حوار مفتوح

ماجد الغرباوي1خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

جدوى الطقوس

س110: فاضل الشمري: كنا نذهب لزيارة الحسين مشيا حبا، وتجديدا للعهد بمبادئه. واليوم يقصده أغلب الناس لقضاء حوائجهم بدلا من الله تعالى!!.. وبعض يشارك في مسيرة زيارة الأربعين في العشرين من شهر صفر في كل عام لتكون شوكة في عيون الأعداء!!!. وهذا خطأ يشيع ثقافة الدم والسيف، فنادرا من يقصد الزيارة لتعريف الناس بعظمة الحسين. فهذه المسيرة الجماهيرية العارمة - التي استغلها تجار الدين - سطّحت الثورة وافرغتها من محتواها وشجعت الآخرين على استغلالها، وحولت قضية الحسين إلى مجرد دمعة تسقط من عين الزائر من أجل غفران الذنوب. وحتى السياسي الشيعي راح يتستر على سرقاته من خلال زيارته للإمام الحسين. إن المشي لزيارة الحسين في رأيي أشاع ثقافة السيف والدم دون الثقافات الأخرى التي كان يلتزم بها الأئمة الآخرون، وأصبح  الإسراف والتبذير قيمة اجتماعية وليست دينية، لذا يتنافس عليه أصحاب الموكب. شخصيا، لا أرى داعيا لهذا التهويل والاهتمام المبالغ فيه كثيرا في قضية السير مشيا الى حرم سيد الشهداء في موسم زيارة الأربعين السنوية.

والسؤال: ما معنى هذه الزيارة في نظرك؟ وهل تشجعون عليها؟ وما هي أسباب نشوئها، وكيف تطورت؟

ج110: ماجد الغرباوي: ترتبط ظاهرة المسيرات الراجلة لزيارة الأضرحة المقدسة في العراق بشكل عام ومدينة كربلاء بشكل خاص، بعوامل تاريخية وأخرى سياسية ودينية أو مذهبية ونفسية تخص الطائفة الشيعية والظروف التي أحاطت بها طوال مسيرتها السياسية. فالمسير مشيا لم يأت من فراغ تماما، بل له بدايات راحت تكتسب شرعية دينية بشكل تدريجي من خلال وجود روايات عن بعض الأئمة، وتشجيعهم على زيارة الإمام الحسين، غالبا ما يكون الهدف منها تحديا سياسيا وتأكيدا للهوية الشيعية. لكن فيما بعد أصبحت ذات الزيارة هدفا بحد ذاته. أو بالتعبير الفقيه أن تمام الملاك في أداء الزيارة، ترتب أم لم يترتب عليها أثر فعلي.

التشيع بشكل عام بدأ كما هو معروف تاريخيا موقفا سياسيا من الخلافة، ثم تم تسوية الخلافات بين طرفي النزاع، وتصالح الطرفان أبو بكر وعلي، وسارت الأمور بشكل سلس بدون أي معارضة سياسية، باستثناء ما حصل في زمن الخليفة الثالث، وثورة أهل المدينة التي أودت بحياته. لكن الحروب الداخلية في زمان الإمام علي استعادت الخلاف الأول، والتنظير له في ظل اضطهاد أموي مقيت للشيعة وأتباع علي وأهل بيته بشكل خاص كقضية محورية، ثم جاء استشهاد الإمام الحسين بن علي على يدي الجيش الأموي ليتحول إلى قضية كبرى، ثم تحول الى رمز كبير راح يلوذ به الثوار والمضطهدون الشيعة. وبالفعل حصلت انتفاضات وثورات شيعية متعددة بعد استشهاده هو وأهل بيته وأصحابه في عاشوراء، ثأرا للإمام الحسين، رفع جميعها شعار يا لثارات الحسين. فغدا الحسين رمزا ملهما للمعارضة الشيعية، منه يستمد الثوار روح الثورة والتضحية لاستعادة مكانتهم التي تعاقب الخلفاء على إقصائهم. فزيارة قبره في مناسبات محددة يعد تجديدا للعهد والبيعة لمواصلة طريق الحسين. وبما أن المشي على الأقدام كان أحد وسائل تنقل الناس، لهذا صار محببا للزائر باعتباره أشق أنواع المواصلات. وإذا أضيف لها أستحباب زيارة الحسين على رأي الفقه الشيعي، فإن المشي يحقق أكبر عدد من الحسنات. ثم راحت تتطور أساليب الزيارة تبعا لتطور طقوس عاشوراء، ومنها المسيرات الراجلة، التي اختلط فيها الديني بالسياسي بالطائفي. فتعددت أهداف الزائرين بين من يريد تأكيد الهوية الشيعية، وآخر طلبا للثواب، وثالثا تحديا للسلطة، ورابعا غيظا لخصومه من المذاهب الأخرى.

كانت المسيرات محدودة في العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، ثم انحسرت وتلاشت تحت مطرقة قوى الأمن التي حرمت الشيعة من أبسط حقوقهم في التعبير عن هويتهم من خلال طقوس عاشوراء، حتى تصدى النظام للمشاة عام 1977م في منطقة خان النص في الطريق بين مدينتي النجف وكربلاء، وطوق المسيرة الراجلة بالدبابات. وأحداثها معروفة لمن عاصر تلك الفترة. وبعد سقوط النظام عاش الشيعة تحديات من نوع آخر كانت وراء تطور المسيرات الشعبية خلال المناسبات الدينية بقصد زيارة أئمة أهل البيت:

 - داعش الذي يفتي بتكفير الشيعة، حتى استباح دمهم خاصة، فشكل خطرا حقيقيا عليهم عندما احتل الأراضي العراقية.

- اضطراب الوضع الأمني والسياسي.

- شعور عميق بالذنب لدى فئات واسعة من الشعب، عندما انخرطوا في حروب صدام وناصروه، فيبغون أقصر الطرق للتكفير عن ذنوبهم. وليس كالطقوس التي تصفها الروايات بمواصفات تسمو على غيرها من الأعمال الصالحة.

- فقدان الأمن والخدمات، وضياع مستقبل البلد.

- الجهل والأمية بسبب حروب الطاغية السفاح التي أهلكت الحرث والنسل.

- رجال الدين وأهدافهم الطائفية والآيدولوجية.

- سذاجة الوعي.

- العقل الجمعي الذي يغذيه الخطاب الديني وحشد الروايات التراثية، والمصالح الشخصية والطائفية.

كل هذه العوامل وغيرها دعت الشيعة للتشبث أكثر بهويتهم المذهبية والطائفية، فوجدوا في المسيرات الراجلة أسلوبا متجددا لتأكيدهما، واستعراض للقوة، يستبطن التحدي الطائفي، ويتعالى على الآخر، الخصم السياسي والمذهبي العتيد.

نعود للسؤال: بلا شك خرجت المسيرات عن حدودها الطبيعية للتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي، تسبب في شل حركة الدولة والمجتمع عددا من الأيام في كل موسم ومناسبة، وربما ستتطور أكثر وتستغرق أسابيع إذا تمادى العقل الطائفي في تطوير طقوسها، مع هشاشة الوعي الجمعي وتصاعد الأزمات السياسية. ودخول الإيرانيين على الخط، الذين راحوا يتدفقون بأعداد بلغت مليونين أو يزيد.

لكن كيف يمكن معالجة هذه الحالة مع وجود رجل دين يجد فيها مصالحه الشخصية والطائفية؟ وكيف يمكن معالجتها ورجل السياسة يضع ثقله فيها من أجل كسب ود الجماهير لصالح انتخابه وانتخاب حزبه. بالتالي هناك من يستغل جموع الشيعة ويسوقهم باتجاه أهدافه ومصالحه.

لا يمكن التخلص من كثير من الطقوس الدينية ما لم يتم تفكيكها من خلال نقدها، ونقد الأسس التي قامت عليها، وبيان مدى شرعيتها، وعدم تقاطعها مع مبادئ الدين الحنيف. بالتزامن مع حملات توعية نوعية تعيد للعقل الجمعي وعيه، كي يكف عن الانسياق اللامعقول وراء طقوس لا يعي حقيقتها ومدى شرعيتها. ودليلي على هذا تناسل الطقوس الحسينية بشكل غريب، حتى أصبحت دينا لا يمكن نقدها أو التحرش بها.

ليس هناك ما يبرر هذا السلوك شرعا، ولا تدخل ممارسة الطقوس بما فيها المسيرات الراجلة تحت أي عنوان عام يشمله العمل الصالح.  

أي عمل صالح في أن تترك عملك وتؤثر سلبا على حركة الحياة العامة، بما فيها الدوائر الحكومية من أجل زيارة الحسين؟

ومن المسؤول عن الإسراف الهائل في أموال المسلمين لتهيئة ولائم وموائد على طول الطرقات الممتدة إلى كربلاء؟

ولماذا لا تستغل تلك الأموال لتحقيق أهداف الإمام الحسين الذي أعلن صريحا خلال ثورته أنه خرج لطلب الإصلاح.

 فأيهما أنفع ويحقق الهدف الحسيني في الإصلاح الاسراف اللامعقول بل والتبذير المحرم أم بناء مدارس ومستشفيات ودور سكنية وملاجئ للمسلمين عامة والشيعة خاصة؟ هل يرضى الحسين أن يشاهد فقراء الناس وقد سلخ الحر والبرد جلودهم بينما تهدر الأموال على طقوس وممارسات تفتقر للشرعية الدينية.

وأما عن التجارة مع الإمام الحسين من أجل قضاء حوائج الزائرين فهي ثقافة دأب رجال الدين على تعميقها حتى تحولت الى عقدية راسخة. فلا تلم الناس البسطاء في هذا المجال، فهم لا يدركون حقائق الأمور ولم يقرأ قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). وقد ثقفهم خطاب المنبر الحسين على استلهام الروايات بعيدا عن الكتاب ما لم تنسج تأويلات الآيات مع اتجاهاتهم الطائفية. أما عن حقيقة هذا الأمر ومدى صدقيته فقد فصلت الكلام فيه في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.

 

س111: فاضل الشمري: ألا تعتقد ان المشي لزيارة الحسين يساهم في تعميق ثقافة العنف والسيف والدم والكراهية والحقد على الآخرين؟

ج111: ماجد الغرباوي: لا شك أن هذه المسيرات تتغذى على مشاعر الناس، فتؤلب ضد الآخر، ذلك العدو المفترض الذي لا يكف الطائفيون عن افتراضه لتبرير أحقادهم وحنقهم، كي تعيش حالة من التوثب يستغلها رجل الدين لتحقيق أهدافه ومصالحه. وتمنحه ثقة ولو كاذبة بأنه على حق والآخر على باطل، فيستوحي من هذا الحق مختلف الحقوق، كحق السلطة دون غيره، صحة مذهبه وعباداته، دون المذاهب الأخرى، وهكذا الى جميع مفاصل الحياة والنشاطات الدينية وغير الدينية، فتتسع الهوة بدلا من الأخوة الدينية، وتترسخ بفتاوى الفقهاء، ممن لا يخشون الله تعالى واليوم الآخر.

لا أفهم ما هو الداعي لكل هذه الطقوس والمسيرات، هل لإحياء أهداف الثورة؟ فلماذا لا يصلحون دينهم ودنياهم ويطورون حياتهم أسوة بالشعوب المتحضرة بدلا من هذا الهيجان اللامعقول؟

أم يريديون الثأر والانتقام من قتلة الحسين؟ وأين هم قتلة الحسين؟ ألم يُقتلوا وقد انتهى الأمر. وتلك أمة خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، فلماذا يفترضون عدوا وهميا لتبرير سلوكهم؟

هنا مكمن الخطر النفسي والسياسي الذي يقوض الأمن والسلم المجتمعي، من خلال منطق لا ديني ولا أخلاقي محرض.

ثم المسيرات بهذه الطريق تستغل من قبل أعداء البلد، فتحرض ضد الحكومة، وعمق شكوك الناس بها. كما أن التحركات العشوائية تقوض النظام والقانون، سواء على صعيد الأمن أم على صعيد النقل، وحركة الناس في الطرقات العامة.

 

س112: فاضل الشمري: إن هذه المسيرة الجماهيرية العارمة التي استغلها تجار الدين أدت الى تسطيح الثورة وافراغها من محتواها، فهل يمكن أن تلعب دورا إيجابيا بعد كل ما تعرضت له من تشويه وتحريف؟

ج112: ماجد الغرباوي: لعبت ثورة الإمام الحسينية دورا إيجابيا في القرون الثلاثة الأولى، فكان الحسين كما تقدم رمزا للثوار في ثوراتهم وانتفاضاتهم ضد الخلفاء الأمويين. وكان الولاء للحسين مسؤولية دينية وأخلاقية، وكان الشيعة يتحركون على هذا الأساس.

لا أنفي الهدف السياسي آنذاك، لكنه اندك بالهدف الديني، أو أن الهدف الديني اكتسب طابعا سياسيا. وبالتالي أصبح الموقف السياسي موقفا دينيا، وأصبح منطلق الثوار منطلقا دينيا – سياسيا. فلم تكن هناك طقوس ومسيرات، بل حركة ثورية دؤوبة ضد الظلمة وضد تسلط الحكام الطغاة، انتقاضات من أجل تصحيح مسارات السياسة وعودة الحكم للقيادة الصالحة المخلصة لله ولمبادئ الدين الحنيف.

 غير أن وقود الثورة راح يتراجع بعد القرن الثالث لتأخذ ثورة الإمام الحسين طابعا طقوسيا، وتحولت بفضل العلاقة والوضّاعين من رواة الحديث الى ممارسة عبادية، يرجو من ورائها الشيعي حصول الثواب والشفاعة، فانسلخت الثورة الحسينية بالتدريج عن طابعها الثورى إلا في فترات محدودة. وصارت الزيارة تكسب الزائر حشدا من الحسنات، وصار البكاء والتباكي على الحسين يسقط الذنوب مهما بلغت، وإلى آخر القائمة، حتى توارى البعد الثوري على مرور الأيام، ولم يبق من الحسين سوى طقوس استعار لها رجل الدين طابعا شرعيا يغري الشيعة ويدفعها باتجاه ممارستها طمعا بالثواب. فالمسيرات الراجلة حسب الفرض هي إعلان البيعة لمبادئ الإمام الحسين والاستعداد لنصرتها والدفاع عنها، غير أنها أنتهت إلى مسيرات طقوسية، هدفها زيارة الإمام الحسين لأجل الثواب وضمان شفاعته.

المسيرات التي كانت تحدٍ لنظام الطاغية السفاح صدام حسين وحزبه، ما عاد لها مبرر اليوم في ظل حكم يتربع الشيعة على عرشه بنسبة عالية. بل لم تخلق المسيرات الطقوس الحسينية روح التضحية والمبادرة من أجل الدفاع عن البلد لولا فتوى المرجعية. والملاحظ جليا لا توجد أي مشاركة لأرباب الطقوس أو ما يعرف بـ"الشيرازية" ممن يصير على ممارسة الطقوس بكل سلبياتها. بل الأنكى أن يتحول الحسين الى مجرد دموع تسكب في لحظة حزن فتتساقط ذنوب الباكي بالمجان، بلا أي عمل صالح. فمن أين يأتي الصلاح ونفقات المسيرات الحسينية هائلة، يرفض رجال الدين توجيه وعي الناس الى البناء والاصلاح بدلا من هدر الطاقات مشيا من أجل زيارة الإمام الحسين.

ثم لماذا لا تؤثر زيارة الإمام الحسين بالزائرين، ولم تكسبهم تقوى ومنعة ضد الباطل؟ فقد بلغ عدد الزائرين يوم الأربعين، كما قالوا: 16 مليون زائر أو يزيد، فلماذا لا تختفي أعمال القتل والسرقات، والفساد المالي والإداري في المدن الشيعية وهي الغالبية في العراق؟

المشكلة أن رجل الدين يكرّس هذه الظاهرة بدلا من توعية الناس بماهية الأعمال الصالحة التي يحث عليها الدين الحنيف.

وأخيرا أقول: لقد ضمن الحسين مشاعركم بالبكاء والعويل واللطم والتطبير، والآن يرجو اختبار صدق موالاتكم ومبدئيتكم فلا تخيبوا ظنه إن كنتم صادقين.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

العصمة وتأسيس المفهوم

س108: فاضل الشمري: استوقفني قولك أن أول من نظّر لعصمة أئمة أهل البيت هو هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. هل تعني أن مفهوم العصمة لم يكن شائعا ومعروفا في الوسط الشيعي؟ أو بعبارة أخرى: هل أن صحابة الأئمة ما كانوا يعتقدون بعصمة الأئمة؟ وما هو دليلك على ما تقول والعصمة الآن تعتبر أهم ركيزة في الفكر الشيعي؟

ج108: ماجد الغرباوي: بداية أقول: إن الاعتقاد بشيء لا يدل على حقيقته ومطابقته للواقع ونفس الأمر. العقائد تبدأ بسيطة، ثم تنمو وتتطور شأنها شأن اي كائن، وقد تموت وتندثر. كما أن الاعتقاد لا ينفي دور الوهم ومختلف الدوافع في تكوين العقيدة، فكم من عقيدة لا رصيد لها من الحقيقة سوى أوهام ورغبات تختلف في دوافعها. وعليه مهما كان عدد من يعتقدون بعصمة الأئمة لا يدل على عصمتهم حقيقة وبالضرورة، ما لم يدل على ذلك دليل قرآني صريح، يمكن من خلاله رفع اليد عن الامتناع العقلي، باعتبارها أمرا خارقا، لا يحتمل وقوعه خارجا، وحينئذٍ سنعزو الأمر لإرادة إلهية وفق قانون خاص لا نعرفه. خاصة أن هذا المفهوم تطور تدريجيا حتى راحت العصمة ترقى بالمعصوم إلى مصاف الخالقية. وهذا مكمن الخطر، فصار للعصمة لوازم خارقة. والمعصوم بات يعلم الغيب، يفهم لغة الطير، له ولاية تكوينية، بيده حساب الخلق، يستجيب الدعاء، يسمع الكلام، علمه حضوري، وقدرات أخرى هائلة، تضعه بمصاف الخالق. فليست الخالقية سوى إرادة مطلقة، هي ذات إرادة المهدي وفقا لمفهوم العصمة الأسطورية. وقد تداركوا الأمر بربط إرادته بإرادة الله. وقالوا أنه يفعل كل ذلك بإذن من الله تعالى. وهذا لا دليل عليه قرآنيا، بل حصر الكتاب الكريم المعجزات بالله حينما قالت الآية: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ). ولا يوجد إذن قرآني صريح بالمعجزات إلا لعيسى، حيث يقول: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وقد بينت دلالات الآية كما مرَّ في محله، وبينت أن الفعل النهائي لله وليس لعيسى. وبالتالي يمكننا وفقا للآيتين المتقدمتين تكذيب كل دعوى خارقة تنسب لأي إنسان باسثناء ما ورد صريحا في القرآن، شريطة أن لا تكون دلالات الآية مجازية.

 بمعنى مكثف أن العصمة تفضي الى أسطرة الإمام، أو ما اسميه بـ"العصمة الأسطورية". ولا دليل قرآني صريحا لهم سوى روايات وتأويلات، تتهاوى بسهولة تحت مطرقة النقد لولا سجون الأيديولوجيا والعوامل النفسية. فليست عصمته مجرد عصمة سلوكية تتقوم بالتقوى والإرادة البشرية، بل عصمة مصممة سماويا على مقاساتهم، وفق لوعي مغالٍ، متطرف بفعل رثاثة الوعي وردود فعل أخفاقات المشروع السياسي الشيعي. تلك العقدة التي استدرجت الشيعة إلى متاهات الغلو والأسطرة واللامعقول. وبدلا من الاعتراف بالخطأ راحت الأقلام تضخ ثقافة، تمهّد لترويض الوعي، وتكبيل العقل النقدي.

الشيعة بشكل عام يتفقون على الحد الأدنى من العصمة، رغم تفاوت إيمانهم بلوازمها الأخرى. فالعصمة تعني عندهم: أن الإمام منزّه عن الخطأ والنسيان، فضلا عن أرتكاب المعاصي وترك الواجبات، ولا يصدر منه سوى الصحيح من الأفعال والأقوال، وعلمه علم حضوري لا مكتسب كغيره من البشر، ومتى شاء يعلم.. عَلِمَ. وحديثه حديث رسول الله في حجيته وتخصيصه وتقييده لآيات الكتاب!!. وهو معنى متأخر لمفهوم العصمة، تبلور فيما بعد. ولا أثر لهذا المفهوم، في عصرالرسول وما بعده، بل هناك أدلة قرآنية صريحة تنفي عصمة الأنبياء فكيف بغيرهم. إضافة إلى سلوك النبي والإمام علي الدال على عدم وجود عصمة مطلقة، فالنبي الكريم اتخذ دليلا عندما غادر مكة متوجها للمدينة، فكيف ينسجم قراره مع عصمته الأسطورية وكونه يعلم الغيب؟. وترك الأمر لأهل الخبرة في تحديد موقع معركة بدر، وغير ذلك مما يؤكد بشريته خلال سيرة حياته: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِد). ومقتضى المثلية التماثل في كل شيء. وعند الشك فالأصل عدم عصمة أحد. فكيف بدعوى العصمة الأسطورية؟. وهذا الإمام علي يرفع صوته دائما: (فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ). بل عدم انحياز الناس له عندما تصدى للخلافة سوى عدد قليل من الصحابة أدل دليل على ما نقول. بل نقرأ في الروايات كيف يجادله أبنه الحسن وابن عباس، وهم أقرب الناس له. وهكذا كان المعترضون على الحسن بن علي هم أقرب أصحابه، ومن نهى الحسين عن المسير إلى كربلاء هم أقرب الناس له. ولا أطيل ويكفي أن العصمة كأمر خارق للعادة ممتنع عقلا حسب طبيعة الإنسان وتكوينه، ولا يمكننا رفع اليد عن هذا القانون العقلي إلا بدليل قرآني صريح، وهو مفقود بالضرورة.

العصمة نظّر لها هشام بن الحكم، كما مرَّ تفصيله، ثم راحت تتطور وتأخذ أبعادا مختلفة، حتى غدت عقيدة ثابتة، لا يمكن التخلي عنها بعدما ارتبطت بها مسألة توثيق روايات المذهب الفقهي الشيعي، وباث من المتعذر تصحيح رواياتهم إلا بعقيدة العصمة، أو يغدو جميعها مرسلا أو منقطعا، لا قيمة له علميا. وأما قبل هذا التاريخ فكان الأئمة في نظر أصحابهم علماء أبرار، وعلماء آل محمد، وشيوخ آل محمد. ترجع الناس لهم في العلم والفتوى باعتبارهم الأعلم والأتقى، وأيضا باعتبارهم معارض سياسية، يلجأ لهم المضطهدون والساخطون على الأنظمة الحاكمة، والطامحون بنظام سياسي عادل. وكانوا يبينون أدلتهم وقواعدهم الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، كما في روايات الاستصحاب، وروايات الوضوء، ومجادلات أصحاب الأئمة كزرارة بن أعين، كلها تدل الطبيعة البشرية، مجردة من أي خوارق سوى العلم والتقوى. وقد مرّ الحديث عن الموضوع مفصلا.

ويمكن مراجعة بعض المصادر المهمة في تفصيلاتها وأدلتها لمعرفة حقائق الأمور فليس من المعقول استمرار الخطأ، منها:

- رسالة بعنوان: "حقائق الإيمان"، للشهيد الثاني، زين الدين بن علي (911 – 965 هـ)، وهو عالم شيعي شهير، يقول: (حيث يظهر من شيعتهم "الأئمة" في أحاديثهم عليهم السلام، فإن كثيرا منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار، يعرف ذلك من تتبع سيرهم وأحاديثهم).

- كتاب: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى"، للدكتور حسين المدرسي الطباطبائي.

- كتاب: "القراءة المنسية، إعادة قراءة نظرية الأئمة الاثنا عشر علماء أبرار"، للدكتور محسن كديور.

- كتاب" "مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني" حوار طارق الكناني مع ماجد الغرباوي.

المهدي وكتب الحديث

س109: فاضل الشمري: لماذا لم يُنقّح الإمام المهدي كتاب الكافي للشيخ الكليني خلال غيبته الصغرى؟. ولماذا لم ينقّح الكتب الأربعة في غيبته الكبرى ولم نسمع عنه ما يؤكد صحة مضامينها؟.  

ج109: ماجد الغرباوي: السؤال يثير إشكالا مهما ويرسم علامات استفهام متتالية. بلا شك أن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي (الأصول والفروع والروضة بـ 8 أجزاء)، كان حيا طوال فترة الغيبة الصغرى، التي امتدت من 260 هـ - 329 هـ، وتوفي في نهايتها، سنة 329 هـ. فعاصر السفراء الأربعة وعددا من رواة حديث الشيعة من أصحاب الإمامين العسكري والهادي، وبالتالي فهو عاصر الإمام المهدي في غيبته الأولى. والكافي أهم كتاب شيعي على مستوى العقيدة وأحد الكتب المعتمدة في استنباط الأحكام الشرعية. حيث جمع الشيخ الكليني أحاديث أئمة أهل البيت التي كانت موزّعة على الأصول الأربعمئة، بعد تنقيحها وضبطها، فاستغرق عمله على الكتاب 20 عاما، كما ذكر في مقدمته.

الإمام المهدي حسب الفرض كان يتصل بنوابه أو سفرائه الأربعة، يُجيب على أسئلتهم واستفساراتهم، ويتقاضى حقوقهم المالية الشرعية. فالمفروض بحكم وظيفته كإمام متابعة الشأن الديني، خاصة في المجالين الفقهي والحديثي، فكيف يتجاهل كتاب الكافي، سيما أن  المؤلف شخصية علمية معروفة؟.

هناك من ادعي أن الإمام قد اطلع على الكتاب وأمضاه، وهو قول المجلسي صاحب كتاب موسوعة البحار. حتى نسبت بعض الأوساط العلمية الشيعية قولا للإمام: (الكافي كافي شيعتنا). لكن لا يمكن تصديق ما نسب للإمام، لأنه يتنافي مع كونه معصوما (وفقا للنظرية الشيعية)، ويتنافى مع كونه خبيرا بالروايات، ومطلّعا على الأحكام الواقعية، فكيف يمضي جميع ما في الكافي ويقول "الكافي كافي شيعتنا"؟.

كتاب الكافي كغيره من كتب الروايات يشتمل على روايات ضعيفة وأخرى متناقضة، بل أن بعضها غلو صريح، يخالف كتاب الله، و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار)، كما جاء في الخبر. وما يؤكد ضعف جملة من رواياته أن الشيخ محمد باقر البهبودي قد ألف كتابا بعنوان: "الصحيح من الكافي"، تجاهل عددا كبيرا من الروايات المذكورة لضعفها، ولم يصح عنده وفقا لمبانيه في الجرح والتعديل، وهو الخبير المشهود له في علم الحديث والرجال، إلا (4428) رواية وردت في كتاب الكافي من أصل (16194) هي مجموع روايات الكتاب!!. وقد أرعب بكتابه الحوزة العلمية في قم، وزعزع مصداقيتها، حيث حاولوا تغيير عنوان كتابه من: "صحيح الكافي"، إلى "زبدة الكافي"، لتفادي صدمة القارئ، ويعطي معنى الانتقاء، وليس الطعن بالكتاب، كما يفهم ذلك من عنوانه. بل طلب منه آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكان في حينه نائبا للإمام الخميني قبل أن ينقلب ضده، بسحب جميع نسخ الكتاب من الأسواق!! (انظر: ويكيبيديا) كما هو مثبت في بعض المصادر نقلا عن الشيخ جعفر السبحاني في حوار مع صحيفة كيهان. فكتاب الكافي يشكو ضعف مجموعة كبيرة من رواياته متنا وسندا، إضافة لفجيعة الغلو في مجال العقيدة، وصفات الأئمة.

وبالتالي أليس المفروض بالإمام أن يرفع التناقض الموجود في كتاب الكافي؟ أليس المفروض أن يختار الصحيح منها والموافق لمذهبه؟ أليس من واجبه بيان الأحكام الشرعية بشكل صحيح وواضح؟. ثم كيف يترك الشيعة يتخبطون ومهمة الإمام حسب الفرض هداية الناس وبيان الأحكام.

كان بإمكانه التواصل مع الشيخ محمد بن يعقوب الكليني مباشرة أو بالواسطة إذا كان يخشى السلطة كما يقولون، فلماذا لا يفعل؟ وإذا قيل أنه اطلع وأمضى كل رواياته، فهذا يتنافى مع مهمته الدينية. كيف يكرّس الخرافات والأكاذيب وينسب لأبائه ما لم يقولوا؟ أم أنهم قالوا والناس تعتقد أنهم لم يقولوا؟؟!!. وكيف يمضي الروايات الضعيفة والمتناقضة؟ أم أنه يعتقد بصحتها رغم ضعفها؟؟!!. هو إمام على درجة رفيعة من العقل والتقوى والشعور بالمسؤولية حسب الفرض وفقا لنظرية الإمامة، فكيف يتصرّف بهذه الطريقة، ويضع الشيعة في حرج؟. بل هناك ما هو أدهى أن الكافي يروي روايات صحيحة أن الأئمة (13) إماما، وليس (12) إماما!!!، وهذا يمس العقيدة الشيعية بالصميم، فتجاهل علماء الشيعة ذلك واصروا على روايات (12) إماما توافقا مع حديث الرسول: الأمراء أو الخلفاء من بعدي (12)، كلهم من قريش، كما يذهب السنة، وكلهم من أهل البيت كما يرى الشيعة.

ثم أن الغالبية العظمى من فقهاء الشيعة لا يقولون بصحة كل ما جاء في كتاب الكافي، بل ويتعاملون مع رواياته وفقا لقواعد الجرح والتعديل، أسوة بأية رواية مروية في كتاب آخر، فكيف يخالفون إمامهم المهدي المنتظر، إذا صح أنه قد اطلع على الكتاب وأمضى رواياته؟ أليس هو إمام معصوم لا يصدر عنه الخطأ؟.

إن هذا السؤال يزعزع الثقة بأصل وجود الإمام. أو لا أقل يشكك في مصداقيته. فكيف يتخلى عن مسؤوليته الشرعية. بل ولا يعقل أن يهبط، وهو على مستوى رفيع من العقل، لمستوى ما في الكافي من روايات تتناقض مع الصحيح من روايات الإئمة، خاصة في باب الأصول بل تناقض آيات الكتاب الحكيم والعقل السليم.

إذا كان هذا هو موقفه من كتاب الكافي وهو معاصر له فما بالك بباقي الكتب الحديثية المعتمدة لدى الشيعة: (كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، وكتابا التهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي)، وهي الأصول الحديثية المعروفة لدى الشيعة وعليها مدار الأحكام الشرعية بالنسبة للمجتهد والفقيه الى يومنا هذا؟.

بعض الروايات تفضي لضلال الناس، فكيف يسكت عنها وهو إمام معصوم كما يعتقد الشيعة بذلك؟.

ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار فترات الاسترخاء والأمن التي تلت عصر الغيبة الصغرى سيكون سؤالك أكثر شرعية. وبالتالي فسؤالك وجيه واستفزازي يثير مكامن الوعي، لمن كان له عقل وهو رشيد. ونحن بحاجة ماسة لكل سؤال استفزازي يقوم مسار العقائد التي تمادت كثيرا، وخرجت عن حدود العقل والشرع.

بل أضيف: إن اختلافهم في أية قضية دينية (فقهية أو عقيدية)، يؤكد شرعية سؤالك ويعمّق الإشكال.

لهذا عندما تحير علماء الشيعة بسبب طول غيبته وعدم تأثيره بالواقع راح بعضهم ينسب له دورا وجوديا للتخلص من هذا مرارة الإشكال!!!، باعتبار أن الإمام – كما قالوا- يقع ضمن علل الوجود، أو واسطة في الفيض. وهذا الرأي تتبناه حاليا مدرسة قم الإيرانية. وقد امتدت متبنياتها العقيدية للعراق ولبنان ومناطق أخرى. وهي أفكار ضاربة في تراث الغلو الشيعي بل ولها جذر في الفلسفة اليونانية (نظرية العقول العشرة)، لكنها تطورت على يد الشيخ جوادي آملي، وسوّق أفكارها السيد كمال الحيدري في كتبه ومحاضراته المرئية والمكتوبة، قبل صحوته. ففي رواية إذا مات الإمام ساخت الأرض بأهلها!!!!. ولك أن تتصور ماذا فعلت فكرة المهدي بهذا المذهب!!. يتكلمون بأشياء بمعزل عن منطق القرآن والعقل، وإلا كيف يقولون على الله ما لا يعلمون؟. متى خوّل الله الكون لأحد؟ ومتى صرّح بذلك؟ إنما هي رغباتهم الأيديولوجية تفرض عليهم ما يعزز بنيتها. يقول تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون).

(أتمنى الاطلاع على كتاب: مدارات عقائدية ساخنة) آنف الذكر، ستقرأ بحوثا تفصيلا حول مسألة المهدي، ومدى صمودها أمام النقد.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

رِدة الفكر الحركي

س106: فاضل الشمري: كيف تفسّر التحول الفكري لدى كبار المفكرين الإسلاميين السياسيين كراشد الغنوشي وغيره، من الأيديولوجية الإسلامية إلى الاعتراف بالعلمانية وفصل الدين عن السياسة:

- هل بسبب فشل الحركات الإسلامية في قيادة المجتمع؟.

- أو لأنهم اكتشفوا مؤخرا عدم وجود نظام حكم في الإسلام. والأمر متروك للناس، ليختاروا ما يوافقهم سواء شورى أو ديمقراطية أو أي نظام يحقق مصالحهم؟

- أم شيء آخر لاهذا ولا ذاك؟.

ج106: ماجد الغرباوي: المراجعة المستمرة من قبل بعض قيادات ومثقفي الحركات الإسلامية انتهى بهم إلى قبول العلمانية بصيغتها الإيجابية. وفصل الدين عن السياسية، مع احترام الأديان جميعا. كما ينبغي التنبيه هناك بين الإسلاميين من لا يؤمن بأهداف الحركات الإسلامية من الأساس رغم انخراطه بالعمل التنظيمي، ويعتبر الحزب الإسلامي أسلوبا متطورا لتنظيم عمل الدعوة الى الله، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كان الدافع وراء المراجعة والنقد أمرين:

 الأول: قصور الأدلة الشرعية التي اعتمدتها الحركات الإسلامية لشرعنة أهدافها السياسية، وقصور الأسس التي قامت عليها. كأدلة الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، التي أعاد بناءها سيد قطب.

وثانيا، السلوك المتطرف لبعض الحركات الإسلامية عندما أقدمت على تكفير الناس. استباحت دماءهم، وارتكبت بحقهم مجازر بشعة، والاعتداء على مؤسسات الدولة، كما حصل في بداية ثمانينات القرن المنصرم في مصر وسوريا وتونس بل وحتى العراق. بل والأخطر تكفير المسلمين وفقا لرأي سيد قطب الذي اعتبر الناس جميعا جاهلية جديدة اسماها اخوه محمد قطب جاهلية القرن العشرين، فالناس جميعا محكوم عليهم بالكفر وفقا لهذه النظرية. يقول يوسف القرضاوي، كما ذكرت مفصلا كلامه في كتاب تحديات العنف: (لكن الاخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة "التكفير" والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من "الظلال" ومما أفرغه في كتابه "معالم في الطريق" أن المجتمعات كلها قد أصبحت "جاهلية"...).

 إضافة الى إخفاقات الحركات الإسلامية التي لم تحقق سوى مزيدا من القتلى والسجناء والمشردين بين صفوفها، فخلت الساحة للأحزاب العلمانية.

فهؤلاء يرون أن العمل السلمي كان أكثر جدوى ونفعا، يحفظ كرامة الإسلاميين ويصون دماءهم. لذا بعضهم اقتنع أن الدين علاقة بين العبد وربه، والقرآن لم ينظّر لأي نظام سياسي أو إقتصادي. والبعض الآخر، ذهب ينظّر للعلمانية وفصل الدين عن الدولة عن قناعة تامة، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة والديموقراطية، بل ويمارس السياسة بإطار أخلاقي ديني، فيتسلح بقيم الفضيلة ويمار السياسة بأدواته بعيدا عن الدين. فيستطيع تحقيق أهداف الدين من خلال السلطة دون إقحامه فيها.

أما بالنسبة للإحتمال الثاني في السؤال: نعم رأيي الذي انتهيت له مبكرا جدا قبل أكثر من ربع قرن، بعد دراسة وبحث مستفيض لجميع أدلتهم وغيرها، ومراجعة مستمرة للدين وتفصيلاته وتشريعاته بحكم تخصصي كباحث في الفكر الديني: لا علاقة للدين بالسياسة بل اؤمن بضرورة فصلهما حفاظا على الدين وقيمه الرفيعة. وأبرز الأدلة إهمال القرآن وهو المصدر التشريعي الأول لعصبي الحياة السياسة والإقتصاد، فلم تجد أي ملامح لنظام سياسي أو إقتصادي، بل الإسلام أمضى التبادلات التجارية المعمول بها آنذاك باستثناء المعاملات الربوية. ولم يتعرض القرآن لموضوع السلطة وخلافة النبي. ولم يخاطب الرسول بأية صفة يستدل بها على إرادة المعنى السياسي.

 والدليل الثاني: إهمال الرسول لهذا الموضوع. فالمصادر التاريخية تؤكد أن الرسول مات ولم يتطرق لهذا الموضوع، بل وحتى المتنازعين على السلطة أيام السقيفة لم يحتج أي منهم بما فيهم الإمام علي برواية أو حديث عن الرسول الكريم. بل الإمام علي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، وهو القرب من رسول الله. فقال إذا كان هذا مبدأكم فنحن أهل بيته. طبعا الإمام علي تصدى بكفاءته وثقته العالية بنفسه، إضافة لكونه الأقرب للرسول. فكلا السببين دفعاه باتجاه التصدي للسلطة. والكلام مرَّ مفصلا.

مشروعية التقديس

س107: فاضل الشمري: لا شك أن الإمام علي معروف بمواقفه الرسالية وبطولاته وفكره وأدبه وحكمته. وقد ضرب مثلا أعلى في سلوكه، حتى قيل أنه فشل سياسيا، لأنه رفض الكذب والخداع، وتمسك بمبدئيته وعقيدته. فعلي ابن عم الرسول قد لعب دورا في الإسلام لا ينكر.

والسؤال ما هو دور بقية الأئمة تاريخيا؟ فما عدا ثورة الإمام الحسين فإن دورهم لا يختلف عن دور غيرهم من علماء الفقه. فلماذا هذا التهويل والتقديس والمغالاة في الحب؟ لا أنكر أنهم من أهل بيت النبوة، وقد جسّدوا بسلوكهم أخلاق الإسلام، ولكن ما هي دواعي تقديسهم والقول بعصمتهم؟ هل هي حقيقة دينية أم مفتعلة؟. واضرب لذلك مثالا فقبل عشرين سنة لم يكن مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد كما هو الآن من عمارة وزوار ولا نعلم ما سيكون بعد مئة سنة ولعل أئمة الشيعة بمرور الزمن اصبحوا كما هو مرقد عبد القادر الكيلاني وأبو حنيفة. فما هو تعليقك؟.

ج107: ماجد الغرباوي: السؤال يتضمن عدة فروع:

 الأول: من المقارنة بين المجموعتين الأولى والثانية يبدو أنك تفهم التشيع فهما ثوريا، لهذا نفيت أي دور للأئمة الآخرين، سوى تبليغ الإسلام وتثقيف الناس والتصدي للقضايا الفقهية. كما اعترفت للمجموعة الأولى بإحياء الدين عكس الثانية. بمعنى آخر أن إحياء الدين كما تعتقد يتوقف على فعل ثوري وموقف معارض كما فعل الإمامان الحسن والحسين، أما الثقافة والفكر فلا تساهم في إحياء الدين. وبهذا سمحت بتبجيل المجموعة الأولى حد القول بعصمتهم، وتساءلت عن جدوى تقديس المجموعة الثانية التي اقتصر دورها على الفقه والحديث، ولم يصدر عنها أي موقف ثوري، بل أنهم لا يختلفون عن أي عالم دين آخر في زماننا.

أولا: أنت تعلم أن التشيع في بدايته كان موقفا سياسيا معارضا حول الخلافة، وهكذا استمر موقفا سياسيا حتى مقتل الإمام الحسين ليتصدى للشأن الفقهي والفكري والعقيدي، بل والبدء بتأسيس المذهب الشيعي فقهيا وكلاميا. مما يعني أن الظروف الموضوعية لعبت دورا أساسا في تحديد الموقف السياسي لأئمة أهل البيت. وفهمك لا يختلف عن فهم أتباع المذهب الشيعي تاريخيا، فكان فهمهم فهما ثوريا معارضا، حيث استمرت الانتفاضات الشيعية مطالبة بالثأر من قتلة الإمام الحسين، ثم صبروا حتى حانت الفرصة في نهاية الدولة الأموية وطالبوا الإمام الصادق بالنهوض والثورة لكنه رفض، فتمرد عليه بعض أصحابه، والتحقوا بالثوار. فالفهم الثوري للتشيع ليس غريبا على الشيعة بل هو قديم بقدم أتباعهم. لكن هذا لا ينفي أن يكون للأئمة دور إيجابي آخر على مستوى العلم والمعرفة وتبليغ الرسالة، بل هو دورهم الأساس لولا الظروف السياسية الاستثنائية. كما لا تنسى مضايقات الدولتين الأموية والعباسية.

ثانيا: إحياء الدين لا يتوقف على التحرك الثوري المسلح دائما. العمل بالحكمة والموعظة الحسنة أجدى وأنفع في الظروف الاعتيادية. تضحيات العمل الثورى باهظة الثمن عندما لا تكون مدروسة، كما هو الحال بالنسبة للحركات السياسية الإسلامية راهنا. العمل المسلح استثناء في الإسلام وليس أساسا إطلاقا. فكما ساهمت ثورة الإمام الحسين في إحياء الدين، كما يعتقدون، ساهمت جهود الأئمة الآخرين في إحيائه وفقا لفهم الشيعة له. ثم لو قرأنا الحدث الكربلائي من زاوية أخرى فإن ثورة الحسين كادت تجتث أهل البيت ولم يبق لهم باقية، فليس من المعقول أن يواجه 70 شخصا جيشا كبيرا، رغم اضطراره للمواجهة.

 أخلص الى نتيجة أن إحياء الدين يتنوع بتنوع الظروف الموضوعية، وطبيعة الفهم الديني.

ثالثا: ينبغي التبجيل (تبجيل أي شخص) وفق ضابطة محددة، ولا أعتقد أنك تقتصر التبجيل على العمل الثوري، فليست هي المناط الوحيد له، بل أن العلم والتقوى والاستقامة، خاصة الأخيرة هي مناطات حقيقية لتبجيل الأشخاص في الثقافة الدينية، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، لكن من حقك تثير علامة استفهام حول حدودها ومستواها.

رابعا: وأيضا العصمة ينبغي أن تكون وفق ضابطة، اتفقنا أو أختلفنا حولها، اعترفنا أو لم نعترف بشرعيتها وضرورتها. فإذا كانت العصمة حسب ما ترى تفرضها حركة الإمام، فهي لازمة له عندما يمارس العمل الثوري. لكن هذا يحتاج إلى دليل، وماذا في حالة السلم هل هو معصوم أم لا؟. (هذا الكلام بغض النظر عن حقيقة العصمة ومصاديقها وحدودها).

خامسا: بالنسبة للتهويل والتقديس سؤال مشروع جدا، فالشيعة للأسف الشديد كرّسوا مفاهيم لا تنسجم مع الاعتدال الشيعي، فضلا عن الإسلام، بل لقد عانى بعض الأئمة من الغلاة معاناة لا مثيل لها، الإمام الصادق يقول: لعن الله ابن أبي الخطاب كان يدس في روايات أبي. أو رواية أخرى: (سُئل يونس بن عبد الرحمن يوماً [وهو من كبار فقهاء ورواة الشيعة]: "يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟! فأجاب يونس: لقد حدّثني هشام بن الحكم إنّه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم".)

كان لخط الغلو دور سلبي جدا، تمثل بتقديس أهل البيت وأسطرتهم حد التأليه والقول بالتفويض، وأن الله قد فوّض لهم الخلق والتصرف بالكون، وما علم الغيب وشفاء المرضى ومعرفة لغة الطير ومحاربة الجن، وحساب الخلق بيدهم يوم القيامة، وتوقف قبول الأعمال على الإيمان بهم ومعرفتهم، إلا ضرورة من ضرورات وجودهم، بل هناك من قال بالدور الوجودي لهم كما تقدم. وقد نجح خط الغلو باختراق التشيع بل استطاع تصدير نسخة أخرى وفق رغباته الأيديولوجية والسياسية، وما زال هذا الخط فاعلا، نشطا، لا تحده حدود، تضخ له الأموال، ويوظف منذ نشوئه موقف السلطات المتعاقبة من التشيع، مستغلا رثاثة الوعي والتخلف لدى شريحة واسعة من الشيعة. فهناك عقليات خرافية مصممة ثقافيا لتقبل الخرافة والتماهي معها. وأداة خط الغلو بارع في اقناع اتباعه من خلال روايات قصصية تتحدث عن أمور خارقة للأئمة سرعان ما تتفاعل معها سذاجة العقل. وروايات تكفيرية ضد الخط الآخر من الصحابة تؤلب بسطاء الناس وتوغر قلوبهم فيتحاملون على شخصيات تاريخية لا يعرفون عنها سوى ما تضخه آلة الغلو الإعلامية.

سادسا: أما بالنسبة للعصمة فقد تم التنظير لها مؤخرا على يد المتكلم التاريخي الشهير هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. فقال هشام بن الحكم بعصمة الأئمة لتسديد موقف الإمام ورفعه فوق النقد والمساءلة، فيكون أشبه بإجراء احترازي، لقمع المعارضة وردع التمرد. وبهذا استطاع تحصينه ببراعة كلامية، حيث قال إذا كان النبي معصوما ومسددا بالوحي، فإن العقل يحكم بوجوب عصمة الإمام لضرورة وجوده وتوقف معرفة الأحكام عليه!!. وربما كان يقصد بمفهوم العصمة التسديد في اتخاذ المواقف وفهم الأحكام الشرعية، إضافة للعصمة السلوكية، لذا لم يعترض عليه الإمام. أما مفهوم العصمة اليوم بات لها لوازم كثيرة تصل بالمعصوم مصاف الخالقية معاذ الله. إذاً هي مفهوم مستحدث لم تطرح قبل هشام بن الحكم بهذا الشكل رغم وجود أفكار أولية حولها. وقد مرّ تفصيل الكلام حول تاريخ العصمة، وظروف نشأتها.

 ثم جاء المتكلمون الشيعة وبدأوا التنظير لهذا المفهوم بأثر رجعي ليشمل الأئمة جميعا. بل جاء مفوم العصمة ليعطي زخما كلاميا كبيرا للشيعة في صراعهم مع الآخر حول الأحقية. حيث استمر الصراع حول من هو الأحق علي أم خصومه؟ فراح كل طرف يحشد أدلته لتعضيد أرائه وتصحيح مواقف رموزه. فخلص الفكر الشيعي: أن لازم عصمة الإمام علي صحة مواقفه مطلقا. وهكذا موقف الإمامين الحسن والحسين.

فبالعصمة استطاعوا:

- ترسيخ مفهوم الإمامة.

- اعادة صياغة العقل الشيعي.

- تبرير مواقف الأئمة جميعا.

- تماسك البنية الداخلية لأتباع أهل البيت.

- تحديد مفهوم القرب والبعد من الله عزوجل.

- تبرير التفويض الإلهي لهم.

- حماية رواياتهم وأحاديثهم التي يطعن بها أهل السنة لأنها مرسلة، ينتهي سندها بأحد الأئمة، ولم يصل للرسول، وهذه نقطة ضعف عانى منها الشيعة على مدى التاريخ لولا عصمة الأئمة.

أما أدلتهم على العصمة فأغلبها نفسية أو روايات أو أدلة سهلة النقض لكي تتهاوى.

دور متأخري الأئمة

نعود لملاحظتك في السؤال حول دور أئمة الشيعة المتأخرين، فما جاء في سؤالك صحيح، حيث بدأت أضواء الإمامة بالإفول حتى إذا وصلنا للإمامين الهادي والعسكري، نقرأ سيرة مختلفة، حتى في مجال تخصصهم الديني، حيث راح الإمام العسكري يحيل الناس على العلماء لمعرفة أحكامهم الشرعية. أما مواقفهم السياسية فربما كان للوضع السياسي ورقابة السلطة دور في تحجيم حضورهم السياسي. لكن الحقيقة أن الأئمة المتأخرين من الجواد حتى العسكري كانوا صغار السن، وكانت هناك فرق ومذاهب وآراء كلامية متضاربة، حول الإمامة ومصاديقها، فتجربتهم الحياتية لا تسمح بقيادة التشيع بكل تفصيلاته، وليس لهم وزن علمي كالإمام الصادق بل أقل من  ذلك كالإمام الكاظم والرضا يؤهلهم للعب دور أكبر، لهذا كانت تواجههم تحديات ركزت على مصداقيتهم كأئمة ينبغي أن يلعبوا دورا بمستوى الأئمة الأوائل. ثم ما أضعف موقفهم أكثر أن الفصائل الشيعية تبحث عن قائد ميداني يلبي طموحاتها السياسية، فلم يجدوا فيهم ما يشبع طموحهم القيادي. لهذه الأسباب وغيرها لم يكن لهم حضور واسع، حتى أنك شبهتهم في سؤالك بالعلماء والفقهاء، وليس أكثر.

المشكلة في فهم الرموز التاريخية الهالة القدسية الطاغية التي تحول دون معرفة الحقيقة. هالة تجرّدهم من بشريتهم، وتضعهم فوق التاريخ. بينما الرموز التاريخية والدينية كأي إنسان يمر بأدوار حياته، له نجاحاته وانكساراته، يصيب ويخطئ.

إشكالك إشكال موضوعي قديم، ولو بصيغ مختلفة، يؤكده التركيز على ذات الإمام بدلا من فقه وعلمه، لتدارك تداعيات الإشكال العصي، فراحت ماكنة الأحاديث تغذي الوعي الشيعي، بأحاديث تتعارض مع الكتاب الكريم، غير أنها تغلبت عليه بسبب رثاثة الوعي، حتى غدت مسلّمات عقدية لدى الناس، يرددونها كلحن تفتتن به عواطفهم، ويطرب لها سمعهم، وتحلق به أحلامهم. ففي الوقت الذي يؤكد فيه القرآن وحدة العنصر البشري، دون استثناء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، تذهب الروايات الشيعية إلى أن الأئمة خلقوا من طينة أخرى، وأنهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض. وأن الله خلق الكون لأجلهم، والروايات كثيرة، مرَّ ذكرها. فالتركيز على قدسية ذات الأئمة لتعزيز عصمتهم، التي لا دليل عليها سوى رغبات نفسية، لاستحالة وقوع القضايا الخارقة خارجا، ببيان تقدم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري:

 

 

س105: فاضل الشمري، كاتب وباحث / العراق: لا أعتقد هناك جيل قد فهم الإسلام ومفاهيمه وتاريخه وفقهه كالجيل الذي عاصرناه، خاصة من تسلّم مناصب حساسة في الحكومة العراقية بعد 2003م. غير أن ثقافتهم وتضحياتهم وتاريخهم لم ينعكس على سلوكهم وأدائهم السياسي؟ فما الفرق بينهم وبين غيرهم؟ ولو استبدلنا شخصا عاديا بهم سيؤدي نفس دورهم الاداري والقانوني بلا أدنى فرق وربما أفضل بكثير. فلماذا يعتبر الإسلامي نفسه قيّما على الدين، ولماذا يعتبر نفسه أفهم من الآخرين حتى في مجالات بعيدة عن تخصصه؟. هل  لأنه أمضى عمره في دراسة النظرية الإسلامية وناضل من أجلها؟. وما الذي نفع بها الإسلام والمسلمين حين تسنم منصبه في الحكومة؟. ولربما الإنسان العادي أفضل منه في إدارة البلد.. فلماذا يمنّ على الناس بنضاله وتاريخه؟.

 لا أحد ينكر أنهم مؤمنون، مخلصون، ولا أحد يتهمهم في شعورهم بالمسؤولية، لكن المشكلة شيء آخر. وحين سألت أحدهم عن السبب وراء كل ما حصل بسبب فلان أو فلان، قال دعني استلم منصبه وانظر ماذا سأفعل. فقلت له لن تفعل أفضل مما فعل.

اعتقد أن هدف جهادنا كان من أجل استلام مناصب ليس إلا. ولذلك صار صاحب المنصب أو من جاءت به المحسوبية والمنسوبية، هو القيادي في الحركة الإسلامية، وإن لم يفهم شيئا.

والسؤال: ما فائدة الحراك السياسي الإسلامي إذا كان الإسلاميون كما وصفناهم أعلاه؟.

ج105: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ فاضل الشمري، وشكرا لمقدمة السؤال التي هي مداخلة تمثل خلاصة تجربة حية. أنت شاهد عليهم قبل وبعد استلام السلطة في العراق عام 2003م، فجاءت مقارنتك دقيقة.

هذا السؤال يحيلنا على نشأة الوعي أو الحراك السياسي الإسلامي، ما هي دوافعه؟ وما هي مصادر ثقافته؟. كي نفهم بدقة سبب التداعيات، والفارق السلوكي بين النظرية والتطبيق، ولماذا أخفق الإسلاميون في تحقيق نهضة حقيقية. خاصة وأن الإسلامي ينطلق في فهمه للسلطة والمجتمع من نظرية، يعتقد بمثاليتها، تحكم سلوكه وتصرفاته، وتضع ضوابط تحركاته، بعد أن تفرض نفسها سلطة ومحددات لفهم طبيعة الأشياء، وترسم له أولوياته. فالداعية الإسلامي يقدّم في ضوء نظريته فهما مختلفا للسلطة والحكم والأولويات بالنسبة للمناصب الحكومية والحساسة. وعليه، إن فهم نشأة الوعي والحراك الإسلامي السياسي ضروري لتقديم تفسير صحيح لهذه الظاهرة التي تحدثت عنها في سؤالك.

النهضة والوعي

كان لسؤال النهضة دور كبير في تحريض الوعي، والبحث عن إجابات تفسّر ظاهرة التخلّف الإسلامي في مقابل التطور الحضاري الغربي الذي فاجأهم في عقر دارهم، بعد وصول حملة نابليون إلى مصر (1798م) مجهّزة بأحدث الأسلحة والمعدات. فتوزعت الأجوبة بين من أدان الدين واعتبره المسؤول الأول عن تخلّف المسلمين، فدعا الى قطيعة تامة مع التراث والدين واللحاق بالغرب وحضارته لانتشال واقعنا الحضاري المتخلّف. وآخر ارتد سلفيا طالب بتكريس التراث والسيرة لتدارك الوضع، متهما المسلمين بخطأ التطبيق. وثالث قاده رواد النهضة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرين، الذين عادوا للتراث بحثا عن مصادر قوته الملائمة للعصر، ثم جاء التيار الإسلامي المنظّم (الإخوان المسلمون) امتدادا لخط الوعي الإسلامي الأول. وبالتالي فجميع التيارات الحديثة جاءت ردة فعل بعد الصدمة الحضارية الهائلة. وطبيعة ردود الفعل تكون متسرّعة مرتبكة، تنقصها الدراسة والتخطيط وجهل بالواقع واشراطاته رغم أنها جزء منه. بينما تجد النهضة الغربية جاءت على خطوات، تراكمت عبر مئتي عام بل أكثر بكثير، فأنتجت نهضة حقيقية. بينما لم تحقق اليقظة الإسلامية أي شيء سوى إراقة الدماء، استبداد ديني، فساد مالي وإداري، تخلف الوعي، تشبث أشد بالتراث والرموز التاريخية وغيرها.

النهضة الغربية بدأت بنقد كل المقولات، حتى سرى الشك لكل الثوابت الدينية وغير الدينية، ثم راحت تبنى أسسها المعرفية في ضوء مناهج علمية حديثة انتجت معرفة مثمرة قادت إلى نهضة حقيقية شملت جميع مناحي الحياة. فبدأت من الصفر بعد رفض كل تراكمات الماضي، إلا ما كان صالحا للبقاء. فالنهضة الأوربية لم تفترض أي مسلّمة ما لم تخضع للنقد والمراجعة، وفق مناهج علمية. فقبلت ما أكدته التجارب العلمية. وتفاعلت مع المناهج النقدية، في مجال العلوم الإنسانية، لا كنهائيات ويقينيات بل كمحتملات قابلة للمراجعة والنقد باستمرار، لذا تشبعت ثقافة الغرب بحيوية تستمد روحها من النقد والدراسة والتجربة. لهذا تجد علم المستقبليات علما أساسيا، ثم جاءت علوم التنمية البشرية. كل هذا لتطوير ثقافة الفرد في ضوء تجربة الإنسان والمجتمع وما تفرضه تطورات العلوم والتكنلوجية الحديثة.

على العكس من هذا كانت النهضة العربية والإسلامية، حيث افترضت مسلّمات إضافة الى مسلّماتها ومقولاتها التاريخية والتراثية فراحت تبنى فوقها، بلا مراجعة ونقد للأسس التي قامت عليها. بل صارت تلك الأسس والمقولات الأولية مناطق محرمة لا يمكن نقدها أو مراجعتها. من هذا المنطلق راح التيار الإسلامي الذي كانت بدايته المنظمة مع حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، راح ينظّر من وجهة نظر إسلامية لكل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كتحدٍ وردة فعل ضد الآخر، باعتبار أن الإسلام دين شامل، وفيه إجابات على جميع الأسئلة المطروحة، وما علينا إلا أن نجتهد ونستنبط النظرية العلمية. فالنظرية ليست معطى مباشرا بل قراءة وفهم في ضوء مقولات ثابتة وراسخة. فتأتي النظرية تفسيرا وفهما واجتهادا في  نفس مدار تلك المقولات والبديهيات أو المسلّمات. فلم تنتج حضارة حقيقية. كان يفترض أن يستمدوا من تلك المقولات روحها وقيمها ومبادئها لينطلقوا في الحياة وفق مناهج نقدية، ودراسات علمية.

ومن هذا المنطلق أيضا راح الإخوان المسلمون يتحركون سياسيا باتجاه السلطة باعتبارها شرطا لتطبيق النظام الاسلامي، الذي هو وجهات نظر اجتهادية، صاغتها عقول المفكرين الإسلاميين لسد النقص. فرفعوا شعار: (الإسلام هو الحل) أو (القرآن هو الحل). بعد أن وجدوا في مصادر التشريع الإسلامي ما يؤهل المجتمع لنهضة حضارية توازي النهضة الحضارية الغربية بل تفوق عليها!!! (حسب تصور جميع الإسلاميين). إذاً نحن أمام تراث حركي إسلامي، يتصف:

- إنه ردة فعل لتفوق الغرب حضاريا.

- دفاعا عن الدين المتهم بتخلف المسلمين.

- تراث قوامه وجهات نظر فكرية لبيئة مفترضة، لكنه أخفق عمليا عند تطبيقه. وأمامك الأنظمة الإسلامية.

- تراث قوامه الشعارات والتعبئة النفسية. وهذا ما فعله سيد قطب في مؤلفاته التي ألهبت مشاعر الشباب وألقت بهم في إتون تكفير الآخر وقتله واضطهاده باعتباره كافرا يستحق الموت، فتسببوا في تشويه سمعة الدين، واستباحوا دماء المسلمين خاصة الحركات التكفيرية التي تستمد حركيتها من تراث سيد قطب، وفقهها من ابن تيمية والوهابية.

- تراث يضع حلولا لكل شيء، رغم أن غالب القضايا تخصصات مختلفة نتاج تراكمات خبرة وجهود بشرية هائلة.

- والشيء الأخطر في هذا التراث أنه يرتكز الى الفقه المعروف بحيله الشرعية وتلاعباته اللفظية لتبرير سرقة الأموال والتصرّف بها.

- ثم تأتي مسألة العقيدة وما لها من دور خطير، كما بالنسبة للشيعة ممن يحصرون حق التصرف بالأرض بما رحبت بالإمام المهدي وبالفقيه خلال غيبته!!، فيكفي السياسي الفاسد حصوله على إذن من الفقيه بالتصرّف فيفعل ما يشاء وفق تبريرات وحيل شرعية ممضاة من قبل الفقيه.

- الأولوية في هذا التراث دائما للمؤمن بقطع النظر عن كفاءته وتخصصه، لذا اسندوا أغلب المناصب في العراق الى شخصيات غير متخصصة وفقا لميزان التفاضل عندهم.

 - أوهام الحركيين الإسلاميين كثيرة، منها: مثلا، يعتقدون أنهم مسددون من قبل الله دائما، وقراراتهم صائبة مطلقا، لا يحتاجون سوى (استخارة إما بالقرآن أو بالتسبيح)!!!. كنت أسمع أيام الحرب العراقية الإيرانية عن دور الاستخارة في اتخاذ القرارات المصيرية، وأيضا سمعت عن نواب مجلس النواب في العراق!!! بعد سقوط النظام السابق.

- تراث يكرّس النرجسية وروح التعالي على الآخر، بل التعالى على المسلمين أنفسهم لأنهم أقل وعيا، ويطالبهم بالاصغاء واستجابة مطلقة تصل حد التخلي عن القناعات الشخصية والعقيدية – الفكرية.

- تراث أحادي لا يعترف بالآخر وفكره وعقيدته بل يتهمها بالمروق والكفر فضلا عن الضحالة والبؤس

إذاً، من يعرف هذه الخلفية لا يستغرب ما حصل على يد الإسلاميين شيعة وسنة هم غالبية مجلس النواب العراقي. أو ما حصل في تجارب سياسية في دول أخرى.

أما عن سؤالك فأقول: الحراك الإسلامي يطمح لتغيير العالم كله، كي يخضع الجميع لأحكام الكتاب والسنة وينصاعوا لله ورسوله (المقصود طاعتهم باعتبارهم الممثل الشرعي الوحيد للدين!!)، وهذا ما يستدلون عليه بآيات وروايات كثيرة. لهذا يصر الإسلامي بلغة تبريرية فاقعة أحيانا، أن الخطأ في التطبيق وراء جميع الإخفاقات، ولو أتيح لغير هذا المسؤول شخص أكثر إيمانا وتقوى ستأتي النتائج مختلفةّ!!.

لقد أدمن الإسلاميون الوهم، يدورون في حلقة مفرغة، تحكم تصوراتهم مغالطة مفادها: بما أن النظام الإسلامي نظام رباني فينبغي أن يكون الأفضل والأصح. وهنا المغالطة، كيف تنسب نظرياتك وأفكارك لله تعالى ولم يصرّح بها في كتابه؟ وكيف تجعلها مقياسا للحقيقة تحاكم الناس في ضوئها، تزكي من تشاء وتكفّر من تشاء؟. أليست هي وجهة نظرك واجتهادك؟ فلماذا تنسبها لله وتقول على الله ما لم يقله؟ ثم  لماذا يخلو القرآن من معالم أي نظام سياسي أو إقتصادي سوى منظومة قيم ومبادئ لضبط أداء الفرد والمجتمع؟ بل أهمل عنصري الحياة، السياسية والإقتصاد، ولم يتطرق لموضوع السلطة ومن يخلف النبي بعد وفاته. وعليه كما تفضلت ما فائدة الحراك الإسلامي مع كل هذه الأخطاء القاتلة بل أثبت بعض الإسلاميين في السلطة أنه سارق دجال، مستبد، يستبيح الدماء، وسرقاته باسم الدين للأسف الشديد، فكانوا وبالا على الإسلام وقيمه ومبادئه. فرؤيتهم من حيث المبدأ صحيحة، لكن أين هو النظام المنسوب لله تعالى؟. كل ما موجود اجتهادات شخصية.

وخلاصة هذا الكلام أن ردود الأفعال إنفعالية، لا تبني نظرية صحيحة، بسب أخطاء التشخيص التي تفضي إلى خطأ المعالجات، فكيف إذا كانت مصفوفة تحديات يروم الإسلامي مقاومتها وطرح بدائل نظرية لا علاقة لها بالواقع؟ والمشكلة الأساس أن الإسلامي في السلطة وفي علاقاته الاجتماعية، يرفض الواقع، ويرسم له صورة أخرى في ذهنه يطالب الناس بالانصياع لها. فحلوله ليس للواقع بما هو مجموعة علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، بل الواقع بما هو صورة في ذهنه، وعندما يعجز لا يجد سوى العنف أسلوبا لتقويم المجتمع كي ينصاع له، ويخضع لأوامره.

وأما بالنسبة للسلطة فإن الإسلاميين يتعاملون معها وفقا لنظريات عقيدية وفقهية تقدم فهما آخر للحكم ومبادئه، تسمح باستباحة المال العام، او استغلال السلطات والقانون لتكريس الوضع الديني والمذهبي.

أجد سؤالك مشروعا، خاصة أن الصورة التي يحملها الناس عن الإسلاميين صورة مشرقة تستمد مثاليتها من الكتاب الكريم وطبيعة الدين وقيمه الإنسانية.

ليس من شأن الدين أن يعلمك السياسة والحكم، بل إحدى مهام الدين تنمية وازع التقوى والورع عن أي فعل حرام، يعلمك الأخلاق، وينمي عندك الروح الإنسانية، هذا متى كان فهم الدين فهما صحيحا. لكن للأسف يأتي الفقيه من حيث يشعر أو لا يشعر فيبرر سلوكيات لا دينية بذرائع فقهية، وأخرى طائفية.

الدين لا يجعل منك كفءا في السياسة والحكم والإدارة، بل لكل واحدة منها شروطها وآلياتها وأدواتها، متى امتلكتها تنجح في أدائك. وعلى العكس حينما تفقد هذه المهارات. فكونك إسلاميا لا يشفع لك أن تتأهل لأي مسؤولية ما لم تكن مؤهلا لها ضمن اختصاصك.

للأسف بعض الإسلاميين يشعر بتعالٍ يستمد شرعيته من انتسابه للوعي الحركي، فيتعامل مع الناس بفوقية تصل حد الاستهانة بكفاءتهم. ويتصور أنه الأفهم والأقدر، لدرجة يرفض الاعتراف بكل ما حصل بسبب الإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم.

ثم الإسلامي بشر، يطمح للسلطة والحكم والمغانم أسوة بغيره، ويغريه المنصب والمال، ويتحايل على الدين والتشريع مراعاة لمكاسبه السياسية والحزبية والطائفية. وأنا مثلك، لا استبعد أن بعضهم كان يفكر في المنصب والسلطة خلال تحركاته إبان المعارضة السياسية، غير أن القواعد، كانت تضن بهم خيرا، لطيبتهم وصدق نواياهم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10فاطمة الزهراء بولعراسخاص بالمثقف: الحلقة الثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذة الأديبة فاطمة الزهراء بولعراس:

 

س99: فاطمة الزهراء بولعراس: يؤمن معظم الرجال العرب بحرية المرأة، فلماذا يرتضيها للمرأة الأجنبية ويحرم المرأة العربية منها؟

ج99: ماجد الغرباوي: لا اتفق أن معظم الرجال العرب يؤمنون بحرية المرأة، بل يؤمنون بتهميشها كقدر تكويني، والحد من حريتها وسلطتها، وفقا للمعايير القَبلية التي كانت سائدة في جميع المجتمعات آنذاك، والقائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. ويعني التهميش مطلق التبعية وسلب الإرادة، التي هي شرط صدقية الحرية. ولا معنى لها بدونها. فالتهميش وفقا لهذه الرؤية ليس طارئا، كي يمكن استعادة حرية المرأة، بل هو قدرها وفقا للنظام الأبوي السائد، ولا معنى لحريتها مع سلب إرادتها. والفارق بين المفهومين كبير جدا. فالمرأة في وعي الرجل كائن ينقصه العقل والحكمة والقدرة على التدبير. يستوجب القيمومة والتدبير، وأي تصرّف خارج إرادة الرجل يعتبر تمردا يستحق العقاب.مهما كانت منزلة المرأة أُسريا. فالنظرة الدونية ترتكز لرؤية سابقة على العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعندما يعترف الذكر بحريتها يعترف تفضّلا ومنّة، وليس اعترافا حقيقيا. فتكون حرية مقيّدة بإرادته حتى في الجانب الفكري، وحدود الوعي، وهو أقسى أنواع الاضطهاد.

ثم أن حرية المرأة في المجتمعات العربية عبء، يتفاقم طرديا مع حريتها، خاصة عندما يتقاطع سلوكها مع تقاليد المجتمع، التي هي قوام حيثيته الاجتماعية، وأساس انتمائه وحضوره. وهذا سبب آخر مفاده "أن حرية المرأة عبء ينبغي تفاديه". ولا شك بصدق القضية في المجتمعات التي تجعل من الشرف مقياسا لحيثية الرجل. فالحد من حرية المرأة آنئذٍ أسلم عاقبة. ومن يفسح لها هامشا من الحرية، يتوجس من تبعات قراره، ويبقى الفرد وجرأته ومكانته الاجتماعية. إضافة إلى ما تقدم أن المرأة في أعماق الرجل تمثل جرحا لنرجسيته، يتأكد أكثر من خلال حريتها واستقلاليتها، فيجنح للحد من حريتها وقمعها للتخلص من تبعات الحرية. المشكلة أن الرجل العربي يحمل مفهوما خاطئا عن الحرية، فهي عنده مرادفة للتهوّر والانفلات، ولا تعني الاستقلالية في التفكير واتخاذ القرار، والشعور المباشر بالمسؤولية تجاه الـ"أنا" والآخر. من هنا على المرأة أن تعكس فهما ايجابيا لمعنى الحرية من خلال توازن سلوكها، وتأكيد ذاتها عبر قوة حضورها العلمي والفكري والثقافي والأدبي، بعيدا عن الانحرافات السلوكية. فثمة صعاب تواجه المرأة على طريق الحرية، وعليها تذليلها، واقناع الرجل بجدوى حريتها. فكم من امرأة متحررة ظاهرا وهي في أعماقها تعيش روح العبودية والانكسار والتبعية والانقياد وتؤلب الرجل ضدها، وعاجزة عن اتخاذ أي قرار بمفردها، وعلى العكس قد تبدو بعض النساء مقموعة، غير أنها تتمتع بشخصية قوية، وإرادة حديدية، وقادرة على فرض شخصيتها، واقناع الرجل بقراراتها.

الغريب أن هذا الرجل العربي يهوى المرأة الأجنبية المتحررة، ويشعر بقوة شخصيتها، وفرض احترامها، فيخشع لها قلبه وعقله لا شعوريا، خاصة حينما تكون جميلة وفاتنة. لأنه يعلم جيدا أنها تنتمي لبيئة ثقافية واجتماعية مغايرة، ولا تشكل له أي عبء اجتماعي. أو لأنه مزدوج الشخصية، يرتضي الحرية للمرأة الأجنبية، ويحرم نساءه منها. ولا شك لدي أن حرمان المرأة حريتها، كما يعكس قيم العبودية القَبلية، يعكس أيضا عبء تلك القيم اجتماعيا، فقد يؤمن الرجل في أعماقها، وهذا ليس بعيدا بالنسبة للواعين والمثقفين من الرجال، غير أنه يخشى محيطه الاجتماعي، ويخشى انعكاس حرية المرأة على حضوره وانتمائه الاجتماعي، وهذه قضية مقلقة له.

وبالتالي هو يعجز عن فرض إرادته وسلطته على المرأة الأجنبية كما تسميها أنت، لأنها لا تخضع لسلطته أساسا، وتنتمي لبيئة ثقافية مغايرة.

 

س100: فاطمة الزهراء بولعراس: أنت تدعو لتحرير العقل، وتمارس النقد مستدلا بحجج وبراهين عقلية. هل تعتقد أن رسالتك ستصل للمرأة في ظل أجواء القمع والتجهيل، تحت مختلف المببررات بما فيها الدينية؟

ج100: ماجد الغرباوي: لا يتفاعل العقل، مع الوافد التنويري ما لم يتحرر أولاً من أغلاله وقيوده التي فرضها على نفسه، أو التي فُرضت عليه بفعل البيئتين الثقافية والاجتماعية. فليست المرأة ضحية الجهل دائما، بل قد تكون ضحية لرثاثة الوعي، والتشبث بعادات وتقاليد تعيق استنارة العقل، وتسكن للخرافة والسحر والشعوذة. فالرهان إذا على وعي المرأة ومدى قدرتها على إدراك الحقيقة، بعد إزاحة تراكمات اللامعقول والخرافة وثقافة الخوف.

لا شك أن المرأة العربية ضحية ثقافة قَبلية، ساعد الفقيه على ترسيخها، وشرعنتها، من خلال حزمة مرويات تراثية، تناصب المرأة العداء، وتضمر لها الكراهية والحقد، بعضها سياسي، من مخلفات حرب الجمل وما رافقتها من أحداث، والآخر موروث اجتماعي لم يستطع تجاوزه رغم إيمانه بالدين الجديد. وبشكل أوضح أن الفقيه فسّر النص القرآني وفقا لمعاييره الذكورية، فكرّس مركزية الرجل عندما منحه حق القيمومة، وخصه بعقدة النكاح، ومضاعفة الإرث، بينما جميع هذه القضايا مشروطة، مرتهنة لظرفها. والأنكى عندما أسبغ قدسية مطلقة على مصادر رواياته، فحال دون تقديم فهمٍ مغاير لهمه.

لا أخفيك أن الرهان على وسائل الاتصال الحديثة بات رابحا، حيث وجدت المرأة في مواقع التواصل الاجتماعي متنافسا تبوح من خلاله بمعاناتها وطموحاتها، وراحت تتفاعل مع ما ينشر من مقالات ومنشورات، ولها رأي وموقف، وهذا لم يكن موجودا سابقا. إضافة إلى أروقة المعاهد والجامعات التي باتت تستقبل أعدادا أكبر من الطالبات، والتعليم، خاصة العلوم الإنسانية، يفتح آفاقا واسعة للمعرفة، ويشجع على النقد والمراجعة. فثمة نضوج ملحوظ يمكن التعويل عليه في ظل تطور الأوضاع السياسية في البلدان المسلمة عامة والعربية خاصة، حيث الانفتاح على التجارب السياسية للدول المتطورة حضاريا. وطموح استبد بشعوب المنطقة للتحرر من ربقة الديكتاتورية والتسلط والتقاليد الموروثة، والتطور التقني الهائل الذي يعزز قدرة العقل. لكن تبقى مشكلة الولاء الديني، الذي هو حقيقته ولاء للفقيه وفتاواه. أي ولاء لفَهم الفقيه المرتهن لقبلياته وعقائده ومدى قدرته على فَهم النص. فالغالبية العظمى مازالت أسيرة فتاوى الفقهاء بالنسبة لفقه المرأة والأحكام المرتبطة بها. وقد دافعت بعض الكاتبات عن عبوديتها واستغلالها. وكانت توبخ كل من يرفض منطق الوصايا، وحق الزوج في ضربها وتأديبها. وتؤكد وجوب الإلتزام بكل ما جاء في كتب الفقهاء من أحكام تختزل إنسانيتها!!، بل وتؤكد أن النساء ناقصات العقول وبحاجة مستمرة للقيمومة والتبعية، كما جاء في الروايات الدينية والتاريخية. وهنا يبقى الرهان على القراءات الحديثة لفهم النص ودور الدين والإنسان في الحياة. فرغم كل مواقف المؤسسات الدينية التقليدية من الفقهاء التجديديين، لاقت فتاواهم قبولا واسعا، خاصة لدى فئة الشباب، والجاليات المسلمة المغتربة، حيث لمست روح التسامح الديني، وقدرته على التكيف مع الوافد الحضاري، دون المساس بمبادئه وقيمه.

وبالتالي فثمة فرص كبيرة أمام الفكر النقدي التنويري في ظل الانفتاح الحضاري، مادام يرتكز للعقل والمنطق، ويراهن على أدلته وبراهينه، ويستفيد من مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، وكل ما يعزز القراءات الجديدة للنص الديني.

 

س101: فاطمة الزهراء بولعراس: إن قمع المرأة فكريا، ومعاملته لها بأنانية ليس غريبا على الرجل،. لكن أليست المرأة هي المسؤولة عن ذلك. أم العكس هو الصحيح؟.

ج101: ماجد الغرباوي: لا شك أن الذكورية تستبطن الاستعلاء، وتفرض لنفسها حقوقا وواجبات، ضحيتها المرأة. غير أن الغريب هو قمعها فكريا، بمعنى مصادرة حقها في التفكير، والاستخفاف بآرائها. ومن باب أولى عدم الاصغاء لها، واحتقارها، وهذا أحد مخلفات النظرة الذكورية التي استبدت بأغلب الرجال، بفعل البيئة الاجتماعية التي تمجّد الذكر على حساب المرأة. غير أن السبب الأعمق يكمن، كما تقدم، في وعي الذكر للأنثى، ومدى تجلي البعد الإنساني في علاقتهما. لذا الثقافة والوعي كفيلان بتفتيت النظرة الذكورية، واستبدالها بنظرة إنسانية، خاصة مع قوة حضور المرأة في العصر الحديث، وحجم المسؤوليات التي أنيطت بها، وكانت أكثر من الرجل كفاءة. وبمعنى أدق أن مركزية الرجل، وفقا للأعراف والتقاليد، قد انسحبت على مركزيته في مناحي الحياة، فلا يثق العربي بعقل المرأة، فضلا عن الوثوق بآرائها الفكرية. فالتهكم وليد ثقافة ذكورية مستحكمة.

أما عن السؤال: بما أنه يتحدث عن الاضطهاد الفكري، فهذا يعني أن السائلة تفترض امرأة صاحبة فكر أمام رجل يضطهدها فكريا. وسبب الاضطهاد إما نوازع ذكورية مستفحلة، وإما غيرة وحسدا. فبعضهم لا يطيق من هي أكثر منه ثقافة ووعيا وعلما. وهذه إحدى معاناة المرأة المثقفة، لذا تنتهي علاقتها الزوجية بالانفصال، ولي شواهد بهذا الخصوص. في مقابل هؤلاء ثمة من يفتخر بزوجته المثقفة والأديبة والواعية، فتكسبها هذه المواقف ثقة بالنفس أكبر.

لكن متى تكون المرأة مسؤولة عن اضطهادها؟ تكون مسؤولة عن اضطهادها حينما تخطئ في اتخاذ الموقف الصائب. وتتعامل مع زوجها بندية، حداً تؤلبه ضدها، رغم قدرتها على استيعابه، واستيعاب نرجسيته عندما تتحلى بالآناة والرحابة، ثم تبدأ من خلال سياستها الحكيمة بانتزاع اعترافه بها، كي تستقيم حياتها. وبالتالي فالقضية نسبية تختلف من واحدة إلى أخرى، ومن رجل إلى غيره. كل حسب ظروفه وثقافته ووعيه. ولا شك عندي أن المرأة مدانة كما الرجل، حينما تهمل نفسها، وتستكين بدافع الخوف، وتكرّس الانقياد مهما كان مستوى الاضطهاد.

 

س102: فاطمة الزهراء بولعراس: تمثّل الأمومة في الموروث الشعبي صورة نموذجية للمرأة، دون خصائصها ومميزاتها الأخرى. وكأن المرأة لا وجود لها دونها:

- من المسؤولة عن هذه النظرة؟ هل المرأة نفسها أم هناك سبب آخر؟.

- وهل المرأة الغربية ليست صالحة للأمومة بسبب انشغالاتها كما يعتقد بعضهم؟.

- بماذا تنصح الأم المتذمرة، وهي تعلم أن الأمومة تضحية وإيثار وتنازل عن الحقوق؟

ج102: ماجد الغرباوي: إن قدسية الأمومة قاسم مشترك بين الشعوب، نابع عن تعاطف إنساني مع قلقها، وحجم تضحياتها، وقد عززته الشرائع والأديان والأعراف (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا). فالأمومة زينة المرأة وسرّ قدسيتها. وهذا لا يلغي خصالها الأخرى، ولا يجعل من الأمومة مقياسا وحيدا لشخصيتها. المرأة بما تتمتع به من خصائص وإيجابيات وقوة حضور داخل المجتمع. فالمقياس المتوارث لقيمة الأمومة، كما جاء في السؤال، يستمد شرعيته من  تعاطف الأبناء مع الأمهات، ومن تعهد المجتمع بحفظ قدسية الأمومة. وهي مشاعر متوارثة بفعل العاملين الثقافي والنفسي. فالأبناء يشعرون بمعاناة الأم وحجم ما تقدمه، ويقدرون قلقها وأرقها، فيتأثرون لا شعوريا بمواقفها، خاصة "قلق الأمومة". ولا فرق في  ذلك بين الأم الشرقية والأم الغربية من حيث المشاعر، فكلاهما أم، غير أن نظرة المجتمع لا تقتصر على موضوع الأمومة في تقييم المرأة، وتنظر إلى حجم حضورها. فزاوية النظر تختلف بين الثقافتين.

الأم لا تفكر بمنطق الربح والخسارة تجاه أبنائها، مهما كان حجم التضحيات، لذا عقوق الأبناء جرح في أعماق الأم. هكذا هي طبيعة العلاقة، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية. والأمومة قضية فطرية ونزعة إنسانية، لا تتجرد عنها المرأة، حتى وهي تنفتح على حياة الدراسة والعمل. قد تحد من رعايتها لهم لسبب وآخر، لكن هذا لا يؤثر سلبا على مشاعرها، بل يزيد من قلقها. الأم لا تستقر ما لم تجد أبناءها تحت ناظريها. وبالتالي فالمنطق المادي هنا غير وارد.

أما بالنسبة لتذمر الأم أحيانا، كما جاء في السؤال، فله أسباب بعيدة عن الأمومة كمشاعر إنسانية فطرية وغريزية. فتارة قساوة الحياة لا تطاق، بسبب العوز المادي أو رداءة الظروف الاجتماعية والصحية. وأخرى يلعب العامل النفسي ورثاثة الوعي والتمرد دورا سلبيا، يخلق حالة من التذمّر، حد التخلي عن مسؤوليات الأمومة. فقد تعتقد المرأة أن الأبناء عبء، يجب التخلص منهم، لتواصل حياتها. كما في المجتمعات الغربية، لكنها ليست ظاهرة. وفي هذه الحالة المسؤولية تقع على الدولة والمؤسسات النسوية التي ينبغي لها توجيه وعي المرأة، وتقدم ما يساعدها على تخطى محنتها. وهذا بالفعل ما تقوم به الحكومات الغربية، حيث دور رعاية الأطفال، ورياض الأطفال، وتوفير حواضن للمرأة التي تحتاجها. فهذا النوع من النساء لا تنفع معهم النصائح، بل الإجراءات العملية التي تساعدهم على تسوية مشكلاتهم الحياتية. وهذا ما نعيشه في ظل الأنظمة الغربية، حيث تجد المرأة في مؤسسات الدولة خير معين، يمكنها حتى الاستغناء عن الرجل وعجرفته. فثمة قوانين لحماية المرأة والأمومة والطفل، وهناك ضمان صحي واجتماعي يبدد قلقها، ويفتح آفاقا واسعة نحو مستقبل مضمون. بينما تعاني المرأة في المجتمعات المتخلفة سياسيا.

 

س103: فاطمة الزهراء بولعراس: يقال أن المفكر يؤثر في الجميع إلا من حوله. هل تجد لأفكارك صدى بين أهلك ومحبيك، أم يقتصر على قرّاءك ومحبيك؟.

ج103: ماجد الغرباوي: ما ذكرته في الجواب 100 ينطبق هنا. هذا بشكل عام. أما كتجربة شخصية، أجد أصداء تحرر الوعي واضحة بين أفراد عائلتي. حيث تركت لهم حرية التفكير، واكتشاف الزيف الديني والاجتماعي بأنفسهم. وهذا لا يعني الكمال، بل سعي حثيث لاكتشاف الحقيقة. بل أجد أن مواقفهم من الظواهر الاجتماعية مواقف واعية، وفهمهم بشكل عام يكشف عن وجود رؤية ووضوح، وهذا القدر جيد، وهو ما نطمح له. رغم أن البعض يعتبره تمردا، واقتداء بأبٍ متمرد، لكن لا يهمني.

 

س104: فاطمة الزهراء بولعراس: قاعدة ذهبية تقولها للرجل العربي.

ج104: ماجد الغرباوي:

"المرأة سرّ سعادتك حينما تحسن معاملتها، فلا تكابر"

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11فاطمة الزهراء بولعراسخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذة الأديبة فاطمة الزهراء بولعراس:

 

فاطمة الزهراء بولعراس، أديبة وكاتبة / الجزائر: يسعدني أن أشارك بهذه الأسئلة في الحوار المفتوح الذي بدأته المثقف مشكورة مع الأستاذ ماجد الغرباوي، وأتمنى أن تكون في مستوى عقلك المفكر وإيمانك الراسخ بقدرة العقل على التجلي والرقاء. وقد وضعت لأسئلتي هذا العنوان وجعلتها تدور حول المرأة العربية: (المرأة العربية بين مطرقة الموروث الثقافي "الديني" وسندان العصرنة المرتبطة بالغرب).

المرأة والتعليم

س97: فاطمة الزهراء بولعراس: لا شك أن التعليم هو أول حق حصلت عليه المرأة العربية ابتداء من القرن الماضي، ورغم أننا في القرن الواحد والعشرين إلا أنه مازال ذلك أهم ما حصلت عليه، وما عداه هي عينات لنساء ربما حققن نوعا من النجاح الاجتماعي لكنهن فقدن أشياء كثيرة من ضمنها نظرة الاحترام التي تليق بهن. إذا كنا نتحدث عن مثقفات مثلا. فماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة؟ ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟.

ج97: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأديبة الجزائرية الأستاذة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس، وشكرا لمشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها التي تمثّل نموذجا لمعاناة المرأة. كما أشكر حسن ظنها وثقتها.

رغم التقدم الحضاري، وسرعة التواصل بين مختلف شعوب العالم، غير أن المرأة العربية والشرق أوسطية مازالت تعاني التهميش والاقصاء، حتى وهي تمارس حقوقها الطبيعية. مما يؤكد وجود ثقافة سائدة، تحتقر المرأة، وتضعها مرتبة أدنى من الرجل، حدَ احتكار الإنسانية دونها. فمثلا عندنا في العراق، يستنكف بعض الرجال من ذكر المرأة، وعند الضرورة، يقول لمخاطبه فلانه (تكرم عن طاريها)، أي تكرم عن ذكر اسمها، باعتبارها أدنى من الرجل إنسانية، أو أنها قذارة يتعفف الشخص عن ذكرها أمام جلسائه، إلا مصحوبة بالاعتذار. فالدونية مفهوم سلبي يختزن معاناة المرأة المثقفة، الطموحة التي تسعى لتأكيد ذاتها، من خلال حضورها، فتواجهها تحديات ثقافة الازدراء بمختلف تمظهراتها.

 إن بنية العقل العربي نشأت على فهم إقصائي للمرأة، وهي في وعيه التاريخي جزء من متاعه وأشيائه قبل الإسلام، بل وحتى بعده، ولو بصورة مخففة. لذا ينبغي تقييم ما حصلت عليه من خلال الشريعة الإسلامية ومفاهيم الدين الحنيف، قياسا بما قبل الإسلام، لا قياسا على شِرعة حقوق الإنسان في العصر الحديث، لأن الأخيرة وليدة مخاضات طويلة، ولم تنل المرأة حقوقها في الغرب إلا قبل قرنين. وكانت معاناتها آنذاك أشد. حداً صَعب عليهم تصنيفها، هل هي بشر أم من الجن؟ بعد اتفاقهم على أنها خُلقت لأجل الرجل، وبمرور الأيام، وعبر رحلة شاقة مضمخة بالتضحيات انتزعت اعتراف الرجل بها، ونالت حقوقها وحريتها.

إن رسوخ النظرة الذكورية لدى الرجل، تستدعي تحري أسبابها بعيدا عن عادات وتقاليد وثقافة المجتمع، وبعيدا عن الشرائع والأديان، رغم دورها في شرعنتها وحمايتها. والعودة لوعي الذات في مدياتها القصية، بعد تجريدها من تراكمات الرؤية التبجيلية عبر التاريخ، لنجد أن الأنثى التي تمثل شرطا وجوديا للكمال الإنساني، تشكّل هاجسا لوجود الرجل، فتسلبه استقلاليته، وتجرح نرجسيته، حينما يرفض مكابرة الاعتراف بالحقيقة، فيتعالى كرد فعل، ويفرض لذكوريته حقوقا وامتيازات، على حساب حريتها واستقلاليتها، مهما كانت تداعياتها. فالذكورية تستبطن جُرحا لنرجسيته، وتحديا لاستقلاليته، مهما بالغ في "تشيئها"، ومهما بلغ مستوى افتتانه بجسده وتعاليه. لأنها شرط تجلي فحولته، فتكون شرطا وجوديا لتحققها. لذا يبالغ في غطرسته واضطهاده لها، بفعل الفارق الجسدي، وما يتمتع به من قوة عضلية، تفرض له حضورا مميزا، مقارنة بها.

في المقابل فإن الرجل يعتبر شرطا لوجودها، بمعنى التحقق الخارجي، وكلاهما شرط للكمال الإنساني. فالرجل في وعي المرأة يمثل امتدادها الحقيقي، ومصدر قوتها الروحية والنفسية حينما تلمُّ بها النوائب.

نعود للسؤال: (ماذا ترون كمثقف من حلول لمشكلة المرأة المثقفة ومتى ستحظى بنظرة تستحقها ليس فيها استهجان من أي طرف في المجتمع؟).

تكمن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بتحقيق توزان إنساني من خلال فهم مغاير يجرد الفوارق النوعية من بعدها العنصري. ففائض القوة الجسدية لا يعني اضطهاد المرأة، بل هو مسؤولية، في مقابل مسؤولياتها التي يعجز الرجل عن الإتيان بها. وهنا لا يكفي الاعتراف الشكلي ما لم ينعكس على وعي الذات، وعلاقتها بالآخر، فيكون اعترافا حقيقيا. أو يبقى مجرد اعتراف شكلي، ينهار عند خطوط التماس. وهذا يتطلب ثقافة قادرة على اعادة تشكيل الوعي بما يؤكد إنسانية العلاقة واستقرارها. لكن للأسف مازال التسامح بين الذكرى والأنثى تسامحا شكليا، قائما على المنّة والشفقة.

إن ما ينسب للمرأة من نقاط ضعف باستثناء فارق القوة الجسدية، منشأه العادات والتقاليد وثقافة المجتمع التي تسلب المرأة ثقتها بنفسها، وتقمع قابلياتها وابداعاتها، والدليل أن المرأة في المجتمعات المتطورة تمارس حياتها بثقة كاملة، وتفرض نفسها من خلال قوة حضورها. لا فرق بينها وبين الرجل من هذه الناحية بالذات. مما يؤكد دور الدولة في تحرر المرأة من سطوة الرجل والمجتمع. فثمة قوانين تحميها وتمنحها حقوقها كاملة، فتغدو العلاقة بينهما علاقة إنسانية لا سلطوية، يمكنها الاستغناء عنه، والتمرّد على فوقيته، دون التأثر بتبعات الانفصال. فقوانين المجتمع المدني تؤهل المرأة وعيا وسلوكا ومسؤولية، بعيدا عن سلطة الرجل، حداً يمكنها وعي الذات مستقلة تماما، وهي تمارس حياتها وفقا لهذه الرؤية. وهذا المستوى من الوعي ساعدت عليه إضافة للقوانين البيئة الثقافية المترشحة عن مبادئ حقوق الإنسان. تلك المبادئ التي حيّدت سلطة الكنيسة وموقفها من المرأة. وقدمت فهما مغايرا للدين، يستبعد سلطة الكاهن، ويمكن للفرد أن يعيش تجربته الدينية، كممارسة عبادية، بينه وبين خالقه. لكن الأمر مختلف في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يسود فقه المرأة، الذي كرّس قيمومة الرجل، وفرض عليها طاعته، وعدم التمرّد على أوامره. والروايات كثيرة في هذا المجال. بل تمادت تلك الأحاديث في محاصرة المرأة نفسيا واجتماعيا، باعتبارها ناقصة عقل، وشيطانا خلقت لإغراء الرجل. ومازالت حواء تنوء بخطيئة الرجل، في الخطاب الثقافي السائد. فكيف يمكن للمرأة التحرر من عبء الموروث الثقافي والديني؟

لكن الأمر ليس مستحيلا، فأما بالنسبة للمرأة المثقفة، فإن أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفها ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم، "رئيسة دولة أو رئيسة وزراء"، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

 وخلاصة التسوية، أنها تتوقف على وعي الجذر الفلسفي للإشكالية، وكيفية تفكيكها، وإعادة بناء الوعي عبر ثقافة قادرة على زعزعة اليقينيات، وتفتيت رواسب النظرة الذكورية بالنسبة للرجل، ونظرة الاختزال بالنسبة للمرأة. وهذا يتطلب جهودا متواصلة، وتوظيف كافة الإمكانيات المتاحة لاستعادة الوعي، بعد طمر مخلفات ثقافة الاقصاء والترهيب والاضطهاد.

لا توجد حلول سحرية، والامر يتوقف على المرأة أولا، ومن ثم المجتمع.

 

س98: فاطمة الزهراء بولعراس: في المجتمع العربي ثلاثة انواع من النساء:

- امرأة تسبح ضد التيار شكلا ومضمونا. وهذه يهابها المجتمع لكنه يحتقرها ويكرهها.

- امرأة يحبها الجميع لكنها مستغلة ومهمشة.

- امرأة تناضل من أجل التوسط بين الحالتين، لم تجد نفسها لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.

من أين نبدأ كعربيات لكي ننشئ أرضا صلبة نقف عليها ونمارس خصوصيتنا ونطبق افكارنا ولا نعاتب أو نلام؟

ج98: ماجد الغرباوي: أجد أن القضية نسبية بالنسبة للصنف الأول، فإذا كانت القضية صادقة في بعض المجتمعات، فإن البعض الآخر يقصي هذا النوع من النساء حدَ القتل، حينما يشكل تمردها عبئا على الأعراف والتقاليد لكن رغم حساسية الرجل من المرأة القوية غير أنه يهابها ويتمناها وقد يعشقها في أعماقه، فالرجل لا يستغني عنها، ويأنس بآرائها مهما تظاهر عكس ذلك. والمرأة التي تطمح للتغيير عليها أن تفهم جيدا آلياته، وتحقق أكبر قدر من المكاسب بأقل الخسائر، لأنها معركة ضارية، يختلط فيها الشرف والعفة والمسؤولية وغير ذلك.

وأما القسم الثاني، فهي المرأة التي تضع نفسها تحت تصرف الرجل، تستجيب لجميع طلباته، لتتفادى ذكوريته، وتحتفظ بكرامتها. فيصدق أن استغلالها ثمن لحيثيتها. غير أن لطاعة المرأة حدودا، يحتقرها الرجل عندما تصل حدَ الاستهانة بكرامتها. الرجل يحب المرأة القوية لكنه يكابر. وتخطأ المرأة عندما تضع حريتها تحت تصرفه مطلقا، وهو ما يرجوه المجتمع، وتحث عليه الروايات التاريخية والدينية.

وأما عن السؤال، فإن الأمر  يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطأ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامها، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

قاعدة الانطلاق: وعي حدود الذات، وتعزيز الثقة بالنفس، والتسلح بثقافة تبين حقوقها وواجباتها، وتقدم فهما مستنيرا لمعنى الحرية وكيفية ممارستها. لأن مشكلة المرأة في الصورة النمطية التي يحملها المجتمع عنها، أنها كائن معاق، يحتاج إلى الرعاية والقيمومة لتدارك نقص العقل، وضعف التدبير، وانعدام الحكمة. وهذا يتطلب جهدا ثقافيا لتغيير نظرة المجتمع، وتكوين نظرة إيجابية عن المرأة، خاصة أنها أحرزت تقدما كبير على صعيد المراحل الدراسية، واثبتت قدرتها على تحمل مسؤولياتها الوظيفية بنجاح واقتدار. فالبداية مع النفس وتعميق الثقة بالنفس. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). وفي الحديث: "ميدانكم الأول أنفسكم". فبعض النساء تشرعن سلطوية الرجل بدواع دينية أو استجابة لعادات وتقاليد المجتمع. والحقيقة أنها تضطر لذلك لتفادي سخطه وسخط المجتمع كما هي المرأة الثانية في الأمثلة المتقدمة. وعليه ينبغي للمرأة تقويض الوعي، والانفتاح على المرأة الإنسان، القادرة على تأكيد ذاتها من خلال حضورها الواعي داخل المجتمع، وضمن مسؤولياتها، التي توازن فيها بين مسؤوليات الوظيفة الإدارية والوظيفة المنزلية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

شعار: الإسلام هو الحل

س96: طارق الكناني: مع كل معضلة تواجه الباحثين في العالم المعاصر يحاولون اكتشاف حلول لها وتخطيها بوسائل شتى. قد يفشل بعضها، لكن لا شك أنهم يجدون حلولا ناجحة فيما بعد. ولكن هناك عبارة يتم ترديدها من قبل الباحثين الإسلاميين عند مناقشة بعض المعضلات المعاصرة التي تواجه مجتمعاتهم حيث يقولون (الإسلام هو الحل).

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج96: ماجد الغرباوي: "الإسلام هو الحل" شعار رفعه حزب "الأخوان المسلمين"، خلال تحالفهم الانتخابي مع حزب العمل والأحرار، في حقبة ثمانينات القرن المنصرم، لاستقطاب الشارع المصري، وضمان صوته الانتخابي، على خلفية دلالاته التي تحيل على المقدّس والدين في مقابل ما تطرحه المشاريع السياسية الوضعية، التي تركت انطباعا سلبيا بعد توالي إخفاقاتها وعجزها عن الوفاء بتعهداتها. ولم يعترض القضاء المصري آنذاك على رفع الشعائر، ولم يجد فيه مخالفة قانونية، لعدم تعارضه مع الدستور، الذي يؤكد في أحد مواده الرئيسية: "أن الإسلام دين الدولة الرسمي، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". فيأتي منسجما معه.

وكان للثورة الإسلامية في إيران دور محفّز، حيث أثار انتصارها دهشة الحركات الإسلامية، وكسر حاجز الخوف وشجع على الثورة ضد حكوماتهم. وهكذا تبنت جميعها بشكل مباشر أو غير مباشر، شعار "الإسلام هو الحل"، وسعت إلى تطبيقه، ولو بالقوة. فالثورة أوحت بإمكانية استنساخها، وإقامة دولة مماثلة تتبنى تطبيق الشريعة. وهنا ظهرت رثاثة الوعي عندما جُردت الثورة الإيرانية من شروطها، ولم تدرس ضمن سياقها التاريخي. وكانت نتيجته دوامة العنف وسفك الدماء، الذي انعكس سلبا على سمعة الدين، وعكس صورة قاتمة عن الإسلام، حتى بات مفهوم المسلم يعني الإرهابي.. معادلة تبناها الخطاب الغربي، والتطرف العنصري، أفضت إلى مقتل أعداد كبيرة، من مسلمين وغيرهم. وأما في العالم العربي والإسلامي، فيكفي حجم الخراب، وبشاعة المجازر، وما فعله المتطرفون في أكثر من بلد.

والإسلام هو الحل، شعار برّاق، مغرٍ، تتفاعل معه الروح الثورية وتفتتن به، في إطار رؤية عامة لعلاقة الدين بالحياة والسياسة. شعار قادر على تحريك مشاعر المسلمين، وحملهم على تبنيه.

وبشكل عام دخلت الحركات الإسلامية منعطفا كبيرا بعد انتصار الثورة في ايران سنة (1979م)، حيث تنامى الأمل في استنساخ التجربة في بلدان أخرى، فهبّت من سباتها تعد العدة لخوض معارك ومواجهات مع الأنظمة الحاكمة باعتبارها أنظمة لا دينية يجب استبدالها. فحدثت تحركات واسعة في مصر وتونس والمغرب والجزائر والعراق وسوريا. لكن السلطات الحاكمة استطاعت إخمادها وزج الدعاة في السجون والمعتقلات. ومنذ ذلك الحين دخلت الحركات الإسلامية في مرحلة جديدة، مرحلة المعارضة  المسلحة، وتكبّدت خسائر كبيرة على صعيد التنظيم والأفراد. مما دعا بعض قيادات التنظيم إلى مراجعة شاملة انطلقت من سجون مصر، لتنتشر وتؤثر في فرز حاد لأتباع الحركات الإسلامية بين مؤيد للعنف والقوة لتحقيق أهدافه، وبين منحاز للسلم والعمل السلمي (معارضة سلمية)، فصار ثمة فارق نوعي بين سلوك الطرفين، رغم وحدة الهدف في الوصول إلى السلطة وإقامة دولة إسلامية. فهناك القاعدة والتشكيلات التابعة لها ومن بعدها داعش والفصائل المماثلة لها، التي نحت منحى إرهابيا بعيدا عن الإسلام وقيم السماء. وهناك حركات تشبثت بالعمل السلمي من أجل الوصول للسلطة، وبالفعل مارس بعضها السياسة علنا من خلال أحزاب منظّمة، وصار قوة لها استراتيجيتها، ورقما فرض نفسه على المعادلة السياسية. (كتاب: الحركات الاسلامية).

الجذر التاريخي للشعار

ليس الشعار غريبا على الوعي الديني، بل أن من صميم العقيدة تطبيق الشريعة، والكفاح من أجل اعتبارها مصدرا وحيدا للتشريع في دساتير الدول الإسلامية. وإذا كان تنظيم "الأخوان المسلمين" أول من طرحه بهذه الصيغة (الإسلام هو الحل)، فهذا لا ينفي جذره التاريخي. بل يؤكد ما تبناه الفقه الإسلامي، أن "الإسلام دين شامل كامل للحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". ومعناهما أن الإسلام حلٌ لكل معضلة حياتية ودستورية، من هنا أفتوا بحرمة التشريعات الوضعية كما مرَّ بيانه مفصلا.

وعندما رفعت الحركات الإسلامية هذا الشعار، فثمة ما يعزز ثقتهم بإمكانية تطبيقه تاريخيا إضافة لما حصل في إيران، كتجربة الخلفاء، التي تعتبر نموذجا للدولة الدينية العادلة التي أقامت شريعة السماء. بل وتعتبر امتدادا لدولة النبي في المدينة المنورة، ومن ثم دولة الخلافة الراشدة. فلم ينطلقوا من فراغ حينما رفعوا الشعار. بل أن نجاح تلك التجارب يؤكد إمكانية استنساخ دولة الخلافة. وأما الإخفاقات فمردها خطأ في التطبيق، وليس خللا في النظرية، أو نقصا في الدين والتشريع، هكذا استقر في وعيهم، وتشهد لهم أدبياتهم.

الحركات الإسلامية هي جزء من مسار حركات سياسية تاريخية طالما رفعت شعارات سياسية من أجل الوصول للسلطة، كشعارات "يا لثارات الحسين"، وشعار العباسيين، "الرضا لآل محمد"، وغيرهما. وجميعها تحركات سياسية تتخفى وراء شعارات دينية، لكسب الرأي العام، وتأليبه ضد السلطات الحاكمة، باسم الدين والإسلام. وشعار "الإسلام هو الحل" يأتي في هذا السياق رغم إيحاءاته الدينية والإسلامية إلا أنه شعار سياسي بلا مواربة، يطمح للسلطة، وقد يتنازل عن مبادئه وشرط تطبيق الشريعة عندما تحاصره الظروف السياسية.

دلالات الشعار

يمكن رصد ثلاث دلالات منطقية لهذا الشعار:

1 – إن تبني شعار "الإسلام هو الحل"، يؤكد كمال الشريعة، وشمولها لجميع مناحي الحياة، قياسا على كمال الدين. غير أنه يخفي على المتلقي حدودها وهامشها، وحجم المساحات المتروكة، أو ما يعرف عندهم اصطلاحا بـ"الإباحة". فهو يمارس خداعنا، حينما يقيس كمال الشريعة، بمعنى شمولها لمطلق وقائع الحياة، بكمال الدين. بينما أحكام الشريعة محدودة، وما تبقى اجتهادات فقهية، تفتقر لمشروعيتها، سوى قواعد وأصول تم تأسيسها بعناية فائقة. فكمال الدين الذي تشير له آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) يقصد به كماله، ضمن العدد المحدود من الأحكام الشرعية، ولم يشترط كماله بأحكام فقهية مستأنفة، لذا تفتقر لدليل يؤكد حجيتها.

2- يستبطن شعار (الإسلام هو الحل) إدانة غير مباشرة لمناوئيه، لعدم تطبيقهم الشريعة، ويعتبر عدم تبني الشعار سببا لجميع إخفاقاتهم وفشلهم، ونحن نعلم ثمة أسباب كثيرة وراء الفشل السياسي، وليست مقتصرة على عدم تطبيق الشريعة، بل لم يؤخذ تطبيقها شرطا في تقدم الدول، وتبقى قضية تخص بعض الشعوب المسلمة. وبالتالي، قد تبدو رسالة الشعار مشروعا سياسيا بديلا، يراهن في نجاحه على الإسلام، غير أن المتستر عليه أنه رسالة إدانة للأحزاب والحكومات الوضعية، وإدانة للشعوب التي منحتها ثقتها بعيدا عن الدين، ويحمّلها جميع الإخفاقات بسبب بعدها عن الإسلام. فالشعار يوحي بلازمه / الإدانة. ويكفي دليلا استجابة الناس له، مصحوبة - أي الاستجابة - بإدانة الأحزاب والحكومات الوضعية، ويسلبها مشروعيتها. وهذا ما يؤكد إيحاءاته.

3- يستجير الشعار بالمقدس الديني، حينما يستمد مشروعه من كمال الدين، ويتجاهل جهده البشري. أو يرتفع به فوق النقد والمراجعة، فيلغي الآخر، ويفرض الاعتراف بقدسيته، مهما كانت بشريته، شرطا لتفعيل ممكنات التشارك في السلطة. ثم أن الاعترا ف بقدسيته، شرعنة صريحة للاستبداد والتسلط، وهذا مكمن خطر الحركات الإسلامية في السلطة، حيث تغدو جميع تصرفات الحاكم مشروعة ومقدسة.

براءة الشعار

إن شعار "الإسلام هو الحل" كغيره من الشعارات، يتمتع بزخم عاطفي، وقدرة على تعبئة الناس، وتحريض الرأي العام. ويمارس مكره حينما يتستر على هدفه السياسي، ويحقق رسالته، عبر توظيف اللغة، وإيحاءات الخطاب. فلم  يكن شعارا بريئا، يروم تطبيق الشريعة لأجل الدين، بل يكمن خلفه مشروع سياسي، يطمح لإقامة دولة دينية، تخضع لفكر الإخوان المسلمين وإيديولوجياتهم واستراتيجيتهم. مشروع يختزل الدين بإقامة الدولة، بهذا يتضح الفارق النوعي بينه وبين التجارب التاريخية، التي كانت تسعى لتطبيق الشريعة، امتدادا لتطبيقها في زمن النبي. فهي لم ترفع الشعار لاقامة دولة، ولم تبرر وجود الدولة بتطبيق الشريعة. بينما تتخذ الحركات الإسلامية من الشعار مبررا لاقامة الدولة، التي هي بذاتها هدف أساس لها. فليس الهدف من وراء الدولة الدينية تطبيق الشريعة فقط، بل يتمادى منظّرهم سيد قطب حينما يقول: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجعة إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية).  

بهذا يتضح أن الحركات الاسلامية لا تتعامل مع أفراد المجتمع على أساس إنسانيتهم، أو وفقا لاختصاصاتهم ومهاراتهم. ولا تضمن احترام وجهات نظرهم. ولا معنى لحرية الرأي والعقيدة عندهم. المقياس الوحيد مدى إيمان الشخص والتزامه بالشريعة الإسلامية المتضمنة لآراء فقهائهم، وما يصدر عن السلطة (أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أوامر وقرارات. لذا فالفرد بنظرهم: إما مسلم أو كافر، وإما ملتزم دينيا (متدين أو خيّر) أو فاسق. والبلد إما دار إيمان أو دار كفر. وأما الإسلام وشهادة الشهادتين، فهي ليست مقياسا لكل شيء، ولا تعصم الإنسان إلا في حدود. وبالتالي لا معنى لوجود مجتمع مدني، وشِرعة حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر المغاير، وفقا لما يتبناه سيد قطب منظّر الأخوان المسلمين.

رهانات الشعار

يراهن شعار (الإسلام هو الحل) على خلفية تختزن صورة مشرقة، مبالغ فيها، عن دولة الخلافة. وهي صورة ساذجة، كتبت بأقلام السلطة، دون نقدها وفضح بشريتها وعدم مثاليتها، بل وعدم شرعية سلوكها، وتصرفات حكّامها في أحيان كثيرة، غير أن خطاب التبرير استطاع بحكم سذاجة الوعي، ترميم الأخطاء، وتبرير مطبات السلوك السياسي، وتقديم صورة نقية، مقدسة، تلهب مشاعر الناس، وتتمنى عودتها. إن دولة الخلافة تجربة بشرية مرتهنة لظروفها. لها نجاحاتها وأخطاؤها. وتقيمها بموضوعية يتطلب تبريرا معقولا لصراع السلطة، وحجم الدماء التي سفكت بسببها، ودواعي استحواذ قريش عليها. إضافة إلى بيان حدود الحرية الشخصية كمصداق لمثاليتها، ومدى الاعتراف بالآخر، وقدرة الفرد آنذاك على التجاهر بآرائه ومعتقداته، ولماذا شهداء الكلمة والمنبوذين والمهمشين وغيرها من قضايا، مازال الشك يعصف بشرعيتها.

كما أن خلفية المتلقي تحمل صورة عن الدين تستمد قدسيتها من قدسيته، ولا بأس، غير أن مسألة كمال الشريعة، وصلاحية الدين لكل زمان ومكان مطلقا، بحاجة إلى تأنٍ لاستعادة الحقائق ومحاكمتها وفقا للنصوص التأسيسية / آيات الكتاب، ومدى شمول التشريع لجميع مناحي الحياة. وهل حقا يقصدون خصوص آيات الأحكام، أم الأعم مما أضاف المسلمون من مصادر تشريعية؟. وحينئذٍ يفتحون الباب لجواز التشريع وملء الفراغ. فثمة تزوير للحقائق مازال يراهن على رثاثة الوعي، وبساطة المتلقي وطيبته.

أحسب أن هذه المقدمة أضاءت الأبعاد التاريخية والسياسية للشعار، والأهم بيان ما يضمر من أهداف سياسية. فهو شعار سياسي بامتياز يتخفى وراء الديني، ويسعى لتوظيفه، ليبرر مشروعية مواقفه وسلوكه، وشرعنة أفعاله وقراراته.

 

96-1: ألا تعتقد معي أن هذا يعتبر تراجعا وعودة إلى الماضي الذي يصعب تكييفه مع الوضع الراهن؟

ج: إن منطوق "الإسلام هو الحل"، يؤكد شمول الشريعة وقدرتها على الاستجابة لجميع متطلبات الحياة، في كل زمان ومكان. ويوحي بوجود حلول جاهزة، ما على الحكومات سوى الالتزام بها وتطبيقها. ولو سلّمنا جدلا بهذا الكلام، فإن الشريعة ناظرة للواقع، وعندما نزلت الأحكام الشرعية، كانت تقصد ذلك الواقع، وأما إطلاقها لكل زمان ومكان فيحتاج إلى دليل، خاصة وفق ما قررناه مرارا أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه. فنحتاج إلى دليل يؤكد ثبات موضوعات الأحكام. وهذه قضية مفصّلة يرجى مراجعة البحوث السابقة، ومعرفة المائز بين أحكام العبادات، وغيرها من الأحكام التي تخص شؤون الفرد والمجتمع.

فإذا كنت تقصد بكلامك قياس الحاضر على الماضي، كما يفعل الفقهاء والسلفيون وكثير من الحركات الإسلامية، فيصدق أنه عودة للماضي الذي يصعب تكييفه مع الحاضر، بعد تجريد الماضي من تاريخيته، والتمسك بإطلاقات الأحكام، بغض النظر عن فعلية موضوعاتها. خاصة التمسك بعمل السلف التي هي اجتهادات شخصية، تتأثر بقبليات الصحابي والإمام والفقيه. إذ هنا ثمة فارق جوهري بين أحكام الشريعة، المنصوص عليها قرآنية، وما تلاها من أحكام تمثل وجهات نظر فقهية، مهما كانت نسبتها للشريعة، باستثناء تطبيق كلياتها على مصاديقها.

 

96-2: ألا يعتبر هذا سببا رئيسيا لتخلف الأمة الإسلامية بشكل عام عن الركب الحضاري لأنها مازالت ترزح تحت أفكار السلف وتستحضرهم بكل مافعلوا وقرروا ليطبقوها في العصر الحالي.. الأحزاب والحركات الإسلامية إنموذجا؟

ج: فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، يؤثر سلبا وإيجابا على تقدم أو تخلف الأمة. فهناك ما هو أعمق من تطبيق الشريعة، وأعمق من الشعارات التي ترفع باسمها. فثمة اختلاف جذري في فهم الدين ودور الإنسان في الحياة تكلمت عنهما خلال الحديث عن الفرق بين منطق العبودية ومنطق الخلافة. فعندما يريد الشعار فرض قيمه ومفاهيمه التي هي اجتهادات شخصية من وحي قبليات الجماعة الإسلامية، وهي قبليات سياسية، وطموحات سلطة، فلا شك بما تقول.

 

96-3: ألا يعتبر هذا نكوصا فكريا لدى هؤلاء الباحثين وعدم استجابتهم لمتطلبات التغيير والحداثة؟

ج: هؤلاء ليسوا مجرد باحثين، بل أصحاب مشاريع سياسية، والسياسي لا يفكر بالنكوص الفكري. همه الوحيد مصالحه ومصالح حزبه، وكسب الناخب، ضمن الممارسة الديمقراطية. وإقناعه بمشروعه خارجها. والثانية أخطر، حيث يفرض إرادته وسلطته باسم الدين والتشريع.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

عبء العقائد

ماجد الغرباوي: عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال وفقا لما تقدم: "هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق"؟ ومدى هذا التأثير؟.

لا مراء، ثمة تأثير متبادل. الإيمان يستدر العقيدة مشروعيته رغم تعدد مناشئه، ليضفي عليها معنى من خلال تجلياته. وبينما تقدّم العقيدة تصورات نظرية للكون والحياة وما بعد الموت، يمنح الإيمانُ العقيدةَ صدقية من خلال تجربته الروحية ومختلف تمظهراته، عبر ممارساته الطقوسية. أو تبقى معلقة ما لم يجسّدها الإيمان سلوكا ومشاعر تنتمي لها. ولا ريب في كل هذا، لكنَّ الكلام عن مستويات التأثير، ومدى توقف وجود أحدهما على وجود الآخر. وهل كلاهما مرتهن للثاني؟.

العقيدة لغة كما مرَّ، مأخوذة من الفعل "عَقَدَ"، وما عقد عليه القلب، وأذعن له وصدقه. ويقصد بها الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الأنبياء. فهي تشير للبعد النظري، كمنظومة مفاهيم وتصورات، ينتسب لها الإيمان. وأما الإيمان فيأتي من الأمن والاطمئنان والانسجام النفسي. وهو تراكم لا شعوري لا تشكل الحقيقة (التي هي جوهر العقيدة حسب الفرض) سوى جزء موضوعه، ويستمد صدقيته من مناشئ وأبعاد أيديولوجية أخرى. لذا تعددت مناشئه، ولم تقتصر على وجود أدلة وبراهين. وقد لا تورث الأدلة العقلية والفلسفية الإيمان بسهولة ما لم يصاحبه طقوس وشعائر ومناسبات ومشاعر وتحديات وردود أفعال وعادات وتقاليد وعبادات، تحقق الحالة الروحية والنفسية المعبرة.

الإيمان يترسخ بالممارسات العبادية والتسليم، وتقوضه الشكوك المجردة من العاطفة. من هنا لعبت الطقوس والشعائر دورا كبيرا في ترسيخ ونشر العقائد الدينية رغم لا معقولية بعضها. ومن هنا أيضا أكد القرآن على العمل الصالح دليلا على صدق الانتماء العقدي، خاصة العقائد الغيبية، التي لا يمكن للفرد الإمساك بها، إلا من خلال ممارسات شعورية تُلهِم الإيمان والتصديق، بعيدا عن الأدلة والبراهين. ليغدو نفس العمل الصالح دليلا على صدقية العقيدة، وهذا دافع لا شعوري، يتأتى بديمومته وتبني طقوسه وشعائره: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). بهذا نفهم أن الإيمان بالغيب كعقيدة دينية راسخة لدى جميع الديانات، تستدعي إذعان النفس من خلال جميع الممارسات العبادية، كالعمل الصالح، والإتيان بالحسنات، والتسبيح، والذكر وإقامة الصلاة، والصوم والحج. وهي مشتركات إيمانية. فالإيمان شرط لرسوخ العقيدة، حينما يكرّس قدسيتها، ويضفي لها معنى، ويعيد تشكيلها لتفادي نوازع الشك والتمرد. أو أنه يعيد إنتاجها لتواكب ضروراتها، وما يملي عليها الخطاب الأيديولوجي. فالإيمان لا ينتقل من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق إلا من خلال تجربته الروحية، التي تغذيها مختلف الطقوس والشعائر والإيحاءات الرمزية.

وبالتالي، إن إيمان الناس بشيء أو بعقيدة مهما كانت، لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلال الإيمان بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة عقلية ونقلية. فلا يمكن الاستدلال بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى ما يؤكدها، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره.

خلاصة ما تقدم، تشكل العقيدة أحد روافد الإيمان، وقد تبقى مجرد تصورات، لا يذعن لها القلب ولا تحرّك مشاعر الفرد. كمن يزاول تدريس العقائد، ويقتنع بأدلتها وبراهينها، دون أن تستفز مشاعره أو تخلق لديه وازعا، يتجلى من خلال مشاعره وسلوكه. وقد يعمل الخير لا يقصد به التقرب إلى الله رغم إيمانه. بينما يحرص المؤمن على إتيان عمله بدواعي التقرّب لله تعالى، وهذا من وحي عقيدته، وتصوراته الإيمانية. فالعقيدة جوهر الإيمان، تتولى تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها. رغم رهانها المستمر عليه، خاصة الغيبيات والحقائق الدينية التي لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. فهي جوهره، ومصدر مشروعيته. لا يستغني الخيال البشري المرتهن للغيب والدين، مهما كانت بساطة الإنسان، فهو يمتلك رؤية ولو ضبابية، لكنها موحية، تدفع باتجاه العمل، سلبا أو إيجابا، وهذا سرَّ خطورتها، وسّر تكريس الكتب السماوية مساحات واسعة لرسم ملامحها، وبيان أطرها، ومحدداتها، خوفا من الإنزلاق العقدي. ونؤكد هنا أن الايمان وضمان روافد سليمة لتغذيته مهمة دينية، تشهد لها جميع الكتب السماوية.

انضباط العقيدة

تشكل العقيدة خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته ومقاصده، كأن تبرر الشرك بدواعٍ مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). فالجزء الأول من الآية يفضح أساليب تسويف عقيدة التوحيد والدين الخالص لله. وعندما أقول أن العقيدة تمنح الإيمان مشروعيته، أقصد أنها تحدد اتجاهه، فتغدو بوصلته في حركة الواقع ضمن تجربته الروحية، بمختلف تمظهراتها شعوريا وسلوكيا. وبما أن الكلام عن العقيدة الدينية، فهي محددة قرآنيا، ولا قيمة لأية أضافة تفتقرلدليل صريح يدل عليها، خارج دائرة أتباعها ومعتنقيها ممن يتلقونها في إطار بيئتهم الثقافية والاجتماعية. وهي واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لذا أفضى علم الكلام الإسلامي القديم إلى نتائج سلبية، عندما وظّف نفسه لأهداف أيديولوجية ومذهبية وطائفية وسياسية، رضخ لضروراتها، وصارت مهمته الدفاع عن عقائد شابها الشرك، وشرعنة الظلم والجور، فشكلت تداعياته خطرا على فهم الدين، إذ أنه أسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأهمل حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. وأخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوجا، موزعا، فهو في ممارساته الدينية غيره في علاقاته الاجتماعية.

المشكلة أن الفكر الديني عموما يجترح أفكارا ومفاهيم وعقائد، تتحول بمرور الأيام إلى مرجعيات نهائية، وسلطة فوقيه توجه وعيهم وتفكيرهم وسلوكهم. ثم تندرج ضمن اللامفكر فيه، والممنوع، والمحرم، عندما تُضرب حولها أسيجة قدسية، ويتولى حمايتها حرّاس العقيدة وجندرمة الخطاب الرسمي. فما نسعى لها هو استعادة بشريتها لنقدها، ومعرفة ظروفها، وكيفية اشتغالها، وفرض حقيقتها، وما هي علاقتها بالنصوص والروايات. فهي قضايا بشرية واجتهادات شخصية، فكيف تحولت إلى جزميات دوغمائية تتحكم بمسيرتنا وبمستقبلنا؟. فالعقيدة اليوم قائمة على النص، وما لم نمارس النقد على نصوصها كمرجعيات نهائية لا يمكن الحد من تأثيرها وتمددها، رغم أنها وجهات نظر تاريخية. إن خطر العقيدة لا بحضورها بل بمرجعياتها الميثيولوجية، التي ترتكز للامعقول، وترفض العقل والعقلانية. فتعيش أوهام الحقيقة، والنجاة المطلق يوم المعاد.

التنوّع العقدي

ثم يأتي الشق الثاني من السؤال المتقدم: (وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).

لا شك إذاً أن كل عقيدة تؤثر في إيمان الفرد، مهما كان مستواه، ويكفي ارتهان مشروعيته بها. ومعنى هذا أن العقيدة بوصلة الإيمان، وربان شراعه، وفق ما تؤصله من مقولات تنتظم ضمن بنيتها. فعندما تؤصّل لوحدانية الله مثلا، يصبح التوحيد قبلة الإيمان، على نحو جامع مانع، يكرّس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك. وعليه بما أن العقائد الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابيتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبُعده من جوهرها. وهنا سنكون أمام تنوّع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه:

1- الدليل العقلي:

تارة يكون العقل دليلا على صدقية العقيدة، كما بالنسبة  لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلة والمعلول، وبطلان الدور، وهناك محاولات رياضية جادة، والاستعانة بالاستقراء. وهذا القدر من الاستدلال يطمئن له العقل حدَ اليقين والإذعان، ويكون إيمانه في بعده النظري إيمانا برهانيا. غير أنه يقتصر على من لهم قدرة على إعمال العقل، وإقامة الدليل. وعليه فالإيمان هنا مرتهن لمؤدى الدليل ومدى صموده أمام الإشكالات النقدية ليتناسب معه طرديا. ويبقى تأثيره في حدود الجانب النظري، ضمن رؤية فلسفية ونظرة كونية شاملة. فالعقيدة هنا قادرة على ربط الفرد بخالقه، وقادرةعلى إثراء التجارب الروحية، وتطويرها من خلال تأمل واعٍ لصفات الخالق التي تتجلى له عبر مخلوقاته، بل وتفتح له آفاقا أرحب ضمن تجربته الروحية. لكن أعود وأؤكد موضوعها وجود خالق لهذا الكون، وما عداه، يستدعي مصادر أخرى.

2- الدليل النقلي:

وتارة أخرى يكون النقل دليلا على العقيدة، وهو مصدر جميع تفصيلاتها، عدا إثبات أصل وجود الخالق، الذي يمكن للدليل العقلي إدراكه. وهنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياسا لإيجابية وسلبية التأثير، فيُقتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير. وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها. النص الثاني يعيد انتاج النص الأول، حداً يحجبه ويحلّ محله، تحت ذريعة الصُحبة والقرب من عصر الوحي، وقد وصل الحال الإفتاء بحرمة مقاربة النصوص التأسيسية إلا من خلال نصوص الصحابة والتابعين، كما هي التفاسير التراثية (التفسير بالأثر) التي تهتدي بهدي من سبقهم، وهم الطبقة الأولى (من الصحابة والتابعين، كابن عباس وابن مسعود وابن عمر. أو كمجاهد وقتادة). فيرتهن فهم النص التأسيسي لقبلياتهم ومتبنياتهم الأيديولوجية، المرتهنة أساسا لأولوياتهم القَبلية، واتجهاتهم السياسية. وهنا قد تتضخم العقيدة أو تختزل وفقا لمتطلبات النصوص الثانية. لذا اشترط بالنص، كمصدر للعقيدة، أن يكون نصا تأسيسيا. وهو شرط عقلي، تم التنظير له والحديث عنه مرات عدة، مفاده لا يمكن رفع اليد عن الامتناع العقلي، كما في العقائد الممتنعة عقلا، إلا بدليل قرآني، باعتباره كاشفا تاما عن الحقيقة، فنرفع اليد عن الامتناع، لا بمعنى تخصصيه لأن أحكام العقل لا تخصص، بل بمعنى وجود أسباب خافية علينا. وخلاصة ما تقدم أن الإيجاب والسلب صفتان مرتهنتان بصدق العقيدة، وحدود تأثيرها، وليست ثمة عقيدة مفتوحة، لمخالفتها الأصل العقلي. فصدقها وقصور أدلتها، كلاهما يؤثر في الإيمان سلبا وإيجابا.

تجدر الإشارة، أن اشتراط القرآن مصدرا للعقيدة، يضمن انضباطها، وعدم السماح باستغلالها، وتوظيفها لأغراض سياسية ومذهبية وطائفية، وهنا أقصد أمرين: الأول: جميع ما وراء الطبيعة، من مقولات عقدية غيبية، كالجنة والنار والجن والشيطان، فإنها قضايا نسبية، ليس لها حقيقة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فيلعب النص ومصدره دورا أساسا وراء حقيقته. فنقتصر على النصوص التأسيسية دليلا على ثبوتها أو نفيها، وماعدا ذلك يُعد تقوّلا على الله، ويكون تاثيره سلبا على الإيمان، كما بالنسبة لعذاب القبر، وما تسرده الروايات من أوصاف مهولة، لا تجد لها جذرا قرآنيا. والكلام هنا عن العقل الجمعي، والوعي الجماهيري المرتهن للغيب والتراث.

والثاني: الاصطفاء الذي تتحدث عنه النصوص الثانية، ولم تجد لها مصداقا في النص التأسيسي / القرآن، فأيضا تداعياته على الإيمان خطيرة جدا، وهو مصدر معاناة الوعي مع العقائد التي ظهرت بعد وفاة الرسول، وبذلت جهود تنظيرية هائلة لربطها بالدين، وبالنصوص التأسيسية الأولى. يمكن الاطلاع على كتاب: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني).

فتأثر الإيمان بالعقيدة مرتهن لصدقيتها، ومصدرها، ومدى قدرتها على مقاومة التحديات والإشكالات. إضافة لقوة رمزيتها، وما تكتنزه من دلالات، وتوحي به آفاق معرفية متجددة. وتبقى التجارب الروحية، والضبط السلوكي مقياسا للإيمان العملي، الذي يستفز الفرد، ويدفع باتجاه العمل الصالح، كتجل له.

 

س95: طارق الكناني: إذا لم يكن لها تأثير سلبي ولم تخلق فجوة بين الخالق والمخلوق، فما الضير في تبني هكذا أفكار، والإبقاء عليها كتراث شعبي. حتى لو أضيفت لها بعض القدسية حيث ستبقى علاقة المخلوق بالخالق وثيقة ويمارس الطقوس العبادية الأصيلة وفق ضوابط شرعية عالية الموثوقية؟.

ج95: ماجد الغرباوي: اتضحت آنفا مصادر العقيدة، أما تكون عقلية، ارتكازا لمبادئ عقلية وفلسفية. أو يكون مصدرها النص، فنقتصر عليه. وعندما نعود لهذه المصادر، نجد أن حدود الدليل العقلي والفلسفي إثبات خالق لهذا الكون، وما تبقى من مقولات عقدية مصدرها النص. وقد ذكر الكتاب ما يكفي لبيان عقائد الدين الإسلامي، وبيّن رأيه في جميع ما عداه من عقائد، كان الناس يدينون بها. فأسس لمائز عقدي، محوره التوحيد، واقتصار القداسة، بمعنى الارتفاع بالمقدس فوق النقد والمراجعة، على الخالق تعالى، باعتبار صفاته الذاتية التي تفرض قداسته.

الأهم من كل هذا أن العقيدة جزء مقوّم للدين، وتلعب دورا أساسا في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساس، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية. خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها إنعكاسات على الفرد وعلاقته الاجتماعية، إضافة إلى تأثيرها على مستقبل الجماعة ومعتنقي ذلك الدين، على جميع الأصعدة. فالعقائد التي تنظّر لقدسية شخصيات ورموز دينية أو تاريخية، وتفرض لهم صلاحيات وسلطات واسعة، ولم ينص الكتاب الكريم عليها، فإن تداعياتها لا تقف عند حدود العقيدة، وضوابطها القرآنية، بل تتعداها للشريعة، وأصول الدين وفروعه. ولكل استحقاقه والتزاماته، التي قد تكون باهظة جدا، وتعرّض جوهر الدين للتشويه والاحتكار، وتؤسس لقيم تجافي التسامح الديني، عندما ترفض الآخر، لمجرد عدم قناعته بمنطق الوصايا الجديد. فنحن أمام دين إلهي، له ضوابطه، وعندما تحدد الآية أصول العقيدة، وبيان مصاديق الاصطفاء، فإنها تؤسس لضابطة كلية، ينبغي الإلتزام بها دليلا على صدقية الإيمان، وأي تلاعب سيكون متهما قرآنيا، والاتهام يسلب العقيدة الموازية شرعيتها، فكيف يحتفظ بها تراثا، يرمز للدين والقيم الدينية؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8طارق الكنانيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الكاتب والأديب طارق الكناني.

 

س94: طارق الكناني: في كل الديانات القديمة وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتخم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات القديمة، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات.. وقد تكون هذه الأفكار والعقائد باعثا على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت، وهذه الأفكار نابعة بالتأكيد من الأساطير التاريخية التي تتراكم بفعل الزمن لتصبح عقائد راسخة لدى معتنقي هذه الديانات وهناك الكثير من هذه العقائد إذا أحببت أن أورد لك نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟

ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الكاتب والأديب القدير طارق الكناني، وشكرا لأسئلتك القيمة. جدير بالذكر أن الأخ الكناني، قد أجرى معي، قبل الشروع في هذا الحوار المفتوح، حوارين مفصّلين وطويلين، تمخضا عن صدور كتابين، الأول بعنوان: (رهانات السلطة في العراق.. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي). الذي صدر سنة 2017م، عن مؤسسة المثقف في سدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا. والثاني بعنوان: (مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني)، صدر مرتين عن مؤسسة المثقف ودار أمل الجديدة. الأولى سنة 2017م، والثانية عام 2018م. وقد سجل الأخير حضورا لافتا في معارض الكتاب التي شاركت فيها دار أمل الجديدة. وكلا الحوارين لم يُنشر على حلقات في صحيفة المثقف. فأهلا وسهلا به وهو يستأنف طرح أسئلته حول موضوع جديد.

تاريخية العقائد

إن تطور العقيدة بشكل عام، والعقيدة الدينية بشكل خاص، حقيقة تاريخية. وكذلك انشطارها وأفولها، بعد انهيار إرادة التحدي، وضعف مقوّمات الصمود أمام الإشكاليات المطروحة. ويكفي مراجعة كتب المِلل والنِحل وكتب العقائد والفِرق للتعرّف على تاريخ نشوء وتطور العقائد الحية، فضلا عن العقائد التي اندثرت أو بادت، لأسباب بعضها ذاتي يرتبط بذات العقيدة، وقدرتها على تقديم إجابات كافية للأسئلة الوجودية المتجددة. ومدى تدفقها الروحي بما يُطفئ ظمأ الروح، وربط معتنقيها بها. والسبب الآخر خارجي، كالعنف والقمع والتهميش ومنطق التكفير. أو أنها تندحر أمام زخم الوعي، وظهور مناهج عقلية وفلسفية مناوئة للميتافيزيقيا واللامعقول، خاصة اللامعقول الديني.

وأما العقائد الموازية، فتارة تترشح عن العقيدة الأم، حينما تتبنى أصولها، وتضيف ما يخدم هدفها وتطلعاتها، وهو دَيدَن ما ظهر بعد وفاة النبي من عقائد، تشمل أغلب الفِرق والمذاهب. أو أنها تستقل بجذر عقدي مغاير لا ينتمي للعقيدة الأم، كأن تنهل من عقائد ما قبل أو بعد ظهور الأديان، أو تعود لأساطير قديمة، فتقع خارج حدود العقيدة الأم، مهما كانت مساحات الإلتقاء، كما بين الإسلام وأهل الكتاب، فثمة أفق للتوافق العقدي، كالأصل الإلهي للأديان. وفي جميع الحالات ثمة أسباب ودوافع، تكشف عن أهدافها، ودوافع ظهورها أو تطورها. إذ لعبت عوامل شتى، خاصة السياسة وصراع السلطة دورا خطيرا في ظهور عقائد موازية. تبدأ بتأسيس أصول، تكتسب شرعيتها من العقيدة الأم، عبر مجموعة تأويلات ومقولات كلامية ونصوص منحولة، من أجل تحقيق أهدافها بعيدا عن الريبة والشك.

بشكل عام، العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها. ويمكن في هذا الصدد مراجعة عَملين مهمين، للاطلاع على تاريخ العقائد والأفكار، الأول: "تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية"، تأليف: "ميرسيا الياد"، (3) أجزاء، وهو كتاب مرجعي مهم ضمن اختصاصه. والثاني خاص بالعقيدة الشيعية، وهو كتاب: "د. مدرسي طباطبائي"، بعنوان: "تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى". وكلا الكتابين مترجم إلى اللغة العربية، ومتوفر في المكتبات.

القلق المصيري

لكي تكتمل الصورة حول أسباب تطور وتفاقم العقائد، خاصة الموازية، استدعي نصاً من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يقدم تفسيرا لبعض المظاهر والممارسات، خاصة الطقوس، باعتبارها تمظهرات للعقيدة، سواء كانت دينية أو غيرها:

(أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وظمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاتها، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، والخوف من مآلات الآخرة، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذّى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة أساسا على العدل ومجازاة الإنسان على عمله وسلوكه. ومعاقبة المفسد، والظالم لحقوق الناس، ومن يسعى في الأرض فسادا هدفه إحقاق الحق بالعدل، وليس انتقاما. فالله غني عن العالمين، ولا يضره شيء، وحينما تعبّر الآية بالانتقام فتقصد الانتقام للعدل وليس انتقاما شخصيا، وهكذا بالنسبة لمضاعفة العقاب، وأحباط الأعمال، جميعها قائم وفق ميزان العدل وإحقاق الحق. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية دفعا لغضبها وانتقامها، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآله. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد مضمراته. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية)(كتاب: النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني).

أطر العلاقة

نعود للسؤال: (السؤال هو: هل تؤثر هذه العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ ومدى هذا التأثير؟ وهل هذا التأثير سلبي أم إيجابي؟ أي بمعنى هل يساهم في ترسيخ العقيدة أم يكون عامل نفور منها؟).        

لا شك أن العقيدة إطار نظري للإيمان، بينهما تأثير متبادل، وفق علاقة جدلية. يساهم كلاهما بمقومات وجودهما. فتطور التجربة الإيمانية يتطلب استجابة عقدية، ترسم ملامح إطار نظري يبرر تجلياتها، مادامت ضربا من الهيام الروحي، بفعل خصوبة الخيال، وقدرة النفس على التحليق، في أجواء غيبية ومثيولوجية. وأيضا عندما تتطور العقيدة نظريا تستدعي تطور التجربة الإيمانية. والتطور المقصود في كليهما نسبي، مهما كانت تمظهراته وحدوده، فتارة تكون التجربة الروحية بسيطة جدا، ليس لها تجليات واضحة، غير أنها تؤكد ذاتها عند الصدمات النفسية.

ولا تقف تأثيرات العقيدة عند حدود التجربة الإيمانية والروحية، بل أن (العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).(مدارات عقائدية ساخنة)

ما أريد قوله، أن جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حدَ التشوّه والانحراف أحيانا. لأنها شرط لقوام التجربة الدينية، ومن ثم تؤكدها الطقوس والممارسات الروحية. كما أن مفهوم الدين شامل للعقيدة والشريعة، وكل تشريع يترشح عن مفهوم عقدي جزئي، ينتظم ضمن النسق العقدي العام. فالإتيان بالصلاة مثلا، يترشح عن مفهوم الصلاة، وما يترتب عليها من آثار. وهذا هو المفهوم العقدي الجزئي، وعندما ترتبط الصلاة بالله، تنتظم ضمن وجوب طاعة الخالق، ومن ثم تندرج ضمن النسق العقدي العام، المتضمن لمفهوم الخالق، وقدرته وعظمته إلى غير ذلك من صفاته، إضافة إلى مفهوم الإنسان والحياة والآخرة والخير والشر.

إن مركزية الدين في حياة الناس، وقدرته على توجيه الوعي ضمن استراتيجيته، دفع باتجاه توظيفه سياسيا وطائفيا، باعتباره  سلطة مقدسة، تستحوذ على مشاعر الفرد، وتحول دون تمرّده، فكان هذا أحد أسباب تطور العقائد أو نشوء عقائد موازية. وأيضا اضطرت الأطراف المتصارعة على السلطة إلى توظيف الديني لصالح أهدافها السياسية، فقامت بتأصيل عقائد، تعتمد التأويل والروايات المنحولة والمقولات الكلامية، لتثبيت أسس المذهب السياسي – الديني. وطبيعة العقيدة، فيها مفاهيم عصية على التطويع، كالمفاهيم المطلقة التي يمكن الاستدلال عليها برهانيا، ويستحيل نفيها. وأخرى مفاهيم نسبية، لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، فيمكن تأويلها، وإعادة انتاجها بما يخدم الهدف الأساس من تأصيلها كلاميا. بل أن العقائد المبتدعة جاءت استجابة للوسط الثقافي والبيئة الاجتماعية، فهي إعادة انتاج وفق مصالح محددة. وبالتالي فإن الِنحل والمذاهب والفرق، وتعدد العقائد والأفكار، سمة ملازمة لتاريخ الأديان، الذي هو سلسلة تقلبات عقائدية، وانحرافات دينية، يشهد لذلك تعدد الأنبياء والرسل، وتأكيد اللاحق على انحراف الأمم السابقة، واستغلال الدين لصالح الملأ وأرباب السلطات القبلية، وهكذا فعلت الملوك في العصور الأولى. 

وحينئذٍ عندما ننتقل للعقائد الدينية، ونعيد السؤال:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق33) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب وراء تراكم الأحكام الشرعية واتساع سلطة الفقيه. منها سياسي، كالأحكام السلطانية، التي هي اجتهادات فقهية، ومسائل مستحدثة في شؤون السلطة والحكم، بعد قيام دولة الخلافة، واتساع رقعتها. والآخر يرتبط بفهم الدين ودور الإنسان في الحياة، في إطار مرجعيات عقدية، تضاعفت بفعل صراع السلطة واستلاب الوعي والفهم المبتسر للدين والإنسان، وفقا لنظرية العبودية. حتى غدت فتاوى الفقيه، بعد تنقيح قاعدة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، كالشريعة وضرورات الدين، مقياسا لشرعية سلوك الفرد والمجتمع، وأساسا لصدق مفهوم الانحراف والردة وربما الكفر. والقاعدة لم يصرّح بها الكتاب الكريم، غير أنها تملي قناعاتها من وحي الحاكمية الإلهية التي تقتضي شمول الدين لجميع مناحي الحياة، لذا رفعت الحركات الإسلامية الثورية شعار "الحل في الإسلام"، أو "الحل في القرآن". وهي شعارات مواربة ناقشتها تفصيلا في كتاب تحديات العنف. إذ تجلت الإرادة التشريعة في أحكام الشريعة، وتفصيلاتها النبوية، لاختصاص التشريع بالله، وعدم جعل ولاية تشريعية صراحة لغيره مطلقا، ليؤكد حرية الإنسان في منطقة الفراغ التشريعي، ارتكازا لأصل البراءة عند الشك بأي تكليف. والحرية هنا لا تعني فوضى التشريع، بل ترتهن لمصالح الفرد والمجتمع وفق ضوابط ومحددات. وهذه رؤية إسلامية – قرآنية متزنة، غير أن مبدأ الحاكمية الذي استغلته الحركات الإسلامية، وقبلها قاعدة ما من واقعة إلا ولله فيها حكم التي تأسست على ذات الفهم للحاكمية الإلهية وشمول التشريع، حصرت التشريع بالشريعة، وأفتت بعدم شرعية أي تشريع وضعي، مهما كان موضوعيا، ما لم يكن في إطار الشريعة. ولما كانت أحكامها محدودة، إرتهن التشريع لرأي الفقيه، باعتباره المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادره.

ثم أن ضمان عدم انحراف الفرد دينيا وأخلاقيا، وإكراهات الحكم، التي تستدعي قمع المعارضة، وضبط سلوك الفرد، وضمان عدم تمرّده، كانت هي الأخرى وراء تراكم الأحكام، إذ ليس كالفتوى أداة قادرة على ضبط السلوك العام. وهذا أحد مبررات تأسيس قواعد أصولية، وقواعد عقلية كلية، تساهم في ملء الفراغ التشريعي، والإجابة على المسائل المستحدثة، فارتفع الفقه إلى مستوى الشريعة في قدسيتها، وصار الفقيه في الوعي الجمعي يماثل المشرّع / الله في صلاحياته وقدسيته وسلطته، يقتصر الموقف منه على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والمعارضة. نفهم من هذا أن مبرر هيمنة الفقيه هو ارتفاع الفقه إلى مستوى الشريعة، لا فقط حراسة الدين وحمايته، رغم تفاوتهما، مما يسمح نسبته إلى الله، وبالتالي يحلّ الفقيه محل الله. فسلطة الفقيه إذاً مرتهنة لمقوماتها، علما أن الاجتهاد بمعنى الملكة والقدرة على استنباط الحكم الشرعي، تختلف عن سلطة الفقيه، التي تعني الولاية والقيمومة المباشرة، حينما يدعي ولايته، كما بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه. أو غير مباشرة باعتباره مصدرا للإفتاء، والمسؤول عن تحديد الموقف الشرعي من القضايا المطروحة. وهنا تكمن سلطته وهيمنته، التي نطمح لتفكيكها، وإعادة تشكيل الوعي، بما يتناسب مع الاجتهاد، كعملية عقلية متاحة لكل من يملك شروطها، تهدف إلى استنباط الحكم الشرعي، بعيدا عن الهيمنة والقداسة. فهدفنا نقد الهيمنة باسم الدين والتشريع، وإتاحة الفرصة للوعي ليعيد اكتشاف نفسه، ويحدد مسؤولياته تجاه حياته ومستقبله. أما تلك المقومات فهي:

1- قدسية الاجتهاد:

الاجتهاد ملكة طارئة، يتوقف عليها صدق مفهومه. وهو صنعة ومنهج عقلي متاح، ضمن شروطه وأدواته. غير أن أسطرة المفهوم، وارتباطه بالفقه، وحاجة الناس للفقيه، سيما السلطة، أحاطت بالمجتهد هالة قدسية، سلبت عملية الاجتهاد بشريتها، ونَسَبَتها إلى الله وتوفيقاته، مما يشي باستحالة الاجتهاد بعيدا عن الإرادة أو الرعاية الإلهية. ليس قصدهم من "توفيق الله" ما يترتب عليه من إمكانية إستنباط الحكم، بل خصوصية الاصطفاء. فكأن المجتهد يؤكد اصطفاءه عندما يبرهن على اجتهاده. وهو مرادف للقداسة والتبجيل، الذي ترفعه فوق النقد والمراجعة، وتحرّم الرد عليه والتمرّد على فتاواه، بغض النظر عما تضمر من أهداف سياسية وأيديولوجية.

إن الاجتهاد، عملية ممكنة بحد ذاتها لمن يملك أدواته، ويتقن فهم النص، سواء ارتدى أو لم يرتدِ زي العلم الديني والكهنوتي. وهو صِنعة، وحِرفة ومِهنة، وقدرة على ممارسة الاستنباط، وفق شروطه، بأن يكون عارفا باللغة، والبلاغة، والإعجاز، وخبرة كافية بالتراث الحديثي ورجاله، وتاريخ الرواة، والمقارنة بين الآراء، وإمكانية فهم النص الديني. إضافة الى تمكنه أصوليا، شريطة أن يكون له رأي مستقل يمكّنه من توظيفه في عملية استنباط الحكم الشرعي. كأن يكون ذا رأي في خبر الآحاد، ومدى حجيته؟ وكيف يثبت حجية الظهور. وما هو الفرق بين الأدلة. وهل للشرط مفهوم أم لا؟ وما الأصل الأولي في حالات الشك: البراءة العقلية أم أصالة الاشتغال؟ وما هو المنهج في رفع التعارض بين الروايات. وهكذا في كل مفردة من مفردات الأصول. مما يؤكد حاجته للبحث والدراسة والتحصيل، كشرط لملكة الاجتهاد والقدرة على استنباط الأحكام، بعيدا عن أي سبب مثيولوجي. فالاجتهاد مَلكة كأية مَلكة مهنية يتوقف إكتسابها على وجود مهارة وتخصص في موضوعها. لا أنفي توفيق الله ورعايته فهما يحيطان بالمؤمنين، لكن الاجتهاد منهج علمي، يتوقف على ضبط أدواته. لكنه اكتسب قدسية موضوعه، أي فقه الشريعة، الذي يصفه جميع الفقهاء عبر التاريخ بأنه أشرف العلوم، وأقدسها!!. ولا يخفى إن الدفاع عن قدسية الفقه، دفاع عن مكانة الفقيه. فالفصل بيهنما يساعد على نقد الفقيه، وما عاد الفقه بعد تطور العلوم أشرف العلوم. الإنسان غاية الخلق، والشريعة جاءت لخدمته، لا لاستعباده. فلا قدسية للفقيه من هذه الجهة بالذات. كما لا معنى لقداسة الفقه، مادام وجهات نظر اجتهادية – شخصية، يشهد لذلك اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة. قداسة الفقيه صناعة أيديولوجية، ولعبة سياسية، تدفع باتجاه تضليل الوعي عبر مفاهيم دينية مرنة.

2- فهم النص الديني:

يوحي المجتهد باحتكاره الحقيقة التي تستلزم قداسته في الوعي الجمعي، عندما يدعي احتكار فهم النص بدعوى قدسية أدواته، أو تقمص الاصطفاء والانتساب للإلهام الإلهي والغيبي، ليقطع الطريق على من سواه: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وهذا مقوّم ثانٍ قد يفوق الأول، حينما يرمي الآخر بالانحراف أو الردة وربما الكفر. ويتجلى بوضوح في تفسير الآيات المتصارع حول مصاديقها مذهبيا وطائفيا. وهو أوضح مصاديق احتكار فهم النص، وتوظيفه أيديولوجيا. وبالتالي أي محاولة لتقديم فهم مختلف بعيدا عن المذاهب والنظرة الضيقة للنص، يخلخل سلطة الفقيه وقدسيته.

لا يمكن للفقيه أو لغيره احتكار فهم النص، ويبقى متاحا للقراءة، والفهم، متأثرة - أي القراءة - بقبليات القارئ وثقافته. بل أجد أن قراءة الفقيه محكومة بخلفيته العقائدية، حدا يتعذر عليه التجرّد والموضوعية، إلا في إطارها. بمعنى أدق أن قراءته وفهمه للنص مرتهنان لسلطة قبلياته، مهما إدعى الموضوعية والتجرّد. فقراءته قراءة منغلقة على رؤية واحدة. وسواء احتكر فهم النص أو لم يحتكره، فإنها عقيمة غير منتجة، سوى ما تمليه قبلياته المذهبية والعقدية عليه. وربما قراءة غيره أكثر موضوعية وانفتاحا، خاصة عندما يوظّف مناهج العلوم الإنسانية في فهم النص، خلافا للفقيه الذي يتمسك بأدواته، ويستميت في تقديسها، كي تحق ما يصبو له طائفيا.

3- الثقافة:

إضافة للسببين السابقين، نضيف "الثقافة" سببا ثالثا وراء الخطاب المثيولوجي الملازم لمفهوم الفقه  والفقيه. إذ تتولى الثقافة دائما إعادة  تشكيل الوعي بالفقيه وسلطته، بفعل وعي، يختلط فيه الوهم بالحقيقة، والواقع بالخيال. ويلتبس المقدّس بغيره. فالعقل الجمعي، تحت دواعٍ شتى يدفع باتجاه أسطرة الفقيه، وربط مقامه وقدراته بالإرادة الإلهية: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، من خلال مماثلة مقصودة بين رسالة الأنبياء ورسالة الفقهاء. وإسقاط الفارق النوعي بين الرسول والفقيه، بين الإلهي والبشري. كنوع من تزوير الوعي، يساعد على إعادة تشكيل مفهوم الفقيه وحدود سلطته. وعليه تفكيك الأنساق الثقافية للمجتمع ضرورة تزامنا مع نقد العقل الفقهي. فلا يكفي خلخلة قداسته، ما لم تتول الثقافة استبدال زاوية النظر، ويكتشف الفرد حدوده، بمعزل عن ولايته وهيمنته. وهذا يعني أولا نقد قدسية عقائده ومرجعياته ومنهجه وما يرتكز له من أدوات ومبانٍ. وهي أهم وأخطر مهمة على صعيد تحرير العقل، واستعادة وعيه وحريته كمقدمة لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة.

نقد العقل الفقهي

 من هنا ندرك  أن نقد العقل الفقيه، ونقد المباني التي يقوم عليها منهج استنباط الأحكام الشرعية يساعد في إعادة تشكيل العقل الديني المرتهن في حريته لا للفقيه فقط، بل لقداسته، ومنزلته التي يضفيها المخيال الديني. فنقد مثالية الفقيه، تحرير للوعي من سلطته، واستعادة الفرد لإرادته، ليكون بمستوى الخلافة الربانية، يتحمل مسؤوليته بنفسه. خاصة أن المنطق القرآني ضد تراكم الأحكام الشرعية، عندما أكتفى ببيان ما يراه مناسبا، وأناط بعضها بالواقع وضروراته، ولم يتجاهل إكراهات الزمان والمكان. وحذّر من التمادي بالسؤال، كي لا ترتهن إرادة الشخص لغيره، حتى وإن كانت أحكاما شرعية، وهي نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون بفعل التراث وسطوته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). وفي رواية عن الرسول يقول: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم [كثرة] سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

وبالتالي باستثناء الثابت من الأحكام الشرعية الواردة في كتاب الله، وما صدر عن الرسول من شرح وبيان وتفصيل لبعضها، يحتاج الباقي إلى دليل قطعي السند والدلالة، يبرر شرعية إلتزام الناس بفتاوى الفقيه. إذ الفرد لا يميز بين الحكم الوارد في القرآن وفتوى المجتهد، كلاهما بالنسبة له منجّز ومعذّر، تترتب عليهما ذات النتائج، إلتزاما وعصيانا. وهذه إحدى خيبات الوعي، عندما تولى الخطاب الديني تسويق صورة متعالية للفقه الإسلامي، استدعت تجريده من تاريخيته، وتقديمه امتدادا للشريعة، أو توسيعا لدائرتها، دون الإشارة للجهد البشري المبذول من قبل المجتهد، في عملية استنباط الأحكام الشرعية القائمة، في حالة عدم وجود دليل لفظي قطعي السند والدلالة، على قواعد وأصول عقلية واجتهادية ترتهن شرعيتها لدليلها، ومدى قدرته على مقاومة النقد العلمي، للتوفر على قواعد كلية شرطا لمنهج استنباط الأحكام الشرعية، القائم على وجود كبرى القياس المنطقي. من هنا يجب فرز الإلهي عن البشري، لتفادي التباس الشريعة بالفقه، والحد من تداخل المقدّس بالمدّنس، فثمة تزوير للحقائق، واستبعاد الوعي عن معاينة الواقع، عبر انتسابه للشريعة أو توحيدهما، فتجد مألوفا جدا وضع عنوان الشريعة على كتب الفقه، وفتاوى الفقهاء، مثل: مصباح الشريعة، فقه الشريعة. بشكل يوحي أنه يتلو أحكام الشريعة بواسطة الفقيه، وليس رؤيته الاجتهادية، وكأنه وسيط في نقل وبيان الحكم الشرعي وليس استنباطه والاستدلال عليه، الذي يمثل وجهة نظره. خاصة المسائل المستحدثة، التي لم تتطرق لها الشريعة، وليست من مصاديق أحكامها.

مقدمات الاجتهاد

قد يوحي مفهوم الاجتهاد بموضوعيته وحياديته، باعتباره منهجا عقليا، غير أن مقدماته ومرجعياته بل حتى منهجه، يتأثر لا شعوريا بجميع الظروف المحيطة بالفقيه، إضافة إلى قبلياته وعقيدته، وتوجّهاته السياسية وانتمائه. وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة وطريقة التفكير. وقبليات الفرد سلطة موجهة، تجد هذا واضحا في الاستدلال على المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، خاصة السُنة والشيعة. إذ كلاهما يستدل من وحي قبلياته العقدية والمذهبية، ويسعى لتفنيد الرأي الآخر. أو أن يفنّد الرأي المقابل ليؤكد صحة رأيه، فيهدران موضوعية البحث، ويعتقدان أنهما على صواب، وغيرهما على خطأ، خاصة مع تقديسهما لمرجعياتهما العلمية. وربَّ ما يلي يغني الفكرة:

لما كان عمل الفقيه محصورا في دائرة النص، فإن سياق تطوره وتاريخيته هو النص وليس خارجه. ومقاربة النص بعيدا عنه ومعه يكشف فارق القراءة، ومدى شرعيتها. وهذا يتطلب الاقتراب نفسيا من الفقيه والواقع التاريخي الذي تشكلت فيه قبلياته. لتحديد دورها في استنطاق النصوص. فعندما نقارن بين النصوص الأولى والنصوص الثانوية، نجد أن النصوص الأولية لا تنطق بما ينطق به الفقيه، باستثناء الآيات المحكمة والروايات النبوية ذات الجذر القرآني: "الشارحة والمفصلة والمبيّنة". فكيف تسنى للفقيه استنطاقها؟ ما هي أدواته؟ كيف تمكن من توظيف اللغة والقواعد الأصولية؟ وقبل ذلك ما هي شرعية أدواته في عملية استباط الأحكام الشرعية؟ وكيف اختلفت الآراء حول بعض الآيات، كآية التطهير مثالا لا حصرا. أو آية الخمس، وخصوص أرباح المكاسب، وبعض آيات الإرث، إذا كانت أدواته عقلية، يقرها العقل النظري؟.

لا شك أن القارئ يشارك النص في فهمه، فتختلف مداليله من شخص إلى آخر تبعاً لقبلياته وثقافته ويقينياته ونهائياته. وهكذا عندما يستنبط الفقيه حكما شرعيا أو يفتى في قضية مستحدثة، يتأثر لا شعوريا بقبلياته، بدأ من فهمه لحيثيات الموضوع، وتاريخ المسألة حتى تداعيات أو تأثيرات الحكم أو الفتوى، مرورا بفهمه واستنطاقه للأدلة الشرعية التي ارتكز لها، إضافة لكيفية توظيف أدواته واختيار منهجه، مما يفقد البحث الفقهي موضوعيته، بل لا يمكن تصورها في بعض التشريعات الفقهية، في ظل اختلاف جذر في جملة قضايا عقدية ومذهبية مفصلية. فنقد العقل الفقهي، وتفكيك مكوناته يتيح تشخيص حقيقته. إذ أن آراء الفقيه الذي يؤمن أن الإمامة شورى تختلف عمن يؤمن آنها نص وتنصيب من قبل الخالق. وكل منهما يقدم فهما  للآيات والأحاديث المرتبطة بها وفقا ليقينياته. وبما أن مسألة الإمامة والخلافة مسألة تاريخية، تبلورت من خلال سياق أحداث السقيفة وما تلاها، فلايمكنها اكتساب شرعية تضاهي شرعية النص القرآني، فكيف تكون يقينية يرتّب عليها الفقيه أحكاما وفتاوى؟ هذا مجرد مثال بسيط، لمعرفة زيف التنظير الفقهي في بعض الموارد.

أو بالنسبة للأحكام الشرعية، فيما إذا استدل الفقيه على حرمة الغناء بآية (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) بمعزل عن الروايات، فإنه يعمم مفهوم اللغو على الغناء، فينطلق من قضية نفسية يعتبرها يقينية يفتى وفقها، فثمة من لا يعتبر الغناء لهوا بل غذاء للروح وترفيها عن متاعبها. ولا يوجد اتفاق نهائي حول مصاديق اللغو، وشمول الغناء به. كما أن اللغو قد يصدق على غير الغناء فهل يُحكم بحرمته؟. إن القبليات النفسية للفقيه هي التي أسست ليقينيات راحت تتحكم بوعيه وفهمه للنص. فالآية الكريمة لم تصرّح بالغناء مستقلا أو كمصداق للغو، ولا يمكن للغة وحدها أن تفعل ذلك، لكن تم استنطاق الآية وتقويلها ما لم تقل، وفقا لقبليات الفقيه ومرامي تحريماته.

ربما فتوى التحريم جاءت موقفا رافضا لسلوك الفسق والمجون وهتك الحرمات، وما فيها من إسراف ولهو وتبذير، فتكون رادعا دينيا لسلوكهم المشين، ومقوّما للإنحراف من منطلق أخلاقي، وهذا يجعل منها فتوى مشروعة. لولا إقحام الفقه في مازق فقدان الدليل الشرعي الصريح. وكان بإمكان الفقيه أن يتخذ موقفا أخلاقيا، ويكون ملزما أخلاقيا، من باب الشعور بالمسؤولية، دون الوقوع في مأزق شرعنة الأخلاق. والتمادي في الفتاوى. فالأخلاق أساس المجتمع حتى قبل بعثتة الأنبياء، وأحد مهام النبي (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، غير أن الحكم الشرعي شيء آخر. وربما كانت فتوى تحريم الغناء في حينها مؤقفا سياسيا، لفضح سلوك السلطة وهتك حرمتها، فتكون مرتهنة لظرفها، فلماذا تعمم رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية؟.

وأخيرا، إن قدسية الفقيه تأتي من رمزيته وانتسابه، فارتفع به الخطاب الديني الموغل بالخرافة والتقديس، فوق النقد والمراجعة، واعتبرت سلطة نهائية، تستمد شرعيتها من العناية الإلهية، لا من مؤهلاته العلمية.  من هنا تتضح أهمية النقد، ومن هنا نفهم أيضا أن قدسية الفقيه وسلطته مرتهنة لمقوماتها،  ولا يخفى هشاشتها، وعدم قدرتها على الصمود أمام النقد الموضوعي. فهي قداسة مصطنعة، ساعدت على تركيزها، أسوار القداسة، ومساحة المحرمات والغموض التي يتولى خطاب سلطة الفقه تسويقها. 

جدير بالذكر أن المرجعيات الدينية العليا موضوع مختلف، في أسباب نشوئها، وعوامل تكوينها. إضافة إلى حدود قدسيتها وضروراتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وقد تناولتها تفصيلا في كتاب: مدارات عقائدية ساخنة.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق32) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

الحاجة إلى الفقيه

س93: مهدي الصافي: هل يمكن للمجتمعات الإسلامية الاستغناء عن الفقيه رسميا، ويبقى ضرورة روحية ومعنوية؟. لا أقصد بكلمة (رسميا) أن تكون  له صلة بالدولة، رغم أن بعضهم يحمل هذه الصفة. أقصد أن يحتفظ بقدرته على الافتاء والتأثير في المجتمع، وقد تقتضي الحاجة العودة إليه. لأن الفتوى أحيانا أقوى من سلطة الدولة.

والسبب أن العديد من الفتاوى التي يقال عنها بالمستجدات عندنا والتي هي أحد أهم الحجج المطروحة على أنها توجب وجود الفقيه والإمام في كل زمان ومكان أصبحت جزءا من منظومة القيم الغربية التي دخلت في عمل السلطات التنظيمية والتنفيذية مع أنهم ليسوا مسلمين،  كالعدالة الاجتماعية، الحقوق العامة، الالتزام بالقوانين الاجتماعية، حقوق النساء والايتام، والتشدد قضائيا مع جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والاعتداءات والايذاء الخ.

وهذه القيم جاءت بعد تجارب فكرية وفلسفية عميقة لم يكن للفقيه أو رجل الكنيسة دور فيه.. السؤال مرة أخرى هل يمكن أن يستغنى المجتمع الإسلامي عن المفتي أو الفقيه في ظل دولة مدنية؟.

ج: ماجد الغرباوي: ثمة فارق بين الديني والوضعي على صعيد التشريع، سواء تطابقت النتائج خارجا أم اختلفت. سببه اختلاف جوهري بين: المرجعيات، الملاكات، ومصادر الشرعية.

الثاني لا يعترف بوجود مرجعيات مقدّسة، سوى القوانين الأساسية والدستور. ويستمد شرعيته من ذات المرجعيات ومن شعبه، مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر المجالس النيابية، باستثناء الأنظمة الشمولية والاستبدادية التي تشرّع وفقا لمصالحها الأيديولوجية والسلطوية. وتبقى المصلحة العليا تمام ملاك تشريعاته وقراراته مهما بَعُدت عن الدين، والأخلاق، كشرعنة زواج المثليين.

 بينما يرتكز الفقيه لمرجعيات دينية، يعتقد أنها مستوفية لملاكاتها، باعتبار قدسية مصادرها. منها يستمد أحكامه وشرعيته: (القرآن، السنة، العقل، الاجماع إضافة لمجموعة قواعد أصولية). لذا تبقى آية (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) بنظر الفقه التقليدي مطلقة، لا تتأثر بالواقع وضروراته.

 فالفارق إذاً بين الاتجاهين جوهري، هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، بين المقدس والمدنس، بين السماوي والأرضي. فلا شرعية بنظر الديني لأي معالجة وضعية كالمعاملات البنكية.وتسوية حقوق المرأة والإرث، وحقوق الإنسان وغيرها. إذ ليس المطلوب حلولا كيفما كانت، بل حلولا منبثقة عن الشريعة الإسلامية. وبالتالي، ما دامت هناك مسائل مستحدثة فهناك حاجة للفقيه. ومادام "الإسلام شامل كامل لجميع مناحي الحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم" كما يقولون، لا تنقطع الحاجة للفقيه.

هذه هي النظرة السائدة، نظرة إجلال وتقديس مبالغ فيها. لذا حتى المذاهب السُنية التي أغلقت باب الاجتهاد تمارسه في القضايا المستحدثة. الفقيه بالنسبة للمجتمع المسلم ضرورة دينية، لا يقتصر وجوده على الإفتاء. خاصة الشيعة التي يمارس فيها الفقيه / المرجع دور القيادة والنيابة عن الإمام المعصوم. فهناك مهمة قيادية إضافة إلى مهمته الفقهية. بغض النظر عن المسار التاريخي لتكوين الفقيه.

وهذا النوع من الوعي ينتمي لنظرية العبودية، حيث تصبح الفتوى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في مجتمع مستلب، كما مرَّ تفصيله. والتحرر من هذه الرؤية يتطلب مراجعة نقدية صارمة، ثم تبني نظرية الخلافة التي طالما نوهّنا بها، وتم تبنيها في هذه البحوث، التي هي نظرية قرآنية وإنسانية، تضع الفرد دائما أمام مسؤولياته مباشرة، بعيدا عن أية ولاية لفقيه أو سياسي. بل وتحريره من كل سلطة فوقية، كي يتاح له ممارسة حريته. والارتكاز إلى ملاكات الأحكام في فهم فعلية وعدم فعليتها، ليعرف حدود الشريعة، وما هو مناط بالفرد ومصلحته العليا فعلا، بشكل يدور الحكم مدارها. وقد لا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وقد مرَّ تفصيلها.

ونخلص لا يمكن الاستغناء عن الفقيه وفقا لنظرية العبودية، لكن وجوده وفقا لنظرية الخلافة مرتهن لوظيفته، التي هي مرتهنة بدورها لوجود فراغ تشريعي يناط به ملؤه. من هنا نجد من المناسب العودة إلى الوراء لفحص الأدلة، ومدى سعة الشريعة، وحدودها، كي نحدد بالضبط ما هي وظيفة الفقيه، ومتى يكون ضرورة، ومتى يمكن الاستغناء عنه؟.

الفقيه والفتوى

بوفاة الرسول انتهى عصر التشريع، إلا على مبنى العقيدة الشيعية التي امتد عندهم عصره حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر، ولهم أدلتهم. لكن التشريع قرآنيا قد انتهى واكتمل الدين بموجب قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). ثم غدا كتاب الله وسيرة نبيه مرجعية لمعرفة الأحكام الشرعية، تخللتها بشكل تدريجي بعض الآراء الاجتهادية. ومع تجدد الحاجة للفتوى بناء على مرونة الشريعة وقدرتها على تلبية الحاجات الفعلية للفرد والمجتمع، وفق "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، بدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية. ففتاوى الفقهاء وجهات نظر اجتهادية، ليست ملزمة باستثناء مَن ألزم نفسه بها (المقلّد). وهي تعبير آخر عن فهمه للدليل اللفظي وفقا لقبلياته وأدواته ومهاراته الاجتهادية. أو إرتكازا لقواعد اجتهادية،  تتعرف إصطلاحا بالأصول العملية، يوظّفها الفقيه لتحديد الموقف العملي من الأحكام المشكوكة.

إن مقتضى مقدمات الحكمة أن ما شرّعه الله تعالى من أحكام قد تضمّنها الكتاب الكريم، وهو القدر المتيقن من الأحكام الشرعية الملزمة. ولا يمكنه من باب العدل الإلهي أن يحاسب الناس على أحكام لم يشرّعها (قبح العقاب بلا بيان). ولم يجعل لأحد صراحة ولاية تشريعية، بل وأكد كمال الدين الشامل للعقيدة والشريعة. فمن أين جاءت ما من واقعة إلا لله فيها حكم؟ قد يكون واقعا في علمه تعالى هكذا، لكنه لم يشرّع سوى ما تضمّنه الكتاب الكريم. وهذا القدر حجة، لشموله بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). فنبقى بانتظار فقيه يقدّم لنا قراءة جديدة للدين وآيات الأحكام، تَفقَه ُالكتاب والسيرة النبوية ضمن شرطهما التاريخي. قراءة شجاعة تأخذ بنظر الاعتبار فلسفة التشريع وتاريخ الأحكام، كي نلحق بركب الحضارة وننفض عنا غبار التخلف، كل ذلك في إطار مقاصد الشريعة وغاياتها، بعد تأسيس منهج جديد لتوثيق الروايات، ووضع قواعد أصولية تحقق أكبر قدر من اليسر والانفتاح.

الفقيه وفقا لما تقدم، سوف لن يبقى بلا دور، فعمله الأساس هو تبليغ رسالات السماء، وبيان الأحكام للناس، وتعليمهم من الحكمة ما لا يعلمون. وأما في مجال التشريع، فالواقع متجدد، ومتغيّر، وملاكات الأحكام واضحة بينة، ومقاصد الشريعة يمكن إدراكها. فلا تنقطع مهمته الفقهية تماما وثمة ما يمكنه فعله، كمايلي:

- تطبيق الأحكام الكلية على مصاديقها مراعاة للزمان والمكان.

- تطبيق القواعد الفقهية التي تم الاستدلال عليها قرآنيا أو بموجب ملاكات الأحكام الشرعية والعقلية. كقاعدتي: "لا ضرر"، :ونفي الحرج".

- تشخيص موضوعات الأحكام. لا يلزم من خبرته اختصاصه فيها، مع وجود الأكثر خبرة وتشخيصا، كالموضوعات التي تحتاج لخبرات علمية واختصاصات فنية. وأيضا لا موجب لاحتكاره حق التصرّف في الحقوق المالية الشرعية، بناء على خبرته، مع وجود من هو أكفأ منه.

- الافتاء بما دل الدليل عليه وفقا للأصول العملية كالبراءة العقلية والشرعية الموافقة للأصل، والاستصحاب باعتباره يقينا سابقا وشكا لاحقا. وأما باقي الأصول العملية فلا يمكن الركون لها باطمئنان كاف، كحجية خبر الآحاد وحجية الظهور وغيرهما. وهكذا الحال بالنسبة للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة. لكن نؤكد: لا يشترط أن يكون للفقيه رأي في كل مسألة حياتية، ويمكن الاستغناء عنه بأحكام الشريعة الثابتة قرآنيا، وتفصيلاته في السنة النبوية، كي لا تُصادر حرية الإنسان لصالح تشريعاته وفتاواه. بعبارة أدق، إن أحكام الشريعة هي القدر المتيقن في التشريع، ومازاد عليها كما هو الحال الآن، فإما أن يكون بيانا وتفصيلا من النبي، أو فتاوى فقهية مرتهنة لدليلها، لذا تختلف من فقيه إلى آخر، ولو جزئيا. فمثلا، يختلف الإفتاء وفقا لمبدأ أو مسلك (حق الطاعة) عن مبدأ (قبح العقاب بلا بيان)، كأصل عقلي أولي. الأول يرى وجوب مراعاة حق الطاعة للمولى الحقيقي حتى في التكاليف المحتملة، فضلا عن التكاليف المشكوكة والمظنونة. فيجب عليك إتيانها أو اجتنابها، ما لم تُرفع عنه اليد بدليل شرعي أو عقلي حجة، كالبراءتين العقلية والشرعية. بينما لا يرى المبدأ الثاني ذلك ما لم يتم البيان عليه بدليل شرعي، فالأصل عنده هو البراءة، وليس الاشتغال. وأيضا باقي الأصول الأخرى ومساحة اشتغالها، كالاستصحاب بأنواعه. وكل هذا يؤثر في نتيجة الاستنباط.

المسلك الأول يجعل من الفقيه ضرورة، يحتكر التشريع في منطقة الفراغ التشريعي، ومرجعية شرعية لضبط سلوك الفرد، وضمان تطابقه مع مراد الشريعة، التي تخضع لفهمه واجتهاده. فيغدو سلطة قاهرة، ربما تتعالى على الوقع، وتتأثر بعقيدته وأيديولوجيته واتجاهه السياسي. وهذا التفكير ينسجم مع البنية البطركية للمجتمعات المسلمة، فتسّلم له وتنقاد لإرادته، حداً تكون الجماهير رصيدا حقيقا له، وهو  خلاصة فهم أيديولوجي تراكمي.

إن أزمة الوعي في عجزه عن اكتشاف الدوافع الطائفية والمذهبية والأيديولوجية والسياسية المتخفّية وراء الديني والشرعي. أي خلف الإلهي، فيكتسب رأي الفقيه قدسية، تلغي تاريخيته وبشريته، وتسقط خصائصه الشخصية والنفسية وانتمائه العقائدي والاجتماعي والسياسي والطائفي. رغم أن الاختلاف بين المذاهب الإسلامية واضح، وهو أدل دليل على نفي قدسية الفتوى، خاصة بين المذهبين الشيعي والمذاهب الإسلامية. وتكفي مقولة (الرشد في خلافهم) التي تنسب للإمام الصادق، وهي مقولة متحيّزة، رغم تاريخيتها، غير أنها غدت مطلقة، مما يفقد الفقهاء مصداقيتهم.

لا شك أن الاجتهاد منهج في استنباط الأحكام الشرعية، فيوحي بالموضوعية والتجرّد، غير أن نقد أدواته ومرجعياته تفضح انحيازه لعقيدة الفقيه. فالرشد في خلافهم مبدأ عندما تتعارض الروايات: (فخذ ما خالف العامة، فإن الرشد في خلافهم). وهذا شاهد على الانحياز الأيديولوجي، فهو لم ينظر للرواية بما هي رواية، بل يسقطها عن المعارضة مادامت واردة عن العامة / السُنة. والغريب أن الرأي الشيعي يوافق إلا ما ندر من خصوصياته أحد المذاهب الأخرى، مما يؤكد أن مراد الصادق خصوص المذهب الحاكم. وإلا فالتطابق بين المذاهب الإسلامية أكثر من تسعين بالمئة، فكيف يكون الرشد في خلافهم. فهو إذاً لا يريد الإطلاق كما فهم ذلك جملة من فقهاء الشيعة. وأيضا على الضفة الأخرى، تسقط رواية الشيعي / الرافضي، بغض النظر عن مضمونها، ومدى انسجامها مع الكتاب والسنة. فالفقيه مطلق الفقيه، مرتهن لانتمائه الطائفي والعقدي، ويتأثر بتوجهاته السياسية، وهذا أحد أسباب تعارض الروايات.  

تداعيات تفاقم الفتوى

لقد دفعت مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وعدم كفاية الأحكام المنصوصة لوقائع الحياة، دفعت الفقيه للبحث عن مصادر جديدة لتشريع الأحكام. وكانت البداية مع توسعة دائرة الشريعة لتشمل مطلق سُنة النبي، ثم سُنة الصحابة (السنة) والأئمة (الشيعة)، من أجل التوفّر على (مثال) يفتي الفقيه على طبقه. كما أن مدرسة الرأي اعتمدت الاجتهاد أو رأي الفقيه دليلا على الحكم، في حالة فقدانه. ثم قالوا بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

وقد أنكرت المدرسة الشيعية تلك الأدلة، واكتفت بالكتاب والسنة، الشاملة لسنة الأئمة، دليلا على الحكم الشرعي. وأسست لقواعد أصولية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك. وبالتالي فإما أن يتوفر الفقيه على بيان شرعي، آية أو رواية، فيفتي طبقه، أو يحدد الوظيفة العملية من خلال الأصول العملية.

وبهذا الشكل تفاقمت الفتوى، وصار الفقيه يلاحق الفرد، يرسم خطواته وفق رؤيته الفقهية، من وجوب أو حرمة أو إباحة، وما بينهما من استحباب وكراهة، وراح الفرد ينتظر الفقيه يسأله عن كل شؤون حياته.

ويمكن الإشارة لبعض تلك التداعيات التي مرّ ذكرها:

- تطويع العقيدة الإسلامية، من أجل تأصيل حجية مطلق سيرة النبي، والأئمة على الرأي الشيعي، أو باضافة عدالة الصحابة، التي هي معادل موضوعي لمفهوم العصمة عملا على الرأي السني. فالعصمة ليست سوى حجية مطلق سيرة أئمة أهل البيت، وهكذا ينظر السُنة للصحابة من خلال مفهوم عدالتهم. فسلب تطويع العقيدة بشريتهم، ورفعهم فوق الخطأ، وخلق منهم كائنات يتداخل فيها اللاهوت بالناسوت، والمقدّس بالمدنس، وراحت روايات الغلو تتفاقم، حتى ارتفعت بهم لمصاف الخالقية. خاصة بالنسبة لغلاة الشيعة، ممن تمادوا في تقديس الأئمة. وبالتالي فالفقيه حريص جدا على حماية خصوص مرجعياته غير الكتاب الكريم وما له جذر قرآني من السنة النبوية.

- تأصيل الفقه السلطاني، بناء على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة، بما فيها الشأن السياسي، وحماية سلطة الخليفة، من خلال فتاوى راحت تنظّر لوجوب طاعة السلطان مطلقا، وحرمة الخروج عليه ولو كان فاسقا، والروايات في هذا الخصوص ليست بعزيزة، وقد مرت الإشارة إلى جملة منها. فكانت فتاوى الفقهاء سيفا يقطع وتين المعارضة السياسية، وكانت سببا في إراقة دماء غزيرة.

- تقييد العقل بالفتوى، باعتبارها سلطة فوقية، لا يجوز مخالفتها، رغم أنها رأي للفقيه وليست رأيا للشريعة، لذا يختلفون أحيانا حول قضية واحدة، تصل حد التقاطع بين الوجوب والحرمة. كمسألة الخروج على السلطان الظالم مثالا. وبالتالي فالفتوى تقيّد حرية العقل، وتقمع الابداع، خارج حدودها، ويبقى الباحث يراوح بين التأويل والتبرير، فيكون شأنها شأن أي ثابت ديني، لا يمكن تجاوزه. خاصة أن التنظير الفقهي طال جميع شؤون الحياة، ولم يسمح الفقيه باتخاذ أي موقف خارج دائرة الأحكام الشرعية الخمسة. بشكل لا يمكن للفرد حينئذٍ اتخاذ موقف مستقل عن الفقيه، فتنمو في داخله روح التبعية والانقياد اللاشعوري، بشكل لا يمكنه وعي الذات خارج دائرة الفقيه، وطاعة الفقيه.

- التنظير الفقهي لولاية الفقيه، التي حدت من حركة الفرد حينما نصّبت له وليا يتولى تدبير شؤونه، بشكل يقتصر فيه موقفه على الطاعة والانقياد، وهي استبداد ديني، لا دليل عليه شرعا، ولم يدعه أحد من قبل، ولم يجعله الله تعالى صريحا للفقيه. وهذا أخطر تداعيات الاجتهاد، ومن يراجع أدلة القائلين بولاية الفقيه المطلقة سيتأكد بنفسه من قصورها. وعدم قدرتها على النهوض إلا بتأويلات ومؤيدات لا ترقى لجبر تلك الأدلة. ولاية الفقيه مبدأ استبدادي صارم، يؤصل للتفرد بالسلطة وقمع المعارضة، وتفرض قرارات لا تخضع للشورى والتراجع.

- إن جمود الفقيه على حرفية النص، وعدم مراعاة الظروف الزمانية والمكانية ومناسبات الحكم والموضوع، اضطرته إلى فتاوى يتحايل بها على بعض المحرمات، تسمى بالحيل الشرعية، مما عكس نظرة سلبية عن التشريع، حتى أفتى بعض الفقهاء بحرمتها.

- أفضت بعض المباني العقدية، كمبنى اختصاص السلطة بالإمام، على الرأي الشيعي، إلى استباحة ممتلكات الدولة خارج ولاية الإمام / الفقيه، رغم أن الدولة شخصية اعتبارية، تمثل حق الشعب في هذه الثروات، فهي ليست مجهولة المالك أساسا، بل أن مالكها هو الشعب على شكل مشاع، وما الدولة سوى جهاز إداري لتنظيمها وإدارة شؤونها باسم الشعب. وعنوان مجهول المالك يبيح تملك المال، شريطة دفع خمسه للفقيه، وبهذا الشكل تمادى الإسلاميون في استنزاف ثروات البلد، تحت هذا العنوان، وأثروا ثراء فاحشا. بل أن بعض الفقهاء استباح المال العام وثروات النفط المسروقة باعتباره نائبا عن الإمام فهو حق بالتصرف به دون الدولة. (راجع أيضا كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق31) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ليست العبودية مجرد ثقافة أو جهاز مفاهيمي ومنظومة أخلاقية، بل تستبطن رؤية لفهم الواقع والكون والحياة. وفلسفة تقوم على ثنائية السيد / العبد .. الشيخ / الفرد .. الأب / الولد، هي جوهر النظام العبودي، وركيزة وجوده. بشكل ينقلب الظلم والجور والاستبداد في إطار التفاوت الطبقي إلى شرط لوجود الكيان وديمومته الاجتماعية. فالمركز يبقى مركزا، وتبقى الأطراف تستمد منه وجودها وانتماءها وتحققها. وقد أدمنت البيئة القَبلية العبودية، حداً لا يمكنها تصوّر أي بديل يردم الهوّة الطبقية، بين المركز والأطراف. ومَن يطمح لسيادة قبيلته، لا يفكر بانقلاب  مفاهيمي، أو تغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم على الاستبداد والجور، بل يقتصر طموحه على تبادل المناصب والصلاحيات، دون المساس بجوهر النظام وعاداته وتقاليده، باعتبارها سلطة عليا، ومرجعية نهائية، يضمن بها ولاء العشيرة، وضمان سلطته، وحقوقه الواسعة. وبالتالي انعكست ثنائية العبودية على فهمه للعلاقة بينه وبين ربه. والناس وفقا لقبلياته، عبيد لله وليسوا عبادا له. فالعلاقة علاقة رب بعبده، لا علاقة خالق بمخلوقه. رب بكل ما تعنى الكلمة من جبروت وتسلط. وهذا يستدعي القيمومة والوصايا المستمرة في إطار العلاقات الدينية، قياسا على ذات العلاقة في النظام العبودي والقَبلي التي تسلب الفرد إرادته، من خلال تبعيته الوجودية، كما في النظام العبودي. أو ضرورة الانتماء، كما في النظام القَبلي. والحديث هنا ليس عن الاستنكاف، كما قد يتبادر لبعضهم، لأن العبودية الواعية والخالصة لله تنسجم مع روح الإيمان والأديان. فهي عبودية طوعية عن فهم وتدّبر: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا). والكلام في هذا المفصل عن تداعيات الفهم العبودي الموروث المجرّد من الوعي والفهم السليم لطبيعة العلاقة بين الرب وعبده. حينما يستمرئ الفرد عبوديته واستلابه وتبعيته وانقياده باعتبارها قدرا مقدّرا، في مقابل السيد / الشيخ / الأب، الذي قدره السلطة والقوة والاستئثار بالمال والثروات. فالعبد لا يحاسب مولاه على صلاحياته وسلطاته، لأنها حق طبيعي، مشروع لسيده، بفعل الاصطفاء العنصري أو الإلهي. وتقتصر وظيفته على الطاعة والاستجابة والقناعة، فيغدو الرفض بنظره جريمة لا حقا، يستدعي التضحيات. وأما حالات التمرّد فمحدودة، وتقمع فورا، حينما يضيق العبد ذرعا بظروفه القاهرة وطغيان سيده. وأما ما حصل من ثورات خلال التاريخ، فهي وليدة ظروف ووعي مختلف، يطمح للسلطة دون الإنقلاب على قيم المجتمع.

لقد انعكس الفهم العبودي للعلاقة بين الإنسان وربه على التفكير الفقهي، يتضح هذا من خلال فتاوى الفقهاء وما شرّعوه من أحكام سمحت بضبط سلوك الفرد وترويض وعيه لتكريس سلطة الاستبداد. كما انعكست على جملة تشريعات، فتجد النزعة الذكورية، التي هي سمة بارزة في النظام القبلي، تتجلى في أحكام الأسرة والعلاقات الزوجية، حيث كرّس الفقه التقليدي سلطة الرجل وقيمومته، وفرض عليها الطاعة والخنوع والجور المجتمعي. وهذا لم يقتصر على السلطة، بل المعارضة كانت أدهى في توظيفه، وتأصيله دينيا. وكان الدافع لكليهما أيديولوجيا، سياسيا، يرقى بهرم السلطة إلى القداسة، فوق النقد والمراجعة والمحاسبة.

رهانات الاستبداد

كان خمول الوعي صفة مائزة للشعوب تاريخيا، بفعل خطاب سلطوي أو أيديولوجي، يرتكز لمفاهيم مرنة يمكن توظيفها بعيدا عن مقاصدها، تفضي إلى خموله، وانتكاسته عند الأزمات. أو ذاتية ترتبط بمختلف الظروف النفسية والتربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، فتكون العبودية حينئذٍ شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حدَ "التشيؤ" وفقدان الذات بعيدا عنه. فهي عبودية استملاكية تخاصم الحرية، تعادي التحرر، وتراوح بين التمرّد النسبي والانسحاق. مرتبكة، خائفة. ثم بعد الانتقال للمجتمع القبلي، لم تحصل قطيعة تامة مع الماضي وثقافته، وواصلت قيم العبودة حضورها بذات القوة. وواصل الاستبداد ومنطق الوصايا يسود القيم القَبليىة. وحل الانتماء بمعنى التحقق الخارجي، شرطا لوجود الفرد، بدلا من وجود الآخر. ولم يتحرر حدَ الاستقلال في مواقفه وانتمائه.

إن قيم الاستبداد، قيم أصيلة، راسخة، لازمت الوعي لا شعوريا، رغم الانقلاب النوعي في منظومة القيم، ورغم ما أضفى الدين الجديد على الشخصية العربية من صفات الإيمان والتضحية والإخلاص والإيثار، غير أن صراع السلطة كشف أصالتها، وفضح هشاشة الوعي، لا بسبب رواية أبي بكر عن النبي فقط، بل لوجود أرضية شجعت على ذلك، مما يؤكد أن الفرد لم ينتفض على ماضيه تماما، وبقت قيم معياريه حاكمة، تمثل مرجعية نهائية، تفرضها روابط القربى والدم والثقافة. وهذا واضح تم الحديث عنه في بحوث سابقة، ونضيف هنا: أن القيم القَبلية تسللت ضمن القيم الدينية، بعد أن تخلت عن الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، واستبدلت مجموعة عادات وتقاليد همجية، كوأد البنات، والاستنكاف من الأنثى، واحتقار المرأة والعبد. وبعد أن قوّمت منظومتها الأخلاقية في ضوء كتاب الله وسَنة نبيه. ولم تختبر غيرها من القيم، كـ"الاستبداد ومنطق الوصايا والشعور بالفوقية والتفوق العنصري"، إلا بحدود التفاضل، وفي حالات نادرة، حيث كان بعض القريشيين يترفع عن الجلوس بقرب العبد المسلم، حتى قال رسول الله عن الصاحبي سلمان الفارسي، الذي كان يُغمز بنسبه، "سلمان منا أهل البيت". في إجراء أخلاقي لحمايته، ضد التعصب القَبلي، الذي  يصادر إنسانيته، ويتعامل معه وفق معايير عنصرية ظالمة. وقد تصدى القرآن بالفعل لهذه الظاهرة، مصححا بعض المفاهيم، كقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). وقد مرَّت الآيات التي تحدثت عن الموقف العقائدي من العشيرة حينما تنصب العداء لله ولرسوله.

اختبار القيم

كان الصراع حول السلطة أول اختبار للقيم القَبلية، وقد اتضح أنها رهان رابح، كسبت المعركة، خاصة بعد اكتسابها غطاء شرعيا من خلال بعض الروايات، كقول الرسول: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وقوله: يأتي من بعدي إثنا عشر خليفة كلهم من قريش أو من أهل البيت على اختلاف نسخ الحديث المتصارع حوله. وهذه الأحاديث تشرعن الاستبداد لا فقط تدافع عن القيم القَبلية. وقد ناقشت هذه الروايات وبينت نقاط ضعفها، ودحرت صحة صدورها، لتبقى محتملة الصدور وفقا لمنهجي في تصنيف الروايات. لكن الثابت أن الاستبداد استمد منها شرعيته، وتقبلها المجتمع العربي المسلم، وتفاعل معها. وهي قيم خطيرة، تتحايل على المفاهيم الدينية والإنسانية لاشباع رغباتها وفرض سلطتها، وهذا ما تجلى بوضوح من خلال فتوحات المسلمين، التي اتسمت بالعنف واستباحة الأراضي المفتوحة، وفرض الإسلام بالقوة.

إن منطق الاستبداد لا يفهم: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)، ولا يتمسك بأكثر من ستين آية من آيات التسامح، بل يتشبث بالنسخ، وبآية السيف (اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) لتبرير سفك الدماء. وقد ذكرت في كتاب تحديات العنف، أن دوافع فتوحات المسلمين لم تكن دينية خالصة، وكانت لدى الخلفاء، خاصة الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من السلاطين، طموحات سياسية وتوسّعية واضحة، باسم الهداية، والتبشير الديني والجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. والحقيقة أنها شهوة السلطة، والبحث عن موارد مالية جديدة، والأهم إشغال الجند بحروب بعيدا عن مركز الخلافة، وضمان أمن الخليفة وسلطته. وكانت شعار الفتح "أسلم تسلم"، لا خيار آخر أمامه سوى الاستسلام أو مقاومة المحتل، دفاعا عن وطنه أو مقدساته، فليس من السهل أن يتنازل الفرد عن عقائده وديانته لمجرد أن يدعوه آخر لذلك. فمجرد الدعوة لا تخلق قناعة، تستدعي التخلي عن موروثاته الدينية والثقافية. هذا أشبه بالمستحيل، لذا قالت الآية "ادع إلى سبيل ربك  بالحكمة والموعظة"، كي تتيح لهم فرصة للتفكير والمراجعة، غير أن سياسة الفاتحين اضطرتهم لإشهار السيف دفاعا عن عقائدهم وثرواتهم، فصدق عليهم أنهم محاربون، يجب قتلهم، وسبي نسائهم، ونهب ثرواتهم. وهذا ما حصل عبر تاريخ الفتوحات، التي يندى لها جبين الإيمان والإنسانية أحيانا كثيرة.

لماذا تلغى جميع هذه الآيات لتبقى آيات السيف والقتال ومطاردة الآخر المختلف دينيا مطلقة وفعلية على مر السنين والأيام؟ أليس النسخ بهذه الكثافة كان أسلوبا استبداديا أريد به تبرير حروب الخلفاء والملوك والسلاطين؟ أو شرعنة قتال الشعوب غير المسلمة وإن كانت مسالمة؟ أو كمبرر لحث المسلمين على القتال وتوسيع رقعة الحرب من أجل ملء الفراغ، واشغال الجند، وتحصيل الثروات، وتكريس المكاسب والفتوحات لمصالح شخصية، ثم تحول الى حقيقة معرفية وأحكاما شرعية يتناقلها الرواة والفقهاء؟

تراجع الوعي

كان المتوقع حصول انقلاب في منظومة القيم القبلية بعد اعتناق الدين الجديد، والانتقال من العبودية بكافة أشكالها وقيمها، ومن الاستبداد وطبائعه، كما يعبّر الكواكبي، إلى رحاب التحرر الكامل، وإعادة تشكيل منظومة القيم على أساس حرية الفرد ومسؤوليته المباشرة عن أعماله وسلوكه ومواقفه، أسوة بمسؤوليته الشخصية عن أعماله يوم المعاد. والتحوّل من الولاء القَبلي إلى الولاء الديني أو الإيماني، حيث قول الرسول: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، "لا فضل لعربي عن أعجمي إلا بالتقوى". وقبلهما قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". لكن الأحداث كشفت عجز القيم الجديدة عن ملامسة أعماق البنية الأخلاقية، إلا النفر القليل من المؤمنين. أو لم تستطع زعزعتها بالكامل، وبقيت تحت تأثير سلطة القيم القَبلية، مادامت بعيدة عن الشرك ومحاربة الله ورسوله والمؤمنين. وقد مر الاستشهاد بمجموعة آيات تحذّر من الردة والإنكفاء والعودة لقيم الجاهلية، حسب التعبير القرآني. بل وهناك آيات تحذّر الرسول من التعاطف الخفي، استجابة لأعراف وتقاليد المجتمع المكي: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). كما استشهدنا برواية ترصد سلوك القريشين داخل المجتمع المدني، وفي أوساط المؤمنين، وكيف كانوا يخططون لحماية سلطتهم، حتى اتهموا بتحريف كلام الرسول. فقريش، لا سيما طبقة السادة في زمن الملأ، لم يتخلوا عن اطماعهم في السلطة والسيادة، وكانوا يتحينون الفرص، للعودة إلى واجهة الحكم. ولا ننسى أن من تصدى للخلافة، وأحداث السقيفة كبار الصحابة من قريش ممن تبنوا القريشية مبدأ في السلطة، فكيف بحال غيره. يكاد الباحث يجزم أن رهانهم على الوعي الجمعي، كان محسوبا بدقة، لذا ضربوا على الوتر القبلي وبالفعل كسبوا الجولة، مهما كان حجم الأحداث التي رافقت البيعة، بل وبقيت القريشية تتحكم بشرعية السلطة، ولم يخرج الخلاف حولها عن بيوتات قريش، بين من يرى شرط مطلق القريشي / السنة، ومن يعتقد جازما بأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى بواسطة النبي الكريم / الشيعة.

إن نجاح الرهان على الوعي القبلي، جعل من تزويره استراتيجية يتوقف عليها ضمان شرعية أي تحرك سياسي أو أيديولوجي، سواء السلطة أو المعارضة بمختلف توجهاتهما. حتى في حالات التمرد والثورة، تحرص القيادة على مستوى من الوعي تضمن به انقياد الثوّار والمتمرّدين، فتبالغ بالشعارات والخطب العاطفية، والنأي عن الخطابات الفكرية والعقيدية، التي تستدعي يقظة الوعي والإدراك. ويمكن أن نرصد بهذا الاتجاه تعهّد القيم القبلية من قبل الجميع، بعد شرعنتها شكليا، كالمحافظة على مسافة كافية بين "السيد أو الشيخ"، وقواعدهما الشعبية، الذي ينطبق فيما بعد على الخليفة والسلطان، مع منحهم امتيازات خاصة، ضمن الأعراف القبلية. بل أن الركون للمبدأ القَبلي في حسم أول نزاع على السلطة، هو تجلٍ واضح للثقافة القبلية وديمومتها في اللاشعور، والعقل الجمعي.

ثم تطوّرت قيم الاستبداد، بفعل التنظيرات الكلامية، وتعضيد الروايات التاريخية والدينية المنحولة، فغدا خلافة شرعية، وسلطة إلهية، ومنّة ربانية، وراحت روايات الفضائل والكرامات تترى، حد الإفراط بالقداسة، وتبرير السلوكات الخاطئة، وتأويل كل ما من شأنه المساس بحيثية الخلفاء. فأنتج لنا هذا السلوك ثقافة بائسة، تمجّد الاستبداد والتبعية والانقياد، وتنهر الوعي واليقظة، وتحارب التمرد والثورة، وتقصي الآخر، وتفتي بكفره واستباحة دمه. إنها رثاثة الوعي، التي ورثها الفرد من نظامه القبلي، ثم قام بشرعنتها عندما منحها مفاهيم جديدة، كالطاعة الشرعية، والتسليم لله من خلال التسليم لخليفته.

اتضح مما تقدم: لم يكن الاستبداد يوما طارئا على الوسط العربي، وبقي الوعي مرتهنا لجملة من القيم القَبلية رغم اعتناق الدين الجديد، ثم استدعى التنافس المحموم على السلطة، لتأكيده وشرعنته.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق30) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تقدّم ثمة شكوك حول قدرة الدين على انتزاع الفرد من واقعه، وتحرير قبلياته من أسر مرجعيات ظلت وفية لنظامها المعرفي القائم على ثنائية تكرّس التبعية والانقياد، وتبرر استلاب الوعي. سواء من آمن في زمن البعثة أو بعدها. من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها. يشهد لذلك تمسّك المهاجرين بمبدأ القريشية لحسم نزاع السلطة بعد وفاة الرسول، حتى أصبحت شرطا في شرعية الخلافة الإسلامية!!. والتمسك بمبدأ قبلي منحى استبدادي، مادام يكرّس السلطة بيد قريش، مهما كان مستوى الكفاءات المنافسة لها، لذا بقي الصراع منحصرا في بيوتاتها، باعتبارها شأنا خاصا بهم، لا فرق بين السلطة والمعارضة. إضافة لدلالاته العنصرية المنافية لقيّم السماء: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وبالفعال استبدت قريش، وهيمنت على القرار السياسي، طوال ثلاثة عصور. واستمرت السلطة تعاني قبضة نظام وراثي، أباح ولاية الفاسق والجائر والظالم، مستفيدا من الفقه السلطاني، وما قدّمه من تبريرات لممارسة السلطة من وحي شرط القريشية. فثمة ظواهر في المدوّنات الفقهية تلحّ على نقدها، وتحري مرجعياتها. وهناك فقه يكرّس الاستبداد، كالفقه السلطاني عند السُنة، وولاية الفقيه عند الشيعة، التي تمنح الفقيه سلطة مطلقة، يستمدها من نيابته للإمام المهدي، الذي له مطلق السلطة والصلاحيات والعلم والمعرفة وفقا للعقيدة الشيعية.        

إن موقف نخبة الصحابة لا يكف عن طرح الأسئلة، ومدى نجاح الدين في قلب موازين القيم السائدة. باعتباره منظومة قيمية، وتصوّرا شاملا للوجود والإنسان، وقد طرح بدائل عن الولاء القَبَلي، رغم عدم اعتراضه على التواصل مع غير المحاربين، وعدم مساسه بها ككيان اجتماعي، إنساني. وقد مرَّ الكلام مفصّلا. فكيف تفوّق مبدأ ينتسب لقيم الجاهلية حسب التصنيف القرآني، على مبدأ ديني سماوي، وواصل حضوره عبر المدوّنات الكلامية والفقهية والسلوك العام للخلفاء المسلمين، وما زال يفرض محدداته على العقل المسلم والتفكير الحركي؟.

هذا هو الإشكال الذي دفعني لتحري أسباب العنف وجذوره وكوامنه في الفكر والفقه والعقيدة الإسلامية. وقد تكلّمت في معرض بيان وجهة نظري مفصلا عن القيم القَبلية ودور المقولات الكلامية في ترسيخ الاستبداد، وملخصّ كل ما تقدّم أن لهذه الظاهرة أسبابها. وقبل الإشارة لها، نشير أن مصطلح المستبد "Despot" مشتق عن الكلمة اليونانية ديسبوتيس "despotes"، وتعني رب الأسرة، أو رب المنزل، أو السيد على عبيده. ثم خرجت الكلمة إلى عالم السياسة لكي تطلق على أحد انماط الحكم، بعد أن طور المصطلح أكثر من مرة على يدي رجال الفكر السياسي، كان آخرهم مونتسيكو 1689م-1755م. والاستبداد بعبارة مكثفة: "التفرّد بالسلطة أو الرأي مع قمع المعارضة". فهو إذاً "تفرّد باتخاذ القرار وعدم الخضوع للقانون". ولازمه نرجسية المستبد والتعسف بالسلطة وعدم احترام الشعب وحريته ومقدراته. فالنظام الاستبدادي يفرض قيمه وثنائيته حاكم / محكوم. (كتاب: إشكاليات التجديد).

أما الأسباب فهي:

أولاً- أصالة القيم القبلية: تقّدم الحديث عن الجذر القبلي لثقافة الصحابة، المنحدرين أساسا من بيئة قبلية تفخر بقيمها وعصبيتها، تكرّس سلطة الشيخ والعنف والاستبداد. فهو لم ينسلخ بعد إسلامه عن ثقافته وقيمه تماما، رغم تحييده المستمر، فكانت الثقافة القبلية فاعلة في أعماقه، تطفو حينما لا يعترضها نص ديني، وقد تلتف عليه من خلال تأويله، لقوة حضورها. وقد يصدق أنه كيّف بعض القيم الوافدة مع الموروث الثقافي، لأصالته ورسوخه، وبرمجة العقل وفق مقاساته وبوصلته، رغم التماهي مع بعضها الآخر. مما يؤكد وجود مشتركات ثقافية واجتماعية، تتضمن نظاما أبويا يتقوّم بالطاعة والانصياع، تعززه مقولات تراثية واجتماعية، تكرّس طاعة الأب كقيمة تستمد شرعيتها من مقام الأبوة، لها استحقاقها الذي تحفظ به وحدة العائلة. الوحدة الأساس بالنسبة للقبيلة / المجتمع. فهناك نسقان يتحكمان بوعي الفرد والمجتمع، النسق القَبلي القائم على ثنائية السيد / العبد، والنسق الأبوي المرتكز لثنائية الأب / الإبن. فثمة نزعة استبدادية متأصّلة في بنية القيم القبلية، وحواضنها الاجتماعية، تشكل جزءا من وعي الذات، المتقوّمة بالانتماء القبلي. وقد تنقلب إلى ضرورة تلازم السلطة، عندما يتجاهلون جورها وتداعياتها، لذا طفت ولعبت دورا خطيرا في الأحداث السياسية، وظلت فاعلة مادامت هناك سلطة دينية. والدليل، قوة الولاء القبلي، وتقديمه على الكفاءة دائما، حتى غدا مبدأ متسالماً عليه، وهذا أحد معوقات النهوض الحضاري. وهكذا بقيت قريش تواصل دور السيادة والقيمومة والأبوة، بفعل ثقافة منظومة قيم العبودية التي تمثل ثنائية السيد / العبد حقيقتها، مهما اختلفت عناوينها. والعبودية لا تعني الرق بالضرورة، فربما رقيق يحملون في أعماقهم روح السيادة، فدأبهم التمرد على نظام القيم، وتحيّن الفرص لتأكيد الذات. وهذا يعني أن قابلية الشعوب للاستعباد شرط في فعلية الاستبداد، خاصة ثقافة العبودية المتأصلة في الشخصية القَبلية باعتبارها شرطا لتحقق الذات خارجا. ولا يستطيع وعي ذاته بعيدا عن أنساق القيم الاجتماعية ما لم يكن متمردا. والتمرّد لا يحقق أية استقلالية للفرد، بفعل قوة الحاضن الاجتماعي / العرف القَبلي، الذي تتقوم به تلك القيم، كما أنها تمده بعناصر يجدد من قناعته وتمسكه بها، ما يشبه علاقة جدلية.

وما يعزز الحاجة للولاء أن السلطة في المفهوم القبلي "غنيمة"، وليست مسؤولية وطنية، ويستمد الحاكم شرعيته من تمسكه بها، وحجم صلاحياتها. فيصبح الاستبداد مبررا لإِحكام قبضة الحكم، لذا يختفي في المجتمعات المتخلفة حضاريا، مفهوم ثقافة الاستقالة، وتحمّل المسؤولية القانونية، والاعتراف بالخطأ، وعدم نجاح أية ممارسة ديمقراطية نجاحا حقيقيا يضع الكفاءة فوق الولاء. وحتى لو تحقق، فإن الحاكم الأعلى يلتف على القوانين والأنظمة، ويحيط نفسه بأسيجة سلطوية يضمن بها استبداده. وهذا يكشف عن مدى أصالة القيم القبلية ومفهوم الغنيمة في التعامل مع السلطة والحكم. ومازالت هذه القيم فاعلة رغم التطور الحضاري في المنطقة، ومازال وعي السلطة وعيا قَبليا لم يرق لمستوى الوطنية والمواطنة والاعتراف بالآخر، وحقه في المشاركة السياسية، مهما بلغت محاولات أسلمتها، وتأطيرها بأطر دينية، بل أن التنظير الديني للسلطة تنظير للاستبداد بلباس شرعي.

ثانيا- التنظير الكلامي       

لقد دشّن الحكم الأموي عصرا سياسيا مختلفا، اضطر الرواة لاختلاق الأحاديث والتركيز على سُنة الصحابة وقداستهم والارتفاع بهم فوق النقد والمراجعة. ومعاوية من الصحابة فهو بحاجة ماسة لوعي يتناسى أخطاءه ويغفر ذنوبه ويضمن طاعته، مما دفع فقهاء السلطة وعلماء الكلام إلى تأصيل مفاهيم لشرعنة استبدادها، واحتكارها ضمن نظام وراثي. كما ردت المعارضة بدراسات نقدية وتنظيرات كلامية تسعى سلب السلطة الحاكمة شرعيتها، واحتكار تلك المفاهيم القرآنية دونها. فثنائية السلطة / المعارضة قادت حركة التنظير، والتنافس حول مداليل الآيات وروايات الفضائل. وقد استعرضنا مجموعة مقولات خلال تفكيك العقل الفقهي، كلها يكرّس الاستبداد حينما يتمادى الفكر الكلامي في تزوير الوعي، والركون للمغالطات والظنيات في مقدمات القياس. فـ(الاصطفاء والولاء والولاية وسلطة أولي الأمر والعصمة والقداسة)، جميعها شأن إلهي، يتوقف ثبوتها على وجود آية صريحة، يُرفع بها اليد عن الأصل العقلي. غير أن الفكر الكلامي التف على هذا الشرط من خلال أدلة كلامية، كان الدافع وراءها ضرورات أيديولوجية، سواء السلطة والمعارضة. فكل منهما تشبث بها لديمومة وجوده، وشرعنة بقائه. فمثلا: سلطة ولاية الأمر، سلطة مشروطة، خاصة في القضايا الإجرائية والتنفيذية، هذا وفقا للفهم القرآني، غير أن الفكر الكلامي جعل منها سلطة مطلقة، تتقوم باستبداد الخليفة / الإمام / السلطان / الولي الفقيه. فالتنظير الكلامي نظّر للاستبدادين الديني والسياسي، بأجلى صورهما. العصمة تمنح المعصوم سلطة مطلقة، تسري للولي الفقيه وفقا لنظرية ولاية الفقيه، فيصدق أن سلطته سلطة استبدادية، بيده القرار الأخير، خاصة من يختزل دور الشورى بالاستئناس، ويمنح الحاكم الأعلى حق التفرّد بالقرار النهائي. وقد امتد الحديث حول هذه المفاهيم عشرات الصفحات لتحري التوظيفات السياسية، ومدى جدارة الأدلة على شمولها لغير الاصطفاء الإلهي المذكور قرآنيا.

الفكر الكلامي لعب دورا خطيرا في التنظير للاستبداد دينيا، عندما تبنى الفقيه تلك المقولات، واعتمدها ضمن مرجعياته في استنباط الأحكام الشرعية، فهي ليست مقولات مجرّدة، بل تترتب عليها مختلف الأحكام والإلتزامات، التي تصادر حرية الفرد والمجتمع وتكرّس سلطة أولياء الأمور. وبهذا نفهم قوة تجذر الاستبداد في الفكر والفقه الإسلاميين. خاصة حينما يتحوّل إلى قيمة دينية يدافع عنها المسلمون. ولم يتمكن التنظير الكلامي من تحقيق أهدافه، وتأصيل الاستبداد وفق أسس دينية، لولا وجود ثقافة قَبلية تستمرئه، وتفتخر به، وتعتبره ميزة قيادية، وضرورة لحماية الكيان السياسي. ثقافة تقمع الشكوك والأستفزازات من خلال رسم صور مشرقة لرموزها، تصل حد الكمال المطلق بالنسبة للرموز الدينية، فتغدو الطاعة عبادة لا فقط واجبا وطنيا وأخلاقيا. بل وتنصّب نفسها مدافعا عتيدا عن قيم التبجيل والكمال التي صنعتها بنفسها!!.

لا شك أن نقد نسق المقولات الكلامية المتقدمة مغامرة، تثير حفيظة المسلمين، غير أنها مراجعة تفرضها ضرورة التحرر من ربقة الاستبداد الديني، الذي هو أخطر من الاستبداد السياسي كما صرّح بذلك الكواكبي في كتابه: طبائع الاستبداد، والنائيني في كتابه: تنبيه الأمة وتنزيه الملة. وكان هذان العلمان البارزان ينظران إلى تداعيات الاستبداد بما هو ممارسة وسلوك سياسي، وما يترتب عليه من ظلم وتعسف، غير أني أرى الاستبداد الفكري والعقيدي أخطر على الوعي. إذ يمكن معالجة الوضع السياسي، وتحييد الاستبداد عملا، لكنه يبقى يمارس دورا لا شعوريا، يستبد بالوعي الجمعي، وهذا أخطر من الآثار الوضعية. يمكن تحري حقيقته عندما نحلل بنية المفهوم، وندرس مدى علاقة مفرداتها بالاستبداد وأفق دلالات المصطلح في الوعي الجمعي.

ثالثا: النصوص المقدّسة

لقد استوفينا الكلام حول السببين المتقدمين ضمن بحوث سابقة، وأما التالي مازال بحاجة لمراجعة أوسع تسمح بتكوين رؤية عن علاقة النص بالاستبداد. فهل توحي بعض النصوص المقدّسة بشرعنة الاستبداد؟ وما هو موقفها من قيم العبودية والعشيرة والنظام الأبوي؟

لم يستهدف القرآن الكريم العشيرة ككيان اجتماعي، وإطار إنساني يتحالف فيه أفراد العشيرة على البر والتقوى وعدم الظلم والعدوان، وإنما كافح قيما يتبناها الوسط القَبلي بحكم منظومته الأخلاقية، فهو عندما يحرّم وأد البنات (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ .بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)، يحارب بذلك سلوكا مألوفا، لا يؤاخذ عليه القاتل، فكان منهج الكتاب المجيد إعادة تشكيل العقل المسلم الشامل للعقل القَبلي، بل لم يكن آنذاك سواه داخل وخارج الجزيرة العربية. وعندما يقول: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فهو رهان على كسب الولاء القبلي لصالح الدعوة الجديدة، مما يؤكد قوة هذا الولاء وفاعليته، خاصة والرسالة في أول ظهورها. وقد مرَّ سرد مجموعة آيات حددت ضابطة العلاقة بين المسلمين وقبائلهم، وهو: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فهذه الآية لا تهدر الولاء القَبلي للفرد، ما لم يتعارض مع المفاهيم القرآنية. لذا تواصل حضورها لا شعوريا، وقد تكلمت عن هذا الموضوع طويلا.

وهنا استعيد معالجة قرآنية مرَّ استعراضها، لنستأنف البحث حولها من زاوية أخرى:

(لم يتحرش القرآن بقيم المودة والاحترام بين الأب والإبن، لكنه ضبط العلاقة وفق مبادئ إنسانية. بدءا من إشراك الأم مع الأب بالاحترام، والتعريف المستمر بمعاناتها ومكابداتها خلال الحمل. فالاحترام قرآنيا قائم على أساس الشكر ورد الجميل للأبوين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وبهذا انتزع الخطاب القرآني المنطق الذكوري من العلاقات العائلية. كما انتزع المنطق الاستبدادي وأبقى على علاقات الاحترام والشكر، دون التحكّم بمصير الأبناء، حينما قال: (وإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). فالقرآن أقام العلاقات العائلية على مبادئ إنسانية وعقلية، بعيدا عن منطق التسلّط والاستبداد. وأكد قيم الأبوة الإنسانية بدلا من قيم الأبوة القبلية الملازمة لشِرعة الذكر، واحتقار الأنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ). فالمنطق القبلي منطق استعلائي، يستعلي فيه الذكر بذكوريته، بينما يؤسس القرآن لعلاقة مختلفة، لا فرق في ذلك بين الأب والأم، ولا ميزة لهما تقتضي تسلطهما واستبدادهما، إنما هي علاقات إنسانية، وقد يكون الأبن أجدر من أبيه في قراراته، لذا يكون مسؤولا عن مصيره مباشرة، بينما يخول النظام الأبوي الأب مصير العائلة برمته. قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). فالإسلام قد حافظ على كيان العائلة وتماسكها، وأصّل لعلاقة أبوية على أسس أخلاقية وإنسانية، بعد تجريدها من سطوة الأب وقيم العبودية. فالمبالغة بالاحترام حد تحريم التأفف وإظهار الضجر من مداراتهم، تعويض نفسي للأبوين، وشكر لجهودهم ومعاناتهم وتضحياتهم، وضمان أخلاقي حينما يتراجع بهم العمر. ومن يراجع آيات الكتاب الكريم يجد اهتمامه بالعائلة كمؤسسة اجتماعية اهتماما ملحوظا. غير أن قيم العبودية وقيم النظام الأبوي استطاعت رغم كثافة الخطاب القرآني، التكيف مع القيم الدينية، واكتسبت شرعيتها من خلال وعي بقى وفيا لجذوره، ويمكن الاستشهاد بمجموعة عقائد ومفاهيم تؤطر العقل الجمعي).

رغم وضوح دلالات الآية غير أنها شرعنة وجوب طاعة الأب، عندما نهت عن التأفف فضلا عن التململ والاعتراض والتمرد. ولازمه انقياد لا شعوري لقناعاته مهما كانت سلطوية مادامت بعيدة عن الشرك. والطاعة ممارسة سلوكية، يتأثر بها الإنسان، خاصة عندما يوصيه الخالق بأبيه، فيتمثل أخلاقه، ويتبنى آراءه، وينحاز له فيما عدا الشرك. فالأب هنا يمثل سلطة ضمن النظام الأبوي، ويقتصر دور الإبن على الطاعة وفاء لأبويه. خاصة مع وجود حاضنة اجتماعية ووسط أخلاقي هو الآخر يؤكد على طاعة الأب، ويعتبر الانحياز المضاد خيانة كبرى. فالآية منحت النظام الأبوي شرعية من باب الشكر لله تعالى، غير أن الوعي القَبلي، ساعد على تعميمها، حتى غدت سلطة، يمكن استغلالها وتوظيفها لأغراض أيديولوجية وسياسية ومذهبية. وذلك لأن موجبات طاعة الأب تكمن في جلوسه على قمة هرم الأسرة، وله وفقا للعرف سلطات واسعة، وقد عززتها الآية وجعلت منها أمرا شرعيا. وهذا لا يناقض تفسير الآية، فهو فهم بلحاظ قيم المجتمع والثقافة السائدة.

وأما الروايات فلم تحارب العشيرة بما هي إطار اجتماعي، وهناك روايات تؤكد على قريش وأهميتها وتقدمها على غيرها من القبائل العربية، استعرضنا عددا منها سابقا. رغم وجود مبالغات في تقديس قريش. ويكفي أن رواية الخلفاء أو الأئمة من قريش قد تحكّمت بمسار الأحداث السياسية برمتها، ومازال الرهان عليها خاصة المعارضة الشيعية؟

وبالتالي، إذا كان الدافع للاستبداد هو السلطة، فلا توجد نصوص ترفض القَبلية مبدأ في السلطة صراحة، لكن ثمة آيات وروايات تؤكد على تفاضل التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). أو رواية "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". أو التفاضل على أساس الكفاءة، كمبدا تفرضه التجربة الاجتماعية، ومفهوم هذه النصوص عدم اعتماد القَبلية مبدأ في السلطة، واشتراطها بالتقوى والعدل وعدم الظلم.

تأسيسا على ما تقدم، نحتاج لتفكيك المنظومة القيمية والعقيدة للعقل المسلم عامة والعربي خاصة، وإعادة تشكيله وفق قيم إنسانية وأخلاقية، واستبعاد كل مفهوم يكرّس الاستبداد والطاعة المطلقة. والثقافة الدينية هي المسؤول الأول، باعتبار قوة حضورها، وتاثر الفرد والمجتمع بها.

 يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي2مهدي الصافي

خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق29) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: المقدّس مقوّم أساس للعقائد. لا تخلو منه عقيدة، إلهية كانت أم بشرية. ويعني لغة: التنزيه والتطهير والسمو. وقداسة المكان، أي طهارته وجلالته. وصار قديساً، طَهُرَ. بفعل عصمته من الذنوب والمعاصي. والعصمة تمهّد للقداسة التي هي إفراز للاصطفاء. كما أن القداسة توحي بها. فينتفي احتمال صدور الخطأ فضلا عن الذنب من الشخص المعصوم / المصطفى / المقدّس، ويعكس صورة مثالية، تستمد حقيقتها من وجود عناية إلهية خاصة، مما يعطي للقداسة بعدا غيبيا، يثير التكهنات حول المقدس ذاته، فيفرض مهابته وسلطته على الوعي. لذا فموضوع القداسة موضوع حساس جدا، والسؤال عنها سؤال عن مدى شرعية كثير من القداسات التي قد يكون بعضها مزيفاً يتستر بستار الدين، أو يستغل سذاجة الوعي الجمعي. لكن السؤال أين نجد مبررات التقديس؟. فهل هو حاجة موضوعية ترتبط بالدين وضرورات العقيدة أم حاجة نفسية، ترتبط بالتجربة الروحية للفرد؟. فهناك عِلقَة بين المقدّس والفرد تستدعي تحري بواعثها.

القداسة، صفة ذاتية لله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ)، ويتصف بها غيره مجازا، ما لم ينص الكتاب الكريم عليه، كقوله: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمقدّس طُوًى)، فتكون فيضا إلهيا حينئذٍ. فقداسة غير الله، إما فيض إلهي، أو إسقاط وفقا لمقاييس وتصورات بشرية، يتفاوت منسوبها تبعا لإيمان الشخص واستعداده ووعيه ومستوى ذكائه وثقافته. فمنشأها صورة ذهنية، تبدأ بسيطة بفعل الإيحاء والتلقي المثيولوجي، ثم تتطور عندما تتفاعل معها النفس البشرية في إطار بيئتها وثقافتها ومستوى الوعي وسعة الخيال. وقد تكتسب دلالات غير مفهومه، تبعث على الخشوع والإذعان والرهبة. أو الراحة والطمأنينة، حداً يعتقد المؤمنون ثمة آثار تكوينية تترتب على الإيمان وعدم الإيمان بالمقدّس. فيصدق أن القداسة تنبثق في أجواء التجارب الروحية والممارسات الطقوسية لتضفي لها معنى يبرر إذعانهم وانقيادهم. فالآثار التكوينية تغدو مصداقا لها، عندما تغمر الفرد بركة ويعمه خير وتُقضى حوائجه فينسب كل ذلك للمقدّس، دون البحث عن أسبابه الحقيقية، مما يعمّق إيمانه به، بغض النظر عن مدى صدقية قداسته، فقد يؤمن بعض الناس بقداسة شخص أو حجارة أو حيوان، ويكفي شاهدا ما لدى شعوب العالم من مقدسات. وهذا لا يقتصر على المقدّس الديني، ويشمل جميع العقائد والأديان، وقد لازم حياة الإنسان، وأصبح جزءا من عقائده وثقافته وهويته، يدافع عنها دفاعا مستمية أحيانا، وقد تفضي إهانة المقدّسات إلى أزمة سياسية أو اجتماعية، أو تكون سببا لنشوب الحروب والمعارك. كما أن تعهّد المقدّسات والمبالغة في احترامها توظف سياسيا لتحشيد القواعد الشعبية، وضمان أصواتهم في الانتخابات.

الاصطفاء والقداسة

المقدّس في وعي الناس يتضمن الاصطفاء والعصمة، فلا يرقى أحد لمستوى القداسة ما لم يكن مصطفى، لوجود خصائص ذاتية فيه. فما أن يسمع الفرد بالاصطفاء تتبادر إلى ذهنه العصمة ومن ثم القداسة، والعناية الإلهية، فيتحول المقدّس إلى هالة، يختلط فيها الإلهي بالبشري، تترك آثارا نفسية لا شعورية، تبعث على  الخشية والانبهار والخشوع، ويبقى الشخص متعلقا بالمقدّس طمعا في شفاعته، وفيض بركاته، ويشذ الخيال في الحديث عن معاجزه وقدراته.

وطالما سرت القداسة من الرموز المقدّسة، كالأنبياء مثلا، لتشمل أسرهم ومقربيهم وأصحابهم وأماكنهم وسيرتهم. ومن يدرس تاريخ الأديان ومراحل تطور العقائد يجد هذا واضحا، فأهل بيت النبي وأصحابه مقدّسون، على اختلاف ولاءات المسلمين. بل اعتبر بعضهم ذات الصحبة موجبا لعدالة الصحابي. وهي معادل موضوعي للعصمة، فتترتب جميع آثارها حدَ الاصطفاء والقداسة. بل أفضى سريان القداسة إلى عبادة أصحاب الأنبياء، في ظاهرة غلو مبالغ فيها (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه). وأيضا ذات التقديس عند غلاة الشيعة ممن ارتفعوا بالإمام إلى مصاف الخالقية، وبعض الفرق قد صرّحت بذلك، وما التفويض والحلول إلا تمظهرات لمعنى الخالقية.

وتتجلى القداسة أكثر بعد وفاة الأنبياء والرسول، فإما أن تحافظ على توازنها، أو يغالي الناس بها. فالقداسة توحي بدلالات غيبية تخشع لها النفس المؤمنة، وتفتح آفاقا للمتخيل الديني والمثيولوجي. وهي ملازمة للمفهوم، وتتجلى في مصاديقها، من خلال الوعي الجمعي، وخطابات التنزيه. فتمهّد للتسليم الذي هو مقوّم أساس للإيمان الديني القائم على الإيمان بالغيب والشهادة. والأول شرط لتحقق الهداية (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). فالقداسة تتولى تعميق الإيمان بالغيب، من خلال اللامعقول الرمزي فيه. فالقداسة إذاً حاجة دينية – نفسية.

إن الاصطفاء أساس قداسة الفرد المصطفى وعصمته، بغض النظر عن مصدره ومدى شرعيته، وكلاهما بحاجة لدليل قرآني. حيث مرَّ بنا أن الاصطفاء شأن إلهي يتوقف ثبوته على وجود آية صريحة. غير أن مصدر شرعيته في الوعي الجمعي خطابات تنزيهية وأخرى مثيولوجية ترقى بالفرد إلى مستوى القداسة، حينما يتوفر على صفات ملائمة، كالانتساب للأنبياء، لأهمية النسب في المجتمعات القبلية. وهو شرف تحدد بموجبه القيمة الاجتماعية للفرد وقبيلته. لذا يفتخر القريشيون بنسبهم، لأن قريش زعماء العرب، وكانوا يتمتعون بسلطة سياسية ودينية. فلا غرابة أن يؤكد التراث على النسب في خطابه التنزيهي ودعوى احتكار الحقيقة وفقا لحديث الفرقة الناجية، لأن النجاة يستدعي مبرارته، وليس كالاصطفاء ولو بالنسب مبررا أهم.

ويمكن توضيح الفكرة من خلال استدعاء نصوص قرآنية وتراثية، تؤكد على النسب سببا أساسا للاصطفاء المتضمّن للعصمة ومن ثم القداسة، لاحتكار الحقيقة، والتفرّد بالنجاة يوم المعاد. أو ما يصطلح عليه تراثيا بالفرقة الناجية. خلافا للمنطق القرآني الذي يقيم العلاقات على أساس إيماني (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، رغم أنه ابنه (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِ). كما تؤكد الآية التالية أن أولياء النبي هم المتقون (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ). فكلا الآيتين تلغي النسب سببا للاصطفاء ومن ثم القداسة. وحينما تشمل الآية أهل بيته الكرام تشملهم باعتبارهم متقين. وإلا فأول من حاربه هم أعمامه وعشيرته. وقد مرَّ الكلام مفصلا عن آية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، أنه اصطفاء لغايات تتعلق بالنبوة والرسالة (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ).

إن حديث الفرقة الناجية ليس مجرد رواية، بل خطاب تعبوي يلغي مساحات الالتقاء، ويؤلب ضد الآخر، من أهل النار. فالصراع حول الفرقة الناجية صراع يفرضه منطق النجاة واحتكار الحقيقة. وأصداء هذا الحديث تجدها في الديانتين اليهودية والمسيحية أيضا، تقول الآية: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه)، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، لكن القرآن فنّد حجتهم بقوله: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ).

وأيضا على صعيد المسلمين تجد ذات المنطق يتحكم بوعيهم لمفهوم القداسة، وشمولها لأصحاب وأهل بيت الأنبياء. فقد تمسك الاتجاه السني بالصُحبة سببا لقداسة الصحابة التي تتجلى عبر طيف واسع من الروايات، كحديث العشرة المبشرين بالجنة، وحديث (أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم)، الذي يجعل من الصُحبة سببا كافيا لاحتكار النجاة، والارتفاع بهم فوق النقد والمساءلة. ومجموعة روايات الفضائل، التي لا تنجو من الوضع والضعف والكذب على الله ورسوله.

كما تمسّك الاتجاه الشيعي بالنَسب، وقد أكدت رواياتهم على اختلاف طينة الخلق، وأنهم أنوار قبل خلق السماوات والأرض، على الضد من الكتاب الكريم الذي يؤكد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). ويمكن الإشارة لبعض الشواهد: جاء في كتاب الكافي، مرسلا عن الصادق: (قال: إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحن إلينا). وفي نفس المصدر، برواية محمد بن مروان، قال: سمعته يقول "أي الصادق": (إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ولم يجعل الله لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا إلا للأنبياء، ولذلك صرنا نحن وهم: الناس، وصار سائر الناس همج، للنار وإلى النار).

وبالتالي تسريب القداسة من الأنبياء لغيرهم يكرّس منطق الفرقة الناجية، في ظل صراع بين الأديان والمذاهب عامة.

توظيف الاصطفاء

حاولت كل من السلطة والمعارضة توظيف الاصطفاء بطريقتها الخاصة، لتعزيز شرعيتها، من خلال الانتساب للإلهي دون البشري، فكانت نظرية الجبر التي تمسك بها خطاب الاستبداد المتمثل آنذاك بالحكم الأموي بدءا من معاوية ومدرسة علم الكلام القديم، قد ارتكزت للاصطفاء بشكل غير مباشر، حينما احتج معاوية: لولم يكن الله راضيا عليه لاستبدله، في مغالطة مفضوحة، تحيل على الاصطفاء. فكأنه يستدل بسكوت الخالق على اصطفائه، وهذا خطأ، لأن ثبوت الاصطفاء يستدعي آية صريحة، كآية اصطفاء مريم. وكما أن القدرة شرط في التكليف، فأيضا حرية الفرد شرط، فكيف يسلبه حريته، ويحاسبه على أفعاله؟. وأما المعارضة السياسية فقد تشبثت بمختلف الأساليب، وقد تمسك الشيعة بالاصطفاء ليكون ظهيرا لمبدأ الوصية والنص، وبهذا نجحوا في ترقية مقام الإمامة من إمامة سياسية إلى إمامة دينية ثم إمامة بمعنى الولاية التكوينية وقد مرَّ تفصيل الكلام.

الاصطفاء مفهوم قديم، لجأت له الحكومات لتبرير سلطاتها، وممارساتها التعسفية ضد شعوبها، ارتكازا إلى وعي الفرد وما يرتبط بالمفهوم من دلالات، غيبية وإلهية. فيكتسب الملوك والحكّام بدعوى الاصطفاء وإذعان الوعي الجمعي، سلطات مطلقة تصل حد التأليه. لتضمّنه معنى العصمة، وامتلاك الحقيقة، فيكون رمزا للعدل، يدور الحق مداره. فطاعة المصطفى / الملك / الحاكم، طاعة للجهة التي أفاضت عليه الاصطفاء، وخصته بالسلطة والحكم. وتجد هذا واضحا من خلال النظريات الثيوقراطية التي سادت العالم قديما، وهي:

1- الطبيعة الإلهية للحكّام: حيث تستمد السلطة شرعيتها وفقا لهذه النظرية من طبيعتهم الإلهية، التي تفرض عليهم أيضا وجوب طاعتهم وعبادتهم وحرمة التمرد عليهم. فشرعية السلطة ذاتية بالنسبة للملك / الإله. وله حق التصرّف برعيته وعبيده، كيفما يشاء. وهنا تكون القداسة ذاتية للحاكم / الإله.

2- الحق الإلهي المباشر: التي ترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرّد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه. فالتفويض يقوم بناء على الاصطفاء، لأي مبرر كان، عنصريا أو غيره.

3- الحق الإلهي غير المباشر: الذي يعني إن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيّرا لا مخيّرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته. وهنا يتجلى الاصطفاء بأوضح صوره.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. وتوجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة والإمامة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني قيمومة الإمام وولايته الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وعلى كلا الاتجاهين يكون الاصطفاء ركيزة أساس لترتيب جميع الآثار.

تفكيك العقل الفقهي

إن هدف تفكيك العقل الفقهي في هذه البحوث، هو تعرية يقينياته، ونقد مرجعياته، ونزع قدسية مقولاته، لتحري مدى صدقيتها، ومطابقتها للواقع، ومدى صدقية إنتمائها للإلهي دون البشري، فالفقيه يتخذ من يقينياته مرجعيات عقدية وأصولية وفقهية. فعندما يؤمن بالقريشية شرطا في السلطة، يفتي بعدم شرعية كل دولة لا تلزم بهذا الشرط، وربما يرميها بالكفر والانحراف عن شرع الله. فلم يكن ترفا مناقشتنا لمفاهيم: (الاصطفاء، الولاء، الولاية، أولي الأمر، العصمة)، حيث اتضح أنها شأن إلهي، تتطلب دليلا قرآنيا صريحا لشرعنة مصاديقها، فنقد هذه المصفوفة من المقولات يندرج ضمن مشروع نقد العقل الفقهي، لفرز الإلهي عن البشري، والمقدّس عن غيره، ومن ثم بيان مدى صدقية فتاواه، وما يترتب عليها من أحكام. فالفتوى ستتغير بين من يؤمن بعدالة الصحابة أو عصمة الإئمة ومن لا يؤمن بهما، تبعاً لتغيّر قواعد الجرح والتعديل، فالرواية الصحيحة بناء على عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة، قد تنقلب إلى رواية ضعيفة، مع عدم الإيمان بهما. وهكذا جميع المقولات التي تمت مناقشتها، وبيان دلالات مفاهيمها، وحدود مصاديقها.

إن نقد العقل الفقهي بات ضرورة في ظل تخلّف مرير، تقع المسؤولية في بعض جوانبه على الفقيه، والحقيقة نحن لا نعيش أزمة إيمان، ولا تنقصنا طقوس وعبادات، نحن نعيش أزمة وعي وأخلاق. ونحن شعوب تتناسل فيها المقدسات بفعل رثاثة الوعي،  والتباس المقدّس بالمدنّس، والإلهي بالبشري، ونفتقر دائما لبوصلة الحقيقة التي تنتشلنا من براثن الاستغلال الديني والسياسي. فيكون النقد ضرورة ملحة، والمراجعة مسؤولية تاريخية، وبالتالي: نحن بحاجة لوعي، نتدارك به ركام التقليد والتبعية اللاشعورية في مجالي: العقيدة والفكر.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 


 

ماجد الغرباوي1مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة العشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق28) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تقدم ثمة تفاوت دلالي بين من يقول بالعصمة السلوكية، التي هي فعل إرادي، لا يسلب قدرة الفرد على إرتكاب المعاصي، وتستوجب تسديد الخالق ورعايته وفقا لسننه القرآنية. وبين من يذهب للعصمة الذاتية أو المجعولة أو التكوينية، التي تستدعي ولاية تكوينية، تفويضا أو حلولا. أو لا هذا ولا ذاك بل، لوقوع الأئمة ضمن سلسلة علل الوجود، أو واسطة في الفيض. الثاني غلو صريح، يستدعي سلب الإرادة، مرفوض حتى من قبل الأئمة، كما هو ظاهر مجموعة من رواياتهم، فضلا عن طيف واسع العلماء والمتكلمين. وقد وضع الشيخ المفيد (413هـ) في كتاب "تصحيح الاعتقاد" حدا للغلو، ملخصه: "الارتفاع بالمعصوم لمستوى الخالقية". بمعنى ثمة صفات يختص بها الله تعالى كالخلق والتدبير وعلم الغيب والقدرة المطلقة والولايتان التكوينية والتشريعية، وغيرها. فيظهر من كلمات أغلب العلماء الميل للعصمة السلوكية، حينما يتحدثون عنها خصوصاً، وقد يضيفون لها التسديد واللطف والعناية والهداية الإلهية. لكن الرأي النهائي لهم، والذي يعتمدونه عملا، أوسع من العصمة السلوكية، ويكفي مراجعة آرائهم في أبواب أخرى، كعلم الإمام بالغيب، ومعرفته المطلقة، ومعاجزه. فهم لا يتنازلون عن علمه بالغيب، وصدور المعجزات عنه، وأفضليته على الأنبياء باستثناء الرسول محمد، وبعضهم أضاف له أولي العزم من الرسل. وعدم انقطاع الوحي عنه، والعلم "اللدني"، ومتى شاء علِم، في أي موضوع كان، وانكشاف الحقائق متى شاء. غاية الأمر يقولون: كل ذلك بإذنه تعالى. ولهم أدلتهم، بعضها اجتهادات شخصية وأخرى روايات تتعارض مع كتاب الله، يساعد المخيال الشعبي والطقوس والتحديات والإيمان النفسي على قبولها والتمسك بمضامينها. وأما من يحث المبدأ لا يوجد أي دليل قرآني، فضلا عن تعارضها مع القاعدة العقلية. ولم أقرأ سوى أقوال خجولة تكتفي بالعصمة السلوكية للأئمة، وما عدا ذلك فالقدر المتفق عليه عندهم، الارتفاع بالمعصوم فوق النقد والمراجعة، وأنه ذات طبيعة مفارقة للبشرية، لا يصدر منه خطأ ولا اشتباه ولا نسيان. فيه من الناسوت بقدر ما فيها من اللاهوت، فيتصف بصفات إنسانية داخل مجتمعه، ويتصف بصفات خالقية في قدراته ومكانته، وإن لم يصرّحوا علنا.

العصمة والضرورة

تقدمت الإشارة إلى دور العصمة في إنقاذ مصداقية الإمامة وهي تتعرض لأزمتين، الأولى: في نهاية حياة الصادق الذي رفض الثورة والتمرد رغم الظروف السياسية المواتية آنذاك. والثانية، فراغ  منصب الإمامة بعد وفاته، حيث اهتزت بوصلة الوعي الشيعي وثقة الشيعة وهم منقسمون حول الإمام الذي يلي الصادق. فالقول بالعصمة جاء لقمع المعارضة وتعضيد مكانة الإمام، حيث بات فوق النقد والمراجعة، باعتباره إنسانا كاملا، ومثلا أعلى، يمثّل الحقيقة المطلقة، ويدور الحق مداره، وهو مصدر العلم والمعرفة، وظل الله في أرضه. فالعصمة أسيجة مقدّسة تقمع النقد والمراجعة، وتكرّس التبعية والانقياد. وقد غدت بمرور الأيام عقيدة راسخة، تم توظيفها لأغراض أخطر وأهم من كونها مجرد عقيدة نظرية، حتى باتت إحدى مقومات المذهب الشيعي إضافة للإمامة، والمهدي المنتظر. ويمكن الإشارة إلى أهم آثارها على الصعيدين السياسي والفقهي.

الصعيد السياسي: فعلى الصعيد السياسي أضافت العصمة رصيدا كبيرا للرأسمال الرمزي، الذي أخذ يتضخم بفعل الصورة المثيولوجية للمعصوم. فقد ذكرت في بحوث سابقة، أكثر من مرة، أن الصراع المرير على السلطة، مع عدم وجود مرجعية نصية (آية أو رواية) لحسم النزاع حولها، قد ألجأ الأطراف المتنازعة لمراكمة شواهد، لتعزيز رصيدها الرمزي، كدليل على أحقية الخلافة، وقد بدأت بتأويل الآيات، ثم روايات الفضائل التي بلغت حد الوضع والكذب على الله ورسوله، والمغالاة في تنزيه الرموز الدينية والسياسية، ثم الارتفاع بهم حد القول بالتفويض أو الحلول. غير أن العصمة كانت انعطافة على هذا الصعيد، ونقطة القوة تبنيها من قبل جملة من أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من المحدّثين والفقهاء، رغم دلالتها المثيولوجية التي تجعل من المعصوم شخصا مفارقا لطبيعته البشرية. ورغم عدم تأثيرها على الأوساط العامة، لكنها أطفأت بمرور الأيام منابع الشك لدى المؤمنين بها. ولم تمر العصمة كمفهوم عقائدي بلا تداعيات، بل أنها فرضت سلطتها، ومحدداتها، وقمعت النقد والمراجعة، واكتفى المتلقي بشرح وبيان وتأويل وتبرير الروايات الواردة عن الأئمة، حتى تحوّلت سيرتهم إلى منصة لانطلاق مختلف الروايات، واختلط الصحيح بالضعيف. وبات الجميع حجة في نظر الإخباريين من الشيعة، ومحنة في تصحيح جملة منها بالنسبة لغيرهم. فالعصمة أعلى تجليات القداسة، خاصة حينما يبالغ خطاب الغلو في ردم الهوة بين الخالق والمخلوق، حد التوحّد (لا فرق بينهما إلا أنه خالق وهم مخلوقون)، فيمنحونهم كافة صفات الخالقية، باستثناء الخلق، وهو أيضا ممكن بإذنه، أو وفقا للحلول. فلا سلطة معرفية كسلطة العصمة، ولا قدرة على مصادرة العقل كقدرتها، حداً تجد المتلقي خاشعا وهو يستعيد صورة المعصوم وصفاته الربانية.

الصعيد الفقهي: لقد تولى الخطاب التنزيهي الشيعي في أول ظهور عقدي له، مهمة تشكيل العقل، وفقا لمتبنياته، كما استطاع ضبط إيقاع الوعي الديني، من خلال جملة مقولات كلامية، غدت ضرورة مذهبية. فبات البعد المثيولوجي مقوّما أساسا للوعي، مهما تطرف في غلوه، ومهما حاول الأئمة النأي بأنفسهم عنه. وكان في مراحله الأولى ردود فعل في ظل جدل كلامي مرير حول الخلافة وشروط الخليفة، بين الشورى والنص، الإمامة والخلافة. وبمرور الأيام ظهرت أزمة الأحاديث الشيعية التي ينتهي سندها لأحد الأئمة، حيث تعتبر مرسلة وفقا لموازين الجرح والتعديل، التي تشترط في صحة الرواية اتصال سندها بالنبي، دون انقطاع أو إرسال. وهذه المشكلة إذا لم تكن جدية في حياتهم فإنها تحوّلت إلى إشكالية بعد وفاتهم. لقد كان عدد أصحاب الأئمة محدودا، ثم اتسع في زمن الصادق ومدرسته الفقهية المشهود لها تاريخيا، بفعل مرونة الظروف السياسية، وشخصيته الفكرية والعلمية الفذة. فكان من يدور حول الأئمة خُلّص أصحابهم ومريديهم، وكانوا مستويات مختلفة في وعيهم لمعنى الإمامة، ومكانة الإمام، ومرجعياته العلمية، ومصادره الحديثية. ويمكن ملاحظات ثلاثة اتجاهات واضحة:

الاتجاه الأول: يعتبر الأئمة محدثين ورواة عدول صادقين، وأحاديثهم صحيحة السند، لا تعاني أي إرسال أو انقطاع، سواء ذكر الإمام طريقه للرواية أو لم يذكر، فإنها متصلة السند إلى رسول الله بطرقهم الخاصة عن آبائهم، أو عن طريق كتاب علي في القضاء أو الصحيفة الجامعة وغيرهما من تراث الأئمة السابقين. يقول الإمام الصادق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل)، وهي رواية معروفة رغم ضعف سندها. وبالتالي فكما توجد طرق لرواية الحديث بواسطة الصحابة والتابعين، كان هناك طريق موازٍ يتعهده أئمة أهل البيت. وقناعة هذا الصنف من أصحاب الأئمة قناعة شخصية، لا يمكن التعويل عليه وفقا لضوابط الجرح والتعديل التي تشترط معرفة رواة الحديث، وطبقاتهم، ومدى عدلهم أو وثاقتهم، كل حسب مبانيه في علوم الدراية والحديث والرجال. فوجود طرق خاصة للإمام أو مدونات خاصة بآل البيت، لا يعالج مسألة الإرسال.

الاتجاه الثاني: وهم كبار أصحاب الأئمة كزرارة بن أعين من أصحاب الإمامين الباقر والصادق، فإنهم يتعاملون مع الأئمة كعلماء ومجتهدين أبرار، لهم اجتهاداتهم الشخصية وطرقهم الخاصة في الرواية، وليس أكثر من هذا، لذا تجد زرارة يناقش الإمامين عن أدلتهم في الاستدلال على بعض المسائل الفقهية، كما في روايات الاستصحاب مثالا، ولو كان يعتقد أنه علمه وحي كيف يسأله عن أدلته؟. وكان الإمام يبين أدلته العقلية في المقام، ويرد على إشكالاتهم واعتراضاتهم. أو عندما يسأل زرارة الإمام الباقر عن دليله على مسح الرأس في الوضوء دون الغسل، فأجابه كما جاء في كتاب الكافي: (لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: "وأغسلوا وجوهكم"، فعرفت أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يُغسل، ثمّ قال تعالى: "وأيديكم إلى المرافق"، ثمّ فصّل بين الكلام فقال: "وأمسحوا برؤسكم"، فعرفت حيث قال: "برؤسكم" إن المسح بعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: "وأرجلكم إلى الكعبين"، فعرفت حين وصلها بالرأس إن المسح ببعضها). وهو استدلال علمي مستوفيا لشروطه. وغير ذلك من الروايات. بل يكفي اعتراض أصحابهم الفقهاء كزرارة ومحمد بن مسلم، ممن يتعاملون معهم كعلماء أبرار، وفقهاء ملهمون، تجري الحكمة على ألسنتهم، لجلالتهم وعظمتهم، وهم بالنسبة لهم مجتهدون، لهم آراؤهم التي يتميّزون بها عن المدارس الفقهية آنذاك.

ليس الشيعة أحرص على التشيع من الباقر والصادق، وليسا غافلين عن أهمية السند بالنسبة للروايات، في أجواء التحدي الفقهي المحتدم آنذاك، حيث تعددت المذاهب الفقهية، لكنهما كانا يجتهدان، ويفهمان النص وفقا لقبلياتهم وضرورات الواقع، وما في الكتاب الكريم من قواعد فقهية، أو ما ورد عن النبي من روايات متداولة. لذا يقع التعارض بين رواياتهم، ويمكن مراجعة الأصول الأربعة للحديث الشيعي أو كتاب وسائل الشيعة الخاص بروايات الأحكام الشرعية. وهذا الاتجاه كاد يؤصل لاجتهاد الأئمة، وحينئذٍ سيحقق التشيع فتحا معرفيا عبر التاريخ، لولا الاتجاه الثالث، الذي أوقع علماء الشيعة فيما بعد في أزمة سندية معقدة، لا يمكن تداركها إلا بالعصمة، فاضطروا لتأصيلها والذب عنها وترسيخها فكريا وعقديا. إنه اتجاه خائف يخشى السلطة والأجواء العامة، ويلوذ بالمثيولوجية لتعضيد أرائه ومتبنياته. إنه مأزوم، يخشى العقل، والنقد، ويلجأ للخرافة يعتقد أنها أدلة دامغة، بينما تجد أبا حنيفة يمارس اجتهاده، ولا يعتمد من الروايات سوى عدد قليل. وكان بامكان الاتجاه الشيعي أن يتفاخر برأي الإمام وقدرته على الاستنباط وتأسيس القواعد الأصولية والفقهية.

الاتجاه الثالث: ليس هذا الاتجاه وليد ساعته، بل تراكم تاريخي لثقافة الغلو التي توجت بالعصمة على يد هشام بن الحكم بعد سنة 150 هـ ومن جاء من بعده. وهذا الاتجاه يسقط الفوارق النوعية بين الإمام والرسول، ويمنح ما للثاني للأول من صلاحيات تلخصها الولايتان التكوينية والتشريعية، فبات الإمام في وعيهم مفارقا لطبيعته البشرية، وما التشريع سوى إحدى صلاحياته، التي هي أعم من التشريع والتكوين. فنسبوا للأئمة الإلهام، وأنه عالم لا يعلم، منذ ولادته، وله علم لدني، متى شاء علم. وهذه الروايات رغم أنها تنتظم ضمن الخطاب التنزيهي، لكنها تهدف لغايات أعمق، وتعبر عن وجود إشكالية عميقة، تحتاج لهذا اللون من الخطاب، خاصة حينما نعلم أن كثيرا منها صدر بعد القرون الأربعة الأولى. فهناك قلق حول المشكلة السندية في الروايات، إضافة إلى ما يعرف بـ"العنعنة"، وهي مشكلة أعقد، ليست غائبة عن خبراء التراث الشيعي. فالخطاب التنزيهي أخفى مهمات أخرى يسعى لأدائها، من خلال تعزيز مفهوم العصمة، والإنسان الكامل المفارقة لطبيعته البشرية.

فالعصمة مقوم أساس للمذهب الشيعي، يتوقف عليها أولا وقبل كل شيء تدارك الضعف السندي في رواياتهم المرسلة. ومفاد الإشكالية أن الروايات الشيعية في الكتب الأربعة ينتهي سندها إلى أحد الأئمة، ويفترض بالرواية الصحيحة الحجة أن ينتهي سندها بطريق صحيح أو موثوق كحد أدنى إلى النبي. فليس أمام الشيعة أمام هذه المشكلة سوى القول بعصمة الأئمة، ومنحهم ذات ما للرسول من عصمة، فتكون سيرتهم (قولا وفعلا وتقريرا) حجة. فسواء انتهى سند الرواية إلى النبي أو إلى الإمام فهي حجة إذا استوفت شروط الحجية الأخرى. لذا امتد عندهم عصر التشريع إلى نهاية الغيبة الصغرى للمهدي المنتظر 329 هـ. فكانت تداعيات هذا الاتجاه أصبح الدين مشروعا شخصيا، غايته التعريف بالأسرة المقدسة (محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين)، وقد روت كتب الحديث الشيعة روايات كثيرة تؤكد هذا المعنى، كما في رواية الكافي: (يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)، وعندما يختزل الدين بمعرفة الأسرة المقدسة تتهاوى جميع القيم الدينية والإنسانية أمام معرفتهم والتمسك بولايتهم، وقد أفضى هذا الاتجاه إلى مركزية الإمام ضمن نظرية العبودية التراثية التي مرَّ الكلام عنها مفصلا في مقابل نظرية خلافة الإنسان القرآنية.

مركزية الإمام

لقد عمد خط الغلو بشكل تدريجي إلى بناء منظومة معرفية متكاملة، تقوم على مركزية الإمام، باعتباره المثل الأعلى في الأرض. فلا يتحقق العدل إلا به، ولا دولة إلا دولته التي سيقيمها المهدي المنتظر، حيث يجسد جميع قيم الدين. ويقيم العدالة المفقودة. وربطوا بين رضا الله ورضا الإمام. وهو نوع من التعويض النفسي عن الإحباط. خاصة وهم في حرب مستعرة حول شرعية الإمامة أو الخلافة، وكيفية مراكمة شواهد تدل على شرعية الإمامة في مقابل غصبية الخلافة. وقد أسس خطابا تقوم بنيته على تزوير الوعي، واستلهام الخرافات، واختراع نصوص مكذوبة، راحوا ينسبونها للرسول والأئمة باعتبارهم امتدادا تشريعيا له. فهو خطاب دوغمائي، محبط راح يُداري إنكساره بأوهام خارج منطق العقل والاستدلال المنطقي، فقدم تصورا غرائبيا للأئمة، حتى ارتفع بهم إلى مصاف الخالقية. وقد أعاد خطاب الغلو تشكيل المخيال الشيعي مثيولوجيا، من خلال مصفوفة غرائبيات، بعيدا عن النص القرآني والتراث النبوي. تنحصر مصادره بروايات موضوعة، وكرامات متناقلة، ومنامات، ودعوات لا يمكن الجزم بها. تعبيرا عن معاناتهم النفسية اللاشعورية. وهذا يحصل في أجواء الجدل، وإفحام الخصم كلاميا، من خلال أدلة، لا يمكنه إثباتها ولا رفضها، ويكفي أنك تشعر بالارتياح عند اندحاره. فخطاب الغلو استعاض الواقع بخيال أثرى منظومته. وبنيته بنية خرافية، سحرية، لتعميق إيمان الشيعة بخط الإمامة، وفتح أُفقٍ أوسع للأمل الشيعي. وضمان مستقبل أخروي، رهانه ولاء الفرد ومشاعره، من خلال مجموعة طقوس دينية، كزيارة الأضرحة، ولعن الخصوم السياسيين، والأدعية الخاصة، وتسبيحات وأوردة وصلوات وغير ذلك. والأكثر حينما تتدارك الإنكسارات السياسية برؤية نظرية، مفادها أن الأئمة لهم أدوار مرسومة في هذه الحياة، فهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض، وكانوا نورا يطوفون من حول العرش، كما تقول رواياتهم "كنا كنزا من نور قبل أن يخلق الله السماوات والأرض". ولما هبطوا للحياة الدنيا عليهم أداء دورهم المرسوم لهم من قبل السماء. فعلي بن أبي طالب كان بإمكانه استرداد السلطة بسيفه، لكن دوره اقتضى السكوت. وأيضا يجب على الحسن الصلح مع معاوية، وشاء الله أن يرى الحسين قتيلا، ويرى عياله سبايا. فشهادته مخطط لها في السماء، وكان بإمكانه كسب المعركة عسكريا لكنه استسلم للقدر المرسوم، لتوقف أكثر من قضية مصيرية على شهادته، منها الشفاعة الكبرى للشيعة، والتمهيد للأئمة من بعده. فدمه كان فداء لخطاياهم. فالحسين كان يعلم بكل تفصيلات مسيره، ومقتله هو وأصحابه. (شاء الله أن يراك قتيلا) نقلا عن جده المصطفى. وما ينسب له: "كأني بأوصالي هذي تقطعها عسلان الفلوات ما بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً". ويعلم جغرافية المعركة، وموقع نزوله ومبارزاته ومقتله. فيجب عليه أداء دوره المأساوي، وفق خارطة معدة سلفا، وأن يقتل وقت الظهيرة في جو قائظ، صائما، لم يذق طعم الماء أياماً عدة!!. وأن تسبى عياله. لا شك في الوقائع التاريخية، فهي ثابتة، لكن الكلام حول تفسيرها، فالحسين ومسيره مضى وفقا للمنطق السياسي في جميع خطواته. وقد اضطر لمنازلتهم بعد محاصرته وعدم السماح له بالعودة. وكان ذهابه إلى أهل الكوفة وفقا للبيعة، بل ومزيدا في الاحتياط بعث سفيره مسلم بن عقيل ليتأكد من وفاء القوم، وبعث له من هناك رسولاً معه كتاب يشدد على مجيئه، وحرص الناس على بيعته. وهكذا الأمر بالنسبة لظهور المهدي، فهو مرتبط بمشيئة الله، وفقا لما هو مخطط له. فلا معنى للشكوك والأسئلة. فهو حيّ يرزق، وينتظر أمر السماء كي يباشر في مهمته.

فالحياة في ضوء التفسير المغالي للتاريخ، سيناريو معد مسبقاً من قبل الخالق، أبطاله أئمة أهل البيت. بهذا التصوير الميثيولوجي أسكتوا جميع الشكوك حول مصداقية الأئمة، وتفسير سبب عدم تمكنهم من الوصول للسلطة. لا شك أن هذه المواقف بنظر الإنسان العادي إنكسارات سياسية، وهي فعلا كذلك، وفقا للمنطق البراغماتي، وحسابات الربح والخسارة في المعارك العسكرية والسياسية. غير أن عقيدة الغلو، والخطاب المغالي اليوم لهما رأي آخر، فقد قام الأئمة بأداء أدوارهم أحسن قيام، وعادوا من حيث نزلوا أنوارا محيطة بالعرش. فلا يوجد انكسار سياسي، كي تحبط المعنويات الشيعية. وليس هناك دولة شرعية تقيم دولة العدل الإلهي وتعيد للشيعة مجدهم قبل ظهور المهدي، لخصوصية في ذات أهل البيت بشكل عام، والمهدي بشكل خاص، فهي أدوار مرسوم يجب أداؤها من قبلهم، وتكون حجة على خصومهم، كي يعذّبوا أكثر في جهنم، جزاء عدوانيتهم ومواقفهم السلبية من أهل، عندما نافسوهم حقهم في السلطة والحكم. لذا بعض الاتجاهات الفقهية الشيعية تحرّم الخروج من أجل السلطة قبل ظهور المهدي، وتعتبر، كما في الرواية: "كل راية ترفع قبل ظهور الحجة فهي راية ضلال". فالحياة تسير وفق مخطط جبري، بعيدا عن إرادة الإنسان. والشيعي شيعي قبل ولادته. "شيعتنا خُلق من خالص طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا". ولا يخفى تناقض هذا الكلام مع الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَ). غير أن الكتاب الكريم لا يؤثر، بل يعزز آراءهم عندما يُفسّر في ضوء رواياتهم، التي تؤول كل آية بأهل البيت، خاصة الأسرة المقدسة (محمد وعلي والزهراء والحسن والحسين). فلا يعتنون بتفسيرات المفسرين. فالباري تعالى قد أودع في فاطمة الزهراء سراً، فتراهم يرددون في أدعيتهم حينما يقسمون على الله تعالى بالزهراء يضيفون عبارة "والسر المستودع فيها". وعندما يتحدث الخطيب عن سر الزهراء، يبقى يلف ويدور في كلامه لا تفهم منه شيئا!!. لكن يبقى سراً، منفتحاً على جميع الاحتمالات والتأويلات، وهذه هي قوة الخطاب، حينما يزخر بتأويلاته، ويفرض سلطته، وينجح في تعميق روح الانتماء، وشدّ صفوف الموالين لأهل البيت. وبالفعل نجحت جميع هذه التفسيرات، وحققت أهدافها في إقناع أتباعهم.

وبالتالي فإن خطاب الغلو الشيعي خطاب إقصائي، يقوم على مركزية الإمام وإقصاء ما عداه. ولا يخفى الفارق الجوهري بين مركزيته ومركزية الإنسان، حيث ينقلب وفقا لمركزية الإمام إلى هامش يدور حول مركزه، يستمد منه وجوده وحقيقته. ويأخذ عنه معارفه وعلومه. ويتماهى مع توجهاته ومواقفه: "إني سلم لمن سالمتم، وعدو لمن عاداكم". فهذا الخطاب أحق بالتفكيك ونقد أنساقه وبنيته، لتحرير الإنسان من هيمنة الفكر الدوغمائي، الذي يسلب الفرد حريته وإنسانيته، ويكف عن الاعتراف بعبوديته حينما يخاطب الإمام في ضريحه: "عبدك وابن عبدك وابن أَمَتك"، في مخالفة صريحة لآيات لا تقبل التأويل: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، (إنْ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدو إلا إياه). بل حتى مع إرادة الخدمة من مفهوم العبودية فأيضا يسلب المرء كرامته وحيثيته عندما يتحوّل إلى مجرد عبد وخادم مطيع بإرادته. فهذا الخطاب يعمق روح العبودية، ونخسر الإنسان الحر الواثق من نفسه ومن مواقفه. فخطاب الغلو يعمق روح الاستسلام والانقياد لأوهام عقيدية. ويقتل روح النقد والإبداع، فيصبح اللامعقول مصدرا للمعرفة، وهو إنكفاء مرير للماضي والجهل والأمية. ويكفي في خطأ هذا الفكر المغالي أنه لا يرتكز إلى مبدأ علمي في تفسيره للأحداث والظواهر التي دأب على ربطها بالإمام، بما في ذلك تفسيره لجملة من المحرمات والمكروهات. فتفكيك خطاب اللاعقل خطوة أولى على طريق المعرفة الصحيحة، فالكون قد انتظم بقوانين صارمة في نظامها، ولا يمكن لأي أحد، إمام أو غيره التحكم بها، أو التصرف بظواهرها، بل حتى الخالق تعالى يحترم قوانينه وسننه، ولا يتدخل في مسارها الحركي والتنظيمي. لكن المشكلة في رثاثة الوعي حينما يستكين العقل، ويصغي الإنسان لهرطقات اللامعقول فيهجر التفسير العلمي ويثق بها، كنهائيات وجزميات غير قابل للنقد والمراجعة. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi14مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق27) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة والتطهير

ماجد الغرباوي: ثمة اختلاف من زاوية أخرى بين العصمة السلوكية الإرادية، التي يسعى لها المؤمن بنفسه، فيخضع سلوكه وتصرفاته ونواياه للمراقبة والمحاسبة كي يعصم نفسه من المعاصي والموبقات، من وحي إيمانه ويقينه، فتنفتح عليه السماء، وترعاه وتسدده وفقا للسنن القرآنية التي مرَّ ذكرها. وبين عصمة إلهية، يفيض أو يتلطف بها الله على أحد من الناس. الأولى مبادرة شخصية، مرتهنة للتقوى، يشهد لها توازن الفرد سلوكيا. وأما الثانية فشرطها وجود آية صريحة بخصوصه، لأنها مبادرة إلهية، وهكذا بالنسبة للاصطفاء. كما بالنسبة لمريم: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ). التي قد يستفاد منها عصمتها من الذنب، ولو تقديرا من قبل الله. غير أن المهم بالنسبة للبحث أن الآية نص صريح في اصطفائها وتطهيرها بل واصطفائها على نساء العالمين، فالتطهير والاصطفاء قد تحققا فعلا وواقعا. وليس لهذا الاصطفاء شبيه. وهذا القدر لا ينفي العصمة السلوكية لمريم التي أهلتها للاصطفاء والتطهير (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ). وبالتالي ينبغي الاستدلال بآية صريحة لكل من يدعي عصمة الأئمة. وقد مرَّ بنا امتناع العصمة ذاتا، واستشهدنا بجملة آية على عدم ثبوتها للأنبياء، فضلا عن غيرهم. وأما حكم العقل لو كان له حكم فموضوعه الوحي وتبليغ رسالة السماء، فتكون من مختصات الأنبياء المرسلين، وهي قضية سالبة بانتفاء موضوعها بالنسبة لغير المرسلين.

بل حتى آية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) مشروطة بالاستقامة، حيث جاءت ضمن مصفوفة آيات، تتحدث عن أزواج النبي، فسبقتها وتلتها آيات تملي عليهن أحكاما خاصة بهن، وهي أحكام شديدة، تصادر حرية المرأة، خاصة المكوث في البيوت، لذا جاءت لتخفف وطأة الأحكام وبيان مقاصد التشريع، وهي أن الغاية: "التطهير من الرجس". وبالتالي فالطهارة من الرجس مشروط بالاستقامة والالتزام الفعلي بالتشريعات القرآنية. فالآية على وزان قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم)، التي جاءت لبيان مقاصد التشريع. فإذا كان التطهير مساوقا للعصمة فتشمل كل من تمحّض للإيمان قلبا وسلوكا. ولا خصوصية لأحد إلا على أساس (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). وإذا كانت خاصة، فتستدعي قرينة صارفة من سياق الآيات.

ثمة ملاحظة، إن مفهوم أهل البيت عرفا مفهوم شامل، لزوجات النبي وللأبن والبنت والأحفاد. حتى ذهب بعضهم إلى التوسع في مصداق الآية إلى أهل بيت الحرام وهم المتقون، مستدلا بقوله: (ان أولياؤه الا المتقون). وثالث يعتقد أنها شاملة لكل من يصدق عليهم عرفا أهل بيته من أزواجه وأقربائه وهم آل عباس وآل عقيل وآل جعفر وآل على أو النبي وأزواجه. ويؤيده قول الإمام علي في نهج البلاغة (9): (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالاْسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْر، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُد، وَقُتِلَ جعفر يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ،مَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ). وبالتالي حتى مع إطلاق مفهوم أهل البيت. فلا يمكن استثناء زوجات النبي. فهل هناك من يغامر ويقول أن خديجة بنت خويلد لو كانت طيبة لا تشملها آية التطهير؟ ثم أليس نساء النبي أمهات المؤمنين، (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فهل هي شاملة باطلاقها لجميع المؤمنين بما فيهم علي وفاطمة والحسن والحسين أم لا؟. ثم كيف يوجه خطابه في هذه الآية لغير زوجاته وهو في صدد بيان مقاصد التشريع لهن خاصة، حيث بدأت مصفوفة الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، ثم يردف في الآيتين التاليتين: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ)، وهي شاملة بإطلاقها لهنّ، ثم يشرع أحكاما خاصة بهن، ويأتي بآية التطهير لبيان مقاصد التشريع، ثم يلحقها بأحكام أخرى. وبالتالي فمقتضى سياق الآيات والفهم اللغوي أن كل من يشملها مفهوم نساء النبي تشملها آية التطهير. ولنا شاهد قرآني يؤكد شمول المفهوم للزوجة: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)، هذا ما قالته زوجة إبراهيم النبي، عندما بشرتها الملائكة بمولد جديد، فكان ردّ الملائكة: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). فهل يعقل أن نصرف مفهوم أهل البيت هنا عن زوجة إبراهيم وهي المخاطب في رد الملائكة؟. ثم هل نقتصر على بعض المؤمنين في آية (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم) التي تبدأ بخطاب عام لهم جميعا؟ أم تبقى على إطلاقها فتشمل زوجات النبي؟. ما لم يتجرد الفرد من قبلياته التراثية والطائفية والأيديولوجية، لا يمكنه إدراك الحقائق القرآنية. ولعل في قوله تعالى قول الفصل بدخول الزوجة ضمن الحلقة الخاصة من آل البيت: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ، إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ). أو من أهل البيت: (وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ)، فالزوجة داخلة في مفهوم الأهل والآل عرفا لذا جاء بالاستثناء. ولو كانت غير داخله عرفا لما احتاج للاستثناء، لأن الفهم العرفي سيكون قرينة على استثنائها. وهل عندما قال يوسف لاخوته: (ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)، كان يستثني زوجاتهم؟ وهل يصدر هذا من نبي كيوسف؟ ثم هل يهتم الزوج بعياله دون زوجته حينما يسمع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).

المهم بالنسبة لآية التطهير أنه ليس فعليا، وأنها لا تجزم بتطهير أهل البيت بل جعلته مشروطا بالتمسك بمجموعة التشريعات الخاصة بهم. على خلاف ما جاء في تطهير مريم، الذي هو تطهير منجز، قد تحقق خارجا، والفرق كبير بين القوة والفعل، فما كان بالقوة يبقى مرتهنا لشرطه. بدأت مصفوفة الآيات بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ)، فالخطاب موجه لزوجات النبي خاصة (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، فالأجر مشروط بالحسنى والعمل الصالح. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ)، أيضا مشروطة، (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)، والشرط واضح، فليس هناك تشريف. (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)، فالتميز بالتقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ثم تقول مصفوفة الآيات: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُوله)، وهي أحكام ثقيلة على النفس البشرية، فتحتاج لبيان مقاصدها وغاياتها، فجاءت آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، فجاءت لبيان الهدف والغاية الحقيقية. ثم تلتها مباشرة آية (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ). وهكذا الحديث من بدايته إلى نهايتة مع أزواج النبي. فاقصاؤهن من مصاديق الآية، فيه بعد طائفي، لا يطاق مع هذا البيان المستفيض. كما أن التطهير لا يلزم منه العصمة بل أن الآية تقول من يستقم يطهّره الله من الذنوب ومن الرجس، تماما كما في قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ). فالاستقامة تترتب عليها آثار، من باب إن الحسنات يذهبن السيئات. (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).

تقدم أن الاصطفاء شأن إلهي لغايات محددة، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، فهو ليس تشريفا بل تكليفا لغايات ربانية، كالنبوة والرسالة وما يتعلق بهما، فتكون المهمة السماوية كاشفة عن الاصطفاء: (قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ). بما في ذلك اصطفاء مريم حيث تقول الآية: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، فاصطفاها الخالق رحماً طاهراً لينفخ فيه من روحه، فيكون عيسى بن مريم، الذي تنتظره مسؤوليات نبوية ورسالية عظيمة. لذا لا دليل لنا على الاصطفاء سوى كتاب الله. ثم قد يلازم الاصطفاء التطهير أو التفضيل أو العصمة، لكن كل هذا ضمن ضابطته القرآنية، لذا عندما تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فالاصطفاء هنا ليس تشريفا، كي يُخلع على كل من انتسب لهم، بل تكليفا بالنبوة وبالرسالة، فلا يلزم منه أية صفة أخرى كعلم الغيب، وعدم الخطأ والنسيان وغير ذلك من صفات مفارقة للطبيعة البشرية.

والاصطفاء أيضا يصدق على الإمامة القرآنية، فيشترط في صدقيتها وجود آية صريحة بينة لا لبس فيها، تدل عليها كإمامة إبراهيم، التي لم يرفدها الكتاب العزيز بتفصيلات كافية سوى قوله: (إِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). فالإمامة تأتي بعد مرحلة من الاختبار الرباني المباشر، "إذا ابتلى الله ابراهيم بكلمات". لا نعرف ما هي الكلمات التي أتمها، لكنها تبدو على درجة رفيعة من الأهمية اقتضت تنصيبه إماما. ورغم أن ذرية إبراهيم أنبياء، لكن الآية أجابت بشكل عائم: "قال لا ينال عهدي الظالمين". وبالتالي هذا النوع من الإمامة يحتاج لتصريح رباني، فنسبت الظلم للناس لا يمكن رصده من خلال سلوك الإنسان، فقد يجهل من حوله أنه ظالم لنفسه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، فظاهر هؤلاء الصلاح، وربما تعلوهم سيماء الإيمان، لكنهم في علم الله "منافقون". من هنا أشترط نصا قرآنيا لثبوت الاصطفاء، لانه يورث الجزم  واليقين، مادام حتى النبي لا يمكنهم الجزم بتزكية أي شخص. لذا تحتاج الإمامة إلى آية صريحة لكل إمام إمام. وهذا مفقود لغير إبراهيم النبي الكريم. وهذه الآية بالذات تؤكد أن الإمامة شأن إلهي، وليس شأنا نبويا أو رسوليا. ولو كان إبراهيم يعلم أن الإمامة شأن نبوي، فلماذا يسأل الباري تعالى: "ومن ذريتي؟"، وهل هناك مثل إبراهيم يشيد القرآن بحكمته ومقامه الرباني (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). إن دلالات هذه الآيات واضحة (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟. وبالتالي وهذه هي النتيجة المهمة، أن أي رواية تتحدث عن الإمامة ينبغي تأويلها في ضوء إمامة إبراهيم، التي تقتضي الانصراف عن الإمامة الإلهية إلى الإمامة السياسية. أو بمعنى التقدم الرتبي. بهذه الطريقة يمكن ضبط المصطلحات، والكف عن توزيع المناصب الإلهية بلا دليل قرآني، لأن كل منصب إلهي، هو ممتنع بذاته، ما دام مفارقا للطبيعة البشرية، فيبقى حتى القاعدة العقلية، ولا يمكن رفع اليد عنها إلا بآية صريحة، لا لبس فيها، تورث العلم واليقين، فحينئذٍ، لا نخصص القاعدة العقلية، لأنها لا تخصص، بل نعيد النظر في فهمنا لتلك الظاهرة التي نحسب أنها مخالفة للطبيعة البشرية، وعندما نعيد النظر فيها سنكتشف مدى صدقيتها وحقيقتها ومدى مطابقتها للواقع.

العصمة في سيرة الأئمة

إن احتمال صدور بعض روايات تراث الغلو عن الإمام المعصوم احتمال ممكن، حيث دأب خطاب التنزية المعتدل، على رمي الغلو باختلاق رواياته، ونفيها عن الأئمة، رغم صحة جملة من أسانيدها. والسبب في نفيها رفض العقل والمنطق لمضامينها، وتنزيها لرموزهم الدينية. فالإمام معصوم، والمعصوم وفقا لخط الاعتدال لا يصدر عنه ما يخالف العقل والقرآن، عكسا لخط الغلو الذي يتخذ من العصمة علة لصدور ما يروى من خوارق وغرائب وكرامات. وهناك جملة من أصحاب الأئمة مصنفون على خط الغلو، وقد ذكرت في مناسبة مناظرة رجل الغلو المعروف المعلى بن خنيس مع عبد الله بن يعفور رجل الاعتدال في حضرة الإمام الصادق حول منزلة الإمام، وهل هو أفضل من الأنبياء؟ وكان الصادق يصغي لهما، لولا انحيازه في نهاية المطاف إلى عبد الله بن يعفور، وقد سجلت ملاحظات عدة في حينها. كيف يتخذ الصادق المعلى من أصحابه؟ ولماذا يسمح بهكذا مناظرات مغالية؟. وغير ذلك. وبالتالي فاحتمال صدور روايات تبالغ في تنزيه الأئمة حد الغلو أمر ممكن بذاته. لكن روايات كثيرة نقلت لنا مواقف صارمة من الغلو، خاصة من قبل الإمام الصادق، منها: (لعن اللّه المغيرة بن سعيد… إنّه كذب على أبي (ع) فسلبه الله الإيمان، وأن قوماً كذبوا عليّ، ما لهم؟! أذاقهم الله حرّ الحديد، فو الله ما نحن إلّا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضرّ ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجّة، ولا معنا من الله براءة، وإنّا لميتون، ومقبورون، ومنشّرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون، ويلهم ما لهم لعنهم الله؛ فلقد آذوا الله وآذوا رسوله (ص) في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي (صلوات الله عليهم)”. (كتاب: اختيار معرفة).

وقبل الإمام الصادق كان الإمام علي يطالب أصحابه: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُو كُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا،) (خطبة: 216).

وأما الروايات التاريخية التي تنفي أي صفة فوق بشرية لهم فكثيرة، يمكن مراجعتها في مظانها، وقبل هذا وذاك فإن هذا النوع من العصمة منتفٍ عن الأنبياء فكيف بغيرهم، إضافة للامتناع الذاتي لها، كما مرَّ تفصيلا.

الأئمة كغيرهم من البشر مروا بأطوار حياتية مختلفة، وواجهتهم ظروف تتباين في مستوى تحدياتها. وكانوا بشرا يتعامل معهم الصحابة باحترام وتقدير، فكانوا يجالسونهم ويختلفون معهم، ولم يصفوهم بصفة (إمام). وكان الناس يعتبرونهم شيوخ آل محمد، أو علماء آل محمد، وعلماء أبرارا. وترى الشخصية العلمية الكبيرة، زرارة بن أعين مثلا يقول سألت جعفرا وتكلمت مع جعفر. ويقصد الإمام جعفر الصادق، وعندما مات الأخير لم يعرف من هو الإمام التالي وبعث ولده لتقصي الحقائق، لكنه مات قبل عودته. وموقف زرارة الأخير اربك موقف الإمام الرضا، وراح يوجهه بالتقية. أما الآن فالأمر تغير. العقيدة الشيعية كغيرها من العقائد، تطورت تطورا كبيرا، وما يتمسك به الشيعة اليوم نتاج جهود جبارة لمئات السنين، ولم يكن لها أثر في عهد النبي، باستثناء أحاديث الفضائل. فهي تراكم جهود المتكلمين والفقهاء وردود أفعال متلاحقة، وتحديات مستمرة، ونزاعات متواصلة، حتى رست على صيغتها الأخيرة في ظل حراسة عقائدية مشددة، وحصانة منحت مصادرها قدسية رفيعة، ودعم شعبي جارف من خلال طقوس تتناسل وتتسع في ظل تحديات وجودية. فلا يمكن فهم العصمة إلا ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية، وحجم التحديات التي واجهت الشيعة، خلال الدولتين الأموية والعباسية، بل ومن جاء بعدهما. فدراسة المدونات التاريخية والكلامية وتاريخ الفِرق والمذاهب شرط لمعرفة طبيعة الأجواء والظروف التي انبثقت في ظلها جملة مفاهيم لم تكن معروفة سابقا كمفهوم العصمة الذي نظّر له هشام بن الحكم حيث كان الظرف السياسي من الصعوبة كاد ينعكس على شخصية الإمام الصادق بسبب رفضه للتحرك المسلح، واستلام السلطة، ثم جاءت مشكلة تحديد الإمام بعد وفاته، فعاش الشيعة ظرفا قلقا جدا، كاد يطيح بمشروع الإمامة برمته، سيما مع عدم ظهور المهدي، الحلم الذي ينتظرونه لإقامة دولة شيعية تعيد لهم الاعتبار، فأنقذت العصمة التي نظّر لها هشام بن الحكم الموقف، وتدارك تداعيات الفجوة التاريخية بين وفاة الصادق والكاظم، الذي من المؤكد قد سمع بها، فسكت عنها، على فرض أنها عصمة سلوكية ليست أكثر، حيث وجد فيها ملجأ للإمساك بما تبقى من الشيعة. بينما العصمة هجرت تاريخيتها، وراحت تخط لها مسارا جديدا، وأصبح لها لوازم عقيدية متعددة.

كان أحمد بن محمد بن عيسى (القمي) وهو فقيه كبير عاصر الإمام الجواد كان يضرب من لا يقول بسهو النبي في الصلاة. فهل ثمة من يتجرأ الآن على أقل من هذا الكلام ولا يُرمى بالانحراف والمروق؟. بل لا يمكن التجرؤ على مقامات وأضرحة وشخصيات مبتدعة فضلا عن مقامات حقيقية أكبر. والأنكى لا يمكنك نقد طقوس وممارسات مبتدعة، لا علاقة لها بالدين وأهل البيت. حتى أصبحت القداسة ما يقدّسه الناس، وليس ما هو مقدّس بذاته. بهذا الشكل تطورت العقيدة الشيعية. ومن يقرأ التاريخ قراءة نقدية موضوعية سيكتشف حجم المعاناة، وسيفهم كيف تم بناء منظومة عقائدية شيعية، وحينئذٍ لكف الناس عن هذا القدر من التقديس الذي ارتفع بأهل البيت إلى مصاف الخالقية، فراح أعداء الشيعة يرمونهم بالشرك ويستبيحون دماءهم. سيما أن أهل البيت يتبرأون ليل نهار من الغلاة وعقائدهم المريبة. الشيعة اليوم مطالبون بالتعامل مع الأئمة برؤية مختلفة، كي يستفيدوا من تجربة تاريخية غنية.

العصمة نتاج أصحاب الأئمة منذ هشام بن الحكم من أصحاب الصادق والكاظم. وقد نقل صاحب البحار في (ج25 ص207): قال حسين ابن سعيد الأهوازي من أصحاب الرضا والجواد عليهم أفضل الصلاة والسلام لا خلاف بين علمائنا في أنهم عليهم السلام معصومون عن كل قبيح مطلقا). فالقائلون بعصمة الأئمة تاريخيا هم بعض أصحاب الأئمة. بينما في روايات الأئمة ما يخالفه، وقد جاء في بعض الروايات: (نحن نذنب ونتوب الى الله). وقد أكد الشيخ محمد آصف المحسني في كتابه مشرعة بحار الأنوار بقوله: (ثم جاء الصدوق والمرتضى والطوسي فذكروا براهين فنية على عصمة الإمام قبله لا يوجد عندنا أي دليل). فالاستدلال والتنظير للمقولات الكلامية الشيعية يمكن نسبته إلى القرنين الرابع والخامس الهجري.

ياتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق26) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

عصمة الأئمة

ماجد الغرباوي: تقدم أن العصمة السلوكية متاحة لكل فرد وفقا للسنن القرآنية، وهي تعبير آخر عن التقوى، فلا ملازمة بينها وبين الفقاهة والعلم والحكمة والدراية وعلم الغيب. ولا يلزم منها مطلق التزكية، سوى الظاهر من سلوكه، (اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ويبقى كل فرد مرهوناً بعمله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). وهذا شامل باطلاقه حتى الأنبياء (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).

 وأما العصمة في التبليغ فهي مقتضى العقل الديني كما هو مقرر عندهم في ضوء فهمهم الخاص لمعنى النبوة والوحي، وقد مرَّ الحديث عنها. لكن الصحيح لا ملازمة عقلية بين التبليغ وعصمة المبلغ مطلقا، بل يبقى الخطأ والنسيان والاشتباه محتمل في سلوكه. التبليغ لا يستوجب عصمة المبلغ، وإذا ثبتت فتثبت من خلال سيرته وسلوكه العام، قبل الوحي، حيث عُرف النبي بصدق الحديث، ثم تأكد لهم ذلك من خلال سيرته وسلوكه وصدق لهجته. فثمة قرائن حالية ومقامية تدل على الأمانة والصدق، وهو معنى العصمة هنا. ولا مانع من وجود لطف يحول دون نسيان الأنبياء واشتباههم بتبليغ الوحي. فحكم العقل الديني بالعصمة يرتكز لقبلياته، وهي صورة مثالية، عززها إيمان تقليدي وعوامل نفسية، خلقت أجواء روحية عالية، بما تمتعت به شخصية الرسول من صفات حميدة وكارزمية (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). حداً كأن الصحابة يصغون لجبرائيل حينما كان النبي يتلو عليهم آيات الكتاب. فالحكم بعصمة النبي بالتبليغ حكم نفسي، معزز بالقرائن، وليس عقليا، لذا تجد الأمر مختلفا بالنسبة للمنافقين، والذين في قلوبهم مرض، كما يصفهم الكتاب الكريم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). ومن باب أولى لا يحكم العقل بعصمة أحدٍ خارج دائرة التبليغ، لو سلّمنا ثمة حكم للعقل بخصوصها.

المهم، أن هدف العصمة، إذا اقتضاها العقل، فلضمان أمانة وإخلاص وصدق النبي في التبليغ. أو بعبارة أدق: أن موضوع العصمة هو تبليغ الوحي. ولم ينعقد اجماع خارج دائرة تبليغ الوحي. فالوحي هو المبرر الوحيد لعصمة الأنبياء، وبانتفائه تنتفي العصمة.

مبررات عصمة الأئمة

تأسيسا على ما تقدم: إن عصمة غير الأنبياء، قضية سالبة بانتفاء الموضوع، فلا موضوع يقتضي عصمة أحد من الناس، لعدم المقتضي، لا لوجود مانع. ومقتضي عصمة الرسل هو الوحي، وفقا لعقيدتهم بالنبوة، وقد انقطع بوفاة الرسول. فالكلام عن عصمة الأئمة وفقا للعقيدة الشيعية استطرادا.

لا مانع من تلبّس الإمام بالعصمة السلوكية فهي مرهونة للتقوى ومتاحة لكل فرد، وفقا لسنن الكتاب المجيد، وقد نقل لنا التاريخ صورة ناصعة عن شخصيات ربانية في سلوكها وحكمتها وأخلاقها ومبدئيتها وعلمها وتقواها، وهم أئمة أهل البيت. لكن الكلام حول دليل عصمتهم غير السلوكية، التي اتخذت بعدا ميثيولوجيا، قوامه اللامعقول والخرافة والخروج على العقيدة وقيم الدين والكتاب الكريم.

المبررات الكلامية

طرح علماء الكلام الشيعي مبررات لعصمة الأئمة، يمكن الإشارة إلى ما جاء في كتاب عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر، حيث قال: (ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي). دون أن يذكر دليلا على المساواة بين النبي والإمام، رغم أنها مسلّمة في العقيدة الشيعية، وفقا لأدلتهم الروائية. وأما وفقا للمنطق القرآني فنحتاج إلى آية صريحة تدل على المطلوب نرفع بها اليد عن القاعدة العقلية الحاكمة في المقام، كما تقدم في مبحث الاصطفاء، باعتباره شأناً إلهياً، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). فاعطاء الإمام ما للرسول يفتقر للدليل القرآني الصريح، وهو منتفٍ بالضرورة.

وأما التعليل الوارد: (لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي)، فيلاحظ عليه، أولاً: تقدم أن مبرر عصمة النبي هو تبليغ الوحي والرسالة السماوية، وقد انقطع بوفاته، فلا موضوع لها. ثانيا: أن القوامة على الدين لم ترد ضمن مبررات العصمة للنبي، كما أنها ستشمل غير الإمام كالفقيه، ولا أحد يقول بعصمته.

ثم ما المقصود بحفظة الشرع؟ وما المقصود بالقوامين عليه؟، هنا توجد احتمالات:

- المحافظة على الشرع من خلال بيان الأحكام الشرعية. وهذا لا يستدعي العصمة، لأن فقه الأحكام يتأثر بالواقع وبقبليات الفقيه، فيؤثر بها الزمان والمكان، فهي متجددة بطبيعتها، ولا مناص من الاختلاف، لذا عقد الفقهاء بابا لرفع التعارض بين روايات أهل البيت، بعنوان: التعارض والتراجيح. كما أن ألتأسي بهم واتخاذهم قدوة لا يقتضي عصمتهم، بل قوة شخصية الفرد المؤمن أن يعصم نفسه عن ارتكاب المعاصي مع قدرته عليها.

- المقصود بالقوامة على الشرع استمرار التشريع، بعد كتاب الله وسنة نبيه، حداً تكون سيرتهم (قولهم، وفعلهم وتقريرهم)، كسيرة النبي في الحجية، وتكون رواياتهم، مخصصة أومقيدة لآيات الكتاب. وهو متفق عليه، لذا استمر عصر التشريع عندهم حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ). لكن تقدم أكثر من مرة أن التشريع منحصر بالله تعالى، وقد أعلن الكتاب الكريم تمامية الدين، بمعنى العقيدة والشريعة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وإذا أضفنا لها الآيات التي حصرت وظيفة النبي بالتبليغ والتفصيل والبيان، فلا حجية للسيرة النبوية باستثناء ما له جذر قرآني، كتفصيلات الصلاة، ما لم يتطور مفهومها. كما أن الأئمة لم يدعوا التشريع، وكانوا يمارسون دورهم الديني في شرح وبيان واستنباط الأحكام الشرعية، وكانوا يردون على إشكالات صحابتهم ويجيبون على أسئلتهم. ولم يتبادر لأحد منهم وجوب الانصات لهم باعتبارهم مشرعين، وأن ما يقولونه يعتبر نصا شرعيا من  الله تعالى؟. بل جاء في الروايات أن الإمام الباقر اختلف مع والده الإمام السجاد، واختلف الإمام الصادق مع والده الباقر في بعض المسائل الفقهية. والإمام الحسن العسكري أحال الناس على الفقهاء.

العصمة وقدامى العلماء

إن مبررات الشيخ المظفر لوجوب عصمة الأئمة جاءت بعد 12 قرناُ أو يزيد، حيث توفي عام 1964 م. بعد أن تولى علماء الكلام التنظير لها طيلة تلك الفترة، ورفدوها بأدلة عقلية ونقلية وضرورات مذهبية وطائفية وفقهية. فهي خلاصة وعي متأخر عن عصر الأئمة بل وعن عصر أول ظهور لمفهومها على يد المتكلم الشيعي هشام بن الحكم بعد وفاة الإمام الصادق (148 هـ) وبداية حياة الإمام الكاظم. فتحولت إلى قضية عقائدية، وراح أصحاب الأئمة، ينظّرون لها بدوافع أيديولوجية ومذهبية وطائفية، وراحت تمارس سلطتها وتفرض محدداتها. وانتقلت مسؤولية الباحثين من مدارات النقد إلى التأويل، وفقد البحث موضوعيته وتجرده وأفضى إلى فكر كلامي مهمته الدفاع عن العقيدة وترسيخها وليس نقدها وتمحيصها، فتراكمت النصوص عن مختلف المصادر.

بدأ نقرأ أدلة منظّر مفهوم العصمة المتكلم الشيعي هشام بن الحكم، فعندما سأله محمد بن أبي عمير عنها، وهو مجايله، من أصحاب الإمام الكاظم ومشهود له بصحة روايته، أجاب:

(إنّ جميع الّذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها الحرص والحسد والغضب والشّهوة، فهذه منفيّة عنه:

- لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟

- ولا يجوز أن يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟

- ولا يجوز أن يغضب لشي‏ءٍ من أمور الدنيا إلّا بأن يكون غضبه لله تعالى؛ فإنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه عزّ وجلّ؛

- ولا يجوز أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إليه الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ينظر إلى الدنيا؛ فهل رأيت أحداً يؤخّر وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ، وثوباً ليّناً لثوبٍ خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟)

وهذا الاستدلال قائم كما هو واضح على مقدمات مثيولوجية، نتاج عقلية تبجيلية، لا دليل عليها. فلم يستنتج العصمة من خلال الأدلة، بل أقام أدلته للدفاع عنها، فكان منهجه كلاميا وليس عقليا. وكل قضية من قضايا الاستدلال تحتاج إلى دليل مستقل، ولم يذكر شيئا. فمثلا يقول: "لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه"من أين أتى أنها تحت خاتمه لولا وجود صورة مسبقة مركوزة في ذهنه تصوّر الإمام أن الدنيا تحت خاتمه. ثم يقول: "لأنّه خازن المسلمين فعلى ماذا يحرص؟". وهذه قضية مطلقة، فهل كل من كان خازنا للمسلمين لا يكون حريصا، ومن ثم يكون معصوما بالضرورة؟. وهكذا باقي الفقرات. وبالتالي لم يقدّم هشام بن الحكم دليلا مقنعا على وجوب عصمة الإمام من خلال هذه الأدلة. لكن الفكرة التي بدأ ينظّر لها تطورت علي يد علماء الشيعة.

وله دليل آخر لإثبات عصمة الأئمة، حيث قال كما نقل عن الشهرستاني: (النبي يوحى إليه فينبهه على وجه الخطأ فيتوب منه، والإمام لا يوحى إليه فتجب عصمته). وهو كما ترى، يقيم دليله فوق مقدمات لا دليل عليها، سوى قناعته الشخصية، فهو مطالب أولا بدليل  قرآني صريح يثبت وجود دور إلهي للإمام، وهو مفقود بالضرورة. الإمامة شأن إلهي ولا يمكن لأحد الإدعاء بها بلا دليل قرآني صريح. ثم عليه إبراز أدلة قرآنية صريحة على كل واحد من الأئمة، وهو مفقود أيضا. وتقدم في بحث الاصطفاء والاستيزار ما يكفي من أدلة تؤكد أن المناصب الإلهية شأن إلهي، لا طريق لإثباتها سوى الكتاب الكريم، لأنه يورث الجزم واليقين لنرفع به اليد عن القاعدة العقلية التي تؤكد عدم وقوع الممتنع عقلا خارجا.

وهشام بن الحكم متكلم معروف في زمانه، وكان يقول بالتجسيم، وقد اعتنق المذهب الشيعي فيما بعد، فكرّس جهوده الكلامية لأسطرة الإمام. وقد حاولوا تبرير مواقفه الكلامية من التجسيم، لكنهم فشلوا حتى اعترف الشيخ المفيد ( 413هـ) بذلك، وروى الكشي في رجاله روايات تؤكد مبانيه الكلامية في التجسيد، رغم روايته ما يعارضها من روايات. وقد نقل الشهرستاني في الملل والنحل مناظراته مع أبي الهذيل وغيره، وأكد تبنيه لفكرة التجسيم. وتنظيره للفكر العقدي الشيعي.

تطور مفهوم العصمة

لقد استأثرت العصمة باهتمام علماء الشيعة، خاصة فقهاء ومتكلمي ما بعد الغيبة، حيث ألفت كتب عديدة، وتناولها الجميع خلال بحوثهم الكلامية والروائية. وكنموذج لتطور مفهوم العصمة لدى الشيعة: أولاً: قال الشيخ الصدوق (وفاته 390 هـ) في كتاب الاعتقاد: (اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهّرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبا، لا صغيرا ولا كبيرا، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم). فيبدو من كلامه أنه يتبنى العصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، ومؤداها واحد، أن العصمة قدر الإمام، لا خيار له في ذلك. فيصدق عليها استلاب الإرادة كما مرَّ بيانه.

إن أغرب ما في قول الصدوق أنه ساوى بين الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة. علما أن الملائكة عصمتهم ذاتية لتجردهم عن الإرادة (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). كما أن الأنبياء والرسل منصوص على اصطفائهم من قبل الله تعالى، ومهامهم الرسالية تقتضي عصمتهم في التبليغ وفقا لمفهوم المتداول لمعنى الوحي والنبوة. بينما لا يوجد نص يؤكد ثبوت الإمامة الشيعية بأشخاصها، سوى روايات، وهي لا ترث سوى الظن: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا). وأقصد بالإمامة مفهومها الذي وضع الصدوق بموجبه الإمام بمستوى الأنبياء والملائكة. بشكل تكون له وظيفة إلهية ضمن منظومة العقيدة الدينية القرآنية. لا شك أن الروايات تفيد التنزيه وشهادة بنزاهتهم، وهذا لا يصلح أن يكون دليلا علميا نرفع به اليد عن القاعدة العقلية المتقدمة. فالمقصود هنا ليس العصمة السلوكية، بل العصمة الإلهية الربانية التي ترتفع بالإمام إلى مستوى الرسل.

إن منهج الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، في عقيدته منهج روائي، يعتمد فيه على الأخبار، وما ورد فيها من آراء مغالية بالأئمة وخصائصهم الذاتية. التي ترى وجوب العلم "اللدني" للإمام، ومتى شاء يعلم يعلم، وبأي حقل من حقول المعرفة. وعلم الغيب، ومعرفة جميع اللغات، إلى آخر الصفات التي خلعتها عقيدة الغلو على الإئمة، وهي وليدة مخيال مثيولوجي، يسقط على موضوعه ما يحب ويرغب.

ثانياً: في مقابل الشيخ الصدوق ومنهجه الروائي نقرأ رأيا للمتكلم والفقيه الشيخ المعروف الشيخ المفيد (وفاته 413هـ) في كتابه تصحيح الاعتقاد ردا على الشيخ الصدوق، حيث يقول:

(العصمة من الله تعالى لحججه هي التوفيق واللطف والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى. والعصمة تفضّل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته. والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له ...).

وهنا تقرأ استدلالا مغايرا، ينتمي في روحه للكتاب الكريم، ملخصه أن العصمة توفيق وتسديد من الله تعالى، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). فثمة أرضية قوامها الاستقامة والتقوى تؤهل الفرد لمستوى العصمة بمعنى عدم ارتكاب المعاصي. وأما عدم الغلط في دين الله، فالمقصود به العلم والفقاهة، ولا أجد في كلام الشيخ المفيد ارتفاعا أو غلوا بالمعصوم خارج السنن الإلهية، فالعصمة السلوكية، والفقاهة، ممكنة، كما أن الحكمة التي هي مقوم أساس للشخصية المثالية والإنسان الكامل، ممكنة هي الأخرى، بدليل قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وبهذا نفهم أن مراد المفيد في هذا النص بالذات هي العصمة السلوكية إضافة إلى التسديد والحكمة الإلهية، ولم يغالِ في شخص المعصوم بل يؤكد استعداده للمعصية بطبيعته: (والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، ...).

فالعصمة عند الشيخ المفيد عصمة اختيارية، يسعى لها الفرد بإرادته، وتتحقق له وفقا للسنن الإلهية. والحقيقة أن من يطمح للاستقامة والعصمة من الذنوب، يعش تجربة روحية عالية، تخلق لديه علاقة جدلية بينه وبين سلوكه الخارجي، فكلما تمسك باستقامته كلما انعكس ذلك على وعيه للأنا بشكل تكرس حالة الالتزام حداً تصبح لديه ملكة وعصمة ذاتية، بفعل المراقبة والعزيمة والتفكير، بالذنب وما يترتب عليه من آثار تنعكس سلبا على علاقته بخالقه، فيعيش حالة توتر، لذا يدرأ تداعيات الندم واللوم بالتقوى والورع عن محارم الله. وبالنتيجة هذه العصمة اختيارية، يسعى لها الإنسان بكامل إرادته، وليس مجبورا عليها، كما يذهب لذلك القائلون بالعصمة التكوينية، التي تعني أن العصمة قدر المعصوم. فهي ليست فعلا إراديا، بل فعل رباني، سببه وجود خصائص ذاتية لدى المعصوم، ودور وجودي وتشريع يتوقف على عصمته. ولا دليل على العصمة الجبرية. بينما الأيات تشهد للعصمة الاختيارية كقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)، وهذه الآية صريحة في دلالتها على الاختيار، حيث تخاطب النبي "فإن فعلت"، فهو قادر على الفعل، ويمتنع عن المعصية بإرادته. وأيضا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، وهي واضحة في دلالتها على الاختيار، وأكدت إمكانية النبي للتقول لكنه عصم نفسه ولم يتقول.

وقد تابع الشيخ المفيد جمع من علماء الشيعة، كالسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وغيرهما. في مقابل من قال بالعصمة الجبرية أو التكوينية أو الذاتية، وكلها تعني أن المعصوم مجبر على العصمة.                                                                                                                                          

ثالثا: ذهب صاحب تفسير الميزان أن سبب العصمة حصول علم يقيني رادع عن المعصية. ويقصد بالعلم هنا، هو العلم الحضوري، في مقابل العلم الحصولي الكسبي، والفرق بينهما واضح في كتب المنطق. فالعلم الحضوري حضور ذات المعلوم، بينما العلم الحصولي حضور صورة الشيء في الذهن. وقد يكون من الصعب بيان الفوارق، غير أن الشعور بالحب والبغض والخوف، تعتبر من العلم الحضوري. لذا قال في تفسير الميزان: (الأمر الذي تحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه من التلبس بالمعصية والخطأ، وبعبارة أخرى، علم مانع من الضلال). وهذا النوع من العلم لا يتنافى مع الاختيار. واستشهد لهذا العلم بقوله تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ). فثمة علم يجعلك ترى الحقيقة ماثلة أمام عينيك.

وهذا الكلام بعمومه صحيح لكن الأمر لا يتوقف على العلم مجردا عن الإرادة، فثمة من يقتحم الموت بإرادته رغم يقينه أنه سيموت، لا فرق بين المؤمن وغيره، فالاستشهاد من أجل القضايا الوطنية مثلا ليست حكرا على المؤمنين بالله واليوم الآخر.

والخلاصة، لا يختلف القول الثالث عن العصمة الإرادية. فالاتجاه العام للفكر الكلامي الشيعي المعتدل هو عصمة الأئمة عصمة سلوكية إرادية، وما الغلو سوى اتجاه مغير في رؤيته للإمام ومركزيته  ودوره، كما سيأتي بيانه.

لكن ما هو راي الإمام بالعصمة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق25) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

قدسية الصحابة

ماجد الغرباوي: مرَّ أن العصمة بدأت مفهوما بسيطا، أن الرسول مسددٌ أو معصومٌ في تبليغ الوحي، عصمة مفادها: الأمانة والضبط والصدق وعدم الكذب أو الخطأ في تبليغ الوحي، وفق دليل عقلي مرّ ذكره. فالمفهوم كان ناظرا لخصوص الوحي دون ما عداه إلا من باب المقدمة، لتعزيز الثقة به. فتكون العصمة قيمة أخلاقية، تمثّل ذروة الاتزان السلوكي عند تبليغ الوحي، دون سلب قدرته على الخطأ والنسيان بل حتى ارتكاب المعصية: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ). والسيئة عمل غير صالح، كما هو واضح في آيات أخرى. وماعدا الوحي، كان الصحابة يسألون النبي حينما يُخطئ في قرار إجرائي: "أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟". مثله اعتراض سعد بن معاذ عندما أراد الرسول أن يعقد اتفاقا مع "غطفان" في معركة الأحزاب. فوافقه على رأيه. فكانت الشورى مبدأ في سياسته، باستثناء الوحي. غير أن مفهوم العصمة راح يتطوربعد وفاة الرسول، ليرقى إلى معنى القداسة، والارتفاع بالمعصوم / الخليفة فوق النقد والمساءلة، بفعل حاجات سياسية، اضطرت لها السلطة والمعارضة بعناوين مختلفة كعصمة مطلق سيرة النبي (قوله وفعله وتقريره)، وعدالة الصحابة لدى السنة، كقول عثمان: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله) وعصمة الأئمة عند الشيعة. وبالفعل ساهمت هذه العناوين في تحصين الخلفاء، وكان أول توظيف للدين سياسيا. فخرج المفهوم عن المعنى الموضوع له والمستعمل فيه. وهذا مبرر لتحري المعنى الجديد ومراجعته، لوقوعه ضمن النسق العقدي الذي نروم نقده، خلال تفكيك العقل الفقهي. سيما أن كلا الطرفين ارتكز لأدلة عقلية ونقلية في خطابهم التنزيهي. ولا يخفى حجم ما يترتب عليه من آثار شرعية وغيرها.

إذاً سنتحرى صدقية مفهوم العصمة / عدالة الصحابة بمعنى القداسة، قبل أن يتطور على يد غلاة الشيعة إلى مفهوم مفارق للطبيعة البشرية. وهو تطور متوقع ضمن أنظمة أنتاج المعنى، التي تسعى لإضفاء معنى، يكرّس الرصيد الرمزي من خلال تراكم مثيولوجي، داخل مجتمعات مسكونة بالغيب والسحر والخرافة. فنتناول أولا مفهوم عدالة الصحابة، الذي هو معادل موضوعي لعصمة الأئمة. وفي مرتبة سابقة عليها. وينبغي التنبيه أن الانقياد لطاعة الرسول مفترضة قرآنيا، بينما طاعة أولي الأمر مشروطة، كما مرَّ بيانه.

عدالة الصحابة

تعني عدالة الصحابة عصمتهم عن الخطأ، وتكون سُنتهُم حجة شرعية، ملزمة مع فقدان الدليل. وهذا اعتراف غير مباشر بعصمتهم، وإن لم يصرّحوا. وما العصمة سوى امتناع الخطأ فضلا عن ارتكاب المعصية. فلماذا يدان الآخر بقوله بالعصمة ولا يدان من يقول بعدالة الصحابة وهما على درجة واحدة من التقديس؟. فلازم عصمة أئمة أهل البيت هو الإلتزام بأوامرهم ونواهيهم. وهذا هو المهم في فهم العصمة عند تأسيسه من قبل أصحاب الأئمة. وما زاد عليه الغلو لا ينفي القدر المتيقن من حقيقتها. من هنا يتضح مكر المفهوم عندما يتستر على دوره في فرض حقيقته، ويوحي باختلاف دلالتيهما. بينما يفهم كل من المتلقي السني والشيعي من المصطلحين ذات الدلالة. ويتمسك بذات الإلزام. فكلاهما معصوم بمفهومين وتنظيرين مختلفين، حتى وإن كان مستوى الإلزام بينهما مشككا وليس متواطئا. فلا شك في صدق القدر المتيقن. فالحقيقة لا تتغير، ويبقى مفهوم العصمة واحدا، بأي لفظ جاءت. وهذا غلو صريح، لا يمكن للسني التنصل عنه، خاصة إلتزامه بسيرة وسنة الشيخين، مع فقدان الدليل، فهو مصداق واضح في المقام. وقد اشترطت الشورى التي اختارها عمر لانتخاب الخليفة الثالث على الإمام علي التزام بسيرة الشيخين ورفض، بينما وافق عثمان ففاز بها. وهل الشرط سوى عصمتهما والتمسك بسيرتهما مهما كانت أخطاؤهما؟.

ليس النقاش حول المثال والمصداق، فهي كثيرة. بل الكلام حول المفهوم ودلالاته الخارجية، وفهم تزويراته وخداعه ومكره ومراوغاته عندما يفرض حقيقته، ويتستر على دوره في وجودها، وكيفية تكوّن سلطتها. فما زال التراشق بين المذهبين قائما حول العصمة ودلالاتها، ومتى انطباق مفهوم الغلو عليها. وكلاهما يسكت عن مفهوم عدالة الصحابة التي تعني تماما عصمتهم بالفهم المتقدم. فأهل السنة وإن لم يصرحوا بعصمة الصحابة لكنهم عملا يعصمونهم من كل خطأ وزلل. ويبررون سلوكهم مهما كان دمويا، ويَحملون إرتكابهم الخطأ واقترافهم الذنب مهما كان كبيرا، على ترك الأولى والأفضل، وعدم التعمد في معصية الخالق، وغير ذلك من مبررات لا تمت للحقيقة بصلة. ويتمسكون بسيرتهم ويستشهدون بأحاديثهم في كل مناسبة، ويشيدون بفضائلهم بخطاب تنزيهي لا يختلف كثيرا عن الخطاب التنزيهي الشيعي. فهم في أعلى درجات القداسة عملا، مثلهم مثل الأئمة، لكنهم يخدعون المتلقي بالألفاظ. خاصة حينما يتشبثون بأقوال متطرفة حول مفهوم العصمة، لإبعاد الشبهات حول مصداقية مفهوم عدالة الصحابة، بما يشبه الإسقاط. بينما المفهوم الأول للعصمة عند التأسيس لا يعدو كونها عصمة سلوكية إرادية، تعني التسديد والمَنَعَة التي هي لطف إلهي حينما يلتزم المؤمن ويستقيم في سلوكه، وهو ما يتبناه الخط الشيعي المعتدل. فالعصمة السلوكية سنة إلهية – قرآنية، لكل من يستقيم، ولا تختص بشخص دون آخر. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). والجهاد لا يعني القتال هنا، بل مطلق المجاهدة، بقرينة لنهدينهم سبلنا، وهي آية تنطوي على فلسفة عميقة سنتوقف عندها في مناسبة قادمة. (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). فهي سنن إلهية. وبهذا نفهم أن جميع روايات الفضائل، المختلقة والموضوعة، تقصد عصمة الصحابة، والحيلولة دون نقدهم، ومحاسبتهم. وكل هذا غلو لا يمكن تبريره بأي شكل كان. وإلا هل يمكن لأي سني اليوم أن ينتقد الصحابة ويحاكمهم على سلوكهم ولا يدان من قبل سلطات القضاء والمراجع الدينية السنية؟. فلماذا لا يُسمح لأحد بالنقد لولا الإرتكاز المفهومي لمعنى عدالة الصحابة، فهي تعني عندهم العصمة السلوكية، التي تعني في بعض أبعادها مطلق القداسة، والمنعة الذاتية. وهذا هو القدر المتيقن. (كتاب النص وسؤال الحقيقة)

إن ما نطمح له من خلال البحث تدارك ما يترتب على القول بوجود حقائق دينية مطلقة من تداعيات، قد لا تكون واضحة في القضايا الغيبية التي تكفّل الكتاب الكريم ببيانها. لكنها تتجلى في قضايا دينية أخرى، يشكل القول بإطلاقها خطرا على الدين ومفاهيمه القويمه. ويمكن الاستشهاد بالحديث المشهور: (أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، و(إنما أصحابي مثل النجوم فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم). الذي يؤسس لمرجعية مطلق الصحابة في الهداية، فيلتبس الحق بالباطل، وتضيع حقوق الناس في ظل قدسية أسست لها هذه الروايات فأصبحت حقائق نهائية، يؤمن بها العقل التراثي، ويلتزم بمؤداها عملا وسلوكا. رغم أن الصحابي إنسان، يصيب ويخطئ، فكيف يكون هاديا على كل حال وهو بهذه الصفات التي لا استثناء فيها لأحد.

لا يوجد ما يؤكد صحة صدور هذا الحديث بشكل قاطع، ويبقى محتمل الصدور إن لم يكن موضوعا. أي لا يوجد دليل يؤكد صدوره الفعلي عن النبي، لكنه لعب دورا مؤثرا في حينه، وما يزال ضمن أسيجة قداسة الصحابة. ومنطوق الحديث يؤسس لتزكية مطلق الصحابة، وضمان هداية من يتابعهم أو يقتدي بهم في معارفه وسلوكه. وهذا الحديث لا يستثني أحدا. ويشكّل مرجعية لفهم معنى الصُحبة، كقيمة دينية وأخلاقية مستقلة. فيُصنف ضمن الأحاديث السياسية التي انتجتها ماكنة الوضع في زمن بني أمية. لإضفاء شرعية دينية لمن تبقى من الصحابة ومنهم معاوية، المتهم بخروجه على سلطة الخلافة الشرعية. فهو مدان لهذا السبب وفقا لأحاديث الخروج والتمرد على جماعة المؤمنين: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).

ما يهمنا في حديث أصحابي كالنجوم مقدار ما تستر عليه النص، حينما ألغى باطلاقه خصوصية الصحابي وبشريته، لتكون الصحبة حصانة ذاتية، لا تضر معها أية تهمة، بل ويجب عدم إدانة سلوكهم مهما كان مخالفا للكتاب الكريم. وهو منطق غريب على الدين: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) غير أن النص الروائي حجب الضابطة القرآنية، عندما وظف تقنياته في بيان حقيقته.

وهذه الرواية من النصوص التأسيسية، التي رسّخت قدسية الصحابة وعصمتهم في ذهن المتلقي. وغدت نهائية ومرجعية يحتكم لها المسلمون. لا يساورهم شك في قدسيتها، فيتغاضون عن الإشكالات، ويتجاوزونها بمزيد من التقديس، حتى يصبح التبرير أداة وحيدة للتخلص من ضغط الحقائق التاريخية، وتشظيات الخصوصية، الملازمة للفرد وهويته، فلا يمكن تجريده من تاريخيته ومن خصوصياته. غير أن النص فرض سلطته ومرجعياته ومحدداته. فأصبحت الرواية أداة لفهم الحقائق التاريخية، تضطره للبحث عن أي مبرر، مهما كانت ضألة احتماله لتبرير سلوك جميع الصحابة. وتجاهل الأحداث الكبيرة وما تركته من تداعيات خطيرة. كما سيحكم بصحة كل حديث ينتهي إلى صحابي بطريق صحيح، دون البحث عن صحة صدوره عن النبي، فكان هذا إيذاناً بتفاقم الوضع ونسبته لرسول الله كذبا وزورا. فهذه الرواية مهّدت لقبول الأحاديث الموضوعة، حيث حل الصحابي محل المقدّس (الله ورسوله). وتحقق هدف السلطة من توظيف النص الديني، والشطب على أخطائها أو تبريرها أخلاقيا. فالحديث تمكن من فرض مرجعيات جديدة للنص المقدّس، وتجاهل شرط صدوره عن الله أو رسوله. أي أنه قام باستبدال مرجعيات شرعية النص. وبات ليس ضروريا التمييز بين ما يرويه الرعيل الأول الملاصق للرسول، والبدوي الذي التقى النبي ساعة واحدة في حياته. وهذه أخطر تداعيات هذا الحديث حينما يراد تصحيحه واعتماده.

والأمر الثاني، أسدل الحديث الستار على ما اقترفه الصحابة، ومنحهم قدسية ذاتية تحول دون إدانتهم أو تجريدهم من نجوميتهم، كهداة ربانيين. فخلاف السقيفة وما ترتب عليها لا يؤثر!، وقتال ما وصفوا بالمرتدين والدماء التي سفكت مع إمكانية التسوية السلمية، لا تضر بعدالتهم!!. والفتوحات التي عبثت بمصداقية الإسلام، فتوحات مباركة، مسددة!!. ودماء الصحابة والتابعين التي سالت على مذبح السلطة في عهد الإمام علي، طهّرتها توبتهم بعد معارك دامية!!. وكل ما صدر من معاوية يُرجأ أمره لله، ولا يجوز مساءلته!. بهذا الشكل فرض الحديث نفسه حقيقة، مررت كل ما يراد تمريره. وهذه هي خطورة الاعتقاد بوجود حقائق دينية مطلقة، لا فرق في ذلك بين الحقائق القرآنية وغيرها. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

وقد استمد هذا الخبر وجوده من الآيات التي أثنت على الصحابة. لكن لا يمكن التمسك بإطلاقها، مع عدم تشخيص قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ). ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآيات كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام. وليس هناك ملازمة بين التقوى والعدالة والكفاءة السياسية، رغم دورهما في تسديد السياسي.

فجميع الآيات التي شهدت للصحابة بالإيمان والعمل الصالح، شهدت على أساس استقامتهم آنذاك، ولا تدل على أكثر من ذلك. ولا يمكن الاستدلال بها على عصمة الصحابي ونفي صدور الخطأ بل وحتى المعصية عنهم، بما في ذلك الخلفاء، فلا ميزة لأحدهم على غيره، من خلال الكتاب الكريم، وقد جاءت الآيات المتقدمة مطلقة.

ثمة ملاحظة أن الأصل وفقا للكتاب الكريم، وما ورد فيه من آيات بشأن الصحابة خاصة الآيات المطلقة هو عدالة الصحابة، فليست العدالة سوى التقوى والإيمان والاستقامة. ولا يمكن الخروج عن الأصل إلا بدليل، كشهادة العدول على ارتكاب المعاصي، أو صدور ما يبعث على الريبة والشك، خاصة في قضايا المال والدماء والأعراض. ثم ينبغي التفريق بين الصحابة، تبعا للكتاب الكريم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). كما نؤكد ثانية أن مصير الصحابي كغيره من البشر مرتهن لاستقامته، فالآية شاملة للصحابي ما دام على الاستقامة، ولا يفهم من الآية تزكية مطلقة، بحكم آيات أخرى مطلقة ترهن الإنسان إلى عمله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). فالآية المتقدمة لا تمنح عصمة، بل ترتب أثرى على تقواهم واستقامته، فيكون هو الملاك في تقييم الصحابي بعد وفاة الرسول. والاستقامة مبدأ قرآني شامل للبني وغيره، قال تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

فضائل الصحابة

لا يمكن نفي مطلق ما ورد عن الرسول من روايات الفضائل، فهي استحقاق لكثير من الصحابة، الذين أثنى عليهم الكتاب الكريم (الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .. و الذين رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). لكن أيضا لا يمكن الموافقة على جميعها، فقد ساهمت ماكنة الإعلام الأموي في نشر روايات موضوعة، كرّست تنزيه الصحابة، وتبرير سلوكهم، ورفعهم فوق النقد والتقويم، فساهمت في خلق وعي تنزيهي، يتغاضى عن الخطأ، وينأى بنفسه عن محاكمة فترة الصحابة وما تخللها من أخطاء في السلطة والحكم، خاصة خلافة الثالث التي أودت إلى قتله بفعل سياسية الولاء، والتفريط بالمال العام من خلال ولاة تنقصهم الكفاءة والتقوى. حتى بات مسلّما لدى الناس أن الصُحبة تدرأ كل ما صدر ويصدر عن الصحابة، بل يصدق أن الصحابي مجتهد، فله حسنتان إن أصاب، وحسنة إذا أخطأ، تقديرا لاجتهاده، وغدا منطق التبرير سيد الموقف في تناول حقبة الخلفاء الراشدين. وبما أن معاوية صحابي فيصدق عليه ما يصدق عليهم، وهو المطلوب لتكريس سلطته، وسيادته بعيدا عن النقد والمحاسبة.

وأما علاقة الصحابة فيما بينهم فكانت لا تخلو من المحاسبة والمراجعة والوقوف بوجه الخليفة حينما يخطئ، وقد عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة الجيش، بعد توليه الخلافة، بينما كان مقربا عند الخليفة الأول. وقد تمرّدوا على أوامر الخليفة الثاني عندما أمرهم بالجهاد وقالوا له (لا سمعاً ولا طاعة)، لأنه ارتدى حلة يمانية تستر بدنه بينما كانت حصة كل فرد من المسلمين أقل من ذلك.

 

...........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi11مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق24) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

حول عصمة الأنبياء

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال مشروع. لماذا لم يتطرق القرآن الكريم لعصمة الأنبياء فضلا عن غيرهم صراحة، اذا كانت العصمة بهذه الدرجة من الأهمية دينيا، ويتوقف عليها حفظ الشريعة؟ حتى بالنسبة لعصمة التبليغ وقفت عنده الآية ولم تتعد الى سلوك النبي الكريم وفعله، فقالت: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ). والآية جاءت ردا على من يشكك بالنبوة وينسب القرآن إلى محمد الإنسان. فأكدت الآية أنه وحي. فهي ليست بصدد بيان عصمة النبي أساسا لكنهم استدلوا بها على عصمته. ولا نسبة جميع أقواله وأفعاله للوحي.

العصمة مفهوم ظهر متأخرا لتحصين سيرة النبي وتجريدها من بشريتها، واتخاذها مصدرا للتشريع. وعند الشيعة جاءت لشرعنة سيرة الأئمة، وتدارك ضعف وإرسال رواياتهم، وتأمين مصدر تشريعي، امتد لأربعة قرون، ليساعد الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية، فغدت السيرة مرجعية لكثير من الأحاديث الضعيفة، وأصبحت منصة للروايات الموضوعة والمختلقة. ولا يخفى دور الأخبار في ترسيخ قيم العبودية والاستبداد والانقياد للسلطان الظالم، على حساب قيم الدين ومبادئه وأخلاقه. إضافة لتفصيلات تشريعية لم ترد في الكتاب الكريم. من هنا يجد نقد مفهوم العصمة مبرره، للحد من قدسية النص وهو يمارس سلطته، ويفرض محدداته، وبات مرجعية مطلقة، ومقياسا للحق والحقيقة، بل تم تحجيم العقل واختزاله بالتقليد والانقياد، حتى تعطّل الوعي، وأصبحنا أمة مهووسة بالتراث والماضي، نهمل حاضرنا ونتجاهل مستقبلنا، ونحسب أننا على حق مطلق والآخر على باطل مطلق.

 تحدث القرآن عن الأنبياء ومسيرتهم الطويلة الشاقة. ذكر معاناتهم، وأخلاقهم، وصفاتهم، وما يتمتعون به من مقامات حميدة عند الله لكن لم يذكر العصمة صراحة. فلماذا يتركها لأحاديث الرواة، رغم خطورتها وأهميتها وغرائبيتها وخروجها على المألوف من سنن الكون والحياة؟. إنه سؤال جدير يعود بنا الى القرآن الكريم الذي هو: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)، وهو بيان لكل ما يخصه من قضايا الدين والعقيدة، وعلى رأسها تأتي عصمة نفر من الناس على مر العصور، فلماذا سكت عنها، ولم يتطرق لها؟ السكوت عودة الى قواعد العقل المطلقة، والتي كما تقدم تنفي وقوع الخارق والمخالف لسنن الكون والحياة، ومن هنا العصمة.

وآية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، ليس فيها ما يدل على العصمة بهذا المفهوم، ولو صدقت فهي تخص موردها، ولا يجوز تعميمها، كما مرَّ.

وخلافا للقائلين بعصمة الأنبياء مطلقا، فإن القرآن الكريم ذكر أخطاء الأنبياء صراحة بدون مواربة.. صراحة لا ينفع معها أي تأويل مهما كانت حجته، لتقدم حجية القرآن الكريم على غيره، ولا أجد أحدا يخالف في ذلك من المسلمين، وإنما يؤولون الآيات رغم صراحتها لدوافع عقدية أيديولوجية، كما في قوله تعالى بالنسبة الى آدم:

- (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ).

- (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). فكيف لا ينسى المعصوم والآية صريحة في نسيان آدم!.

- وفي قصة يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).  

 - وخطأ داود في الحكم (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ).

- وكذلك في قصة النبي سليمان، حيث يظهر عدم علمه بمكان الهدهد، ومقتضى العلم "اللدني، الحضوري" للمعصوم أنه يعلم مكانه، ولا يسأل: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ). ثم لماذا (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). ولم يثبت عليه شئ؟.

- وأيضا قوله تعالى عنه: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ).

- وأيضا ما بدا من إبراهيم (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِ). وموسى (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) من أجل الإطمئنان، وكان المفروض أنهما معصومان، علمهما "لدني، حضوري وليس كسبي، متى شاءؤا علموا".

- كل ما تقدم من ملاحظات حول عصمة الأنبياء ربما يمكن تأويله، لكن كيف يؤولون ما فعله موسى بهارون وهو يعلم أنه نبي معصوم (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)، لا يصدر منه خطأ واشتباه ونسيان، كما يقولون. فكيف يحاسبه ويوبخه بطريقة مفجعة، وهو يستغيث يا ابن أم...! وموسى ماسك برأسه ولحيته. أم أن موسى لا يعتقد بعصمة الأنبياء، حينما اشتد غضبه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي،  قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي). أليس موسى كليم الله، ويفترض أنه على درجة عالية من العصمة والكمال فكيف يتصرف بهذه الطريقة، لولا أنه بشر، وقد شعر بالاحباط وفشل مشروعه الدعوي، فكان من حقه كبشر أن يغضب ويتأسف (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي). إن قصة موسى وهارون تعارض أدلة إثبات عصمة الأنبياء مطلقا، فيقتصر على القدر المتيقن، وهو العصمة وعدم وقوع الخطأ في التبليغ، بناء على فهمهم لمعنى الوحي والنبوة، القائم على المرآتية، وأن النبي مجرد واسطة في تبليغ الوحي. أما إذا قدمنا فهما مغايرا لمعنى الوحي، يعطي للنبي دورا أكبر من الوساطة في النقل، وتكون لقبلياته دور في فهم الوحي، حينئذ لا معنى لاشتراط العصمة. فالبحث هنا استطرادا مع الفهم السائد لمعنى الوحي والنبوة ودور الأنبياء فيهما.

- (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، وهنا يصرّح القرآن بأن موسى قد نسى. بل في آية أخرى: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، لكنه عاد وسأل العبد الصالح مرتين، وفي كل مرة ينسى تعهده. فكيف لا يمكن للمعصوم أن ينسى؟ وغير هذه من الآيات الدالة على أن الأنبياء بشر، يعتريهم ما يعتري غيرهم من الناس، قد يصدر عنهم الخطأ والنسيان.

وأيضا بالنسبة إلى موسى قوله: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، فكيف يكون المعصوم معصوما منذ ولادته حتى مماته؟

النبي محمد والعصمة

من المشاهد القرآنية الواضحة رصد الكتاب الكريم لشخصية النبي محمد،  وهو يمارس فعل النبوة، فنقلت لنا ما كان يعتريه من ردود أفعال، وخلجات نفسية، وما يحدث له من جراء الموقف المعادي للرسالة، ومن ملأ قريش خاصة. فكانت بعض المقاطع تنقل لنا معاناة حقيقية، وهو أمر طبيعي. ولم يترك الوحي الرسول فردا بل كان يسدد وينبّه، ويسدي نصائحه، وتركه بشرا يخوض تجربة النبوة والدعوة لرسالته، بكامل خصائصه البشرية، وكلما أثقلوا عليه بمطالبهم التعجيزية، كان يؤكد لهم: (... سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا)؟!!. ولم تتحدث الآيات عن عصمته وعن خوارقه الذاتية، بل وضعته بذات الصورة البشرية، وأكدت عليه كما في الآية (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). فالأمر في بداية الآية يؤكد بشريته، بكل ما للمفهوم من دلالة، لكنه افترق عن غيره بالاصطفاء: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فيحظى بالتسديد الذي هو مفهوم مغاير للعصمة التي تريد أسطرة الفرد، ليفارق طبيعته البشرية. التسديد واضح في آيات الكتاب، كقوله: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وغيرها. وهذا دال على بشرية الرسول وخضوعه لقوانينها. وبالتالي القول بأسطورية عصمة الرسول لا دليل عليها، بل ثمة ما يؤكد صدور الخطأ، ولو بمعنى الاشتباه أو تقديم الأولى، فيصدق أنه خطأ بالمفهوم العام. وهناك من الآيات ما يؤكد عدم علمه (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). إضافة إلى مجموعة آيات تجسد البعد البشري في شخصية النبي، وربما أقوى الآيات دلالة، قوله تعالى مخاطبا النبي:

- (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). الآية تؤكد أن النبي كان صاحب إرادة وقرار ورؤية، وكان بإمكانه عدم الخطأ واتخاذ القرار الصائب غير أنه أخطأ. ليس المهم حجم الخطأ لكنه أخطأ حتى اقتضى تنبيهه علناً.

- (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وهذه الآية تؤكد وجود استعداد للفتنة والافتراء، بينما تنفي العصمة هذا الاستعداد، فهو معصوم منذ ولادته، خاصة مفهوم العصمة لدى الشيعة. والآية واضحة لا مواربة فيها: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا).

- (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ)، والآية واضحة في دلالتها على إمكانية إرتكاب الخطأ والتقوّل على الله عزوجل، لكنه عصم نفسه، لا لأنه معصوم ذاتيا، وإنما عصمها بإرادته وتقواه. عصمها بإيمانه وورعه. ولو كان معصوما ذاتا أو بالجعل، فلا معنى لأن تقول الآية: (لو تقوّل علينا بعض الأقاويل)، لأن التقوّل سيكون ممتنعا مع افتراض عصمته. وهذه إحدى الآيات التي تنفي العصمة بشكل واضح. فمجرد احتمال التقوّل ينفي العصمة، التي تعني عدم صدور أي خطأ بشكل تلقائي، بل شدة الخطاب تشي بإمكانيته بقوة، وهذا منافٍ للعصمة بداهة.

- (عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) فيها ما يؤكد أن النبي بشر يخطأ ويصيب، أو يختار غير الأولى، وقد أدار وجهه عن رجل جاء ليؤمن.

- (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، والاية تؤكد نسيانه وقعوده معهم (إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).

- وأوضح الآيات دلالة آية: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)، التي تؤكد وقوع الذنب وإمكانية وقوعه، وليس المهم حجمه، سواء كان صغيرا أم كبيرا، المهم وقوعه بما يخالف العصمة الذاتية أو المجعولة. والآية لا تشي بالعصمة السلوكية مستقبلا، وربما تقصد ما ارتكبه قبل البعثة وبعدها الى حين نزول الآية. أو أنك ستكون بمأمن من ارتكاب الذنوب بما تختزن من تقوى، وورع، فعصمتك منها ستكون في سياق القوانين الإلهية، وليس خارجا عنها. لا أن نجعل منك ملاكا نسلبك حرية الاختيار، أو نسلبك قدرة ارتكاب المعاصي، فهذا غير ممكن باعتباره لازما لبشريته. والتقوى لا تقتصر على الأنبياء، بل تشمل مطلق الإنسان: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)، (ومن يتق الله وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)، فالتقوى تفتح لك آفاقا واسعة، وتجعل لك نورا، لكن ضمن قوانينها، كما شاء الله لها ذلك، لا بمعنى سلب الإرادة والاختيار، بحيث يصدر منه الفعل تلقائيا، كما تصوره مقولات العقيدة عند بعض فرق المسلمين. ويؤكد ذلك أيضا قوله تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، فالإيمان كان مقدمة لمضاعفة الهداية ضمن الاسباب الطبيعية.

- (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ)، فالضلال يتنافى مع العصمة، باعتبارها موجّه ذاتي للصواب والخير دون إرادته، والآية تنفي ذلك.

- بل ويؤكد القرآن إنه بشر يوحى إليه، وإنه لا يعلم الغيب (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

- (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

- (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ). وفي هاتين الآيتين تتجلى صورة بشر يتفاعل مع محيطه، بفعل دوافع فطرية، ونوازع وحاجات نفسية. ويخفي أشياء ينبغي له عدم إخفائها.

- (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ). وهذه صفات بشرية، غير مفارقة لطبيعتها، والمعصوم كما تصوره الخطابات العقدية، كائن مفارق لطبيعته البشرية.

- (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

- ولو كان النبي معصوما ذاتا، فما حاجته لان يثبّت الله قلبه، أليس المعصوم كما هو المفترض ثابت الجنان، قوي الإيمان، لا يتخلف عن الأمر الإلهي، فضلا عن ارتكاب المعاصي، بينما نجد القرآن يتعامل مع الرسول كبشر، يحتاج الى تثبيت فؤاده، وتقوية إيمانه، كما في رحلتي الإسراء والمعراج، وغيرهما، بما يعمق يقينه، ويعصم نفسه من الخطأ. فهي تهدي وتوجه سلوكه، وهذا لا يصدق على المعصوم الذي هو مهتدٍ بطبيعته. فلماذا يواصل القرآن رعايته، ولا يصرّح بعصمته؟ ربما سيأتي من يقول إن الرعاية المتواصلة هي معنى العصمة، ونقول: إن الرعاية تؤكد أنه ليس معصوما، بل بشرا بحاجة الى رعاية ربانية متواصلة تتناسب مع مهمته كرسول ونبي، يقوم بأخطر مهمة تاريخية.

- وفي غزوة بدر عندما نزل منزل سأله الخباب بن المنذر: (أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمشورة والمكيدة؟ قال: هو الرأي والحرب، قال هذا ليس لك بمنزل)

- بل واخطأ في قضية تأبير النخيل في المدينة.

- عندما أضل الطريق مع رائده عندما هاجر من مكة الى المدينة. وأساسا لماذا يتخذ رائدا في مسيرته لو كان يعلم الغيب؟ وهذا دليل دامغ على عدم العصمة.

- وهناك من الروايات ما يؤكد سهوه في الصلاة، حتى كان بعض العلماء يعاقب من يقول إن النبي لا يسهو في الصلاة . وهنا استشهد بروايات من التراث الشيعي، لخصوصية العقيدة الشيعية المرتبطة ارتباطا عضويا بالعصمة.

- جاء في بحار الأنوار ج25 ص350 حيث قيل للإمام الرضا وهو الإمام الثامن من الأئمة المعصومين عند الشيعة (إن في الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا – لعنهم الله – إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو)

- وقال الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه ج1ص234: " إن الغلاة والمفوضة – لعنهم الله – ينكرون سهو النبي  يقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة فريضة كما أن التبليغ فريضة.. وليس سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسهونا لأن سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو . وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

- وجاء في قضاء الرسول، وهو يخاطب المتخاصمين: (إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً، فإنَّما أقطع له قطعة من النار) (أخرجه أبو داود). فلماذا لا يحكم بعلمه للغيب، أو لماذا لا يوظّف علمه اللدني، الحضوري؟ ولماذا يؤكد لهما أنه بشر، أي لا يعلم الغيب؟.

فنخلص إلى نتيجة مهمة أن العصمة بمفهومها الأولى تختص بتبليغ الوحي، وفقا للفهم السائد له، وما عدا آيات الكتاب يبقى الرسول بشرا، يمارس حياته، قد يصيب وقد يخطئ، ولا شك بوجود تسديد ورعاية إلهية، لكن الفرق، وهذا هو المهم، عدم حجية سنته باستثناء ماله جذر قرآني كما مر تفصيلا أكثر من مرة حيث تم تقسيم سيرته على خمسة أقسام، ما له جذر قرآني، وما كان حكما ولائيا اقتضته الظروف الموضوعية، فيكون حجة في حياته، وتنتهي فعليته بوفاته، وأما الروايات الأخلاقية فتكون طاعتها من باب التأسي (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ). وبالتالي لا حجية لما يصدر عنه كبشر له حاجاته ورغباته، ولا حجة لآرائه في الشأن العام والسياسة، فهو يتعامل معها وفقا لاجتهاده ومعطيات الواقع، والاجتهاد يصيب ويخطئ، إلا من باب الاستفادة من تجربته، وقد اشرت أعلاه لبعض الأخطاء أو ترك الأولى.

فثمة ثمرة كبيرة في نقد مفهوم العصمة، تمنع دون التشبث بمطلق السنة كأحكام شرعية. خاصة مع كثرة ما نسب للرسول بهتانا وزورا. والخطأ والنسيان ممكن، بل حتى صدور السيئة فهي ممكنة بدليل قوله تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا). فأنت يا محمد رسول، وأما سلوكك فأنت مسؤول عنه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق23) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

العصمة الأسطورية

ماجد الغرباوي: مَن قال بعصمة الأنبياء مطلقا، أو الأنبياء والأئمة على الرأي الشيعي، ذكر أدلة عقلية وتشبث بأخرى نقلية، لاثبات عصمتهم، سواء من قال بالعصمة الذاتية، وأن المعصوم خُلق معصوما لا يصدر منه ذنب ولا خطأ ولا سهو ولا نسيان. أو من اعتبرها منّة وجعلا من قبل الله تعالى.

 ونحن بدلا من مناقشة أدلة جدلية وتأويلات طويلة عريضة، سنناقش أولا إمكانية العصمة بذاتها، فهل العصمة بذاتها ممكنة للإنسان أم لا؟ فإذا ثبت عدم إمكانها وعدم وجود جعل شرعي صريح من الله عزوجل فيها، فلا جدوى من التطرق لأدلتهم لوجود طولية بين القضيتين. فمصداقية العصمة مشروطة بإمكانيتها ذاتيا، فتنتفي بانتفاء الشرط، وستنهار تلقائيا، ما لم يتداركها دليل قرآني صريح في جعلها.

ونؤكد لسنا بصدد مناقشة العصمة في التبليغ، لأنها مرتهنة لمعنى الوحي، كما تقدم، ولسنا بصدد الاستدلال على بطلان العصمة السلوكية، لأنها مرتبطة بالتقوى، فهي ممكنة بحد ذاتها، ومتاحة لكل مؤمن يجاهد نفسه طمعا في السمو والقرب من الله تعالى، فيتصف بالورع والتقوى. بل نريد مقاربة المفهوم بمعناه الأسطوري الذي يتمسك به الشيعة بالنسبة لأئمتهم. حيث حصل انزياح في معناها، وصارت تشير لإنسان مفارق للطبيعة البشرية. فهي صورة مضخّمة، هجرت أو تكاد المعنى الموضوع لها، والمستخدمة فيه، أي خصوص العصمة في تبليغ الوحي، وباتت تشير لدلالات أسطورية، غير واقعية. فهل هي صيغة ممكنة أم لا؟

كما لا يخفى أن العقل حينما يحكم بضرورة العصمة في التبليغ، لا تشمل غير النبي، لاختصاصه بالوحي، غير أن العقل الشيعي اقتضى عصمتهم مثلهم مثل الرسولَ (لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق)، كما ذكر الشيخ المظفر أحد علمائهم. والسؤال هل حِفظ الشرع والقيمومة عليه تقتضي عصمتهم؟ وهل يحكم العقل بضرورة ذلك؟ وهل يشمل كل من يقوم مقامهم كالفقهاء مثلا؟.

إن اتساع رقعة العصمة مفهوما ومصداقا حتى شملت الصحابة وأئمة أهل البيت تسببت في تفاقم الكذب على الله ورسوله، حيث غدت الرموز الدينية منصة لشرعنة كل رواية تنسب لهم. مما شكل خطرا على مصداقية الدين. فالروايات الموضوعة تتستر بنسبتها للمعصوم، وتضع الفقيه في أسر القداسة، والانقياد للنص ودلالالته. وعندما نعيد النظر في مفهوم العصمة وضروراتها سنقطع الطريق أمام جميع الروايات الموضوعة. ونسمح للفقيه بنقدها ومحاكمتها، كأي نص، قد يتفق أو يختلف معه. بينما يختزل الإيمان بالعصمة دوره في دائرة الاستنباط، ويكرّس التبعية والانقياد، فيكون أسيرا لسلطة النص ومحدداته، مهما جانب الحقيقة.

وفيما يلي أدلة نفي العصمة الأسطورية، التي تجرّد المعصوم خصائصه البشرية، وتضعه في تناقض مع نص آية: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ). حيث مرَّ أن العصمة في حدها الأدني تعني التقوى والورع والاستقامة، وفي حدها الأقصي مفهوم أسطورة، يجسد كل معاني الغلو.

أدلة نفي العصمة الأسطورية

أولا: الامتناع الذاتي

بدءا نقرر قاعدة عقلية عامة، نرتكز لها في تحديد الموقف العقلي من القضايا المخالفة لسنن الكون والطبيعة البشرية، ومنها العصمة، ومفردات الغلو عامة، التي ترتفع بالفرد بمصاف الخالقية، باعتبارها أمرا يخالف طبيعة الإنسان الذي جُبل على الخطأ والنسيان، بل والمعصية، حتى قال عنه تعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وسيأتي تفصيل ذلك:

(الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري. أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها. أو لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). وهذا تعبير آخر عن قاعدة: (ممتنع الوجود ذاتا لا يمكن وجوده خارجا)، حتى مع امكانية تصوره في الذهن، فليس كل ما يمكن تصوره في الذهن يمكن وقوعه خارجا، لتوقف الوجود الخارجي على شروطه الموضوعية. 

 فكل خارق للعادة، مخالف لسنن الكون والطبيعة البشرية (كالعصمة مثالا)، يمتنع وقوعه خارجا، امتناعا ذاتيا. وهذا حكم عقلي عام لا يقبل الاستثناء. وما أكد القرآن وقوعه رغم امتناعه ذاتا، كمعاجز الأنبياء، ليس بالضرورة استثناء من حكم العقل، لأن أحكامه لا تقبل الاستثناء، فتأكيد وقوعها قرآنيا يكشف عن وجود قوانين وأسباب أخرى مجهولة لنا، لذا لا يجوز تعميمها واتخاذها قاعدة يُستدل بها أو يقاس عليها. وأيضا لا يمكن تصديقها في غير موردها إطلاقا ما دامت مجهولة الأسباب إلا بنص قرآني صريح بخصوصها أيضا، لأنها إحدى شؤونه، باعتباره تبيانا لكل شي، لكن رغم ذلك لا تورث إخباراته العلم واليقين ما لم تكن نصاً في موردها. ولا يكفي الظهور، ما لم تكن صريحة تامة الدلالة، غير مجملة. وما عدا الآيات (كخبر الواحد والشهرة) يبقى ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. وتصديق الخوارق، كالعصمة ومعاجز الأنبياء يحتاج الى علم وجزم نرفع به اليد عن القاعدة العقلية في موردها، لأسباب نجهلها، لا لأنها استثناء منها. كما أنها قضايا خارقة لا يمكن تصديقها لولا إخبار القرآن بها. كجزء من شؤونه، وما يريده قاله في كتابه ولا مصدر آخر له، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، أي تبيان لك ما يخصه من موضوعات، وعصمة الأنبياء إحدى موضوعاته بلا ريب لكنه لم يتحدث عنها صراحة. وأما المعاجز كانقلاب العصا حية فهو مستحيل بذاته، وما أكد وقوعه نقتصر فيه على مورده، عصا النبي موسى، ولا نتعدى لغيرها إلا بنص صريح بخصوصه، لشموله باطلاقات أحكام العقل كما تقدم. وكلامنا ليس عن الإمكان الفلسفي (أي ما يقابل الوجوب والامتناع)، وإنما عن الإمكان الوقوعي، وهكذا باقي معاجز الأنبياء.

ولا يخفى أن المعجزة تكون حجة على معاصري الأنبياء والرسل، وليس علينا، ونحن نصدقها ما أخبر به القرآن، أما ذاتا فهي غير قابلة للتصديق عقلا، لأنها مخالفة لسنن الكون وطبيعة الإنسان، لذا جاء في تعريف المعجزة عند علماء الكلام بأنها (أمر خارق للعادة، مطابق للدلالة، يتعذر على الإنسان الإتيان بها).

ينبغي التنبيه، أن الرؤية المتقدمة مشروطة بواقعية القصص القرآني، وأنها ناظرة للتاريخ وتفصيلاته. أما إذا قدمنا تفسيرا يرتبط بالعِظة، كما صرّح الكتاب الكريم، فحينئذٍ، يقدم التفسير الرمزي، وفق ما يرتبط بالدعوة الدينية. فالقرآن يقصد بأحسن القصص ارتباطها بالهدف الكلي، أي العِظة والعِبرة، كما هو صريح الآية: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ ..)، (وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين). بينما يختلف التعبير عندما يقصد الواقع: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).  وعليه فأدلة النفي الآتية، ستكون في هذا السياق. أي بناء على واقعية القصص القرآني، كما هو السائد لدى الناس وفي التراث الإسلامي.

ثانيا: التنافي بين العصمة والحقيقة البشرية

العصمة أمر خارق لا ينسجم مع طبيعة الإنسان وسنن تكوينه، لأنها تعني: "سلب الإرادة"، لا تسديد الاختيار عندما تكون تكوينية بل وحتى بمعنى المنّة والتفضل من قبل الله. لإن التسديد لا ينفي مطلق عدم الوقوع في الخطأ. وسلب الإرادة يتنافى مع حرية الإنسان، التي هي أمر وجودي. واختياره، الذي هو أساس مسؤوليته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وعلى أساسها يحاسب المرء في الآخرة. وعلى أساسها بعث الله الأنبياء، مبشرين ومنذرين، وأوجب على نفسه الثواب والعقاب، كي يكون الإنسان مسؤولا عن عمله بإرادته (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). فالعصمة بحاجة الى نص قرآني صريح، ما دامت تعني (سلب الإرادة)، يؤكد جعلها لهذا الشخص أو ذاك، وإلا سيبقى حكم العقل ثابتا في عدم تصديق وقوعها لمخالفتها سنن الكون والحياة، خاصة مفهومها في لغة الغلو، التي ترتفع بالمعصوم إلى مصاف الخالقية، وتمنحه جميع صفاته.

 والأمر سيكون أوضح وفق آخر صياغة مفهومية للمصطلح، كما في البحوث الكلامية المتأخرة، حيث افترضت للمعصوم علما "لَدّنيا"، ذاتيا ليس مكتسبا بالطرق المتعارفة. فثمة ملازمة بين العصمة والعلم "اللدني". بشكل يمكن للإمام أن يعلم ما يريد، متى شاء، وأنى شاء، دون أي جهد معرفي. (أنظر: صاحب الميزان وكتاب العصمة للحيدري). وهذا فهم غريب عن الطبيعة البشرية، مخالف لسننها وقوانينها، فلا يمكن تصديقه إطلاقا إلا بنص قرآني صريح في خصوصه، كي نرفع يدنا عن إطلاقات أحكام العقل في هذا المورد بالخصوص، وحينئذٍ ينفتح باب التأويل لتدارك غرائبيته.

ولا دلالة على العلم "اللدني" في قوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، بقرينة من "لدنا" التي تعني من عندنا، وأيضا كلمة "وعلمناه"، التي تستلزم الكسب.

وهذا لا يتنافى مع القدرة المطلقة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، لأنها مقيدة بآيات محكمات، لا تلغي الأسباب. (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).

وما يؤكد مخالفته للسنن البشرية قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا). وهذا رسول الله وسيد الخلق، والآية بلا شك تنفيه  (تصورا وتصديقا)، أي تنفي كل علم. وكذلك آية المنافقين: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ)، وهذا نفي صريح لعدم علم النبي بهؤلاء المنافقين.  فالعصمة سواء كانت ذاتية أو مجعولة تبقى خاضعة لإطلاقات أحكام العقل المتقدمة، ما لم يدل دليل قرآني صريح عليها.

يمكن تصور إنسان على درجة عالية من التقوى والفقاهة والاعتدال والحكمة، لكن كل هذا لا يخرجه عن طبيعته البشرية، ولا يؤهله لما يسمى بـ"العلم اللدني". بل لا يوجد شيء اسمه (علم لدني)، لأن المعرفة تراكمية، والتفكير عملية عقلية تفاعلية.

ثانيا: انتفاء العصمة بقاعدة الاستصحاب

لا ريب إن الأصل عدم عصمة الإنسان، وعندما نشك بعصمة أحد الناس نستصحب حالته السابقة، ولا نرفع اليد عنها إلا بيقين مثلها .. يقين يورث العلم كي ينقض اليقين السابق، لذا لا يمكن للإمارة (كخبر الواحد) أن تقوم مقامه، لأنها مجرد ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، رغم أنها تقوم مقام القطع في الأحكام الشرعية، تعبدا لا حقيقة، فتختص بموردها. والعقائد ليست أحكاما شرعيا، وإنما قضايا عقلية. وكل ما موجود من روايات حول عصمة الأنبياء والأئمة هي ظنون لا تغني عن الحق شيئا، فيبقى اليقين السابق وهو عدم عصمة أحد من البشر على حاله. والاستصحاب من القواعد الأصولية المعتمدة لدى الفقهاء الأصوليين، وقد وردت فيه روايات تؤكده. فيكون من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. وأركان الاستصحاب تامة هنا (يقين سابق وشك لاحق، وحدة القضية، والأثر المترتب عليه)، لا يمكن رفع اليد عن اليقين إلا بيقين مثله، وهو منحصر بوجود دليل قرآني. وأما عقل الإنسان فلا يحكم بوجوب عصمة أحد إلا إذا كان عقلا دينيا، فلا يصدق كونه حكما عقليا حينئذٍ، لأن أحكام العقل مطلقة، كاستحالة اجتماع النقيضين.

ثالثا: العصمة تصادر مفهوم الاقتداء

اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء بشرا، يمارسون حياتهم الطبيعية، ليكونوا حجة على الناس وقدوة لهم في سلوكهم وفهمهم للدين. وعندما طالب العرب النبي أن يبعث الله لهم ملكا، قال تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، فالرسول يجب أن يكون من سنخ المرسل إليهم، كشرط للاقتداء. وبما أننا بشر اقتضى أن يكون الرسول بشرا مثلنا، في طبيعته وتكوينه، ويبقى الفارق سلوكيا، في درجة التقوى والورع والإخلاص والخشوع لله تعالى. ولو كنا ملائكة لبعث الله لنا ملكا من سنخنا، كي تتم حجته علينا: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا). فالكائن المعصوم كما تصوره كتب العقائد لجميع المذاهب الإسلامية، كائن أسطوري، خارج البيئة البشرية، لا يصلح أن يكون قدوة، يتمثل الفرد سلوكه وأخلاقه، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

للأسف الشديد لقد خلق مفهوم العصمة من الأنبياء والصالحين كائنات غريبة، يتحد فيها اللاهوت والناسوت، لا هم آلهة، ولا هم بشر .. فيهم كثير من صفات الخالق، وقليل من صفات الإنسان، كائنات معلقة في الهواء، فخسرناهم قدوة حسنة في سلوكنا، ورحنا نصفهم حيث ما نشتهي، ونخلع عليهم كل ما نأمل فيهم، ونسقط عليهم أمنياتنا، خاصة في خضم صراع طائفي امتد بامتداد التاريخ الاسلامي. المعصوم وليد لمخيال خرافي.

رابعا: تنافي العصمة مع هدف الخلق

العصمة بما هي مفهوم أسطوري، خارق في صفاته المفارقة للصفات البشرية، تتنافي مع هدف الخلق، فالقرآن يقول مخاطبا الإنسان: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، والكدح يتطلب سعيا ومثابرة، قد يصيب فيه الإنسان أو يخطئ، وعلى هذا الأساس كتب الله على نفسه الرحمة، والعفو والمغفرة، وفتح أبواب التوبة، لأن الإنسان خطاء بطبيعته. ولا استثناء لأحد، مادامت الآيات القرآنية مطلقة، فكيف يستثنى المعصوم من سنن الخلق؟

خامسا: تنافي العصمة مع المنطق القرآني

مقتضى عصمة غير الرسول من الصحابة عند السنة ولو بمعنى العدالة. والأئمة عند الشيعة، حرمة الرد والتمرد والاعتراض والنقد، مع وجوب الطاعة مطلقا والانقياد التام، بينما أقر الكتاب الكريم بالتنازع، ووضع ضابطة لتسوية الخلافات، بين أولي الأمر، وغيرهم، فقالت الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

سادسا: التناقض بين أقوال المعصومين

إن أحد لوازم العصمة أن المعصوم يعلم الأحكام الواقعية، وبالتالي فيصدق أنه يملك الحقيقة المطلقة، وما يقوله مطابقا للواقع ونفس الأمر، غير أن التعارض بين أقوالهم مثّل مشكلة حقيقية على طول التاريخ، حتى وضع الأصوليون قواعد لرفعها، سمي باب (التعارض والتراجيح)، إضافة إلى تعدد الآراء في المسألة الواحدة، خاصة في تفسير الآيات القرآنية. وهذا يناقض حقيقة العصمة، وشروطها، خاصة الرأي الشيعي، الذي يتعامل مع أقوالهم بنفس المستوى من العصمة، وقد ابتلى بهذه الضابطة العقدية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com