزيا، سيطرة التقليد"68، ويتوجه نحو تبني رؤية متحررة لفعل الكتابة الشعرية، " لذلك قال عنه عبد الكبير الخطيبي: " إن محمد الصباغ ينهج طريق الرومانسية الغربية خلال القرن التاسع عشر، سواء في طرائقه الأساسية أو في أبسط تعابيره. على أن حالة هذا الأديب تعتبر ظاهرة منفردة في الأدب المغربي " [12]، وينفتح على الشعر الإسباني بدل الانكفاء على الذات، كما كان حال البنية التقليدية، وبدل إعادة إنتاج بقايا الرومانسية في المركز الشعري،على النحو الذي استسلم له الرومانـسـيون المغاربة [13].

ضمن محمد الصباغ للشعر العربي الحديث بالمغرب، من خلال اختراقه البنية التقليدية للشعر المغربي وانفتاحه على لبنان وإسبانيا، أن يخرج من التجاهل الذي مارسه المشارقة عليه، بعدما كان لا مفكرا فيه من قبل المركز الثقافي. وهو انفتاح أسمع صوت المحيط الشعري بجرأة في لبنان، وكان التجاوب والحوار. وكان من بين أهم نتائجه تقديم أهم شعراء لبنان ( ميخائيل نعيمة وبولس سلامة ) لأعمال الشاعر محمد الصباغ، ورعايتها، وفهم رهانها التحديثي. يقول ميخائيل نعيمة في تقديمه لكتاب اللهاث الجريح: " في المغرب العربي نهضة أدبية تبشر بالخير، ومن ألمع رجالها اليوم محمد الصباغ. فهو كاتب تتفجر عواطفه وأفكاره من شق قلمه عنيفة، صاخبة . ولذلك تراه يتنكب العادي والمألوف من قوالب البيان . إذ ا نظم فبغير وزن وقافية كما تشهد مجـموعته الشعرية الـمـتــرجمة إلـــى الإســبـــانية بــعــنوان El Arbol De Feuego ( شجرة النار) وقد صدرت في هذا العام . وإذا نثر كسا مفرداته وعباراته حللا من الألوان بين زاهية وقاتمة، ثم أطلقها تدرج على أوتار تعددت مفاتيحها وتنوعت قراراتها.

أما القرار الغالب في نظمه ونثره، فهو الأسى – أسى الأمل المخدوع والحلم الهارب. وذلك هو شأن الرومانطيقيين(...) ومحمد الصباغ لا يشذعنهم . فهو واحد منهم .إلا أنه في تأسيه،

يأتيك أحيانا بالاستعارة النافرة، والتشبيه المبتكر، والنغمة الشجية"71. و جاء في تقديم بولس

سلامة للعبير الملتهب:" وتراه (محمد الصباغ) في الآونة التي يعدل فيها الشعراء عن الأوزان المألوفة، من الجناس والتناسب يعود بالنثر إلى المطابقة والمعادلة في الجمل، بحيث يفصل االموجة على قدر أختها، ثم إن صاحبنا يحفل بالمعنى فيفرط في المبنى، مهملا الربط بين الجمل، ملتزما في ذلك سمت أسـتاذه( جبران). يتطلع(الصباغ)إلى أبعد من التطور الذي تجيء به السنون (...) لذلك تراه يهيب ببني قومه ليصبح (المغرب)غربا منهجه الحضارة، ويظل شرقا من جهة الروح والإيمان، وتراه على افتتانه بالجمال أينما وجد"[14].

كان الرهان التحديثي عند محمد الصباغ أوسع من رقعة العالم العربي، ليمتد إلى إسبانيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، ونما حواره المتواصل مع أعضاء الرابطة القلمية بنيويورك (1920- 1933)، وأعضاء العصبة الأندلسية بسان باولو ( 1922)، وأعضاء الرابطة الأدبية في بوينس آيرس ( 1949- 1951) .

اكتمل مشهد التحديث الشعري عند محمد الصباغ عبر رحلة التجاوب بينه وبين شعراء لبنان وإسبانيا والمهاجر الأمريكية. فبفضل هذا التجاوب والانفتاح الشعري مارس محمد الصباغ هدما للنموذج الثقافي والشعري بالمغرب، واختار مسار التحرر من مؤسسة ثقافية تقليدية وكابتة لحقيقة الشعر دون أن يؤسس عملا نظريا متكاملا، أو تصورا شاملا للتحديث الشعري. باستثناء عدد من المراسلات والتقديمات لبعض أعمال أدباء من لبنان وإسبانيا، وبعض الحوارات القليلة.لقد فتح اختيار النموذجين الثقافيين، لبنان وإسبانيا، لمحمد الصباغ آفاق التعرف على شساعة الآداب العالمية، والخروج من بنية التقليد إلى الكتابة كمفهوم واسع. كما أن مفهومه للشعر يلمس من خلال خطابه المفتوح مع هؤلاء الشعراء. ولعل كتاب اللهاث الجريح يكشف عن هدير اختراق بنية التقليد الشعري، وعن محاولة الخروج من أسر النموذج الثقافي المغربي والعربي. لهذا اختار نموذجا ثقافيا غربيا ورأى في الشعر المهجري مدى حرا، وإلى ذلك اتجه: " ألا بورك ذلك النسر الجبار، الذي أطلق جناحيه في سوامق الغرب .ثم عاد إلى وكره، إلى عش الشمس، متمردا ناقما، ثائرا. منددا بما ألفه كُتَابنا ( الثموديون) وشعراؤنا الوزانون(...) ذلكم هو" ميخائيل نعيمة" الذي حمل إلينا أنفاسا جديدة انتعش بها أدبنا الحديث، فأصبح يساير قليلا الآداب الغربية. لربما قد اتهم بتعصبي للآداب الأجنبية. على أن هذه التهمة لا تصيب من عقيدتي في شيء. فأنا من المعجبين بالرسالة الأدبية الغربية عمقا، وأداء، وحيوية" [15].

يكشف هذا الخطاب عن عدم انسجام محمد الصباغ مع الخطاب الشعري التقليدي الذي يمجد الشعر القائم على " عمود الشعر"، ومع النموذج الثقافي الذي يلغي الشاعر في علاقاته الحرة باللغة والحياة، " ها هو الغرب قد سبقنا إلى كتابته( الشعر الحر أو المنثور) منذ أجيال بعيدة. فهذه إسبانيا بشعرائها، ومجلات شعرها، لا تفرق أبدا بين االشعر المنظوم، والشعر المنثور (...) فحبذا يوم نسمع فيه شاعرنا يوقع ألحانه على الأوزان التي يختارها قلبه، وتميل إليها نفسه، دون أن يرى ذاته مربوطا بلوازم العروض والقوافي. حبذا يوم لا نعبد فيه الهيئة الخارجية(...) ونفتح لشعرائنا مجالا للخيال والتعبير لا تحصره قافية،ولا يقيده روي " [16] .

عبر خطاب يعيد الرؤية للذات والموجودات والحياة واجمال والحقيقة والنبوة، أبرم محمد الصباغ حوارا مع مدى الحداثة الشعرية، منخرطا في إبدال شعري رومانسي، له القطيعة مع تصور الشعرية التقليدية، وله التسمية الفريدة لمفاهيم الحداثة الشعرية، النابعة من حرية الذات.

ورغم أن محمد الصباغ يشارك المغامرة الرومانسية العربية في التغني بالحرية والجمال، فإنه كان مختلفا في تسمية زمانه ومكانه وتاريخه الموسوم بألق وماء الذات الكاتبة.حيث ينبني النص الشعري عنده عبر متخيل شعري مولد وناظم التفاعل الدوال الشعرية، له الرؤيا والحلم واللاوعي وفوران الحياة .ومن ثم اختار محمد الصباغ مفهوم الشعر النابع من حرية الذات والخيال وعفوية الحياة.

بحث محمد الصباغ، مقتفيا أثر جبران، عن المسارات التي تخوله كتابة المختلف، بطرائق نصية لا تركن إلى القوالب المتداولة للبيت الشعري، الذي أبدله ببيت شعري مفتوح على اللغة ودفق الخيال؛" فالتخلي عن الأركان المكينة ( الوزن والقافية والبيت الشعري) التي كانت رسختها النظرية الشعرية العربية منذ أقدم عهودها لفائدة طرائق الإيقاع الجديدة والرؤية الإنسانية في بناء الخطاب على مبدأ الحرية، جعلت ممارسته منطلق مشروع تحديثي سخر محمد الصباغ لكتابته وبناء نصه طرائق جديدة سواء انتهت إلى تسميات الشعر المرسل أو الشعر المنثور أو المقطع الشعري، أو إلى اعتبارها قصيدة وحسب"[17] .

تهيأت الكتابة الشعرية عند محمد الصباغ في رغبة تحرر شعرها من سلطة البيت التقليدي، واعتمادها كتابة المقطع والشذرة، والتخلص من الطريقة المتداولة في بناء القصيدة ووحدتها. فشكلت أولى كتاباته: العبير الملتهب ( 1953) شجرة النار(1954) وأنا والقمر( 1956) متنا رومانسيا بنيت نصوصه بالعناصر التي استخلصتها التجربة الفردية من استبطان الأحاسيس الذاتية واختبار اللغة بما هي عبارة يركبها الشاعر لصوغ خطابه الخاص، تجاه الإنسان [18].

ويتجسد الأفق الذي اشتغلت عليه ممارسة محمد الصباغ في الانتماء إلى الفضاء الشعري المفتوح على تعدد الروافد أمام القصيدة، وهو فضاء لغوي ومعرفي أمد الشاعر بعناصر التأثير والتبادل الثقافي، وفيه تعرف على شعراء رومانسيين اعتنى بترجمة بعض قصائدهم، واحتفى بممارساتهم وبالأدب الأوروبي الحديث في كتاباته.

تأثر محمد الصباغ بالشاعر الإسباني فثينطي ألكسندري، خاصة فيما يتعلق بالشعر المنثور. والأكيد أن الحوار الذي دار بين الشاعرين حول المفاهيم الشعرية في كل من إسبانيا والمغرب كان حافزا وباعثا على دفع محمد الصباغ إلى البحث عن طرائق جديدة ومغايرة لكتابة الشعر، تساير اللحظة الحداثية الكونية. فمن جملة الأسئلة التي وجهها فثينطي ألكسندري لمحمد الصباغ كان استفساره حول غياب الشعر المنثور عن الساحة الأدبية العربية، وفي ذلك يقول: " وكنت ألاحظ اهتمامه الكبير بالشعر العربي المعاصر منصتا وسائلا. لقد طال استغرابه عندما أجبت عن سؤاله حول الشعر المنثور، ذاكرا له بصراحة: أسفا أن نرى الأقلام الشعرية العربية، مازالت سجينة بين النونيات، والداليات ..." [19].ويبدو جواب محمد الصباغ متأثرا بأفكار ميخائيل نعيمة، الذي دعا إلى التحرر من الأوزان والقوافي.إذ يقول في الشعر:" الشعر الجميل خلق لاصناعة "[20]، ويقول أيضا:" الشعرور: يغرق في البحرالبسيط، وهو يستغيث، ويستنجد متعلقا بالوزن: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن.أما الشاعر فيطوي " البحر الطويل" بقذفة واحدة، حتى يتعلق بأغصان القمرغير ملتفت إلى الوزن..." [21]

جاءت صرخة محمد الصباغ في مجموعته اللهاث الجريح مبرزة وعيه الشعري الباحث عن تحرر الشعر العربي، وضرورة إبدال الأنموذج الشعري العالمي والإسباني منه بالخصوص بالعربي، قال:" هاهو الغرب قد سبقنا إلى كتابته منذ أجيال بعيدة. فهذه إسبانيا بشعرائها، ومجلات شعرها. لا تفرق أبدا بين الشعر المنظوم، والشعر المنثور.والمائة في المائة من شعرائها المعاصرين يكتبونه"[22]. فبقدر ما تعكس كلمة محمد الصباغ تصوره لمفهوم الشعر ووضعه في المغرب على عتبة الإبدال الرومانسي في كتابة قصيدة النثر، بقدر ما تحين ذلك عند الشاعر نفسه بالعلاقة مع الشعر الإسباني والصلة بشعرائه المعاصرين.

تكشفت إرادة تحرير الشعر عند محمد الصباغ من خلال إبدال التصورات النظرية المتصلة بمفهومه وممارسته. توسل ذلك بالابتعاد عن الأنموذج التقليدي السائد، وبالإطلاع على الشعر الأوروبي لا سيما الشعر الإسباني وترجمته إلى العربية.لذلك كان الانتقال من القصيدة ( في تحديدها التقليدي كمجموعة أبيات) إلى الشعر بالإطلاق إبدالا رئيسا لمفهوم الممارسة، التي صارت شعرا يعتمد الخيال، به يقول الشاعر لغته ويقترب من جوهر الوجود وقيم الجمال والفن.

تعتبر العلاقات الأدبية التي نسجها محمد الصباغ مع أبرز الأسماء الأدبية المشرقية في المهجر، ثم مع الأعلام الإبداعية الإسبانية ملمحا مبرزا في سياق التحولات التحديثية التي طبعت كتاباته.كما يشكل اختراقه للحدود القائمة بين الشعر والنثر منعطفا حداثيا، حيث " عرفت الرومانسية، في العالم، باختراق الحدود بين الشعر والنثر، عن طريق إدخال الشعر إلى النثر، ثم بتمجيد النثر وهدم الحواجز بين الأجناس الأدبية"[23].

كان للتوظيفات الجديدة لتشكيلات اللغة عند محمد الصباغ أثر في تميزه، وكذا في إبداعيته التحديثية، وبخاصة في تعامله مع المفردة، وفي صياغته للجملة الأدبية، التي أصبحت تؤسس على الإنزياح، كعنصر متطور لمفهوم الكتابة.

واعتمد بنية إيقاعية داخلية لنسق الكتابة، تستمد مقوماتها من نفس الذات الكاتبة. ويمكن اعتبار توظيف هذا الإيقاع من ركائز الكتابة الحداثية، وذلك حين تصير الذات منكتبة في بياضها، أي في دالها الأكبر، والذي لا يمكن أن يكون سوى إيقاعها.

بهذا يؤسس محمد الصباغ معمارية القصيدة، التي هي الذات في حرية الحياة، ويمارس هدما للغة ولتصور الشعر القائم على الخيال المعقول وشعر الصناعة والمعنى القبلي، مستندا إلى الخيال في حريته، وإلى الذات في عفويتها وفورانها، مؤسسا خطابا شعريا له حدود الاختراق لمفاهيم الشعرية التقليدية.كما يقدم مفهوما للكتابة اللاغية لأي حدود، مشتركا مع الخطاب الرومانسي العربي في اعتبار الشعر خلقا وحرية وخيالا، مادته الطبيعة والجمال. واعتباره نبوة وتقدما وحقيقة، نابعين من ذات شاعرة بعالم جديد وأسئلة حديثة.

إن استراتيجية التحديث عند محمد الصباغ استراتيجية جديدة، سعت لبناء رؤية تختلف عن رؤية التقليدية للشعر العربي، وهو بهذا يرسخ رؤية حديثةللغة والتاريخ والمجتمع، رافضا لمقاييس الصناعة في الشعر . تكمن أهمية محمد الصباغ التحديثية في المغرب، كما يقول عبد الجبار السحيمي، في كون أن له تلك " الكتابة التي تقيم عوالمها من أقاليم مغايرة تكبر على القراءة التقليدية واللغة التقليدية" .[24]ويجسد علاقته بالكلمة والقلم والكتابة بصور متعددة، فالكتابة نسغ وجود بالنسبة إليه لا يمكن تركها .يقول: " شيء مني يموت، في اليوم الذي أتخلى فيه عن قلمي "[25]. وظيفتها هي التعبير عن الذات والإفصاح عن الباطن، يقول:" على مقياس عمق الكلمة، تجنح أبعاد آفاقها . فالكلمة التي توغل في مزلاجها مفتاح نفسك ولا يدور، فهي كلمة فيها عطب "[26]. وإذا كانت وظيفة الكتابة عند محمد الصباغ ترتبط بالتعبير عن الذات، فإنه يدعو إلى عدم الرضا عما تخطه يد المبدع، لأن الإبداع مرتبط بالسعي إلى معانقة الجميل والجيد أبدا، والرضا عن الذات يسيء إلى الإبداع، يقول:" ألا ترضى عن أعماقك وترفضها، ولو تسلقت أعنان النجاح ذلك جانب مهم من الإبداع المتحفز فيك"[27].

ولربما كان للكتابة عند محمد الصباغ هذا الدور، وهذه الوظيفة في تجاوز الأنماط التقليدية جماليا ومعرفيا، وخلق نماذج إبداعية جيدة، تسهم في بلورة وعي تحديثي يعانق التحولات التاريخية. وهذا ما عبر عنه جورج لوكاتش قائلا:" إن للأدب والفن وظائف ومهام محددة، ومن أول هذه الوظائف قدرة الإبداع على تكثيف الوعي البشري لمعرفة العالم المحيط، وتوجيهه عبر خلق نماذج جيدة تتجاوز الأشكال التقليدية جماليا ومعرفيا"[28].

الشعر الحر، الشعر المنثور، الكتابة ...، علامات على اعتماد الغريب كمعيار في التعامل مع الأشكال الشعرية. وهي، في جميع الحالات، تدعونا لاسترجاع تاريخ المغامرة الشعرية، في المغرب، باسم التحديث، أو الحداثة . ليست التسميات هي التي نسترجع، بل ما حملته معها من رج متواصل للقيم، وتأكيد على أحقية التعلم من الآخر، الغربي، الحديث، في مجتمع له عطش الحرية.

بفضل كل ذلك أصبحت القصيدة المغربية الحديثة تتقدم نحو حوار عميق مع ثقافات شعرية مختلفة في العالم.هكذا،تأثر الشاعر الرومانسي المغربي محمد الصباغ بالرومانسية العربية، في كل من المشرق والمهاجر الأمريكية. وبقدر ما كان تأثره بها قويا وصلته بها مترسخة، في توضيح وجهة النظر الجديدة للشعر والشاعر والقصيدة، بقدر ما عاش علاقة استكشاف وصراع مع الذات والآخر، بحثا عن جواب على ما كانت عليه القصيدة المغربية، في تاريخها وفي حركتها التقليدية.

 

بلال الدواح - استاذ باحث من المغرب

............................

[1]- عبد الجليل ناظم، نقد الشعر في المغرب الحديث، دار توبقال للنشر، االدار البيضاء،ط.1، 1992، ص، 10.

[2]- محمد بنيس، الشعر المغربي الحديث والقراءة العاشقة، مجلة بصمات، ع.1، 1985،ص:56.

[3]- نفسه، ص: 57.

[4]- عبد الجليل ناظم، الخطاب النقدي المغربي ومآزق التأسيس، مجلة الفكر الديمقراطي، العدد7، صيف 1989، ص: 157- 158.

[5]- محمد داود، مبدأنا وغايتنا، مجلة الثقافة الجديدة، ع.17، س .5، 1980، ص: 111.

[6]- محمد الصباغ، ميخائيل نعيمة في الترجمة الإسبانية لديوانه، مجلة دعوة الحق، ع،.7، س.2، ص: 68.

[7]- عبد الكريم ن ثابت، الفنان الخالق، حديث مصباح، كتاب البعث، الكتاب التاسع، تونس، يونيو 1957، ص: 36.

[8]- غادة السمان، عن كتاب، محمد الصباغ بأقلام النقاد والأدباء، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط.1، 1980،ص: 25.

[9]- عبد المالك عليوي، الشعر الحديث في شمال المغرب: من الثلاثينيات إلى الخمسينيات، رسالة مرقونة بكلية الآداب و العلوم الإنسانية، الرباط، السنة الجامعية:1997- 1998،ص: 214.

64- خاثينطو لوبث كورخي، شعر محمد الصباغ في اللغة الإسبانية و علاقاته الأدبية و صداقاته مع الشعراء الإسبانيين المعاصرين، آفاق، ع.3، 1990، ص: 149.

65- عبد المالك عليوي، الشعر الحيث في شمال المغرب من الثلاثينيات إلى الخمسينيات، ص: 215.

66- عبد الجليل ناظم، ديوان الشعر المغربي الرومانسي، منشورات وزارة الثقافة، المغرب، ط.1، 2003، ص: 185.

67- محمد االصباغ، العبير الملتهب، المطبعة الحسنية، تطوان، المغرب، 30- 1- 1953،ص.45/46.

68- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته و إبدالاتها، ج.4، مساءلة الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط.1، 1991، ص: 120 .

69- نفسه، ص: 120.

70- نفسه،ص.121.

71- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، ج.3، وزارة الثقافة والاتصال، ط.1، 2001،ص.147.

72- بولس سلامة، تصدير العبير الملتهب، المطبعة الحسنية، تطوان، ط.1، 1953،ص: 5.

73- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، الجزء الثالث، ص: 270.

74- نفسه، ص: 271.

75- يوسف ناوري، الشعر الحديث في المغرب العربي،ج 1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،ط.1، 2006، ص: 217.

76- نفسه، ص:218.

77- محمد الصباغ، الأعمال الكاملة، ج.3، ص: 271.

78- محمد الصباغ، شجرة محار، الأعمال الكاملة، ج.3، ص:142.

79- محمد الصباغ، شموع على الطريق، الأعمال الكاملة،ج.2، ص:47.

80- محمد الصباغ، اللهاث الجريح، الأعمال الكاملة، ج.3، ص: 271.

81- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته و إبدالاتها،ج.2، الرومانسية العربية، ص: 33.

82- عبد الجبار السحيمي، محمد الصباغ هو الذي كشف في لغتنا العربية مفاتن جسدها وشبقيته، آفاق،ع.3، س.1990، ص: .136.

83- محمد الصباغ، شجرة محار، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، ط.1972، ص: 97.

84- نفسه، ص.127

85- نفسه،ص:130.

86- جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة: حنا الشاعر، دار الأندلس،ط.1982،ص: 41.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4472 المصادف: 2018-12-03 01:55:11