حوار مفتوح

majed algharbaw10مجدي ابراهيم

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س82: د. مجدي ابراهيم: لئن كان رواة الحديث بشراً يتأثرون بمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية؛ ولئن كانوا نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي؛ فلا أقلّ من أن يكون علم الجرح والتعديل له قواعده الثابتة في إطار وضعية قائمة لم تفلت إذْ ذَاَكَ من قبضته، ولا من وضع هذه الأولوية في وضعها الصحيح؛ فشواهد الوضع كما ذكر الأستاذ ماجد ليست تنفي صدور الحديث تماماً كما لا تبقيه هنا بغير جرح أو تعديل.

والسؤال هنا: ما قيمة هذا العلم اليوم في ضوء مكتسبات المناهج الحديثة والمعاصرة، كالبنيوّية والتفكيكية وما شابهها؟

ج: ماجد الغرباوي: يكتسب علم الجرح والتعديل أهميته من مكانة السُنة النبوية، التي تشكّل مرجعية نهائية ومطلقة للتفكير الديني أسوة بالكتاب الكريم، وثاني مصدر للتشريع من بعده. وكان المحفّز وراء تأسيسه لاحقا، تراكمات الوضع والكذب على رسول الله، فجاء لتمييز الحديث الصحيح عن غيره بعد دراسته متنا وسندا وفق ضوابط علمية حسب الفرض،. وقد صنّفوا الأحاديث تارة بلحاظ المتن وأخرى بلحاظ السند ورجاله، ووضعوا مصطلحات لمختلف حالاته، وراحت تظهر معالمه بشكل تدريجي منذ القرن 3 هـ، حتى اكتماله في القرن السابع الهجري، ونضوجه في القرن العاشر الهجري. وأما قبل عصر تدوين الحديث فكانت جهودا متواضعة، لم ترق لمستوى العلم، رغم حاجة السُنة إليه، حيث كان الغالب هو التداول الشفاهي للأحاديث، مما أتاح اختراقه، من خلال توظيف بعض الأسانيد الصحيحة، التي تدفع الريبة والشك. وكان وراء هذا الوضع أسباب عدة، منها: خصوم الدين. تداخل المرويات الدينية بين الأديان المختلفة، خاصة ما يعرف بالإسرائيليات. عدم الدقة في النقل. تآكل الذاكرة. موت الصحابة. والأهم الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية لحسمه، الذي دفع باتجاه انتحال الأحاديث تعضيدا لهذا الطرف أو ذاك، حتى شرعنوا السياسي بالديني من خلال السُنة وقوة تأثيرها على الوعي الجمعي. فجاء علم الجرح والتعديل لتدارك هذا الضعف، ووضع ضوابط لفرز الأحاديث وتمييزها. لكنه كرّس الاستبداد السياسي والديني، وتمت صياغته بشكل يخدم المذاهب والفرق الدينية المتصارعة أساسا. فالمشكلة ليس في علم الحديث كعلم يدرس كليات موضوعاته، بل المشكلة في تباين ضابطة الدلالة، التي تأثرت بالصراع بين المذاهب والفرق. فمثلا عندما يعرّفون الصحيح بأنه "الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه"، يختلفون في معنى العدالة، ومدى انطباقها على المناوئ المذهبي والسياسي. وبعضهم يقف عند حدود التعريف وآخر يوسع من دائرته، للتوفر على عدد أكبر من الأحاديث الصحيحة التي تخدم هدفه. خاصة في باب العقائد التي تتوقف على وفرة روايات الفضائل. فتمت أدلجة هذا العلم بما يخدم رؤية الفقيه وأهدافه السياسية. وأحيانا يلتفون على المصطلح. فمثلا الجميع يحكم بضعف الروايات المرسلة، لكن تجد من يسعى لتصحيح بعضها، اعتمادا على الراوي الأخير، وما يرد في كتبه ومدوناته. فاحتالوا على ضعف السند بتصحيح ذات الكتاب. وهذا يؤكد أن علوم الحديث لا يمكن التعويل عليها مطلقا، لذا اختلف المسلمون حول القيمة العلمية لأحاديث الصحاح، واختلفوا حول عدالة أو وثاقة عدد كبير من الرواة، وشروط التحديث. والأخطر تسقيط بعض الرواة لأسباب طائفية، فيخرج عن كونه ثقة بسبب انتمائه المذهبي. أو بسبب قناعة فقهية مغايره. فتجد ضمن ألفاظ الجرح كلمات مثل: شيعي، مغالٍ، خبيث. مجسّم، ناصبي، بتري، وغير ذلك، وهي ألفاظ لا تخفى دلالتها السياسية - الطائفية.

مصداقية علوم الحديث

حينما تتحكم متبنيات الفقيه، الأصولية والفقهية بهذا العلم، ويتأثر بخلفيته العقيدية فلا يمكن الاعتماد عليه مطلقا وفي جميع الأحوال مما يبعث الريبة في قيمته المعرفية. ويمكن الاستشهاد ببعض النماذج:

اولا: اختلاف وثاقة بعض الرواة من مذهب إلى آخر. وسقوط اعتباره بمجرد اكتشاف مذهبه.

ثانيا: ليس الاختلاف مصداقيا، كي لا يؤثر على موضوعية العلم وحياديته، بل أن الشرط العقيدي مأخوذ في أصل بعض المفاهيم، صرّحوا أو لم يصرحوا بذلك، فعندما يعرّفون الحديث الصحيح بقولهم: (الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه)، يشترطون في مفهوم العدل صحة عقيدته، لفسق المخالف عندهم. علما أن العدالة صفة لا علاقة لها بعقيدة الفرد، فكم من شخص عادل لا دين له. وبالعكس. العدالة ملكة تمنع صاحبها عن إرتكاب الكذب. غير أن العدالة عند بعضهم تُختزل طائفيا. فبعض علماء الشيعة يعتقد أن فاسد المذهب، وهو المخالف للمذهب الشيعي وعقيدته، لا يتصف بالعدالة، فينبغي الإكتفاء بها شرطا في التعريف، وعدم الحاجة لذكر شرط "الإمامي" في قولهم: الحديث الصحيح (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي)!!. فيجب تعريفه: (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بالعدل).

ثالثا: الرواة بشر، مهما كان إيمانهم وإلتزامهم الديني، بما فيهم الصحابة والتابعون ومن تلاهم. بشر لهم مصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية. والمرء يتأثر لا شعوريا بثقافته وبيئته، وينحاز لقبلياته وثوابته. يختلف في مستوى وعيه وإدراكه واستيعابه. وهم نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي. لكن الجرح والتعديل لا يأخذ بهذه الحيثيات، ويكتفي بوثاقة الراوي، ما دامت روايته تخدم هدفه.

رابعا: طالما يتأثر الراوي بعقيدته، فينقل ما يوافقها من أحاديث. وهذه مؤاخذة صريحة، لكن هذا العلم يتجاوزها. فالراوي الشيعي يروي الروايات التي تؤكد مسح الرجلين في الوضوء مثلاً، وفقا لمبناهم، بينما يؤكد الراوي السني على غسلهما. وكل فقيه يعتمد ما يوافقه من هذه الروايات، رغم مخالفتها لضوابط هذا العلم، بل يكيّفونه بشكل يخدم مبانيهم الفقهية. فلا يبق للعلم أية موضوعية.

خامسا: التخلي عن ضوابط هذا العلم عندما تخدم الرواية هدفه العقيدي، خاصة في مجال الفضائل، حيث تعتبر الرواية اعترافا وشاهدا قويا من الخصم الطائفي.

سادسا: إن توثيق الرواة قائم على الشهادات الحسية والقرائن. فكيف يمكننا الاطمئنان لتوثيقات كتب الجرح والتعديل مع عدم معاصرته للطبقات المتقدمة من رجال سند الحديث؟

سابعا: لو اطلعنا على ما يعتمده الرجلي من قرائن قد لا نتفق معه حول قيمتها المعرفية، وربما ما يراه قرينة على الوثاقة قد نراه عكس ذلك، كل حسب ركائزه في الجرح والتعديل.

مناهج التوثيق

هناك من يعتقد بصحة جميع روايات المصادر الحديثية، كالصحاح عند السُنة وكتب الأصول عند الشيعة. فهو مستغنٍ عن مناهج التوثيق، اعتمادا على توثيقات الكتاب. وهذا منهج أصحاب الحديث والسلفيين. فيضطر لتأويل غرائب الروايات، حينما تخالف القرآن والمنطق والعقل، دون طرحها. فيؤمن بكل خرافة، ويجد في اللامعقول الديني سبيلا للهروب من سؤال العقل. وهؤلاء لا يتورعون بتكفير من يشكك بصحة مطلق السُنة النبوية. ويتمسكون بحرفية النصوص، ويرفضون كل تجديد، ويتمسكون بكل ما اشتملت عليه السنة النبوية، مهما تغيرت الظروف الزمكانية.

وبشكل عام هناك منهجان في توثيق الروايات، منهج الوثاقة ومنهج الوثوق. الأول يشترط وثاقة جميع رجال سند الحديث في صحته. ثم ينتقل للمتن للتأكد من خلوه من الشذوذ والغرابة، ليكون حجة في مؤداه. وهذا الاتجاه يرى أن نفس وثاقة الراوي هي موضوع لحجية الخبر، أو كما يعبرون: (أنّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الموضوعيّة). فمتى ما تحققت يكون حجة، مهما كانت نوع القرائن الحافة به، كإعراض مشهور العلماء عنه مثلا. ويقصد بالوثاقة الأعم من العدالة، بما يشمل مطلق عدم الكذب، فتشمل الثقة الفاسق. على العكس من العدالة المستفادة من مفهوم آية النبأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). فإن ارتكاب المعاصي فسق، لا يصح معه توثيق صاحبه. ومن يشترط خصوص العدالة في وثاقة الراوي عليه أن يتحرى سلوك الراوي أيضا. وهناك من لا يرى أي مفهوم للآية فتسقط دلالتها وحجيتها في هذا المجال.

وأما منهج الوثوق، فلا يكتفي بوثاقة الراوي، بل يعتمد القرائن في الجرح والتعديل، فالخبر الذي تحفه قرائن دالة على ضعفه يحكم بضعفه مهما كانت وثاقة رواة سنده. مما يعني أن الوثاقة عنده أحد طرق وثاقة الراوي، وليست هي موضوعا لحجته. وأيضا بإمكانه تصحيح الخبر الضعيف من خلال القرائن. فعمل المشهور بالخبر يُعد قرينة دالة على صحته، ولو كان ضعيفا وفقا للمبنى الأول.

إن منهج الوثوق بهذا الشكل يبدو بريئا، علميا، أقرب للمناهج الحديثة في نقد النصوص، لكنه ليس كذلك حقيقة، بل هو معدّ لتكريس التحّيز، فيحاول قدر المستطاع تضعيف ما هو قوي من الروايات أو بالعكس مجاراة لخلفيته وانطباعه. فهذا المنهج يبقى رهن عقيدة الفقيه وتوجهه السياسي والطائفي ورأيه الفقهي. أي أنه يؤسس لمرجعيات تتحكم بصحة الخبر. فيبتعد عن البراءة والعلمية.

اتضح مما تقدم أن كلا المنهجين تنتهي مهمته بفرز الحديث الصحيح عن غيره وفقا لضوابطه، تارة بلحاظ السند وأخرى بلحاظ المتن، أو معا. وهذا كل ما يحتاجه الفقيه بناء على فهمه للدين وموقفه من السُنة النبوية. غير أن هذه المناهج لا تحقق هدف من يختلف معهم حول أصل حجية السُنة. وبالتالي فالدعوة لتجديد المناهج النقدية في علوم الحديث، الدراية والرجال له مبرراته.

تجديد المنهج

ثمة ضرورات موضوعية لتجديد مناهج علوم الحديث، تفرضها نظرة مغايرة للدين، تحدّ من إطلاقات الأحكام، عندما ترتهن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، وهذه الضرورات، هي:

أولاً - شخصيا اعتمد منهجا آخر في توثيق الروايات يبدأ من المتن عكسا لما هو متعارف من دراسة السند أولا. فأطرح ما خالف كتاب الله. ولا اعتني بحديث يخالف: العقل والمنطق والقوانين الكونية والقيم الإنسانية. أو يكرّس الظلم والاستبداد والاستهانة بالإنسان وعقله ووعيه. أو يؤسس لمذاهب تنأى عن هدف الدين، أو يكرّس الجهل والأمية والخرافة على حساب العقل ووعي الإنسان. ولو صح عندي صدورها فستكون مادة خصبة لدراسة مراحل تطور العقل الديني، ومدى وفائه لقيمه ومبادئه. وأما في نقد النص والدراسات النقدية فأأخذ بنظر الاعتبار قوة تأثير الحديث. واستدعي المهمش والمتروك والضعيف وجميع التراث كي اكتشف المستبعد والمسكوت عنه، واتقصى مساحات اللاوعي، وأدرس براعة النص وقدرته على خلق حقيقته. وهذا المنهج يوظف كل المناهج الحديثة في نقد النصوص للتعرف على ما وراء النص، ومساره الدلالي، ومدى علاقاته بغيره من النصوص، وما هي إيحاءاته. بينما تقتصر مهمة المناهج القديمة على فرز الصحيح من الموضوع. كما أنها لا تصمد أمام النقد العلمي. فالمناهج القديمة لا تحقق ما نصبو له من دراسة الحديث وفهمه.

ثانياً: إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه وما ترتبط به من قرائن وقيود. مما يعطيه قدرة على التحكم بفعلية الحكم، مهما كان مصدره. وهذا مبدأ أصولي، يرتكز لفهم قرآني للأحكام الورادة في الكتاب الكريم، فنحتاج إلى مناهج تساعد على دراسة موضوعات الأحكام دراسة تفصيلية، ضمن ظرفها الزماني والمكاني، للتأكد من فعليتها، وهذا تعجز عنه المناهج القديمة التي ينتهي دورها بتمييز الأحاديث من حيث صحتها أو عدمها. ثم أن معرفة موضوعات الأحكام ليس أمرا بسيطا، خاصة المواضيع الاجتماعية التي جاء الحكم فيها تلبية لضرورات تاريخية، فنحتاج للتأكد من فعليتها أو عدمها. كأحكام الإرث والنشوز بالنسبة للمرأة. فهل مازالت الموضوعات فعلية، وما زالت الأحكام مثلها، أم أن موضوعاتها قد تغيّرت بفعل التحولات الثقافية والاجتماعية الكبيرة، وحينئذٍ ينبغي إعادة النظر في فعليتها؟

ثالثاً: إن حجية السُنة كما تقدم تقتصر على ما له جذر قرآني، وهذا يفترض توظيف مناهج حديثة لأمرين مهمين:

1- دراسة حيثيات الحكم الشرعي قرآنيا، ومن ثم تفكيك المنهج النبوي في التفصيل والبيان، لمعرفة خلفياته، ودوافعه والكشف عن بشريته. إذ لا يمكن أن تكون تفصيلاته وحيا، لأن الوحي ما اشتمل عليه الكتاب الكريم، "ما فرطنا في الكتاب من شيء". وإذ لم يكن وحيا فهو اجتهاد شخصي. وحينئذِ ينبغي لنا دراسة الواقع وحاجاته وضروراته وثقافته وأساليبه الاجتماعية، ومستوى الوعي، وأثر الديانات السابقة، للتأكد من استمراره ومن ثم ضرورة استمرار الحكم الشرعي. وهذا النوع من الدراسات من خلال مناهج نقد النص الحديثة ستساعد الفقيه على تقديم فهمٍ مغاير للحكم الشرعي وفقا لراهنه الثقافي والاجتماعي. وهنا يتضح بجلاء دور مناهج النقد الحديثة وقدرتها على كشف الأنساق الثقافية آنذاك، والفوارق الجوهرية بينها وبين واقعنا وفقا لحاجاتنا وضروراتنا، وفهمنا للدين ومقاصد التشريع.

2- لا يمكن إهمال ما زاد على الأحكام الشرعية النبوية ذات الجذر القرآني، ولا بد من دراسة دوافعها وضروراتها، كي يستفيد منها الفقيه، وهو يستنبط أحكاما شرعية. فما تبقى من روايات تتوزع على مستويات، فالأحكام الولائية، أحكام اقتضتها مصالح المسلمين وضرورات الأمن القومي. ودراستها ضمن ظرفها الزماني والمكاني يوفر للفقيه رؤية تساعده على فهم الموقف الصحيح من القضايا الكبرى. وأيضا بالنسبة للقضايا الأخلاقية، فإن دراسة مرتكزاتها، والخلفية الثقافية والاجتماعية تساهم في كشف ما هو نسبي وما هو مطلق منها، كي لا تفرض على المسلمين قيم أخلاقية هي معطى ثقافي لبيئة اجتماعية مختلفة. كما سنفرز ما يخص النبي من أحكام شرعية، وما يفعله كبشر له رغباته وحاجاته.

رابعا: إن فهم الدين يلعب دورا كبيرا في تحديد مقاصد الشريعة وغاياتها، فيتأثر بها الحكم الشرعي، وفتوى الفقهاء، وهنا تلعب المناهج النقدية الحديثة دورا مهما جدا، للتعرف على مسار الأديان تاريخيا، وكشف تاريخية بعض الأحكام، في ضوء هدف الدين والغاية من وجود الإنسان على الأرض.

خامسا: لا تخفى مكانة رجل الدين بشكل عام والفقيه بشكل خاص، ولا تخفى قدسية الفتوى دينيا واجتماعيا وسياسيا. وقد كرّست بعض الفتاوى مشاعر الطائفية والتكفير والتنابذ والخرافة واللامعقول الديني. والأخطر دور الفتوى في تعميق روح التبعية والانقياد لا إراديا لخدمة مصالح شخصية وسياسية ومذهبية. فالمتبادر لدى الناس أن الفتوى تمثل رأي الدين وقيم السماء، وهذا خطأ فادح، فالفقيه كأي إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته وتوجهاته السياسية والطائفية، في عملية استنباط الحكم الشرعي أو بيان الموقف العملي من الحكم المشكوك، مهما كان ورعه. فنحن بحاجة للكشف عن حقيقة الفتوى وفضح خلفية الفقيه وأهدافه وغاياته، وهذا يؤكد حاجتنا لمنهج النقد الحديث.

 

س83: د. مجدي ابراهيم: إذا نحن اعتبرنا أن مسألة رواية الراوي علامة ضعف تثير استفهاما كرواية الصحابي لعدد كبير من الأحاديث؛ فلا ننسى دخولها في ما عُرف من خشية وتوق وحذر أن يكون هذا الحديث أو ذاك قد ورد بالفعل عن الرسول الكريم، فيخشى الراوي من عدم ذكره تورعاً، حتى ولو كان ضعيفاً، فصحاح السّنة بها الضعيف لأجل هذا السبب. وأعتقد أن أحدَ رواة الحديث الكبار ردَّد هذا المعنى عن نفسه : الخشية من أن يكون هذا الحديث أو ذاك ورد فعلاً عن رسول الله؛ فكيف لا يذكره؟.

ج83: ماجد الغرباوي: قد يبدو هذا مبررا لشمول الروايات الضعيفة في الصحاح، لكن:

- إن شمول كتب الصحاح للروايات الضعيفة فيه نقض للغرض من تأليفها، إذ الهدف من هذه الكتب كما هو عنوانها التعهد بصحة صدور رواياتها عن النبي الكريم، فما فائدة العنونة بالصحة مع وجود الروايات الضعيفة؟. فينتفي غرض تصنيفها.

- تارة نجزم ونقطع بصدور الرواية عن النبي، فتكون حجة بمعنى المنجزية والمعذرية، لحجية القطع والجزم الذاتية. شريطة أن يكون القطع مستوفيا لكافة شروطه العلمية، فيخرج قطع القطّاع، والقطوعات المتولدة عن ميل لا شعوري لدى الفقيه. وقد بينت سابقا مدى تأثر التوثيقات بالانتماء العقيدي بشكل تخرجها عن الموضوعية. وهذا لا يصدق إلا في الحديث المتواتر، وهو نادر جداً، وقد مر الكلام حول القيمة المعرفية للروايات. وماعداه تبقى الآحاديث محتملة الصدور، فتشمل المضنون والمشكوك والمحتمل. وليس لهذه الأخبار والأحاديث أية حجية ذاتية، لكن قالوا بأن الشارع قد جعل الحجية لروايات الآحاد الخاصة بالأحكام الشرعية، بموجب أدلة لا تقاوم النقد العلمي وفقا لمعطيات علوم الحديث. فالأصل في هذه الأحاديث عدم حجيتها، فتكون مجرى للبراءتين العقلية (قبح العقاب بلا بيان)، والشرعية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا). والرسول هنا بمعنى البيان.

لقد تحول هذا النوع من الروايات عبئا ثقيلا على الوعي، خاصة وهم يستميتون من أجل توثيقها، فقالوا بالتسامح في أدلة السنن، من أجل إحيائها. وليتهم لم يقولوا، فمن يقرأ رواياتهم يجزم بعدم صدورها، مثلا يستحب أن تصلي كل ليلة ألف ركعة، في كل واحدة تقرأ سورة الحمد مرة وسورة ياسين مرة. وبعضهم يروي بدلا من الواحدة ألف مرة، وغيرها من السنن التي قد تكون صدرت لكن ضمن ظرفها ولا تكون حجة علينا. نحن بحاجة للتحلل من ثقل التراث وسلطته القاسية على العقل التراثي، وفتح آفاقا معرفية جديدة للعقل الديني أو نختار التخلف ملاذا إلى الأبد. فهذا النوع من الروايات لا يخدم الدين، ويعيق التنمية الحضارية، عندما يكرّس الكسل، وكراهة الحياة، واقتصار العمل الصالح على الدعاء والصلوات الطويلة المرهقة لجهد الإنسان ومشاعره، والعزوف عن مسؤولياته التاريخية والرسالية.

 

....................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س81: د. مجدي ابراهيم: إذا كنا نذكر أن الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية قول النبي صلوات الله عليه فأنا أتساءل: أي حكم هذا؟ هل هو من جملة الأحكام الشرعيّة الاعتقادية أم من جملة الأحكام الشرعية العمليّة؟

ج81: ماجد الغرباوي: المقصود بالقاعدة المتقدمة (إن الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا) هو كل حكم له تأثير مباشر على الإنسان، سلوكا وموقفا. فيشمل الأحكام الشرعية العملية والأحكام الشرعية الاعتقادية حينما ينطبق عليها مفهوم الحكم. غير أن المتبادر من الحكم الشرعي عادة، خصوص الأحكام الشرعية العملية (العبادات والمعاملات). إذ نص الكتاب على مجموعة منها شملت العبادات، المواريث، العقود، قضايا المرأة، الزواج، الجهاد، العلاقات الاجتماعية، وغير ذلك، لتنظيم سلوك الإنسان، وضبط علاقته بخالقه ونفسه وبيئته ومجتمعه. بعضها يجب الإتيان به فحكمه الوجوب، أو لا يجوز ارتكابه فحكمه الحرمة. وربما يكون مندوبا أو مكروها. وما عدا ذلك فهي مساحة الإباحة التي يوكل أمرها للمكلف / الإنسان، يتمتع بها كيفما يشاء، وفقا لعقله ومصالحه. ولا شك في شرعية وحجية الأحكام القرآنية مطلقا، لكن فعليتها تتوقف على فعلية موضوعاتها، وهذا رأي خاص. كما لا ريب في كمال الدين بمعنى التشريع بقرينة آيات الأحكام التي حفت بهذه الآية بالذات. من هنا نشأ الإشكال حول حجية ما زاد على الأحكام الشرعية القرآنية. وهي الأحكام والفتاوى التي تختزل الإباحة، وتقيّد حرية الفرد والمجتمع. لأن كل فعل لم يرد فيه أمر أو نهي قرآني فهو مباح. فتشبثوا بحجية مطلق السنة، لتشريع أحكام مستحدثة، ليس لها جذر قرآني. ولجأ الفقيه لتأصيل ما يعرف بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك. وهي مجموعة قواعد عقلية، تم الاستدلال عليها بأدلة اجتهادية. وبالتالي فهذه الأحكام هي مدار اجتهاد المجتهد، ووجوب تقليد المقلد. فهل جميع فتاوى وأحكام الفقيه ملزمة أم خصوص ما لها جذر قرآني؟.

هذا هو الإشكال الذي تجيب عنه القاعدة الآنفة، وتشترط في حجية السنة وجود جذر قرآني للحكم النبوية، بعد حصر التشريع بالله تعالى، واقتصار وظيفة النبي على التبليغ والبيان. فكل بيان وتفصيل نبوي لحكم قرآني مجمل، يعتبر حجة. أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه، ما لم يكتسب المفهوم معنى جديدا.

شمول القاعدة

يتوقف شمول الأحكام الاعتقادية بالقاعدة المتقدمة على صدق مفهوم الحكم عليها. فهل العقائد من صنف الأحكام؟ أم هي قضايا تصورية، يتوقف عليها قبول الأعمال، فتكون مائزا بين الشرعي وغيره. فمفهوم الصوم شرعا يختلف عنه لغة. كلاهما امتناع عن الأكل والشرب. غير أن صدقية الأول تتوقف على الإيمان وقصد القربى في وقوع الفعل. (من آمن وعمل صالحاً)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فالحكم الشرعي العملي يختلف في ماهيته عن العقيدة. الأول، أوامر ونواهٍ، والثاني إذعان قلبي ويقين نفسي. وهذا يدعونا للتأني في إطلاق صفة الحكم عليها، وتأويل ما يبدو في ظاهره حكما شرعيا عقيديا.

إن الإيمان بأية عقيدة لا يتوقف على وجود أمر شرعي، فهو يترسخ وفق آلية مختلفة. وتترتب عليه أحكام خطيرة، يتاثر بها سلوك الإنسان ومشاعره ومواقفه. لذا فالإيمان عندهم ليس مجرد صورة ذهنية، بل: (الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح). والأخير هو الإلتزام بالواجبات الدينية وعدم ارتكاب المحرمات المنهي عنها شرعا. لذا يرى بعضهم أن عمل الجوارح ركن من أركان الإيمان لا مجرد شرط في كماله. فيرتّبون على عدم الإتيان بالواجبات الشرعية، وارتكاب المحرمات أحكام الكفر والارتداد. خلافا لمن يعتقد أن عمل الجوارح شرط لكمال الإيمان. أي أنها تحقق مصاديق الإيمان خارجا، فلا يعتبر العاصي كافرا أو مرتدا. لأن الإيمان متحقق سواء عمل صالحا أو لم يعمل. وسواء ارتكب معصية أم لم يرتكب. فيصدق أنه مؤمن ارتكب ذنبا.

ونشب خلاف بينهم أيضا حول جواز التقليد في أصول الدين، وهي أصول العقيدة الإسلامية: (التوحيد، النبوة، والمعاد). وقد أضاف لها الشيعة: الإمامة والعدل. بعضهم جعلها أصولا مستقلة، وبعض اعتبر الإمامة امتدادا للنبوة، والعدل امتدادا للتوحيد. فذهب المعتزلة والشيعة وغيرهما إلى عدم جواز التقليد في الأصول، ويجب على الفرد تحصيلها بالعقل والنظر. وقال جمهور الفقهاء والحنابلة بجواز التقليد بل ووجوبه. ومن قال بالوجوب، لا فرق عنده بين وجوب التقليد في الأحكام الشرعية العملية والأحكام الاعتقادية، لعدم قدرة المكلف على ذلك بنفسه. وكل ما صدر عن النبي حولهما، فهو حجة ملزمة. ولا فرق بين العقيدة ولوازمها من هذه الناحية، كصفات الخالق، ومدى اختلاف المسلمين حولها. وحول المعاد وتفصيلاته، والنبوة وحقيقتها.

العقيدة والإيمان

يمكن تعقّل التقليد بالنسبة للأحكام الشرعية العملية، بخصوص ما له جذر قرآني، خاصة تفصيلات العبادات باعتبارها توقيفية، تتوقف حجيتها على ورود إذن من الشارع. لكن هل يمكن التقليد في العقيدة؟

فينبغي حسم هذه القضية أولا. يقصد بالعقيدة: (الحُكْمُ الذي لا يُقْبَلُ الشكُّ فيه لدى معتقِدِه.

العَقِيدَةُ "في الدِّين": ما يقصد به الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الرُّسُل والجمع: عَقائِد)، هكذا جاء في كتب اللغة. فتأتي من الانعقاد، والعقد. أي انعقاد القلب على قضية حد اليقين.

والمراد بها اصطلاحا، كما ذكرته في مقدمة كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني:

(العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).

وفي هذا التعريف ما يكفي لفهم معنى العقيدة ومنشأ الإيمان بها. فهي منظومة فكرية تترسخ لا شعوريا. وغالبا ما تكون متوارثة، ما لم يفق الفرد ويراجع عقائده ومتبنياته. فيصدق في هذه الحالة أن إيمانه جاء عن تفكير ونظر. وأما عامة الناس فلا يصدق عليهم هذا. بل ولا يصدق عليهم التقليد، قياسا على الأحكام الشرعية، الذي يعني اتباع الفقيه في فتواه، فالعقيدة لا تتأتى بالتقليد. بل لا يؤثر أي خطاب في مجال العقيدة بمعزل عن حالة الفرد وبيئته وثقافته ومستوى وعيه. فعندما تتحدث لشخص عن الجن قد يؤمن أو لا يؤمن، لكن حينما تحكي له قصصا، وحوادث، وتسرد له عدد الذي التقوا بالجن، وصفاتهم وقدراتهم الخارقة، فإنه سيذعن ويؤمن تدريجيا عندما تتفاعل الفكرة مع قبلياته، في رحاب مخيال يتألق في أفق اللامعقول وعوالم الغيب المترامية. فالعقيدة لا شعورية، يؤمن بها الفرد رغم عدم قناعته بها عقلا. فهي ليست من صنف الأحكام، ولا تتاثر برأي الفقيه إلا في بعض تفصيلاتها، التي لا سبيل لها سوى النقل والخبر. فيكون دوره من باب الراوي. أو تنظيرا قائما على مرويات دينية، وهنا تلعب خلفيته وقبلياته وثقافته في صياغتها والاستدلال علهيا. فتأتي العقيدة متوافقة معها، بل ولأجلها كخطاب أيديولوجي لا مجرد تنظير عقائدي.

العقيدة والضابطة القرآنية

عندما نعود للكتاب الكريم نجد الخطاب الإيماني خطابا عقليا، يرتكز للدليل والبرهان، ويرفض التبعية والتقليد. ويرفض: (بَلْ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ)، (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ). ويمجّد الوعي العبادي: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا). ويؤكد على التفكر والتفكير والنظر، من أجل هداية الإنسان عن طريق العقل: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فهؤلاء دعوا الله بعد إيمان برهاني قائم على التفكر في خلق السماوات والأرض. فيمكن الاستشهاد بها على نفي التقليد في العقيدة. وحصر الِإيمان بالدليل والبرهان. ولا فرق بين الشخص الواعي بالدليل تفصيلا وغيره الذي يشير له إجمالا، فيكون أحد مناشىء إيمانه بعقيدته.

من هنا يتضح أن ما يبدو حكما عقيديا في القرآن، هو إرشاد لحكم العقل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وحكم العقل ثابت بغض النظر عن وجود الحكم العقيدي أو عدم وجوده. فيكون الحكم إرشادا له. وبهذا يتضح أن ما يسمى بالأحكام العقيدية هي أحكام إرشادية، لحكم العقل. فما يرد عن الرسول أيضا هو إرشاد لحكم العقل، وليس تفصيلا وبيانا وفق رؤية اجتهادية ترتكز لضرورات موضوعية. فعندما يفصّل النبي أحكام الصلاة المجملة في القرآن، يفصّلها وفقا لما هو متاح آنذاك، حيث كانت هناك صلاة وركوع وسجود، فيختار في ضوء الأجواء العبادية إرتكازا للكتاب الكريم ومبادئه وقيمه وأهدافه. وأما بالنسبة لأوامره العقيدية (وجود الخالق حصرا) فهي أوامر أو أحكام إرشادية لحكم العقل.

والعقيدة الدينية واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). إضافة إلى الإيمان بالمعاد والغيب. غير أن العقائد تضخمت بفعل كثرة الروايات وحاجة المسلمين لهامش أوسع، يغطي شرعية الخلافات السياسية والطائفية، فنسبت للرسول مختلف العقائد. وجميعها حجة بناء على حجية مطلق السنة النبوية، رغم عدم اتفاقهم حولها. وهذا لا ينفي دور علم الكلام الإسلامي في تشعب البحث العقيدي، حول مجموعة مفاهيم، كان وراءها دوافع سياسية وطائفية، وأخرى تخص الدفاع عن الإسلام وعقيدته، وتفنيد شبهات الخصوم الدينيين. لكن هناك مفاهيم مصدرها الوحيد أحاديث منسوبة للرسول الكريم، ولها أثر كبير على وعي الفرد والمجتمع، كعقيدة المهدي، رؤية الملائكة والجن، الإمامة، قدسية الصُحابة، حياة البرزخ، الشفاعة بهذه السعة المهولة، وغيرها. فهل كل ما يروى من تفصيلات عقيدية حجة يجب الإيمان به، وتصديقه؟ وما هي قيمته المعرفية؟.

إن إيمان الناس بقضية ما لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلاله بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة، تارة تكون عقلية، وأخرى نقلية. فلا يمكن الاحتاج بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى أدلة حسية وملموسة، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره. لكن كلامنا عن الدليل كحجة في الاستدلال. لذا يجب أن يكون الدليل العقلي بما يشمل الدليل الفلسفي، دليلا برهانيا، يقوم على بديهيات ومبادئ عقلية. والحقيقة أن العقل لا يدرك أكثر من ضرورة وجود علة وراء هذا الكون، ولا بد له من خالق وفقا لمبدأ العلية. وبطلان التسلسل، وأن الصدفة غير عاقلة، وما في الكون يؤكد وجود نظام وقانون وإبداع هو نتاج تخطيط وعقل وبرمجة. فالعقل لا يدرك أكثر من هذا. ومن يشكك بمدأ العلية، يحاصره من حيث لا يريد، لأنه محكوم بها، مهما كان دليل النفي.

ويبقى النقل (القرآن وكلام الرسول) الدليل الوحيد على مفردات العقيدة الدينية. لهذا فالقضايا الدينية قضايا نسبية لا يمكن الاستدلال عليها بمعزل عن النص / الخبر وخلفية المتلقي. أي لا يمكن الاستدلال عليها بدليل حسي كما بالنسبة للقضايا المطلقة. وقد مر الكلام مفصلا.

لكن ما هي قيمة إخبارات النبي بالنسبة للقضايا العقائدية؟

والجواب أن بعض القضايا العقيدية غيب مطلق. فلا يتأتى الإيمان بالعالم الميتافيزيقي بأسره، بما يشمل عالم الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار، إلا من خلال الإيمان بالله: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ). وأما بالنسبة لغيره: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا). ولا توجد قرينة على أن المراد هم خصوص الأنبياء، فربما تقصد الآية بالرسل، بعض الملائكة، الواسطة بين الله ورسله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). ومع الشك فإن آية: (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، يمكن أن تشكل قرينة على إرادة القول الثاني، فيبقى الغيب غيبا منحصرا بالله بما فيه صفاته، وكنهه، وخصائصه. ويكون القرآن بالنسبة للقضايا الغيبية حاكما على كل رواية وخبر، بل وحاكما على كل تفسير وتأويل. وبهذا نفهم قيمة الروايات الغيبية. فلا قيمة لأي إخبار عن الغيب بمعزل عن القرآن. وقد حرص الكتاب الكريم على فتح نافذة من الغيب تحقق ما تصبو له الأديان. لذا ينبغي التعامل مع قضايا الغيب بدرجة عالية من الدقة والاتزان، والاستناد للكتاب كمصدر موجّه ومرشد ومعيار، والكف عن الاستغراق في تفصيلات عَزَفَ عن بيانها، واكتفى بفتح نافذة تشبع حاجة الإنسان منها، لكي لا ينشغل المسلم عن معالجة مشكلاته الحياتية، أو الهروب عنها إلى عالم لا يدركه إلّا بقدر محدد لكنه مغرٍ، لا سيما بالنسبة للمؤمن الذي يستهويه الحديث عن مكنونات الغيب، باعتباره عالماً مجهولاً يحب التعرف عليه، وفض أسراره المرتبطة بمصيره الأخروي.

وما تبقى من عقائد، فالنبوة دليلها المعجزة بالنسبة للمخاطبين، وما بعدهم يكون التواتر حجة، كما بالنسبة لقوم موسى وعيسى. أو القرآن بعد نبوة محمد بن عبد الله، حيث أكد صدورها. وبالتالي لا يجوز أية إضافة عقيدية تنتمي لعالم الغيب، ما لم يرد فيها قرآن، وبهذا نفهم قيمة الأخبار والروايات التي تتحدث عن الغيب، عندما يكون منحصرا بالله، وأن الرسول لا يتقول عليه مطلقا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). فلا يمكن تصديق كل ما يروى عن عالم الغيب، كتفصيلات الجنة والنار وعذاب القبر وأنواع الملائكة وخصائصهم، والشفاعة وتفصيلاتها، بما يزيد على الكتاب الكريم. لأنه سيكون حديثا بغير علم، وهو باطل بالضرورة (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). أو يكون معارضا للكتاب الكريم فيكون بطلانه أوضح، كمن ينسب علم الغيب للنبي، والقرآن ينفيه بآية صريحة. ومن باب أولى بطلان ما ينسب من علم الغيب لغير النبي الكريم.

ويمكن استدعاء مفردة عقيدية كشاهد أولي على الموضوع. هناك عدد كبير من الروايات تصف الملائكة بصفات خرافية من حيث أشكالهم، وعدد أجنحتها. تنقل مداولات نبوية حول موضوعات شتى، يطغى عليها البعد الطائفي والسياسي، يتناقلها الناس ويستدلون بها كيقينيات نهائية. وهذا النوع من الروايات لا يمكن تصديقه لاستحالة رؤية الملائكة على هيئتها الحقيقية، وثمة اختلاف ماهوي يحول دون لقاء الملائكة مباشرة، فلا توجد سنخية بين جنس الملائكة وجنس البشر. قال تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). وأيضا بالنسبة الى مريم تقول الآية: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)، فهي لم تشاهده على حقيقته بل تمثل لها بشرا سويا. وهكذا بالنسبة لإبراهيم عندما استقبل ضيفيه، تعامل معهم على أساس أنهم بشر قبل أن يكشفوا عن هويتهم وهدفهم من الزيارة: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف). (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ .... قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ). إضافة إلى أن رؤية النبي لجبرائيل عند سدرة المنتهى رؤيا قلبية. فلا يمكن الاستدلال بها.

وكذلك بالنسبة للروايات التي تتحدث عن لقاء النبي بالجن، وما يدور بينهما من أحاديث، فإنها روايات موضوعة، فالنبي لم ير أي كائن ما ورائي، تقول الآية: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا). فهو لم يسمع منهم مباشرة فضلا عن لقائه بهم، لكن أوحي له ذلك!!. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ...). وهكذا ما تبقى من مفردات العقيدة الإسلامية.

العقيدة والمعجزات

وأيضا ما ينسب من معاجز سواء للنبي أو غيره، فلا يمكن تصديقها، ولا تكون الأخبار حجة علينا، ما لم ينص الكتاب الكريم عليها. وقد قررت قاعدة في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني. القاعدة تقول: (الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري، أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها، او لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). ولا يمكن رفع اليد عن هذه القاعدة لأن أحكام العقل لا تخصص، وبالتالي نشترط وجود نص قرآني، نرفع به اليد عن القاعدة، لنفهم أن المعجزة قد جرت وفقا لقانون آخر نجهله. وأمثلة هذه القاعدة كثيرة خاصة العقيدة الشيعية وأسطرتها لرموزها التاريخية والدينية. نرجئ الحديث عنها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

 

ماجد الغرباوي: في مقابل منطق العبودية الذي تقدم الحديث عنه، هناك منطق الخلافة، الذي يختلف جوهريا في رؤيته للإنسان وللدين وأحكام الشريعة. وهو فهم يستمد شرعيته من الكتاب والقيم الإنسانية الرفيعة.

منطق الخلافة

يؤكد هذا الاتجاه على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض، ويقيم علاقته بالخالق، وفق ثنائية الخالق والمخلوق. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية، تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا متوقدا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، ليس فيها تمرد أو اختيار. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي.

وأيضا نسب العبّاد لنفسه حينما راهن على قدرتهم في استخلاف ووراثة الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، رغم ضعف الإنسان كما يًستشعر من آية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على مخلوقات سابقة، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كل تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حقق تطورا حضاريا كبيرا.

فالغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع.

وهذا الاتجاه كسابقه أيضا يؤمن بوجود ملاكات حقيقية وراء تشريع الأحكام، لكنها ملاكات تراعي الإنسان وشروطه الحياتية، فيدور الحكم مدار مصلحته في ضوء دوره التاريخي. فالأصالة له، لا للتشريع. وليس من مصلحته محاصرته بفتاوى وأحكام تصادر حريته وعقله، وتتركه مشلولا أسيرا لفتاوى الفقهاء، حتى في أبسط أفعاله، خاصة أن الاتجاه الأول حرم الإنسان حريته عندما اعتبر مساحات الإباحة الواسعة حكما شرعيا، فيتمكن الفقيه التحكم به متى شاء واقتضت ضرورات فتاواه.

وبهذا يتضح أن ما زاد على التشريعات القرآنية ليست بحجة ما لم يدل الدليل عليها. لذا تمسكوا بمطلق السيرة النبوية، وبعضهم وسع مدارها لغيره، وسعوا إلى تأسيس قواعد عقلية تساعدهم على استنباط الحكم الشرعي، وتكسبه شرعية دينية. فإذا ناقشنا أدلتهم ستنهار شرعية الأحكام الزائدة، باستنثاء ما كان له جذر قرآني، وهنا سيكون دور الفقيه اجتهاديا. تارة يستدعي السيرة النبوية فيكون مقلدا وليس مجتهدا إلا في حدود فقه النص، وتطبيق كلياته على مصاديقها، دون التشريع بعيدا عن الكتاب الكريم.

وأصوليا ينطبق على الشك في حجية السنة في غير الأحكام القرآنية، تفصيلا وبيانا، قاعدة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، لأن معنى حجية السنة في الزائد، حجية ما فيها من تكاليف وأحكام، فيكون الشك فيها شك في المكلف به، وهو مجرى البراءتين العقلية والشرعية. كما أن الأصل عدم حجية الزائد، لاختصاص التشريع بالله إلا ما ثبت بالدليل، وهو منتفٍ قرآنيا بشكل صريح واضح. وثالثا أن الأصل في الإنسان حريته، وكل قيد وحكم هو تققيد لها، فيحتاج إلى دليل وعند الشك في الأصل عدم التقييد. بل يمكن استصحابها في حالات الشك لاثبات عدم الحجية.

مهام الرسالة قرآنيا

اتفق الجميع أن الولايتين التكوينية والتشريعية مختصة بالله تعالى. لكنهم اختلفوا في جعلهما لغيره، حيث قال غلاة الشيعة بجعل الولاية التكوينية للأئمة من أهل البيت وفقا لمعتقدهم، وهو رأي لا يستحق التوقف عنده أبدا، فالكون يسير وفق قوانين منضبطة، لا يمكن لأي أحد التأثير عليها. لكنهم اتفقوا إلا ماندر على جعل ولاية تشريعية للنبي، بأدلة لا تصمد أمام النقد الموضوعي. وهذه المسألة يمكن حسمها قرآنيا بسهولة، رغم إصرارهم على حجية مطلق السنة النبوية. فوظائف النبي قرآنيا: بشير، نذير، مبلغ، معلم، هادٍ، داعٍ، سراج. في مقابل: لست عليهم بمسيطر، ليس لك من الأمر من شيء. وآيات أخرى. ولا دليل على أن المراد بالحكمة خصوص السنة النبوية، لأن الأولى مفسّرة قرآنيا كما في الآية 39 / سورة الإسراء، حيث ترجعها لمبادئ إنسانية، فتختلف عن الوحي، لكن أيضا لا يدركها سوى الحكيم من الناس. والطاعة المفترضة للرسول في الإجرائيات. وقد مر تفصيل كل هذا. يبقى سؤال مهم يحسم هذه القضية بالذات: لو كانت سنة النبي كالقرآن في حجيتها ووجوب الإلتزام بها مطلقا، فلماذا لم تُضف له، وتُضبط كغيرها من الآيات، وينتهى الجدل حول حجيتها؟ لماذا فتحت علينا أبواب الجحيم، وراح كل فريق ينسب لرسول لله ما يشرعن عقائده، ويخدم مصالحه السياسية والمذهبية، حتى اختلط الديني بالسياسي، والمقدس بالمدنس، والعقلي بالخرافي؟ ألا يدل هذا على وجود فارق نوعي، واختلاف جوهري بينهما؟ وبالتالي فالجذر القرآني للرواية هو الذي يحدد مدى حجتها، وما تبقى فله دلالته القوية التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الفهم الديني.

فالتشريع منحصر بالله تعالى لذا جاءت آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، مسبوقة بمصفوفة أحكام، وتلتها أحكام. وفي هذا اشارة بليغة لكمال الدين، واكتمال التشريع، بما يكفي ليكون الكتاب حجة على الناس، وهذا دليل على عدم حجية غيره. وعدم وجود دليل صريح واضح على جعل الولاية التشريعية للنبي، سوى تأويلات واستظهارات واجتهادات شخصية، ومع الشك فالأصل عدم جعلها، فتبقى مقتصرة على أصلها، أي الباري تعالى. ودليلنا على محدودية الأحكام الشرعية بما جاء في الكتاب، دليل قرآني، (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، كما في هذه الآية والتي سبقتها وغيرهما من شواهد. هذا إضافة لما تقدم من كلام حولها. والتمادي قد يصدق عليه قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

فرسالات السماء تواكب مسيرة الإنسان حتى بلوغ هدفه، فهي من جهة تربطه بالخالق، ومن جهة أخرى تخوله خلافة الأرض، فدور الأديان هو دور حاضن للإنسان، حتى يتقوّم عوده، فلا يعقل أن يطارده من خلال الفقيه وفتاواه التي تنأى عن المشاعر الإنسانية حينما تتعامل معه كآلة تقتصر مهمته على تطبيق ما يملى عليه من فتاوى وأحكام اجتهادية. وهذا دليل آخر على عدم حجية أي حكم ليس له جذر قرآني، ما لم يدل الدليل الشرعي الصريح عليه، وهو مفقود بالضرورة.

الحرية قدر الإنسان

إذا لم تكن الحرية من ذاتيات الإنسان فهي من أخص خصائصه أعارضه. وقد لا أجازف حينما أعتبرها فصلا في الحد المنطقي، لأنها ليست أقل خطورة من الناطقية. فكما يصدق في الحد التام أن الإنسان حيوان ناطق، كذلك يصدق: الإنسان كائن حر. ولا عيب في استخدام الجنس البعيد، فهو أكرم للإنسان من تعريفه بالجنس القريب أي الحيوان. وحريته تدخل في صميم كينونته. فلاتصدق الصفة مع غيره إطلاقا، لأنها تعني توظيف العقل والقدرة على اتخاذ القرار، وهذا لا يتحقق لغير الإنسان، ولا يمكنه التخلي عنها. فهي صفة إرادية في استخدامها لا في أصل وجودها: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالشكر والكفر متفرعان على حرية وإرادة الإنسان. وما إبداعات البشرية خلال تاريخها إلا دليل على حريته التي هي ركيزة قدراته في مختلف مجالات الحياة. لذا قلت يصدق أنها فصل منطقي، لأنها من ذاتياته، ولا معنى له بدونها. وبهذا يتضح أن العبودية صفة طارئة بفعل عوامل خارجية: سياسية واقتصادية وبيئية وثقافية. وقد جاء في المأثور: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). فالأصل ملازمة الحرية لوجود الإنسان، بشكل يمتنع سلبها إياه إلا لضرورات تتعلق بحياته وعلاقاته الاجتماعية. ومهما كانت قدسية الأحكام الشرعية فهي قيود لا تطيقها حرية الإنسان، لذا كان الرهان القرآني على خطاب الترهيب والترغيب في ضمان إلتزام الإنسان، علما أنها مشرّعة لمصلحته. فهناك تمرد داخلي يحتاج لترويض.

وبالتالي فكما يصدق تعريف الإنسان بأنه: ذات مفكرة، حينما يُشك في أصل وجوده استنادا إلى قول الفيلسوف الفرنسي، رينه ديكارت: "أنا أفكر إذا أنا موجود". فكذلك يمكن تعريف الإنسان بإنه: ذات حرة، حينما يشك في حريته وإرادته وقدرته على اتخاذ القرار. ويصدق أيضا: "أنا حر إذا أنا موجود". والحرية هنا بمعنى الاستعداد فتكون سابقة على التفكير بمعنى وعي الذات، ولو من حيث الرتبة لا من حيث تعدد العلل. أي أن لحظة وعي الإنسان لذاته هي لحظة وعيه لإرادته. فتكون الأصالة لحريته دائما. ومقتضى هذه الأصالة عدم قدرة أية جهة سلبها إياه، بما فيهم الخالق تعالى. بل لا معنى للسلب لأنها بهذا المعنى من ذاتيات الإنسان، لا فقط من أخص خصائصه. لكن يمكن تقييدها وتحجيمها وترشيدها، حينما يتوقف على الترشيد مصلحة عامة. فالإنسان هو المسؤول الأول عن نفسه وسلوكه ومواقفه، لذا لم يشترط أي شيء في خلافته قرآنيا. وقد عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن بعيدا عن الأديان، بانسجام حقق مصداق الأمة الواحدة، وقد امتدحت الآية تلك الفترة حينما قالت: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)، لأن إقامة الأمة الواحدة هدف مهم بالنسبة للأديان وقد تحققت على يد الإنسان بمعزل عن السماء. لكن حينما وقع الاختلاف بعث الله الأنبياء، بعثة مغياة لحين عودة الناس لرشدهم: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فتكون المهمة الدينية في بعدها التشريعي مهمة ترشيدية، حيث يحتضن الدين الإنسان كي يتمكن من مواصلة حياته ويكتشف قابلياته وقدراته. والآية دقيقة جدا، فهي لم تفرض أي قيّم على الإنسان، ولم تشترط نبيا أو إماما أو فقيها، بل ليقوم الناس بأنفسهم بالقسط.

وتتوقف على الحرية مسؤولية الإنسان عن عمله واختياره، خاصة مسؤولية الأمانة التي تحدثت عنها الآية السابقة. فمنطق العبودية يسلب الإنسان حريته حينما يفرض عليه أحكاما تغلق جميع منافذ الحياة، ويضعه بين خياري: الطاعة المطلقة أو الخلود في النار. على عكس منطق الخلافة الذي يرهن الحكم الشرعي بفعلية موضوعه. وهذا ما أكده الفكر الوجودي حينما اعتبر الحرية مقوما ذاتيا لوجود الإنسان، فهي ليست خيارا بل قدرا لا يمكنه انتزاعه، فهو موجود حر. والحرية تستلزم الإرداة، فيتحمل الإنسان مسؤولية عمله وسلوكه وموقفه، وهذا مبعث قلقه.

فنخلص إلى نتيجة أن منطق الخلافة يقتضي وضع سقف للأحكام الشرعية بما يتناسب مع مهمة الإنسان في الحياة. وهذا لا يتنافى مع إيمان الفرد، فالحرية لا تعني الكفر، والتنصل عن القيم والمبادئ الدينية. بل تعنى أن يكون الإنسان أكثر مسؤولية عن قراراته ومواقفه. ولا تتقاطع كما يعتقد البعض مع آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ). لأن الكلام حول المقدار الزائد من الأحكام التي يستنبطها الفقيه، والفتوى التي يفتي بها. كما أن الكلام حول مدى فعلية أحكام الشريعة. فالقول بعدم فعلية حكم بسبب عدم فعلية موضوعه ليس فيه إنكار لأصل التشريع، كي يحكم على قائله بالردة والكفر.

نعود للسؤال، اتضح أن الأحكام الشرعية الزائدة عما هو مدون في الكتاب الكريم مشكوك في حجيتها وشرعيتها ما لم يكن لها جذر قرآني، وعند الشك فالأصل حاكم، وهو القدر المتيقن منها، أي الأحكام الشرعية القرآنية. غير أن الفقهاء اضطروا لشرعنتها من خلال قواعد عقلية، يمكن مناقشتها وتفنيدها.         وليس هذا محلها.

كما وظف الفقهاء خطابا أيديولوجيا صارما، يقمع أي تمرد على سلطتهم الدينية. بشكل أصبح الفرد لا يفرق بين الحكم الشرعي القرآني، والحكم الشرعي الفقهي / الفقاهتي. فالجميع بالنسبة له مقدس، رغم تداعياتها على حرية الفرد.

ثقافة الفرد

ينبغي أن يتسلح الفرد بثقافة دينية قرآنية، تمكنه من اتخاذ موقف من الفقيه وفتاواه، بشكل يستطيع السؤال عن دليل الفتوى مقارنة بما هو مشرّع قرآنيا، على صعيدي العقيدة والشريعة. فالفقه رغم أنه تخصص له مناهجه وأدواته لكن يمكن للفرد التوفر على قدر من المعرفة التي تمكنه من إدراك مباني الفقهاء ولو بالحد الأدنى. فبإمكان الفرد تحري عقيدة الفقيه، ومصادر معرفته، ومنهجه في الاستنباط. وينبغي تحري صدقية أن الفقيه لا يفتي إلا طبقا للكتاب والسنة، بينما مصادر الاستنباط أوسع من ذلك. بل حتى في دائرة السنة فإن من يؤمن بحجية مطلق روايات كتب الصحاح مثلا، تختلف فتواه عمن يخضع كل رواية للنقد، والجرح والتعديل. أو من يعتقد بانسداد باب العلم والعلمي يختلف عمن يؤمن بحجية روايات الآحاد. وبالتالي ستشكل ثقافة الفرد هاجسا، تجعل الفقيه يتأنى في فتاواه وإملاءاته، التي تتحكم بمصير الإنسان.

الفارق بين الاتجاهين

إن الفارق بين منطق العبودية، ومنطق الخلافة فارق جوهري في وعي علاقة الإنسان بخالقه، وبدوره في الحياة. فمن يعتقد أن دوره يقتصر على العبودية المطلقة، فهو بحاجة مستمرة للحكم الشرعي، كمحدد لوعيه وسلوكه، وقد يستدل على هذا الاتجاه بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهذا الاستدلال غير تام، حتى اضطر بعضهم توجيه الآية، بما يكرّس معنى العبودية، حينما اعتبر جميع سلوك وفعل الإنسان هو عبادة، وليس المقصود منها خصوص التعبد بالعبادات.

وهذه الآية لا يمكن الاستدلال بها على تكريس مطلق العبودية، للأسباب التالية:

أولا: حينما تقرأ الآية الكريمة ضمن سياق الآيات، قد يفهم منها نفي الإطلاق، تقول: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ). فالنفي واضح، تقول الآية، ما خلقت الجن والإنس لمجرد العبادة، ولا نريد منهم رزقا، ولا نريد منهم أن يطعمون. فالعبادة إذا جزء من سلوك الإنسان وليست هي تمام ملاك خلقه. وهذا القدر من الشك، مهما كانت قيمته الاحتمالية يمنع انعقاد الإطلاق.

ثانيا: يصدق أن الآية مجملة، فنحتاج لفهمها وفقا للمنطق القرآني، إلى آية محكمة واضحة. وآيات الخلق قد بينت الهدف من خلق الإنسان وقالت صريحا أنه خليفة الله في أرضه. إني جاعل في الأرض خليفة. وخليفة الله ليس مخلوقا للإمتحان والافتتان وتكريس وقته لأداء العبادات، وإنما هي مسؤولية ربانية. ويمكن بآية خلافة الإنسان فهم جميع الآيات التي تتحدث عن افتتان الإنسان في الحياة الدنيا، فهو ليس افتتانا ماكرا، كافتتان السيد بعبده. وانما افتتان مسؤول، لتحفيز الإنسان ليكون بمستوى الحدث والمسؤولية التاريخية.

ثالثا، لم يقل أحد بوجوب تفرغ الإنسان للعبادة، وترك الحياة الدنيا. وقد جاء في الخبر: (إن لله عليك حق، وإن لنفسك عليك حق، وإن لعيالك عليك حق، فاعط كل ذي حق حقه). 

ولا شك في وجود فهم مغاير للآية يتسق مع مرتكزات الكتاب الكريم، والهدف من خلق الإنسان فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أن المراد من "إلا ليعبدون"، أي إلا ليعرفون. فتكون معرفة الحقيقة هدف أساس لخلق الإنسان.

 

...............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

د. مجدي ابراهيم: أستاذ فلسفة / مصر: قرأتُ الحوار المفتوح عن ضوابط الرواية الدينية مع الأستاذ ماجد الغرباوي في عناصره الخمسة: معرفة الروايات، وشواهد الوضع، ومناهج التوثيق، وحجيّة السنة، ثم أخيراً القيمة المعرفية. والحقيقة أشهد له بعمق التحليل والنقد مع نفاذ تطبيق المناهج الحديثة على روايات الحديث؛ الأمر الذي يشكّل رؤية المفكر في ضوء نظرة مستقبليّة لا تدعو للفرقة أو الانقسام مقدار ما تدعو لفهم النصوص الحديثية الداعية بحكم تراكمها واجترارها إلى الفرقة والانقسام؛ ثم التركيز؛ على حد قوله؛ على النسخة التي تربط القرآن لا بالسّنة ولا بالعترة؛ ولكن بظرفه الزماني وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبته لعصره.

وسأقوم بتحديد تساؤلاتي في النقاط الآتية متخذاً هذه البديهة المعرفيّة أساساً لنقطة انطلاق: وأعني بها التفرقة الفارقة بين الشرع الجديد والفهم الجديد. لقد وضع الأستاذ ماجد منهجاً رصيناً في دراسة روايات الحديث ونقدها بيّنه لنا خلال حواره العام وحدّد عناصره، وهو نفسه القاعدة الأم التي يعوّل عليها علماء الحديث ولا يعولون على سواها، ويقوم عليها علم الجرح والتعديل (فما خالف كتاب الله من تلك الروايات فهو زخرف؛ ولا حجيّة لأحاديث النبي مطلقاً في غير الأحكام الشرعيّة في الكتاب المجيد، ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية قول النبي عندما يكون تفصيلاً وبياناً له، إذْ التشريع من عند الله مقتصر عليه).

والسؤال هو:

س80: د. مجدي ابراهيم: إذا كان التشريع من عند الله ومقتصر عليه؛ فلا يمكن أن نأتي بتشريع جديد بل يمكننا أن نأتي بفهم جديد في التشريع الذي هو من عند الله؛ وهذه النقطة فيما أرى جوهرية؛ لأنها هى نفسها التي تمكّن العقل الحداثي (في مقابل العقل التراثي) بوضع الضوابط والمتغيرات لمواكبة الإنسان لعصره، وتفتح أمامه السّعة في الفهم والتصرف في شئونه الدنيوية كيفما يشاء، وبغير قيود أو حدود. فهل يمكن في وجهة نظر الأستاذ ماجد الأخذ بها والتعويل عليها؟!

ج80: ماجد الغرباوي: بدءا أتقدم بجزيل الشكر والاحترام للأخ الأستاذ الدكتور مجدي إبراهيم، أستاذ الفلسفة. وأشكر حسن ظنه وثقته. وأعتبر ما قاله شهادة صدرت عن أكاديمي وباحث مرموق. فأفتخر بها وأعتز. كما أشكر مشاركته من خلال أسئلته القيمة التي ستثري الحوار، وننفتح من خلالها على آفاق معرفية جديدة.

نعم يمكن الأخذ بها، متى ما دل الدليل عليها، فلا تكون حينئذٍ خيارا، بل عودة لفهم الدين، وأحكام الشريعة وفق محددات الكتاب المجيد. لأننا أمام قضايا دينية، توقيفية، شرطها ثبوت جعل شرعي صريح بخصوصها. وليست المسألة خاضعة للاجتهاد ورغبات أيديولوجية أو مذهبية. وكان أحد أهداف الجهاد أن يكون الدين كله لله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) بمعنى تحريره، وسلب شرعية الأديان التي تتحكم بمصائر الإنسان ولو بالقوة. والدين هو العقيدة والشريعة. فالرهان على ما طرحته يتوقف على تسوية إشكاليات، ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة، وتحديد مهمة الأنبياء الرسالية، وحدود تأثر الفقه بالمتغيرات الزمكانية. ومدى وعيه بها، وقدرته على التحرر من قبلياته التي تفرض محدداتها وسلطتها. فرغم دعاوى الإجتهاد، غير أن الفقيه أسير قواعد تم تأصيلها عقليا لضبط منهجه في استنباط الأحكام الشرعية، فهو يخضع لها ويقدسها وينسى أنها صنيعته، المرتهنة في صدقيتها لقبلياته، وما يؤمن به من يقينيات دينية وعقلية وفلسفية. فهي قواعد تم تأصيلها لتلبّي رغباته التي تنسجم مع عقيدته وفهمه للدين وللتشريع، يظهر هذا واضحا من خلال استدلاله عليها، فبعض يميل بطبعه للاحتياط فينعكس على موقفه الأصولي من القضايا المشكوكة، بينما يميل الثاني للبراءة والسعة.   

فالرهان في بعده الآخر، يتوقف على نقد المرجعيات الفكرية والعقيدية والأصولية للفقيه، وتشكيل وعي جديد وفق فهم مختلف للدين، وإعادة النظر بالمقدس، وقدسية التراث والسلف الصالح، والعودة المباشرة للكتاب الكريم، نتدبره وفقا لحاجاتنا وتطلعاتنا، كمرجعية نهائية في مجال تخصصه. فهو "تبيان كل شيء"، وفيه "تفصيل كل شيء"، و"ما فرطنا في الكتاب من شيء". وهو أمر ممكن، رغم وجود روايات تشترط وساطة التراث والسلف في فهمه وتفسيره. فحجّمته وهي تبغي هدايته. لكنها روايات ضعيفه، لأنه بيان للناس، فلا يمكن احتكار فهمه وتفسيره، فيكون القرآن حاكما عليها حتى وإن كان بعضها صحيحا.

وينبغي مراجعة الأدلة التي تقوم عليها مقدمات الاستنباط، وفضح بشرية الفقيه وعدم تعاليه وقدسيته. فهو كأي متخصص يستنبط الحكم الشرعي وفقا لمقدماته، وهي مقدمات علمية حسب الفرض، تتوقف صحتها على صحة أدلتها والمبادئ التي قامت عليه. لذا فالاستنباط متاح لكل من يمتلك أدواته، وليس ثمة اصطفاء من قبل الله تعالى أو توفيق إلهي كما تشيع المؤسسات الدينية ووسائل إعلامها. والاجتهاد مَلَكَة يكتسبها المجتهد من خلال الدرس والتدريس وممارسة الاستنباط. وقد يفقدها حينما ينقطع عن عمله أو يتخلى عنه. كما تتحكم بالفقيه عقيدته ورؤيته الكونية وفهمه لفلسفة الأحكام، ومصادره المعرفية وثقافته ووعيه. فتصدي الفقيه للافتاء واستنباط الأحكام يرتكز لقناعة ترتبط بفهمه للدين ودور الإنسان في الحياة. وهو فهمٌ متعدد في روافده العقيدية والثقافية والعلمية. وبالتالي فكما أن تطور علم الفقه وأصوله وتعدد مسائله ساهم في تضخم الأحكام الشرعية. كذلك فرضت خلفية الفقيه نفسها على منهجه في استنباط الأحكام الشرعية. كالاختلاف السني - الشيعي حول مصادر التشريع، بين الكتاب والسنة وبين الكتاب والسنة الشاملة لروايات أهل البيت.

اتضح مما تقدم أن نقد مرجعيات الفقيه الفكرية والعقيدية سيُتيح رؤية مختلفة للدين، ويطيح بأدلته وشرعية استدلاله للأحكام الشرعية، بعيدا عن الكتاب الكريم. فالحد من تضخم الفتاوى، وتناسل الأحكام يرتهن لنقد تلك المرجعيات والأصول التي يعتمدها الفقه الإسلامي عامة. فهي أصول هشة تتستر على آيديولوجيتها بعناوين العلم والقواعد العقلية.

فلسفة الحكم الشرعي

ثمة فرق جوهري بين اتجاهين ومنطقين في فهم الدين وفلسفة الأحكام الشرعية، منطق العبودية، ومنطق الخلافة. يتوقف عليهما فهم أسباب تضخم الأحكام، وطوفان الفتاوى الشرعية. إن فلسفة الحكم تكشف عن سبب التشريع وحكمته ودواعيه وطريقة تأثيره، كما أن تاريخ الحكم يكشف عن البيئة الاجتماعية والدينية والثقافية التي انبثق عنها السؤال. حيث جاءت الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم ردا على أسئلة السائلين، ولا يوجد حكم ابتدائي أو لم يكن مسبوقا قبل البعثة، كالعبادات وتفصيلاتها، سوى بعض الاختلافات. فالحكم مرتبط بموضوعه. غير أن جل الفقهاء إن لم يكن جميعهم يعتقدون أن فعلية الأحكام منقطعة عن أسباب تشريعها، فلا يدرسون تاريخها وفلسفتها. بينما تاريخ التشريع يؤكد وجود أسباب وراء تشريعها، وقد تنتفي فعليتها بانتفائها. جاء في الكتاب: (يسألونك، ويسألون، يستفتونك) حتى نهاهم عن الإلحاح بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم). وهذه الآية بالذات وراؤها فلسفة عميقة، سنشير لها لاحقا.

الأول: منطق العبودية

تعتبر العبودية، التي هي ضد الحرية والاستقلال، جوهر النظام الأبوي السائد آنذاك وما يزال. تختلف في مصاديقها بين الاستعباد بالقوة والقهر، كأسرى الحروب آنذاك. أو تكون العبودية شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حداً أن بعضهم كالرقيق لا يفهم سوى أنه أداة مملوك لغيره. وهذا الصنف من العبيد لا يتأثر في أجواء الحرية، فيكون شاذا في سلوكه بين التمرد والتبعية المطلقة.

ومنطق العبودية دينيا، اتجاه يختزل دور الإنسان بالفتنة والامتحان والاختبار. ويقصر فيه دور الفرد على تطبيق الأحكام الشرعية، مع سلبه حرية الحركة خارج ما هو مشرّع منها. ولازمه أن يكون للشريعة رأي في كل تفاصيل الحياة. وما من حادثة كما يعتقدون إلا ولله فيها حكم، في إطار شمول الدين لجميع مناحيها. وهو اتجاه يضع النص دائما فوق العقل. ويكتفي بالكتاب والسنة والتراث وفتاوى الفقيه مصدرا لمعرفته. لا يؤمن بأية فلسفة وراء الأحكام الشرعية، ويعتبرها تعبدا مطلقا، وهي شاملة وثابتة مهما تغيرت موضوعاتها، ويكون الدين / الفقيه قيّماً عليه. ويلخصون هذه الفكرة بقولهم: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة). وهو اتجاه التيارات الدينية عموما، والسلفية خصوصا.

وهذا الاتجاه لا ينفي وجود ملاكات "مصالح ومفاسد" وراء تشريع الأحكام، لكنه ينفي قدرة البشر على إدراكها، فتبقى عللها مجهولة، وينبغي التعبد بها. ففلسفة الأحكام عنده قائمة على التعبّد المطلق. ولا تدور مدار ما يترآى ويبدو من حكمتها وأبعادها الاجتماعية والأخلاقية. لأن العلة الحقيقية تبقى مجهولة لنا، وربما تكون الغاية وراء تشريع الحكم تمحيص طاعة العبد ومدى إلتزامه بأوامر المولى ونواهيه. فعندما يطلب الأب من أحد أبنائه ماء، ربما يقصد اختبار طاعته فيحاسبه إذا أتى به غيره، لكن لا يحاسبه إذا كانت غايته شرب الماء، فملاك الأمر بالنسبة له قد تحقق.

وهكذا يتصور منطق العبودية الأوامر الإلهية، فلا يجتهد أمام النص إطلاقا، ولا يُتعب نفسه في البحث عن ملاكه ومصلحته. ولا يتحرى فعلية موضوعه أوعدم فعليته. وبالتالي يبقى الحكم الشرعي فعليا في كل الأحوال والأزمان. وتكون الشريعة شاملة لجميع مناحي الحياة، ولا يجوز تشريع أي قانون يتقاطع معها. وبما أن الأحكام الشرعية محدودة لجأ للسيرة النبوية، ثم انتقل يقلد الفقيه. فتضخمت الأحكام الشرعية على حساب عقله وحريته، التي هي مساحة الإباحة الشرعية كما هو مقرر عندهم فقهيا. وغدا كائنا مسيرا بأحكام الفقيه، تقتصر مهمته على تطبيقها والعودة له عندما يشك بغيرها. فتشل قابلياته العقلية، ويفقد حرية القرار. فهذا الاتجاه لا يكف عن تشريع الأحكام وتأسيس قواعد أصولية، للحد من مساحات الإباحة والحرية التي تترك له خيار التصرف في إطارها، ويمكن التأكد من صدقية هذا الاتجاه من خلال فتاوى الفقهاء المتخمة بالتحريم والاحتياط الوجوبي، وكحد أدنى يفتي بالاحتياط الاستحبابي دون الافتاء بالإباحة، بفعل ثقافة العبودية الراسخة في أعماقه. وهذا النوع من الفقهاء عبء على الدين، عندما صادروا سعته ورحمته، واستبدلوها بفتاوى قاهرة على الضد من الكتاب الكريم الذي يعلو صوته دائما: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).

صورة الإله

إن وعي الإله في المنطق العبودي منتزع من مفهوم الأب / الشيخ / الرئيس / المولى في النظام القبلي / الأبوي. تقتصر فيه مهمة العبد على التلقي، والتفاني في إرضاء الأب، مع الإلتزام الحرفي بأوامره ونواهيه حتى المحتملة منها، كإجراء احترازي لتفادي سخطه وغضبه. وتتأكد هذه الصورة بشكل أقوى في علاقته بالخالق / الرب / المطلق حينما يؤمن به إيمانا مخلصاً. فالرب بهذا الفهم ضرورة لوعي الذات وتأكيد وجودها. لا بمعنى العلية بل بمعنى تحقق الذات، فهو لا يعي ذاته إلا من خلال علاقة العبودية بين العبد وربه أو سيده، ويتعذر عليه وعي ذاته مستقلا عنه، بل لا تحقق ولا معنى لوجوده بدونه. وليس المقصود بهذه العلاقة فناء العارفين أو وحدة الوجود أوالخشوع الإيماني الواعي أو الوجد العرفاني والصوفي. بل وعي تفرضه روح العبودية التي يتوقف تحققها على وجود السيد / الرب. أو أي سلطة فوقية ترسم حدود شخصيته. فيبتدع صورة خيالية للرب، تحقق ذاته خارجا. فبعض يحتاج لرب متسلط، قاهر، يبرر به تضاؤل شخصيته. فهو قد لا يجد تفسيرا مقنعا لها، لكنه يجد في صورة الإله ما يبرر حالته. بينما تختلف صورة الرب لدى شخص آخر، من وحي فهم مغاير. وهذا الاتجاه يمثل منظومة عقائدية كاملة، لا مجرد مشاعر باطنية، تطفو وتختفي. فهو فهمٌ للخالق والمخلوق، وفلسفة محددة لوجود الإنسان ودوره، وفهم للدين وغاياته ومقاصده.

إن مشاعر العبودية تؤثر لا شعوريا في البنية المعرفية وطريقة التفكير لأنها متأصلة لدى بعض الناس، بما فيهم فقهاء، فينحاز للاحتياط في استنباط الأحكام الشرعية. ليس بدافع الخوف والخشية فقط، بل بدافع عميق يفرض عليه الخضوع التام لأجل الخضوع، فلا يهتم بفلسفة الحكم وملاكاته من مصالح ومفاسد، ولا يهمه متى أثر الحكم على مفاهيم إسلامية أخرى. المهم أن يجد مبررا للطاعة المطلقة. ومرضاة الخالق بالنسبة له تنحصر في عبادته، بما فيها الخلافة الربانية. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فيتشبث بها رغم أنها آية مجملة، كما سأبين لاحقا. وهذا النوع من العلاقة يتطلب أحكاما شاملة تستغرق مساحة الإباحة، فضلا عن الوجوب والحرمة، وما بينهما من استحباب وكراهة. والحقيقة أنه يكره الإباحة والحرية في أعماقه، فهو لا يحقق ذاته إلا من خلال عبوديته وليس من خلال حريته واستقلال شخصيته. وهذا الاتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا. فالعلاقة العبادية وفقا لهذا الاتجاه قائمة على ثنائية رب / عبد، وليست خالق / مخلوق. وفلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها. فالأولوية بالنسبة لهذا الاتجاه دائما للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. بل ويختار الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلاهما حكم شرعي حسب الفرض.

وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية ، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. فالأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية.

ملاكات التشريع

وعليه مادام الجميع يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام، فلا يحق لأي شخص كائن من كان تشريع الأحكام سوى الله تعالى لأنه القادر على إدراك الملاك الحقيقي، على المدى البعيد، وليست الملاكات الظاهرية، كالفوائد الاجتماعية مثلا. وأقصد بالملاك، الأوسع من أفق الفقهاء الذين يحصرون الملاك بالمصالح والمفاسد الظاهرة. بينما الملاك الحقيقي المختص بالله تعالى يرتبط بدور الإنسان والدين في الحياة، فتكون له امتدادات واسعة لا يمكن إداركها من قبل غير العليم. فعندما يقرر النبي شيئا لا يعد حكما شرعيا بل أمرا ولائيا أو أخلاقيا وفق مصالح ومفاسد ظاهرية أو آنية. فهو لا يعلم تداعياته وتطوراته وتأثيراته المستقبلية. الحكم الشرعي الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع، ضمن دور الدين في الحياة. وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية، لأننا قد نخسر بسبب الرواية ملاك تشريع الآية، الذي هو السعة والرحمة، وسنخسر بتقييدها وتخصيصها تلك المساحة من الحرية التي هي معنى السعة والرحمة. كما أن أي تشريع خارج الآيات لا يدرك الملاكات الحقيقية له لأنها مختصة بالخالق وقدرته على التشخيص الحقيقي من خلال ترابط المنظومة الدينية في جميع أبعادها.

ينبغي التنبيه أن هذا الاتجاه يوظف تقنيات اللغة للتستر على حقيقته، فهو لم يجاهر بحقيقته، وربما لم يدركها أساسا، فيستخدم ألفاظا لها دلالات ساحرة، لا تنكشف مداليلها للقارئ، بل وترسم صورة مشرقة، متوهجة، خاصة حينما ترتبط بالمطلق، المتعالي، أي الخالق، كتفسير حالة العبودية بالتقوى والورع والخوف من الله تعالى. فكل مفهوم من هذه المفاهيم له إيقاعه في المخيال الديني. خاصة أنها في وعي المتلقي ليست مجرد مفاهيم أو ألفاظ وكلمات عابرة بل هي مقامات ربانية لا يبلغها المؤمن إلا بمجاهدة النفس وتوفيق من الله. وهذه التعابير البراقة تستخدم في مجالات أخرى كالتستر على روح العبودية الثاوية في أعماق رجل الدين.

اللغة شبكة من الإيهامات، والدلالات، والمجازات. لا تنفد مراوغاتها، ومكرها. يمكن توظيفها ببراعة للتستر على كثير من الحقائق، بل ولها قابلية هائلة على تزوير الوعي من خلال ما توظفه من ألفاظ. فكم من كلمات مدهشة في دلالاتها تخفي في أعماقها معانٍ مختلفة، يصعب الإمساك بها، إلا من خلال القرائن والسياقات اللغوية. فلا شك أن التقوى والورع مقامات سامية، شرطها مجاهدة النفس ورقابة أخلاقية متواصلة. وهي صفة إيجابية، إلا أنها تستغل للتستر على روح العبودية، حينما يصر الفقيه الذي ينتمي لهذا الاتجاه على الاحتياط دائما. بينما يستغنى الفقيه المتحرر من هذه الروح عن الاحتياط في الحكم حينما يطمئن لاستنباطه واجتهاده دون التفريط بورعه وتقواه. بينما الأول يتشبث بكل ممكن ولو من باب الاحتياط ليبقى في دوامة العبودية، من أجل تحقق الذات خارجا. بل يختار الاحتياط رغم شرعية البراءة. فحينما يخير بينهما، يختار الاحتياط لا شعوريا ولو بمستوى الاستحباب.

وخلاصة ما تقدم أن معالجة روح العبودية سيحد من تضخم الفتاوى والأحكام. كما تبين أن اتفاق الجميع على وجود ملاكات وراء تشريع الأحكام يسلب حق الفقهاء في استنباط أحكام جديدة، لاختصاص الملاكات بالله تعالى. وهذا لا يمنع أن يمارس الفقيه دوره في تطبيق الكليات على مصاديقها، أو الاجتهاد بمعنى الفهم والتفصيل والبيان داخل أروقة أحكام الشريعة، مع مراعاة فهم متجدد للدين ودور الإنسان في الحياة.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س78: د. صالح الطائي: إن المشاريع السياسية وظفت الدين لخدمة مناهجها، وهذا التوظيف هو الذي تسبب بولادة الفكر المتطرف في الإسلام.

ج78: ماجد الغرباوي: إينما وجدت السلطة تجد الدين حاضرا لتزيف الوعي، وشرعنة الاستبداد، والتستر على الظلم، خاصة المجتمعات المرتهنة في وعيها للمقدس بشكل عام والدين بشكل خاص، حتى في المجتمعات العلمانية تجد السياسي يتودد لرجل الدين في محاولة لاستمالة أصوات الناخبين، وضمان عدم سخطهم عليه. وقد تفننوا في توظيف الدين لشرعنة سلطتهم، وضبط سلوك شعوبهم، وعدم مساءلتهم. فبعض النظريات الثيوقراطية خلعت على الحكّام طبيعة إلهية. وأخرى ذهبت للتفويض الإلهي. وثالثة نسبت انتخاب الحاكم للهداية الربانية. ورابعة تقول بجعل الولاية الشرعية، ونظريات أخرى. وذلك بفعل المهيمن الروحي والقدسي للدين، وقوة حضوره وتأثيره، فهو سلطة هائلة، يخضع لها الفرد من وحي تعاليه ورمزيته وإيحاءاته وانتسابه للغيب والمطلق. وهو مكوّن أساس لهوية الفرد وتراثه ورأسماله الرمزي، تتجلى فيه ذاته وإنتماؤه، الذي يمتد بامتداد جغرافيته وتاريخه. فالدفاع عنه دفاع عن النفس، والبذل من أجله بذل من أجلها. فيخشى عليه وعلى مستقبله وسمعته، ويستعد للتضحية والفداء لأجله، ويفعل كل ما يعزز رمزيته وحضوره. يتبنى مواقفه، ويتفاعل مع رموزه، ويندفع تلقائيا لحماية عقيدته وشعائره وطقوسه، ويقف بالضد مع كل موقف معاد، فيمكن للفقيه ورجل الدين تعبئة المؤمنين بسهولة، من خلال خطاب ديني يستهدف مشاعرهم، دون عقولهم. وهذا مكمن الخطر حينما يستغل الخطاب السياسي الأيديولوجي المشاعر الدينية في مشاريعه السلطوية أو لقمع المعارضة والاستبداد بالسلطة. ففصل الدين عن السياسة حماية للفرد والدين معا.

لكن المؤسف أن الإسلام قد تأثر بالوضع السياسي بعد وفاة الرسول، وراح تأويل النص يخدم مصالح شخصية وسياسية، بفعل إطلاقاتها ومرونتها وقوة رمزيتها، وعدم ضبط السنة النبوية وتدوينها، فنُسبت للنبي روايات موضوعة تخدم مختلف التوجهات السياسية والطائفية. وتم تفسير الصحيح منها بشكل يخدم ذات الأهداف. فوضع الأحاديث، ونسبتها للنبي الكريم كان إيذانا بتوظيف النص الديني لغايات سياسية وأهداف مذهبية وطائفية. وقد ازداد وضعها طرديا كلما ابتعدوا عن زمن الوحي، فصارت الروايات الموضوعة عبأ على الدين، ثم جاءت الفتوى بدواعٍ طائفية ومذهبية لتكرّس التوظيف السياسي للدين. فالفقيه لا يتخلى عن قبلياته وهو يستنبط الحكم أو الموقف الشرعي من الأحداث السياسية. بل أنها تملي عليه فهماً متحيّزا للنص، وتفرض عليه تأويلا يخدم مصالحه الطائفية والسياسية، فيجد نفسه مرتهنا لها لا شعوريا.

التوظيف السياسي

إذا كان إسلام البعثة إسلام رسالي فإن إسلام ما بعد البعثه إسلام سياسي، بعد توظيِفَ النص المقدّس لخدمة طموحات سلطوية ظهرت على أشدها يوم السقيفة، حينما أصرت قريش على التفرد بالحكم. فلجأت لتوظيف الدين / النص لحسم السلطة من خلال رواية أبي بكر عن النبي: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وهو توظيف صارخ، لرواية لا يمكن صدورها عنه لأسباب مر تفصيلها، أحدها أنها تنطوي على تزكية لمطلق قريش في السلطة، وهذا لا يفعله نبي، خاصة السلطة ومنزلقاتها. وكانت تداعيات هذا الشرط خطيرة، استأثر فيها الولاء على حساب الكفاءة، حتى تولى الخلافة شخصيات لا يتوفر فيهم الحد الأدنى من الكفاءة والإلتزام الديني سوى انتسابهم لقريش. وتم إقصاء جميع الطاقات والكفاءات المسلمة المتمثلة آنذاك بالأنصار، وتوالى الإقصاء وما يزال بضغط هذا الشرط. والغريب أن الفقه السلطاني تخلى عن القيم الإنسانية والقرآنية وتشبث برواية، هي خبر آحاد مهما كانت منزلة الراوي!!. فكرّس الاستبداد، وقمع المعارضة، وشرعنة سلوك الخلفاء مهما جافى الدين وقيمه ومبادئه. وقد وظف النص الديني أيضا لقمع المتمردين والمعارضين عبر التاريخ، وطبقت أحكام الردة وأحكام الجزية رغم عدم فعليتهما. الأول لعدم وجود عقوبة دنيوية على المرتد أساساً. والثاني لأنتفاء فعليته بانتفاء فعلية موضوعه.

ولعل أخطر توظيف للدين لصالح السياسة، ما قاله الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إبان الفتنة: (ما كنت لأخلع رداء سربلنيه الله). حيث اعتبر الخلافة والحكم أمرا إلهيا، ورداء سربله الله تعالى إياه خاصة من دون المؤمنين، فيكون المعترض عليه معترضا على الله تعالى، وهذا قمة التزوير الديني، وأوضح مصاديق توظيف الدين لصالح السياسة. فعثمان جاءت به الشورى، وليست خلافته أمرا إلهيا. وقد انتهى الأمر بقتله لأنه لم يعبأ بكلام الثوار، وفيهم صحابة رسول الله. ثم جاء الخلفاء الأمويون والعباسيون فاستغلوا الدين لترسيخ استبدادهم وطغيانهم، ويكفي عدد الروايات التي ظهرت فجأة دليلا على حجم توظيف الدين لصالح السياسة.

الخلافة شأن بشري، تخضع لمنطق السلطة ومتطلباتها، وتؤثر فيها جميع المؤثرات الداخلية والخارجية، وخلافة ما يعرف بالراشدين تجربة بشرية عززت وجودها دينيا. وكان الصحابة يعون ذلك جيدا، ويعرفون أنهم في زمن يختلف عن زمن النبوة. فهذا عمر بن الخطاب يخاطب إبن عباس: (إن العرب لا ترضى أن تجتمع فيكم (أهل البيت) النبوة والخلافة!!). فمرحلة النبوة غير مرحلة الخلافة في وعيه ووعي باقي الصحابة بما فيهم الأنصار والحزب الهاشمي. فإذا كان للرسالة ضروراتها فإن للخلافة خياراتها في اختيار رموزها وشكل الحكم وطريقة الوصول للسلطة. سلطة النبي سلطة أصيلة مجعولة من قبل الله تعالى. وسلطة الخلفاء سلطة بشرية، تخضع للعبة السياسية، بجميع أدواتها، كالاستبعاد والإقصاء والتحالفات والالتفاف وتقديم الولاء والاستفادة من عناصر القوة. وتوظيف كل ما يخدمها من نصوص مقدّسة وروايات موضوعة، والارتكاز للعمق القبلي، والعادات والتقاليد. فكل شيء مباح ما دام لخدمة الخلافة الإسلامية، بما فيه سفك الدماء!!!. بل أن سياسة الخلفاء لم تخل من الإلتفاف على القيم الدينية، عندما ارتكزت لحسم سلطاتها لبعض بيوتات قريش من خلال نص، كرّس الحس القبلي، وأصبحت القريشية التي لا علاقة لها بالدين والسماء مبدأ في الحكم، وهذا تجنٍ فاضح على الدين وقيمه ومبادئه.

التداعيات المستقبلية

إن الأخطر في توظيف الدين لصالح السياسة في عهد الخلفاء أمران:

الأول: الارتفاع بالخلفاء فوق النقد والمراجعة، من خلال روايات الفضائل التي ظهر القسم الأعظم منها بعد عصر الراشدين. فكان مفهوم الصحبة يعادل مفهوم العصمة عند الشيعة. وصار سلوك الخلفاء حجة شرعية في مناطق الفراغ التشريعي. ومرجعية دينية – سياسية لخلفاء الدولتين الأموية والعباسية وما تلاهم. كما في الأحكام السلطانية وفقه السلطة. فتم تجريد عصر الخلفاء من تاريخيته وبشريته، رغم أنه وليد بيئته وظروفه الزمانية والمكانية، ولا يمكن تعميم نموذجه. وللخلفاء أنجازاتهم وأخطاؤهم التي لا يمكن تبريرها. لكن الصحابة اليوم كالأئمة عند الشيعة، كلاهما مرجعية معرفية وأخلاقية، وكلاهما يحظى بقداسة تتعالى على النقد والمراجعة، وتستوجب أحكاما ضد مناوئيهم السياسيين، والحكم بوجب التبرئ منهم، وحرمة موالاتهم.

والثاني: تم التمسك بإطلاقات آيات الحرب والجهاد وغيرهما، رغم اختلاف الموضوع، من أجل شرعنة استخدام القوة والعنف باسم الدين ونشر رسالة الإسلام. فموضوع الجهاد في عصر البعثة هو حماية الرسالة، والدفاع عنها، وقد أعلن الكتاب الكريم صراحة انتصار الإسلام، واكتمال الدين، ولا يوجد مبرر لمواصلة القوة. بينما التحركات العسكرية في عصر الخلفاء جاءت لحماية الدولة، وتوسعة السلطة، وتوفير مصادر مالية. فالثابت قرآنيا أن أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بالقوة والإكراه. (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهي آية محكمة. لا يوجد ما يدل على نسخها قرآنيا بشكل صريح وواضح. غير أن السلطة وجدت في النسخ ما يضمن شرعنة سلوكها العسكري، التوسعي.

فكلا الأمرين المتقدمين هيأ لظهور حركات متطرفة، اتخذت من سيرة الخلفاء مرجعية شرعية استباحوا بموجبها دماء الناس، بعد تكفيرهم، وتجريدهم من إيمانهم وإسلامهم.

لقد استمر توظيف الدين وشعاراته وطقوسه لخدمة المصالح السياسية، والأمثلة كثيرة، بل ما من حكومة على مدى تاريخ المسلمين إلا وتشبثت بالدين لتزوير الحقيقة واستغلال الوضع من خلال فقهاء السلطة، ورجال دين اقتصرت مهمته على تزوير الوعي. ومثال ذلك، توظيف كل من الدولتين العثمانية والصفوية للدين في صراعهما السياسي. فكانت مشيخة الإسلام تقف مع السلطان العثماني، في مقابل فقهاء الشيعة الذين اصطفوا خلف الشاه الصفوي. وكل منهما راح يعبأ أتباعه دينيا ومذهبيا، بلا ورع ولا تقوى ولا خوف من الله عزوجل.

ولعل أقوى توظيف للدين لصالح السياسة الجهد التنظيري للإخوان المسلمين، عبر نظريتي الحاكمية الإلهية وجاهلية المجتمع، لشرعنة الجهاد ضد الحكومات قاطبة، بل وتكفير المجتمعات الإسلامية. وقد استباحت الحركات الإسلامية المتطرفة دماء الأبرياء من وحي هاتين النظريتين من أجل الوصول للسلطة. وتبقى الأهداف السياسية سببا أساسا وراء تصاعد العنف من قبل هذه الحركات، سواء صرّحت بذلك أم لا، لأن اقامة الدولة بالنسبة لهم استراتيجية وليست تكتيكا أو وسيلة كما توحي به بعض النصوص السياسية. وقد نظـّر للدولة الإسلامية جمع من المفكرين الحركيين من مختلف المذاهب الإسلامية. أهمهم أبو الأعلى المودودي، صاحب نظرية الحاكمية الإلهية، التي ترى وجوب محاربة جميع الحكومات الوضعية وإقامة دولة إسلامية، واعتبرت التحرك ضدها جهادا في سبيل الله. كذلك سيد قطب الذي طوّر نظرية الحاكمية الإلهية وأضاف لها جاهلية المجتمع. فمشروع الإخوان المسلمين وجميع الحركات الإسلامية مشروع دولة واستلام السلطة، وما الدين سوى مبرر لشرعنة تحركاتهم السياسية والعسكرية. الإلتزام الديني لا يتوقف على وجود سلطة. وهذا وعي أيديولوجي متأخر، تقف وراءه طموحات سياسية. بل أثبتت تجارب الحكم عدم وفاء الإسلاميين بالتزاماتهم، وقد مارسوا السلطة وفقا للعبة السياسية ومتطلباتها، واقترفوا لأجلها تجاوزات شرعية مخلة بالقيم والمبادئ الإسلامية.

كما أجد في نظرية ولاية الفقيه توظيفا صريحا للدين، كرّس سلطة الفقيه بصلاحيات مطلقة، وشرعن الاستبداد الديني من خلال نصوص دينية لا تصمد أمام النقد العلمي الموضوعي. بل لا يمكن تأصيل ولاية للفقيه بهذا الإطلاق من خلال آيات الكتاب. أو من خلال روايات واضحة وصريحة تورث العلم واليقين. ولم ينعقد حول هذه السعة من الصلاحيات إجماع لفقهاء الشيعة قبل غيرهم. لكنها نظرية تشرعن الطموحات السياسية. وتدفع باتجاه التحرك من أجل إقامة دولة دينية.

السلوك القويم دليل على صدق الدين. ومشاعر الحب آياته ودلالاته. والدين تجربة روحية، وإيمان فعلي بالله تعالى، وضرورة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه الرذائل، وتسوده قيم الحق والعدل. فليس الدين أداة للسلطة وتزييف الوعي واستغلال الناس. وليست كهنوتا وطقوسا بالية. هو شعور عميق بالوجود. وترابط إنساني عندما يقوّم سلوك الفرد وأخلاقه، ويبعث الطمأنية والاستقرار النفسي. فالدين علاقة روحانية بين الخالق والمخلوق. علاقة مفعمة بالحب والإيمان واليقين.

 

س79: د. صالح الطائي: إن المفسرين ورجال الحديث تمكنوا من حيث لا يدرون من خدمة السياسة والترويج لنظرياتها حينما أعملوا الرأي تحت غطاء أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والتأويل والتعليل ليعيدوا تشكيل الرؤية القرآنية

ج79: ماجد الغرباوي: لا يخفى أن سبب صراع السلطة بين الصحابة هو عدم وجود مرجعية (آية / رواية) صريحة تحسم النزاع. ورغم البيعة ظلت الشكوك تحوم حول شرعية الخلافة، مع وجود من هو أقرب لرسول الله. فتحولت شرعية السلطة بمرور الأيام إلى إشكالية، استهلكت جهودا عقيدية ونفسية وفكرية جبارة، وأريقت بسببها دماء غزيرة. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان). وقد انعكس الصراع على وعي الناس وسلوكهم ومواقفهم. ويكفي شاهدا أن المذاهب الإسلامية جميعا تأسست على موقف الصحابة من الخلافة. ونظّرت ما يعزز موقف السلطة أو المعارضة. فكانت مهمتها الأولى شرعنة الموقف السياسي. وقد تأثرت به العلوم الإسلامية كالفقه وعلم الكلام والتفسير، فتجد تأويل الآيات تجافي الموضوعية، وتعكس الاتجاه المذهبي والطائفي للمفسّر. وراح علم الكلام يعزز شرعية السلطة أو المعارضة. ويسعى لشرعنتهما دينيا. ولعبت الروايات دورا خطيرا في توجيه الوعي الديني والسياسي. كل ذلك من أجل تعزيز الرأسمال الرمزي، ومراكمة فضائل تساعد على شرعنة الموقف السياسي، للسلطة والمعارضة. فبدأوا أولاً بتأويل آيات الفضائل، من خلال ما يروى عن أسباب نزولها. ثم جاء دور روايات الفضائل التي أخذت تتدفق بشكل لافت خلال القرون الأربعة الأولى، لشرعنة الموقف السياسي ومراكمة مزيد من الفضائل، كشاهد على شرعيته. وأخيرا أستأثرت إشكالية شرعية السلطة بالبحوث الكلامية، وظهرت اتجاهات تكرّس الاستبداد السياسي، وأخرى تنزع نحو الثورة وتجريد الخلافة شرعيتها. وثالثة ترتكب العنف والتكفير باسم الإسلام والدين الحنيف.

إن كل ما تقرأه عن الفرق والمذاهب هو نتاج تلك الفترة بالذات، وكان أبطالها علماء الكلام، والفقهاء، ورجال الحديث، والمفسرين الذين خدموا السياسة عن علم، لا أنهم خدموها من حيث لا يشعرون. وهم المسؤول الأول عن ظهور الانحرافات العقيدية والغلو بالسلطة والرموز الدينية، وتقديم فهم للدين بعيدا عن مراميه وغاياته ومقاصده. وجردوا الفرد حريته، وحرموه حقوقه.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س77: د. صالح الطائي: هناك اختلاف كبير بين إسلام عصر البعثة والإسلامات الموجودة اليوم على الساحة وبعض هذه الإسلامات لا يمت إلى الإسلام الحقيقي إلا من حيث الاسم.

ج77: ماجد الغرباوي: ثمة سؤال: هل إسلام عصر البعثة نموذج نهائي لا يمكن تجاوزه، أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات العصر والزمان، ويتجدد مع كل قراءة تستوفي شروطها الموضوعية؟. ثم ما هو دور الدين في الحياة، وما هي وظيفته تجاه الإنسان والمجتمع كي يكون إسلام عصر البعثة نموذجا نهائيا؟ وهل للدين قيمومة دائمة أم دوره احتضان الإنسان مرحليا؟ وهل قيمومته في الجانبين العقدي والتشريعي أم الأول فقط؟ وأسئلة أخرى تتفرع عليه. فثمة نماذج متعددة بين إسلام عصر البعثة وإسلامات اليوم يجب تحري مشروعيتها.

لا شك أن فهم الإسلام يتأثر بوعي الناس لدور الدين والإنسان في الحياة. كما يتأثر فهمه بالظروف الزمانية والمكانية، ومدى تطور الثقافة والفكر، ومعطيات العلوم. خاصة ما يتعلق باللغة والنص والتأويل. شريطة المحافظة على جوهره وقيمه ومبادئه، كي لا يخرج عن حقيقته. وهو القدر المشترك بين جميع الأديان، كنسبة الوحي للغيب، ونبوة الأنبياء، وتعهد القيم الإنسانية. وما عدا ذلك يخضع للتأويل والفهم والقراءة. فوراء التعدد والاختلاف أسباب ذاتية وموضوعية. وهذا لا يبرر الانحراف عن رسالة السماء أو استغلال الدين باسم التأويل والفهم الديني، أو وضع وتحريف النصوص المقدسة لخدمة مصالح سياسية وطائفية، أو اضطهاد الإنسان وسلبه حقوقه المشروعة تحت أية ذريعة دينية.

لكن يبدو أن السؤال اعتبر إسلام عصر البعثة نموذجا نهائيا، عندما قارن بينه وبين إسلامات اليوم. خلص إلى نتيجة أن بعضها لا يمت له بصلة سوى الإسم. ولازم استنتاجه أن البعض الآخر ينتمي لإسلام عصر البعثة. فاعترف بتعددها وكان ينبغي لها أن تكون واحدة قياسا بإسلام عصر البعثة. أليس هذا التعدد دليلا على تباين وعي الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص رغم صحته؟ وإلا كيف تعددت نسخه مع صحة انتسابها جميعا لعصر البعثة؟. فالسؤال يستبطن تناقضا، يمكن توظيفه لفهم الجواب. فهناك سببان وراء تعدد فهم الدين، وتعدد نسخه، الأول، ذاتي مرتبط بالنص، كمرجعية نهائية للمسلمين. والثاني يتعلق بالواقع وضروراته، وطبيعة الأسئلة المطروحة عليه.

فتعددت عناصر فهم الدين بعد وفاة الرسول، بعد أن كانت محصورة به، وهي: (النص، الواقع، وقبليات المتلقي). والنص يبقى عنصر الثبات على امتداد التاريخ. وأما الواقع وقبليات المتلقي / الفقيه / المفكر فهي عناصر متغيّرة، يتعدد فهم الدين بتعددها. فالسؤال سؤال عن إمكانية تعدد الفهم الديني، كضرورة لمواكبة الدين لتطورات الحياة، أو عدم إمكانيته. كي نحكم على إسلامات اليوم، بمعايير تأخذ بنظر الاعتبار الواقع وتطور وعي الفرد والمجتمع أو لا تأخذ.

مرحلة الرسالة

مرحلة الرسالة أو البعثة هي مرحلة التأسيس النظري للمفاهيم والقيم الدينية، يقتصر فيها دور الفرد على التلقي والامتثال. التلقي عن الرسول، والإمتثال المباشر لأوامره ونواهيه. سواء ما يخص الوحي، أو ما يصدر عنه من شرح وبيان وتفصيل لآيات الكتاب الحكيم. فالمتلقي لا يواجه النص بمفرده، ويكتفي بالسؤال عن التفصيل لا عن فلسفة التشريع. خاصة حينما يكون متعلق الحكم الشرعي مألوفاً لديه، مثل: "أقم الصلاة". فالصلاة مشترك ديني رغم اختلاف تفصيلاتها، وليست غريبة على ثقافة المتلقي. وبالتالي لا توجد محفزات لفهم النص أكثر مما يعيه تلقائيا وفقا لمستوى وعيه وخلفيته وثقافته. والذي حدّ من السؤال، وقمع الشكوك، أن التلقي آنذاك كان تلقيا مقدّسا، بين المطلق والنسبي، بين الأعلى والأدنى، يحصر المعرفة بالسماء، فليس أمام المرء سوى التسليم والانقياد، في ظل أجواء روحية مفعمة باليقين، وعقل جمعي يصغي ولا يعترض. وقد دأب النبي يعزز قدسية الخطاب القرآني، ويمنحه مهابة عالية جدا عندما يتوقف عن بيان الأحكام الشرعي بانتظار الوحي (يسألون، ويسألون، يستفتونك). ويُقصر دوره على التبليغ والشرح والبيان والتفصيل، ليكرّس قدسيته، وعدم تجاوزه. فثمة هيمنة روحية بفعل الوحي، وشخصية النبي، لا تسمح بالاجتهاد مقابل النص / القرآن. ولا تأويل مع وجود مصدر البيان والمعرفة الدينية. بل لا معنى للاعتراض والتمرّد في أجواء القداسة، وسياق العقل الجمعي، الذي يراهن عليه الكتاب في ترسيخ الإيمان، وزجر الشكوك وعدم اليقين، بشكل ينضمر معه السؤال وعلامات الاستفهام. وهي صفة الأجواء المشحونة بالعاطفة والتي ينتمى لها أغلب الصحابة، ممن تأثر إسلامهم بالعقل الجمعي، والأجواء الروحية، ولغة الكتاب التي تنساب مع مشاعر الإنسان، وطريقة تلاوته، وما يحيط النبي من قداسة ورهبة. فالمسلم يجد نفسه مسلما من حيث لا يدري، إضافة لموجة دخول الإسلام الكبرى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)، التي أدخلت قبائل كثيرة في الدين الجديد دون أن تعي شيئا منه سوى شعاراته. فمرجعيات التفكير خضعت لهيمنة العقل الجمعي والعاطفي رغم أنها في طور التأسيس التي تفترض تفاقم الأسئلة وكثرة الشكوك. لكنها تلاشت، بما فيها سؤال الحقيقة. بل أن الحقيقة في تلك الأجواء ما تذعن له نفس المسلم والمسلمة وعاطفتهما، فأجواء البعثة لا تشجع على السؤال، لأنه وليد الشك، ولا شك في غمرة العاطفة وتأجج المشاعر، لذا لم يتطور السؤال الديني، ولم تتشعب الاستفهامات فهي مرحلة التسليم المطلق. غدت معها خلفية المتلقي كمرآة تتلقى لتعكس، فهي استجابة لا شعورية، بفعل الهيمنة في بيئة مسكونة بالغيب واللامعقول، وظاهرة النبوءات، والاعتقاد بالجن والشياطين، فكيف إذا كان وحيا من السماء؟!!.

لقد تولى الخطاب الديني في زمن البعثة تشكيل العقل المسلم، وصياغة وعيه بما يخدم الرسالة، وكان القرآن يؤكد على الإيمان بالغيب والتسليم والطاعة، وعدم الشك، بل بعض الآيات تخلق وازعا ذاتيا لقمع الشك، كآية: (قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)، فهو يعلم ما في القلوب، ويحذّر. فكانت اسئلة الصحابة منحصرة في الأحكام وتفسير بعض الآيات. عكس أسلوبه الحواري مع المشركين والكافرين. وكانوا حذرين جدا يخشون أن تنزل بهم آية تفضح خباياهم، وما تكنه صدورهم. فعصر البعثة عصر مختلف، ليس للمتلقي ومصالحه دور في فهمه وتأويله. أقصد بالمتلقي خصوص المؤمن المعني دينيا.

خلاصة ما تقدم أن الجهاز المفاهيمي للإسلام كان في طور التأسيس في ظل استيلاء المقدس على وعي الفرد وتلاشي الشكوك، في إطار حصانة تقمع الأسئلة والاستفهامات. وكان المشهد العام، صورة نمطية قائمة على التلقي والانقياد. لا توجد طموحات أكثر من النصر أو الشهادة، وضمان مرضاة الله والرسول. هذا من حيث النص وقبليات المتلقي، وأما الواقع، فكان حدود المدينة مركزا، والجزيرة العربية أفقا، فكان النص يأخذ بنظر الاعتبار تلك الحدود الجغرافية، وثقافتها وعاداتها، ولغتها. وكان النص / الحكم الشرعي ناظرا له. فالمورد يبين لنا شروط وقيود موضوع الحكم الشرعي للتأكد من فعليته التي تتوقف عليها فعلية الحكم الشرعي المجعول، وهذا لا يمس بصدقية القاعدة الأصولية "المورد لا يخصص الوارد"، لأننا لا نريد نفي إطلاقات الأحكام وإنما بيان خصائص موضوعاتها. وهي مجموعة ممكنات تتوقف عليها فعلية الأحكام. وبما أننا نجزم بتغيّر موضوعات الأحكام لأكثر من سبب، لذا لا يمكن أن يكون عصر البعثة نموذجا نهائيا في تفصيلاته، لا في مبادئه وقيمه. ففهم الدين يتأثر بمتطلبات العصر والزمان ووعي الإنسان، من عصر إلى آخر. ويبقى أن نفهم مسار التطور، لمحاكمة إسلامات اليوم، وفقا لمرجعية النص لا لمرجعية النموذج التطبيقي المثقل بخصوصيات الظروف الزمكانية. ويكفي مراجعة أولية للكتاب الكريم لتطلع على طبيعة المجتمع وما يواجه المسلمين من إشكالات عقائدية، وصراع ديني مرير بين أهل الكتاب من جهة والدعوة الجديدة من جهة ثانيا، صراع حول الرأسمال الرمزي للمهيمن الديني والروحي، وصراع حول الحقيقة، ومدى احتكارها من قبل هذا الدين أو ذاك. كما أنشغل النبي كثيرا بتسوية خلافات قانونية يضج بها مجتمع المدينة آنذاك، ينبغي أخذها بنظر الاعتبار. أضافة إلى مهمة الرسالة في إرساء عقيدة التوحيد، واستتباب الإيمان. ثم ستقرأ في القرآن قصة الصراع الدموي بين المسلمين ومناوئيهم من قريش وأهل الكتاب. فظروف التكوين والرسالة أعطت تلك المرحلة خصوصية لا تتكرر. فعصر البعثة لا يتعالى على تاريخيته، ولا يمكن أن يكون نموذجا مطلقا خارج قيمه ومبادئه التي هي قيم دينية وإنسانية، يمكن الاحتكام لها، واعتبارها مقياسا لتقويم التجارب الإسلامية التي تلت عصر البعثة. وهذه هي مشكلة السلفيين والوهابيين يريدون استنساخ السيرة النبوية وسيرة والصحابة خارج ظروفها الزمانية والمكانية. ويكفّرون كل من يخالفهم في هذا المنهج. فهم يجردون السيرة من بيئتها وثقافتها التي هي جزء منها. ويتعاملون مع ظواهر الأحكام بغض النظر عن حكمتها وفلسفتها وعلل تشريعاتها. فمثلا يصرّون على استخدام السواك في تنظيف الأسنان، وكأن له خصوصية، بينما حقيقة الأمر أنه أداة لتنظيفها في ذلك الزمان، ويمكن استبداله بأية أداة أخرى. فالسلفي يكابر حينما يلغي خصوصية العصر، وتطورات الحياة. لذا يؤكدون على عدم الأخذ بمعطيات الحضارة إلا للضرورة!!. فيكابرون من حيث لا يشعرون، فجميعهم يتمتع بعصر العلم والمعرفة وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ولم يبق لهم سوى الوهم والخديعة النفسية، بحجة الإلتزام بالسيرة النبوية، والتمسك بإطلاقاتها حتى في غير الأحكام الشرعية، بما يشمل القضايا الشخصية.

مرحلة ما بعد الرسالة

اتصفت مرحلة ما بعد عصر البعثة بانقطاع الوحي ووفاة الرسول. أي انقطاع مصدر المعرفة والبيان والتسديد. ولم يبق سوى نصوص الكتاب والسنة النبوية. ثم بفعل الصراع حول السلطة، دشنت المرحلة الجديدة بدايات الإسلام السياسي، في مقابل الإسلام الرسالي. حيث راحت السياسة تفرض نفسها على تأويل النص، وتوظيفه لصالحها. ويمكن رصد مستويين لتطور الدين ابتداء من عصر الخلفاء:

المستوى النظري: تمثلت بدايته باهتمام بعض الصحابة بالقرآن، جمعا، وتفسيرا، واستذكارا لأسباب نزول آياته للاستشهاد بها. وتطبيق كليات الأحكام الشرعية على مصاديقها، بفعل الحاجة لها. كما بدأ التركيز على السيرة النبوية كمتمم للكتاب، لتدارك نقص التشريعات، وبيان معانيه، أو الاستشهاد بها كمصاديق لآيات الفضائل، حينما دخل النص مرحلة التأويل. وتأثّر فهم النص بقبليات القارئ التي تتأثر هي الأخرى بالواقع وثقافته.

المستوى التطبيقي: تمثل بتوظيف النص المقدس لمصالح سياسية، حينما استشهد أبو بكر بن قحافة بحديث رواه عن رسول الله، جاء فيه: "الخلافة في قريش: أو "الإمامة في قريش". فصارت القريشية شرطا دينيا في الخلافة والحكم. كما فرضت السياسة نفسها على تأويل النص، لصالح هذا الطرف أو ذاك. فإسلام عصر الخلافة إسلام سياسي، إسلام السلطة والحكم، ومعالم دولة جديدة.

ثم راح كلا المستويين يتطور بفعل الصراع المستمر حول السلطة، وغزارة الدماء التي سفكت بسببها. وبفعل ضرورات الدولة الأموية، حيث مرحلة الاستبداد السياسي، وحاجتها الماسة لشرعنة سلوكها وتصرفاتها، وقمع المعارضة من خلال الدين. فظهر علم الكلام دفاعا عن العقيدة، وترسيخا لمقولات تخدم الاستبدادين السياسي والديني، المتمثل بفقهاء السلطة. أو بالعكس تخدم المعارضة (العلويون والشيعة) ضد السلطة (الأموية والعباسية). فتعددت اتجاهاته، وكان أبرزها المعتزلة والاشعرية وباقي الفٍرق الإسلامية. كما تعددت الاتجاهات الفكرية والروحية، كالتصوف والفلسفة، إضافة لتعدد المذاهب الفقهية التي ترتكز لمقولات كلامية مختلف حولها. ففي كل مرحلة، ومع ظهور كل اتجاه فكري وعقيدي جديد يبرز فهم جديد للدين، بفعل العناصر الثلاثة المتقدمة: (النص، الواقع، قبليات المتلقي). فنستنتج من هذا ثمة فهم متجد للدين بفعل تطور الواقع وقبليات المتلقي، والمناهج المعتمدة في فهمه، ومدى ارتكازها للعقل أو اللامعقول والخرافة. وهناك فهم فُرض على الدين بفعل السياسة ومتطلباتها، حينما يشرعن الاستبداد، ويبرر الظلم والتعسف والاضطهاد. وأحسب أن تطور الفهم الديني حتمية، بسبب تطور الواقع، والتحديث المستمر لقبليات المتلقي. إيجابا أو سلبا. تطورا أو إنكفاء. بل أن عدم مواكبة الفهم الديني لضرورات الواقع، والجمود على حرفية النص، يقتل الدين.

إسلامات اليوم

نعيش اليوم تعدد الإسلامات حقيقة لا مفهوما، والواقع يشهد لذلك، فالمقارنة بين المذهبين الشيعي والسني مثالا هي مقارنة بين إسلامين لا فقط مذهبين فقهيين، ابتداء من مفهوم الخالق حتى ولاية الفقيه على بعض الآراء الشيعية. مرورا بالإمامة والخلافة، ومصادر التشريع، ومرجعية الأئمة أو الصحابة، واختلاف معايير التقييم والتوثيق، وتفصيلات كثيرة كالمهدي والغيب والرجعة والعصمة وعدالة الصحابي، والموقف من السلطة والحكم والخلافة. وكل منهما يدعي احتكار الحقيقة وسبيل النجاة في الآخرة. لكنهما يتسامحان منّة وتكرما من أجل استتباب الأمن، ووحدة المسلمين. كما أن كل اتجاه مذهبي تتفرع عنه اتجاهات عقدية وسياسية. فعن المذهب الشيعي ثمة فٍرق موغلة بالغلو والخرافة وكراهية الآخر، وثمة فرق بين من يؤمن بولاية الفقيه في الحكم أو لا. وبعض الاتجاهات السنية ولغت في دماء المسلمين قبل غيرهم، بدواعٍ دينية يؤمنون بها!!. وتباينوا في موقفهم من سلطة والمستبد الجائر.

وهذا واقع نعيشه، وليس نقلا تاريخيا. فهما اتجاهان وإسلامان، لا فقط مذهبان فقهيان. تنحصر مساحات الإلتقاء بالشهادتين والأحكام الشرعية المنصوصة قرآنيا، إجمالا لا تفصيلا، فثمة اختلاف فقهي حولها. بل الاختلاف ضارب في داخل المذهب الواحد. وهذا أمر طبيعي، بسبب اختلاف الروايات ومناهج الاستدلال. ولا يمكن سلب صفة الإسلام عن أي واحد منهما. فالاختلاف في المقولات الكلامية وصفات الباري تعالى لا تنفي صفة الوحدانية ما لم يصل الاعتقاد حد التجسيم أو الشرك. وكذلك الإيمان بالإمامة ليس مداعاة للخلاف حول نبوة النبي محمد. والمذاهب الفقهية اجتهادات، طبيعتها الاختلاف وتباين وجهات النظر. وبالتالي لا يمكن سلب صفة الإسلام عنهما.

وعندما نعود للسؤال الذي اتخذ من عصر البعثة النبوية معيارا لمعرفة الإسلام الصحيح، نجد أن المعطيات التاريخية لا تسمح بالمقارنة، حيث كان التلقي مباشرة عن النبي، ثم غدا المسلم وحيدا في مواجهة النص بعد وفاته، فيخضع للواقع ومتطلباته، ويتأثر بقبلياته وثقافته. وتتحكم بوعيه الديني العناصر الثلاثة: النص، الواقع، قبليات المتلقي. فثمة اختلاف لا يسمح بالمقارنة. ولا يلتقيان إلا في صفة الإسلام. فينبغي الاحتكام لقيم الدين، وليس للنماذج التطبيقية. وأهم تلك القيم هي إنسانية الإنسان التي من أجلها أكد الدين على العدل وعدم الظلم، وزرع التقوى في نفوس المؤمنين. فكل إسلام يسلب الإنسان إنسانيته لا يمت للدين بصلة، لأنه محور الخلق ورهان الخالق عندما جعله خليفة في الأرض. وتبقى الأولوية للإنسان وليس للتشريع. ولا مصلحة للدين سوى مصلحة الإنسان، فالتجاوز عليها من خلال التشريعات الفقهية يفقدها قيمتها الدينية. والحركات الإسلامية تتجنى على الدين حينما تستبيح دماء الناس. كما أن مصادرة حرية الإنسان باسم القيمومة وولاية الفقيه رؤية متعسفة للدين. الإنسان هدف الدين أولا وقبل شيء. ولا يجوز مصادرة إنسانيته وحقوقه تحت أية ذريعة.

ذكرت أن هذه الأسئلة تتيح مراجعة المفاهيم التي أدمنها الفكر الإسلامي، لتسمح لنا بتفكير مختلف يتوافق مع هدف الدين في الحياة، وإحياء النزعة الإنسانية فيه.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة السادس والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س76: د. صالح الطائي: إن الرأي الشخصي شخصن الرأي العقدي فجرده من مقوماته.

ج76: ماجد الغرباوي: القضية ليست مطلقة، فالرأي الشخصي رأي في مقابل رأي عقدي، كما هو مفترض السؤال. قد يتفقان حول بعض النقاط ويختلفان حول أخرى. فيبقى الرأي الشخصي محترما، مهما كان مصدر الرأي العقدي، ما لم يتخل عن موضوعيته، ويحكم على الرأي المقابل، سلباً أو إيجاباً، من خلال موقف مسبق من صاحبه. وهذا أوضح مصاديق الشخصنة. فمن يعادي شخصا يحكم بخطأ مطلق آرائه، ومن يقدس رمزا يؤمن بقدسية آرائه، ويمنع نقدها ومراجعتها. فالشخصنة تقصي الفكرة، وتستهدف صاحبها. وهذه خسارة فادحة، تسببت في قطيعة معرفية تامة بين الفٍرق والمذاهب الإسلامية خاصة، ومن قبلها جميع المذاهب الدينية، وجرّدت الفكرة من أيجابياتها أو كرّست سلبياتها، تبعا لزاوية النظر. فأحد مشاكل الشخصنة في عدم قدرة الإنسان على الفصل بين الفكرة وصاحبها، فيسقط مشاعره عليها. ويصبح الموقف من صاحبها مدارا لصحتها وعدمها. وهي لا تخص حقلا دون غيره، فكراهة الناس للمسؤول الحكومي مدعاة للشطب على جميع انجازاته، والعكس صحيح. وهذا واضح في خطابات التبجيل تاريخيا. فالجميع يحكم على التاريخ وأحداثه من خلال رموزه وأبطاله. وكان طرفا النزاع الطائفي وما يزال محكوما بالشخصنة، فأحدث قطيعة بينهما. فلا إشكال أن الشخصنه تجرّد الرأي العقدي من مقوماته، مادامت الفكرة تستمد قيمتها من مصدرها. وقد استُبعدت آراء مهمة، وكُرّست أخرى، ربما خرافية، تحت طائل الشخصنة. بل أنها أطاحت بمقومات العقيدة التي ينبغي أن تحقق الهدف الرئيس من الدين في ضوء دور الإنسان في الحياة. فليست المشكلة في وجود رأي شخصي مقابل الرأي العقدي، لأن الثاني أيضا مجرد رأي حسب فرض السؤال. ولو أنه وضع الرأي الشخصي في مقابل العقيدة لكان ثمة ما يدعو لتجريد العقيدة كمفاهيم ناجزة من كل رأي يسلبها إطلاقها، حفاظا على مقوماتها. لأن المفاهيم العقائدية رغم أنها مفاهيم ناجزة قرآنيا، لكن قابلة للتأويل في بعض أبعادها، وهي حدود الرأي الشخصي. بل يمكن التوغل في أعماق الأبعاد الثابتة للعقيدة، واستنطاق مضمراتها.

وما زال الحديث عن العقيدة أجد من المناسب الاستشهاد بآيات تجسّد مفهوم الشخصنة قرآنيا، بمعنى الانصراف عن الرأي العقدي أو العقيدة إلى صاحب الرأي، أو الحكم على الفكرة من خلال موقف مسبقا من صاحبها. ففي قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ). لكنهم عادوا ليؤكدوا أن مشكلتهم ليست مع الدعوة بل مع صاحبها: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فكفروا بالفكرة / الدين / العقيدة لأن صاحبها لم يكن رجلا عظيما. فتهميش الفكرة والانشغال بصاحبها، مصداق حقيقي للشخصنة. وأيضا تتجلى في رد فرعون على موسى عندما عرض عليه دعوته، فشخصن الخلاف و(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ). وحجاب المعاصرة يفعل فعله في تقييم الأفكار حتى جاء في المثل (مغنية الحي لا تطرب).

بل حتى الخلافة الإسلامية خضعت للشخصنة، عندما ارتكز المهاجرون إلى مبدأ قبلي على حساب الكفاء. فالشخصنة تصدق على الفرد وعلى الجهة. فالنظر لذات الفكر والرأي ثقافة حضارية تفتقدها مجتمعات القطيعة التي اعتادت السكوت وعدم الاعتراض، وتقمع حرية الرأي. أجد في مشهد الإصغاء لرأي الأطفال هنا نموذجا مثاليا للتربية الصحيحة التي تفجر الابداع والطاقات. فالأبوان يتركان كل شيء، ويصغيان لطفلهما حينما يبدي رأيه بمسألة ما، ويتعاملان معه معاملة الكبير. فيمتلئ ثقة وشعورا بالمسؤولية تجاه جميع ما يخصه.

معنى مقارب

لكي نتحرر من سطوة المصطلحات، وإكراهات التعريف. نفترض أن المراد بالشخصنة في السؤال هو:

- التحكم بالرأي العقدي: حينما يطغى الطابع الشخصي، مجردا عن الاستدلال والبرهان. أو ينأى عن جوهر العقيدة. فيبدو رأياً مشخصناً.

- الرأي السلطوي: حينما يفرض الرأي الشخصي قناعته على الرأي العقدي، فيقمعه. ما يشبه عملية اختزال للرأي العقدي بالرأي الشخصي. وهنا يصدق أنها شخصنة عندما تكون منطلقات صاحب الرأي سلطوية، نابعة من مشاعر فوقية، تحتكر الحقيقة، محكومة لمنطق الفٍرقة الناجية. ومصاديقها: التوسعة والاختزال لأي مفهوم عقدي لمصالح مذهبية أو طائفية. أو فرض تأويل يسلب المفهوم مقومات الإطلاق، بشكل يخبو بموت مصداقه. بينما قوام العقائد في تجددها ومواكبتها الزمانية والمكانية. فلا تحدها المصاديق وتطفئ توهجها.

وفي هاتين الحالتين لا يعني الرأي الشخصي موقفا شخصيا مسبقا من صاحب الرأي، بشكل يستمد الحكم على مضمون الرأي العقدي من ذات الموقف المسبق. ولا يعني موقفا نظريا من ذات العقيدة بشكل يعيد فهمها وفقا لمتبنياته التي تسلبها مقوماتها.بل هي وجهة نظر تريد شخصنة الرأي.

التطور التاريخي

عندما نعود لماضي الأديان، نجد شخصنة العقيدة (بالمعنى الثاني) وراء زيغها وانحرافها. مهما كانت دوافعها وأسبابها. لأن الشخصنة لا تعني قراءة حيادية للعقيدة، وفهم لها ضمن ضرورات محددة، بل هي عقيدة مغايرة، في بعض أبعادها، كما بالنسبة للشرك بالله. فإن الشرك ندٌ لعقيدة التوحيد. وفق تأصيل نظري مختلف، ويصدق أنه عقيدة في مقابل عقيدة، وتأصيل نظري في مقابل آخر. فتأصّيل ربوبية عيسى ضمن الديانة المسيحية مثلا، يقابله تأصيل قرآني توحيدي في ذات الديانة المسيحية. فالشرك هنا لا يعد فهماً للعقيدة، بل تصورا مغايرا لمعنى الإله وطبيعة الارتباط به، يسعى لاحتكار الحقيقة. ولازمه نفي الآخر وحرمانه من النجاة. فتصدق الشخصنة بالمعنى الثاني على خطاب الشرك، وربما كان السؤال ناظرا لهذا النوع من التباين في الخطاب. خاصة أن السؤال جاء بصيغة الماضي، فهو يحيل على شخصنة قد تحققت فعلا. وهذا أحد مصاديقها، ثم بإمكان القارئ استدعاء أمثلة من مسار تطورات عقائد المسلمين.

وفي مقابل الأنداد العقدية، كالندية بين عقيدتي التوحيد والشرك، هناك قراءات تستلهم من العقيدة، دون المساس بها، فلا ينطبق عليها مفهوم الشخصنة، كدراسة البعد الاجتماعي للعقيدة، فإنه يعطي ديناميكية لمقولاتها، تدفع باتجاه العمل الصالح، وربط العقيدة ببعدها الإنساني والاجتماعي. مثال ذلك، الاختلاف في معنى الصلاة، فالفقيه يضع لك مسطرة للصلاة الصحيحة وفقا لحركاتك وسكناتك، ولا يهتم بتفاعلك الروحي. فمن أدى الصلاة بهيئتها المعروفة سقط عنه الواجب، سواء حققت حضورا روحيا لدى المصلي أما لا، فلا يهمه ذلك. بينما القراءة الاجتماعية تقدم فهما مختلفا للصلاة، وتعتبرها انفتاحا روحيا على الغيب والخالق، يستحضر خلالها الإنسان كامل مشاعره وأحاسيسه، ثم تتجلى عبر سلوكه وأخلاقه، فيكون مقياسه لقبولها وعدم قبولها مقياسا أخلاقيا، وليس فقهيا، جامدا بلا حياة. وهذا الفهم هو المقصود منها وفقا لآيات الكتاب الكريم، حيث يقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، فتتجلى حقيقتها بسلوك الإنسان المؤمن. وهذا فهم اجتماعي للعبادة، يستلهم من وجود 54 آية تحث على العمل الصالح، أن الغاية من العبادات إقامة مجتمع صالح. وهكذا يفهم باقي العبادات. وهذا غير مقصود في السؤال.

شخصنة العقيدة في بعض أبعادها تنتج لنا نسخة مغايرة، حتى مع وجود بعض المشتركات، وهذا أحد أسباب بعثة الأنبياء، حيث تتعرض العقائد للإنحراف، فتخسر مقوماتها في خلق روح التقوى، الضمانة الحقيقية للإلتزام بالقوانين والأخلاق، وعدم تجاوز قيم الدين. فعقيدة التوحيد ترهن مستقبلك الأخروي بعملك الصالح، بينما عقيدة الشرك، ترهنه بالشفاعة مطلقا، فيصاب المجتمع بالانحلال وعدم الإلتزام، فتدعيات الشخصنة متعددة.

الرأي الكلامي

مهما كانت مبررات ودواعي علم الكلام القديم لكنه لا ينجو من الشخصنة. بل هو مصداق لها في بعض آرائه. فالرأي الكلامي رأي متحيز، يكرّس مصالحه، خاصة عندما تكون دوافعه سياسية أو طائفية أو مذهبية، وهو أوضح مصاديق الشخصنة. وكان وراء تأصيل مجموعة عقائد ومقولات ومفاهيم، لخدمة مصالح طائفية، تركت تداعيات أثّرت سلبا على فهم الدين، وتسببت في خواء العقيدة، وسلبها مقومات الرقي والتكيف مع الحياة، ضمن ضوابط الخلق والهدف الأساس من جود الإنسان على الأرض. فكان وما يزال الرأي الكلامي خطابا أيديولوجيا للدفاع عن متبنياته، وتفنيد حجج الخصوم المذهبيين. فكان الفكر الكلامي يستهدف العقيدة من وحي موقفه من صاحبها، فحينما يكون نداً، يوظف طاقاته المعرفية لتفنيدها، بغض النظر عن صدقيتها. وبالعكس يكرس أدواته المعرفية لنصرة عقيدته، فقد ضاعت المقاييس المعرفية في ظل علم الكلام الإسلامي، وأساء المتكلمون لدينهم وعقيدتهم، رغم وجود بعض الإيجابيات. ويمكن الإشارة إلى بعض سلبيات علم الكلام القديم وتداعياته، بما يجلي حقيقة أن الرأي الشخصي يشخصن الرأي العقيدي، ويسلبه مقوماته.

1- زحف الجدل المحتدم حول المسائل المطروحة ليقطع خيوط التواصل بين العقيدة والحياة الاجتماعية. فعقيدة التوحيد التي كان يعيشها الإنسان المؤمن في بدايات البعثة ممارسة حياتية يومية تطبع سلوكه وأخلاقه، صارت تدور في مدارات عقلية بعيدة عن هموم الحياة ومتطلباتها، وراح كل متكلم يحشّد أدلة وبراهين لدعم حول القضايا والمسائل العقيدية المطروحة، متكئا على البراهين والأقيسة الأرسطية في المنطق، فانتقلت عدوى الجدل لجميع المعنيين، حتى غدت المواجهات الكلامية ديدن البارزين من العلماء والمتكلمين.

إن انفصال العقيدة عن الحياة الاجتماعية ترك آثارا سلبية انعكست من خلال تحول العقيدة عند الفرد إلى ممارسات طقوسية وشعائر مجردة، يخلص المرء في أدائها بعيدا عن روح الإسلام وتجلياته الاجتماعية، فتبددت الخُلق الإسلامية والقيم الرسالية وتفككت عرى المجتمع.

أما الفكر فأخذ يعاني من إشكالات وشبهات تتعلق بأمور غيبية وقضايا مطلقة يعجز العقل البشري المحدود أن يبت بها، فتحولت تلك المفاهيم إلى طلاسم يصعب فهمها ورموز يتيه العقل في تحليلها.

وبهذا قضت البحوث الكلامية، شعر المتكلمون أم لم يشعروا، على جذوة الإيمان الوقّادة، وحولت الحياة إلى معادلات مادية ليس للعقيدة تأثير عليها إلّا في حدود بسيطة، لأنها مبتلاة بإشكالات لا تسمح لها بالاطلال على الحياة الاجتماعية واحتياجاتها.

ثمة مؤاخذة أخرى، هي أن الجدل المحتدم بين المتكلمين - آنذاك- والتجريد الفكري بأقصى مدياته في معالجة الشبهات، عطّل المنهج القرآني في بيان العقيدة، فحينما نرجع للقرآن نجده يتكلم عن العقيدة بشكل واضح ومقنع، وفي إطار نظام فكري متكامل ينسجم مع الفطرة والعقل، ولا يسمح للأخير أن يستغرق في استكناه الغيب لأنه عاجز عن ذلك، فتكفل هو بالحديث عنه بقدر يشبع الحاجات الفكرية للإنسان. فلم يتحدث عن الذات الإلهية باعتبارها غيبا مغلقا على العقل البشري، ولا يستطيع سبر أغوارها أو الوقوف على ذاتياتها. بينما أكد القرآن على صفاته، ودعا إلى اقتران الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية، لربط العقيدة بالحياة الاجتماعية. وهذا المنهج صادق على جميع مفردات العقيدة. فمثلا لم يصرّح القرآن الكريم بالدور الوجودي للنبي، لا نفياً ولا إثباتاً، ولم يطالبنا بذلك لكي لا نعيش دوامة التفكير في قضايا ليس لها مساس، لا بالعقيدة ولا بالواقع الاجتماعي، بينما أكد القرآن على مفهوم الأسوة في شخصية الرسول ودعا إلى اقتفاء أثره في سلوكنا الاجتماعي. فالمنهج القرآني يُبقى الإنسان واقعياً يعيش هموهه الحقيقية ويكدح إلى ربه من خلال تجاربه الاجتماعية.

2 - إن هشاشة علم الكلام من الناحية العلمية ساعدت على نفوذ الأهواء السياسية الى مطالبه، لتصنع منه أداة تحمي السلطان وتعزز موقعه داخل الأمة. ففكرة (الجبر، الإرجاء، وفاعل الكبيرة) جاءت لتبرر عمل السلطان وتشرعن ممارساته التعسفية. ففكرة (إن الإنسان مجبور على أفعاله) تبرئ ساحة السلطان من أي عمل سلبي، مادام مجبراً عليه، وتسند فعله إلى الله تعالى ولا اعتراض على الخالق سبحانه. وفكرة: (إن فاعل الكبيرة مؤمن) تبقي السلطان الموغل في الخطيئة على إيمانه وترجئ أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

فأصبحت مهمة علم الكلام إطفاء وهج العقيدة وفاعليتها في نفوس الناس، خلافاً للهدف الذي وضع من أجله العلم . كما تقاعست الأمة عن أداء وظيفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تشعر بثقل الذنب المرتكب.

3 - نشوء علم الكلام كان ايذاناً لتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو إعادة نظر بالأفكار المتبناة، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ الآخر.

4 - أُسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأُهمل عنصر الحياة الاجتماعية الفاعل دون أن يلتفت إلى حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. واخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوج الشخصية.

تعدد الرأي

إن تعدد الآراء حتى في مجال العقيدة يكسب الفكر ثراء كبيرا، وهو علامة وعي متقدمة، تتصف بها الشعوب المتطورة، وكان تعدد الآراء، أتفقت أو اختلفت، متداولا وقد أثرى الفكر العقيدي. خاصة في مجال تدارس المفاهيم والحقائق النسبية التي لا وجود ولا معنى لها خارج الذهن، ويتفاوت تصورها والإيمان بها تبعا لاختلاف الثقافة والقبليات المعرفية، كمفهوم الإله. وبالفعل تعددت آراء المتكلمين قديما حول الخالق وصفاته. ثم تطورت المفاهيم العقدية خلال رد الشبهات المتعلقة بالخالق كله بفضل تعدد الرأي في المسائل الخلافية. وقد دخلت على الخط مقولات جديدة، مثل: الجبر والاختيار، والقدرة والاستطاعة. تارة بدوافع سياسية، وأخرى بسبب تطور مباحث علم الكلام. ثم اختلفت الآراء حول مسألة (فاعل الكبيرة، وهل هو مؤمن أم كافر) في زمن الدولة الأموية. وظهر المعتزلة رأياً فكرياً على الساحة . بعد ذلك تلاحقت المسائل الخلافية حول بعض مفاهيم العقيدة كمسألة خلق القرآن، وهل أن كلام الله قديم أم حادث، فكانت إيذانا بتشكّل الفرق الكلامية، لاسيما وإن الحكومات الجائرة أخذت تغذي اتجاه الانقسام العقيدي، فكان لها دور كبير في تأسيس الفِرق الكلامية خدمة لمصالحها السلطوية. وبسببها تبلور (الكلام) كعلم استأثر باهتمام جميع المسلمين، وربما لم ينافسه علم آخر. وتولى المتكلمون بيان مفاهيم ومفردات العقيدة الإسلامية والدفاع عنها من زوايا نظر مختلفة، تعكس تعدد الآراء والمباني الكلامية والعقدية. وعلى عاتق المتكلمين وقعت مسؤولية التصدي للشبهات المثارة من قبل غير المسلمين، أو الوافدة من خارج حدود الأراضي الإسلامية عن طريق الترجمة. كما ساهم المتكلمون في إغناء الفكر العقيدي بأدلة وبراهين رفدت العقيدة فكرياً.

لكن رغم ثراء التعدد يبقى خطاب الفٍرق الكلامية خطابا مشخصنا، حيث راح كل مذهب يتمسك بمقولاته، ويحتكم لها في تكفير الآخر، ويتصارع معها حول تأويلها. فبين الشخصنة والتعدد الحميد حدود واضحة، وبينها وبين القراءة تداخل يتطلب وعي المفهومين، وبيان الفواصل المعرفية بينهما.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س75: د. صالح الطائي: إن النص المقدس تعرّض إلى التحريف والتغيير بدوافع سياسية، وهذا التحريف هو الذي تسبب في ولادة المذاهب الإسلامية، التي تبنى كل منها وجهة نظر من وجهات النظر الكثيرة التي طرحت على الساحة.

ج75: ماجد الغرباوي: تناولت موضوع تحريف القرآن سابقا، كما تحدثت عن الوضع وتحريف الروايات مرارا، وأشرت إلى خطورتها حينما تقع ضمن المقدس الديني، رغم افترائها على الدين، فيصدق أنها من (الكذب المقدّس)، كما اسميه. وما دام السؤال في سياق المراجعة النقدية، فالمناسب تناول التحريف من زاوية أخرى للوقوف على حقائق الأمور، كي لا تبقى عالقة، موضوعا للجدل الطائفي المرير الذي أرهق الخطاب الإسلامي. فكم من قضية شتت مشاعر المسلمين لا أصل لها. فنحن بحاجة للتحقيق في دعوى السؤال، فهل حقا تعرّض النص المقدس للتحريف، بما يعني أننا الآن نتداول نصوصا مقدسة محرّفة؟ وهذه دعوى خطيرة. أما أنها حُرّفت ثم أعيد تقويمها؟ وما هي حدود التحريف، وما هي حقيقة قدسيه؟ بل يمكننا العودة خطوة إلى الخلف لدراسة دوافع السؤال، حينما نسب التحريف لبعض النصوص المقدسة؟ فهل السؤال ينقل عن واقع موضوعي، أم هو بدوره عبارة عن نصوص تاريخية، وما هي قيمتها المعرفية، ودرجة وثاقتها؟ بعبارة أوضح هل لعبت خلفية السائل دورا في صياغة السؤال، خاصة أنه ساق الخبر كمسلمات نهائية يريد من خلالها ترتيب نتائج تخدم هدفا محددا؟. وإنما أقول ذلك لعدم وجود اتفاق بين الجميع حول تحريف الكتاب الكريم. رغم اتفاقهم على اختراق الحديث النبوي. لكن المشكلة أن السؤال مطلق، فيشمل بإطلاقه النص القرآني. وبالتالي فإن كل واحدة من هذه المفردات ستؤثر في الإجابة. وليس أمامنا سوى نص السؤال للتنقيب والحرث في أعماقه للكشف عن مضمراته، وما يريد أن يقوله. فمحور السؤال هو السياسة، بمعنى عودة جديدة لموضوع الخلافة. لكن السؤال شئنا أم أبينا يشي بدوافع أيديولوجية ووجود أحكام مسبقة حول الموضوع، يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

يتضمن السؤال مفاهيم، تتوقف الإجابة على معرفتها:

أولاً- المقدّس: هو المطلق، المتعالي. أو ما يصدر عن العقل الكامل، وهو مصدر المعرفة، لا يجوز نقده ومراجعته. فالقداسة، كما ذكرت سابقا، سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، المؤمن بقداسة النص، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث الديني أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن إيمانه، يفرض عليه التحيّز، بشكل تقتصر قراءته على التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءة الباحث الإسلامي منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته ومطابقته للواقع. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدس وقوة سلطته المعرفية. فهو مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة. وليس في هذا ذم للباحث الديني، لأنها تقنية المقدس وآلية سلطته، ومعنى الإيمان وحدوده.

ثانياً: ما المراد بـ"النص المقدس"؟ هل خصوص القرآن، أم بإضافة السيرة النبوية (قوله وفعله وتقريره)؟ أو يضاف لهما سيرة الصحابي على الرأي السُني. وسيرة الأئمة من أهل البيت على الرأي الشيعي؟. وهذا قضية مبنائية، تختلف حسب المباني العقيدية، وعدد مصادر تشريع الأحكام الشرعية، بل ما هي مصادر المعرفة بشكل عام. فيبقى غيرها رؤية شخصية، قد تكون إرشادا لحكم شرعي أو حكم عقلي أو مبدأ إنساني. والسؤال ليس حول التشريع وقدسية نصوصه، بل بقرينة السياسة أن المراد به ما يخص السياسة. وتحديدا موضوع الخلافة ولوازمها. فالسؤال يفترض وجود نصوص، ثابتة، مقدسة في الشأن السياسي للمسلمين، وقد تم تحريفها بعد وفاته، فتسببت في تعدد المذاهب الإسلامية. ومر أن القرآن لم يتحدث بالشأن السياسي بشكل صريح واضح لا لبس فيه. واكتفى مبادئ وقيم تضبط الأداء السياسي، وتضعه على طريق العدل والاستقامة، بما يحفظ مصلحة الإنسان، وضمان حريته وأمنه واستقراره. ولم يبق سوى الروايات، ومدى حجيتها وفقا لشروط صحتها. وقد تكفلت الحلقة السابقة ببيان الموقف النبوي من الخلافة. كما أن اجتهادات الفكر الإسلامي لا ترقى لمستوى المقدس، مهما كان مصدرها، وتبقى وجهات نظر شخصية. فالنصوص السياسية، لا يوجد ما يؤكد قدسيتها كقدسية نصوص الأحكام الشرعية، آيات أو روايات. فلا يصدق عليها تحريف النص المقدس.

وعندي أن النص المقدّس هو النص المفتوح على التأويل، لثرائه وتعدد دلالاته، القادر على فرض سلطته ومحدداته من خلال تقنياته، وانتسابه للمطلق المتعالي. فينحصر بالكتاب الكريم، وتأتي روايات الأحكام بيانا وتفصيلا وشرحا من قبل الرسول ضمن مهمته القرآنية فتكون ملزمة حينما تكتمل شروط القراءة. وما عداها يبقى اجتهادا وقراءة وإرشادا محكوما بظرفه ومتطلبات عصره. وهذا الفهم سيحد من سلطة مطلق النص ما لم ينتمٍ للكتاب المجيد. ويحافظ على ديمومة قداسته وتعاليه، كمرجعية عليا. فهو لا يستسلم مطلقا، ويسعى لتحري أسباب التشريع والبحث عن شروط فعلية الأحكام الشرعية، فثمة طيف منها لم يعد فعليا رغم وجوبها، لعدم فعلية موضوعاتها، وفق قراءة لا ترفض النص وتأخذ بنظر الاعتبار دواعي التشريع، وترهن فهمه وفعليته لمتطلبات العصر والزمان وحاجات الناس، في إطار الهدف الكلي للدين ودور الإنسان في الحياة.

ثالثاً: هناك فرق بين النص وتأويله أو تفسيره. النص، هو الآية قرآنيا، وحديث الرسول روائيا. أما القرآن فلا يوجد دليل على تحريف آياته. وهل يعقل سكوت جميع الصحابة بما فيهم الإمام علي لو كان هناك تحريف حقيقي لبعض آيات الكتاب الكريم؟؟ وإنما أذكر الإمام علي باعتباره الخليفة الرابع، وقد احتفظ بنسخته الخاصة من القرآن الكريم. وكان بإمكانه فضح التحريف وتصحيحه أيام ولايته، حينما كان مبسوط اليد، قادرا على اتخاذ القرارات، وهذا لم يحصل. رغم ذلك كل شيء ممكن سيما التصحيف بعد تنقيط المصحف العثماني. وأقول ممكن، لأن حفظ الكتاب سوف لا يتأثر بأي تحريف أوتصحيف وفقا لمفهوم مختلف لمعنى الحفظ في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، مر بيانه وتفصيله.

ثم أن الكتاب الكريم لم يهتم بموضوع السياسة ولم ينظّر لها بما يكفي لبناء نظرية في السياسة والحكم، سوى مبادئ وقيم يمكن توظيفها فكريا وفقهيا، لكنها تبقى اجتهادات شخصية، ووجهات نظر خاصة. فتنسب لأصحابها. لذا لم يتفق الفكر السياسي للمسلمين على نظرية واحدة، فإذا كانت الشورى مبدأ الحكم في الفكر السياسي السني، فهناك ثمانية نظريات حول السلطة والحكم لدى فقهاء الشيعة، كلها تتمحور حول الإمامة، وأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى. وسبق لصحابة الرسول التنازع حول السلطة، ولم يهتدوا لمرجعية تحسم الصراع، فلاذوا بمبدأ قبلي، ولما عاد الجدل حول شرعية الخلافة في عهد الدولة الأموية وبعد مقتل الإمام الحسين، تركز النزاع حول تأويل بعض ما يمكن تأويله من الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، اعتمادا على بعض الروايات، كآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، مثالاً لا حصراً. فإذا وقع تحريف كما يشير السؤال فربما يقصد خصوص تأويل الآيات، حينما وظفت بمساعدة الروايات لمراكمة الفضائل، كدليل على شرعية الخلافة أو الإمامة، أو لتعضيد الرأسمال الرمزي لكل من طرفي النزاع. فالآيات بنفسها مطلقة، لكن الرواية هي التي تخصصها. فلا يمكن تصور تحريف الآيات لأغراض سياسية، لعدم وجود آيات صريحة في المقام. ولو أن السؤال ذهب لوجود تحريف في آيات تخص الإمامة الدينية فربما يمكن مناقشتها، فهناك من يدعي ذلك، خاصة أصحاب التفسير الأثري، الذين دأبوا على تفسير الآيات وفق مقاسات الرموز الدينية والمذهبية. فبعض التفاسير الشيعية لم تبق آية إلا وأوّلتها بأحد الأئمة، وهناك من يدعي تحريف آية (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، حيث يقول أن أصلها "كنتم خير أئمة" وليس أمة. وأيضا في الجانب السني مثله، فهو صراع حول الرأسمال الرمزي لأطراف النزاع.

المشكلة أن الرواية تمثل سلطة قدسية هائلة، وكان لها دور في كل الخراب الذي حلّ بالمسلمين، منذ أحداث السقيفة التي كرّست سلطة قريش من خلال رواية لم يروها سوى الخليفة الأول. وليس انتهاء بالدولة العباسبة بل بقيت الرواية تلعب دورا سلبيا في ثقافة المجتمع. وما الأحكام السلطانية سوى روايات ومقولات كلامية واجتهادات شخصية لكنها تحولت إلى مرجعية لشرعنة السلطة. ويكفي أن تنقلب معادلة السلطة من تقديم الكفاءة على الولاء إلى تقديم الولاء على الكفاءة. فخسر العالم الإسلامي شخصيات كان ينبغي لها أن تكون في قمة الهرم لتؤدي دورها الرسالي والإنساني.

إن خطورة النص / الحديث دفعتني لتقسيم الروايات في مجال نقد النص، إلى رواية صحيحة الصدور، وأخرى محتملة الصدور، ما لم نجزم بنفيها. فالمعيار قوة حضور النص، لدراسة ونقد مرجعيات التفكير الديني، فبعض الروايات تتسم بقوة حضورها رغم ضعف سندها، كروايات الفضائل، مثل رواية العشرة المبشرة بالجنة وغيرها. وإنما أقول محتملة لأنها قد تكون قد صدرت فعلاً، وحينئذٍ نسعى للكشف عن علة ومناسبة صدورها، كي تدور فعليتها مدار علتها، ثبوتا وعدما. وتقدم أن ملاك فضيلة الصحابي في هذه الرواية استقامته، لا خصوصيته. غير أن الناس لا تفهم هذا، وتتشبث بظاهر الرواية وإطلاقها، رغم وضعها. فالأسلوب الأمثل لسلب هذه الروايات سلطتها، هو نقد أساس قدسيتها. فتسقط بسقوطها. وما قدمته من تقسيمات للسيرة النبوية في الحلقة (72) يخدم هذا الهدف، وسنحدد القيمة الحقيقية لهذا النمط من الروايات.

قد تقول إن رأي الرسول وإن لم يكن حكما شرعيا فهو أيضا مقدس حينما يكون إرشاديا. وهذا صحيح. فيبقى مرتهنا لشرطه الذي هو أساس الحكم الإرشادي، فثناء النبي على أيٍ من الصحابة يدور مدار استقامته، وإلا فليس من المعقول أن يمنح النبي تزكية مطلقة ويتحمل مسؤولية تصرفاته وسلوكه ومواقفه، لكائن من كان، وتصبح فوضى. خاصة ما من خليفة إلا وهو مشمول برواية أو أكثر من روايات الفضائل، فهل نغض الطرف عن كل أفعالهم بحجة هذه الرواية وغيرها؟ وهذا ما وقع فيه الفكر السلفي الذي راح يؤول ويبرر سلوكهم وأخطاءهم. وعليه فملاك روايات الفضائل استقامة الصحابي، وليست هي تزكية مطلقة، وصك غفران. ودليل الاستقامة، سلوك الفرد، ومدى تقواه في تعامله مع الناس، خاصة عندما يكون في السلطة، ويكون مبسوط اليد، وقراراته نافذة. المنهج القرآني واضح في فرزه بين الحق والباطل، وبين العمل الصالح والطالح، بين المؤمن وغيره. ويؤكد مسؤولية كل إنسان عن عمله وسلوكه وموقفه.

ولادة المذاهب الإسلامية

اعتبر السؤال أن تحريف النص المقدس لصالح السياسة كان وراء ولادة المذاهب الإسلامية. ولا شك أن المذاهب الإسلامية ولدت متأخرة متأثرة بالوضع السياسي وانقساماته. وليس العكس. إذ لم يحتج المتنازعون بعد وفاة الرسول بأي نص قرآني أونبوي، ثم جاء التنظير ليكرّس شرعية هذا الطرف أو ذاك من خلال روايات ظهرت فجأة. فتأثرت جميع الاتجاهات الفكرية والفقهية والكلامية بالموقف السياسي للصحابة.

كان الإفتاء منحصرا بالنبي، ثم بعد وفاته كان الناس يرجعون لأحد الصحابة لمعرفة الحكم الشرعي. وكانت أدلة أجوبتهم إما آية من القرآن أو رواية عن رسول الله مع اجتهادت محدودة. ثم مع تطور الحياة وتراكم الأسئلة اضطروا للتفقه في الدين، كتطبيق القواعد الفقهية الكلية على مصاديقها حتى ظهور عصر الفقهاء وبداية الاجتهاد والنظر الفقهي. غير أن عهد عثمان يُعد بداية نشوء تحيّز الصحابة والحفاظ ورواة الأحاديث، عندما استبعدوا ابن مسعود ومصحفه، وعدم إشراكه وغيره من أجلاء الصحابة في عملية جمع القرآن. والاكتفاء بلجنة من قريش يرأسها زيد بن ثابت بمعية: عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وربما هذا سبب الشك في وجود تحريف بالكتاب الكريم. بعد إتلاف جميع النسخ الأخرى، والرقاع التي كانت تدون عليها آيات الكتاب عند نزولها. لكن يبقى عدم اعتراض الصحابة دليلا على عدم وجود تحريف حقيقي، باستثناء التصحيف والقراءات. وهذا متفق عليه تقريبا. حيث اختار عثمان لغة قريش لغة رسمية للكتاب الكريم عند اختلاف القراءات.

وقد تجلى الانقسام واضحا بموالاة طرفي النزاع السياسي، علي ومعاوية. وبعد مقتل الخليفة الشرعي، بدأ معاوية، الذي راحت تلاحقه تهمة الخروج على الخلافة الشرعية، وشق جماعة المسلمين، بدأ يكرّس النص لتكريس شرعية سلطته، وسلب شرعية الإمام علي، ثم ظهر علم الكلام ليعزز سلطة معاوية، ويقمع كل تشكيك حول شرعيتها (إضافة لمهامه العقيدية الأخرى)، فتم تداول مقولات نظّرت لبراءة الخليفة، ونسبة أفعاله لله تعالى، كالقدر، الإرجاء، فاعل الكبيرة، الجبر، وغيرها، فخدمت السياسة، ودفعت باتجاه نشوء مذاهب فقهية، موالية للسلطة، أو تقف مع المعارضة ضدها. فاختلفت بعض الفتاوى باختلاف المبنى العقائدي، فمن يؤمن بعدالة الصحابة مطلقا أو يقول بعصمة الأئمة، يختلف عمن لا يؤمن بهما. فالمذاهب لم تختلف بسبب تحريف النصوص المقدسة بدوافع سياسية، لكن السياسة فرضت أولوياتها على مناهج الاستنباط، والمبادئ العقيدية القائمة عليها. فمن يؤمن بالجبر والإرجاء لا يؤاخذ الحاكم على سلوكه مهما كان ظالما مجرما، كما بالنسبة لموقف فقهاء المسلمين من معاوية ويزيد قاتل أهل البيت ومن تلاهم. وأما أحكام العبادات والقضاء فالاختلاف بين المذاهب الإسلامية قليل، يقول الشيخ المفيد، أن استقلال كل مذهب من المذاهب الإسلامية في مسائله الخلافية لا يتعدى أصابع اليد. فـ 95 بالمئة متفق عليه، لذا لا تجد اختلافا حقيقيا في الصلاة والصوم والحج وباقي العبادات، سوى أشياء لا تمس صميم العبادة. لكن الاختلاف في الموقف الفقهي السياسي. فالفقه السلطاني فتاوى فقهاء السلطة، لشرعنة الاستبداد، وسلطة الخليفة القائمة على الظلم والعدوان، وحرية التصرف بالثروات، وتبرئة مسؤوليتهم عن إراقة الدماء. فالفقيه وفقا لهذا المبنى لا يحكم بفسق الخليفة، مهما تمادى في ظلمه وتجاوزه، لأنه مجبر على فعله، وليس حرا كي يختار ويحاسب على فعله، وبما أن التكليف مشروط بالقدرة والاستطاعة، فيُرجأ أمر المجبر (مسلوب الإرادة) أي الخليفة الظالم إلى الله. لكن لماذا يحاسب غيره من العباد ولا يحاسبه؟ ولماذا فرض الكتاب الكريم عقوبات مطلقة كالحدود والقصاص إذا كان الإنسان مجبرا على فعله؟. ثم أليس في تأسيس هذه المقولات التفاف على حكم العقل وذائقة العقلاء بل والناس جميعا؟ فالظلم قبيح من أي شخص صدر، وغير المؤمن أيضا يحكم بقبحه. وما حكم به العقل حكم به الشرع.

ليست المشكلة في التنوع المذهبي، بل له الفضل في تراكم الثراء الفكري والكلامي والفلسفي والفقهي، لكن المشكلة في توظيف الشريعة لتفسيق الآخر، ورفضه وتكفيره، خاصة المعارضة السياسية. حيث نالت ظلما عظيما بسبب فتاوى فقهاء السلطة. وقد تمادى فقهاء السلطة حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على آوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة.

يتصح مما تقدم، لم يثبت تحريف أية آية قرآنية، وقد اتفقت المذاهب الإسلامية على سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. وما ينقل من روايات تمس الجانب السياسي للمسلمين تقع ضمن دائرة الرأي الشخصي للنبي، فليست ملزمة شرعا. لاختصاص حجية السيرة بما له جذر قرآني وهي الأحكام الشرعية. وهذا الفهم سيعمّق قيم التسامح ورفض منطق التنابذ بين المسلمين.

ثم أن وضع الروايات وتحريفه، وتوظيف النص وتأويله، ليس مقتصرا على السلطة دون المعارضة، فربما الثانية أكثر اندفاعا، لحاجتها الماسة لنصوص تسلب السلطة شرعيتها، وتكريس شرعيتها كمعارضة. السلطة عادة تتحرك من موقع القوة فلا تحتاج لوضع النصوص، لولا تحريض المعارضة. وبالتالي فالجميع متهم بالوضع وليس طرفا دون آخر. فما نحتاجه في مسيرتنا وضع فاصلة مع التاريخ والتراث وجميع هذه الروايات، كي نحتكم للعقل في مواقفنا، فـ(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وهذا لا يعني تبرئة النص من مسؤولياته، بل الروايات الموضوعة كانت وما تزال وراء كل الخراب الديني والأخلاقي، ولها تنسب رثاثة الوعي والخرافة واللامعقول الديني والتسيب الأخلاقي، في مجال السياسة وغيرها. وما يرومه الحوار وضع النقاط على الحروف، والتعامل مع القضايا التاريخية بقدرها، كي نتدارك تبعاتها وانعكاساتها على صعيد العلاقات العامة، وعلاقة الناس بالدين، ونساهم في لملمة الجراح. فليس ثمة ما يتوقف على هذه الروايات وغيرها، وطريق السلطة وشرعيتها اليوم يختلف عما حدث قبل قرون متمادية، فلا حاجة لتلك الآراء والنظريات. لذا تجدني حريصا على تحديد دائرة المقدس، ومن له حق التشريع. للحد من قدسية الروايات. فأغلب الروايات الموضوعة تنسب لغير النبي لكنها مقدسة، ويصدق عليها مفهوم (الكذب المقّدس)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

ماجد الغرباوي2صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س78: د. صالح الطائي: من خلال متابعتي التاريخية بت على يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة، وأن تداعيات هذا الانقلاب السياسي هي التي مهدت الظهور للدولة الأموية ثم الدولة العباسية.

ج78: ماجد الغرباوي: عميق شكري واحترامي للباحث الإسلامي الجدير د. صالح الطائي، وشكرا لأسئلته ومشاركته في إغناء الحوار.

واضح أن السؤال يقصد موضوع الخلافة السياسية بعد وفاة الرسول. حيث يعتقد خط الإمامة أنها نص وتعيين من الله تعالى، وأن النبي قد أوصى بها لعلي بن أبي طالب من بعده. والطرف الثاني نفى وجود وصية بالخلافة، وارتكز لشورى شكلية في تنصيب الخلفاء، بعد حسم النزاع لصالح قريش ضد الأنصار في سقيفة بني ساعدة وفقا لمبدأ قبلي (قريش أولى بالنبي). هذا هو الشطر الأول من السؤال. والباحث الجدير يقول أنه على (يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي).

تعرضت لهذه القضية أكثر من مرة. وسأتوقف هنا مع "يقين" الباحث، إذ لازم يقينه إنقلاب الحقيقة النسبية إلى مطلقة. وتقدم مفصلا لا تكون الحقيقة مطلقة ما لم يمكن الاستدلال عليها حسيا، وبالتجربة أو بالدليل الرياضي المفضي لليقين. وتبقى القضايا الدينية والتاريخية قضايا نسبية، مرتهنة في وجودها للنص وقبليات المتلقي، الذي هو شريك النص في وجودها كما تقدم بيانه. فالحقائق التراثية تختلف عن الحقائق الموضوعية التي من السهل الاحتكام لها في حالات الشك. لكن كيف نحتكم لحقيقة لا يوجد طريق لها سوى النص، ولا وجود لها إلا في الذهن؟. فثمة فرق بين الحقيقة المتولّدة عن اليقين، واليقين المتولّد من الحقيقة. الأولى تكون نسبية لنسبية مناشئ الإيمان، لذا يختلف المؤمنون حولها، وما تعتبره ضرورة، ليس كذلك عند غيرك. أما الثانية فتكون مطلقة، يمكنك الاستدلال عليها وحسم النزاع عند الشك بدليل يورث اليقين والجزم. ثم لا يمكن الوثوق بصحة الأخبار التي تتحدث عن الوقائع التاريخية بعد مرور قرون، لانسداد باب العلم، ما عدا أخبار آحاد، لا تورث سوى الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، بفعل التداول الشفاهي للأحاديث والروايات سنين طويلة، وتأخر تدوين كتب التاريخ والسيرة أكثر من مئة وثمانين عاما، مع وجود دواعٍ للوضع والتزوير والإضافة والنقصان. وهي أسباب عامة، تعاني منها جميع القضايا التاريخية. وإنما يأخذ الفقهاء بأخبار الآحاد لا لأنها حجة بذاتها، بل يعتقدون أن الشارع المقدس قد جعل الحجية لها، فيُقتصر على موردها، وهي روايات الأحكام الشرعية. وموضوع السؤال قضية تاريخية، فتنطبق عليها قوانينها.

لا يمكن الوثوق بالوقائع التاريخية بعد مرور قرون، لانسداد باب العلم، ما عدا أخبار آحاد، لا تورث سوى الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، بفعل التداول الشفاهي للأحاديث والروايات سنين طويلة، وتأخر تدوين كتب التاريخ والسيرة أكثر من مئة وثمانين عاما، مع وجود دواعٍ للوضع والتزوير والإضافة والنقصان. وهي أسباب عامة، تعاني منها جميع القضايا التاريخية. وإنما يأخذ الفقهاء بأخبار الآحاد لا لأنها حجة بذاتها، بل يعتقدون أن الشارع المقدس قد جعل الحجية لها، فيُقتصر على موردها، وهي روايات الأحكام الشرعية. وموضوع السؤال قضية تاريخية، فتنطبق عليها قوانينها.

وهذا يختلف عن اليقين القرآني الذي يقصد به التسليم والإذعان المتفرع عن الإيمان القلبي والروحي. أنت تقصد من يقينك الجزم بوقوع القضايا خارجا، وهذا يحتاج إلى أدلة حسية وهي منتفية، أو دليل قطعي السند والدلالة يورث الجزم واليقين، كالخبر المتواتر، عندما يرويه عدد كبير من الرواة في كل طبقة، يمتنع تواطؤهم على الكذب. ورغم صرامة القيد إلا أنه لا يكفي، بل ولا تكفي حسابات الاحتمالات في صدقه، بل ينبغي لنا معرفة قبليات كل راوٍ من الرواة في جميع الطبقات، وندرس شخصياتهم وتوجهاتهم. وهذا أشبه بالمستحيل في قضايا مختلف حولها أساسا. فشروط التواتر تعجيزية عندي. خاصة حساب الاحتمالات حيث تتدخل قبليات الفقيه في تحديد نسبة وثاقة الرواة والوسائط الخبرية. فالخبر المتواتر منتفٍ في المقام، وحتى مع ثبوته فهو تواتر معنوي وليس لفظيا، لاختلاف الآراء والتفصيلات، وهنا تتدخل ثقافة المتلقي وتوجهاته العقيدية في ترجيح هذا الخبر على ذاك. ثم أن حجية خبر المتواتر ليس على أساس انكشاف الواقع، بل على أساس الحجية الذاتية للقطع والجزم الذي يورثه الخبر المتواتر. فاليقين في هذه القضايا يقين نفسي، وليس برهانيا أو منطقيا قائما على مقدمات علمية تامة. فلا ينتج معرفة بل إيمانا واطمئنانا نفسيا. وهذا لا يحسم الخلاف حول مسألة الخلافة التي مازالت غير محسومة رغم مرور 1450 عام، لعدم وجود قدر متيقن حول أساسياتها، ببسب اختلاف الروايات التي تصل حد التباين، واختلاف توجهات الباحثين، وفهمهم للدين ولدور النبي الكريم. كما لثقافة المتلقي وعقائده وقبلياته في ترجيح الأخبار دور. ولعل أفضل شاهد على عدم انكشاف الواقع من الإمارات الشرعية، قول النبي في القضاء (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار). فالبينة لم تكشف له الواقع، لكنه حكم في ضوئها لحجيتها شرعا، ولو كانت البينة تكشف عن الواقع فلا معنى لقوله هذا. والخبر المتواتر ليس أفضل حال، مهما كان عدد الرواة، على فرض تمامية جميع الشروط.

 

الانقلاب التاريخي

ثم أن موضوع اليقين وهو الانقلاب في قوله: (بت على يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة)، يدعو للتساؤل، كيف يمكن الانقلاب على موضوع بحجم الخلافة السياسية لو كان النبي قد حسمها فعلا، وبين شروطها، وأبلغ الصحابة بها؟ بل كيف نفهم تصدي الأنصار لها لولا أحداث السقيفة التي حسمتها لصالح قريش دونهم؟ لا يمكن للأنصار وعموم الصحابة وهم ما عليه من مكانة ومنزلة في الإسلام أن يخالفوا رسول الله، وليس هذا من سلوكهم، ولا المعروف من مواقفهم. بل حرمهم رسول الله من غنائم حُنين وقد ملأت ساحة المعركة، ولم يعترضوا عليه وسلّموا له تسليما. وهم الذين أوصى بهم خاصة، (أوصيكم بالأنصار خيرا). فكيف ينسجم تصدي الأنصار للخلافة مع وجود تخطيط مسبق لها من قبل النبي؟ بل كيف يسكتون وهم الثقل العسكري والاجتماعي آنذاك بتمرير انقلاب فيه خيانة للرسول الكريم وقراراته الشرعية؟. وهذه أسئلة مشروعة. لا بد لنا التعرّف على خلفيات الحدث، من أجل تحليل يقترب من الواقع.

بل لماذا يطلب النبي كتابة كتاب حولها (لا دليل على أنه أراد كتابة كتاب حول الخلافة سوى ما هو شائع أو ما هو مرتكز، لكن الرواية تقول: أتوني بكتف ودواة أكتب لكم ما لن تضلوا بعدي أبدا). ثم لماذا لم يكتب النبي إذا كانت القضية تخص خلافة مشرعة من قبل الله تعالى؟ وهل النبي طفل يزعل على المسلمين ويرفض كتابة الكتاب؟. وهو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم؟ ولماذا لم يكتبه ويأتمن عليه جماعة إذا كان حقا يخاف من بعض الصحابة؟ رغم ما في الكلام الأخير من توهين بشخصه الكريم. ثم كيف نتصور مخالفة الرسول لله تعالى إذا كانت الخلافة نصا وتعيينا. ولماذا لم يبلّغ به بشكل يتناسب مع أهميتها وخطورتها؟ وأين الروايات الكثيرة التي يفترض وجودها حول الموضوع؟ وكل ما لدينا روايات الفضائل لا غير؟.

من حق الباحث طرح الأسئلة على الأحدث لمعرفة حقائق الأمور ولست معنيا بأي توجه سياسي أوطائفي. فبني هاشم كانوا كغيرهم من الصحابة المقربين قلقين على مستقبلهم السياسي، وقد ذكر الطبري أن عليا وعمه العباس همّا بالدخول على النبي وسؤاله، لكنهما لم يدخلا. لكن رواية الشيخ المفيد وهو زعيم الطائفة الشيعية ومؤسس مدرستها العقائدية، يقول في كتابه الإرشاد: (لما أفاق النبي في مرضه الأخير، ... فقال له العباس: يا رسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا. فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي"، وأصمت). فكيف نفهم هذه الرواية في سياق الأحداث؟ هل تؤكد وجود أية وصية مسبقة؟. ثم ما الذي أخّر الإمام علي عن الاستشهاد بوصايا النبي في خلافه مع الخليفة الأول، وهو بأمس الحاجة لها؟ وقد اكتفى في احتجاجه بالإرتكاز لنفس المبدأ القبلي الذي حسم به المهاجرون الخلافة لصالح قريش، حيث قال: إذا كان المعنى بها قرابة رسول الله، فنحن أهل بيته وخاصته، ومعدن علمه. ولم يذكر شيئا آخر، وقد خاطب أبا بكر عند لقائه: (كنا نرى أن لنا في الأمر حقا، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، فلم يزل يقول ذلك حتى بكى أبو بكر). ولم يتعرض لهذه القضية طوال خلافته، وأيضا لم يتعرض لها الإمام الحسين في حركته التاريخية. فعلى ماذا يدل كل هذا؟

وهناك استفهامات كثيرة ستذكر في محلها. وهذا لا يقلل من قيمة الإمام علي وشخصيته، وكفاءته. لكن الكلام حول وجود وصية بالخلافة قد انقلبوا ضدها بعد وفاته؟. وكيف انعقد اليقين للباحث الكريم مع وجود هذه الاستفهامات؟.

منهجي لا يسمح بالخوض في الروايات التاريخية لسبب علمي، هو عدم الإطمئنان لأية رواية بعد قرون متمادية. كما أن الشواهد والقرائن لا تكفي لترجيح الأخبار، مهما كان عددها. وكل رواية تجد ما يخالفها. بل حتى حديث الغدير وأهميته وخطورته، هناك ثلاث صيغ للخبر، مما يجعل الباحث يتوقف ويبحث عن مرجحات من خارج الروايات. لذا عادة لا أخوض كثيرا في التاريخ، وأركز على دراسة القضية من حيث إمكانياتها أولاً، فإذا لم تكن ممكنة دينيا (إذا كانت القضية دينية)، فلا طائل من البحث التاريخي والروائي. فما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل كان النبي بصدد تأسيس دولة ونظام حكم يتطلب وجود من يخلفه في ممارسة السلطة؟ أقصد هل تأسيس دولة دينية تكليف شرعي، يتطلب الإتيان بمقدماته؟ هذا هو السؤال المهم الذي تتفرع عليه جميع القضايا. أو يبقى الأمر لو صح مجرد إرشاد ووجهة نظر غير ملزمة.

أكدت مرارا أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية. أي ليست من ضمن التكليفات الشرعية، ولا مانع أن يتصدى المسلمون لقيام دولتهم، والكتاب الكريم يمدهم بقيم ومبادئ وتشريعات. والفرق واضح. في الحالة الأولى يجب التحرك سياسيا، بل وحتى عسكريا من أجلها، وأسقاط كل سلطة يقع ضدها. وهذا ما تؤمن به داعش وقد أراقت دماء غزيرة، وهو مبنى الحركات الإسلامية السياسية قاطبة. وما دولة المدينة سوى استجابة لتطور المجتمع إدارايا. ولو كانت الدولة ضرورة دينية ينبغي أن ينظّر لها الكتاب الحكيم كثيرا. بينما أهمل عصَبي الحياة، السياسة والاقتصاد. وما تقرأه من تنظيرات الإسلاميين هي وجهات نظر اجتهادية محترمة، لكن لا يمكن أن تكون تكليفا شرعيا. فالقرآن قد حدد مهام الرسول بالتبليغ والبيان والشرح والتفصيل والتبشير والإنذار وتعليم الناس الكتاب والحكمة، وأن يكون أسوة له. فكان بصدد بناء مجتمع يدين بدين التوحيد، ويلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه. الخلافة قضية مهمة ومصيرية، وإهمالها من قبل الكتاب والنبي دليل على ترك موضوع السياسة للتطور التاريخي، لتتكيف مع متطلبات العصر والزمان..

ثم لا يمكن للنبي التورط في تعيين أي شخص بأي منصب بعد وفاته، كي لا يلزم منه تزكية مطلقة لذات الخليفة، فيكون حجة في أقواله وسلوكه ومواقفه، فيسلب حق الرعية في الاعتراض والنقد والمحاسبة، ويصادر حق الأكفأ لو ظهر فيما بعد عدم جدارة الخليفة. وهذا لا يفعله النبي مطلقا، خاصة السياسة ومزالقها. فيحمل رأيه إذا ثبت صدوره على الإرشاد لا على الإلزام. كما سيكون لروايات الفضائل دور في تزكية الصحابي، لكنها لا تدل على الخلافة بالضرورة.

الخلافة ليست قضية شخصية، بل قضية المسلمين ومستقبلهم السياسي. وعدم الاهتمام بها من قبل مرجعياتها الأساسية يجعلنا نفكر بطريقة جديدة، وفهم الواقع وفقا لظرفه. لنتجاوز هذه القضية التي قطّعت أوصال الملسمين. يقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لا يمكن الوثوق بالروايات التاريخية، فأغلبها روايات ما بعد الوقوع، بعد انقضاء الحدث. وقد لجأ الجميع لوضعها والكذب على الله ورسوله، من أجل تعضيد الرصيد الرمزي لأطراف النزاع، ومراكمة شواهد على تفاضلهم لعدم وجود دليل مرجعي يحسم الخلاف بينهم. فكان الجميع يطمح لحسم شرعية الخلافة من خلال الروايات. وقد كلف هذا المنهج المسلمين حياتهم.

 

الانقلاب المفاهيمي

رغم جسامة الأحداث لكن لم يصدر أي تجريح من الصحابة، ولم يشكك أحد بإيمانهم أو يقدح بتقواهم وعدم إخلاصهم. فكانت معارضة الإمام علي معارضة سلمية، مؤقتة، تم تسويتها بعد أشهر. وقد رفض عرضا سخيا من أبي سفيان لاستعادة الخلافة، حيث قال له: "أبسط يدك أبايعك، لأملأنها خيلا وركبانا". وهو زعيم العرب وقادر على تعبئة الجيوش، واجتياح المدينة، وهذه المرة تحت غطاء الشرعية الدينية، لكن عليا رفض كل هذا، وبايع أبا بكر، وعادت المياه إلى مجاريها. وشارك علي بشورى يعلم أنه الخاسر فيها، بدافع الشعور بالمسؤولية. وقد وافق على نتائجها وبايع عثمان كغيره من المسلمين. فالإمام علي لم يطرح نفسه بديلا شرعيا بل منافسا سياسيا. والفرق واضح بينهما.

يمكن رصد قضيتين تعد انقلابا حقيقيا بعد وفاة الرسول:

الأولى: انقلاب المفاهيم والتمسك بالقبلية وبقريش خاصة، حتى أصبحت القريشية شرطا في السلطة. حيث روى أبو بكر في سقيفة بني ساعدة عن النبي حديثا حسم الموقف لصالح قريش، جاء فيه: (الخلافة في قريش) أو (الإمامة في قريش). ولم يذكر مناسبة قول الرسول، ولماذا لم يكن حديثا شائعا بين الصحابة. وهل يعقل هناك حديث معروف بين الصحابة حول اختصاص الخلافة بقريش ويتصدى الأنصار لها. فالمبدأ القبلي هو الذي حسم النزاع، علما أن القبلية ليست من قيم التفاضل إسلاميا، بل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). وأما في السياسة فإن الأولوية للأقدر والأكفأ، وهو ذات المنهج النبوي في تعامله مع صاحبته. فالحكم بحاجة لرجل كفوء، ولا يكفي إخلاصه وزهده وتقواه، رغم ضرورة البعد الأخلاقي في شخصية الخليفة. يشهد لهذا اعتراف عمر فيما بعد "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فلا تعودوا لمثلها". وهو اعتراف وتحذير لرجل أدار اللعبة السياسية في سقيفة بني ساعدة بمهارة فائقة. وكان طول حياته أشد إصرارا على شرط القريشية، وسيادة قريش للمسلمين دون غيرهم.

الثانية: إنقلاب المهاجرين وقريش خاصة على الأنصار، تلك الشريحة التي احتضنت الرسالة وصاحبها، وعززتهما ودافعت عنهما. وفيهم كبار الصحابة والفضلاء والأكفاء. وقد أقصاهم أبو بكر نهائيا، حداُ رفض تقاسم السلطة، حينما اقترحوا في سقيفة بني ساعدة: (منا أمير ومنكم أمير). وبقيت الخلافة شأنا شخصيا لقريش وخلاف بين بيوتها من دون المسلمين. وقد أقصى عمر جميع الصحابة من الشورى، وقد أسند لهم إقامة الصلاة مؤقتة وحماية الشورى وقتل من خالف قرارات الأغلبية التي يعلم أنها محسومة سلفا، ويعلم علم اليقين أنها لا تخرج من قريش.

ثم تطور المبدأ القريشي فصارت القريشية قيمة تنافس الإيمان والسبق في الإسلام، ورفقة النبي الكريم، ولا تميّز بين من نصر الدين ومن حاربه، فعادت قريش للحكم وكانت مقاليدها في عهد عثمان بيد قريش الذين عبثوا بالسلطة واستأثروا بالثروات، واستغلوا المناصب، ونهبوا أموال المسلمين، فضجوا، وثاروا ضد الخليفة الذي رفض التخلي عن مبدأ الولاء القبلي، ورفض تقديم الكفاءة عليه. غير أن مقتله لم يحقق شيئا وقد تفاقمت القبلية، وأصبحت قانونا رسميا في الدولة الأموية التي كانت وراء مآسي المسلمين. وجاءت الدولة العباسية لترث ذات القيم القبلية لترسوا خلافتها على أساس قربهم من رسول الله من دون المسلمين.

ولا يخفى تداعيات شرط القريشية في السلطة، حيث تم إقصاء كل القيم الأخرى، بما فيها الكفاءة التي هي قوام الحاكم السياسي. ففضلوا القريشي مهما كان ضعفه وسوء أخلاقه وسلوكه، وفاء لهذا الشرط، الذي لم يشر له الكتاب الكريم. فإذا كان هناك انقلاب بعد النبي فهذا هو الانقلاب. انقلاب مفاهيمي، قيمي، أخلاقي، واستبعاد الأنصار، خاصة رسول الله وحماة رسالته، وفيهم طاقات وكفاءات مشهود لها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على أسئلة الأستاذ د. جودت صالح العاني، وسؤال الأستاذ د. حسن البياتي:

 

س74: د. جودت صالح العاني.. أستاذ علوم الفلسفة السياسية وعلم الجيوبوليتكس / ألمانيا: تابعت حلقات حواركم رغم إنشغالاتي الكثيرة .. فوددت أن أستعرض عددًا من الأسئلة، التي وردت في ذهني:

- هنالك ثمة فاصلة جوهرية، تحددها معايير، بين الإستقلال الوطني وبين القبول بسلطة الآخر، ورضوخ الإرادة السياسية للآخر .. فكيف يمكن تقييم حالة الأستقلال وحالة الرضوخ، بعيداً عن الخلط في موضوعات لا تقبلها معايير العلاقات الدولية المشروعة بين الدول صاحبة (السيادة)؟

ج74: ماجد الغرباوي: شكرا للأستاذ الدكتور جودت صالح العاني، الأديب والأكاديمي المرموق، وشكرا لحسن ظنه ومشاركته من خلال أسئلته القيمة.

منهجيا تتطلب المقارنة تحديدا واضحا لمفهوم الإستقلال الوطني، لتدارك فوضى التصنيف، حيث التبست المفاهيم، وتداخلت الهيمنة بالولاء. وغدا الاستقلال الوطني شعورا نفسيا أكثر منه حقيقة موضوعية. وباتت الدولة متهمة رغم استقلالها، أو بالعكس. فوجود ضابطة يسمح بفهم الواقع وتفسير ظواهره، واستعادة ثقة الشعوب بدولها، وفرزالاستقلال الحقيقي عن الاستقلال الشكلي،.

يعني الاستقلال الوطني إصطلاحا: سيادة الدولة مطلقاً، بعيدا عن أية تبعية خارجية. ولازمه نفي أية سلطة وإملاءات فوقية. فالإستقلال الوطني يرتهن لحريته في إتخاذ القرارات، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. أو تصبح سيادة منقوصة، عندما ترضخ لإرادة الآخر.

تعني السيادة معجمياً: (حق الدولة بممارسة اختصاصاتها الدولية وإدارة علاقاتها مع الدول الأخرى. بحرية تامة، ودون الخضوع لأي سلطة أجنبية ... وهي لا تتعارض مع الإلتزامات الناشئة عن العلاقات التعاقدية، كالمعاهدات والاتفاقيات).

ودولة ذات سيادة: (هي الدولة ذات الاستقلال الناجز التي تملك السلطة العليا داخل إقليمها ولا تخضع لإرادة أو سلطة دولة أخرى أكثر منها نفوذا أو أقوى عسكريا، ولا تتلقى منها الأوامر أو التوجيهات في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية). وبهذا يتضح مفهوم السيادة المنقوصة.

ويسجل على التعريف عدم التمييز بين هيمنة الآخر، وما تفرضه ضرورات الضعف الداخلي. فثمة فارق بين الحالة الثانية وبين نقص السيادة بسبب العمالة وضعف السلطة الحاكمة وفسادها. أو بسبب الاحتلال. كما أن التعريف يستبطن التفافا على صدقيته، فما من معاهدة واتفاقية إلا وتؤثر على قرارات الدولة. ويكفي مراعاتها، وعدم صدور ما يعارضها. وعليه سوف لا يجد التعريف مصداقا حقيقيا، ما دامت هناك إتفاقيات ومعاهدات، تتباين في شروطها وقوة محدداتها. فاضطروا لتدارك الأمر بإضافة (وهي – السيادة - لا تتعارض مع الإلتزامات الناشئة عن العلاقات التعاقدية، كالمعاهدات والاتفاقيات). وهذا لا يكفي فبعض الاتفاقيات تسلب البلد سيادته حقيقة، رغم اعتراف المجتمع الدولي به. فعدم تحديد نوع الاتفاقيات يراد به تمرير الاتفاقيات التي تنهك سيادة بعض الدول، تحت غطاء الاعتراف الدولي بسيادتها الوطنية. وهو أسلوب يحقق كامل أهدافه، حينما يسلب التحريض الشعبي ذريعته، مهما كان عبء الأتفاقيات المبرمة.

السيادة الوطنية واقع عملي، وليست إجراءات شكلية، لذا أميل لتعريفها بـ: (إستقلالية القرار بما يحفظ سيادة الدولة ويحقق أمنها ومصالحها الاستراتيجية). وأعني بـ"استقلالية القرار" صدوره بكامل إرادتها، في إطار علاقات دولية متوازنة، تقوم على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وحينئذٍ لا تنقص المعاهدات الدولية من سيادة الدولة، ما دامت قادرة على إتخاذ القرار، ضمن خياراتها الاستراتيجية. فالتعريف الثاني يمنح السيادة مرونة أكبر، بشكل تقتصر فيه السيادة المنقوصة على:

- الدولة المحتلة فعلا.

- الدولة التي تفرّط بسيادتها الوطنية بسبب فساد السلطة الحاكمة حينما تسمح بتمدد دول أخرى تحت أية ذريعة، وترتهن قراراتها الوطنية لإرادة أعلى، خارجية أم داخلية (دينية، طائفية، عشائرية، حزبية، قومية).

- الدولة التي ترتهن قراراتها لمعاهدات واتفاقيات تسلب سيادتها بشكل غير مباشر.

واقع الدولة المعاصرة

لا شك أن قدرة الدولة تفرض مكانتها على الخارطة السياسية. وقد يملي الواقع عليها ظروفا قاهرة، تضطرها لعلاقات قد تثلم سيادتها، وتعيش متهمة في وطنيتها. وهناك دولة ضعيفة بسبب موقعها الجغرافي، ودولة فقيرة تتقوم بالمساعدات الخارجية والقروض البنكية الباهظة فتخضع لإرادة المؤسسات المالية وشروط الدول القوية. وأحيانا تجبر الظروف الاستثنائية الدولة على إتخاذ قرارات تؤثر سلبا على سيادتها الوطنية.

وكما أن الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية تساهم في تعزيز قوة الدولة وترسيخ سيادتها، فأيضا قد تؤثر سلبا عليهما، رغم أنها خارجة عن إرادتها. فثمة دول غير قادرة على حماية نفسها، أو تباغتها ظروف تضطرها لاتخاذ قرارات تؤثر سلبا على سيادتها. فهل يصدق عليها مفهوم السيادة المنقوصة حقيقة أم يكفي الاعتراف الدولي بسيادتها؟.

التعريف يطمح إلى مفهوم يستبعد تُهمة الخيانة والتواطؤ عن بعض الدول. لأنها خطيرة، تضر بمصداقية الدولة، وتصدّع التماسك الوطني، وتهتز بسببها ثقة الشعب. فالتعريف الأول لا يستثني الدول التي تستضيف قواعد عسكرية من مفهوم السيادة الوطنية، رغم تداعياتها على القرار السيادي، بشكل ما. ويساوي بينها وبين الدولة التي تضطر بحكم وضعها إلى إتفاقيات تربك سيادتها. والدليل أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تتعامل معها على أنها دول ذات سيادة كاملة. وهذا مبرر آخر للعدول عن التعريف الأول إلى الثاني الذي سيكون عمليا يأخذ بنظر الاعتبار ظروف الدولة.

وقد نستفيد منه لفهم الواقع السياسي وتفسير ظواهره وسلبياته، خاصة دول المنطقة، حيث نواجه نوعين من الدول. فالعراق اليوم مثلا، مرتهن في قراراته. مضطر لمداراة الدول الإقليمية والقوى الداخلية، بل ومجبر على سياسة التوافق السياسي التي تضعف قدراته، وتسلبه فرص المناورة السياسية. والأمر أحيانا خارج عن إرادة الدولة كما راهناً، حيث يمر البلد بظروف قاهرة، فهو ضحية موقعه الجغرافي ومحاط بدول كبيرة، إيران وتركية والسعودية، وتوجد قواعد وجيوش عسكرية غربية بحجية محاربة داعش، وحجم ثرواته التي يتعذر عليه حمايتها بمفرده، ووضعه السياسي الاستثنائي وتعدد الحروب التي خاضها، والحصار الذي قاساه، وسياسة الأنظمة السابقة وتعدد قومياته وطوائفه. فالبلد يصدق أنه منقوص السيادة واقعا، غير أنه كامل السيادة وفقا للمعايير الدولية. فهل نحكم على واقعه أم نلتزم بالاعتراف الشكلي بسيادته؟.

ودول غنية تجبر على اتفاقيات ومعاهدات سرية باهظة، تسلبها سيادتها بشكل غير مباشر، كأن تفرض عليها مبيعات أسلحة ومعدات عسكرية بمبالغ طائلة تستنزف ثرواتها وترتهن قراراتها، إذا لم تزجها بحروب داخلية وخارجية. أو تفرض عليها علاقات لا تخدم مصالحها واستراتيجياتها، فيصدق أنها دول منقوصة السيادة واقعا، غير أن المحافل الدولية تعتبرها كاملة السيادة.

ثم يأتي انطباع الشعب عن دولته، حيث تنعدم الثقة، وتتلاشى الروح الوطنية، ويسري الشك لجميع قرارات الدولة بل ورجالها. وثقة الشعب بدولته أهم من موارده وثرواته، بل قيمة الدولة بتلاحمها الجماهيري، ودفاع الشعب عن النظام السياسي.

لست بصدد تبرير نقص السيادة الوطنية، لكن أود تقديم تعريف أكثر موضوعية يراعي بعض البلدان، من أجل تعزيز ثقة شعوبها، ومساعدتها على تخطي ظروفها الاستثنائية، ودفع الشبه والاستفهامات عنها. وهي الدول التي تحيطها ظروف خارج إرادتها، رغم حرصها على تحرير قراراتها وسيادتها الوطنية. فالتعريف الثاني كفيل بوضع معايير بعيدة عن الظلم والتساهل في السيادة الوطنية: (إستقلالية القرار بما يحفظ سيادة الدولة ويحقق أمنها ومصالحها الاستراتيجية). فلا يشمل الدول المحتلة، ولا الدول التي فرّطت بسيادتها الوطنية بسبب فساد السلطة. أو بسبب تواطؤ رجالها مع إرادات خارجية مهما كان مبررها. ويقتصر على الدول الحريصة على استقلالها، وتكافح لأجله دائما.

 

س75: د. جودت صالح العاني: كما أن العلاقات الكائنة بين الوحدات السياسية على أساس ثنائي ومتعدد الأطراف .. كيف تقيمونها في ضوء معايير وثوابت العلاقات التي يقوم عليها مبدأ السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام الاستقلال الوطني واحكام التعاون المتبادل القائم على قاعدة المنافع المتبادلة .. بعيدًا عن أي تبرير؟

ج75: ماجد الغرباوي: اعتبر الولاء الوطني قيمة عليا، إضافة للكفاءة والنزاهة، وأرفض أي ولاء لغير الوطن تحت أية ذريعة. وطالما أكدت على هذا في كتاباتي، وقد بينت في كتاب "تحديات العنف" مبررات تقديم الولاء الوطني على الولاء الديني، المنحصر بالمرجعيات الدينية ورجال الدين راهنا. وأيضا ولاء العشيرة وقيمها التي تسبب بفوضى عارمة حينما تتقدم على ولاء الوطن والقانون والدستور. ففلسفة السيادة عندي قائمة على حرية القرار وصدقية الولاء الوطني. هما قوامها وحقيقتها، فلا سيادة مع ارتهان القرار، وانعدام المشاعر الوطنية.

لقد تسبب الولاء لغير الوطن في ارتهان القرار السياسي لقوى ودول أخرى، فبات الوطن سجين تلك الولاءات المشبوهة. وهذا ما حل في بلدان عدة، مثل العراق. للأسف بعض شعوب المنطقة ما زالت تعاني في ولائها للوطن، بسب الاقصاء، وسياسة التمييز العنصري والطائفي والقومي الذي انتهجته حكومات سابقة مع شعوبها. فالمنطقة لم تعش روح المواطنة أساسا، فكيف وهي تتشظى تحت مطرقة دستور يؤسس للكيانية القومية والطائفية؟ وهذا ما حصل لدستوره الجديد بعد 2003م. فأسس لولاء طائفي – كياني اختزل الولاء الوطني، وبات التحيز المذهبي والقومي مشروعا. وهذه الحالة لا تسمح بتزكية أية من الوحدات السياسية ما لم نضمن ولاء رموزها وقواعدها للوطن أولا وقبل كل شيء. ونتأكد من عدم وجود ولاء منافس، فثمة ولاءات كامنة تظهر حينما تتقاطع مع الولاء للوطن. كما هناك كيانات سياسية لا تعترف بالحدود الجغرافية. بل وتمهد لوحدة مجموعة بلدان تحت قيادة موحدة، رغم تبعاتها. فمعرفة فلسلفة السياسة والحكم لدى الوحدات السياسية ضرورة لضمان ولائها، وزرع الثقة بها، والإطمئنان لمواقفها وعلاقاتها.

وينبغي التمييز بين الولاء والمصالح المتبادلة بين الدول، فالولاء لغير الوطن يرتهن القرار السياسي برمته، حينما يمهّد لتدخل دولة أخرى، أو يسهّل مشاريعها ومصالحها، على حساب مصالح الشعب، بذريعة طائفية أو قومية. أو لضمان دعم تلك الدول سياسيا لحزب ما أو شخصية ما. فتارة التنافس السياسي يلغي ولاء الوطن لخدمة مصالح شخصية وحزبية، وينتهي الأمر بنقص السيادة الوطنية. ولعل خطر التدخل الخارجي راهنا بسبب ولاء بعض رموز الوحدات السياسية لغير الوطن، مهما كانت دوافعها ومبرراتها. ينبغي أن يبقى الوطن قيمة عليا، لا يجوز المساس بكرامته وسيادته وولائه. وهذا ما نفتقده.

وأيضا فإن الكفاءة والنزاهة قيم حقيقية، وكلاهما شاخص على جدارة الوحدة السياسية. غير أن نظام المحاصصة يرضخ لشروطها، ولا يلتزم بشرطي الكفاء والنزاهة، وهذا سبب الفساد المالي والأداري، في البلدان المتخلفة. بل أن هذا النظام يتستر على الفساد، ويبرر السرقات والتهاون.

 

س76: د. جودت صالح العاني: كيف يمكن الحكم، بأن هذه الوحدة السياسية (مستقلة) وذات (سيادة)، وما هي دلالات ذلك، في ضوء مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي؟ وكيف هو منحى الخروج من مأزق التسلط والهيمنة والنفوذ الأجنبي، لكي تتحقق (السيادة) و(الأستقلال) الوطنيان؟!

ج76: ماجد الغرباوي: أما بالنسبة للشطر الأول، يبقى الولاء مائزا، حينما تتقاطع المصالح الحزبية والشخصية مع المصلحة العليا للوطن. وحينما نسمح للأحزاب والشخصيات بإقامة علاقات مع جهات ودول أخرى، نشترط ضمان عدم التفريط بمصالح البلد مطلقا تحت أية ذريعة. والمواقف والخطوات العملية كفيلة بكشفها، حينما تقدم المصالح الشخصية والحزبية وربما الخارجية على مصلحة الوطن والشعب. وربما الأخطر على الدولة تقديم ولاء مختلف القيادات على ولاء الوطن. فينبغي ضمان ولاء الفرد لوطنه وللقانون، غير أن الشعب منقسم في ولاءاته. ولعل عدم استجابة الشعب لنداء الوطن حينما اجتاحت داعش الموصل، واستجابته الفورية والمدهشة لفتاوى المرجعية الدينية ما يؤكد ضعف الشعور الوطني. ولاء الشعب العراقي منقسم بين ولاء الشيعي لمرجعياته الدينية، والكردي لقوميته، والسني للسلطة. فالعراق بحاجة إلى تعميق روح الانتماء للوطن كقاسم مشترك.

وبالتالي فولاء الوحدة السياسية، وعدم ارتهان مواقفها وقراراتها لأي جهة خارجية أو داخلية، وتقديمها المصلحة العامة على مصالحها الشخصية والحزبية كلها شواهد على استقلاليتها ووطنيتها.

وأما بالنسبة للشطر الثاني، فنحتاج لعمل متواصل على صعيدين، داخلي: من خلال تعزيز الروح الوطنية، وترسيخ ثقافة المواطنة، بعد التخلص من كل محرّض طائفي وقومي دستوريا وقانونيا. أي يجب أن تنقلب المواطنة إلى واقع، يعيشه الفرد والمجتمع، وليس مجرد شعارات، فيختفي التمييز العنصري والطائفي والحزبي، وتختفي المحسوبية والمنسوبية. وتقديم الكفاءة على الولاء، في المناصب والوظائف الحكومية. وتربية الشعب على الولاء للوطن أولا، ووضع الدين والمذهب والطائفة والقومية في سياقها الصحيح.

وأما على الصعيد الخارجي، فيمكن للدولة الضعيفة تجنب هيمنة الآخر، دولة أو جهة قوية، من خلال:

أولا: الموازنة بين الأنداد الدولية والأقليمية.

ثانيا: الاستفادة من البدائل المتاحة للوقاية من تحديات الضعف الجغرافية وغيره.

ثالثا: الإرتباط بالمعاهدات الأقل خسارة على صعيد السيادة الوطنية.

رابعا: السعي لتكوين كتل إقليمية بين دول المنطقة بذات المواصفات، ترتبط بعلاقات دفاع مشترك، كما لو تحققت وحدة حقيقية بين العراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين، فيمكنها ككتلة دولية الوقوف في وجه التمادي التركي – الإيراني - السعودي. اي كتلة تحقق توازن استراتيجي حقيقي، يضع حدا لطموحات الدول الأخرى.

خامسا: عدم الإرتباط باتفاقيات طويلة الأمد مع الدول القوية، الأقليمية والدولية.

 

س77: ا. د. حسن البياتي، شاعر وأكاديمي – بريطانيا: الاستاذ ماجد الغرباوي، المفكر الأسلامي التنويري الأصيل، سؤال:

الى أين يسير بالعراق (ربابنة) الطائرة الاميركية الجديدة، بعد سقوط طائرتهم القديمة وانكشاف آثار حكمهم (الاسلاموي) عبر (الصندوق الاسود)؟

ج77: ماجد الغرباوي: شكرا لمشاركتك الأستاذ الشاعر القدير حسن البياتي. مشكلة العراق ليس في رموزه، فهم ضحية فوضى النظام وانشطار الولاء، وثقافة الطائفية والإنقسامات الحزبية، وثقافة العنف، والتنابذ والاقصاء. العراق حلبة صراع دولي من خلال أحزاب السلطة، وبعيدا يتعافى ما لم تحل ثقافة الولاء الوطني محل ثقافة الطائفية والعنصرية، ويتحرر الوعي الجمعي من سلطة رجل الدين والعشير ة والسياسة. والمشكلة الأعمق في دستوره وقوانينه التي تشرع للفوضى والفساد وتكرس الطائفية، فنظام الحكم في العراق:

- لم يقم على فلسفة واضحة، ففي الوقت الذي يؤكد فيه الدستور على المواطنة وحقوقها، يقرر الكيانية حقيقة اجتماعية، فترد كلمة الكيان والكيانية 8 مرات في دستور يراد له أن يكون دستورا لمجتمع متنوع في طبيعته. كان يمكن للمواطنة أن تكون مرجعية نهائية لتسوية النزاعات الطائفية والقومية، وكان يمكن حل مشكلة الأكراد بصيغ لا تتعارض مع سيادة البلد. لكن الدستور شرعن مجموعة أخطاء، لا يمكن حلها إلا بإعادة كتابته، وفق أسس وطنية، تردم بؤر التوتر، الطائفي والعرقي.

- لازالت علاقة الشعب والدولة بالمرجعيات الدينية غير محسومة، فتجد الشعب منقسما في ولائه.

- لازال الشعب يعاني في ولائه الوطني، يؤكد هذا حجم الفساد والجرائم التي ترتكب علي يد المسؤولين، حينما يقدمون مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية على مصلحة الوطن والشعب.

- ضعف القواعد الشعبية للأحزاب السياسية يدفعها للإستقواء بدول المنطقة والدول القوية لتوفير الغطاء السياسي الكافي، وأنت تعلم ثمن الدعم الخارجي للأحزاب والشخصيات السياسية.

- تدخل بعض الدول في القرار السياسي من خلال أحزاب وشخصيات داخل السلطة وخارجها.

- حجم الفساد المالي والإداري.

- ظروف الحرب واجتياح داعش.

- الاحتلال وتداعياته التي ستبقى مؤثرة طويلا.

- الصراع المرير على السلطة.

هذه الأسباب ساهمت في تسيّب الوضع.

الشعب العراقي اليوم بحاجة إلى ثقافة جديدة، ورؤية مختلفة، ودستور وطني، وقيم حضارية تساعده على فهم دوره، وواجباته. فالنظام العراقي دستوريا نظام ديمقراطي غير أن الشعب لا يملك أية ثقافة ديمقراطية، ولا يفهم شيئا عن التسامح سوى شعارات فارغة، ولا يؤمن بالتعددية الدينية والقومية.

ثم لا علاقة للإسلاموية بالوضع، مع عدم نفي لها، فجميع الأحزاب مشاركة في السلطة، وجميعها مدانة في ولائها، متهمة بالفساد المالي والإداري، وما الأحزاب الإسلامية إلا جزء من فوضى البلد، وعدم قدرة الشعب على التشخيص، وحسم ولاءاته الدينية والسياسية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10جمعة عبد اللهخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق27 – س73) من سؤال الأستاذ جمعة عبد الله: الذي جاء فيه في الحلقة (46):

 

(جمعة عبد الله، كاتب وناقد: طالما أن كثيرا من أحاديث الرسول الكريم خرجت بعد وفاته، عن سياقها وزوّرت وحرّفت، لاغراض شخصية وسياسية وسلطوية، أدت إلى انشقاق الدين الإسلامي الى مذاهب متعددة. وكل مذهب صار يستند على مصادر ومراجع خاصة تدعم مذهبه، بأنه الأرجح من المذاهب الأخرى، وهنا نتلمس الحيرة والارتباك، بأننا كيف نميز الحديث النبوي الشريف، بأنه أصيل صادق وصحيح، عن الآخر المريب والمشكوك فيه. أو الموضوع والمكذوب؟)

 

معرفة الروايات

ماجد الغرباوي: إن خطورة النص (الروايات والأحاديث) هي التي دفعتني لكتابة (26) حلقة قبل الرد على السؤال الكريم، للكشف عن دورها في تشكيل العقل وتوجيه الوعي. فالنصوص تمثل ركيزة مرجعيات التفكير لدى المسلمين. والان نعود للسؤال لتحديد ضوابط علمية لتمييز الصحيح عن الضعيف من الروايات، للتخلّص من ثقل التراث وتبعات النصوص، بعد أن أرهقتنا الأحاديث الصحيحة قبل الضعيفة، لأن النص في ثقافة المسلمين يمثل مرجعية نهائية، لجميع تفصيلات حياتهم، وآفاق مستقبلهم، ونافذتهم لمعرفة الغيب. يرتكزون له في تفسير الظواهر الطبيعية والحياتية. يرسم علاقاتهم، ويعيد تشكيل عقولهم، ويتحكم بوعيهم، ويحدد مواقفهم. وهو مصدر معارفهم، وفوق العقل، وحاكم عليه، وموجه له، فتنحصر وظيفته بفهمه وتأويله، وتأصيل علومه. وقد شجع هذا الوعي على استغلال الروايات وتوظيفها لمصالح سياسية وطائفية. فالنص يشكل خطرا ما لم نعتمد مناهج علمية لتمييز الحديث الصحيح عن الضعيف، ونتعامل مع الصحيح وفقا لتاريخيته وشروط فعلية أحكامه. وعدم الركون للمباني الفقهية والمناهج التوثيقية التي تحكم بصحة جميع الروايات المذكورة ضمن المدونات الحديثية، فإنه منهج خاطئ، فنحن نجزم بوجود أحاديث موضوعة  بل وقد  كذبوا على رسول الله في حياته كما في رواية عن الإمام علي. وبالفعل تضاعفت الروايات الموضوعة بعد وفاته، يشهد لذلك ما ضمته الموسوعات الحديثية بين تضاعيفها من روايات، يجافي بعضها الكتاب الحكيم والعقل، وينسب للرسول ما يحط من مكانته، ويستخف بشخصه. وقد التفت المسلمون لذلك مبكرا، وصدرت ما يعرف بكتب الضعفاء. بل أن وجود مناهج لتوثيق الرواة وما يعرف بالجرح والتعديل، وفهارس الرجال، وعلوم الدراية ومعرفة الحديث، كل هذا يؤكد وجود اختراقات كبيرة للحديث النبوي. خاصة مع كثرة دواعي وضعه وتلفيقه، تقع على رأسها السياسة، والعقائد، والعداء للدين، والمصالح الطائفية. ولا ننسى الفترة الطويلة للتداول الشفاهي للنصوص التي امتدت لأكثر من مئة وخمسين عاما. وهي فترة كافية لاختراق الحديث النبوي والتلاعب بأسانيده. فالنقل الشفاهي بحد ذاته معضلة كابد بسببها التوثيق من أجل تصحيح أسانيد الروايات، والتأكد من وثاقة الرواة، ومعاصرتهم لمن يروون عنه، وثبوت التحديث بالطرق المعروفة. فقبول مطلق الروايات لمجرد وجودها في كتب الحديث منطق غير عقلائي، لكنه مبنى الإخباريين والسلفيين، وراء تقديس الصحاح الستة والأصول الحديثية الشيعية الأربعة. فينبغي التوقف في كل حديث حتى تثبت صحة صدوره، ورغم صحة صدوره فينبغي مراعاة قواعد أخرى للتأكد من فعلية أحكامه، وصحة مضامينه.

 

شواهد الوضع

إن شواهد الوضع واضحة، منها: غرابة الحديث، شذوذه، مخالفته للقرآن والعقل والصحيح الثابت من سنة النبي، مضمون الحديث، خاصة روايات الفضائل التي توظف لمصالح سياسية وطائفية، وهذا ما نصت عليه كتب الدراية. لكن أتوقف قليلا عند بعض هذه الشروط (غرابة الحديث، شذوذه، مخالفته للعقل والاكتشافات العلمية)، فهذه الخصائص لا تنفي صحة صدور الحديث، فربما صدر فعلا، لكنها تُضعف قيمته المعرفية، حيث اعتبرها الجميع من علامات ضعفه، تحت ضغط صورة مثالية، ميثيولوجية للرموز الدينية والتاريخية. وننسى أنهم بشر يتأثرون بمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية، وينتمون لثقافة مجتمع مولع بالغيب واللامعقول. فيجب دراسة الروايات التي تقدم تفسيرات غرائبية للكون وظواهره، والحياة ومشاهدها، وتسرد لنا خرافات وأوهام عن الرموز الدينية، وتضعهم فوق الطبيعة البشرية. فربما صدرت هذه الروايات فعلا، فتكون شاهدا على ما نقول، ونعتبرها نتاجا طبيعا لعقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي، ضمن مراحل حياة الإنسان. التبرير لا يغيّر الحقائق التاريخية، وهذه الروايات أفضل شاهد على بشرية تلك الرموز، وإمكانية خطئهم.

وأيضا يمكن عد كثرة روايات الراوي للأحاديث علامة ضعف تثير الاستفهام. فمعدل حفظ الصحابة للأحاديث متقارب، لكن عندما يروي صحابي عددا كبيرا من الأحاديث، يضعنا في ريبة من أمره. خاصة أن النبي كان معروفا بصمته وقلة كلامه. كما بالنسبة للشبهات التي تحوم حول الصحابي أبي هريرة الذي فاقت رواياته ما رواه جمع من الصحابة رغم أنه لم يلتق النبي سوى سنتين!!.

 

مناهج التوثيق

مشكلة التمييز بين الحديث الصحيح والضعيف مشكلة قديمة، تعود إلى بدايات القرن الأول، فتصدى لها الفقهاء والمحدثون، واجتهدوا في وضع ضوابط لصحة الرواية وقبولها، سندا ومتنا. سندا باعتبار رواة الحديث ومدى عدالتهم أو وثاقتهم، واتصال السند، وعدم وجود إرسال أو انقطاع. وأما بالنسبة لمتن الرواية ومضمونها، فاشترطوا عدم غرابتها، وعدم اضطرابها. وشروط أخرى ذكرت في علمي دراية الحديث وعلم الرجال. ثم جاء دور التدوين والموسوعات الحديثة فكان أخطر على الروايات من غيرها، حيث استغل الوضع اعتبار تلك الكتب، واعتماد الفقهاء عليها، فسرّب آلاف الروايات الموضوعة. فباتت تلك المدونات الحديثية وبالا وعبئا، شوهت معالم الدين والعقيدة الإسلامية، كالصحاح عند السنة والأصول الأربعة عند الشيعة، وباقي التراث الإسلامي. فالناس لا يتعاملون مع القرآن مباشرة بعد أن أقنعهم الفقهاء والمفسرون بعجزهم عن فهم مقاصده وغاياته. واقتصروا فهمه وتفسيره على التراث.

شخصيا أعتمد منهجا آخر في دراسة الأحاديث ونقدها، فأبدأ من متن الرواية، عكسا لما هو متعارف، من تقديم دراسة السند أولاً، ثم ينتقلون لدراسة المتن. فتجدهم يتخبطون في تأويل الأحاديث الغريبة في مضامينها، أو المخالفة للقرآن والعقل والمنطق، حينما تعتبر صحيحة وفقا لضوابطهم. فصحة الحديث أو اعتباره تجعلهم يشككون في فهمهم دون الشك بصدوره بعد ثبوته ولو بأدلة شكلية أحيانا، لعصمة قائله. غير أني تعامل مع الرواية مباشرة، بقطع النظر عن الكتاب الذي وردت فيه، مهما كانت وثاقة مؤلفه. فأبدأ بدراسة متن الحديث ومضمونه أولا، ثم أنتقل لنقد السند وتصحيح رواته. فما خالف كتاب الله فهو زخرف كما في الحديث المروي. ولا اعتني بحديث يخالف: العقل والمنطق والقوانين الكونية والقيم الإنسانية. أو يكرّس الظلم والاستبداد والاستهانة بالإنسان وعقله ووعيه. فوجود الرواية في كتاب ليس دليلا على صحتها، وصحة صدورها، ومطابقتها للواقع، مهما كانت وثاقة مؤلفه، لاختلاف مباني توثيق الروايات، وجهلنا بطريقة توثيقها من قبله. فلو اطلعنا على منهجه في التوثيق قد لا نتفق معه، وما يراه ثقة من رواة الحديث ربما ليس كذلك بالنسبة لنا، بسبب اختلاف مباني التوثيق، واختلاف الآراء حول مصادر توثيق رجال الحديث. خلافا لمبنى المدرسة السنية التي ما زالت ترى صحة جميع روايات الصحاح الستة، وأيضا مبنى الاخباريين من الشيعة الذي ما زال يرى صحة روايات جميع الأصول الشيعية. وهو أيضا مبنى قدماء الشيعة، ممن يصححون روايات كتب واصول ثُقاتهم. فكم من رواية دست في كتب صحيحة من أجل تصحيح طرقها، وكم كذبوا على الله ورسوله بهذا الأسلوب. وشروط صحة الرواية عندهم، ترتبط بأسانيدها، ومدى وثاقة رواتها، وعدم وجود إرسال او قطع في طرقها، وعدم وجود اضطراب او تناقض في متنها، وعدم مخالفتها للكتاب والعقل، وأشياء أخرى مذكورة في محلها. وإلا تصبح فوضى.

وأما في نقد النص والدراسات النقدية فأأخذ بنظر الاعتبار قوة تأثير الحديث. واستدعي المهمش والمتروك والضعيف وجميع التراث كي اكتشف المستبعد والمسكوت عنه، واتقصى مساحات اللاوعي، وأدرس براعة النص وقدرته على خلق حقيقته. فالحديث كغيره من النصوص يُظهر ويخفي، يبوح ويتستر، يركّز ويقصي. النص له غاية وهدف، وهو يؤدي وظيفته المعرفية، وتحقيق غاياته، من خلال طريقة أدائه، وأدواته التعبيريه، ومجازاته، ودلالالته. لذا ينجح النص، خاصة الروايات التي تنتسب للرسول، تنجح في خلق حقيقتها، بعيدا عن الواقع وحقائقه. فكما يجب معرفة تاريخ الأحكام الشرعية وفلسفة تشريعها، وهذا ما أصر عليه، فكذلك ينبغي دراسات الروايات علميا، والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية. الرواية خطر على العقل المسلم، فيجب تفكيك خطابها، وتحليل مقالاتها، لمعرفة ما لا يقوله النص، ولا يدلي به صراحة.

 

حجية السنة

إن حجية الحديث وأهميته تتوقف على حجية السنة النبوية، وهي مسألة يجب حسمها أولا، فأذا ثبتت حجية السنة يأتي الكلام عن الحديث، وأهميته ودوره، وضروراته، وإذا ثبت العكس تصبح السنة اجتهادا شخصا للنبي مقابل النص المقدس / القرآن. وبهذا يتضح أهمية الأحاديث الشيعية التي أمتد عندهم عصر النص لأربعة قرون حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي 329 هـ، فحجية أحاديثهم تتوقف على مقدمات لسنا بصددها الآن.

لا شك إن التشريع مقتصر على الله تعالى، يقول في محكم كتابه مخاطب النبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). وقد بين دور النبي بوضوح من خلال آياته، فهو مبلغ، ومبشر، ونذير، ومفصّل. يُعلّم الناس الكتاب والحكمة. وعليه لا حجية لأحاديث النبي مطلقا في غير الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب المجيد. ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعد شرطا لحجية قول النبي الكريم، عندما يكون تفصيلا وبيانا له. وبالتالي لا شك في حجية قول النبي فيما يخص تفصيلات الأحكام الشرعية المبينة في الكتاب الكريم. لكن الكلام حول غيرها من أحاديثه وسنته، ومطلق سيرته (قوله وفعله وتقريره)، فهل هي حجة مطلقا؟، فمن قال بمطلق حجيتها ذكر أدلته، ومن خصصها، بين مبرراته. غير أن الحقيقة أن السنة النبوية مستويات:

- تارة تكون السنة الشريفة تفصيلا وبيانا للأحكام الشرعية الورادة في القرآن الكريم، فهي حجة ملزمة، خاصة بالنسبة للمجمل من العبادات كالصلاة وتفصيلاتها. إذ لا سبيل آخر لمعرفتها سوى الحديث الشريف. فلا تخضع لمتغيرات الزمان والمكان، وتبقى مطلقة في حجيتها وإلزامها. أو نقدم فهما آخر لمفهوم الصلاة، وحينئذٍ لا يتوقف فهم تفصيلاتها على رواية نبوية شارحة. وأما التشريعات القضائية والاجتماعية والحقوقية فتتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها، المتوقفة أساسا على فعلية شروطها وقيودها. فيتغير الحكم بتغير الموضوع. وحينما يكون الحكم فعليا، تكون الروايات من باب التطبيقات. فعندما يفرض النبي الزكاة على خصوص الغلّات الأربعة (الحنطة والشعير والتمر والزبيب)، فهو ناظر إلى بيئة المدينة ومحصولاتها من الحبوب. وهذا لا يمنع أن يفرض الفقيه فيما بعد الزكاة على حبوب أخرى كالرز. فرواية الرسول هنا من باب التطبيق والمصداق. ويبقى الحكم للآية وظروف بيئة الفقيه.

- وقد تنقل لنا الروايات أحكاما ولائية للنبي الكريم خلال وجوده في المدينة، فكان يصدر أحكاما باعتباره وليا وقائدا، تفرض عليه الضرورة اتخاذ قرارات آنية، فتكون حجة في زمانه فقط، وليس لها إطلاق يمكن الاحتجاج به شرعا. كتحريمه بيع الماء لسبب يخص ذلك الوقت. وهذا لا يمنع الاستفادة من الموقف والحكم الولائي ومناسباته والاستفادة منهما في اتخاذ قرارات مشابهة.

- وثالثا، تكون أحاديثه في الأخلاق والقيم والمبادئ، باعتباره مثالا وأسوة وقدوة للمسلمين، فتكون ملزمة أخلاقيا، وليس لها إلزام شرعي يقتضي حجيتها. فهي أحاديث ترتبط بالسلوكين الفردي والاجتماعي لتقويم أخلاق الناس. (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).

- ورابعا: هناك روايات، وهي كثيرة تتحدث عن النبي كإنسان وشؤونه الشخصية، يحب هذا الطعام، ويكره ذاك، ويعجبه هذا اللون من اللباس ولا يرغب بغيره. فلا حجية لهذه الأحاديث إطلاقا فهي شأن شخصي، لكن الفهم المتحجر فرضها على بعض المسلمين كواجبات شرعية باعتبار حجية مطلق سنة الرسول قولا وفعلا وتقريرا. فألغت هذه النظرة إنسانية النبي وبشريته بينما يؤكد الكتاب الحكيم، أنه بشرنا مثلنا: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ).

- وخامسا، هناك أحاديث تتعلق بأحكام خاصة بالنبي دون غيره كوجوب صلاة الليل مثلا. فهذه أيضا ليست حجة على أحد غيره.

من هنا تتضح هناك فلسفة عميقة وراء عدم اهتمام النبي بكتابة سنته، تتعلق بالفهم الديني، وضرورة تجدد قراءة النصوص، في إطار المتغيرات الزمانية والمكانية.

 

القيمة المعرفية

المشكلة الأساس اليوم، أن جميع الروايات هي روايات آحاد، ولا حجية لخبر الآحاد إلا من خلال جعل الحجية الشرعية له، وهذا متفق عليه عندهم. وما لم يكن الخبر حجة فلا منجزية له ولا معذرية، ولا يمكن الجزم بصدوره، ومطابقته لنفس الأمر والواقع. غير أن الشارع كما يقولون قد جعل الحجية لخبر الواحد في روايات الأحكام خاصة، كي لا ينسد باب العلم والعلمي. وبالتالي لا قيمة معرفية لكل ما يروى ما لم يتوفر على شرط صحته. وهذا أشبه بالمستحيل باستثناء الروايات المتواترة. خاصة مع تأخر التدوين لما بعد سنة 150 هـ، حيث بقي تداول الروايات الدينية والتاريخية شفاهية. وهذا بحد ذاته إشكال مرير، لا تنفع معه الترقيعات. بما فيها التوثيقات، لأن الاشكالات أكثر تعقيدا، لمن هو مختص بهذا الأمر. ولا تنس الدوافع الطائفية والمذهبية في التدوين. ولا تتغاضى عما فعله بعض الرواة عن حسن نية، دفاعا عن الدين والنبي العظيم. وبالتالي:

- الرواية الصحيحة هي الرواية التي نجزم بصدورها عن النبي. أو هي الرواية التي تورث العلم واليقين بصدورها. فتكون حجة لحجية القطع والجزم بصدورها. باعتبار أن حجيته ذاتية، وليست مجعولة.

- لا يمكن العثور على هذا النوع من الروايات بعد 1400عام على وفاة النبي، والتداول الشفاهي للنصوص، وكثرة دواعي وضع الأحاديث ونسبتها له.

- يستثنى الأحاديث المتواترة، وهي نادرة، لأنها تتطلب رواية الحديث من قبل عدد كبير من الرواة، في كل طبقة من طبقات التاريخ، يتعذر معه تواطؤهم على الكذب، وهذا أشبه بالمستحيل، إلا بخصوص النبوة، والقرآن، والعبادات، التي يتحدث عنها الناس جميعا. والتواتر لا يكشف عن الواقع، لكنه يورث القطع، فيكون منجزا ومعذرا في مقام العمل والامتثال، باعتبار حجيته الذاتية.

- هذا الشرط لا يغني عن شروط أخرى. ولا يكفي تواتر صدوره بل يجب أن لا يتقاطع مضمون الحديث مع ضرورات الرسالة، ودور الدين والإنسان في الحياة.

- فحديث الغدير مثلا حديث متواتر، كما يقولون، وتتوقف عليه قضايا عقائدية مهمة. وهو ورغم أهميته والدراسات التي تدور حوله، لكن لا أحد يلتفت لنقطة خطيرة جدا، تنخرم معها حجيته لو ثبتت صحة صدوره تواترا، لأنه يربط القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة، يربط فهمه نهائيا بعقل زمني، محدود، فليس من الممكن ربط القرآن بسُنة النبي مطلقا، ولا يمكن ربطه بعقول بشرية محدودة كأهل البيت رغم جلالتهم وعلمهم وتقواهم وورعهم، لكن المسألة أعمق بكثير مما يتصور، لأنها ترتبط بنظام اللغة والمعرفة البشرية. ففي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة. فينبعي تأويل الحديث وفهمه ضمن ظرفه، وضروراته. وهذا رأي خاص يعتمد، على فهم فلسفة الدين، وعلاقته بالعقل والمعرفة البشرية، وليس بالضرورة أن يقتنع به العقل التراثي، بل يتوقف قبوله على أختراق جملة يقينيات. من هذا المنطلق تبدو مقارنة نسخ الحديث ضرورية، للتعرف على خصوصيات كل منها، ومدى توافقها مع الشرط المتقدم، فكما هناك نسخه تربط القرآن بالسنة، وأخرى تربطه بعترتي أو أهل بيتي، هناك نسخه ثالثة، لا تخدم أحدا، تستبعد دائما. نسخه مجردة، تكتفي بالقرآن:(تركت فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا)، وهي النسخة التي تربط القرآن بظرفه الزماني، وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر. وهذه النسخة التي يجب التركيز عليها ودراستها.

- وجود الرواية في الصحاح الستة أو الأصول الحديثية الأربعة للشيعة لا يعني صحة صدورها. بل كل رواية تحتاج لدليل خاص بها. فقد يكون مؤلف الكتاب ثقة عند شخص، وليس بثقة عند آخر. وقد يكون منهجه في توثيق الروايات متوافق مع فقيه، متقاطع مع آخر. ولو اطلعنا على مبانيه قد لا نتفق معه.

- لا يكفي صحة صدور الرواية في حجيتها، ما لم تستوف الشروط الأخرى، كعدم معارضتها للعقل والاكتشافات العلمية، والبراهين الرياضية، ولا تتحدث عن خرافات وقضايا ممتنعة في ذاتها كعلم الغيب، ومعرفة جميع اللغات، وغيرها من أوهام العقل التراثي.

- كل رواية لا يمكن الجزم بصحة صدورها فليست بحجة، لأن الحجية إما ذاتية كما بالنسبة للحديث الذي نجزم بصدوره من خلال التواتر، فتكون حجيته ذاتية. أو لم يكن كذلك فلا حجية له بذاته.

- جميع الأحاديث باستثناء الصحيحة هي روايات آحاد، لا يمكن الجزم بصحة صدورها، ولا تورث سوى الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، كما في الآية الكريمة. وخبر الآحاد هو الخبر الذي ينقله راوٍ واحد أو أكثر لا يتجاوز الثلاثة، عن آخر مثله، حتى نهاية السند. (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)

- قالوا بأن الشارع المقدس جعل الحجية للخبر الواحد، والحقيقة لا توجد آية تصرح بذلك، لكنهم نظروا لهذا الجعل من خلال أدلة اجتهادية، تتأثر بقبليات الأصولي ووعيه. غير أنها بمرور الأيام صارت قواعد مقدسة، فوقية، تفرض سلطتها على الفقيه، فيأخذ بالخبر الواحد ويستدل به إستنادا لها. ومن لم يقتنع بهذه الأدلة، فلا حجية لأي خبر من آخبار الأحاد. وهذا ما كان عليه علماء القرن الخامس، حيث كانوا لا يعملون إلا بالخبر المتواتر. وبعضهم اعتمد تصحيح الأخبار المروية في كتاب صحيح من كتب الرواة الموثوقين. وايضا كان بعضهم يشترط عدالة الراوي، لا فقط وثاقته، التي تعتمد هي الأخرى على حجية خبر الواحد، وحجية مؤلفي كتب فهارس الرجل. وقضية معقدة، لكن الخطاب الديني اختط له طريقا، لا يمكن الحياد عنه، ومضى التشريع هكذا، وسيبقى ما لم تتسرب الشكوك لتلك اليقينيات القاهرة.

- والأهم والأخطر الموضوعية في دراسة الروايات والأحاديث والأخبار، فثقافة القارئ، ويقينياته، وعقائده، ورغباته تلعب دورا خطيرا في قبول أو رفض الخبر، فيقبل منها ما يلائم توجهاته ويرفض ما يخالفها مهما كانت الرواية صحيحة. وبالتالي فثمة مرجعيات تتحكم في نقد النص، فكيف يمكن تداركها؟ وثمة إشكاليات تترتب على هذه الإشكالية بالذات، فكيف نثق بآراء الفقهاء والمحدثين؟.

- كما أن أغلب الروايات ليست نصا لما أدلى به النبي، بل منقولة بالمعنى والمضمون، أي ما فهمه الراوي لقول النبي!!!. فكيف تنسب للرسول وتكون حجة على الفقيه؟. والراوي يتأثر بخلفيته وثقافته ومعرفته ونزعاته وميولاته وتوجهاته.

- ثم مشاكل أسانيد الروايات كثيرة، خاصة ما يعرف بـ(العنعنة)، التي لا تعني السماع المباشر، فكيف يمكن الجزم بصحتها.

- وخلاصة الكلام: لا يمكن الوثوق بنص تاريخي مطلقا سوى القرآن، الذي تعهد به جميع المسلمين، على أن يُقرأ ضمن شروطه التاريخية، ومنطقه الداخلي، ومنهجه في المحكم والمتشابه من الآيات، ومعرفة تاريخ الآية وظرف نزولها، وما علاقتها بالهدف الأساس من الدين وخلق الإنسان، وغير ذلك. لنتجاوز محنة العقل التراثي، وما رسّبته الروايات والأحاديث من مفاهيم، كرست الجهل والتنابذ وروح الإنقياد والتبعية. وشوّهت معالم الدين وهدف الإنسان في الحياة. وهذا يتطلب إعادة النظر في منظومة القيم الأخلاقية والمعرفية، وجميع قبليات الفرد ويقينياته، بما يتيح تشكيل العقل وفق أسس جديدة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق26- س73) الحديث عن مفهوم النص

  

التكوين الدلالي

ماجد الغرباوي: النظام القبلي، نظام طبقي، يحتفظ فيه الأشراف أو الملأ بامتيازات واسعة، ويستأثر سادته بالسلطة والمال والثروات. ولكل قبيلة مكانة تعكس قوة حضورها وتأثيرها. ترتهن فيها لعدد بطونها، وشجاعة أفرادها، ومكاسبها المسلحة، وبلاغة شعرائها، وقدراتها الاقتصادية، وسعة الأراضي التي تنتشر فوقها، وطبيعة علاقاتها بالجوار والقبائل الآخرى، ومدى ثقة الناس بها من خلال استجابتها للملهوف والمحتاج والمستجير، وعوامل مختلفة. لكن الأهم في العلاقات القبلية شيئان، الأول: لا قيمة للفرد خارج قبيلته، مهما كانت مكانته، فهي هويته وملاذه ومصدر قوته وعزته، ومن تلفظه يغدو صعلوكا مشردا يفقد أبسط مقومات الاحترام.

الثاني: لكل قبيلة رمزية تمثّل هيبتها وحيثيتها وقدسيتها، تستمدها من مكانتها ومن الصورة الذهنية المرتسمة في وعي المتلقي، والثقافة القبلية والبيئة الاجتماعية، وما يحف بها من دعايات وأوهام ومبالغات. والرصيد الرمزي لكل قبيلة تراكم تاريخي ومكاسب اعتبارية. ولا شك بقوته وتفوقه على الرصيد المادي. فقد تضعف القدرات المادية للقبيلة لكنها تحافظ على هيبتها وتماسكها، كالعملة النقدية التي تستمد قوتها من رمزية الدولة رغم تواضع غطائها من الذهب والعملات الصعبة. فتجدها مستقرة عكس عملات دول أكثر ثراء، وأضعف استقراراً.

 

التكافؤ الرمزي

تُعد قريش أكبر القبائل العربية، حيث بدأت تتمركز في مكة ونواحيها على يد قصي بن كلاب. ثم اكتسبت مكانة أكبر من خلال رعايتها للكعبة والمسجد الحرام، وتعاطيها الاجتماعي والاقتصادي، فترددت أصداؤها في أرجاء القبائل العربية المنتشرة في الحجاز وخارج الحجاز، ثم جاءت العلاقات الاقتصادية ورحلات الشتاء والصيف للشام وبلاد الحبشة فأكسبتها رمزية أكبر، فصار الانتساب لقريش امتيازا اجتماعيا، أذعنت له جميع القبائل العربية في عاداتها وتقاليدها. وخلق شعورا داخليا لدى جميع القريشيين كرّس الروح القبلية والتمايز الطبقي والعنصري، فقريش بنظر أبنائها سادة العرب، وأعلى شرفا ومكانة، ولا يليق بهم سوى السلطة والعز والسلطان. وقد رضخ العرب لهذا الواقع وتعاملت معهم القبائل على أساس أنها قريش سادة العرب. لذا كانت تعزز مكانتها باستمرار، وتقاوم التحديات، دون التفريط بمكانتها، وقد فاوض سادتها النبي من منطلق السلطة واستعدوا للتنازل عنها لتبقى في قريش، لكنه رفض. كما رفض عرضا مماثلا لكندة وبني علم بن صعصعة، فهو ليس سلطانا بل نبياً.

كان لقريش ما يبرر قلقها، فالدين الجديد استهدف وجودها، ورأسمالها الرمزي وسيادتها، وهدد رصيدها ومكانتها، ولا مجال للتسويات معه، بفعل الفارق الرمزي، الذي هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، والمائز بين الغيب والحضور المادي لعقائدهم. هو نبي يوحى إليه، ودعوته دعوة إلهية، لا يبغي مالا ولا سلطانا. بينما تستمد قريش رمزيتها الدينية من رعايتها للمسجد الحرام وبيت الأصنام، وتعهّد الحج وخدمة الحجيج، وكلها مناصب تشريفية، اعتبارية، ليست حقيقية، وقد تُنتزع منهم في لحظة ضعف قبلي. فلا تكافؤ بينهما. فهي دعوة تحدٍ حقيقي،. لذا عرضوا عليه المال والسلطان للتراجع عنها، لكنه أبى وخاطب عمه أبا طالب: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته). وما يؤكد قلق قريش على رصيدها الرمزي وسيادتها أنها ركّزت في حملتها الإعلامية المضادة على تسفيه أحلامه والاستخفاف بعقله، فقالوا: إنه ساحر، مجنون، شاعر، كاهن، يعلمه بشر. لزعزعة اليقين في نبوته. ولم تركّز على موضوع السلطة السياسية، ولم تستخدم ما يخصها من مصطلحات. فيصدق أن معارك قريش لتدارك رأسمالها الرمزي وحماية سلطتها وسيادتها، لذا رفعت شعارات دينية: "اعلوا هبل". كمعادل موضوعي، لكن النبي رفع شعارا صاعقا: "الله أعلى وأجل". وهذا يكشف قوة الرمز الديني في مقابل الرمز القبلي، فقريش المسكونة بالمشاعر القبلية وجنون العظمة، كانت تستمد أغلب رمزيتها من رعايتها للشعائر الدينية. بل يبدو أنها المقوّم الحقيقي لها ولسيادتها. فتخشى تفككها وانهيارها بتلاشي السيادة الدينية. وهو شعور عميق لدى جميع قريش، فمن اعتنق الإسلام، إما أن يكون صادقا في إيمانه، لكنه لم يتخل عن شعوره القبلي، وبقي يعتز بقريش ويتمنى عودة سيادتها وعزتها ومكانتها.. وإما إسلام براغماتي، يخطط للسلطة من خلال الدين الجديد. فلم يتخلَوا عن شعورهم الفوقي، وظل ملازما لهم بعد إسلامهم. فمحمد من قريش ومن سادتها، وكل ما في الأمر أن الرصيد الرمزي انتقل لأضعف بيوتاتها. هكذا أقنع أبو سفيان نفسه بعد فتح مكة، فثمة فرص أمامه لاستعادة السلطة، لذا خاطب علي بن أبي طالب بعد أحداث السقيفة: "إبسط يدك أبايعك، والله لأملأنها خيلا وركبانا". وهذا يؤكد تقدم الولاء القبلي على الولاء الديني في أعماقه.

وبالتالي، رغم مركزية قريش ورمزيتها، لكن تبقى سلطتها بشرية وليست إلاهية، مهما كان مستوى رعايتها للشأن الديني، وقد قللت الآية الكريمة من قيمتها: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). فهو عمل تشريفي ليس أكثر، وليس تنصيبا إلهيا، ولا بمستوى الجهاد والأعمال الصالحة الكبيرة.

وأما بالنسبة لرمزية محمد بن عبد الله، فهو من أشراف مكة، وسادتها، وسدنة الكعبة. وحماة العرب، وملاذ الناس والوافدين للحج أو التجارة، وقد كسب ثقة المجتمع المكي وسادته، من خلال أخلاقه وسلوكه، فانتزع اعترافا رمزيا به. وعندما بعث رسولا، كان رفيع النسب، جليل القدر، عظيم المنزلة، لهذا كانت القبائل تستقبله وتتفاوض معه من هذا المنطلق، فهم لا يعرفون عن دينه وتوجهه الجديد سوى محمد بن عبد الله من سادة قريش. فكانت رمزية قريش حاضرة في شخصيته. ثم راح يتألق باتجاهين، الأول لدى قريش والعرب عامة باعتباره نبيا، مرسلا، ومعارضا كبيرا لدياناتهم وولاءاتهم، وتحدٍ صارخ لأصنامهم وأوثانهم، وقد تحرش بقدسيتهم ومكانتهم الرفيعة. ففرض نفسه رقما لا يستهان به راح يقوى بعد كل انتصار عسكري على قريش وحلفائها، حتى تداعت سلطتهم بعد فتح مكة.

والاتجاه الثاني، رمزية الرسول من خلال الوحي، ذلك المفهوم المهول في دلالاته وقدسيته. فالعرب ينسبون كل إبداع للجن والشياطين والأرواح والقوى الخارقة، فكيف بشخص يوحى إليه، ويسمعون منه ما يدهشهم؟. وهذا بحد ذاته رصيد رمزي هائل يستمد قيمته من انتسابه للإلهي والسماوي. ورمزية أخرى من خلال حضوره القوي في الوجدان الإيماني، وفي قلوب المؤمنين برسالته: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، وهي رمزية دينية وروحية تستمد صدقيتها من النبوة وشخص النبي، فكان لها أثر كبير في انتصار المسلمين. والنبي كان يتمتع بكاريزمية مميزة، إضافة إلى هيبته وقدسيته وهو يتلو ما يتنزّل عليه من الوحي كدليل على صدقية نبوته. وبالتالي فالرصيد الرمزي له رصيد مقدّس، ينفتح على آفاق التأويل فتهيم فيه النفوس المؤمنة، وتستمد منه إيمانها وتقواها. فنجحت شخصيته في خلق أرضية وحاضنة تتجلى فيها رمزيته. تلك التجارب الروحية التي ارتبطت به ارتباطا متيناً. فراحت تستمد منه ما يعمّقها ويصقلها، وبالوقت ذاته، تترسخ القيمة الرمزية في أعماقها. خاصة أن العربي مسكون بالتقديس، يتماهى مع المثيولوجيا، بسبب بيئته وثقافته، فهي ثقافة وصفية - بيانية، تهيم بالوصف دون التوغّل في أعماق الظواهر الحياتية. وما الشعر وكثرة الكهانة والأديان والنبوءات إلا دليل على ما نقول. فجميعها ينتمي للوصف والهيام في الظاهرة. دون النقد والتحليل واكتشاف حقائق الأشياء، بل يهيم العربي بالغيبيات والتأويلات الماورائية، ويؤمن بالأرواح والشياطين والجن والقوى الخارقة، ويكتفي بنسبة الظاهرة لها للتعبير عن عجزه عن فهم حقيقتها. فجزء من قدسية قريش تعود للمخيال العربي الذي يحتفظ بصورة مضخّمة لقريش ورمزيتها.

وتجلت رمزية النبي أكثر في تطور التجربة الإيمانية للمؤمنين، التي ارتقت إلى مستوى الرسالة بفضل حضوره الروحي الكبير (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). وبالتالي فهيمنته ورمزيته تستمد حقيقتها ووجودها من انتسابها للغيب، الذي يتصف بقوة حضوره في النفس العربية، التي تذهلها القوى الخارقة، وتقف أمامها مستسلمة. ثم ترسّخ إيمان الصحابة بإلهية الدعوة ورمزية النبي. وبالفعل طالما أكدت الآيات: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وقد صدق دعواه بالوحي وما نزل عليه من القرآن، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فسلطته سلطة إلهية حقيقية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، ولم يجعلها لأحد من بعده: (وَلَكِنْك رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وبوفاته أنتهت سلطته الدينية، وما لازمها من سلطات سياسية واجتماعية. ولا طاعة مطلقة لأولي الأمر. وهذه هو الواقع، وهذا ما نحتاجه للتمييز بين الإلهي والبشري في شرعية السلطة في ظل تزوير مقصود لحقيقتها.

 

الموقف القَبَلي

بدأ الصراع حول السلطة داخل سقيفة بني ساعدة، حينما تصدى لها الأنصار، كاستحقاق طبيعي لجهادهم وتضحياتهم، حتى تخلوا عن غنائم معركة حُنين استجابة لأمر الرسول، وقد أوصى بهم خيرا، وطالما أشاد بتضحياتهم وجهادهم وإخلاصهم، له شخصيا وللرسالة. وكان خطاب الصحابة في بداية الأمر وديا، إسلاميا، بين طرفيه المهاجرين والأنصار: "يا معشر الأنصار"، "يا معشر المهاجرين". ثم انقلب إلى منطق قَبلي: قريش وغيرها، عندما طرح الأنصار ضمن مفاوضات السلطة شعار: "منا أمير ومنكم أمير". حيث رفض أبو بكر بن قحافه وعمر بن الخطاب وأبي عبيده مشاركة الأنصار في السلطة. وأصروا على تفرّد قريش بها، وروى الأول عن النبي حديثا أنهى آمال غيرهم وإلى الأبد، حيث قال سمعت رسول الله يقول: ("الخلافة" أو "الإمامة" في قريش). وقد راهنوا على صورة قريش في الوعي العربي، فهم سادة العرب، ومحمد منهم، والكل يعرف ذلك، وقد أذعنت جميع القبائل لمنطقهم، ولم يتفاجأوا من كلامه رغم عدم قناعتهم. فالحديث المروي عن الرسول أسس لشرطية قريش في السلطة، وقد أعتمدها الفقه السياسي والسلطاني للمسلمين. وبالتالي فسلطة أبي بكر سلطة بشرية وليست إلهية، اكتسبت مسحة شرعية من خلال الحديث الشريف، وهو أول توظيف سياسي للدين لصالح الرأسمال الرمزي القبلي. وهذا هو المتواري والمتستر عليه تاريخيا عن أحداث السقيفة وخلفيات السلطة والحكم عند المسلمين. التاريخ صوّر النزاع نزاعاً مطلقاً بين الصحابة، وهذا صحيح في بدايته لا في استمراره، فإنه صراع بين قريش.

ثم راح لقب "خليفة رسول الله" يكرس الصفة الإلهية، من خلال ذات اللقب، وأصبح للخليفة ما للرسول من سلطات، بلا أي دليل، آية أو رواية تدل عليه، سوى إيحاءات اللقب ومفهوم الخلافة والخليفة. ثم جاءت حروب الردة التي حسمت باسم الدين ومفهوم الردة قرآنيا. وهو توظيف ثالث للدين من أجل أهداف سياسية وسلطوية. لكن هذا لا يغيّر الحقيقة، فسلطة الخليفة الأول ومن جاء بعده سلطة بشرية مهما كانت إيحاءات مفهوم الخلافة في وعي المسلمين، وقد حسمت داخل سقيفة بني ساعدة ولم يحضرها سوى هؤلاء الثلاثة من كبار المهاجرين، ثم بايعهم الحاضرون. وهكذا الأمر في عهد عمر، حيث بايعه المسلمون بناء على تعيين من قبل أبي بكر، رغم اعتراض بعض الصحابة، وكان هذا ثاني خلاف بينهم. ثم جاء عثمان بشورى قريشية، استبعد منها عمر جميع الأنصار رغم مكانتهم وتقدمهم في الإسلام. وقد حاول نسبتها لله تعالى لكنه فشل في إقناعهم وقتلوه، حيث قال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله). ولم تقنعهم الإحالات الرمزية لكلامه. وعلي بن أبي طالب جاء بالانتخاب والبيعة، ولم يدع وجود نص بخلافته، وكان بأمس الحاجة له لإثبات أولويته، وقد حاجج القوم بذات المبدأ القبلي الذي حسمت بموجبه قريش السلطة. فقال: إذا كان ملاك السلطة القرب من رسول الله فنحن أهل بيته، وقد احتج بعض الحاضرين في السقيفة بنفس هذا الكلام وقال إذاً فعلي بن أبي طالب أولى!. لكن المشكلة أن البيت الهاشمي أضعف البيوت، فلم ينحز مع علي وموقفه الرافض لخلافة أبي بكر سوى أهل بيته والزبير والصحابة ممن عرف مكانته وقربه من رسول الله. وفاز الآخرون بثقلهم القبلي ورأسمالهم الرمزي ومكانتهم في نفوس العرب. وقُتل علي في صراع مرير على سلطة زمنية، مصدر شرعيتها البيعة. وقاتل ولده الإمام الحسن لذات الهدف السياسي، وسارت ثورة ولده الثاني، الإمام الحسين وفقا للعبة السياسية وتقنياتها، فقد رفض بيعة يزيد بسبب سلوكه وانحرافه الأخلاقي والسلطوي. وبايعه أهل الكوفة بموجب كتب ورسائل انهالت عليه، ولم يثق بهم، وأرسل لهم سفيره وابن عمه مسلم بن عقيل، وقد بعث له يؤكد بيعتهم وإخلاصهم فسار وفقا لهذه المعطيات، وكاد يعود بعد أن سمع بمقتل مسلم، لكن الجيش الأموي عجعج به، ثم قُتل هو وأهل بيته في وقعة مأساوية قل مثيلها تاريخيا. رغم الرصيد الرمزي للحسين وأهل بيته عند المسلمين، وقد تشبث به في خطاباته مع الجيش الأموي، ونسب نفسه أكثر من مرة لأمه فاطمة الزهراء وجده المصطفى. واستخدم معاوية طرقا ملتويه لشرعنة سلطته، وقد استولى عليها بالقوة والسيف. فاستعان ببعض الرواة، والفقهاء وعلماء الكلام، ونظروا للقدر والجبر والإرجاء لحماية سلطته وشرعنة سلوكه. وتوارثها من بعده إبنه يزيد، وعدد من رموز بني أمية، وهكذا خلفاء بني العباس، والدولة العثمانية والسلطة الصفوية. فالسلطة هي السلطة زمنية لا دينية مهما نظّروا لها.

وكما تشبث الخلفاء برمزية قريش واستحقاقها للسلطة، كذلك تشبث الأمام علي، وذّكر المسلمين بقربه من رسول الله!! وأيضا كان الحسين يذّكر القوم بانتسابه له. أي كان يستجير برمزيته ورمزية جده، لكنها لم تنفع، لأن قريش أقوى حضورا سياسيا، ومحمد أقوى حضورا دينيا. ورغم كل الجهود المبذولة لتكريس الرأسمال الرمزي النبوي لأهل البيت لكن لم يحالفهم الحظ في السلطة. فربما كان الاستقطاب الرمزي القبلي أقوى من الاستقطاب الديني في السلطة. ثم جاء أصحاب الأئمة وراحوا ينسجون حولهم حكايات وخوارق لتعزيز رصيدهم الرمزي. ثم راح يتعزز أكثر من خلال مفاهيم عقيدية جديدة آمن بها الشيعة، كالعصمة والولاية وعلم الغيب ومعرفة اللغات ومنطق الطير والولاية الدينية والولاية التكوينية والمهدي الغائب، وغير ذلك.

 

الانقلابات الرمزية

اتضح مما تقدم أن صراع السلطة، هو الذي دفع النزاع باتجاه تعزيز المهيمن الرمزي، لتعويض نقص الأدلة الشرعية الصريحة. فالاستدلال على شرعية الخلافة أو الإمامة ما زال يرتكز للتأويل وروايات الفضائل والخرافة وتزوير مستمر للوعي وأوهام الحقيقة، والتشبث بالرصيد الرمزي. ولو بقينا نحن والأدلة فلا يوجد دليل عقلي ولا نقلي حول شرعية السلطتين الدينية والسياسية ونسبتهما للدين، فكلاهما سلطة بشرية، قامت على أدلة اجتهادية وكلامية. السلطة الدينية جعلٌ شرعي، فتحتاج دليل قرآني صريح. لأن كلا الولايتين الدينية والسياسية لله تعالى أصالة، باعتباره خالق السماوات والأرض، وتكونان لغيره بجعل خاص منه عبر آية من آيات الكتاب المجيد، وهو مفقود بالضرورة. لكن مشكلة المسلمين في رثاثة الوعي، وروح التقديس والانقياد، وعدم القدرة على تجاوز المقدسات المصطنعة.

كان الصراع محصورا بين المهاجرين والأنصار، ثم انتقل إلى صراع مرير بين قريش ورموزها: الحزب الأموي والحزب العلوي، الخلافة والإمامة. وما الانقسامات المذهبية والعقائدية سوى تحزّب لهذا الطرف أو ذاك من قريش، وكثير من الدماء أريقت فداء لقريش وسلطتها، فهي بالنسبة لهم ملك عضوض، وكل فتح أرض جديدة تضاف لمملكة قريش، حتى ذهب الأمر بسعيد بن العاص أن يقول ذات يوم: (إنما العراق بستان قريش). ويعتبر عمر بن الخطاب أكثر قريش قلقا على السلطة، وربما استبعد عليا خوفا من ضياعها. فعلي في نظر عمر رجل حرب وليس رجل سلطة، وقريش بحاجة لقائد سياسي يمسك بها، كي لا تخرج من حوزتهم. وكان سؤال العباس للرسول في مرضه بحضور الفصضل وعلي بن أبي طالب، سؤالا عن مستقبلهما السياسي وليس الديني: "أخبرنا يا رسول الله، هل لنا من الأمر شيء"؟ ولم يستفسر أحد من النبي عن مستقبل الدين، ومدى حاجته لإمام من بعده؟ فالسلطة هي مدار الخلافات التي عصفت بقريش واتهم بها الصحابة ظلما سوى أحداث السقيفة، وانطلت على المسلمين باعتبارها خلافات دينية. وقد انخرط الجميع باللعبة السياسية كل من موقعه وفهمه. وتمزقت الأمة وما زالت بسبب طموحات قريش. إن روح الانقياد والعبودية هي التي ساعدت على استمرار سيادة قريش في جبروتها وهيبتها ورمزيتها. ولا يحق لأحد التفكير بالسلطة خارج شرطها الأوحد: "الخلافة في قريش".      

انها معاناة الوعي الديني، فقريش بقيت فكرا سلطويا، يتمظهر بأشكال مختلفة، حقيقته روح العبودية القابعة في أعماقنا وسيادتها على المسلمين عامة والعرب خاصة، بل نحن اليوم ندفع لها من خالص أموالنا ضريبة لنتقي غضب الله. فلا أحد أقرب إلى الله منها!!!. وفي رواية عن النبي"من أحب قريشا أحبه الله ومن أبغض قريشا أبغضه الله"!!. فلا يمكن التحرر من سلطة قريش ما لم نع الحقيقة، ونفهم التاريخ. ونستعيد عقولنا. ولا نهضة في الأفق وقريش ما زالت تتحكم بنا، وتقهرنا وتضطهدنا.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة السبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق25- س73) الحديث عن مفهوم النص 

 

المهيمن الرمزي

ماجد الغرباوي: باتت تداعيات الصراع على السلطة بعد وفاة النبي معروفة للجميع. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان) . ذلك الخلاف الذي مزق الأمة وقطّع أشلاءها، حتى ضمرت معالم الدين، وتعددت قراءاته وفهمه تبعا لهذا الإنقسام. ومازالت تداعيات الصراع تحكم سلوك الناس وثقافتهم ومواقفهم، وستبقى بعد أن أكتسى لباس الدين، وانقلبت وجهته من صراع سياسي إلى صراع ديني مرورا بالصراع السياسي - الديني. ثم تأصّل ليكون ركيزة التفكير، وأداة العقل الجمعي في تفسيره لمختلف الظواهر الحياتية والاجتماعية والدينية. فالإمامة والخلافة اليوم خطان متوازيان، تنعدم بينها مساحات الإلتقاء إلا مجاملة وتسامحا شكليا. وخطوط التماس بين الطرفين قائمة على الإلغاء والتنافي المحكوم بمبدأ الفرقة الناجية ، وفريضة التولي والتبري ، مهما تظاهروا بالوحدة وعقدوا لها مؤتمراتهم. والأخطر التداعيات العقيدية والفكرية التي ظهرت في ظل الصراع المستحكم بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. فالشعور الطائفي المترشح عن الصراع التاريخي أحد أهم أسباب تخلف العرب والمسلمين. لا باعتباره حدثا تاريخيا بل لأن المنظومة القيمية والعقيدية والفكرية والثقافية القائمة على مبدأ الفِرقة الناجية باتت تمثّل البنية المعرفية للفرد والمجتمع، وتستأثر بمرجعياتها وأنساقها. لأنها تأسست على مفاهيم ومقولات استمدت حقيقتها ووجودها من حديث الفرقة الناجية، ولوازمه وتداعياته. فهي تنتمي بالضرورة لحقل معرفي مفارق للعقل. قوامه وهم الحقيقة وخرافية الجوهر، بعيدا عن منطق العقل والعقلانية. فالصراع بات سلطة ومرجعية، أفرزت مذاهب وفٍرق وعقائد ومدارس فقهية وأحزاباً سياسية ومجتمعات طائفية وشعورا إقصائيا ومناهج تفكيرية وأدوات معرفية. فهو الكل المعرفي والسلوكي والأخلاقي، وهو العقل الذي تشكل في إطاره. فالثقافة اليوم تكرّس قيم الصراع حتى وهي تجدد مقولاتها في ظل الحداثة وآفاقها الواسعة القائمة على العقل والاستدلال والبرهان المنطقي. والحالات الاستثنائية تمرد ما زال محدودا لم يشكل تيارا ضاغطا باتجاه النهضة، والتخلي عن قيم حديث الفٍرقة الناجية.

وبما أن أزمتنا الحضارية أزمة عقل أولاً، فنحتاج لتفكيكه وإعادة تشكيله وفق مبادئ ومناهج منتجة للمعرفة والقيم الحضارية. وهذا لا يتحقق ما لم نعد خطوة ما قبل الصراع، لتعرية الأسيجة القدسية، والأسوار الدينية. فلم يعد الصراع صراعا على سلطة زمنية – بشرية. سياسة كانت أو دينية، بل صراعا حول سلطة إلهية مقدسة. فينبغي كشف العناصر البشرية فيها، ونزع قدسيتها. أي نحتاج للتعرف على القيمة الحقيقية لجميع ما نؤمن به من حقائق دينية ومذهبية، ومدى علاقتها بالمقدس، وتفكيك المهيمن الرمزي وإيحاءاته. فنحن اليوم نواجه مشكلة "وهم الحقيقة"، حيث ينسى الفكر الديني دور الصراع التاريخي في تأصيل العقائد ومقولاتها ومفاهيمها، ويحسب أن الفكر الاجتهادي حقيقة مطلقة، رغم أنه فكر بشري نسبي، يختلف من شخص إلى آخر، وفقا لخلفياته وثقافته ومستوى وعيه وعلمه وقدرة أدواته على التنظير. فهو يُخطئ عندما يعتبر الفقيه والمفكر مجرد طريق للحقيقة. ويرتكب خطيئة حينما يرمي المخالف بالانحراف والردة والكفر. الفكر الديني فكر بشري، اجتهادي، نسبي، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وأصدق دليل تعدد الآراء والفتوى حتى في المذهب الواحد. لا شك أن المهيمن الرمزي والإيمان النفسي والوعي التراثي واليقين السلبي لهم دور في سلب الآراء الاجتهادية نسبيتها، واعتبارها حقائق نهائية، كتعامل المسلمين مع التراث، وتعامل الإسلامين مع المنجز الفكري للرموز الدينية والإسلامية. كموقف الحركات الإسلامية، سنة وشيعة، من تراث سيد قطب ومحمد باقر الصدر، على التوالي. وهي أوهام الحقيقة ترافق الخطابات الأيديولوجية، خاصة في حقبة المعارضة. وقد عجزت إيران عن طرح بديل إقتصادي إسلامي، وعادت بعد 9 سنوات من المعاناة للاقتصاد العالمي وحركة السوق بمسحة شرعية بسيطة جدا، لا تخرج المعاملات البنكية عن ربويتها. وهي مجازفة لولا طلب المرشد علي خامنئي في حينها إعادة النظر في مفهوم الربا. فوجد فيه رؤساء المؤسسات المالية إيذاناً بالعودة لنظم البنوك العالمية. وأيضا تراجعت إيران عن مشروع أسلمة العلوم الإنسانية الذي كانت تعوّل عليه في وجود علوم إنسانية إسلامية في موازاة العلوم الإنسانية الغربية. وهو مشروع خاطئ، سببه تباين المبادئ الفلسفية لكلتا المنظومتين. لكنه أحد رهانات الإسلامين، ومشروع الدولة الإسلامية، حتى انسحاب رضا داوري اردكاني. وهو من أشهر مفكري إيران المعاصرين في هذا المجال، وقد كرّس ثلاثين عاما من حياته لأسلمة العلوم. فأحدث قراره ضجة كبيرة في حينها ، عندما أعلن رسميا انسحابه من مشروع أسلمة العلوم في رسالة وجهها الى (المركز الحديث للعلوم الإسلامية) في مدينة قم الإيرانية. ثم أعقبه رئيس الجمهورية د. حسن روحاني بعد أسبوع بتصريح بنفس الاتجاه. كل هذا يؤكد عدم وجود مطلقات في الفكر الديني. لكن متى يكف الخطاب الأيديولوجي من خداعه وتضليله؟. الأسلمة لا تنتج معرفة حقيقية بل علوم ترقيعية مشوّهة، لأنها في الغرب قائمة على مبادئ فلسفية مغايرة، وأسلمتها وفق مبادئ فلسفية أخرى يفقدها قيمتها المعرفية، وتصبح علوما شوهاء تفقد أصالتها. وما زال الفكر الإسلامي يراوح في دائرة الإنغلاق المعرفي، بسب عدم فهمه لدور الدين والإنسان في الحياة. وبالتالي فالتمييز بين البشري والإلهي، والمقدس والمدنس، والسماوي والأرضي، يساعد على فهم الحقيقة، ليستعيد المجتمع وعيه، ويعيد النظر بمسلّماته ويقينياته، ورموزه، وفقا للواقع وحقائقه. فثمة هالة قدسية ينبغي اختراقها وكشف حقيقتها. وتعالي يجب استدراجه ومحاكمته، وهذا ما نسعى له ضمن مشروعنا الحضاري النهضوي. ونطالب بإعادة النظر بالحقائق التراثية، عقيدية وفكرية، كي يتسنى لنا اكتشاف الواقع، وتخطي أزماته وتحدياته باتجاه حداثة عقلانية تقوم على مبادئ حضارية – إنسانية. والدين في حقيقته لا يخرج على المبادئ الإسلامية بل يؤكدها. ويبقى تفكيك الخطاب السياسي – الديني مهمة أساسية. فصراع الناس اليوم حول قضايا لا يعرفون عن حقيقتها شيئا. قضايا موروثة بفعل الثقافة والتربية والبيئة والخطابات الأيديولوجية. وعليه يجب العودة للبدايات التاريخية لفرز ما هو ديني عما هو بشري، من أجل وعي جديد يعزز طموحات النهضة.

 

الرسالة والسلطة

تعتبر بعثة النبي نقطة تحول في تاريخ العرب عامة وقريش خاصة. وكان تاريخ المسلمين قبل وفاته تاريخا للرسالة، ومكابدات الرسول مع الملأ من قريش، ومَن حالفهم من أهل الكتاب. بدأت المرحلة المكية سلمية واستمرت حتى هجرة المسلمين للمدينة. فكانت حصيلة المرحلة الثانية مجموعة غزوات وحروب خاضها الصحابة. ثم بدأت تستتب بعد عام الفتح معالم مجتمع جديد، يتمثل قيما وأخلاقا، هي مزيج من قيم دينية وقبلية، تجلت بوضوح في نزاع المسلمين حول السلطة. فتركت أسئلة حائرة حول قدرة الدين على صقل الروح القبلية، وتشكيك مرير حول صدقية التفاضل على أساس التقوى والكفاءة في الحكم، عندما فرض الصحابة القريشية شرطا في السلطة ("الخلافة" أو "الإمامة" في قريش). فاستأثروا بخلافة المسلمين واستبعدوا غيرها من الصحابة رغم كفاءتهم، ومكانتهم في الإسلام. بل استأثرت قريش بالرأسمال الرمزي للمقدس من خلال عدد كبير من روايات الفضائل، كحديث العشرة المبشرة بالجنة كلهم من قريش!!. وغيرها من الأحاديث التي خصتهم على إنفراد أو مجموعات . لكنها أقواها روايات التفاضل بين الخلفاء الأربعة، كخبر معجزة تسبيح الحصى في يد الرسول، ومن ثم بيد الخلفاء الثلاثة واحدا بعد الآخر، حسب الرواية السنية . وتسبيحه بعد الرسول في يد علي خاصة، وفقا للرواية الشيعية . ولهذه الروايات وقعها آنذاك، في مجتمع ثقافته السحر والمعاجز والكرامات. والإسراف باللامعقول والغيبيات. فهي حديثهم وزادهم اليومي. ولها قيمة رمزية عالية. رغم تنويه القرآن بالامتناع الذاتي للغيب بالنسبة للإنسان. لكن العقلية العربية عقلية خيالية وهمية، انتجت لنا تراكما شعريا هائلا، لم يساعدنا في نهضتنا، بل وكرّس قيم الاستبداد الديني والسياسي، وتستر على الظلم والعدوان. واستغرق في وصف الخمور والمجون والجواري . فالأدب العربي لم يساهم في نهضتهم. بينما ينسب للأدب العالمي دوره في الثورات الاجتماعية. وهذا الكلام لا ينفي وجود نماذج أدبية مثالية لكنها لم تؤثر حقيقة، فهناك جو عام عصي على النهضة والتحوّل، له أسبابه التي نسعى لمعالجتها نقديا.

إن الصراع حول السلطة بعد النبي يعود لأسباب عميقة، ترتبط بالقيم القبلية، والرأسمال الرمزي ومهيمنه، وإيماءاته وقوة حضوره. فالصحابة على درجة واحدة من الإيمان والإلتزام حسب الظاهر، وأما التقوى والنوايا الشخصية فلا يعلمها إلا الله. كما أن القرب من رسول الله لا يعني كفاءة الصحابي سياسيا، بل ثمة أسباب والتزامات جعلت بعضهم أقرب، كقدم الصحابي، ومنزلته الاجتماعية، وقوة تأثيره، وقرابته. وفي المعارك تتغير خارطة العلاقات على أساس الشجاعة وكفاءة القائد العسكري، فيكون هو الأقرب لرسول الله بحكم الظرف العسكري. وهكذا بقية الاختصاصات. والشاهد أن الكتاب الكريم لم يصرح باسم أحدهم، وجاءت آياته مطلقة في مصاديقها. وهذا لا يمنع أن يكون أحدهم مصداقا لها، لكن لا يمكنه احتكارها ما دامت مطلقة، فكما تنطبق عليه تنطبق على غيره. لذا لم تُطرح هذه الخصائص على بساط البحث عندما دار الحديث حول السلطة بين المهاجرين والأنصار، إلا كلاما عاما. أقصد لم تكن بذاتها محورا للمفاوضات السياسية. بل الانتماء القبلي هو الذي حسم الموقف السياسي، واحتكرت قريش بموجبه السلطة، بعد استبعادها للأنصار الأقرب لرسول الله، وفقا لمجموعة أحاديث، يثني عليهم وتعكس مدى اهتمامه بهم: "أوصيكم بالأنصار خيرا" . وكأنه يعلم أن السيادة ستكون دائما للمنطق القبلي، وستكون التقوى والمواقف الرسالية المشرّفة في آخر قائمة أولويات التفاضل. وهذا ما حصل فعلا. وبدأت مرحلة توظيف الديني لخدمة السياسة وأهدافها في تكريس السلطة، فالتبس الديني بالسياسي. لذا ينبغي كشف البعد البشري في السلطة، سواء السلطة الدينية أو السياسية. وتحديد وجهة الصراع منذ نشوبه حتى اليوم، لنتمكن من تفكيك البنية المعرفية للعقل المسلم عامة والعربي خاصة، القائمة على يقينيات تسودها الخرافة واللامعقول، تقدس الرموز الدينية، بدوافع طائفية وأيديولوجية.

لقد انتهت بوفاة النبي مرحلة الإسلامي الديني، وبدأت مرحلة الإسلام السياسي، لحظة توظيف النص الديني لشرعنة الموقف السياسي. فالدين لم يهتم بموضوع السياسة، وكل ما يشتمل عليه الكتاب الكريم مبادئ وقيم تصلح أن تكون قاعدة أخلاقية لضبط الأداء السياسي والاقتصادي. ولم ترد أية إشارة لمفردات الفكر السياسي، بما في ذلك مفهوم الشورى، فهو لم يخرج عن معناه اللغوي، ولا يرقى به لمعنى الديمقراطية بالمصطلح الحديث. ولم يعهد من الرسول عهدا سياسيا لأحد من الصحابة بنص صريح واضح لا لبس فيه يؤكد استمرار السلطة السياسية بشخص أحد منهم. وقد مات وهو على ذات الموقف. والمعروف تاريخيا أن بعض القبائل العربية قد ساومت النبي حول السلطة، ورفض طلبهم، لأنه نبي وليس ملاكا أو سلطانا، والنبوة أمر إلهي واصطفاء رباني: "الله أعلم حيث يجعل رسالته"، كما كان يرد عليهم. ولو كان مشروعه مشروعا سياسيا أو سياسيا - دينيا لتفاوض معهم على الحد الأدني، أو ترك الباب مفتوحا للمتغيرات السياسية، هذا هو مقتضى العمل السياسي. لكن مواقفه كانت حدية، مبدئية، دينية خالصة، حتى في أساليبه السياسية. وقد سبق لقبيلته أن عرضت عليه السلطة، ورفض. وكان يؤكد دائما أنه نبي مبعوث، لا يريد منهم سوى الإيمان بالله ووحدانيته والإلتزام بأوامره ونواهيه، من أجلهم، ومن أجل مجتمع يسوده العدل والسلام. وهذه الحقائق التاريخية تنهي جدل السلطة والدين، مطلق السلطة. لكن ثمة رغبة ملحّة دفعت التنظير الفكري والفقهي إلى تأويل الآيات والروايات والسيرة، من أجل التوفر على أدلة لشرعنة السلطة دينيا. وكل هذا لم يجد نفعا، فالسلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية. حاولت نظرية ولاية الفقيه إن تستدل بأدلة شرعية لفظية لكنها فشلت، فاستدل عليها بعض الفقهاء بدليل عقلي، باعتبارها ضرورة دينية – سياسية. وآخرون استدلوا بروايات ضعيفة وسيرة تاريخية لذات الهدف . السياسة والاقتصاد من أهم وأخطر الموضوعات، وعدم اهتمام القرآن له دلالته. كي تواكب السياسة والاقتصاد تطورات الحياة، وعدم الجمود على صيغة واحدة. وتبقى المبادئ حاكمة، كسيادة العدل والقسط والروح الإنسانية وغير ذلك. وبالتالي فدعوى دينية السلطة يحتاج إلى أدلة قطعية الدلالة والسند، صريحة، واضحة لا لبس فيها. فالمسألة خطيرة وليست عادية. وقد سفك الإسلاميون التكفيريون دماء غزيرة من أجل مشروع سياسي باسم الدين وشريعة سيد المرسلين، وهم لا يملكون أي دليل شرعي صريح في المقام!!.

فالسؤال المهم كيف التبس الديني بالسياسي؟ وكيف غادرت السلطة بشريتها وأصبحت منصبا إلهياً؟ وكيف تم تزوير الوعي، وخداع الناس؟. وما هو مصير العلوم والعقائد التي تأسست على مقولة إلهية السلطة عندما نستعيد بشريتها، سواء كانت السلطة دينية أم سياسية؟. فثمة آثار واسعة ستترتب عليها. وستتلاشى كثير من المفاهيم التي لها مساس بحياة الناس، ومصيرهم في اليوم الآخر.

 

المهيمن الرمزي

أقصد بالمهيمن: نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، تعمل كموجه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي، فيرتهن لها وعي الفرد، وطريقة إشتغاله لا شعوريا.

وبهذا يتضح أن فهم المهيمن يتوقف على فهم أنساقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية، ومناشئ وجودها، ومدى صدقيتها. وهي مقولات تأسيسية، مكتسبة، تترسب لا شعوريا في بواكير الوعي، عبر التربية والتعليم والبيئة والعقل الجماعي والأجواء الثقافية المحيطة به. فيتعامل معها العقل كحقائق رغم عدم وعيه لمدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر. وهذا النوع من المقولات يتعذر نقدها وتفكيكها بسهولة، لأنها تنتظم ضمن أنساق مضمرة، فتكتسب مناعة ذاتية، وهذا سر مقاومتها للنقد. فهي قناعات لا شعورية، يحار المرء في اكتشاف سببها، ويعاني في استعادة وعيه، ما لم يرهقه القلق والتردد والشكوك والاستفهامات. وتقاس فعلية كل مهيمن بقوة حضوره، حينما يباغت الوعي، ويطفو لا شعوريا، ويضع الفرد في موقف حرج أمام صدقية وعيه. وقدرته على التحرر من سلطة مهيمناته وأنساقه المعرفية.

ويتنوع المهيمن بتنوع مقولاته وأنساقه ومهامه وتقنياته وطريقة اشتغاله وأدائه وتأثيره بوعي الفرد والعقل الجمعي. فكما هناك مهيمن ثقافي هناك مهيمن دلالي، وهناك مهيمن رمزي يتحكم بالعلاقات الاجتماعية والدينية، وتفسير ظواهرهما. يستمد وجوده من أنساق المهيمنين الثقافي والدلالي، ويرتبط بمهيمن ثالث نفسي ينفرد بطريقة وعيه واشتغاله، وهيمنته اللاشعورية، في تجلياتها المختلفة. وتعمل هذه الأنساق بطريقة جدلية، فتؤثر وتتأثر، وتعيد تشكيل نفسها باستمرار. وتكون العلاقة بينها علاقة تشابك مستمر. وهي الوسط الذي تتجلى فيه حقيقة مختلف الدلالات الرمزية للرموز الدينية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، وغيرها. وليس لها أية حقيقة خارج وعي الفرد والمجتمع. ولا سلطة وسيادة لها خارج الفضاء المعرفي للعقل. فقيمة الرأسمال الرمزي لأية شخصية أو جهة اجتماعية وغير اجتماعية تتحدد من خلال ما تمتلك من رصيد رمزي، وقوة حضوره في الوعي المرتكز لمختلف قبلياته، سواء كان فردا أو جماعة. الفرد بخصوصيته وثقافته، والمجتمع بالوعي الجمعي، الذي يتصف بقوة تأثيره عندما يهيمن على الموقف العام رغم تمرد بعض أفراده. فرهان الحقيقة الرمزية وسلطاتها على الوعي الجماعي أكبر من رهانها على الفرد. الأول يخلو من القلق والتردد وعدم القناعة، ويتصف بقوة يقينياته، التي هي سمة عامة ليقنيات الأفراد وليست تفصيلاتها الملغومة بالشكوك أحيانا.

ثمة ملاحظة أن المهيمن الرمزي يتفاعل لا شعوريا مع الغيبيات واللامعقول، ويستلهم منها دلالات وإيحاءات. بل ليس لها خارج فضائه الدلالي أية حقيقة، فهي من مخلوقاته، يتولى الوهم تصويرها، وصياغتها ضمن قوالب ثقافية ونفسية. فالحديث عن الميتافيزيقيا ومصاديقها حديث داخل فضاء العقل، وما يلتقطه النسق الدلالي، ويتمثله المهيمن الرمزي. وخلاصة الكلام أن المهيمن الرمزي يعيش وهم الحقيقة المطلقة دائما، وليس له سوى الوهم يستمد منه مقوماته، ومنهم يتأثر الموقف النفسي، فيتجلى عبر المهابة، والتقديس والتبجيل والإيحاءات الغيبية. فتتباين القيمة الرمزية من شخص إلى أخر، وهو سر السلوك المختلف والمشاعر المتفاوتة تجاه الرموز الدينية والاجتماعية. فالتنقيب في أعماق المهيمن الرمزي تفكيك لمفاهيمه ومقولاته، القائمة على الوهم، وما تحتفظ به قبليات الفرد من ثقافات وعادات وتقاليد وأشياء أخرى. فتجد الفرد الذي يتعامل بكل قدسية وخشوع مع هذا الرمز الديني، يتعامل بكثير من اللامبالاة مع رمز آخر. بسب قبلياته وتصوراته وأوهامه عن كلا الرمزين رغم انتمائهما الديني.

وبما أننا بصدد التمييز بين البشري والإلهي للسلطتين الدينية والسياسية، فيهمنا التعرف على الرأسمال الرمزي لكل من محمد بن عبد الله وقبيلة قريش. محمد باعتباره نبياً مرسلا، وقريش باعتبار مركزيتها وسلطتها القبلية. من أين أتى؟ وما هي روافده وتقنياته في فرض حقيقته؟

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: التاسعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق24- س73) الحديث عن مفهوم النص.

 

الحقيقة العقائدية

ماجد الغرباوي: لعب التراث دورا خطيرا في تشييد الهيكل العقائدي للفِرق والمذاهب الدينية عامة، والإسلامية خاصة. وأقصد بالتراث الأعم من الروايات. ثم تطورت وانتشرت في ظل ثنائية السلطة والمعارضة. ويكفي في صدق هذه الحقيقة مقارنة أولية بين عقيدة القرآن، وما يؤمن به الناس. الكتاب يكتفي بـ(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) . غير أن التراث نظّر لعقائد اتسمت بغرائبيتها، وارتفعت بالرموز الدينية أسطورياً. وأقامت التفاضل على أسس قبلية، وفئوية. وتقدم الحديث عن: أصحابي كالنجوم، وتداعيات تعميمه لجميع الصحابة. بل حتى مع ثبوت صحة صدوره يبقى الإطلاق مشكوكا، فربما كان النبي يقصد مجموعة محددة. فيكون الخبر ناظرا لهم، على نحو القضية الخارجية. غير أن التراث وسع موضوع الحكم لغايات سياسية وطائفية، فتكون حقيقتهم حقيقة تراثية.

في الضفة الأخرى، نجح التراث الشيعي في تأسيس حقائق دينية وعقيدية، فرضت نفسها على وعي الفرد والمجتمع، وتحكمت في مسار التفكير الفقهي، كما بالنسبة لمفهوم العصمة. وإن الأئمة نور واحد، وحقيقة واحدة ، هي جوهر الإمامة المعصومة. حيث رتب الفقهاء عليهما آثارا مهمة، منها:

- امتد عصر التشريع بعد النبي حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي 320 هـ. بينما يصرح القرآن باكتمال الدين تشريعيا عندما جاءت الآية بعد مصفوفة أحكام شرعية، حيت تقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .

- تفاقمت الروايات الموضوعة، وبات قول الإمام كقول النبي في حجيته وشرعيته. بناء على ذات الحقيقة المطلقة. وأصبحت روايات الغلو تنتسب للأئمة الإثني عشر.

- طمست هذه المفاهم البعد البشري في الإمام، ودور الظروف التاريخية في صياغة وعيه.

- فرضت هذه الحقيقة سلطتها على وعي الفقيه، فاضطر لإلغاء الفواصل التاريخية بين الأئمة، والمؤثرات الثقافية، واعتبر حياتهم مقطعا زمنياً واحدا، تنتقل فيه ذات الحقيقة المطلقة من إمام إلى آخر. فهم حقيقة متعالية تسري فيهم، فيلزم التعامل مع رواياتهم على أساس وحدة المصدر "الإمامة المعصومة"، لا على أساس تعدد الأشخاص. لذا وضع الفقهاء الشيعة ما يعرف بقواعد رفع التعارض بين الروايات، وهي كثيرة، يلجأ لها الفقيه من وحي تلك الحقيقة، متناسيا دور الثقافة وقبليات المجتمع في وجودها، وحجم تأثيرها على وعي الإمام. فما نراه تناقضا في نصوصهم لا يراه الفقيه كذلك، بل يجري عليه تلك القواعد للحفاظ على كلا النصين، مثلها مثل الآيات القرآنية، حيث يرفع التعارض بالتخصيص والتقييد. وبالتالي فكل حقيقة عقيدية تصبح سلطة موجهة، رغم نسبيتها. وهذا هو الخطر. ولو أن الفقهاء تعاملوا مع رواياتهم وفقا للمنطق البشري، فسوف تتغير بعض الأحكام الفقيه، وتصبح آراؤهم اجتهادات شخصية، يمكن مقارنتها واكتشاف مرتكزاتها. غير أن الروايات تؤسس لعصمتهم، فهم نور واحد، وحقيقة واحدة، وهدف واحد رغم تعدد أدوارهم، كما يعتقد السيد محمد باقر الصدر . فالإمامة المعصومة بنظر الشيعة، حقيقة مطلقة.

- تطور مفهوم العصمة فتولدت مفاهيم جديدة، وعقائد أقرب للخرافة، ترتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية. كالقول بالولاية التكوينية التي تعني قدرة الإمام على التصرف بالكون .

وقد مر الكلام أن الحقائق الدينية حقائق نسبية، لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. بل أن تعدد مناشئه يكفي في نسبية الحقائق التي تراهن عليه في وجودها وسلطتها. من هنا أجد أن تكثيف نقد الحقائق الدينية غير القرآنية يفتح آفاقا معرفية واسعة، ويعيد تشكيل وعي الفرد بذاته والآخر، رغم بطء الاستجابة للقراءات النقدية ما لم تمس المترسب في أعماق النفس، ويزحزح النقد تدريجيا قدسية النصوص المؤسسة. حينئذٍ يمكن أن يستعيد الإنسان وعيه، ويعود لقراءة التاريخ والتراث للتخلص من عبء نصوصه. لكن حراس مختلف العقائد يتداركون ضعف الروايات بالخرافات والطقوس وتزيين المعابد، خوفا من انهيار العقيدة بانهيار نصوصها. لذا لا يشكل النص سوى رافدا من روافد الإيمان، وتبقى الروافد الأخرى أكثر تأثيرا وفاعلية، حينما يستدل بها على صدق عقيدته. إن إيمان الناس بعقائدهم إيمان نفسي موروث، فيكون راسخا. ويقينهم يقين سلبي يكرس اللامعقول الديني، ويستمرئ الخرافة، ويغلق منافذ الوعي.

قرأت تعليقا على منشور في الفيسبوك كان صاحبه يستدل بآيات قرآنية على نفي علم الغيب عن الأنبياء، كمقدمة لنفيه عن غيرهم، كالأئمة. فكتب المعلّق:

(نعم لقد نفى القرآن علم الأنبياء بالغيب وهذا لا شك فيه. لكنني أتحداك أن تنفي علم أئمة أهل البيت بالغيب!!!).

وهذا تصريح خطير، ينطوي على ما أصفه بأوهام الحقيقة. والرجل لم يتكلم عن فراغ، فهناك رواية مفصّلة تذكر فضل الأئمة، خاصة الإمام علي، على جميع الأنبياء ما عدا محمد . حيث ترى، وإنْ لم تصرّح بذلك، أن الآيات التي نفت علم الغيب عن الأنبياء كانت ناظرة للمفضولين (أي الأنبياء) قياسا بالأفضل علي بن أبي طالب!!. فلا تشمله أساسا، فهو أعلى رتبة وقرباً إلى الله تعالى. فكان دليله وهو يصرّح بكل ثقة روايات موضوعة، نجحت في فرض حقيقتها، كقوله: (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم) ، حيث مهّدت لقبول رواية التفضيل. فعندما نفكك كلامه، ونتقصى من خلاله مداراته الفكرية سنقف على مرجعياته العقيدية، وما تضمر من مفاهيم ومقولات وأنساق معرفية. فالنقد ينبغي أن يتوجه لحقله المعرفي، وعدم الاشتباك معه حول تجلياته والظاهر من كلامه. فهو حتى لو تراجع عنه، فسيكون تراجعا آنياً، ما دامت البنى التحتية لم يقاربها النقد.

إن العقل التراثي وضمور الحس النقدي ورثاثة الوعي هي التي ساعدت على مرور الروايات الموضوعة، فهذا الشخص لم يع تقنيات النص حينما رفع عليا إلى مصاف الأنبياء، حيث غيّب ضمن استراتيجيته في التستر والتاثير، آلية الاصطفاء، التي هي من اختصاص الله تعالى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) وعلي ليس منهم بالضرورة. فالمتلقي تعامل مع الطرفين بذات المستوى من القداسة بناء على قبلياته، دون الرجوع للكتاب الكريم. وفضل عليا، باعتباره بريئا سلوكيا من هفوات الأنبياء، بناء على العصمة تلك الحقيقة المطلقة التي هيمنت على تفكير العقل الشيعي برمته، فمررها النص كمسلمة من خلال مقارنته بالأنبياء، رغم انتفاء شروطها. فعلي ليس نبيا كي يُقارن بهم، لولا قدسية رواية التفضيل التي تقمع السؤال بناء على إرتكازها على نصوص مؤسِسٍة، كالرواقة المتقدمة: (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم). فالمتلقي الذي يؤمن بعصمة الأئمة وقدسيتهم يكتفي بالإصغاء والتسليم دون الإعتراض، فمرت المقارنة وتفضيل علي على جميع الأنبياء كحقائق نهائية. وأصبحت حقيقة مطلقة تؤثر في وعي المتلقي وفهمه للدين ومختلف الظواهر الحياتية. وليس له دليل سوى روايات تراثية. وهذه هي براعة النص، حينما يضمر أكثر مما يظهر، فيجب استدعاء ما يتستر عليه، وما لا يريد قول، لاكتشاف ما تبدو حقيقة، ورصد أوهامها وفخخها.

 

النقد والحقيقة

النقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغاته، خاصة مراوغات الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة، وإقناع المتلقي بها، وترسيخها، وتحصينها. فمهمة الخطاب مهمة أيديولوجية، تستبعد نقد ومراجعة الذات، وتكتفي بالعزف على وتر العواطف، وتزوير الوعي، بفعل العقل الجمعي، وما تختزنه قبليات الفرد والمجتمع. فالخطاب يمارس دورا خطيرا حينما يتستر على حقيقة رسالته، من خلال تقنياته واستراتيجياته في التأثير. قد لا يتفاعل المتلقي مع النص مباشرة، ولا يدرك أهدافه، وربما لا يترك أي أثر في نفسه، لولا قوة الخطاب، وأسلوبه في تمرير ما يبدو أنها مسلّمات. فالحقيقة الدينية تراهن على قدرة الخطاب في ترسيخ الإيمان وإقناع المتلقي. وهو عندما يعجز في الإرتكاز للمقدمات العقلية والبرهانية، يبالغ في خطابه العاطفي والأيديولوجي.

النصوص المقدسة لا تضع بين يديك حقائق علمية يمكنك من خلالها الاستدلال على صدقية إخباراتها وحقائقها، بل تراهن على الإيمان، والذي هو بدوره خطاب عاطفي، تتوهج معه النفس، وتتفاعل حد الاستشهاد بكل يقين. قوة النص المقدس في خطابه، وطريقة أدائه، بشكل يشد مشاعرك حداً يدخل العقل في سبات. خاصة مرحلة التلقين، حيث تترسب المفاهيم الأولية والمقولات الأساسية لا شعوريا، بفعل التربية والمحيط والخطاب العاطفي والمقارنات البسيطة وإثارة الكمائن النفسية. وهذه المرحلة لا يغادرها الإنسان إلا بيقظة حقيقية تقاوم إغراءت الخطاب وهو يمرر مسلّماته، ويحجب دوره في التأثير. لذا تجد بعض الناس مرابطا في هذه المرحلة حتى مماته، مهما كان مستواه العلمي والأكاديمي. فالوعي غير العلم والمعرفة.

إن قوة النص تقاس بقدرته على حجب دوره في تكوين حقيقته، ودوره في تشكيل حقائق أخرى. وتقاس قوة الخطاب ببراعته وقدرته على حجب آليته في التأثير والإقناع. فحينما تستولى قدسية الخطاب على مشاعر المتلقي، يتستر على براعته في استخدام أدواته وتقنياته اللغوية. وهذه خصوصية جميع الخطابات الأيديولوجية والتعبوية. فرهان الخطاب الأكبر على قبليات المتلقي وثقافته، ومساحة اللامعقول الديني في ذهنه، وكيفية تفاعله مع مضامين النصوص وغرائبيتها. فالبنية الأسطورية تفتح آفاق الأسطرة واللامعقول. وتقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

 

القراءة التأويلية

إن القراءة التأويلية للنص تقيم علاقة جدلية بين منظومتين معرفيتين، ينتج عنهما فهم متجدد، يتأثر بظرفه، وبمناهج قراءته وأدواته المعرفية. فالنص ينقلب خلال تفكيكه واكتشاف أعماقه إلى بركان يلقي بحمولته الدلالية ضمن سياق النص ودواله. وقد تتفتت سلطته وهي تمارس مركزيتها باحتكار الحقيقة أو بجزئها. وليست سلطة النص سوى هيمنته معرفيا، وأي زعزعة نقدية وتفكيكية أو تحليلية، تفقده مقاومة التأويل، فيعاد تشكيل العقل وفقا لنسق معرفي آخر، قد يقع على الضد منه. وهذا ما نحتاجه لمقاومة ثقافة التراث ويقينياته التي تعبث بحياتنا واستقرارنا. لا بد أن تخبو سلطة النصوص التراثية، وتتوارى خلف أسوار المراجعة النقدية المستمرة، وطرح البديل العقلي، الذي يستمد وعيه من معطيات العلوم والثقافة الحديثة.

إن التأكيد على نقد النصوص الدينية والتراثية باعتبار مركزيتها، ودخولها بقعة اللامفكر فيه، المتواري داخل خطوطه الحمراء وجزره المغلقة، فيلعب دورا فتاكا في تزوير الوعي، ما لم يلاحقه النقد. تلك النصوص، خاصة الموضوعة لتلبية حاجات نفسية وطائفية، ترسو في بنية العقل المسلم، وتمارس دورها في اللاوعي، على صعيد التحكّم بمسار الثقافة والمعرفة، في عملية التكفير. فتستقطب ما يؤازرها من نصوص، وترفض ما لا ينسجم مع منطقها. كما أنها تواصل ترسيخ حضورها من خلال كل قراءة تخضع لرقابتها. ففي مرحلة التلقين يتلقى الإنسان المفردة اللغوية على شكل وحدة لغوية، مشحونة بدلالاتها، وقدرتها على الارتباط بغيرها.

إن إشكالية العقل عندنا في ثقافته ومقولاته ومفاهيمه المعرفية التي تأنس بالخرافة، وترفض العقل وتقدم عليه النص مهما كانت قيمته المعرفية. وهي ثقافة مكتسبة غير أنها راسخة بفعل تقادمها. وفاعلة بحكم نسقها، فهي غير خاضعة للنقد، وخارج وعي المتلقي، رغم قوة حضورها. فكل نص ينطوي على نصوص، وخلف كل عملية عقلية، عدد هائل من العمليات التقنية المترابطة. فالمعرفة رغم بساطتها أحيانا لكنها تمر بشبكة معقدة من الدوائر والروابط الداخلية، أشبه بعمل جهاز الكامبيوتر، الذي يبدو بسيطا في أدائه، لكن في داخله عددا كبيرا من الدوائر الكهربائية والضوئية والألكترونية.

فالطفل عندما يسمع كلمة الله، يسمعها بمختلف الهيئات، والأساليب، فترسو في لا وعيه بشكل راسخ وفاعل جدا. تارة يسمعها مع الرجاء، وأخرى مع: التصبّر، الشكر، العفو، التوكل، الخشية، الرزق، المطر، الموت، العقاب، ... والأهم الدعاء باعتباره متفردا باستجابته، وحاجة الإنسان الملحّة له، مع قساوة الحياة والظروف التي يعيشها الفرد. وهو الأمل في الدنيا والآخرة. فالصورة المثالية للخالق استقرت حتى وإن تجاوزها الفرد لأي سبب، فتراه لا شعوريا ينطق بها عند الشدائد والكُربات واستجابة الدعاء والضيق. وأوضح مثال على رسوخها وقوة فاعليتها وحضورها كنهائية غير قابلة للنقد والمراجعة والتفكيك، هو عودة الفرد لنقد الذات وتقريعها بدلا من الشك بأية صفة من صفاته تعالى عند عدم استجابة الدعاء. فالمؤمن لا يراوده شك مطلقا بأن الله يستجيب الدعاء، وهو القائل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، لكن يشك بإخلاصه ويقينه، فيقرّع نفسه، ويمارس جلد الذات، ومحاسبتها. وسبب كل هذا يقينياته، ولو أنه أعاد النظر بمفهوم الدعاء، وفقا للخطاب القرآني ذاته، ربما تتغير وجهة نظره، ويفكر بطريقة أخرى، لكن الخطاب الإسلامي تمادى في تشدده، وبيان شروطه، دون التحرش بحقيقة الاستجابة الإلهية للدعاء. بل حتى لو تحرش به لا أحد يتفاعل معه، لقوة مركزية وسلطة مفهوم الخالق وصفاته التي منها الاستجابة. وربما لو أعدنا النظر في مفهوم الدعاء والاستجابة، سوف نستغني عن تبريرات الخطاب الديني، المثقل بنصوصه التي تصادر العقل وتكرّس الكسل والتواكل. وسنستغني عن التشفّع بأي مخلوق من أجل استجابة الدعاء، ونكف عن التوسل والرجاء الذي يصل حداً يسحق فيه الإنسان كرامته وحيثيته. وسأتحدث عن هذا الموضوع لأهميته وتأثيره في مناسبة قادمة. وربما ما أقوله غريب لكنه أقرب لفهمه قرآنيا. وهذا مثال حي يعيشه الإنسان، وفيه تتجلى سلطة النص. والنص هنا لا يتحدد بعدد الكلمات بل بمداليله ورمزيته ومعانيه. فكل صفة تلحق باسم الجلالة هي نص يمارس سلطته ومحدداته، في مرحلة التلقين. ولا مانع من مراجعتها ونقدها في مرحلة النقد والاستدلال.

 

قبليات الوعي التراثي

وما دمنا بصدد النصوص الدينية، والروايات الموضوعة نضرب مثلا على تأثر القراءة وفهم النص بالأحكام المسبقة للمتلقي، وخلفيته وقبلياته وثقافته. فآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ، جعلت الولاية لله ورسوله والذين آمنوا. وهذا متفق عليه، لكن دبّ الخلاف حول جملة الوصف: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فهل الآية بصدد مواصفات خاصة، أم تعريف عام بصفات المؤمن المؤهل؟. الآية الكريمة أخفت دلالاتها ولم تصرّح بأكثر مما قالت، رغم أنها مصدر شرعية جعل الولاية بعد الله ورسوله. وقد لجأ لها الطرفان كشاهد على شرعية أو عدم شرعية السلطة بعد وفاة الرسول، وقد لعبت الخلفية الفكرية والعقائدية دورها في توظيف هذه الآية بالذات. فالشيعة قالوا أنها نزلت بعلي بن أبي طالب خاصة، فهو من تصدق راكعاً. وقد استعانوا لإثبات دعواهم بروايات لا نعرف عن حقيقتها شيئا لكنها تبقى محتملة وفقا للتصنيف السابق بين صحيحة ومحتملة الصدور، فراحت تصف كل شيء حتى نوع الخاتم حينما تصدق به الإمام علي وهو راكع. وشكل الرجل الفقير، وكيف استعطى وعلي كان في صلاته فدفع إليه زكاته. وكيف دخل النبي، وسأل الفقير، وأشار لعلي وهو يصلي، إلى غير ذلك من تفصيلات تأباها شخصية علي لمن يعرفه، خاصة وهو خاشع في صلاته . فليس للشيعي طريق للجزم بصحة الرواية، لكن خلفيته الفكرية والثقافية صدقتها، لتكون قرينة على إرادة المطلوب واختصاص الآية بعلي دون غيره. وأما السني فاعتبر الجملة حالا لوصف المؤمنين، فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، أي خاضعون مستسملون لأمر الباري تعالى، فالتعبير مجازي. وهذا مثال بسيط يبين كيف تلعب خلفية المتلقي دورا معرفيا في فهم النص.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

فالبنية الأسطورية تفتح آفاق الأسطرة واللامعقول. وتقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق23- س73) الحديث عن مفهوم النص 

 

الحقيقة الدينية

ماجد الغرباوي:

اتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته، فهي نسبية دائما. ولا إطلاق لأية حقيقة باستثناء ما دل الدليل الفلسفي على "وجود خالق"، واجب الوجود بذاته، لبطلان الصدفة، والتسلسل، وفقا لقانون العلية. فتشمل عوالم الغيب والمقولات العقائدية التي تترتب عليها مواقف وأحكام تنعكس على سلوك الفرد ووعيه للذات والآخر. وتؤثر في زاوية نظره، وتفسيره للظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيمانا نفسيا، قائما على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها.

ويمكن توضيح فكرة نسبية الحقيقة أكثر بناء على التقسيم الفلسفي للوجود. حيث ينقسم وجود الشيء إلى وجود خارجي، ووجود ذهني. وهما وجودان مختلفان:

- الوجود الخارجي للشيء: وجود مصداقي مستقل، يمكن الاستدلال عليه مباشرة أو من خلال دليل حسي. فينتزع منه الذهن مفهوما حقيقيا، وتكون حقيقته مطلقة، مطابقة للواقع.

- الوجود الذهني للشيء: وجود مفهومي، تصوري، قد يكون له مصداق خارجي، يُنتزع منه المفهوم. أو لا يكون له مصداق خارجي، فيتكفل الذهن برسم صورته، وفقا لقبلياته وثقافته، وفي ضوء النص وتقنياته ومحدداته. كالمفاهيم المجردة والحقائق الدينية التي لا تتمتع بوجود مستقل خارج الوجود الذهني. فتكون حقائقها نسبية لنسبية ثقافة الفرد وقبلياته. ولا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، فيعيها العقل داخل فضائه المعرفي، وتترشح عن رؤيته الثقافية وقبلياته، فتكون نسبية بالضرورة لنسبية وتفاوت المعرفة ومرجعياتها. وهذا هو المراد بنسبية الحقائق الدينية. أي لا يمكن الاستدلال على مطابقتها للواقع ونفس الأمر خارج النص. وهي حقيقة موضوعية، تارة يتعذر على الفرد إدراكها، وينطلق من قضايا يحسبها يقينيات، بغض النظر عن كيفية تشكلها وتأسيسها. فإيمان الفرد يرتكز لبنية معرفية لا شعورية، تأسست وفق مبادئ ينقصها الدليل والبرهان. والكلام هنا فلسفي، تأملي داخل المنظومة المعرفية، لنزع فتيل شعور التعالي العقيدي، القائم على يقينيات لا يعرف عن حقيقتها شيئاً، خاصة المقولات الدينية التي لا نملك طريقا للاستدلال عليها سوى النص. وهنا تارة يكون النص مقدسا كالكتاب الكريم فيذعن المؤمن لحقائقه إيمانيا، وأخرى يكون مصدر الحقيقة روايات محتملة، فتنهار بانهيار النص، وتتلاشى بالاستدلال على عدم معقوليتها. فلا تبقى لها أية حقيقة إلا في أذهان أدمنت النصوص والإصغاء لرجل الدين، دون التفكير النقدي الجاد، الذي يميّز الحقائق وفق مبادئ عقلية وقرآنية.

 

نماذج روائية

إن ما نطمح له من خلال البحث تدارك ما يترتب على القول بوجود حقائق دينية مطلقة من تداعيات، قد لا تكون واضحة في القضايا الغيبية التي تكفّل الكتاب الكريم ببيانها. لكنها تتجلى في قضايا دينية أخرى، يشكل القول بإطلاقها خطرا على الدين ومفاهيمه القويمه. ويمكن الاستشهاد بالحديث المشهور: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ، و(إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). الذي يؤسس لمرجعية مطلق الصحابة في الهداية، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع حقوق الناس في ظل قدسية أسست لها هذه الروايات فأصبحت حقائق نهائية، يؤمن بها العقل التراثي، ويلتزم بمؤداها عملا وسلوكا.

لا يوجد ما يؤكد صدور صحة صدور هذا الحديث بشكل قاطع، ويبقى محتمل الصدور إن لم يكن موضوعا . أي لا يوجد دليل يؤكد صدوره الفعلي عن النبي، لكنه لعب دورا مؤثرا في حينه، وما يزال ضمن أسيجة قداسة الصحابة. ومنطوق الحديث يؤسس لتزكية مطلق الصحابة، وضمان هداية من يتابعهم أو يقتدي بهم في معارفه وسلوكه. وهذا الحديث لا يستثني أحدا. ويشكّل مرجعية لفهم معنى الصحبة، كقيمة دينية وأخلاقية مستقلة. فيُصنف ضمن الأحاديث السياسية التي انتجتها ماكنة الوضع في زمن بني أمية. لإضفاء شرعية دينية لمن تبقى من الصحابة ومنهم معاوية، المتهم بخروجه على سلطة الخلافة الشرعية. فهو مدان لهذا السبب وفقا لأحاديث الخروج والتمرد على جماعة المؤمنين: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) .

ما يهمنا في حديث أصحابي كالنجوم مقدار ما تستر عليه النص، حينما ألغى باطلاقه خصوصية الصحابي وبشريته، لتكون الصحبة حصانة ذاتية، لا تضر معها أية تهمة، بل ويجب عدم إدانة سلوكهم مهما كان مخالفا للكتاب الكريم. وهو منطق غريب على الدين: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، غير أن النص الروائي حجب الضابطة القرآنية، عندما وظف تقنياته في بيان حقيقته.

وهذه الرواية من النصوص التأسيسية، التي رسخت قدسية الصحابة وعصمتهم في ذهن المتلقي. وغدت نهائية ومرجعية يحتكم لها المسلمون. لا يساورهم شك في قدسيتها، فيتغاضون عن الإشكالات، ويتجاوزونها بمزيد من التقديس، حتى يصبح التبرير أدة وحيدة للتخلص من ضغط الحقائق التاريخية، وتشظيات الخصوصية، الملازمة للفرد وهويته، فلا يمكن تجريده من تاريخيته ومن خصوصياته. غير أن النص فرض سلطته ومرجعياته ومحدداته. فأصبحت الرواية أداة لفهم الحقائق التاريخية، تضطره للبحث عن أي مبرر، مهما كانت ضألة احتماله لتبرير سلوك جميع الصحابة. وتجاهل الأحداث الكبيرة وما تركته من تداعيات خطيرة. كما سيحكم بصحة كل حديث ينتهي إلى صحابي بطريق صحيح، دون البحث عن صحة صدوره عن النبي، فكان هذا إيذاناً بتفاقم الوضع ونسبته لرسول الله كذبا وزورا. فهذه الرواية مهّدت لقبول الأحاديث الموضوعة، حيث حل الصحابي محل المقدس (الله ورسوله). وتحقق هدف السلطة من توظيف النص الديني، والشطب على أخطائها أو تبريرها أخلاقيا. فالحديث تمكن من فرض مرجعيات جديدة للنص المقدس، وتجاهل شرط صدوره عن الله أو رسوله. أي أنه قام باستبدال مرجعيات شرعية النص. وبات ليس ضروريا التمييز بين ما يرويه الرعيل الأول الملاصق للرسول، والبدوي الذي التقى النبي ساعة واحدة في حياته. وهذه أخطر تداعيات هذا الحديث حينما يراد تصحيحه واعتماده.

والأمر الثاني، أسدل الحديث الستار على ما اقترفه الصحابة، ومنحهم حصانة تحول دون إدانتهم أو تجريدهم من نجوميتهم، كهداة ربانيين. فخلاف السقيفة وما ترتب عليها لا يؤثر!، وقتال ما وصفوا بالمرتدين والدماء التي سفكت مع إمكانية التسوية السلمية، لا تضر بعدالتهم!!. والفتوحات التي عبثت بمصداقية الإسلام، فتوحات مباركة، مسددة!!. ودماء الصحابة والتابعين التي سالت على مذبح السلطة في عهد الإمام علي، طهرتها توبتهم بعد معارك دامية!!. وكل ما صدر من معاوية يُرجأ أمره لله، ولا يجوز مساءلته!. بهذا الشكل فرض الحديث نفسه حقيقة، مررت كل ما يراد تمريره. وهذه هي خطورة الاعتقاد بوجود حقائق دينية مطلقة، لا فرق في ذلك بين الحقائق القرآنية وغيرها.

وقد استمد هذا الخبر وجوده من الآيات التي أثنت على الصحابة. ولا إطلاق لهذه الآيات، مع عدم تشخيص قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ) . ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته. وتنتفي فضيلته بانتفائها. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآية كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) . ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام.

 

نسبية الهداية

الهداية لغة تعني الإرشاد و(الدلالة بلطف) . هديته أي أرشدته. دون تحديد غايتها وقصديتها. فيحتاج المفهوم لقرينة شارحة، توضح غايتها. (إهدنا الصراط المستقيم). غير أنها جاءت في الرواية مطلقة، توحي بدلالات خطيرة: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، (إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). فالصيغة الأولى ارتقت بسلوكهم إلى مستوى المرجعية النهائية. فهي حجة، ملزمة، اتفقت أو لم تتفق مع الهداية القرآنية. وهذا غير ممكن فالإنسان هو الإنسان ولا عاصم لأحد إلا الله، ولم يصرح تعالى بعصمة أحد مطلقا، نصا صريحا واضحة لا لبس فيه. فالهداية لا تقاس بسلوك الأفراد وتحتاج إلى ضابطة مفهومية. ولا يمكن أن تكون سلوكا بشريا إلا ما نصت الآيات عليه. وهذا لا يتقاطع مع الحسن والقبح العقليين ، بل سيكونان حاكمين على سلوك الفرد. والصيغة الثانية للحديث مريبة أكثر، عندما جعلت من أقوالهم حجة مطلقة، وقد اختلفوا وتراشقوا بالتهم، فكيف نحتكم لسلوكهم وقولهم وفقا لهذه الرواية بالذات؟ والأخطر أن الرواية جعلت من النسبي مطلقا. فلا حقيقة للهداية دونهم. وبإمكانك التخلي عن مبدئيتك في مواقفك وتكون حرا في الانحياز مع أي من المتنازعين على السلطة!!!. لأنك ستكون مهتديا على كل حال. وسيدخل الجنة كل من قُتل من الصحابة في الحروب الداخلية!!!.

إن السبب وراء انتشار الروايات المكذوبة والموضوعة، ما بذله الفقهاء من جهود جبارة لتحصين السنة النبوية، لحاجتهم الماسة لها، حتى ارتفعوا بحجيتها (جميع الفقهاءما عدا القرآنيين)، إلى مستوى حجية القرآن الكريم. بل قالوا بحاكمية الرواية على الآية، وهو منهج تلمودي قدم الروايات على آيات التوراة. ثم راحوا ينسبون للسيرة ما لم يصدر عن النبي، وما يتقاطع مع الكتاب الكريم. وهكذا حلت كارثة معرفية وأخلاقية وسلوكية.

لا شك بحجية سنة النبي في تفصيلات الكتاب الكريم، وما زاد يحتاج لأدلة أخرى. لكن يكفي تسجيل ملاحظة سريعة. لماذا أهمل الكتاب ما شرّعه الرسول ولم يشمله بحصانة القرآن المجيد، علما أن روايات النبي زامنت الوحي؟. لا شك إذاً بوجود اختلاف جوهري. وهذا يكفي في تباين الحجية، ويكون القرآن مقدما على كل حال.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7

خاص بالمثقف: السابعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق22- س73) الحديث عن مفهوم النص

  

النص والحقيقة والمتلقي

ماجد الغرباوي: يُعتبر النص في نظر الباحث الديني طريقا للحقيقة، وكاشفا عنها. فلا يترتب عليها ما يترتب عليه، وتستقل بوجودها وقيمتها وكينونتها، كما بالنسبة للحقائق الدينية الكبرى. بينما تتوقف صدقية النص على دليله، ومدى كاشفيته. فيكون مصيبا للحكم الواقعي (الحقيقة) عندما تكون كاشفيته تامة، تورث الجزم واليقين، كما في الخبر المتواتر (كما يعتقد الأصوليون) . أو تتراوح بين الظن والاحتمال مرورا بالشك، فتكون كاشفيته ناقصة، ويكون الحكم ظاهريا لا يكشف عن تمام الحقيقة، ولا تكون له حجية ذاتية، لكنهم يعملون بمؤداه تعبدا . وقد يمكن تعقل هذه الصيغة في الأحكام الشرعية على بعض المباني، لكن لا يمكن قبولها في العقائد والقضايا الدينية الكبرى. وأما القراءات النقدية فإنها تمنح النص دورا في أصل وجود الحقيقة. وقد تنفي وجودها في الواقع ونفس الأمر، سوى ما يقوله النص، وما يدركه المتلقي وفقا لثقافته وقبلياته. فتكون الحقيقة نسبية، ما لم يمكن البرهنة عليها علميا.

المنهج الديني في تقصي الحقيقة لا ينتج معرفة علمية، مادامت النتيجة مقررة سلفا في ذات النص، فهو منهج قائم على الإيمان والتسليم، لا على الدليل والبرهان. بل أن القضايا الدينية تندرج تحت اللامعقول الديني، فثمة مانع ذاتي وراء عدم إدراكها والاستدلال عليها، كما بالنسبة للجنة والنار والجن والشياطين. أو المفاهيم الأخرى التي ترتفع بالرموز الدينية، وتسلبها بشريتها، وتنسب لها صفحة خارقة. فيبقى النقد يدور مدار النص لتكريسه، وتكريس سلطته. ويبقى الفرد مرتهنا له في عقيدته ومعارفه، فتتضاءل احتمالات النهضة، ويبقى المجتمع في دوامة التخلف الذي يعتبر النص أحد أسبابه. فنحتاج إلى منهج نقدي لا يقف عند حدود النص بل يلاحق قبليات الفرد، باعتباره شريكا للنص في وجود الحقيقة. خاصة القضايا العقيدية العصية على البرهان ولا يدل عليها دليل صريح من كتاب الله. فتفكيك ثقافة الفرد وقبلياته، يساعد على فهم الحقيقة وكيفية اشتغالها داخل الفضاء المعرفي له. ولا يكفي النقد الفوقي ما لم يتوغل الحفر في أعماقه، حيث تنتمي مقولات البنية المعرفية لبدايات تشكل الوعي، فتكون راسخة، برسوخ اللاوعي. فنحتاج للكشف عنها وملاحقة تأثيراتها إلى تأمل فلسفي عميق، لأنها مقولات مكتسبة من بيئة الفرد ومحيطه الثقافي، وقد ترسبت لا شعوريا ضمن أنساق مضمرة، يصعب اكتشافها وتقويضها. وهي تشمل العادات والتقاليد والعقائد والأعراف وما يختزنه العقل الجمعي والوعي المجتمعي، وكيفية فهم الذات وهويتها، والآخر وحقيقته. وكل واحدة منها تنتمي لنسق معرفي وثقافي قائم على مقولات أساسية ونصوص تأسيسية، يتطلب نقدها عدة معرفية، ومناهج علمية تتولى تفكيكها، ونقد مفاهيمها وبديهياتها. فالتصورات والمفاهيم التي تتحكم بنظرة الفرد والمجتمع تستمد وجودها من أعماق البنية المعرفية للفرد، وما تختزنه قبلياته من ثقافات ومعارف وتصورات وتصديقات. فنحتاج لنقد مرجعيات العقل الجمعي، وتفكيك المهيمن الثقافي، ثم إعادة تشكيل العقل وفق أسس معرفية، استدلالية، من أجل التخلص من حمولة اللامعقول الديني وزخمه الدلالي.

لذا عندما ندرس علاقة النص بالحقيقة ينبغي التركيز على دور المتلقي في وجودها. فهل للحقيقة وجود مستقل خارج فضائه المعرفي، أم أنها تتجلى من خلال ثقافته وقبلياته ويقينياته وأحكامه المسبقة؟. ومبرر السؤال أن الحقائق التراثية (مضامين النصوص) تختلف عن الحقائق الموضوعية التي من السهل الاحتكام لها في حالات الشك. لكن كيف نحتكم لحقيقة لا يوجد طريق لها سوى النص؟. فنقد النص يفضح دوره في وجود حقيقته، وما يريد قوله والتستر عليه، إلا أنه نقد قاصر، ما لم يتوغل أيضا في نقد الخلفية الثقافية للمتلقي. لأنها رهان النص في وجود حقيقته. بل لا وجود للحقيقة إلا في الذهن، سواء طابقت الواقع ونفس الأمر، أم لا. بل لا يمكن للعقل الحكم على شيء إلا من خلال وجوده الذهني. فكما للشيء وجود خارجي، له وجود ذهني. والعقل يحكم على الواقع من خلال الصورة الذهني، بما فيها الحقائق الكبرى. فالشيء في ذاته يختلف عن الشيء في وجوده الذهني. لأن الثاني فهم له وفقا لقبليات المتلقي. لذا تجد ذات النص ينفعل معه المسلم، ولا يتأثر به غيره. بل وحتى بين المسلمين ثمة فوارق في فهم النصوص الدينية هي السبب الرئيس وراء تعدد المذاهب والاختلاف في فهم النص وما يترتب عليه من نتائج معرفية، كالفتوى، والتفسير، والتأويل. فخلفية المتلقي وقناعاته تتحكم في فهم النص ودلالاته، ولا وجود لحقيقة النص خارج الفضاء المعرفي للفرد. فدراسة ثقافة الفرد والمجتمع بات ضروريا ونحن بصدد الكشف عن سلطة الأحاديث المحتملة، حينما تكون مؤثرة (وهي كل رواية لا يمكن الجزم بصحة أو عدم صحة صدورها) لزعزعة يقينات المتلقي حول صدقية ذات الحقيقة المرتهنة في وجودها للنص وقبلياته. فالمتلقي شريك النص في الحقيقة. ودوره أخطر من النص وأهم. فينبغي عدم تجاهل ثقافة الفرد ودورها في وجود الحقيقة. وتكثيف نقدها ومراجعتها أسوة بالنص والخطابات الدينية واللاهوتية. خاصة الروايات المحتملة التي لا يمكن الجزم بصحة أو نفي صدورها، وسلامة دلالاتها، ولا تجدي محاكمتها للقرآن والعقل، رغم خطورة مضامينها، وخطورة ما تروم تأسيسه معرفيا، كالروايات الغرائبية التي تسعى لتحصين الرموز الدينية، ومنحهم سلطات رمزية ومادية وسياسية واسعة، وتنسب لهم ما لا يمكن إثباته إلا بالنص، فتكون هي حقيقته والمصدر الوحيد له. وتكمن خطورة هذا النوع من الروايات أنها تخاطب العاطفة، وتنأى بالمتلقي عن العقل، وتنفرد في ترشيد وعيه، وتوجيه عقله معرفيا. كالروايات التي ترتفع بالرموز الدينية إلى مستوى الولاية الربانية أو التكوينية، أو الظل الإلهي، وما لا يمكن إثباتها والاستدلال عليه برهانيا. فلا يمكن لها أن تمر لولا القبليات الميثيولوجية للمتلقي وخواء وعيه، وعدم قدرته على تشخيص حقائق الأمور، لإدمانه التسليم والانقياد.

فمثلا حينما يوصف كبير رجل الدين بأوصاف متعالية: (ولي الله، خليفة الله، ظل الله، آية الله، حجة الإسلام، الشيخ الأكبر، شيخ الإسلام، الحبر الأعظم، حبر الأمة، قداسة..). فإن ذات الوصف يلعب دورا في وجود حقيقة اللقب وصدقيته في ذهن المتلقي. وهذا ما يتستر عليه عندما يلوذ بقبليات المتلقي وما يختزنه من تصورات عن تلك المفاهيم بالذات. فاللقب يعزف على وتر عاطفي بعيدا عن العقل وأحكامه الصارمة. بشكل يتمكن النص من حجب واقع الملاكات الحقيقة لرجل الدين أو الرمز الديني، فيبدو في نظر المتلقي هالة قدسية، تتلاشى معها الشكوك. أي ذات اللقلب له سطوة على وعي المتلقي. فلقب شيخ الإسلام، وآية الله يوحي للسامع أنه رجل ينطق على لسان الله، ويستمد سلطته من سلطة الله. وهذا لا يقوله النص صراحة، بل أن خلفية المتلقي تحتفظ بصورة مثالية لتلك المفاهيم فتتفاعل معها. فالآية تعني المعجزة، والتحدي المصداقي. وآيات الله براهينه للمنكرين والجاحدين، فتختزن دلالات قدسية، يتصاغر معها عقل المتلقي (خاصة مفهومي "الآية" و"الله"). ويبقى اللاشعور سيد الموقف. فحينما يلقب رمز ديني بآية الله، تتشكل في وعي المتلقي كل تلك الدلالات المقدسة من مفهومي "الله" و"الآية" والعلاقة القائمة بينهما، فيُسقط تلك الصورة ذات الزخم الدلالي والقدسي الكبير على الرمز الديني بلا أي دليل علمي وعقلي سوى هواجس الوهم، وتأثير الحس العاطفي. فيتوارى العقل، بل تتلاشى قيمة العقل أمام النص وبريق الألقاب. فالمتلقي العادي تؤثر فيه الصيغ السحرية والخرافية، حينما تعزف على مخيلته، وتناغم مشاعره.

الوهم وفضاءاته المتنوعة هو مصدر المعرفة الوحيد بالنسبة للمتلقي العادي. وهو أقوى لغة وتأثيرا على العقل البسيط. منه يستمد الحقائق، وإليه يحتكم. فالواعظ البارع هو الواعظ القادر على تحريك مشاعر الناس، بعيدا عن البراهين والأدلة العقلية. فالوهم بما فيه من أساطير وخرافات وغرائبيات هو مرجعية العقل التراثي في الاستدلال على حقائق الأشياء. والرمز الديني الذي ارتقى لمرتبة القداسة بفعل الألقاب المحيطة باسمه، قد تكون حقيقته العلمية والأخلاقية والروحانية شيئا آخر. ولا تعدو أراؤه وفتاواه سوى وجهات نظر شخصية، اجتهادية، تفرضها قبلياته وتوجهاته الطائفية والمذهبية، وليس لها علاقة بالله وتوفيقاته وتسديداته. لكن المتلقي يرفض الحقيقة وينفر من البراهين العقلية، ويأنس بالتفسيرات الغيبية والسحرية، لأنها أقصر الطرق للحقيقة حسب فهمه، لا حسب الواقع ونفس الأمر. فمقياسه دائما عاطفي لا عقلي، تؤثر به العاطفة والنخوة والقيم البدوية. وعندما يقترن اسم الفقيه ورجل الدين بخالق الكون يكون صاعقا، يقمع جميع الشكوك، حول صدقيته. وهذا لا يختص بدين دون آخر، بل يشمل جميع رجال الدين في الديانات الأخرى. فجميع الألقاب الدينية لها ذات الوقع السحري في أعين الناس. فالتهافت على تقبيل رجل الدين تهافت على تقبيل يد آية من آيات الله. وتقبيل ما يعرف في الثقافة العراقية بـ"السيد" أي من ينتسب لرسول الله، تقبيل ليد النبي. فلقب "السيد" يمارس غوايته في سحر المتلقي، لكن الأخير لا يدركه، وهذه هي براعة النص وقدرة الخطاب على تمرير المسلّمات رغم أنها ليست مسلّمات حقيقية. لكن رهانه دائما على خلفية المتلقي وثقافته ويقينياته، وما يحتفظ به من صورة غرائبية للنبي في هذا المثال.

 

الحقيقة والإيمان

لا ريب أن فهم النص يرتهن لثقافة الفرد وجهازه المفاهيمي، بما يشمل قبلياته وثقافته، ويقينياته وأحكامه المسبقة التي تمهّد لفهمه، وإدراك حقيقته، فتبقى الحقيقة نسبية مرتهنة لتلك القبليات. بل لا حقيقة للنص خارج فضائه المعرفي. فيمكن من خلال تلك الحقائق الكشف عن بنية الإيمان المشترك بين الجماعات البشرية. وليس العكس. فلا تشكل وحدة الإيمان دليلا على صدق حقيقته ومطابقته للواقع بما في ذلك سنة المتشرعة ، بل تكشف عن بنية العقل ومشتركاته. فالآية حينما تقول: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ، فإن الجواب فيها لا يدل على مطابقته للواقع من ذات الآية. بل أن الآية توقعت الجواب تعويلا على ثقافتهم وقبلياتهم التي تعترف لا شعوريا بنسبة الخلق إلى الله تعالى. فهذه القبليات يجب أن تعترف لله وخالقيته. وهذا ما ألمحت له الآية التي قبلها: (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ)، فالضلال والهداية ليست سوى قبليات، تؤسس للإيمان والكفر تلقائيا. أو ما يعرف في المنطق الأرسطي بمقدمات القياس. فهي قبليات مكتسبة، تلعب دور التأسيس داخل بنيته. وحينما نعود لتلك القبليات المشتركة نجدها ضمن أنساق المهيمن الفكري والثقافي، وتنضبط ضمن آليات الفهم البشري. فلا معرفة خارج الفضاء المفاهيمي للبنية المعرفية للإنسان، لذا تختلف المعارف من فرد إلى آخر. فالإيمان المشترك لا يدل على مطابقته للواقع، بل تحتاج صدقيته إلى أدلة موضوعية، وهذا هو المنهج القرآني عندما يؤكد على الأدلة العقلية والكونية، وينهى عن الإيمان التقليدي (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) . فالقرآن يطمح لإيمان برهاني، عقلي، استدلالي، لا يتأثر بالانقلابات الثقافية، ويمكنه تدارك نفسه عندما تعصف الشكوك. فهو منهج يرفض كل عقيدة لا تقوم على الدليل والبرهان. بينما المنهج الديني الرسمي الآن قائم على الخرافة ومنطق المعاجز والكرامات، ورهان على عقول تاريخية مطلقة، تخطط وترسم حاضر الناس ومستقبلهم. وهذا منهج بالٍ، لا يؤسس لنهضة حضارية مطلقا، بل إنكفاء مرير للماضي، وثقافاته. وبالتالي، لا يكفي مجرد اليقين دليلا على صدقية الإيمان، بل يجب أن يكون منشأه برهانيا، ليكتسب حجية ذاتية. وأما المناشئ النفسية لليقين والإيمان فلا تكون معذرة ومنجز، وهو حال الأغلبية المطلقة للناس. فالمنهج العقلي لا يكتفي بحسن نية وطوية الفرد، بل يطالب بأدلة يمكن الاستدلال عليها، لخطورة الإيمان، وما يترتب عليه من تداعيات خطيرة حينما يقع في الشرك وهو يحسبه إيمانا.

ما نخلص له إذاً أن الفرد شريك النص في وجود حقيقته، ورهان النص دائما على خلفيته وثقافته وقبلياته. فلا معنى لنقد النص بعيدا عن نقد ثقافة الفرد والمجتمع ودورهما في جود حقيقة النص ضمن البنية المعرفية لهما. فنجاح النقد المعرفي يتوقف على قدرة النقد في تقويض البنية المعرفية للمتلقي، كي تنهار النصوص تلقائيا، وتصبح تراثا نكتشف من خلالها مسار العقل الإسلامي عبر التاريخ، وكيفية تطوره. وأما الدوران في حلقة نقد النص، مضمونا وسندا، لا يفضى إلى تحوّل حقيقي في تفكير المتلقي، ونحن نطمح أن يغادر الفرد قبلياته القائمة على أسس غير عقلية، ليمارس العقل دوره في نقد النص، وتحري الحقائق، فيكون دليله البرهان والاكتشافات العلمية والمعرفية. وهذا ما يريده القرآن... يريد تأصيل المبدأ الأول عقليا من خلال الدليل والبرهان، حينما دعاهم للتفكير في خلق السماوات والأرض، كأسلوب تمهيدي لاكتشاف علله وغاياته، فيترتب الإيمان باللامعقول الديني على الإيمان المطلق بالمبدأ الأول: وجود الله، وحدانيته، قدرته. وليس مستقلا، فهو إيمان مترشح عن إيمان مسبق، أي الإيمان بالعلة الأولى وكمالها، وإيمانه بتعدد العوالم، وسعة الكون وحقائقه.

وبالتالي فحينما يدرك المتلقي دوره في صدقية الحقيقة، سوف تتغير نظرته للذات والآخر، وهو ما نراهن عليه في بناء مجتمع مدني، يقوم على أساس المواطنة، والتسامح، والاعتراف بالآخر كشريك في الحقيقة، وليس اعترافا قائما على المنّة والتفضل والتكرم، وهو التسامح الشكلي الذي نوهت به. فهناك ثقافة وبيئة معرفية وراء اختلاف الناس حول جميع الحقائق، وليس هناك حق مطلق، وباطل مطلق. فالحقيقة نسبية ترتهن لثقافة الفرد وقبلياته وما يرتسم في ذهنه من تصورات ميثيولوجية للرموز الدينية. سمعت شخصا يبالغ في تنزيه الذات ورمي الآخر بالكفر والردة والانحراف، ويوعز ذلك لغضب الله وسخطه عليه. فسألته: ماذا لو أنك مولود في إحدى ضواحي مدينة سيدني الأسترالية، ألا تتقرب لله تعالى بفنجان ويسكي في ليلة الكريسمس؟.

نحتاج أن نعي الحقيقة جيدا، وسلطتها، ودور قبلياتنا في صدقيتها، كي نكف عن منطق التكفير، ونتعامل مع الآخر بمنطق إنساني، يترفع عن الخصوصية وتداعياتها الخطيرة على السلم الأهلي. الفرد إبن بيئته، ونتاج ثقافته، وهي تختلف من شخص إلى أخر.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق21- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والتاريخ

ماجد الغرباوي: التاريخ: هو حركة الإنسان في الواقع، وصراع الأضداد حول الشرعية والحقيقة والمصالح الاستراتيجية، التي وظِّفت لها مختلف القدرات، بضمنها النص المقدس، الذي كان الأساس في صناعة التاريخ السياسي للمسلمين. فالنص، مطلق النص أداة لدراسة التطورات التاريخية والفكرية. ولقد بات للروايات الموضوعة قيمة توثيقية لدراسة مسارات الفكر السياسي والعقيدي للمسلمين، وتطورهما تاريخيا. ومقياس لوعيهم دينيا وفكريا وسياسيا. جدير بالذكر أن الموقف السياسي بعد وفاة الرسول لم يتأسس على أية وثيقة دينية، آية أو رواية صحيحة، بل أن الفكر السياسي والعقيدي المنبثق عنه، تأسسا على موقف سياسي. وكان أحد أسباب التطور الفكري. بل أن الفكر الإسلامي انشغل بالموقف السياسي لعدة قرون، فكان المنجز الفكري والعقائدي تأصيلا للموقف السياسي وشرعنته، وليس العكس. من هنا تفهم القيمة العلمية والمعرفية للروايات التي يتبارى بها المسلمون، شيعة وسنة. فجميع ما صدر منها هي نصوص ما بعد الوقوع. 

وقد لعبت مدونات التأسيس، أو النصوص المؤسسة دور البطل في صناعة التاريخ الإسلامي. وكانت المرجعية الفكرية الأساس للنشاط الحضاري عبر القرون الأولى. وأيضا كان لها دور في تراجعه، عندما أُسيء فهم الدين ومقاصده وغاياته، وعدم مراعاة تاريخية النص، وشروط فعليته. وفي مجال السياسة كان النص الأخطر بين العوامل المؤثرة فيها. ومن يروم قراءة التطور الفكري والعقيدي والسياسي للمسلمين عبر القرون الأولى، يمكنه ذلك من خلال متابعة النصوص وتاريخ ظهورها. فالروايات كانت تلبّي مختلف الضرورات، وفقا لمصالح شخصية وسياسية وعقيدية. وكانت بوصلة الوعي السياسي. وقد واكب النص جميع التطورات وعلى أكثر من صعيد، فدراسة الرواية بشكل عام يكشف عن مراحل التطور الفكري والعقائدي والسياسي لتاريخ المسلمين. خاصة أن الفكر السياسي، فكر اجتهادي، فرضته ضرورات السياسة. وقد استأثرت الروايات الموضوعة بالدور الأهم، تأسيساً واستمراراً، ولا علاقة لها بالدين، سوى المبادئ العامة، والقيم التي لا دليل على وجود الإلتزام بها من قبل خلفاء المسلمين. أي أن القضايا التي شرعتها وفرضتها الروايات لا دليل على صحتها وصدورها، وليس لها جذر قرآني صريح، سوى تأويلات لبعض الآيات. فيمكن من خلال خارطة صدور النصوص التعرّف على الخط البياني للتطور الفكري والعقيدي، والكشف عن جميع الضرورات السياسية والعقيدية التي دفعت لوضع الروايات والكذب على رسول الله بطريقة لبقة أخفت كذبها وتدليسها. فعلاقة النص بالتاريخ علاقة جدلية، فكما أثر النص بالتاريخ، كذلك حفز التاريخ وضروراته على صدور النص وانتشاره لمختلف الدواعي، خاصة في خضم الصراع حول شرعية السلطة، والتنافس الحاد على احتكار الحقيقة. حيث قوة تأثير الروايات في وجدان المسلمين باعتبارها أقصر طرق النجاة، مما يفرض تقديسها والإذعان لها.

مما تقدم يتضح أهمية دراسة النص باعتباره محركا للتاريخ والأحداث الكبرى، وكان وراء مختلف التطورات، فينبغي لنا كشف الحقائق كي لا نتهاون في نقد النصوص التي ما زال المسلمون يتشبثون بها رغم كل تداعياتها التاريخية. وهنا نلقي نظرة على مفاصل النصوص وتأثيراتها عبر تاريخ المسلمين، وسأصطلح على ما عدا الصحيح منها بالروايات المحتملة. وهي كل رواية لا يمكن الجزم بصحة صدورها أو نفيها، كي لا نتهم أية رواية بالكذب والوضع، خاصة عندما يكون الراوي ثقة، سواء كان صحابيا أم غيره. فاحتمال الصدور يشمل بإطلاقه الروايات الموضوعة، وكل نص لا يمكن الجزم بكذبه وعدم صدوره. فيبقى محتمل الصدور. إضافة إلى الروايات المظنونة، والمشكوكة، والمحتملة، وفقا للتصنيف المنطقي:

لقد دشنت الدعوة المحمدية بعد وفاة الرسول مرحلة الإسلام السياسي. فانتهت بذلك حقبة التنزيل لتبدأ مرحلة التأويل. الإسلام ولد دينيا، وانتهى سياسيا. يظهر هذا جليا من خلال التوظيف الدلالي للآيات لصالح الموقف السياسي، وترسيخ السلطة، ومرجعياتها الفكرية والعقائدية. فتعددت دلالاته تبعا لزاوية النظر، حتى بات من السهل متابعة حركة أهل البيت وشرعيتهم ومراحل حياتهم السياسية، حينما تنظر للقرآن من زاوية عقائدية شيعية، خاصة الرؤية المغالية التي لا تسمح بأي شريك للكتاب ما عداهم. والتراث الشيعي زاخر بالتفسير الأثري للقرآن، الذي يخص أهل البيت بمصداقية جميع الآيات. كما ستقرأ تأويلا حركيا، ثوريا، لا يفهم سوى العنف والإرهاب طريقا، عندما تتدبر آيات الكتاب بمنظار الحركات الإسلامية، خاصة التكفيرية، المتطرفة. وأيضا تضعك الرؤية السنية في مدار معتقداتها السياسية، وشروطها التي أسست لها منذ بداية سلطة المسلمين، ووجوب طاعة أولي الأمر طاعة عمياء، وإقصاء مختلف المعارضة. وهكذا الاتجاهات الأخرى. فالتجرد في فهم وتفسير القرآن بات بعرف المذاهب الإسلامية تجاوزا على حرمته، ومخالفة صريحة لنبي الإسلام. فكل التفاسير متحيزة، وقد أسقطت قناعتها السياسية والعقيدية بلا تريث وخشية من الله تعالى. وبات الدين مورد استقطاب، كل يسعى لاحتكار الحقيقة والشرعية دون خصومة. ومزقوا الأمة الإسلامية شيعاً، فصدق عليهم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ). الكل انغمس في لعبة تقطيع أوصال المسلمين، ولا يمكن لأي منهم تبرئة ساحته، مهما بالغ في احتكاره الحقيقة دون غيره.

وبالتالي انتهت بوفاة الرسول مرحلة الإسلام الديني لتحل محلها مرحلة الإسلام السياسي، ولا يمكن اعادة الاعتبار للدين إلا برؤية نقدية، تتوغل في أعماق المقدس، بحثا عن تاريخيته، كي نتمكن كحد أدنى تعطيل مرجعيات الزيف الديني والمذهبي الذي استباح دماء الناس، ونهب ثرواتهم، وعمق فيهم روح الإتكال والتبعية والانقياد، والتخلف المرير. وقد مر الإسلام السياسي بمراحل، بدأت سلمية لتنتهي مرحلة الخلافة الأولى بدموية قادها صحابة رسول الله، فكان جميع القتلى من الصحابة والتابعين. ثم مرحلة الاستبداد السياسي، المؤطر دينيا. وهي مراحل عدة، يهمنا المقطع التاريخي الأول منها. وفي جميع المراحل تجد النص / الروايات دليلهم، وقد تطورت بعض النصوص تاريخيا تبعا لتطور الحالة السياسية، فصار النص الأول يواكب حركة التطور السياسي – الديني عبر نصوص جديدة تنتمي له في مضامنها، وتتفرع على أحكامه وقراراته. ونظرب بعض الأمثلة تؤكد تطور النص تاريخيا:

 

رواية: الخلافة في قريش

لقد دشن الإسلام السياسي مرحلته بصراع لم يحسم إلا بنص / رواية لصالح المهاجرين وقريش ضد الأنصار، حينما قلب حديث "الخلافة في قريش" موازين القوى. فقد روى أبو بكر رواية عن النبي، لا نعرف ماهي مناسبة الحديث عنها، وما هي القرائن الحالية والمقامية التي رافقتها. وقد أكدت في أكثر من مناسبة، عدم إمكانية صدور هذه الرواية التي تحمل الرسول مسؤولية استناد السلطة لقريش دون باقي الصحابة، بما فيهم طاقات كفوءة، طالما اعتمد عليها في انجاز مشاريعه الدعوية والقتالية. لكن رغم ذلك تبقى الرواية ضمن الروايات المحتملة، وفقا للتصنيف الذي ذكرته.

ليس المهم صدور الرواية، لكن ما يهمنا معرفة آثارها وتداعياتها، وكيف طورت الرؤية السياسية، وهنا نكتفي ببعضها، مثالا لبيان علاقة النص بالتاريخ، وكيفية مواكبته للأحداث والضرورات السياسي والعقيدية.

- تعتبر رواية " الخلافة في قريش"، بجميع صيغها، أول تأسيس للفكر السياسي الإسلامي بعد وفاة الرسول، سواء صدرت فعلا عنه أم لا، فهي رواية محتملة الصدور لكن وقعها كان كبيرا. وهذا ما نريد بيانه، لمعرفة حجم تداعيات الروايات الموضوعة، سياسيا وفكريا وعقيديا. فهذه الرواية هي التي حسمت موضوع الخلافة، باعتبارها رواية نبوية مقدسة، ولها سلطة التشريع والبت في القضايا الخلافية. فالرواية كانت انعطافة حقيقية، أخرجت الإسلام من طوره الديني إلى طوره السياسي، ورسخت الوعي السياسي للدين . ولم يعارضها أي نص (آية أو رواية). فصدى الرواية وهي تحسم الموقف يكشف عن وجود فراغ تشريعي، فضح جميع ما صدر من نصوص لاحقا تريد شرعنة الخلافة أو الإمامة لطرف دون آخر، رغم حاجة جميع الأطراف آنذاك لوثيقة ترجح أحدهما.

- تعتبر هذه الرواية الأساس الشرعي لشرط القريشية في الخلافة، وفقا للفقه السياسي السني، الذي أدرجها ضمن الأحكام السلطانية. فكرست الرواية نخبوية السلطة في دائرة ضيقة، وضاعت في ظلها قيم الكفاءة. فالشرط القبلي تقدم على كل شرط عقلائي يفترض توفره في المتصدي للحكم. وهكذا عندما حصر الشيعة الخلافة بأهل البيت وفقا لهذه الرواية بالذات، فلم يتغير شيء وبقي شرط القريشية هو المبدأ الأول في الفكر السياسي للمسلمين، فأهل البيت جزء من قريش. فيصدق أن النظام السياسي للمسلمين نظام ثيوقراطي، عنصري، مهما حاولت الأدلة تبرير نخبوية الخلافة أو الإمامة، ومهما سعت لتقديسها وأسطرتها. ولم يتغير أي شيء بظهور روايات فيما بعد راحت تشرعن الخلافة والإمامة. فنظام المسلمين نظام قبلي، يؤمن بقريش عنصرا بشريا متعاليا مؤهلا للسلطة دون غيره. لذا لم يناقش أحد مبدأ السلطة خلال الخلافة، وكانت المفاوضات أحيانا حول شروط الحكم وأولوياته.

- إن النخبوية التي أسست لها هذه الرواية تبرر استبداد الحاكم وإطلاق صلاحيته، لأنه استمد سلطته من طريقين، شموله بهذه الرواية، والبيعة أو التعيين. وهذا نظام يواكب التطور الحضاري، ونظرة العالم لحقوق الإنسان. فالدم والقومية ليست من قيم التفاضل قرآنيا، بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وأضيف: وأفضلكم في السلطة أكفأكم، والثاني مبدأ عقلي وأخلاقي. فلماذا لا تشمل السلطة الأكفاء من صحابته، من غير القريشيين؟.

- كرّست هذه الرواية الحس القبلي، بل وفضحت أصالته في الشخصية العربية رغم إسلامها، فالرواية لا يمكن لها المرور لو لا وجود أرضية تتقبل زعامة قريش، وهو حس شائع آنذاك، وكان الخلاف حول إمكانية تزعم الأنصار لقيادة جماعة المسلمين، غير أن سطوة قريش هيأت الأجواء لاحتكار السلطة. وهذا يؤكد تجذر الحس القبلي، خاصة حينما لا يتقاطع مع الدين. ويبقى السؤال عن مدى نجاح الدين في تحرير الإنسان من قيمه القبلية الموروثة؟.

- جسّدت هذه الرواية سلطة النص المقدس، وقدرته على حسم الأمور، وهذا مكمن خطر الروايات التي تتطلب مزيدا من النقد والتدقيق في كل رواية ينصاع لها المسلمون، بدوافع دينية أو عقيدية أو سياسية. فالمتلقي يفهم من الرواية قول الرسول الواجب طاعته، ولا يهتم كثيرا للسند، ومدى صحة الرواية. لذا تؤكد الروايات الموضوعة نسبتها للنبي لتتجاوز محنة السند والتوثيق. بمعنى آخر أنها تلوذ باسم النبي لتمرير مضمون الخبر. فمصدر الخبر هو الذي لعب دور التأسيس والحسم. لذا ينبغي دراسة المتن بعيدا عن خدعة المصدر، فالكذّاب لا يهمه على مَن يكذب.

وبالتالي فهذه الرواية أسست المبدأ الأول في النظام السياسي للمسلمين، وفق قيم قبلية بعيدا عن الدين وقيمه الإنسانية، ثم راح يتطور تاريخيا وفقا لحاجات سياسية وطائفية.

 

التطور التاريخي للنص

لم يتوقف الأمر على رواية (الخلافة في قريش)، لترسيخ الملازمة بين قريش والسلطة، بحيث تبدو نظرية السلطة في فكر المسلمين نظرية ثيوقراطية من صميم الدين، فلا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، سوى التخصيص في الدائرة الأصغر، لكنهما لا يختلفان حول قريشية السلطة. فشجعت هذه الرواية على صدور روايات أخرى لصالح قريش وسلطتها، كرواية (الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء 12 كلهم من قريش)، وقد مر تفصيل الحديث حول عدم صحة صدورها، وهي رواية موضوعة لكنها تبقى محتملة. فإذا كان دور الرواية الأولى تأسيسيا فإن دور هذه الرواية شرعنة سلطة قريش على امتداد 12 خليفة. اي ستة أجيال وهو أقصى مدى للحياة كان العرب يتصورونه. فمضمون النص الأول (سلطة قريش) طور نفسه ليواكب تطورات التاريخ، فكانت الرواية الثانية. فهذه الرواية متولده من الرواية الأولى لتعكس تطور الفكر السياسي تاريخيا.

ثم جاء دور تحصين سلطة قريش من خلال نصوص هي الأخرى لا يوجد دليل على صحة صدورها، سوى روايات آحاد، ظهرت بعد الخلافة الراشدة. والدليل على وضعها عدم الاستشهاد بها رغم حاجة الخلفاء لها في جميع مفاصل السلطة، ففي كل مرحلة من مراحل الخلافة ثمة أزمة شرعية تمر بها الخلافة الإسلامية، سببها عدم وجود نص يحسم النزاع، فهذه الروايات لو كانت صحيحة الصدور عن النبي، وكانت مشهورة بين الصحابة لاستشهدوا بها، وهي روايات ظل للروايات التأسيس، فيصدق عليها التطور التاريخي للنص. كحديث العشرة المبشرة بالجنة. الذي يمضي بشكل غير مباشر جميع سلوك هذه المجموعة، ويعتبره مقياسا للحق، الذي هو أساس ممارسة السلطة في الفكر السياسي الإسلامي في مراحله الأولى. وحاله كسابقه بالوضع، وكلا الحديثين بصدد منح قريش حصانة، تحرّم منافستهم سياسيا، وتمنع محاسبتهم سلوكيا. فهم فوق النقد والمحاسبة. ورواية: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). وأيضا: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر).

ثم جاءت رواية الحصانة الذاتية للخلافة والسلطة، وهي أيضا من روايات الظل للنصوص التأسيسية: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).. (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك). وهناك روايات أخرى كثيرة راحت تكرس سلطة قريش بل حتى سلطة بني أمية، وجميعها ظهر في عهد الدولة الأموية، وانتقال الخلافة ليزيد وراثة، في عدول خطير عن مبدأ الشورى، رغم شكليته، فلم تشهد الشورى حضورا حقيقيا في قرارات تنصيب الخلفاء. فأبو بكر نصبته قريش، والثاني عينه الأول، والثالث تمخض عن شورى قريشية بامتياز، واستولى عليها معاوية بالقوة والسيف، بعد صراع مع السلطة الشرعية المتمثلة بالإمام علي. فأين الشورى الحقيقية؟. فتلاحظ من مسار الخلافة والنصوص التي رافقتها أن سلطة قريش هي بحد ذاتها كانت هدفا للخلفاء، فكل الملاك بالنسبة لهم أن تكون قريش في أعلى السلطة. فالأولويات الدينية تأتي بعدها، والكفاءة تأتي ثالثة.

وأما على الصعيد الشيعي فقد لعبت ذات الرواية (الخلافة في قريش)، دورا أساسا في بلورة مفهوم السلطة، وراح النص يواكب التطور التاريخي، وحاجة المشروع الشيعي لنصوص تؤصل للإمامة بدلا من الخلافة، فكانت أكثر التصاقا بالنص، خاصة حينما انطلق المخيال الشيعي يرسم صورة غرائبية لرموزه الدينية وأئمته. وكانت نقطة الخلاف في الرواية بين قريش وأهل البيت أن الرواية السنية لم تشترط سوى القريشية، بينما الرواية الشيعية جعلت السلطة حكرا على جزء من قريش، وهم أهل البيت. وهذا هو مدار الخلاف على طول التاريخ. وبالتالي فرواية الخلافة في قريش يعد نصا تأسيسا للسلطة بامتياز، لا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، وكان نواة تطور النص وتشعبه. فجميع الروايات الشيعية والسنية ركيزتها الأساس هذا النص. فالنص لم يكن ساكنا يوما، بل راح يمد أزمة شرعية السلطة بحلول عملية رغم انحيازه، من خلال تطوره، وتطور أدائه. وهذه الرواية هي التي أوجدت حقيقتها، من خلال أدائها، وإرتكازا لخلفية المتلقي القائمة على قَبَلية السلطة ومركزية قريش، ولولا هذه الخلفية لأخفق أبو بكر في روايته. وقد بينت مرارا أن الكتاب الكريم قد أهمل موضوعي السلطة والإقتصاد، ووضع مبادئا لضبط أداء السلطة، ترتبط بالعدل، والتقوى والإخلاق. وقد حذا الرسول حذو الكتاب الكريم، فلم يصدر منه ما يؤكد اهتمامه بالسلطة الزمنية، وكان جهده وهمه منصباً على الرسالة والدين. السلطة موضوع خطير وكان ينبغي للرسول التأكيد عليه بجميع تفصيلاته، ولا يكتفي بحديثه عن فضائل الصحابة، والاشارات المبهمة، وهو يعلم تداعيات الوضع. فعدم اهتمامه له دلالات بليغة.

 

رواية: من ارتد عن دينه فاقتلوه

تمثل هذه الرواية موقف السلطة من المعارضة، وتعلن الحرب ضدها، مهما كانت مبرراتها، وهي من الروايات التأسيسية أيضا. وبهذا يتبين أن النظام السياسي للمسلمين يقوم على ركيزتي: شرط القريشية، وحرمة المعارضة. فهو نظام شمولي، استبدادي، يتدخل في جميع مناحي الحياة، وخصوصيات الأفراد، فيحرّم المعارضة باسم الدين والتشريع، ويسلب الناس حقهم في تقرير مصيرهم. وقد اضطروا لهذه الرواية لقمع الردة في زمن أبي بكر، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة لسبب ما. فكان بحاجة ماسة لمبرر شرعي، لترسيخ السلطة وقمع المعارضة، فكان هذا الحديث. وقد اقتدى به كل من جاء بعده من الخلفاء. فأصبح قتل المرتد، وهو المعارض السياسي مبدأ في النظام السياسي للمسلمين.

أول ما يسجل على رواية "من ارتد عن دينه فاقتلوه" مخالفتها للكتاب الكريم، و"ما خالف كتاب الله فهو زخرف"، "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدال". (إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه فإنه حديث باطل لا أصل له) وهي ضوابط نبوية. والمسألة لا تحتاج لحديث رادع، فالقرآن أصل التشريع، ومخالفة أحكامه مخالفة لله تعالى. وعقوبة المرتد في الكتاب الكريم عقوبة أخروية وليست دنيوية، لأنها تتعلق بعقيدة الفرد. (..مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ..). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِي)، والآية الثانية واضحة في نفي العقوبة الدنيوية، حيث لم ترتب أي عقوبة على الارتداد الأول. لأن الآية تتحدث عن إيمان ثم كفر ثم إيمان وكفر، ولو كانت هناك عقوبة دنيوية يجب أن تنفذ به بالردة الأولى. لكنه لم يحصل لتدل الآية صراحة على نفي أية عقوبة دنيوية.

كما توأخذ الرواية حينما جعلت ناكر الضرورة (الصلاة، الزكاة، الصوم ..)، من مصاديق الردة، وحكمت بقتله مع عدم وجود دليل قرآني على ذلك. والمعروف أن موضوع الارتداد هو الإيمان والكفر وليس نكران الضرورة. وعدم اتيان الزكاة لا ينفي إيمان المرء. فمن لا يصلي لا يقال أنه مرتد يجب قتله، بل يشمله مفهوم مقترف الكبيرة بتركه للصلاة. لكن السبل ضاقت بهم لقمع المعارضة، وليس سوى الوضع سبيلا لتدارك نقص التشريع لتبرير القتل.

ومضمون هذه الرواية راح يتطور هذه المرة عبر التنظيرات الفقهية، وبمساعدة الفقهاء، الذين راحوا يبررون قتل المرتد عبر أدلة لا علاقة لها بالقرآن، أدلة تعتمد مقدمات، هي بالأساس صناعة بشرية، جعلوا منها سلطة مقدسة، تفرض عليهم محدداتها. وعمدة الدليل في قتل المرتد هو الاجماع، لكنه اجماعي على رواية معلومة لابن عباس، مختلف حولها، وكل أجماع ناظر لضرورات السلطة وحاجتها لبسط الأمن وقمع المعارضة، فهو اجماع مشبوه، متحيز، لا يمكن الوثوق به. الإجماع الحجة هو الإجماع الذي يكشف عن رأي الشارع المقدس أي الرسول مع عدم وجود رواية في مورده، أما مع وجودها فالحكم وحجيته يدور مدارها، ولا معنى للإجماع حينئذٍ. ولو صح قتل المرتد في زمن النبي فله ضروراته التي ترتبط بحداثة الدين، وتهديد أمن المجتمع المسلم وأسباب نجهلها. ولا يمكن للنبي أن يخالف كتاب الله.وبشكل عام لا يمكن للاجماع أن يكون دليلا شرعيا، رغم اتفاق الغالبية على حجيته، لأن الاجماع المدركي، أي القائم على وجود رواية، يكون مرهونا بحجيتها، ولا قيمة له مستقلا عنها، وإذا لم يكن مدركيا لا نعرف شيئا عن مناشئه، وليس بالضرورة أن تكون شرعية ومن خلال دليل غاب عنا، فدوافع التشريع متعددة، والفقهاء يتأثرون بقبلياتهم وثقافتهم ويقينياتهم، ومع وجود هذا الاحتمال كيف تبقى للاجماع حجية مطلقة؟

فالرواية التي نقلت الخبر لم تنقل تفصيلاته وقرائنه وخلفياته، فيجمد الفقيه على ظاهر النص دون البحث عن أسباب صدوره وفلسفته مما يعمق الشك بالحكم. لذا يبقى القرآن هو الأصل في حالات الشك كما بالنسبة لحكم المرتد، والقرآن واضح جدا في موقفه من المرتد. لكنهم قالوا أن آية السيف قد نسخت الحكم. ونعود ثانية لنقول لا يوجد نسخ في القرآن، ومن الصعب تحديد مصاديقه بذات الدليل القرآني لو قلنا بصحته. فلا توجد آية صريحة تقول أن آية السيف قد نسخت جميع آيات الرحمة والتسامح والآيات القرآنية، بل هو مجرد اجتهاد، وضروروات السلطة لتبرير الفتوحات الإسلامية.

 

تاريخ النص

إن دراسة تطور النص تاريخيا يساعدنا على فهم حقيقة الأمور، وكيفية تطور السلطة عبر التاريخ من خلال النص / الرواية / الحديث / الخبر. غير أن مشكلة المسلمين في دراستهم للتاريخ ينطلقون من قبليات مثيولوجية، ترسم صورة مثالية للسلطة ورموزها، فيتم تفسير الأحداث تفسيرا بعيدا عن الواقع، حينما يربطونه بمشيئة الله وإرادته، ويعتبرون الإمامة نصا وتعيينا كما بالنسبة للشيعة. لقد بدأ تاريخ المسلمين موقفا سياسيا، راح يتطور، والنص يواكب تطوره، يشرعن السلطة ويقمع المعارضة، ويؤسطر الرموز التاريخية. وبالتالي فثمة فارق في فهم الأحداث بين من يتابع حركتها ويتقصى أسبابها، بعيدا عن تحيزاته وقبلياته، وبين من يقرأها من خلال خلفيته وتصوره ومثيولوجيته. وهذا هو سبب الصراعات الطائفية بين المسلمين، ولن تنتهي ما لم يتغير منهج قراءة التاريخ والأحداث الكبرى. فالنقد مفتاح الحقيقة، وهو ما نسعى له دائما. القراءة الموضوعية للأحداث تلاحق الحدث عبر مفاصله المختلفة، وفهم نتائجه عبر التعرف على أسبابه وظرفه ومختلف دوعي حدوثه. بينما القراءة المتحيزة، تقرأ الحدث عبر قبليات القارئ، فتهمل جميع الأسباب الموضوعية أو تفسرها بشكل يلائم متبنياتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.............

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق20- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص ومثيولوجيا التراث

ماجد الغرباوي: التراث فهم بشري، يمكن تفكيكه وتحليل مقولاته، غير أن الضرورات المرجعية للمذاهب المتصارعة نأت به عن النقد والمراجعة والتشكيك، عندما فرضت حوله أسيجة ميثولوجية، رسخته في وجدان الناس، رغم غرائبية مصادره، وأسطورية قدراته المعرفية. فكرّست الأيديولوجية منطق الاستعلاء والوصايا، بعد أن جردت التراث من تاريخيته وبشريته، وأبقت على تعاليه وقدسيته، رغم أنه ليس مصدرا للمعرفة القائمة على الدليل والبرهان دائماً، بل فهم بشري يصدر عن بنية قائمة على أسطرة الرموز الدينية، تتداخل فيها الخرافة بالوهم. فهي طبيعة سحرية، تموه الحقيقة، عبر وعي مختلف لمعناها ومعنى الحياة والموت والنجاة والسعادة. فالثقافة التراثية تخلق حالة من التناقض اللاشعوري تجاه الحداثة ومعطياتها، وتنحاز للماضي على حساب الحاضر. فلا يمكن للتراث أن يكون مصدرا للمعرفة، وهو يرتكز لمرجعيات قوامها الإيمان والتسليم. عكسا للمعرفة الحقيقية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال التجربة أو البرهان الرياضي، والدليل الفلسفي القائم على الاستنباط والتأمل العقلاني، بعيدا عن المتخيل الميثيولوجي. وبالتالي لا معنى للحديث عن نهضة حضارية، وثمة من يكتفي بالتراث مصدرا مطلقا للمعرفة، إرتكازا لهيمنته السحرية التي تتجلى في ديمومة حضوره، وقدرته على توجيه وعي الناس بعيدا عن العقل. بل لا معنى للعقل مع وجود نص ينتمي لعقل أسطوري، كامل، معصوم. فالنص فوق العقل وفقا للوعي التراثي، سببه الإيمان بقدسية مصادره، وعدم تاريخيته. التراث في الوعي الديني مرجعية لمطلق المعارف، لا يغادره الفرد بفعل ما اسميته سابقا بـ"اليقين السلبي". فهو يلجأ للطبيب بعد يأسه من جدوى الدعاء والتوسل، لكنه لا يعترف بدوره وقيمة معرفته بشكل مستقل. فالدواء والطبيب مجرد وسائل للشفاء، الذي تم بواسطة قوى خارقة للطبيعة البشرية. هذا التناقض المروع لدى العقل المسلم مبعث قلق حضاري، يثبّط عزيمة البحث والتقصي العلمي، ويحد من آفاق التنمية. خاصة ونحن نعيش عصر العلم، وتطور مصادر المعرفة. فيجب تحطيم الأسيجة القدسية وأنسنة الرموز الدينية والتاريخية، من خلال نقد ذات اللامفكر فيه، والتعرف على مصادره وطرق تأثيرها. فاللامعقول وعي متأخر للذات، يترعرع داخل بيئة ثقافية، وخطاب يعمق الإيمان به. فتحرير الخطاب تحرير للوعي. ونقد النصوص نقد للمهيمن الثقافي. ولا يخفى أن قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) لا يلغي القوانين بل يؤكدها، لذا كلا من المؤمن والكافر يغرق ما لم يجيد السباحة أو يتوفر له سبب لنجاته.

فالرهان على التراث مصدر لمطلق المعرفة رهان خاسر، وهذا ما حصل لجهود أسلمة العلوم الإنسانية (المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجهود باقي المفكرين المسلمين). لأن ما أرادوا أسلمتها هي علوم تنتسب لحضارة أخرى، وثقافة مختلفة، وفلسفة مغايره في مرتكزاتها وفهمها لدور الدين والإنسان في الحياة. فكيف يمكن أسلمتها وفقا لمبادئ فلسفية تقوم على مركزية الله في الوجود، ولا سلطة للإنسان فوق سلطته، وتنحصر مصادر التشريع بالكتاب والسنة؟. بينما يقوم الفكر الغربي على مركزية الإنسان، ومسؤوليته عن حاضره ومستقبله، فالسلطة تستمد شرعيتها من الشعب، ولا رصيد للدين ضمن مصادر المعرفة، وتنحصر بالعقل والبرهان والتجربة والدليل الرياضي والاستدلال الفلسفي. فالفهم الخاطئ للدين أحد أسباب الأزمات الحضارية المستعصية. فهو محترم ومقدس في حدود دائرته واهتمامه. فلا يكون بديلا للعلم، ولا يمكن للنص المقدس أن يعطل القدرات البشرية، وهو يراهن على الإنسان في خلافة واستخلاف الأرض. للدين وظائفه في بناء الروح الإنسانية الفاعلة، من خلال ثقافة تكتسب فيها التضحيات معانٍ جليلة، وتعمل التقوى على تقويم سلوك الإنسان، والحد من جشعه. فالقانون غير قادر دائما على مراقبة الإنسان، لكن الدين يخلق وازعا داخليا، ما لم يلتف الفرد على قيمه بفتاوى فقهية. كما أن الدين احتضن الإنسان قديما وما يزال، حتى يكتشف قدراته، ويعي دوره ومسوؤلياته في الحياة.

إن الهاجس الذي يدفع باتجاه دراسة الخطاب تاريخيا، هو كشف حقيقته ومصداقيته، وفضح ألاعيبه وخداعه وأدواته، وطبيعة النصوص التي يرتكز لها. فالخطاب التراثي خطاب مؤثر، يستمد صدقيته من وعي الفرد وعقله الجمعي المتأثر بطقوسه ومخياله الميثيولوجي. فهو يخشى النقد والمراجعة ويلوذ باللامعقول والأوهام العقيدية والمعرفية. فاقتحام أسوار العقل التراثي، ومرجعياته، وتفكيك خطابه، وتحليل مقولاته ضرورة للحد من توسع سلطة التراث على حساب العقل والمعرفة الحقيقية. فالتراث، بما فيه التراث الديني، بكل نصوصه ورواياته وفتاواه لا تشكل مصدرا معرفيا حقيقيا، لأنها نصوص تاريخية، وفهم بشري، بل حتى النص المقدس ليس مطلقا دائما في أحكامه، وما يقدمه من معارف علمية وغيرها، ففي سياق هدفه التوحيدي، غير أن العقل المسلم، يوظفها بعيدا عن موضوعها، ويبقى في دوامة الدفاع والتبرير، والبحث عن مؤيدات علمية. وهذا نوع من الاحباط سببه رثاثة الوعي، وعدم قدرته على فهم النص المقدس ضمن سياقاته التاريخية. فالاطاحة بأسيجة القداسة ستنقذ الدين من براثن الفهم المبتسر. وعودة العقل لأحضان المعرفة، كل ضمن اختصاصه. فموضوع القرآن والمعرفة الدينية، خصوص العقيدة والشريعة، وعقيدته بسيطة واضحة، لولا الفهم التراثي. وأحكامه مرهونة لفعلية موضوعاتها. من هنا أجد الاهتمام بتاريخ الحكم الشرعي ودراسة فلسفته ضرورة ماسة، لمعرفة مدى فعليته. لكنها جناية الفقهاء حينما هيمنت فتاواهم على حياة الإنسان فأطفأت روح الإبداع والتطور.

 

حضور النص

إن الفهم التراثي فهم مؤسس على نصوص وروايات، بغض النظر عن صحة صدورها، فتلعب دورا خطيرا في تشكيل العقل وتوجيه الوعي، بما فيها الروايات الموضوعة والمختلقة. وهذا ما يهمنا. فصدقية الرواية وفق المنطق التراثي بقوة حضورها وتأثيرها لا بصحة صدورها. وقد لا يجازف الباحث عندما يعتقد أن تاريخ المسلمين نسق روائي، أكثره مختلق، لا يتوفر على شروط صحته. لذا قمت بتصنيف الروايات تصنيفا مغايرا، خلافا لما هو متعارف، الذي يستبعد كل نص يتقاطع مع توجهاته الدينية والسياسية، ويقبل الموضوع والمختلق حينما ينسجم معها، وهو منهج متحيز، خطير في تداعياته وآثاره. فالتصنيف الذي أعمل عليه خلال نقد النص والحفر في أعماقه إركيولوجيا، هو قسمة الروايات قسمة ثنائية: إما صحيحة، يمكن الجزم بصحة صدورها. اي الرواية التي تورث العلم واليقين، ولها كاشفية تامة على مضمونها. أو محتملة الصدور، بعد استبعاد ما نجزم بعدم صدورها يقيناً. فالرواية الضعيفة وفقا لهذا التصنيف محتملة الصدور، ما دامت مؤثرة. فندرسها من حيث تأثيرها وتداعياتها. فتارة يكون تهميش بعض الروايات الضعيفة رغم قوة تأثيرها تسترا على ما هو أخطر، خاصة في مجال العقيدة. فاستحضارها لنقدها ودراستها يعد أمرا أساساً لمعرفة آليات الخطاب الديني والتراثي. ومن هذا المنطلق صرت لا أنفي أية رواية ساهمت في بناء المنظومة الفكرية لعقائد وأفكار المذاهب والفِرق الإسلامية. فربما تكون قد صدرت فعلا. فثمة منهج يقصي صحة صدور بعض الروايات تنزيها للرموز الدينية الكبرى، بحجة أنها تتنافى مع مبانيهم وقيمهم. وهذا منهج خاطئ، حيث تنعدم السبل اليوم للتأكد من صحة أو عدم صحة الروايات، بل حتى مناهج التوثيق تشكو إشكاليات تطيح بمصداقيتها، في أول تحدٍ علمي. فمرد تضعيف بعض الروايات لمرجعية مؤثثة ميثيولوجيا، تعتمد تنزيه الذات حدَ العصمة وإقصاء الآخر، حدَ التكفير والردة. فحينما نحتمل صدور الرواية الضعيفة، بعيدا عن منطق التنزيه الميثيولجي، سنكتشف صدقية المقولات التي ترتكز لها بنية الخطاب. وليس في هذا إدانة لأحد، فربما نكتشف من خلال الروايات رأي قائلها، فلماذا نكرّس منطق التبرير والتفسير ولا نقول الأشياء صراحة. نحن بصدد نهضة حضارية، والدين يشكل مقوما ذاتيا لثقافتنا، ويفرض علينا النص الديني، الأوسع من الآية والرواية بما يشمل فتاوى الفقهاء وتفاسير القرآن، يفرض علينا محدداته. تارة يقمعنا، وأخرى يضطهدنا. فيبغي تكشيف التراث، والتنقيب في داخله، لفضح أنساقه المضمرة، والمقولات التي ترتكز إليها بنيته، والتعرف على نقاط ضعفه ومخاتلاته، وطريقته في تزوير الوعي. يجب الخروج من دوامة التراث، واجترار الماضي، فلا مستقبل لأمة لا تبني تاريخها بنفسها. وهذا مرتهن لتلاشي روح العبودية القابعة في أعماقنا، وقدرتنا على استعادة ثقتنا بأنفسنا. الغريب أن الناس يهربون من الشكوك وتحديات الأسئلة إلى المبالغة في تقديس رموزهم وتاريخهم. ويقدّمون الخرافة واللامعقول على منطق العقل وآفاق المعرفة. ويحاربون الحقيقة من وحي أوهامهم وأساطيرهم. إنها محنة الوعي التي تلازمنا، وما زالت تطاردنا. المسلم يخشى عقله وحريته، ويتشبث بعقول تاريخية ليتحلل من مسؤولياته، ويقبل منطق الوصايا دون إرادته. فمنهجه قائم على تقديس تلك العقول، وتعميق روح التبعية والانقياد في أعماقه، فيكتفي بالتأويل والتبرير دون النقد والمراجعة. بهذا الشكل فقط تستقر النفوس المهزومة التي أدمنت التي أدمنت جميع أنواع العبوديات. أنها محنة العقل التراثي، ورثاثة الوعي.

إن المنهج العلمي يتطلب تجردا كاملا للوصول إلى نتائج مطابقة للواقع، نحن بصدد معرفة الحقائق والبحث عن حلول تنهض بواقعنا، والتراث ما زال يؤثّر، بل هو النموذج التي تطمح المذاهب الإسلامية لاستعادته. لذا لا استبعد أي رواية تحت ضغط أية مرجعية، خاصة حينما تكون ميثولوجية، يتباهى بها المخيال الشعبي. فتيارات الغلو التي تغزو مجتمعاتنا: الوهابية / السنة .. الغلاة / الشيعة، ينطلق فهمها من نصوص وروايات تاريخية – تراثية، غير أن منطق الاعتدال يسعى لتبرئة المصادر التي تنتمي لها النصوص التراثية التفسيرية، للحفاظ على قدسيتها. وهذه حلول قاصرة لم تُجدِ نفعا منذ مئات السنين. وينبغي التنقيب في عقل المصدر، بعد استبعاد قدسيته، والكشف عن متبنياته، خاصة ما يتستر عليها، أو يسعى الخطاب التراثي لتمريره سرا. لتأتي المقاربات متوافقة مع الحقيقة. القداسة تفرض علينا أحكامها المسبقة فلا ننجو من فخ التقليد والحلول القاصرة، بينما التحرر من قيودها يفتح لنا أفق التحري الموضوعي في مرجعياته، لنكشف عن بشريتها، وتاريخيتها، ومدى تأثرها برغباتها، السياسية والطائفية. هكذا يجب أن نؤسس لنهضة حقيقية، وليس بمناهج ارتدادية تنكفئ بنا للماضي، وتقطعنا عن حاضرنا ومسقبلنا. مطلق التراث هو نتاج ظرفه الزماني والمكاني، ومحكوم لمختلف المؤثرات الدينية والسياسية والطائفية، فكيف يمكنه معالجة واقع لا يعرف عنه شيئا؟. ولماذا لا نفكر نحن بضروراتنا، ونستفيد من فهمنا ومعطيات العلوم على جميع المستويات؟. الاحتكام المطلق للتراث بات تحدٍ خطير. فتجد بعضهم يعالج تخلفه بتخلف أكبر حينما يفرض لرجل الدين والسياسة ولاية وقيمومة عليه، وعلى إرادته وحريته. فهذه ليست معالجة بل تخلفا مروعا. فينبغي وضع معيار للتطور، فتكريس قيمومة رجل الدين مصادرة لحرية الفرد، وقمع إبداعاته، فبموجب أي مبدأ يصدق أنه منهج متطور حضاريا؟. سلب إرادة الإنسان ومصادرة حقه في القرارات المصيرية انتكاسة وليس تطورا. للأسف باتت المجتمعات محكومة لمنطق آخر، وتراثنا قائم على التنابذ والكراهية والحقد وروح الثأر. ويكفي ما نقرأ ونسمع من تراشق واتهامات بين أتباع المذاهب. ثقافة قائمة على تكريس روح العبودية والتسليم لأوهام صنعها الخطاب التراثي، فباتت مقدسة، يحرم مقاربتها نقديا.

ثمة حادثة تاريخية تبدو بسيطة، لكنها تضفي وعيا كبيرا على مرجعيتنا العقائدية والفكرية. لقد ذكرت معاجم الرجال وكتب التاريخ الشيعية، أن "عبد الله بن يعفور" وهو شخصية فكرية كبيرة، من أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق (وفاته 149هـ). يُعد رمز الاعتدال العقائدي الشيعي، وهو الملهم لفرقة اليعفورية التي ظهرت بعد وفاته، لكنها أُجهضت من قبل بعض الشيعة. فيوما كان هذا الرجل عند الإمام الصادق، وكان معهم "المعلى بن خنيس" رجل الغلو بامتياز، وهو أيضا من مقربي الإمام الصادق. فنشب جدل بين الرجلين حول مكانة الإمام، حيث يذهب الأخير إلى أسطرة الإمام وتجريده من بشريته، وعبد الله بن يعفور ينفي عنه ذلك، ويتعامل معه وفقا لمنطق السمو البشري، من خلال علمه وتقواه وأخلاقه. والصادق يصغي لحديثهما، غير أنه مال في نهاية المطاف لابن يعفور ضد المعلى بن خنيس بعد ارتفاع سخونة الجدل بين الرجلين!!. وهذا بحد ذاته موقف إيجابي ظاهرا، يمكن من خلاله معرفة موقف الصادق من الغلاة وأفكارهم. لكن هل هذا الموقف يكفي لإقصاء جميع روايات الغلو الشيعي؟؟. سؤال على قدر كبير من الحرج حينما نسأل: كيف يتخذ الصادق المعلى بن خنيس وغيره من الغلاة كمحمد بن عمير ومحمد بن سنان وآخرين، أصحابا له؟ وكيف يتناهى لسمعه روايات الغلو ويسكت عليها؟ وكيف نفسر هذا الموقف؟ يكفي علامة الاستفهام مبررا لعدم استبعاد رواياتهم، للتعرف على الطريقة التي يفكر بها الصادق إمام المذهب الجعفري. ثم لماذا سكت حتى نشب بينهما جدل شرس؟ وبماذا كان يفكر وهو يصغي لهما؟. ربما الإمام الصادق يرفض التفكير المغالي، لكن للسكوت دلالاته. فتارة إشارة تصدر عن الرمز الديني أو الاجتماعي تفسر مثيولوجيا، وتربط المتلقي بعالم الغيب، ومقام الإلوهية.

واكبت نشوء بعض العقائد الشيعية المغالية، المبتدعة، منذ أكثر من ثلاثين عاما، ورأيت منهم عجبا. وعرفت عن قرب عقائدهم. فكانوا غلاة بامتياز، يقدسون شيوخهم، وينسبون لهم الكرامات، وعلم الغيب، والاتصال المباشر بالمهدي المنتظر. فكان أحدهم يجزم أن شيخه يعلم الغيب من خلال تجربة شخصية. وكان دليله بسيطا ساذجا جدا مستوحى من لغة الجسد وقوة تأثيرها في الأجواء الروحانية العالية. كان الشيخ دجالا، يحفظ روايات بغزارة، ويجيد لغة الجسد وقوة تأثيرها، فيترك أصحابه يجتمعون مطرقين من حوله، يرقبون حركاته وسكناته، فيسود المكان جو روحاني، ترق فيه المشاعر، وتحلق في مديات قصية، فيبدو الوهم حقيقة، والإشارة لغة، وكل شي يفسر تفسيرا غيبيا. يقول هذا الشخص كنت مأخوذا ببهاء طلعته، ووقاره وهيبة قدسيته، ففاجأني بنظرة خاصة حينما علم ما في قلبي!!!. فيبدو كان الشيخ يفاجئ بعض أصحابه بنظرة ذات مغزى، تصحبها ابتسامة معبرة، ثم يعود ليطرق، ليتركه يعيش لحظة الوهم اللذيذ. وهذه حادثه بسيطة لكنها درس عميق، وهذا ما أخشاه وأنا بصدد قراءة نقدية للتراث. كان هذا الرجل يختلي بين فترة وأخرى بأحد أصحابه، ويسره: "الإمام المهدي المنتظر يخصك بالسلام من خلال رسالة خاصة"، فتأخذ المتلقي نوبة بكاء وفرح، ثم ينكب يقبّل شيخه، ويتفانى في خدمته، دون أن يسأل نفسه لماذا لم يُرسل له المهدي بعض المال وهو يعيش وضعا ماديا مزريا، والمهدي يملك خزائن الأرض وفقا للميثيولوجية الشيعية؟ ولماذا شيخه مرفّه، منعّم في حياته؟. لكنها رثاثة الوعي، وسحر التراث بنصوصه الغرائبية، تقمع الأسئلة والشكوك.

يجب كشف المستور وفضح كل شي، والكف عن قداسات مثيولوجية يكتظ بها الخيال الشعبي، التي لم نجن منها سوى التخلف والتراجع. فتدفق روايات الغلو، عبر مقربي أئمة الشيعة يفرض علينا التأني في نفيها، فثمة قرائن حالية مفقودة. فما حدث في مناظرة ابن يعفور مع المعلى بن خنيس بحضور الإمام، ربما يوجد مثله كثير، وبحساب الاحتمالات، قد نصل إلى نتائج مغايرة. فإذا ثبت موافقة الأئمة لما يقال عنهم من غلو، فهذا يعني أن تأسيس البنى الخرافية والغرائبية في الفكر العقائدي الشيعي، كانت مقصودة، ينبغي البحث عن دوافعها، وإطفاء فاعليتها. لا شك أن زاوية النظر تتحكم بنتائج البحث، غير أن التجرد والموضوعية ومحاكمة التراث بمنطق العقل، يفضي إلى مقاربات واقعية. وهذا ما نحتاجه لنتجاوز محنة التراث في مسيرتنا الحضارية

ليس المقصود هنا بالإمام الصادق سوى مثال يتكرر مع باقي الرموز الدينية، وإلا فلا أحد يشك بجلالته وورعه وتقواه وعلمه ومكانته، وهذا ما اتفقت عليه المذاهب وتراجم الرجال، وليس الأمر يخص الشيعة دون غيرهم، بل أن السنة أدهى حينما يقمعون الناس بفقه سلطاني يكرس الاستبداد والتبعية، ويفرضون على الشعوب قداسات مزيفه، رغم إدانتها بالفسق والفجور، ويحرمون الخروج عليها. فالمعضلة معضلة التراث وسلطته، يجب الخروج من التقليد إلى الاجتهاد، من التبعية إلى المعرفة، من الاستسلام إلى الاستدلال، من التلقين إلى النقد.

وبالتالي، تحري خطاب التراث وتجريده من مثيولوجيته، هو تحرٍ للنص ومدى حقيقته. خاصة الروايات المحتملة، وهذا ما يهمنا، فثمة حقائق تراثية لا صدقية لها خارج النص، والخطاب التراثي المؤدلج، فكيف استطاع النص فرض حقيقته ومحدداته، وكيف راح يتحكم بوعي الناس ويعيد تشكيل عقولهم وفقا لمرجعياته العقيدية والفكرية؟. فدراسة التراث من هذه الناحية دراسة للنص واكتشاف حقيقته، والحد من سلطته وتداعياته. فالنص التراثي ليس نصا عاديا، بل أسطوريا، يحمل شحنة قدسية ورمزية عالية، هي خليط من الحنين للماضي (النوستالجيا)، وقدسية الرموز التاريخية، وإيحاءات السرد، وقوة تأثيرها، وطبيعة الإخبارات الغرائبية أو التي تنتمي للمقدس فتقمع النقد والسؤال.

إن العقل التراثي لا يفهم الواقع إلا من خلال التراث رغم تاريخيته واختلاف ظروفه، فيكون فهما مبتسرا دائما. وحينما يستعيد الماضي يبحث له عن شروط موضوعية تستوعبه، قد تضطره لتكفير الناس ورميهم بالردة والانحراف. فمَن يتمثل دور صحابة الرسول، ويعيش تجربتهم بكامل مشاعره وأحاسيسه، ويطمح في ممارسة ذات الدور، عندما يستشهد في سبيل الله، ويحظى بذات المقام في الدار الآخرة، لا يجد سوى التكفير والردة تسمح له بالجهاد والقتال بفهمه القاصر. وهذا ما حصل لداعش، فبعضهم وربما أغلبهم يتمنى دور الصحابة، فألقى بنفسه في لهوات الموت، وينسى اختلاف الظروف، ومناسبات الحكم والموضوع. فأراق دماء بريئة بسبب رثاثة الوعي، وعدم قدرة العقل التراثي على تشخيص الواقع، وشروط فعلية الحكم الشرعي.

التراث تراكم بشري، ينفع في دراسة العقل ومراحل تطوره تاريخيا، وهو نتاج محترم، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وليس له أي سلطة معرفية، ولا يصلح أن يكون مصدرا معرفيا إلا بحدود.

        

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6

خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق19- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وفتاوى الفقهاء

ماجد الغرباوي: إن علاقة النص بالفتوى علاقة مرجعية، وما الفتوى سوى فهم للنص، وتطبيق لكلياته، ورفع ما يبدو متعارضا بين نصوصه، وتحديد ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد، وما أُخذ من أحكامه على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية، وتحديد شروط فعلية الحكم وموضوعه. والتمييز بين الأوامر والنواهي المولوية والإرشادية. هذا من حيث علاقتها بالنص. وأما اصطلاحا فيراد بالفتوى: رأي الفقيه المستند إلى دليل. حيث يعمل جهده في استنباط وبيان الحكم الشرعي إستنادا لمصادر التشريع المتعارفة عندهم: الكتاب، السنة، الإجماع والعقل أو القياس حسب متبنيات المذاهب الإسلامية، وهناك مصادر أخرى مختلف حولها لدى أهل السنة. إضافة إلى مجموعة القواعد الفقهية وقواعد أصول الفقه، التي هي أدوات في استباط الأحكام. فالفقيه يختلف عن راوي الحديث الذي تقتصر مهمته على نقل الرواية فقط، بما في ذلك الفقيه الإخباري الذي يكتفي بالقرآن والسنة دليلا على الحكم الشرعي، فأيضا ينحاز لقبلياته، ومبانيه في التوثيق، وفهم النص، وإظهار مداليله، وفي ترجيحه للروايات المتعارضة. فلا حيادية مطلقة في الاجتهاد، مادام يعني بذل الجهد لتحصيل الحكم الشرعي، فمضطر عن وعي أو غير وعي لإسقاط قبلياته على فهم النص، فيتأثر بعقائده ويقينياته، ومختلف ميولاته، خاصة حينما يتعلق الأمر بقضية سياسية، فينحاز لما يخدم مصالحه ومصالح مذهبه وطائفته. كما يرتكز في تحديد الموقف العملي في حالات الشك بالحكم الشرعي، إلى أصول عملية، ليس عليها دليل صريح، سوى اجتهادات شخصية واستحسانات واستظهارات. وما الاختلاف بين الفقهاء حول قضية واحدة إلا دليل على ذلك. كما بالنسبة لمسألة غسل القدمين في الوضوء، فالسنة يذهبون لوجوب غسلهما، والشيعة يكتفون بمسحهما، وبطلان الغسل. فالتحيز ملازم للاجتهاد. خاصة على القاعدة الشيعية المعروفة: (الرشد في خلافهم)، التي هي مصداق للتحيز بأجلى صوره. وبالتالي، وهذا ما يهمنا: أن النص هو المرجعية الأساسية للتشريع، ولا شرعية لأي حكم أو فتوى بعيدا عنه، ما لم يًقم دليل لفظي على صحته. والتشريع ليس من شؤون العقل، رغم أن ما حكم به العقل حكم به الشرع كملازم بينهما، إلا أن الحكم الشرعي جعل مَن له حق التشريع وهو الله تعالى، فهو العالم بملاكات الأحكام، ومصالح العباد، وعلاقة الحكم المنظومة الدينية، وهدف الرسالة والإنسان في الحياة. وقد ذكرت ما به الكفاية حول تشريعات الأحكام. لكن الفقيه يبحث عن دور يمنحه قدسية المقام والسلطة الدينية، أي أنه يقاتل على الرأسمال الرمزي للدين والسلطة المعنوية.

كان الصحابة يسألون النبي مباشرة، فتارة يجيبهم بآية قرآنية، حينما لا يكون موضوع الحكم الشرعي مطروقا من قبل. وأخرى يفتي تفصيلا وبيانا للحكم الشرعي القرآني. وهناك مجموعة آيات تبدأ بـ(يسألونك، ويسألونك، يستفتونك) . فالتشريع منحصر بالله تعالى، وله الولاية عليه أصالة. وهذا ما اتفق عليه جميع الفقهاء المسلمين.وأما الرسول فقد اتفقوا على ولايته التشريعية المجعولة من قبل الله تعالى، فتكون أقواله وأحاديثه حجة مطلقا كحجية آيات الكتاب الكريم. لكن أدلتهم اجتهادية وتأويلية، لا يعضدها أي شاهد قرآني صريح ينص على جعل الولاية التشريعية للنبي. بل أن الرسول كان يتوقف بالرد على أسئلة الصحابة المستحدثة بانتظار نزول الوحي. ولو كانت له ولاية تشريعية فلماذا يتوقف ولا يبادر للجواب؟ هذا هو المسكوت عنه بل والمحرّم التصريح به!!. وأما وظيفته قرآنيا، فهي: التبليغ والشرح والبيان والتفصيل والإنذار والتبشير، كما جاء ذلك في عدد من الآيات التي تصدت لبيان وظيفته. فالمتيقن أن تشريع الأحكام مختص بالله تعالى، لعلمه وإحاطته بكل شيء. (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ... يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فالفتوى جزء من المنظومة الدينية، المتضمنة لفلسفة الدين والحياة والإنسان، فينبغي أن يأتي الحكم الشرعي منسجما معها، كي يؤدي الدين دوره ورسالته في الحياة بشكل صحيح. فالقرآن هو المصدر الوحيد لبيان الشريعة والأحكام الشرعية، ويتبعه الحديث النبوي الشارح والمبين والمفصل لهذه الأحكام، فتكون رواياته وأحاديثه حجة بلحاظ علاقتها بالأصل القرآني. وما عدا ذلك يقع تحت عناوين أخرى يأتي بيانها في محله.

وأما بعد وفاة الرسول فكان المسلمون يسألون الصحابة والتابعين، حتى عصر الفقهاء حيث راح يتوسع الفقه اجتهادا وتعددت مسائله. وكان الشيعة يأخذون أحكامهم عن أئمتهم، مباشرة أو بواسطة أصحابهم. وكانت كتب الأحكام عبارة عن مجموعة روايات مروية، تسمى عند الشيعة بالأصول الأربعمئة، ثم صدرت كتب جامعة، جمع فيها مؤلفوها روايات الأحكام الواردة في الكتب والأصول في كتاب واحد. فكانت الفتاوى قبل عصر الفقهاء، ناظرة للنص، آية أو رواية، عنهما يستنبطون الحكم. أو كما يقرر الشافعي، استنباط على مثال سابق، ويقصد بالمثال آية أو رواية.ثم بالتدريج اقتحمت الفلسفة والمنطق الأرسطي المباحث الفقهية، وما زالت فاعلة في الدراسات الدينية والحوزوية، وكلاهما أثّر سلبا في استنباط الحكم الشرعي، حينما سلبه روحه المعنوية وبعده الأخلاقي، وصار مجرد معادلات ومفاهيم ومصاديق تتحقق بمجرد التلبس بالمبدأ، فتسببت في وجود ما يسمى بالحيل الشرعية، التي هي تهرب حقيقي عن الواجب الدين والإلتزام الأخلاقي، وسرقة للمال، والتحلل من الإلتزامات. رغم الأثار الإيجابية للمباحث المنطقية والفلسفية في يقظة العقل، وشحذ الذهن، وفتح باب التشكيك وتعدد الإحتمالات. وبالتدريج تضخمت الفتوى حتى طغت حداً صادرت حرية الإنسان، وقمعت فيه روح الإبداع. وتصور أن فتاوى إبن تيمية في جميع الشؤون، قد طبعت بـ(20) مجلدا، فأي تعسف يمارسه الفقيه ضد الناس؟ وأيضا من فقهاء الشيعة من بلغت رسالته في الأحكام الشرعية فقط أربعة أجزاء كبيرة، أكثر من الفي صفحة. بينما عدد آيات الأحكام في الكتاب الكريم بحدود 500 آية. فكيف تفاقمت الفتاوى، والله نهى عن كثرة السؤال والاستفتاء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

لا شك أن أحكام الشريعة محدودة قرآنيا، وفيها قدر من المرونة، كي تواكب حاجة الإنسان للحرية والتحرر، وتراعي ضروراته الحياتية: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، فلكل عصر شريعته. ومرونة التشريعات الإسلامية كفيلة بذلك. (أقرأ دراسة الكاتب: دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء). فالدين يرفض تكبيل الناس بفتاوى وتشريعات تعسفية تحد من حريتهم واستقلاليتهم، بل الدين جاء ليحرر الإنسان من الدين، ومن سطوة رجاله، وتعسف مؤسساته، وكل ما أثقل ظهره من أحكام وتشريعات سابقة: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). ويستبدله بـ(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وَ(مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). لكن ما يعيشه المسلمون في ظل فتاوى الفقهاء (كل الفقهاء ومن جميع المذاهب الإسلامية)، وتفريعاتها وقساوة أحكامها، جحيم ديني. فيجب تخطي الممنوع، وكسر أسوار القداسة، لمعرفة حقيقة الفتوى، وما هو مصدر شرعيتها وسلطتها، خارج حدود ما شرعه الله من أحكام في كتابه المجيد. ومن أين جاءت للفقيه هذه السلطة المزلزلة؟ فثمة تجاوز للنصوص المقدسة، وغايات الدين وتشريعاته.

فالسؤال، من أين اكتسبت فتوى الفقيه شرعيتها وسلطتها؟ وما هو علاقتها بالنص المقدس تحديدا؟ هذا هو السؤال المحرّم، المسكوت عنه في جميع المذاهب الإسلامية، بل في جميع الأديان. فالناس تنقاد لفتاوى لا تعرف من أين تستمد شرعيتها. وترتعد أمامها كالخراف، خوفا من عذاب يوم الحساب. وحينما تعود لأدلة حجية تقليد الفقيه، ووجوب التمسك بفتاواه والانقياد له، تكتشف حجم التزوير الفقهي. فلا يوجد دليل لفظي صريح ينص على وجوب التقليد، وأدلة الفقهاء قاصرة في دلالتها على وجوبه، سواء الآيات التي يستشهدون بها، أو الروايات أو سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، بل وحتى دليل العقل قاصر. العقل لا يقول أكثر من وجوب رجوع الجاهل الى العالم في القضايا التي يشكل إهمالها خطرا على حياته ومستقبله. كالمريض الذي يجب عليه مراجعة الطبيب لإنقاذ حياته من الخطر. بل لا يوجد دليل صريح على كل ما زاد على التشريعات القرآنية، سوى قول مشهور لا نعرف مصدره، مفاده، ما من واقعة إلا ولله فيها حكم. وهذا يتنافى مع صريح القرآن: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، التي جاءت مباشرة بعد مجموعة تشريعات، ولم تأت إعتباطا بل جاءت لتعلن خاتمة التشريع واكتمال الدين، بشكل صريح واضح لا لبس فيه. فأغلقت الباب بوجه أية إضافة حينما وصفت الكتاب بأنه تبيان لكل شيء، ويقول ما فرطنا في الكتاب من شيء. لكنهم التفوا على الكتاب لإشباع هوس الإفتاء من جهة، وشرعنة سياسات ما كان لها أن تحكم لولا الأحاديث المختلقة والمكذوبة. فما يهمنا تحري مصداقية سلطة الفقيه في فتاواه، ومدى إلزامها وحدودها. وهل يكفي كونه خبيرا فقهيا التوسع في الافتاء مع قصور النصوص التشريعة؟. إذ المعلوم أن الأحكام الشرعية خمسة: وجوب وحرمة واستحباب وكراهة، والخامسة وهي الأهم الإباحة، وهي المساحة الأوسع التي تركها الخالق للإنسان يتصرف بها بحكمته وقدراته العقلية. فالإباحة كل ما عدا آيات الأحكام التي هي بحدود 500 آية. فمن أين يستمد الفقيه شرعية فتاواه فيما زاد على الكتاب؟ وكيف راحت تتدفق وما زالت تشرعن للقتل والموت والاستبداد والكراهية والحقد؟. ألم يحن الوقت لمراجعة صدقية مقولة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"؟ ألا يكفي عدم وجود ما يدل عليها صراحة في الكتاب الحكيم؟ ألا يعتقد الفقيه أنه سيحرج يوما ما بسببها؟.

لست ضد رجوع الناس للفقيه باعتباره خبيرا فقهيا، لكني ضد أن يتحول الفقيه إلى سلطة باسم الدين، فيفرض ولايته وقيمومته على الناس، وأموالهم، وأعراضهم، ويكفر الآخر، ويبذر بذور الفرقة على أسس طائفية، ويفتي بجواز سفك الدماء. وهذا لا يمنع وجود مواقف مشرفه للفقهاء عبر التاريخ، حيث قاوموا الظلم والعدوان والتسلط، والاستعمار ونالهم الأذى واستشهدوا في طريق الحق، كما يعود لهم الفضل في بناء وتطوير علم الفقه، الذي هو علم إسلامي بامتياز، لم يسبق المسلمين أحدٌ في تأسيسه، وهو أحد معالم حضارتهم الفكرية والفقهية. وكل هذا لا ريب فيه، لكن الحديث حول الركائز الشرعية للفتوى، وعلاقتها بالنص باعتباره المرجعية الوحيدة لشرعية أي حكم شرعي، كي نحد من فوضى الفتاوى، خاصة السياسية، التي تربك الوضع الأمني والاجتماعي. والأخطر تقديم ولاء الفتوى على ولاء الدستور والقانون، بل وتقديم ولائها على ولاء الوطن. الفقيه إنسان مهما كان علمه. إنسان له تطلعاته وأهدافه وطموحاته، فهو ليس معصوما، والتقوى لا تغير شيئا من قناعاته الطائفية والمذهبية بل حتى السياسية حينما يفلسفها وفقا لقبلياته ويقينياته وأحكامه المسبقة.

تارة يجد الفقيه نصا دالا على الحكم الشرعي، آية أو رواية صحيحة. فإما أن يكون النص صريحا في مؤداه، فلا يحتاج لفتوى، كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام، وأقيموا الصلاة، وأتوا الزكاة. فالوجوب واضح، صريح، لا يحتاج لفتوى الفقيه. وإما أن لا يكون صريحا، فيستظهر الفقيه المعنى الأقرب، وهنا تتدخل ثقافته وقبلياته، وأحكامه المسبقة، وحذاقته، وذكاؤه، ووعيه للنص وبلاغته، ولغته، وطريقة تعبيره، وأمور أخرى. فيفتى وفقا لاجتهاده، ويرجح ما يتلاءم مع متبنياته. فيبقى اجتهادا شخصيا غير ملزم إلا بقدر تعلقه بذات الآية وبيان مداليلها، وفقا لخبرته العلمية. وفي حالة انعدام الدليل اللفظي الصريح، ينتقل لأدلة أخرى كالأدلة العقلية، والأصول العملية لبيان وظيفة الشاك في الحكم، كما في مصطلح الأصوليين، وغيرها من أدوات وقواعد فقهية وأصولية، وهي قواعد وضعها الأصوليون، ثم تحولت سلطة فوقية تتحكم باجتهاداتهم وآرائهم. فلا أحد يسأل عن بشرية هذه الأصول التي ترتكز لها أغلب فتاوى الفقهاء، في كل مورد لم يرد فيه نص شرعي لفظي صريح. فكيف أصبح للفقيه شرعية من خلال أصول هو نظّر لها، فهي تمثل وجهة نظره، حتى وإن ارتكزت لبعض النصوص، لكن ارتكازه استظهاري، استحساني، وليس صريحا يفرض سلطته مطلقا علينا. لذا على الفقهاء أن يثبتوا لنا أولا حجية مطلق الأحكام التي لم يرد فيها نص قرآني صريح. ثم حجية فتواهم، وهل يكفي تخصصه في جعل حجيتها؟ ولماذا يحتكر بعض الفقهاء الإفتاء دون غيرهم؟ ولماذا الفتوى مع عدم وجود نص قرآني صريح في موردها، فربما ملاك الإباحة أن يبقى الإنسان حرا بلا فتوى، فلماذا تقمع حريته؟. وأسئلة كثيرة. وكمثال توضيحي لهذا الكلام، أقرأ قوله تعالى حول محرمات الأطعمة، وقارنه بفتاوى الفقهاء: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، ثم قارن مضمون الآية بكتب الفقه في جميع المذاهب، لتعرف حجم جناية الفتوى، في خلق دين بعيد عن القرآن وسماحته. الفقيه المسؤول الأول عن كل الخراب الديني في التاريخ، والفقيه المسؤول الأول عن أغلب الدماء التي سفكت باسم الدين وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. لكن رغم كل هذا تجد انقيادا أعمى للفتاوى، بل أحيانا يجردون الفتاوى من تاريخيتها، من أجل غرض سياسي، كما فعلت الحركات الإسلامية المتطرفة، التي استدعت جميع فتاوى القتل عبر التاريخ لتبرير سلوكها الإرهابي. فهي حركات متشددة في التزامها، وكل ما ارتكبته ارتكزت فيه التفاوى الفقهاء. لكن ماذا نفعل لروح العبودية والانقياد، التي لا تطمئن ما لم تجد فوقها دكتاتورا يسوقها، وفتوى تضبط سلوكها!!

 

اسباب تفاقم الفتوى

ثمة أسباب وراء تفاقم الفتوى، نذكر أهمها، كي يمكن من خلالها الحد من الحاجة للفتاوى المستحدثة بما يعيق التطور الحضاري للفرد والمجتمع:

1- إن الخطاب الديني الأعم من الخطاب القرآني، وما فيه من نذير وبشير، وحديث مفصل عن الخالق وقدراته، وما أثار في أنفسهم عن عظمة الكون والخلق، قد ترك لديهم إنطباعين:

الأول يستند إلى شمولية علم الله تعالى، وإحاطته. الذي لازمه أن يكون له رأي وحكم في كل موضوع من موضوعات الحياة. فكانوا يلحّون بالسؤال، حتى نهاهم القرآن عن ذلك. فكان خطأهم في افتراض الملازمة، فليس ثمة دليل عليها، سوى تصوراتهم وأوهامهم.

والإنطباع الثاني سببه مشاعر الخوف من هول العقاب واليوم الآخر، الذي زلزلهم وخلق فيهم حالة من الرعب، والترقب والرجاء، فأسئلتهم تعبير لا مباشر عن القلق المصيري الذي يستبد بالإنسان وجوديا، ثم راح يتفاقم بعد الخطاب الديني والقرآني. فكانوا يخشون من أي تصرف لا يعرفون حكمه الشرعي فيبادرون للسؤال. وهذا أحد الأسباب، وراء تزايد الأسئلة، ومراجعة الرسول ومن بعدهم الصحابة حول كل صغيرة وكبيرة. فأصبحت الفتوى المحرك الأساس لعقولهم، وجزءا من بنيتهم المعرفية، حتى فقدوا حريتهم من حيث لا يشعرون.

2- ثم تأتي طبيعة العقل العربي المسكون بالسؤال بدلا من البحث والتقصي، سببها روح العبودية، المطبوعة على تلقي الأجوبة الجاهزة. فهي عقلية كسولة، لا تحب الجد والاجتهاد. فكثير من الأحكام رد على سؤال أو ستفتاء، وبقيت هذه العادة معهم بعد وفاة الرسول، يتلقون من الصحابة أجوبة مسائلهم الشرعية. فالعقل العربي يرفض حريته، ويطمئن للفتوى، خاصة حينما تصدر عن جهة شرعية.

3- لعبت السياسة دورا خطيرا في تفاقم الفتوى، فكان السلطان يحتاج الفقيه لشرعنة سلوكه وتصرفاته، رغم مخالفتها لمبادئ وقيم الدين الحنيف، كما يحتاجه لقمع المعارضة. ويحتاجه لجميع ما يواجه خلال فتوحاته من إشكالات، كي لا تخرج تحركاته العسكرية عن لباسها الديني المخادع، ويفقد الاندفاع الطوعي للجنود المسلمين. فالفتوى بالنسبة للسياسي ذخيرة يقاتل بها معارضيه، ويطيح بجميع من يتحدى إرادته أو ينوي مصادرة سلطانه.

4- تطور الحياة وتشعبها، دفع الناس للاستفتاء على أساس ما من حادثة إلا ولله فيها حكم. فالناس تهرع لرجل الدين تسأله شتى الأسئلة، بشكل مقرف.

5- تطور الدرس الفقهي والأصولي الذي راكم بحوثا هائلة، نتجت عنها إمكانيات كبيرة للاستفتاء.

6- دخول علوم جديدة كالفلسفة والمنطق في تطوير علم الفقه، ومن ثم علم أصول الفقه، فكان لهما أثر كبير في تطور البحوث الفقهية، وإمكانية الاستفتاء. بل وكان للمنطق دور سلبي أيضا، عندما يبيح سرقة الأموال من خلال تعدد العناوين وصدقها على فرد واحد، فيحرم بذلك غيره من المستحقين. فمثلا عندما يؤتمن رجل دين على توزيع أموال على عناوين عدة، فيمنح ولده المدلل على عدد العناوين التي تنطبق عليه. والفقيه يوافقه ذلك بلا أدنى تردد، لصدق المفهوم عليه منطقيا. لكن أين الأخلاق والتقوى؟ الفقيه لا علاقة له بهذا، المهم بالنسبة له، مقياسه المنطقي، فمادام المفهوم يصدق عليه فيحق له ذلك، حتى مع حرمان 3 أشخاص مستحقين للمساعدة. وهذه أحد السبل القذرة التي يثري بسببها رجال الدين.

7- خوف الفقيه وتقواه، تسبب في مزيد من الاحتياطات الفتوائية، فتسبب في تراكم الفتوى بشكل وآخر.

 

أسيجة القداسة

لا يخفى على الفقيه هشاشة شرعيته الفتوائية، وضعف أدلته، لذا تدارك نفسه بأسيجة حديدية مقدسة، من خلال أحاديث وروايات تكرّس سلطته، مثل: (من اجتهد فله أجران، ومن أخطأ فله أجر)، لتعفي الفقيه عن كل مسؤولية، مهما كانت الدواعي الحقيقية لفتواه، ومهما كان حجم التداعيات المترتبة عليها، من تفرقة وتمزيق للمسلمين، وربما استباحة دماء وإقصاء وتنابذ باسم الإسلام. أو خبر شيعي: (الراد عليهم كالراد علينا، والراد علينا كحد الشرك بالله). وهو خبر ضعيف السند يختص بالقضاء، وقد استدرجه الفقهاء لحمايتهم دينيا. وهذا الحديث بالذات يمنع مساءلة الفقيه، ويكرس روح التبعية والانقياد، ويعفيه عن أي مسؤولية سواء أخطأ أم أصاب في حكمه. بينما علي بن أبي طالب يقول: (فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ).

كما راهن الفقيه على سذاجة الناس لتحصين موقعه الديني، فيوحي للآخرين بأن الاجتهاد هبة ولطف إلهي، والمرجعية منصب إلهي، لا تتأتى لكل شخص رغم تعدد المجتهدين. كما يراهن دائما على إيمان الناس بالتقليد كضرورة دينية لضمان صحة عمل الفرد، ومطابقة سلوكه للشريعة الإسلامية. بينما لا حقيقة تاريخية للتقليد، وهي مسألة مستحدثة، والقول بوجوب تقليد الفقيه، لم يمض عليه أكثر من مئتي عاما. وكان المفهوم الذي ينطبق على رجوع الناس للرواة والفقهاء طوال الفترة المنصرمة هو مفهوم الإتّباع أو المتابعة أو الإلتزام برأي الفقيه في مقام العمل. يسأل الراوي وتنتهي علاقته به، وبإمكانه أن يسأل غيره بنفس المسألة أو بمسألة أخرى بدون قيد أو شرط. وهذا لا يصدق عليه مفهوم التقليد الذي بات متعددا في معانيه. فكان الشخص إما أن يلتزم بمفاد الرواية، كما بالنسبة للفترة الأولى، أو يلتزم ويتابع الفقيه في رأيه. كالتزام المريض برأي الطبيب، باعتباره مختصا. أو كإلتزام صاحب الدعوى بتوصيات المحامي المتخصص في المسائل القانونية. حيث تنتهي علاقة الطبيب والمحامي بانتهاء الاستشارة. اما التقليد المعاصر فيفرض تبعية مطلقة للفقيه في سلوك الفرد، فضلا عن عباداته، مرورا بحدود حريته، يؤكد ذلك المسائل أو الفتاوى الأولى في كتب رسائل الفقهاء. خاصة عندما يفرض الفقيه وجوب تقليد الأعمي، الذي ينحصر مصداقه فيه، ويرفض التبعيض في الاجتهاد والتقليد.

بسبب التقليد راح الفقيه يعتبر الناس "عواما"، رغم خشونة الكلمة، وفيهم علماء ومفكرون ومثقفون ومبدعون وأخصائيون، فيقول: يجب على العوام تقليد الفقيه في الأحكام الشرعية. فالفقيه لا يتعامل مع الناس من منطق الاختصاص، ولا يسمح للمقلد أن يتعامل معه كالطبيب أو المحامي. خاصة الفقيه الشيعي الذي يعتبر نفسه نائبا للإمام المعصوم وله ما للإمام من صلاحيات تضاهي صلاحيات الرسول المنصوص عليها من السماء!!. مع أن استنباط الأحكام الشرعية صنعة ممكنة لكل من توفر على شروطها، فهي تخصص وليس هبة أو لطف وتوفيق من الله تعالى. لكنه أخضع الناس لولايته وسلطته وهيمنته. فأنا ضد التقليد الذي يستبطن قيمومة رجل الدين على الآخرين. نحن بحاجة الى متخصص في الفقه الإسلامي ولسنا بحاجة لقيّم يصادر عقولنا، ويحدد مواقفنا، ويتحكم بإرادتنا ويفرض علينا وصاياه في جميع المجالات، سواء كانت اختصاصه أم لا.

لا شك بوجود جهود فقهية تجديدية، غير أن الخوف من الخطاب الرسمي للفقهاء الذي يقمع كل إبداع، ويطيح بمستقبل كل فقيه تسول له نفسه تصحيح مسارات إستنباط الأحكام الشرعية وتصحيح مرجعياتها العقائدية. والتاريخ ليس بظنين، والأمثلة كثيرة، حتى في وقتنا الحاضر. فالخطاب الرسمي ليس عملية فقهية فقط، بل منظومة دينية، أخلاقية، عقائدية، طائفية، سياسية، وهناك مصالح ولوبيات تتحكم بها. ومن يرفع راية الإصلاح فمصيره القمع والتسقيط، وسلب شرعيته الرسمية. المؤسسات الدينية أبشع المؤسسات الاجتماعية في كل مكان.

وخلاصة ما تقدم: لا توجد سلطة وولاية شرعية للفقيه، ولا يحق له التشريع ولو بعنوان الفتوى خارج فهم النص المقدس. مهما كانت مراوغاته والتفافه على وعي الناس. فلا حقيقة وراء ذات الفتوى، سوى ما يوحي به مقامه وتصديه للإفتاء، والصورة المثالية له في عقول الناس، وقدسية رجل الدين عند العوام، ووهم اللطف الإلهي لخصوص الفقيه. خاصة الفتاوى السياسية المتهمة في دوافعها أساسا، فإنها رأي شخصي للفقيه، ولا أدري كيف يفرض على الناس وجوب الإلتزام بها. صحيح أن الفقيه يصرح أن هذا رأيي واجتهادي، لكن الكلام حول مصدر شرعية الإلزام الذي أنهك المسلمين وشتت وحدتهم. فينبغي أعادة النظر في أولويات الشعوب حينما تتصادم فتوى الفقيه مع دستور البلاد وقوانينه. فالفقيه ليس رسولا معصوما في سلوكه وقراراته، وله حساباته الخاصة ومصالحه الشخصية والحزبية والطائفية.

إن أخطر ما قام به الفقيه تجريد الأحكام الشرعية من بعدها الروحي والأخلاقي، فركز على الشكل دون المضمون، وشغل الناس بالشكليات، فما عادت العبادات تؤثر في سلوك الناس. (يرجى الاطلاع على كتاب تحديات العنف)

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق18- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

أدلجة الخطاب

ماجد الغرباوي: ليس المقصود بالأدلجة مفهومها الإيجابي، أي علم الأفكار ودراستها، وإنما مفهوم سلبي، يعني أن الأيديولوجيا منظومة أفكار ومفاهيم منحازة يراد بها تفسير جميع الظواهر، وإعادة صياغة الواقع وفق قناعاتها وتصوراتها كحقائق نهائية وجزميات لا يمكن التراجع عنها. فالخطاب الأيديولوجي يصادر ما عداه، ويحصر الحق به. وقد عانت المجتمعات والشعوب من تداعيات الأدلجة السياسية والدينية. خاصة الحكومات الشمولية. وهو خطاب قمعي، متحيز، يمثل رؤية خاصة، ويراهن في تمرير رسالته على العقل الجمعي ومدى تأثره واستجابته للخطاب الوجداني والتعبوي. فالأيديولوجيا هوس عاطفي، تكرّس روح الانقياد والتبعية، وتُبقى العقل في دوامة الإنغلاق والدوران حول نفسه. وهي خطاب نفي، لا يفهم سوى منطق الثنائيات، "إما معي أو ضدي". "من لم يكن معي فهو عدوي". وهذا منطق متعالٍ يستمد حقيقته من قبلياته، فينبغي للناقد التحقق من صدقيتها ومدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، لتفكيكه وفضح تحيزه، ومقاصده وأهدافه البعيدة. فمثلا سيكشف النقد أن طموح السلطة، (مطلق السلطة) بالنسبة للإسلاميين، هو المتواري الذي يرفض الخطاب الأيديولوجي التصريح به. فيبدو خطابا دينيا، دعويا، نزيها، يريد تطبيق الإسلام. بينما هو لهاث محموم وراء السلطة والحكم، فينبغي نقده وتفكيكه، لتفادي تداعياته، بعد أن جر علينا ويلات كلفت شعوبنا حاضرها ومستقبلها، وما زالت تئن من جراحاته ونكباته، خاصة ما فعلته الحركات الإسلامية المتطرفة في السنوات الأخيرة، وفشل تجارب الإسلاميين في السلطة.

 

مرونة النص المقدس

ما كان للخطاب الأيديولوجي أن يستغل النص الديني المقدس، لولا مرونته العالية. فمرونته قد فتحت آفاق التأويل والتفسير تبعا لتعدد المقاربات الفكرية والعقيدية، لتأثر قراءة أي نص بقبليات المقاربة، وقدرة القارئ على استنطاقه وتأويله. لذا يتوقف تفكيك أي خطاب على نقد تلك القبليات والتحقق من مدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر، وهي مسألة معقدة، تتطلب تنقيبا وحفرا معرفيا داخل بنية الخطاب، لتحري أنساقه، وتحليل مقولاته. لكنه أمر ضروري تتوقف عليه نهضتنا الحضارية، فقد عبثت الحركات الإسلامية بوعي الشعوب، واستدرجتهم لسفك الدماء، وقتل الناس الأبرياء، وتسببت في هدر الثروات، وتمزيق وحدة الشعوب العربية والإسلامية. فنقد مرجعيات خطابها خطوة ضرورية لتفكيكه، والحيلولة دون تعرّض دلالات قداسة النص لسطو أيديولوجي، كما فعلت الحركات التكفيرية المتطرفة، حينما جردت النص المقدس من تاريخيته، لتوظيفه خدمة لأهدافها السياسية، فارتكبت بذلك خطأ فادحا، اضطرها لاعادة وعي المفهوم ودلالاته بما يحقق أهدافها. وبالفعل راح يشمل بإطلاقه مصاديق يقصدها الخطاب. وشملت آيات الحرب واقعا لم يكن مقصودا حين نزولها، بل كانت ناظرة لقضية خارجية محددة، وهم مجموعة المشركين الذين حاربوا الرسالة وشخص النبي بعناد مرير، وغدروا ونكثوا العهود والمواثيق، ورفضوا التفاوض السلمي. فهي حالة خاصة جدا، لا يمكن تطبيق أحكامها على غيرها. ولا فعلية لها بعد انتفاء شرط الحرابة (راجع كتاب تحديات العنف). فعندما جرد الخطاب الأيديولوجي الحكم من تاريخيته، وجعله حكما شرعيا مطلقا، توفرت الحركات الإسلامية، على دليل شرعي فعلي يبيح لها استخدام القوة باسم الدين ضد مناوئيها، وتحقيق أهدافها في السلطة والحكم. فالحركات الإسلامية لديها مشروع ديني – سياسي، وتتطلع لإقامة دولة، تتولى فيها السلطة، من خلال سلطات دينية مطلقة. وأحكام شرعية فعلية، تستبد من خلالها بالحكم، وتتفرد بالقرار السياسي، والتحكم بتقرير مصير شعوبها. فالعنف أداتها في كلا بعدي مشروعها، لأنها لا تؤمن بالسلم وتستهزئ بالتسامح والاعتراف بالآخر.

وهذا يؤكده إدمان العنف مع إمكانية السلم، خاصة في مشروعها الدعوي، حيث يتطلب نهجها الديني وأسلمة الحياة، المبادرة إلى إحياء العمل الدعوي بروح سلمية، من خلال فتح مشاريع ثقافية وتعليمية، لمعالجة انحراف المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة بعيدا عن القمع والإرهاب، مهما طال الزمان، لصعوبة التغيير، ما لم يتمثل المجتمع قيم الدين ومبادئه، وهذا يحتاج لدراسات مستفيضة ومراجعة مستمرة للمناهج والآليات. لكنهم استبدلوا الأسلوب السلمي بأسلوب تعسفي، وفرضوا أسلمة المجتمع بذريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدلا من معالجة مناهجهم التعليمية وأساليبهم التربوية. فالمشروع الديني للحركات الإسلامية مشروع خوف ورعب، وليس مشروع هداية ورحمة. فخالفوا المنهج القرآني القائم على آيات صريحة، لا يمكن العدول عنها إلا بالنسخ، الذي يؤمن به بعض الفقهاء، وقد تشبثوا به بقوة، مع عدم وجود دليل جزمي عليه. بل وحتى مع ثبوت النسخ لا يوجد دليل على تحديد مصاديقه. إن أسلوب هداية الناس وفقا للمنطق القرآني أسلوب سلمي: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهي آية صريحة، واضحة، محكمة، فتكون حاكمة على غيرها من الآيات المتشابهات، وفقا لذات المنهج القرآني. فالتشبث بالعنف لهداية الناس، فعل العاجز، وهذا ما يتستر عليه الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية، خاصة المتطرفة والتكفيرية، حينما يعتبر العنف وسيلة لهداية الناس مطلقا. والحقيقة أن شروط استخدام القوة والعنف صعبة. وبهذا وجدت الحركات الإسلامية مبررا لاستخدام العنف لقمع المسلمين داخليا، تحت ذريعة الهداية وتطبيق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصادرت حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفق رؤيتها الدينية والفقهية خاصة.

إن استخدام العنف والتسرع في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عدم اكتمال شروطهما، تصرف يبعث على الريبة والشك في صدقية نواياهم، فربما هاجس الحركات الإسلامية هاجس أمني، تحسبا لأي تمرد محتمل، فيتخذون من أسلمة المجتمع ذريعة لتبرير العنف ضد الجميع. فالمقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس مفهومهما التربوي، بل ما يترتب عليهما من ضبط الأمن الداخلي وقمع المعارضة. فنحتاج لوعي يفضح السلوك السياسي حينما يرفع لافتات دينية، ويعتبر نفسه الممثل الوحيد لشريعة السماء.

وأما على الصعيد السياسي، فالأولوية بالنسبة لها هو العنف لتنفيذ خططها، فتبدأ خطواتها بخطاب أيديولوجي تعبوي، محرض تحرك به الجماهير من خلال شعارات دينية مؤثرة، كشعار لا حاكمية إلا لله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. فتسقط بهذه الشعارات شرعية جميع الحكومات التي لا تحكم بما أنزل الله. ومفهوم "الحكم بما أنزل الله" مفهوم فضفاض، فهل هو خصوص الأحكام الشرعية المنصوص عليها قرآنيا، أم ما يشمل فتاوى الفقهاء؟ وأي من الفقهاء يجب الإلتزام بفتاواه، هل هو الفقيه السني أم الشيعي، وأسئلة أخرى كثيرة. المهم أن الحركات الإسلامية استغلت هذه المرونة، ووظفت المفاهيم لتبرير العنف ضد الحكومات القائمة، فهي وفقا لهذا التفكير كافرة، مشركة، يجب قتالها والإطاحة بها "قاتلوا المشركين". ولو خارج شروطها. نحن لا ننكر هذا الحكم فهو نص قرآني (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ)، لكنه حكم مشروط بظرفه وفعلية موضوعه، غير أن الخطاب الأيديولوجي للحركات الإسلامية يتستر على شروط هذه الأحكام، وفعليتها، ويلغي خصائصها التاريخية. فيصدقها العقل الجمعي، المسكون بالمقدس، حينما يتلاقها عبر خطاب حماسي يلهب مشاعره، ويفجر فيه مكامن الغيرة على الدين، وحب تطبيقه على السلطة والمجتمع. فنجح الخطاب في تمرير رسالته، والتستر على هدفه السياسي بلباقة التزوير المتقن. وبالتالي فيكفي في تكفير الحكومات القائمة ووجوب اسقاطها عدم تطبيقها لأحكام الشريعة. بل ويمكن اعتبارها محاربة لله في قوانينها الوضعية لحرمة تشريع أي قانون خارج سلطة الفقه الإسلامي. فالخطاب الأيديولوجي بإمكانه توظيف عدة عناوين لتبرير العنف من أجل الوصول للسلطة.

كما إلتفوا على مفهوم الإسلام وضماناته للسلم والأمن، وهدروا دماء مصونة، قد شملها الشرك بمفهومه الجديد. إذ لم يعد مقصورا على من أشرك مع الله إلهاً آخر، بل صار تشريع القوانين شرك، وطاعة السلطان شرك إلى آخره. وقد فتحت فتاوى التكفير خاصة فتاوى ابن تيمية لاستباحة دماء الأبرياء تحت ذريعة وجوب قتل المرتد والمشرك والكافر. وينسى هؤلاء أن الشرك أصبح حقيقة شرعية يقصد بها خصوص من اتخذ إلها آخر مع الله عزوجل. وهو مصر على شركه، يؤمن به ويقدسه. فتعميم المفهوم لغير مصاديقه الحقيقية يعد جريمة تشريعية. تكشف عن نفوس شاذة، مولعة بالعنف والقتل وسفك الدماء.

ثم راح هذا الخطاب يوظف عناوين فضافضة تماديا بالعنف، كمفهوم الفساد في الأرض، ومحاربة الله ورسوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وبالفعل فقد وظفت هذه العناوين لحماية الخطاب السياسي الرسمي، وقمع كل من يتمرد على سلطة وولاية أولي الأمر، كما هو الحال في السعودية وإيران، وداعش في دولتها الإسلامية قبل انهيارها. فمن السهولة أن يحكم القضاء الديني على المعارضة بالقتل وفقا لهذه العناوين، غير المنضبطة بتعريف. فكل تمرد أو مطالبة بالحقوق يصدق أنه فساد في الأرض وفق منطقه الأيديولوجي. وهذا ينطبق أيضا على مفهوم الجاهلية الجديدة التي قال بها سيد قطب، المنظّر الفكري للإخوان المسلمين، فهي مفهوم فضفاض، مرن، يحدده الفهم الأيديولوجي وفقا لمصالحه وفهمه لمعنى: الرسالة والحاكمية والشرك والكفر. فمصاديق هذه المفاهيم ليست حقائق خارجية بل يفترضها الخطاب الأيديولوجي افتراضا وفقا لقبلياته ومصالحه وأهدافه، ثم يصدر أحكاما تعسفية ضدها. وهذا ينفي وجود حقيقة غير الحقيقة التي يفرضها الخطاب. فهو يتستر على دوره في وجودها. ويتستر على دور قبلياته في فهم النص، وتشخيصها. فينبغي للنقد أن يتوجه لقبلياته، فإنه خطاب سياسي، يتستر بالدين من أجل الوصول للسلطة.. فاستدعاء المضمر في أنساقه يعيد تشكيل الوعي به، ويكشف عن مراوغاته، وتزويره وكذبه. بل سيكشف حجم مخالفته للكتاب الكريم حينما يستبعد أكثر من ستين آية من آيات الرحمة والتسامح والمودة من أجل التشبث بآيات الحرب والجهاد. وفي هذا تجاوز للقيم الدينية، وهتك للمبادئ الإنسانية، التي ضمنت حرية العقيدة، وحرمة من يؤمن بالله ورسوله.

 

الموقف من الآخر

الخطاب الأيديولوجي خطاب نفي، يُقصي الآخر، بمنطق الردة والكفر والشرك والجاهلية، ويتعامل مع المختلف دينيا بمنطق أهل الذمة، فتشملهم أحكام تهتك كرامتهم وحيثياتهم، حينما يصر على تطبيق أحكام الجزية، والتعامل مع نسائهم بمنطق العبودية والإماء وملك اليمين. ومصادرة حرياتهم في العقيدة والرأي. فهذا الخطاب يفرض قبلياته على التفسير والتأويل، فهو متحيز لغير الحقيقة، بل الحقيقة ما تفرضه قبلياته، فتكون حاكمة على النص. وهذا سر تأكيده على نسخ آيات القرآن، ونفي فعلية آيات الرحمة والمودة والتسامح، من أجل الحفاظ على فعلية آيات القتال والجهاد التي هي آيات مرتهنة لظرفها الزماني والمكاني، ولا يمكنه تفعيلها ما لم يقصِ جميع الآيات الإنسانية، ليبدو الإسلام مشهد حرب قائمة لقمع المعارضة مهما كانت سلمية. لذا تصرح الحركات الإسلامية في أدبياتها بأنها مسؤولة عن تغيير شعوب العالم الذين يسودهم الكفر والإلحاد والإرتداد بالسيف. فتجدهم معبأين ضد الناس مهما كانوا بسطاء، لمجرد أنهم لا يؤمنون بما تؤمن ثقافتهم الحركية. فالخطاب الحركي لا يؤمن بقيم الدين: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، (وكرمنا بني آدام)، (لا إكراه في الدين)، وقرابة 60 آية أخرى، بل المنطق السائد هو القسمة الثنائية، إما مؤمن وفقا لرؤيتهم أو ضال، منحرف، مرتد، مشرك، كافر. وبالتالي فزاوية النظر تختلف حينما تنظر للآخر بأنه أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، وبين أن تتعامل معه على أساس أنه مرتد، منحرف، مشرك، كافر. في الحالة الأولى تتعامل معه بمنطق إنساني، ودود، مفعم بالمودة والرحمة. وفي الثانية، ترى فيه عدوا لله تعالى، يتحدى أوامره ونواهيه. فيمتلىء قلبك غيظا، وهذا ما أشاهده على وجوه السلفيين وأتباع الحركات الإسلامية المتطرفة هنا في مدينة سيدني الأسترالية، عندما يتعاملون مع الناس. قلت لأحدهم إذا تعتقد أنك على حق مطلق والآخر باطل مطلق، إذهب واهدِ الناس بدلا من الحقد عليهم وبغضهم. فكم هو كريه المنطق الأيدلوجي!!، يعتقد أن ما يؤمن به حقيقة ساطعة، يقرها العقل والمنطق، لكنهم يجحدونها ويكفرون بها فيستحقون القمع والعنف، وينسى الأسباب الحقيقة وراء اعتقاده، فهو لا يعدو كونه اجتهادا ورؤية متحيزة لقبلياتها.

 

التأسيس الأيديولوجي

لا يمكن لخطاب الحركات الإسلامية التنصل من طموحاته السياسية، مهما كانت شعاراته الدينية، فهو خطاب تأسس سياسيا، وطرح الإسلام بديلا حضاريا وسياسيا، وكان رهانه الأول والأخير على استلام السلطة، كمنطلق للتغيير. فالبديل الإسلامي كان أحد الاتجاهات الثلاثة التي أفرزها سؤال النهضة، بعد الصدمة الحضارية، فثمة من دعا إلى قطيعة مع الماضي بكل حمولته الثقافية والمعرفية، بما فيها القيم والمعارف الدينية. وتبني قيم ومبادئ الحضارة الغربية. وهو اتجاه متطرف، لم يدرك إشكالية التخلف بشكل صحيح، ولم يدرك واقع العرب والمسلمين، حيث يعد الدين عمقهم التاريخي والثقافي والحضاري، وهناك تماهٍ تام مع قيمه ومبادئه. فالقطيعة معه محال عندهم، لذا كان وما يزال هذا التيار منحصرا في طيف من نخبة المجتمع، وهم المتغربون فكريا وثقافيا. وهناك من ارتد سلفيا، يراهن على التراث ويصر على استدعاء نموذجه التاريخي، الخلافة الراشدة، بكل حمولتها، مهما كانت تاريخيتها. بينما ذهب رواد الإصلاح بقيادة جمال الدين الحسيني الأفغاني إلى ضرورة العودة للتراث وتنقيته، والاستفادة من معطيات العلوم لتطوير واقع العرب والمسلمين. فهذا التيار أبقى الباب مفتوحا لاستقبال أي مصدر معرفي يساعد على انتشال الواقع من تخلفه، ما لم يتقاطع مع الدين وضروراته. ولم يحقق أي من هذه الاتجاهات نهضة حضارية رغم مرور 200عام، وهذا يعني وجود إشكاليات أعمق، إشكاليات مرتطبة بالثقافة والعقل والمناهج الفكرية وأدوات البحث العلمي، وكيفية فهمها للدين ودور الإنسان في الحياة. فلكي نحقق نهضة حضارية حقيقية علينا مراجعة مرجعياتنا الفكرية والعقيدية أولا، ومعالجة العطب الحضاري فيها. ووضع الدين في سياقه التاريخي، مع التركيز على قيمه ومبادئه. والاعتراف بمرجعية العقل وقدراته الخلاقة.

لا شك أن التيار الثالث هو الأكثر حضورا في الوسط الثقافي، حيث راح يتحدث عن إسلام معاصر، يستجيب لمتطلبات العصر، على جميع المستويات التي منها السياسة. فدعا للاستفادة من التجربة الغربية والتطور العلمي والتكنلوجي. فكانت حركة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا وليدا شرعيا له، حيث ترى أن الإصلاح يبدأ من السلطة، والنظام السياسي، فراحت الحركة تمهد لقيام دولة إسلامية عندما رفعت شعار: "الخلل في التطبيق" "الإسلام هو الحل" أو "القرآن هو الحل"، على أمل العودة له واستنطاقه في ظل مستجدات العصر وحاجاته، أي أنها طرحت برنامجا سياسيا، بعد أن حصرت الأصلاح بالسلطة. وهذا يعني أن استراتيجية الحركة تقوم على استدعاء النموذج الإسلامي للسلطة، والإكتفاء بالقرآن مصدرا للتشريع، فلم تأخذ من الغرب سوى تطورهم التكنلوجي، وربما تقصد الحركة في أدبياتها، تكتيكا مؤقتا إلى حين استلام السلطة وتقديم نموذج تكنلوجي إسلامي!!!. فالإسلام وفقا لهذه النظرية شامل كامل، وما علينا سوى استنباط الأحكام من نصوصه لإرساء مختلف الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فهو اتجاه سلفي، مع تلميع صورته بدعوى الانفتاح الحضاري، وهذا الاتجاه لا يعترف بالآخر، ويراهن على مصادره المعرفية خاصة. ورغم إيمان الإخوان المسلمين بالعلم ومعطياته، لكنهم عملا يقتصرون على النص، في تشييد نظريتهم في السياسة والحكم، وكافة العلوم الإنسانية. لذا قاموا بأسلمة هذه العلوم. وقد صدرت بالفعل كتب تولت التنظير لهذه الجوانب. لكنها أخفقت بتشييد علوم إنسانية مستقلة، وبقيت تدور حول ذات النظريات الغربية وأسلمت مضامينها. فجاءت مشوهة، بسبب اختلاف المرجعيات التي ترتكز لها تلك العلوم. وبالتالي عاد المفكر الإسلامي للنص يستنطقه ويستنبط منه نظرياته، بعض يعتقد أن ما في النظريات الغربية موجود في نصوصنا المقدسة وتراثنا، وما علينا سوى بلورتها نظريا. وآخر لا يعتقد ذلك، لكنه يرى إمكانية استنباطها من المصادر الإسلامية. فكلاهما يعتقد بإمكانية أسلمة العلوم الإنسانية الغربية جميعا. حتى أن بعض تلك المنجزات غدت بمرور الأيام مرجعيات مقدسة. وراح الخطاب الديني الحركي يفرضها على الآخر كحقائق نهائية، مما يبيح له تكفيره، في حالة رفضها أو طرح ما يختلف معها. فقاموا بأدلجة الخطاب الديني بعد أن اكتملت نظرياتهم في السلطة والحكم (الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، وجاهلية القرن العشرين للسيد قطب). وكان الأخير، المنظّر الفكري لحركة الإخوان المسلمين وراء ترسيخهما وتسويقهما. فجاءت تنظيراته عنيفة، مغموسة بالعنف ونبذ الآخر، وتصنيف الناس وفق ميزانٍ يجافي بديهات الفكر الديني. ثم تبنت الحركات الإسلامية الواعية بشكل عام (سنية وشيعية) هذا الفكر، وهي حركات تربّت في أحضان فكر وثقافة الإخوان المسلمين، ذلك الفكر الظلامي الذي نظّر له سيد قطب في ضوء نظريته جاهلية القرن العشرين والحاكمية الإلهية. فالحركات الإسلامية جميعا تبنّت ثقافة نبذ الآخر وتكفيره (صرحوا أو لم يصرحوا)، ثقافة تؤمن باحتكار الحقيقة مطلقا. ولا استبعد تأثير الظروف التي مر بها سيد قطب داخل المعتقل وما تعرض له من تعذيب جسدي ونفسي، انتهى بإعدامه. فالفرد لا يشعر بتأثيرات النفس، وما تختزنه من مشاعر.

وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران اختطف بريق الخميني عقول الإسلاميين فمارس الجميع العنف بشكل وآخر. بل أكاد أجزم أن جميع أفراد الحركات الإسلامية قد استعد للموت بعد قناعة ترسخت بضرورة استخدام العنف لإسقاط الحكومات الكافرة، واستنساخ ثورة الإمام الخميني في بلدانهم. فساد الخطاب الأيديولوجي ثقافة الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وكانت تبعات الوعي الأيديولوجي المتطرف مزيدا من سفك الدماء البريئة، وتشويه سمعة الدين إلى الأبد بحجة إقامة دولة دينية.

لكن سرعان ما أفاق قادة الحركات، بعد اقتراف أعمال العنف وسقوط عدد كبير من الضحايا، خاصة قادة الإخوان في مصر، في ثمانينات القرن الماضي، فحدثت قطيعة مع فكر سيد قطب وأبي الأعلى المودودي (باستثناء الحركات التكفيرية)، بعد مراجعات نقدية صارمة قام بها قيادات حزب الإخوان، فكان السؤال عن شرعية الدماء التي استُبيحت من قبل الإسلاميين ومدى جدواها، وما هو مصدر اندفاع الشباب نحو الموت حاضرا في نقاشاتهم الفكرية – العقائدية.

 

جاهلية المجتمع

يعتبر سيد قطب المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية!!! أي يجب التعامل معه على أساس أنه مجتمع كافر معادٍ للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فهو يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى ، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع ، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكراهة التي قررها الله للإنسان) (كتاب معالم في الطريق).

فالإرهاب الديني قد نظّر له سيد قطب في مفهومي جاهلية القرن العشرين، والحاكمية الإلهية التي أخذها عن أبي الأعلى المودودي وطوّرها. وهذان المفهومان يكفّران الشعوب المسلمة فضلاً عن تكفير الحكومات التي يجب مقاومتها حسب عقيدة سيد قطب، الذي اتسمت كتاباته بروح ثورية يعشقها الشباب حد التضحية بإيمان صارم. وسيد قطب أديب، يمتلك لغة أخاذة ألهبت مشاعر الشباب ودفعتهم للعنف وارتكاب جرائم القتل من أجل إقامة دولة إسلامية، فكان السبب في كل إراقة دماء المسلمين، ومن يراجع أدبيات الحركات الإسلامية، خاصة كتب سيد قطب تحديدا، ويقرأ لغته المتدفقه، وهو يصف كفر المجتمعات المسلمة، وكفر حكوماتها، ونهاية من يتقاعس عن محاربتها، يستطيع أن يفهم ظاهرة الانتحار، واقتحام الموت باشراقة واثقة. (أنظر كتاب تحديات العنف)

اتضح أن خطاب الحركات الدينية لا يختلف عن الخطاب الطقوسي في تقنيات الخطاب، فكلاهما خطاب أيديولوجي يقصد العاطفة والوجدان، واستغفال العقل، وغلق منافذ الوعي في تمرير رسالته، والتستر على مضمراته، وما استبعده أو سكت عنه. فينبغي التخلص من الخطاب الأيديولجي المضلل، وهو يفرض علينا رؤيته كنهائيات يرفض التفاوض حولها، ويتستر على هدفه السياسي، بمهارة ثورية، ولباقة أدمنها في مواعظه وحكمه. الحركات الإسلامية حركات سياسية وهدفها هدف سياسي بامتياز، وحينما تضطرها أولويات السياسة التنازل عن مبادئها وقيمها تتنازل بذريعة المصلحة العليا، ومصلحة الإسلام، والحفاظ على الدولة الإسلامية، وحقيقتها مكاسب سياسية ومادية يريد الخطاب الأيديولوجي التستر عليها، كي لا يفقد شعبيته وقواعده.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com