المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

بشتاشان واقع وجريمة

محمد السعديفي ربيع العام ٢٠٠٩ . وبمبادرة من قناة البغدادية الفضائية وصل الأعلامي والدكتور والصديق حميد عبدالله الى مدينة مالمو/ السويدية، حاملاً في جعبته ملفاً ساخناً قد مضى عليه ٢٦ عاماً، أنها جريمة بشتاشان عنوان قتل وواجهة غدر بحق رفاق النضال والسلاح والحلم . وفي يومها ذهبنا أنا والصديق حميد عبدالله الى العاصمة إستوكهولم، كانت عدته الاصرار بفتح هذا الباب بعد أن غلق لسنوات طويلة عمداً وربما خوفاً أو طمعاً في المكاسب من المال السحت . وفي بيت الرفيق والصديق سالم الشذر (دكتور وسام)، كنا مجموعة من الانصار الشيوعيين ممن خاض التجربة وعاش أحداثها عن قرب وآخرون كانوا في مواقع نضالية أخرى . محسن الجيلاوي، سالم الشذر، سلام العجيلي، خالد صبيح، أحمد الناصري، وكاتب هذه السطور . سردوا قصصهم الأ المرحوم قادر رشيد أمتنع عن الحديث لاسباب خاصة به، وعاتبني عن ما قدمته من قراءة حول كتابه (بشتاشان بين الآلام والصمت) بعنوان (بشتاشان بين الواقع والخيال) وأعقبتها بمقال تحت عنوان (بشتاشان مجزرة مازال جزاروها طلقاء)، ولكن في طبعته الثانية لكتابه أخذ ببعض تصويباتي حول أحداث (خورنوزان) لأني كنت شاهد عليها أي مساهم فعلي بها ونشر صورتي في متن الكتاب، منذ عقد من الزمن وما أتخذته من إلتزام مع ذاتي لم أطرق باباً للكتابة الأ وعدتي معي ملأى بالوقائع وحيثيات التفاصيل، وعندما بثت قناة البغدادية حلقات هذا الملف الساخن عبر شاشتها، أقامو الدنيا ولم يقعدوها على القائمين على هذا البرنامج وعلى ضيوفه الانصار . بنفس الاسطوانه السابقة المشروخة، أنه ليس وقتها الآن، وانت أصور الموقف والزمن بمرور ٢٦ عاماً أرتكبت جريمة مروعه مازالوا منفذيه طلقاء بل الجسور ممدودة معهم في حمى اللقاءات وفي المناسبات وبدونها وبالاحضان، وبرقيات التهاني المتبادلة المعبرة عن درجات النفاق العالية . وأدعو أن فتح هذا الملف وفي هذا الوقت يراد منه الاساءة للحزب وللشيوعيين، ياللعجب تفضح خيوط الجريمة وتطالب بمعاقبة منفذيها فبدل من أن تتلقى أيات التثمين والدعم بفضح من قتل رفاقك ومثل بجثثهم لأنهم من قوم عرب تتعرض الى عملية تشهير وأفتراء وكذب .

في العام ٢٠٢٠ . الاوجاع والمصائب والفضائح داهمتنا، ويكون قد مضت على تلك الجريمة ٣٧ عاماً بالتمام والكمال . ورحل الى السماء المتهمين الاساسين في تنفيذ تلك الجريمة . جلال الطلباني،  نو شيروان مصطفى . بينما جائحة كورونا تجتاح العالم بخطورتها، أنبرى لنا من مدينة السليمانية أحد قادة (أوك) حالياً ومن داعيات (ئالاي شورش) سابقاً، السيد ملا بختيار حول حيثيات ذلك اليوم وفي ذلك المكان المسمى (بشتاشان) وما أرتكب من جرائم بحق الشيوعيين . هل هو نادماً أو متباهياً بأثر الجريمة لا أحد يعرف ؟. وما ورد في مذكراته من إعترافات حول جريمة بشتاشان أثارت زوبعة داخل تنظيمات الاتحاد الوطني (أوك) لكنها ليس زوبعة في فنجان بل أطاحت به وبموقعه القيادي .

يعترف ويسرد.. ملا بختيار

” امتنعت عن قتل اسرى الشيوعيين في أحداث (بشتاشان) ورفضت ان أنفذ أوامر القيادة حين طلب مني“، فيما ندد بالاغتيالات التي كان ينفذها “الاتحاد” ومنها قتل اعضاء من التيار الشيوعي العمالي منتصف التسعينات”.

وضمن ما يورده الملا بختيار في شهادته او مذكراته، ما نصه (أن “نوشيروان مصطفى وهو نائب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قال لي حرفيا أنا سحقت رؤوس الشيوعيين وعليك ان تقطع اوصالهم) .

واضاف  ملا بختيار “ امتنعت عن قتل ابنة الشهيد سلام عادل وهي كانت موجودة في مقراتنا، والشهيد سلام عادل من اجمل رموز البطولة في تاريخ العراق ,كيف لي ان اقتل نساء ورجال واطفال عرب من الناصرية والبصرة وهم لجوؤا الى مناطقنا؟“. في سنتها وفي خضم أحداثها في قاطع سليمانية وكركوك وقع في قرية (ديوانه) في منطقة كرميان هدنة وبعدم إطلاق النار بين الملا بختيار ومن الحزب الشيوعي بهاء الدين نوري (أبو سلام)، وأشتهرت لاحقاً بأتفاقية ديوانه .

قبل أيام خرج علينا أحدهم وممن شاركو فعلياً في الهجوم على مقراتنا يوم ١ آيار ١٩٨٣ بقتل رفاقنا في بشتاشان وإعدام أسرانا رفاقنا العرب . ومن بين تلك الاعترافات المتأخرة يقول الشاعر والاعلامي والبيشمركة السابق للأتحاد الوطني الكردستاني (هه فال كويستاني) .. يعترف ضمن مذكراته المعنونه (تلك الايام التي كان فيها الوطن للجميع). يصف بها جريمة بشتاشان أنها جريمة حرب بقتل الأسرى العزل وعلى الهوية العربية، ويروي واحدة من الشواهد المروعة في جبين الانسانية والضمير .

وبتوجيه مباشر من جلال الطالباني وموثق عبر فديوهات وصور يدعو الى قتل الشيوعيين وحصراً العرب . وقامت قواته بإعدام الكثير من الأسرى الشيوعيين على أساس عرقي عنصري لكونهم من القومية العربية، أو كما وصفهم نوشيروان مصطفى بـ(الغرباء والمحتلين) .

كان يقول نوشيروان علنا : ليس للعربي الحقُّ ان يتواجد ويناضل في كوردستان، له ارضه ومدنه فليذهب إلى هناك) . وليس غريباً عن تلك المشاهد وأرتباطاً بتلك الاحداث كانوا رفاقنا الشيوعيين ونحن معهم في الوديان والجبال متحملين معهم معاناة الحياة الصعبة، ولكن عندما تختلف معه على أبسط الأشياء ، يهاجمك وبكل نكران : أذهب الى الجنوب وقاتل هناك تعبيراً عن الحقد والعنصرية .

يروي كويستاني: في مشاهداته لجريمة قتل شيوعي عربي . ونقلاً عن مقال منشور في موقع الحوار المتمدن للسيد شه مال عادل سليم .

(من داخل خندقه أعلن الاستسلام , ربط فانيلته البيضاء الرثة والمتسخة والتي رسم فيها العرق خرائط ملح (صفراء اللون)على فوهه بندقيته ورفعها وهو داخل خندقه معلنا استسلامه، بشكل نهائي.

ـ صرخ قائد القوه عليه بصوت خشن وأمره بالقاء سلاحه, وقع الراية البيضاء والبندقية على الارض,وبصعوبة بالغة وقف الاسيرعلى رجليه , ذاهلاً عاجزاًعن فعل اي شيء .

كان الاسير يرتجف من التعب والخوف وعينيه مفتوحة على اشدها وهو ينظر إلى فوهات البنادق الموجهة صوبه .

كان شاباً نحيلاً أسمراً , ذو العينين السوداوين, أخذ يحدّق بهم واحدًا تلو الآخربعيون جامدة باردة وأنفاس لاهثة .

ـ يساله أمرالقوة بصرامة شديدة ويشير باصبعه عليه!

ـ يجيبه الاسيرالمرتبك وهو يبلع ريقه , بصوت يكاد لا يسمع وبلغة عربية ممزوجة بالكوردية (بلكنات مكسّرة).

يشعرأمرالاقوة بأحساس غيرعادي, يملوه العزة ونشوة الانتصار, ويرى انتصاره في انكسار وانهيارالاسيرو يتلذذ بألأنتقام والثأرمنه .

ـ يصرخ أمر المجموعة بقوّة، وبصوت مجلجل، ويقول للاسير : انت عربي محتل وشيوعي تحريفي، وبذلك تكون جريمتك مضاعفة!

وقبل ان يفرغ أمرالقوة المهاجمة مخزن بندقيتة في جسد الاسير، يُميل رأسه جانبا في إشارة إلى مقاتليه لجُرّد الاسير من جميع أغراضه الشخصية وتوزيعيها على المقاتلين ـ حسب احتياجهم .

لقد سلبوا منه ساعته اليدوية وقمصلته وحزامه العسكري مع المخازن وحذاءه البالي).

 تلك الجرائم لاتسقط بالتقادم ولا يطويها النسيان، ومرت عقود عليها ولم نكل في إستذكارها سنوياً رغم موج التيار المضاد لنا . واليوم من أي وقت مضى أن تأخذ عقوبة الجريمة مجراها الطبيعي في المحاسبة وكشف المستور بعد الفضائح التي يدنى لها الجبين على لسان منفذيها وشهودها . وعلى قيادة الأتحاد الوطني الكردستاني أن تتصرف بموقف وطني وإنساني في الأعتذار أولاً من أهالي الضحايا وتعويضهم مادياً ومعنوياً لربما تندمل بعض الجراح . وعلى رفاقنا تقع مسؤولية تاريخية وأخلاقية وممن ذكرت أسمائهم ضمن عدة قوائم بأنهم يتقاضوا رواتب ومساعدات من قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني أن يحددوا موقفهم نزولاً لدماء رفاقهم . تقييم التجربة وقراءة التاريخ بعين الحاضر تضعك في مصاف الصدارة فلا تترددوا حتى لا تندموا . والتاريخ مليء بالتجارب والأحداث .

 

محمد السعدي 

مالمو/تشرين الثاني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5195 المصادف: 2020-11-25 02:51:09