حوار مفتوح

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل فيها حديثه عن الأخلاق:

النص والأخلاق

ماجد الغرباوي: رغم الاستثناءات المتقدمة غير أن منابع الإلهام لا تنضب. تجدها نابضة في جملة نصوص دينية وأخلاقية، ومجمل التراث الثقافي الإنساني. نصوص غنية بدلالاتها وإيحاءاتها، تمثّل الأصل والأساس، وماعداها، رغم غلبتها، استثناء، تفرضه تداعيات صراعات المجتمع، ونزاع السلطة، واستفحال الظلم والاستبداد والجور وأهواء النفس. بل كل نص يمكن أن يكون مصدر إلهام أخلاقي تبعاً لزاوية النظر، وقبليات المتلقي، ومدى استعداده بين متمرد، صاخب في سلوكه، يعاني تشوهات أخلاقية، وعاهات نفسية، مطمورة في أعماقه. وشخص منفتح، يتسم بنقاء السريرة، تلامس قلبه نسمات النص، فتُضيء ومضاتُه الأخلاقية روحه، ويفيق ضميره من غفوة الكسل، ويكتسب مناعة تقاوم المنكر والرذيلة، فيمتلئ وجدانه، ويزداد حبه للفضيلة وعمل الخير، ويستجيب للواجب الأخلاقي برؤية إنسانية منفتحة. هذا النوع من الناس ينصت، تؤثر فيه الثقافة. سرعان ما يؤوب لنفسه، ويكتشف خطأه. لا يكابر ولا يخاتل: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، يصارح نفسه، ويكاشف سريرته. يتألم ويندم، ترق مشاعره، ويلين قلبه، ثم يعود لفطرته، لتلك المشاعر الإنسانية يصغي لها، يتعهدها، حتى تغدو طبعا وسجية، لا تغادر سلوكه. بهؤلاء ترقى المجتمعات. بالعقل والتأمل والأخلاق الحميدة. لا يوجد إنسان معصوم (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، لكن بالتربية والتذكر والندم يستعيد الإنسان إنسانيته: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ).

وأقصد بكلامي "أن كل نص يمكن أن يكون مصدر إلهام أخلاقي"، مجموعة نصوص جاءت في سياق ما تم استثناؤه من نصوص الشريعة، كقوله تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)، التي تمثل موقفا أخلاقيا، خاصة والآية تؤكد على السلم حتى مع الريبة والشك. فتكون نصوصا استثناء داخل الاستثناء. كأحكام الحرب، التي هي أحكام تاريخية طارئة، يتنافى ظاهرها مع العدل كآية السيف وغيرها. لكن رغم سياقات آيات القتال، تجد ثمة آيات تمثل خلاصة أخلاقية، كهذه الآية. حيث نفهم منها أصالة السلم، عندما ترتفع ضرورة العنف والقتال. وأن الحرب ليست مقصودة بذاتها لولا ضرورات الدفاع عن النفس والرسالة آنذاك. وأيضا الآية التي تنهى عن الحرب الابتدائية، والآية التي تؤكد الالتزام بالعهود والمواثيق، وعدم مؤاخذة من لم يتورط بالحرب والعدوان، وإن كان في جبهة الأعداء. هذه الآيات بالذات تصلح أن تكون منطلقا لمكافحة دعاة العنف والإرهاب أخلاقيا، فهي بحد ذاتها موقف أخلاقي. السلم موقف إنساني أخلاقي. عدم البدء بالحرب والعدوان موقف أخلاقي إنساني. بمعنى أدق بما أن السلم قيمة أخلاقية، ينبغي الاستجابة له بدوافع إنسانية خالصة. فهذه الآيات تشكل وسطا للتفاهم مع الآخر، الذي يحتكم للشريعة في تقرير الحُسن والقُبح، فتكون حجة عليه. بهذا تعضّد هذه الآيات رصيد النصوص الأخلاقية الملهمة، لتزكية النفس وصلابة الضمير. ويمكن توضيح الفكرة بشكل أفضل من خلال آية: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). التي جاءت في سياق أحكام القتال، بعد النهي عن تواد الذين كفروا، ثم يأتي الاستثناء ليفسر لنا سبب القطيعة. وأن التحريم جاء بفعل عدوانية الطرّف الآخر. وأما التواد والتواصل مع غير المحارب فلم ينه عنه، وهذا موقف أخلاقي. بل نفهم من الآية أن الأصل هو العلاقة الإنسانية، حالت الحرب والعدوان دون استمرارها. بمعنى أدق نفهم من تأكيد الدين على العلاقة الإنسانية أنها الأصل في العلاقات الاجتماعية، لا يؤثر فيها اختلاف الأديان، فمن استثنتهم الآية كانوا في جبهة العدو، وكان المتوقع أن تشملهم العقوبة، لكنه استثناهم باعتبار أصالة العلاقات الاجتماعية وخطورة دورها على الوشائج بين أبناء القبيلة الواحدة. فالتأكيد على العلاقات الإنسانية خطاب أخلاقي ملهم، في ضوئه يمكن رسم علاقتنا بالآخر. وبهذا الشكل يمكننا تقصي نصوص كثيرة، تعزز ثقافتنا الإنسانية الملهمة.

تقدم أن الضمير أحد مجسات العقل العملي، توقظه إيحاءات النصوص، وتؤثر فيه الخطابات الإنسانية. تنفض عنه غبار التقاعس والكسل والتردد. وتنزع عنه غشاوة العمى والزيغ، وتجعله أكثر إخلاصا لمبادئه، لا يفكر بالخيانة. وتمده بثقة تعزز دوره الرقابي، وهذا غاية ما نطمح له من الروافد الثقافية لاستعادة القيم الإنسانية، واستتباب قيم الفضيلة. إن مغريات الحياة، السلطة والمال والجنس، تشكل خطرا حقيقيا عندما يتخلى الفرد عن قيمه ومبادئه الأخلاقية. ونكوص الضمير أو انهياره سبب أساس وراء ذلك، من هنا أجد أن يقظة الضمير وحمايته، تضمن استقامة الفرد وهو يخوض معترك الحياة اليومية، تتجاذبه قوى الخير والشر. صحيح أن الأخلاق مستقلة عن الدين بمعنى التشريع، غير أن للدين بمعنى الإيمان دورا مهما، لقوة إيقاعه وتأثيره على مشاعر الفرد، سواء من خلال تجربته الفردية أو ضمن السلوك العام للمجتمع. الأخلاق لها وازع ذاتي، نابع من فطرة الإنسان، غير أن الضمير يتعرض لخطر المراوغة فيحتاج للتذكرة والتنبيه. وهذا هو الدافع وراء الاهتمام بمرجعياته وروافده الثقافية والإيمانية، لتفادي زلاته وتقهقره. بل بشكل صريح، ما نقوم به إجراء احترازي لترويّض الوحش الرابض في أعماقنا، وتفادي خياناته وموته. فهي، سواء كانت نصوص دينية أو نصوص إنسانية، روافد أخلاقية تهشّم تراكمات أيديولوجيا التطرف الديني والطائفي، وترقى بوعي الفرد إلى مستوى إنساني رفيع. تثري الفكر، وتضفي معنى مشرقا للحياة، وتقدم تفسيرا جميلا لدلالاتها، كي لا تختزل بالجانب المادي والجسدي، ويرقى الفرد إلى مستوى الفضيلة، والقيم الإنسانية الرفيعة، ميزانا في أعماله وسلوكه ومواقفه.

إن انهيار القيم الأخلاقية على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية، وتفاقم العنف والإرهاب والفساد، وتفشي قيم الرذيلة وانعدام الضمير، وتلاشي الإرادة الخيرة أمام مغريات المال والسياسة والجنس، وضمور القيم الأخلاقية والدينية، وكل ما يعزز مشاعر الخير والمحبة، كل هذا وغيره يدفع للتفتيش عن روافد ثقافية تعضد قيم الفضيلة. تبعث الروح ثانية في ضمائر ماتت تحت وطأة جنون الإنسان، وزيغه عن الحق، وتشبثه بالباطل طريقا لتحقيق مآربه، فكانت ضحاياهم ضلوع الفقراء التي سحقتها الفاقة والجوع، وضياع حق الناس المساكين، وانعدام العدل والأمن، وسيادة الظلم والجور والعدوان. ويمكن الإشارة لمجموعة مفاهيم تطرقت لها النصوص الديني، هي مشتركات إنسانية، أكتسبت بانتمائها للكتب المقدسة، قدسية سماوية، كالرحمة والتراحم والعفو والصدق والإخلاص، وغير ذلك. مفاهيم يمكن توظيفها لتعزيز قيم الفضيلة.

رؤية مكثفة

سبق أن قدمت مفهوما للدين يحتاج استيعابه قدرا كبيرا من التأمل والخروج من نمط التدين والنسق العقدي السائد. (يراجع كتاب الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري). وهو مفهوم يعوّل عليه في استرداد الأخلاق الانسانية السامية، مهما تباعدت الانتماءات الدينية والاجتماعية، لكن يبقى الدين بهذا المفهوم قدرا مشتركا، يتفق عليه الجميع باستنثاء من يرفض الدين، بل حتى هؤلاء يعترفون بالجانب الروحي للإنسان، وقدرته على تزكية النفس وثراء القيم الإنسانية. ولا ريب في مثالية هذه الصيغة، لأنها لا تشبع فضول الحس الطاغي للدين في مجتمعاتنا، والارتهان له في تحقيق أهدافهم السياسية. بات الدين يشغل مساحة واسعة من حياة الناس، وبات الفرد مرتهنا للفتوى في جميع تصرفاته وسلوكه. ومن يدمن التقليد ويلتفت للعمامة في كل إيماءة يرتاب من العقل ويرفض اختزال الدين، ويتسع مفهوم الدين لديه لكل تفاصيل حياته. لذا نخلص إضافة لما تقدم أن الدين وفقا لما هو سائد ومتداول: (نسق من الأفكار والمعتقدات، يوجه وعي الفرد وسلوكه. ويجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى، ويقدم تفسيرا لظواهر الحياة والموت وما بعد الموت، والغاية من خلق الإنسان. وكيفية النجاة يوم المعاد. ويتسم بقدرته على ربط الإنسان بالغيب والمطلق، وارتهان مشاعره وقلبه. وهو تجربة روحية ومنظومة أخلاقية تضبط الأداء السلوكي للفرد والمجتمع). وهو وفقا للرؤية الكونية للديانات الإبراهيمة يقوم على وحدانية الخالق، وتحرير الإنسان من جميع العبوديات، وجعل الآخرة امتدادا للحياة الدنيا، وفق تصور عقدي يربط مصير الإنسان بعمله، ويعتبر الدنيا ممرا للآخرة: (وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚلَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ). فالدين برؤية مكثفة حزمة مفاهيم عقدية وأخلاقية ونفسية وشعورية تلامس مشاعر الإنسان وتؤثر فيها. وهذا القدر من الفهم للدين كفيل بالتأثير على ضمير الإنسان وارتهانه، شريطة الإيمان بالله واليوم الآخر. وتأثيره يتطلب إيمان الفرد، برؤية كونية، تمهّد للتسيلم والانقياد فيؤوب لنفسه وقيمه الأخلاقية: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ومن يفتقر لهذا المواصفات لا يستجيب لنداء الضمير الديني بسهولة، وقد يتمرد عليه، بل يمكن استخلاص نتيجة: أن "سيء الخُلق لا دين له". أو "من ساء خُلقه ساء دينه"

إن ميزة النص الديني في قدرته على تحريك مشاعر الإنسان، وهيمنته على مكامن الوعي، من خلال خطاب يتمتع بقوة إيقاعه، حينما يختار من اللغة ما يخدم أهدافه، ومن البلاغة والبديع ما يثير الدهشة والحيرة، ويختار مناطق اشتغال قلقة، لا يمكن للعقل البتّ فيها، سوى مشاعر لا يعرف مصدرها، هي تجليات القلق المصيري الذي هو قلق وجودي متجذر في النفس البشرية. وقد دأب القرآن قياس الغائب على الحاضر. والغيب على الشهادة وفق مسلّمات قرآنية: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)، (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ)، (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). ليفسح المجال لتمثّل الغيب وغرائبية عالمه، وفق نسبية الحقيقة. أي أن الحقائق المجرّدة والحقائق الميتافيزيقية تبقى نسبية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، الذي يختلف في روافده الثقافية من شخص لآخر، فيكون وعي المرء مرتهناً لقبلياته وطبيعة فهمه للنص المقدس. بهذا نفهم أن الفرد شريك في تشكيل الحقيقة النسبية. وبما أن الخطاب إملاء، والموقف منه موقف تأويلي، تتحكم به قبليات المتلقي، فيتفرد الدين في رسم الحقيقة، من خلال النص ذاته، والخبرة الحياتية في أفق النصوص المقدسة. فيبقى المتلقي محاصرا في تلقي معارفه. لذا ما لم يترك المتلقي مسافة بينه وبين النص، ويخرج من هيمنته، لا يمكنه فهم دلالته، ويكتفي بالانقياد اللاشعوري. وعليه فالمشترك الثقافي الذي يتوقف عليه الفهم، يتأسس عبر ثقافة دينية. بمعنى آخر أن قبليات المتلقي تمت صياغتها وفق ثقافة دينية. أو شاركت فيها بنسب متفاوتة، تؤهله لفهم النص ضمن سياقاتها. إذ نفترض أن المتلقي ينتمي أساسا لبيئة دينية أو مجتمع تهيمن الثقافة الدينية على مفاصل وعيه الاجتماعي. كل ذلك في إطار رؤية كونية توحيدية للعالم. فهو منذ البدء يسلم بيقينيات مكتسبة حيث تترسب المفاهيم الأولية والمقولات الأساسية لا شعوريا، بفعل التربية والمحيط والخطاب العاطفي والمقارنات البسيطة وإثارة المكامن النفسية، وبساطة القدرات العقلية. وهذه المرحلة لا يغادرها الإنسان إلا بيقظة حقيقية تقاوم إغراءات الخطاب وهو يمرر مسلّماته، ويحجب دوره في التأثير. لذا تجد بعض الناس مرابطا في هذه المرحلة حتى مماته، مهما كان مستواه العلمي والأكاديمي. فالوعي غير العلم والمعرفة. الوعي مرتبط بقدرة الفرد على الإدراك والتشخيص، وقراءة ما وراء الكلام، والتكهن الصادق بمراميه ومقاصده. فلا يخدعه النص. بل يتحرى صدقيته، وسياقاته، ويتأنى في فهمه. وهذا يعتمد على يقظة العقل. (كتاب النص وسؤال الحقيقية، 78). فترى الفرد يتأثر بالنص رغم علمه بضعفه أحيانا، مما يعني أن مركز اشتغال النص خارج وعي المتلقي، فهو يستهدف بنية المقولات الأساسية التي يراهن عليها في وجود حقيقته. (المصدر نفسه، ص8). فنخلص أن المتلقي يشارك في تشكيل حقيقة المفاهيم المجردة والقضايا الماورائية. وهذا سبب تفاوت التمثل، حيث يلعب المخيال دورا أساسا فيه، لأنه تأويل. إضافة لقبلياته، التي هي نتاج تربية وبيئة ثقافية دينية. فيكون تأثير النص مضمونا تقريبا ما لم يكن الفرد بطبيعته متمردا، يرفض إملاءات النص ما لم تخضع لنقد عقلي، ومراجعة علمية بحثا عن مدى صدقية دلالاته وإخباراته.

في ضوء هذه المقدمة حول فهم النص من قبل المتلقي يمكننا تحديد نسبة احتمال تأثير النص الديني على مسار الفرد، لنعرف قيمة الرهان على النصوص الدينية في المسألة الأخلاقية، وهل ثمة سبب معقول للتفاؤل؟. أعتقد أن فائض الرهان على النص الديني في المسألة الأخلاقية سببه صورة مضخمة، هي ذات الصورة التي عطلت وظائفه، وورطته في قضايا خارج اختصاصه، لولا رغبات أيديولوجية وسياسية. لا يكفي وجود نص ديني أو خصوص النص المقدس، ما لم يكن الفرد مؤمنا، كما دلت الآية المتقدمة. فالإيمان يلعب دورا في رفع وخفض احتمال الهداية، بينما احتمال هداية غير المؤمن من ذات النص فضئيلة أو غير محتملة، وهو ما عبّرت عنه آية: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ). كما أن وعي المتلقي وقبلياته، تلعب هي الأخرى دورا أساسا. لذا لا يمكن الذهاب بعيدا في رهاننا على النص الديني خاصة، ويكون البحث عن روافد غيرها مبررا جدا. وهذا يفسر سبب انهيار الأخلاق رغم طغيان الدين في المجتمع، كما هو حال مجتمعاتنا المسكونة بالدين، غير أن سلوكها يعكس مستوى التزامها الديني والأخلاقي. وهو ما أشرت له مفصلا سابقا. فوجود نص ديني لا يكفي لتزكية النفس وحماية الضمير والالتزام بالأخلاق، بل يشترط حرية المتلقي وإرادته وقدرته على اتخاذ القرار. بينما نجد العقل المسلم مرتهن للتراث، لا يلامس القرآن إلا من خلال نصوص ثانوية. فلا يصدق مفهوم الحرية هنا، بل هو عقل أسير جهله وتخلفه ودوغمائيته. كما ليس كل الناس قادرين على التمييز بين آيات الكتب، وفرز ما كان مطلقا أو مقيدا بظرفه، لذا تجد دليل الحركات الإسلامية المتطرفة كداعش هي ذات آيات القتال. لأنهم يعتقدون بإطلاقها، ويؤمنون بنسخ جميع آيات الرحمة والمودة والعفو والمغفرة بآية السيف. وهذا ليس موجبا لليأس، ومازال طيف واسع من الناس أوفياء لقيمهم، وكل ما يحتاجونه تذكير متواصل بحقيقتهم. فالإنسان يغفل، ومفاتن الحياة واسعة، والتحدي في داخل النفس البشرية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق. 

ماجد الغرباوي: 

الاستثناء الرابع: التراث الإقصائي

واضح أن القيد في العنوان احترازي، لاستثناء التراث الإنساني من مفهوم مطلق التراث. وهو تراكم معرفي يقوم على احترام العقل، ومركزية الإنسان باعتباره قيمة عليا بغض النظر عن انتمائه وخصوصيته. إضافة للتراث العلمي والعقلي والفلسفي والتربوي والفني، وكل تراث يكرّس النزعة الإنسانية. ليختص الاستثناء بالتراث الإقصائي وليد التناحر الطائفي والسياسي، المثقل بتداعيات حديث الفرقة الناجية التي تبيح نبذ الآخر، واستباحة كرامته، على الصعيد الديني. وكل تراث، ديني أو غير ديني، يغذي مشاعر الكراهية والأحقاد والإقصاء، أو يستهين بالإنسان، ويضطهده بدوعٍ دينية أو غيرها. وهذا النوع من النصوص لا يصلح مهما كانت قدسيته مرجعية أخلاقية وإنسانية، ولا يساهم في إثراء الرصيد الروحي والثقافي لتزكية النفس وحماية الضمير من التلكأ والانهيار. ولا يساعد على تنمية الروح الإنسانية. التراث الإقصائي يقع على الضد من التراث الإنساني وثقافته التي تؤكد على الوازع الإنساني، كمشترك كوني، بين جميع البشر، يمكن الاحتكام له في الجانب الأخلاقي. ما نحتاجه في المسألة الأخلاقية تلك المشتركات الإنسانية التي تحفز على الاستجابة للفعل الأخلاقي بدوافع إنسانية. وهذا ما نراهن عليه لمكافحة التفاضل على أساس طائفي أو عنصري، لتبقى قيمة الإنسان بإنسانيته لا بخصوصيته وانتمائه.

في كتاب الهوية والفعل الحضاري ذكرت أن المقصود بـ(التراث: ما أنجزه السلف من دراسات وبحوث، فكرية وعقدية وثقافية وفقهية ما زالت تفرض نفسها مرجعيات تؤثر في وعينا وتفكيرنا وفهمنا، وتحتفظ بقدر كبير من الاحترام والقداسة، خاصة في الأوساط الدينية والتراثية المحافظة). فيستثني التعريف النصوص التأسيسية المقدسة (القرآن، وما له جذر قرآني شارح ومبين من صحيح السيرة النبوية).

ومهما بالغوا بقدسية التراث لكنه يبقى منجزا بشريا في إطار ظرفه الزماني والمكاني، فيحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. رغم أن الفقه وفتاوى الفقهاء غدت سلطة مقدسة، يترتب على مخالفتها عقوبات دنيوية فضلا عن العقوبات الأخروية، وهي قدسية مريبة لا أساس لها سوى فهم خاطئ لدور الدين في الحياة، ودور الإنسان فيها، ورغبة الفقيه في تحصين سلطته بالمقدّس، وتوظيف الفتوى لصالح مكانته الاجتماعية والسياسية، وتلبية لطموحاته المذهبية والطائفية. يؤكد ذلك موقف كل فقيه من الآخر المختلف مذهبيا، رغم وحدة مصادر التشريع، واتفاق فقهاء المسلمين على أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة. (الهوية والفعل الحضاري، ص171).

تكمن خطورة التراث كونه أحد مصادر المعرفة، وربما المصدر الوحيد لدى طيف واسع من الناس، مازالوا يعتقدون بثراء التراث، وشموله معرفيا لكل صنوف الحياة، بما فيها القضايا العلمية والطبية. بل بلغت ثقة بعضهم بالتراث رفض النتائج العلمية المبرهن عليها بالتجارب والأدلة العلمية، والتمسك بالمعرفة التراثية لتفسير الظواهر الكونية والحياتية. والأمر الآخر عندما تكتسي المعرفة التراثية قدسية، تفرض على المتلقي الشرح والتفسير والتبرير دون النقد والمراجعة، وهذا ما نراه واضحا بالنسبة للدراسات الدينية والحوزوية، بل ويمثّل التراث بالنسبة لهم مصدرا معرفيا. وكلما اقترب التراث من عصر الوحي اكتسب قدسية وقيمة وصدقية أكبر، خاصة وحديث خير القرون قرني، لعب دورا في إضفاء صفة القداسة على السلف والارتفاع بتراثهم مستوى عالٍ من الحرمة والحصانة، وغدا نقده والمساس به استهانة بالمقدس وحرماته. جاء في صحيح البخاري: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). بل أن لهذا الحديث أثرا سلبيا على الوعي، يحد من طموح مستقبل أفضل، مادام المفاضلة دينية، ومادام القرن الأول هو خير القرون. وهو فهم سلفي، يأبى مغادرة القرون الأولى. وكلما يفعله تمثل الماضي، وتقليد السلف، وقياس الحاضر على الغائب. والغائب في وعيه صورة مثالية، رغم تاريخيتها. على هذا الأساس تراهم يقدّسون رموزه، ويستدعون تجاربه، وسيرة رجاله، فهو مثل أعلى لدى بعض الاتجاهات السلفية خاصة. وهو مصدر معرفتهم، لا يعلو عليه مصدر، في مجال المعرفة الدينية والأخلاق سوى القرآن والسنة النبوية، وفقا لفهمهم وتفسيرهم القائم على التراث ذاته. وتجد النص الديني الأعم من النص المقدس على ألسنة الناس يهتدون بهديه، فكيف لا يكون مهما وخطيرا؟ فاستثناء التراث الإقصائي من الرصيد الثقافي والروحي المهلم لحماية الضمير البشري، وتعضيد الاخلاق، مبرر جدا، مادمنا نتطلع لمصادر إلهام تحي الفطرة البشرية وتغني الروح الإنسانية، فهل تصدق هذه المواصفات على التراث؟ وهل باستطاعته تغذية قيم الفضيلة على أسس إنسانية لا تشوبها شوائب الطائفية؟. إن الارتكاز للتراث بما هو تراث لا يحقق ما نصبو له في مجال الأخلاق.

كان الكلام عن دور الدين كطاقة روحية لتعزيز القيم الأخلاقية وتحفيز الضمير وحمايته. وبما أن الدين مجموعة نصوص مقدسة، وأخرى ثانوية، هي فهم وتفسير للنص المقدس، تأثرت بقبليات الملتقي ويقينياته ومشاعره واتجاهه السياسي والطائفي، غير أنها اكتسبت شرعية أقوى عندما احتكرت تفسير النص، وحلت محل النصوص التأسيسية، تدعمها رواية تنهى عن مقاربة آيات الكتاب إلا من خلالها، وما قاله السلف، خصوص الصحابة ومن ثم التابعين. لذا كان ينبغي لنا استثناء ما يضر بالمهمة الأخلاقية. وعلى هذا الأساس تمت بعض الاستثناءات، مرَّ الكلام حولها، ونلحق بها التراث الإقصائي. الذي هو أشد ضررا على القيم الأخلاقية والإنسانية، ويستدعي مكافحته لتفادي تداعياته السلبية، وانعكاساته السقيمه على المشاعر الإنسانية. فهو تراث يكرس قيم الرذيلة بدلا من قيم الفضيلة.

لنستعرض بعض خصائص التراث الإقصائي، سيما التراث الديني، وخصوص تراث المسلمين، الذي يمثل قراءات مختلفة للمدونة الأولى / القرآن، كل قراءة تمثل اتجاها ومنهجا في تفسير الكتاب وآيات، وتحديد مصاديقه. بل هي قراءات غير بريئة أسقطوا عليها أحكامهم المسبقة ووظفوها لخدمة مصالحه. وهذه النقطة بالذات لعبت دورا سلبيا سممت التراث، حيث اشتد التنافس على روايات الفضائل كشواهد تعزز شرعية كل طرف مقابل الطرف الآخر، حداً كذبوا على الرسول، ونسبوا له كثيرا من الروايات، وقوّلوا القرآن ما لم يقل، فترى التراث يطالعك بتأويلات مدهشة لآياته، بعضها غارق بالخرافات والآخر يكرس مصالح طائفية وسياسية. لكن هل يكفي هذا مبررا لاستثناء التراث، أم هناك أسباب غيرها؟.

لأجل تقديم مبررات مقنعة نستعرض جملة حقائق يتسم بها التراث، من خلالها يمكننا التأكد من قيمته المعرفية، ومدى قدرته على خدمة الواقع الأخلاقي. فربما نجد العكس أن التراث سبب رئيس وراء هدر القيم الأخلاقية، والتشوهات الإنسانية. فبعض النصوص الطائفية تشعر أنها تستبطن عاهات نفسية وردة فعل من وجود الآخر، خاصة المناوئ السياسي، منها:

- لم يَقُمْ نزاع الخلفاء حول السلطة على أية مرجعية قرآنية أو نبوية، صريحة واضحة تحسم النزاع، فتنامت روح الخلاف، وراح كل فريق يبحث عن شواهد وروايات تعزز شرعيته، ونبذ الآخر أو تكفيره. وإذا لم يكن هذا واضحا في زمن ما يسمى بالخلافة الراشدة، فقد اتخذ مع معاوية بعدا تنظيريا، فكان علم الكلام القديم دفاعا عن العقيدة الإسلامية، ودفاعا عن المذاهب والفِرق، وفي تلك الفترة بالذات ظهرت مقولات كلامية كالقدر والجبر وغيرهما، شرعنت سلوك الخليفة، مهما كان ظالما، ومهما سفك من دماء بريئة، سيما دماء المعارضة وأصحاب الرأي المخالف. وعبر السنين تراكم لدينا تراث هائل، في سياق صراع السلطة. تراث كان ومايزال وفياً لذلك النزاع الأول، مع أو ضد، فتأثرت العلوم به مباشرة أو غير مباشرة حتى انعكست بشكل واضح في علوم التفسير والفقه بل حتى النحو.. فكيف يخدم الأخلاق تراث إقصائي يقلب موازين الحق باطلا، ويجعل من الباطل حقا؟. إنه تراث مؤدلج، همّه الأول الدفاع عن الذات وإن كانت على باطل. وإقصاء الآخر وإن كان على حق. لذا يتضاعف حذرنا، لقدرته على تزوير الوعي، وقد يغفل عنه الإنسان، مادام يحمل راية الدين، وإمضاء الفقهاء، وهم فقهاء السلطان.

- لعب التراث دورا خطيرا في شرعنة العنف، واستباحة الدماء، خاصة تجارب الخلفاء، وفتوحات المسلمين. وموقف الخلفاء من الآخر، وشروط المواطنة المفروض عليهم عنوة كالجزية وضرائب أخرى. حيث عاشت الأقليات مستبعدة في ظل الخلافات والسلطنات المسلمة. وراحت الأقلام تبرر السياسات التعسفية ضد الآخر، وتشرعن السلوك اللا أخلاقي منه، فكيف يكون التراث بصورته القاتمة مصدرا للأخلاق، ومنبعا للقيم الإنسانية؟. الأخلاق تتنافى مع العنف. والفعل الأخلاقي يرتهن في صدقيته للدافع الإنساني، ويأتي به الفرد بعنوان الواجب الإنساني، بينما دوافع العنف سياسية وطائفية. تختزن الإقصاء. فينعكس سلبا على ضمير الإنسان ووعيه. والكلام ناظر للعنف كثقافة ووعي وأيديولوجيا، فلا يصلح مرجعية للأخلاق وقيم الفضيلة.

أما العنف كفعل خارجي وما هي مبرراته؟ فهذا أمر مختلف، فيما إذا توقف الفعل الأخلاقي على ممارسة العنف، فإنه يقدّر بقدره، ومازاد يتنافى مع المنطق الأخلاقي، القائم على رفض الظلم والجوار. كما لو اندفع شخص إنسانيا لانتشال شخص من الموت، شخص مجهول بالنسبة له، غير أن انتشاله اقتضى قدرا من العنف، كوجود شخص ثالث يريد قتله. فقدر الضرورة لا يسلب الفعل الأخلاقي صفته، ومازاد يدان عليه. فالعنف يصدق عليه مفهوم القوة، كما ميزت في كتاب تحديات العنف بين العنف والقوة المشروعة، لضرورات أمنية، تقدر بقدرها.

- إن تراث الفِرق والمذاهب المحكوم لمنطق الفِرقة الناجية مصدر للكراهية والاحقاد ونبذ الآخر. يشهد لذلك حجم الروايات والنصوص المحرضة ضد الآخر، وهذا بطبعه يولد مشاعر كراهية، ينكص معها الضمير الإنساني عن القيام بواجبه الرقابي، حينما يتغاضى عن الظلم والجور، ويتراخى عن القيام بواجبه الأخلاقي لأسباب طائفية وسياسية.

- يصدق على مفهوم التراث، الروايات والفتاوى والآراء الفقهية التي تتخذ من تلك الروايات دليلا شرعيا، هي الأخرى تحرض على الكراهية ونبذ الآخر، خاصة عندما يُستثنى الآخر من مفهوم الإيمان، كما في توزيع الزكاة والحقوق الشرعية والمناصب الحكومية. أو الفتاوى التي تدعو للتبرئة من المناوئ المذهبي، وعدم مصاهرته، وغير ذلك من أحكام وفتاوى تسمم الروح الأخلاقية، وتقلب موازينها بحجة شرعيتها، وشرعية أدلتها. والأشد الفتاوى التكفيري، التي تهدر دماء الند المذهبي أو السياسي.

- الفقه السلطاني الذي تم التنظير فيه لشرعنة السلطة مهما كانت ظالمة، وشرعية قتل معارضيها، بحجج واهية، كالحفاظ على الدين، ولا أدري ما علاقة الدين بالخلفاء والسلاطين؟. ولماذا ينهار بانهيارهم؟ وكم عدد الذين فارقوا الحياة، ولم يتأثر دين الناس بموتهم. لكنها عناوين لتشويه الحقيقة، وحماية الاستبداد السياسي. ولا تخفى تداعياتها، حينما يتبنى المتلقي تلك الأحكام السلطانية، ويعتبرها مرجعيات فقيه مثالية؟.

- تراث الملوك والسلاطين، الذي يسعى لأنسنة الظلمة والجبابرة، من خلال التأكيد على الجوانب الإنسانية، مهما كانت ضئيلة، باهتة، واستبعاد انحرافاتهم الأخلاقية والسلوكيه. فتبدو سيرتهم مشرقة بالعدل والإحسان. وهي صور مؤثرة عندما تسوق بأساليب أدبية، وسرد تاريخي مشوق، فتعمل على تزوير الوعي.

- كل تراث يهدر كرامة الإنسان، ويكرّس روح العبودية، ويركز على جسد المرأة ومفاتنها على حساب كرامتها وحيثيتها الممتهنة، والنصوص التي تدافع حق العبث بهن، تحت عناوين الجواري، وملك اليمين والإماء، وينسى الكارثة اللا إنسانية التي أودت بهن سبايا في قصور الخلفاء والسلاطين.

ما تقدم إذاً يبرر استثناء التراث الإقصائي من النصوص التي يمكن توظيفها لتعزيز القيم الأخلاقية وتحفيز الضمير ليواصل عمله الرقابي الصارم. نحن بحاجة إلى تحشيد كل مصدر ثقافي لضمان فعل أخلاقي يساهم في تعزيز فرص قيام مجتمع الفضيلة. غير أن الاستثناءات التي مرت، لا تخدم المهمة الأخلاقية.

التراث الإنساني

نخلص أن مقابل التراث الإقصائي ثمة تراث إنساني مضيء، يثري المشاعر الإنسانية، ويكرس القيم الأخلاقية، وهي نصوص ذات نزعة إنسانية تثري القيم الأخلاقية، وتمد الفرد بطاقة روحية، كالكتابات الصوفية والأخلاقية والتربوية والفنية والجمالية والأدبية بمختلف أجناسها. التراث الإنساني الأصيل، الخالي من الطائفية والكراهية مصدر إلهام للأخلاق وقيم الفضيلة، ومقاوم لثقافة الكراهية والعنف، يركز على الإنسان كقيمة عليا، ويؤكد على مركزيته والاهتمام بمصالحه. يرفض استغلاله وتوظيفه، ويدعو للمطالبة بحقوقه المشروعة، سيما حريته. فينبغي استثماره، لتصحيح السياقات السلوكية للمجتمع. كما ينبغي توظيف كل التراث العقلي والعقلاني في صراعنا الحضاري مع التخلف والخرافات وخطابات التفرقة والتشظي. التراث الإنساني بطبيعته يفتح آفاقا إنسانية واسعة، تحرر الوعي من مخالب الطائفية والتخلف، وترقى بالفرد لمستوى المسؤولية التاريخية. ويساعد على إحياء الضمير البشري، بما يختزن من طاقة مؤثرة إيجابية. ويصدق أن التراث الإنساني العقلاني، الذي يجعل من العقل مرجعية لأحكامه، ويعتبر الإنسان قيمة أساسية، يصلح ان يكون مرجعية حاسمة عندما يلتبس الوعي، لهذا يعتبر العقل العملي معيارا للقيم الأخلاقية.

إن تداخل المقدس بالمدنس، والسماوي بالأرضي، والإلهي بالبشري أحد الأسباب التي دعتنا للتفتيش عن روافد ثقافية إنسانية، لحماية الضمير، وهو يخوض في كل يوم أعتى المعارك مع مغريات الحياة وانهيار القيم الأخلاقية الأجتماعية، وتمادي الناس بالظلم والعدوان، وهيمنة المشاعر الطائفية.

إذاً مفهوم التراث هنا، يستثني النصوص ذات النزعة الإنسانية المقومة للروح الأخلاقية. أي النصوص التي تنظر للإنسان بما هو إنسان، بعيدا عن خصوصياته وانتمائه. الإنسان الذي كرمته السماء قبل الأرض لإنسانيته، ذلك المفهوم الذي يجد صده في أعماق الروح، واقتضى تفضيله على كثير من المخلوقات: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). أو النصوص التي تعالج قضايا إنسانية من منظور إنساني محض، تنعكس إيجابا على مشاعر الفرد، وتغذّي وازعه الإنساني الذي هو رهان الأخلاق. فهي ثقافة نقية، غير ملوثة بالكراهية والأحقاد، وعصية على الأدلجة والتوظيف الطائفي. نحن نعاني الآن من المنطق الطائفي الإقصائي الذي لا يكتفي بسلب الفعل صفته الأخلاقية، بل ويشرعن الرذيلة أخلاقيا، وهذا النصوص قد تحد من التمادي اللا أخلاقي، حينما تحرك مشاعر المتلقي، وتفرض عليه مراجعة سلوكه. وبالتالي، لم يكن الدين هو الرافد الوحيد للرصيد الروحي والثقافي الذي نراهن عليه في تعزيز رقابة الضمير، وتزكية النفس البشرية. غير أن الدين وقداسة النصوص أقوى مصادر الإلهام الروحي. لكن ماذا تبقى من المدونة الأولى للنص المقدس بعد استثناءات عريضة لآيات الأحكام، بما فيها آيات القتال، والآيات الناظرة لقضايا خارجية استدعت أحكاما استثنائية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

مأسسة الأديان والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن استقلال الأخلاق عن الشريعة، لا يفقد الدين بمعنى الإيمان دوره الأخلاقي، وسيكون الضمير، كما أكدت، رقيبا صارما يضمن لنا أداء أخلاقيا يأتي به الفرد بدافع الواجب الإنساني، وهذا يستدعي وعيا إنسانيا لمعنى الأخلاق ودورها في بناء مجتمع الفضيلة. وهنا يأتي دور الدين بمعنى الإيمان عندما يكون الضمير مركز إشتغاله. فيلعب دورا مؤثرا في تقويم الأخلاق وترسيخ قيم الفضيلة، من خلال رعايته للضمير تحفيزا وتحذيرا، دون أي ارتهان لتوجهاته الإنسانية، وهذا مبرر لاستقلال الأخلاق عن التشريع. مستوحيا، أي الإيمان، من حاجة الإنسان الفطرية والروحية له. ومن قداسة الدين وهيمنته اللاشعورية على المشاعر البشرية. فثمة خاصية تتفرد بها الأديان، هي قدرتها على ربط الناس المطلق، وخلق شعور عميق ينصت للغيب ويتمثل حقائقه، فيزداد يقينه وتترسخ قناعاته بتعاليمه وخطاباته مع كل ممارسة طقوسية أو تأملية حتى يغدو يقينا مطلقا لا يراوده الشك، خاصة والدين يضفي معنى للحياة، ويقدم أجوبة مقعنة للأسئلة الوجودية الكبرى، ويمنح الطمأنينة ويفتح آفاقا للأمل واسعة. وعندما يبلغ المرء مرحلة اليقين ينشغل بتزكية نفسه وحماية ضميره. الدين أكثر وقعا في صدقيته من أي جهة رمزية أو معنوية، لقوة إيحاءاته ورمزيته، وما يعد به ويحذر منه. من هنا يمكن استثمار نصوصه الملهمة ذات الطابع الإيماني والأخلاقي والعقلائي، لتنمية الروح الإنسانية، وتقويم الضمير. وأقصد بالنصوص الدينية خصوص الآيات، وخطابات الكتاب القائمة على منظومة القيم الأخلاقية، وقدرتها على تزكية النفس وتحفيز الضمير. وهذا يقتضي استثناء بعض النصوص لتفادي أي التباس وخلط بين المصادر النصوصية الملهمة وغيرها. بل إن بعضا يكرّس ما يتنافي مع المنطق الأخلاقي. تلك النصوص التي ترفع راية الدين وتحرض على الكراهية والعنف وإقصاء الآخر.

وبالفعل سبق أن استثنينا من النصوص القرآنية آيات التشريع، التي تخص الآخر، كما في آيات القتال. أو مطلق الآيات الإقصائية، التي ينبغي فهمها ضمن سياقاتها التاريخية، ومبررات صدورها. وكذلك غرائبيات الأحكام كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، ووثوب إبراهيم لقتل إبنه. وهو أول اسثناء تطرقنا له. وأما آيات الشريعة التي رسمت حدود علاقات الفرد والعلاقات العامة. والآيات التي حثت على الأعمال الصالحة، أو مجموعة الآيات الأخلاقية، فسيأتي الحديث عنها ضمن موضوع الأخلاق والأوامر الإلهية. وهذه نقطة ينبغي التنبيه لها، تحتاج لتوضيح كافٍ. كي لا يلتبس الموضوع. فالكلام حول مصدر الأخلاق، وقلنا أنها لا تقوم على الدين بمعنى الشريعة، وأنها من مدركات العقل العملي. وهذا لا يعني إقصاء الآيات الأخلاقية. وسيأتي الحديث. ولنبقى هنا مع الدين بمعنى الإيمان، طاقة روحية يمكن توظيفها لحماية الضمير الإنساني، ليمارس دوره الرقابي بصرامة، وبهذا نتوفر على مصدر ديني، يحول دون خمول الضمير أو تقاعسه، ويبقى يقظا، خاصة مع تزوير الوعي، وتراخيه أو نكوصه أمام الإغراءات المادية والدنيوية. فالإيمان يساعد على ترشيد الوعي وكبح النزعات الشيطانية ويهذب النوازع المادية، من خلال طرح بدائل تعويضية، وخطاب يقوم على الترغيب والترهيب، يشكل حصانة حديدية أمام النزعات المادية، والتهاون مع السلوكيات اللا أخلاقية، شريطة الإلتزام الديني، كي لا يرد علينا سؤال البحث الأساسي، عن مدى قدرة القرآن على تهذيب أتباعه، وقد سبق الحديث عنه مفصلا..

للدين وسائله الخاصة، التي يستيطع من خلالها تزكية النفس البشرية، ويمنحها قدرة على التعفف أمام المغريات والنزعات المادية. وبالتالي فالقرآن هو المدونة الدينية التأسيسة، والمرجع الأول لمفاهيم الدين وتعاليمه وأحكامه. لم يجعل الله فيها ولاية تشريعية فضلا عن تكوينية لأحد من خلقه، وما تسمعه عن حجية السيرة النبوية لا يعدو اجتهادات ووجهات نظر مرّ تفصيل الكلام عنها بما يكفي. فتبقى وظيفة السُنة النبوية، كما ذكر الكتاب الكريم، بيانا وتوضيحا وتفصيلا. فالبيانات النبوية للقيم الأخلاقية، هي بيانات إنسانية، تأتي في طول آيات الكتاب، وهكذا بالنسبة لسيرته باعتباره مثلا للأخلاق: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ). وأيضا مرّت تفاصيل كافية عن الموضوع.

وبما أن مفهوم النصوص الدينية مفهوم عام، فقد يتبادر للسامع أنها تشمل إضافة لآيات الكتاب وسيرة الرسول، سيرة من جاء بعده: الصحابة لدى مدرسة أهل السنة. وأئمة أهل البيت لدى مدرسة الشيعة، بل وقد تمتد لفتاوى الفقهاء فيشملها العنوان باعتبارها قائمة على أدلة لفظية قرآنية ونبوية، وغير لفظية سيرة النبي ومن جاء بعده، بهذا يشملها مفهوم النص الديني. وبعض يتحفظ فيقول: أدلة شرعية وفتاوى فقهية. لذا كإجراء احترازي استثنيت فتاوى الفقهاء من النصوص التي يمكن أن تكون مرجعية ملهمة لحماية الضمير، كرقيب أخلاقي. وهو الاستثناء الثاني بعد استثناء آيات التشريع. وبالتالي ففتاوى الفقهاء حكم مستنبط من آيات وروايات التشريع، فتشملها استثناءات أحكام الشريعة. إضافة لانحيازها، كما مرَّ الكلام.

الاستثناء الثالث: تعليمات المؤسسات الدينية

يلحق بفتاوى الفقهاء، استثناء ما يصدر عن المؤسسات الدينية من فتاوى وقرارات وتعليمات تستجيب لضروراتها، وتكرّس مصالحها السياسية والطائفية، ولو على حساب الدين وغاياته ومقاصده، فيكون التحيز قدر هذا اللون من الفتاوى. وبالتالي ما يبرر استثناءها خصوصية الإفتاء وتحيزها لصالح الدين المؤسساتي. كما لو اقتضى الموقف من الآخر التشهير به، وهو عمل لا أخلاقي، يفقد معه الدين قيمته الأخلاقية، وطاقته الروحية التي نرتهن لها في تحفيز وحماية الضمير الإنساني. بل ويفقد الضمير إنسانيته ليغدو مؤدلجا، ينظر للحق والباطل من منظار طائفي، تمسكا بحديث الفرقة الناجية. وهذا لا نقصده عندما نتطلع لدور إيماني لحماية الضمير، بل نقصد جوهر الدين، عاريا من أي تفسيرات طائفية. أي الدين الخالص والمحض، تعرفه من استجابتك الفطرية وردة فعلك. ما نريده ونسعى له الاستجابة الأخلاقية. ونتطلع أن يلعب الإيمان دورا في تحفيز الضمير وتفادي خموله أو انهياراته ليمارس دوره الرقابي الصارم. بهذه تتضح الحدود بين العقل والدين في المسألة الأخلاقية. فتكون الاستجابة للفعل الأخلاقي بدافع الواجب الإنساني. شريطة الحرية والإرادة والقدرة. بينما تسلب المؤسسات الدينية إرادة الفرد، وتكرّس حريته باتجاه مصالحها. مباشرة أو بشكل غير مباشر. ويفقد الفعل الأخلاقي شرط فعليته، بفعل هيمنة سلطة المؤسسة، التي تسلبه حريته حينما ترتهن خلاصه بطاعتها، حداً يتقرب لله بموالاتها وامتثال أوامرها. ويحسب أنه على حق مطلق وغيره على باطل مطلق. فانقلاب الوعي يفقد الفعل صفته الأخلاقية. وما نريده فعلا أخلاقيا بدافع الواجب الإنساني، وإيمانا يتفادى خمول الضمير وانهياره. فاستثناء فتاوى وتعاليم المؤسسات الدينية مبرر، ويكفي هيمنتها التي تفقد الفرد حريته وإرادته وقدرته على تشخيص الحقيقة، عندما تتولى فهم الدين نيابة عنه، وتوجيه وعيه وسلوكه وفقا لأهدافها.

مأسسة الدين إغتيال الوعي باحتكار الحقيقة، عندما تعيد المؤسسة وتعاليمها تشكيل العقل بدوافع طائفية وسياسية، يتماهى معها المرء باعتبارها معطى نهائيا مقدسا بمختلف العناوين ابتدءا من الأحكام الولائية حتى ولاية الفقيه مرورا بالفقه السلطاني، مشيخة الإسلام السنية، شيخ الإسلام الشيعي، المؤسسات الدينية والكهنوتية في جميع الأديان والمذاهب. المأسسة كانت وماتزل وراء ارتهان الوعي، وتكريس الحس الطائفي، والهيمنة السياسية، والسبب وراء تشتت القوى، وزعزعة الثقة بين أبناء الطوائف الدينية، وتكوين يقين سلبي، يزدري العلم، ويمجد الخرافة، ويحتفي باللامعقول كمهيمن ثقافي يعيق حركة الوعي الرسالي. ولعل في محاكم تفتيش القرون الوسطى في أوربا خير مثال عندما كانت تلاحق كل من يدلي بتصريح ولو كان علميا مادام يخالف تعاليمها. والمؤسسات الدينية الحديثة تمارس دورا مشابها لكنه يقتصر على الرموز والطقوس الدينية.

إن مأسسة الأديان أشد ما عانت منه الرسالات السماوية عبر تاريخها الطويل، وأفدح خسائرها جاءت بفعل هيمنتها، حداً فقدت الأديان قيمتها كمرجعية لتقويم سلوك الفرد بعد أن وُظِفت سياسيا واجتماعيا وطائفيا. وهذه المؤسسات تستمد شرعيتها من تاريخها، واحتكارها لتفسير النص الديني، واستملاكها للرأسمال الرمزي، والرصيد المعنوي، وقيمومتها على الدين ومصادره المالية، وانقياد العقل الجمعي لإرادتها. بل أن روح العبودية والطاعة المطلقة رهانها الأول في مشاريع الهيمنة، وربط سبل النجاة بطاعتها. وعلى هذا الأساس كانت تبيع الكنيسة صكوك الغفران. فثمة وعي بدائي يؤمن بها ويتقبلها أفرز إيمانا "قروسطيا" يؤمن بالخرافة سبيلا للنجاة، ومازال هذا الإيمان يعشعش في عقول أدمنت الخرافة، تجد في العلم وكشوفاته شيطانا يهدر إيمانها. وهو وعي متخلف، ناتج عن خطاب مؤسساتي، يقصد تجهيل الناس لضمان طاعتهم، كرهان لنجاح مشاريعه السياسية والطائفية. وفي نفس السياق تأتي الشفاعة الطقوسية التي يهبط معها الدين من قيمة روحية سامية، إلى مؤسسة مبتذلة تحط من قيمة الفرد، وتعلو من سلطة الاستبدادين الديني والسياسي. وأعني بها ممارسة الطقوس وتبني الشعارات الطائفية شرطا لضمان الشفاعة يوم الخلاص. وفي كلا الحالتين يأتي سؤال الأخلاق، حيث يتعرض الفرد لتزوير الوعي. وهل يمكن لفتاوى المؤسسات الدينية وقراراتها وتعاليمها أن تكون ملهمة للأخلاق وبناء ضمير إنساني حي؟ وهذا هو مبرر استثناء فتاواها وتعاليمها من مصادر إلهام التقوى وحماية الضمير من الزيغ والانحراف. فهذه الفتاوى وهذه القرارات مكرسة لخدمة المؤسسة الدينية، فهي إجراءات متحيزة، ونحن نتطلع لروح إنسانية، بعيدة عن أي تحيز باستثناء إنسانية الواجب الأخلاقي. أو أنها تكرس الأخلاق لشرذمة المجتمع، وهذا خلاف الهدف المتوخى من الأخلاق. نحن نتطلع لأخلاق حميدة، سامية، إنسانية، وقرارات وفتاوى المؤسسات الدينية تقلب موازين الأخلاق، فيغدو إقصاء الآخر فضيلة، ومحاربة العلم فضيلة، وسيادة الوعي المزيف على أنه حقيقة، يستميت المرء في الدفاع عنها. المأسسة تكوين سلطوي لتكريس الهيمنة والاستبداد، لا تنسجم مع التوجهات الإنسانية.

لقد واجه المسيحيون اضطهادات شتى من قبل الإمبراطورية الرومانية وذلك من عام 58 م حتى 312 م بسبب رفضهم الاعتراف بعبادة الأباطرة، وهو تعبير آخر عن اعتزازهم بقيمهم الدينية والإنسانية. بل أن المسيحية قائمة على فصل الديني عن الزمني: (أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله). وعندما أنهى مرسوم الإمبراطور قسطنطين المسمى في التاريخ باسم "مرسوم ميلانو" عام 313 م مرحلة الاضطهادات شكل اعتناقه للمسيحية نقطة تحول هامة في التاريخ. وبدأت تتداخل السلطتان الزمنية والدينية، حتى ظهرت منافسة سياسية بين بطريرك القسطنطينية والبابا في روما حول زعامة العالم المسيحي. وبعد سقوط روما أصبحت البابوية مصدر استمرار للسلطة وسيطرته على المسائل العسكرية. (أنظر: ويكبيديا). وبهذا الشكل تولت الكنيسة السلطتين الزمنية والدينية، وخاضت معارك ضارية من أجل الهيمنة السياسية والدينية والروحية، فكانت مأسسة الدين المسيحي قد بدأت منذ توظيف المسيحية سياسيا، حيث بدأت سيادة الكنيسة الكاثوليكية وهيمنة السلطة الكهنوتية على مشاعر الناس، والتحكم بمستقبلهم السياسي والديني، وبات الإيمان والخلاص يتوقف على ولاء الفرد لسلطتها. أو أن الولاء شرط الإيمان والخلاص، وهذا يعني تبني جميع شعارات الكنيسة، والاقتصار عليها مصدرا وحيدا للمعرفة الدينية وطريقا للخلاص، حتى فقد الدين قيمته الروحية، وغدا مصفوفة طقوس، يمارسها المرء ليدخل الجنة، وتسقط عنه جميع ذنوبه مهما كان حجم الجريمة، عبر الاعتراف بين يدي الكاهن وشراء صكوك الغفران. وقد كلف الانعتاق من سلطة الكنيسة الشعوب الأوربية غاليا، حتى رأت النور في ظل العقل والعقلانية، بعيدا عن الكنيسة وسلطاتها الكهنوتية التي كانت ترمي بالهرطقة كل من يخالف تعاليمها، مهما أتى الدليل العلمي والعقلي من قوة. والهرطقة جريمة مؤسساتية، لا علاقة لها بالأديان، تتخذ منها الكنسية ذريعة لقمع المعارضين، واستعادة المتمردين لسلطتها. وهذا يحدث في جميع المؤسسات الدينية تارة ماديا كما في ظل سلطة الكنيسة والحكومات الدينية، وتارة رمزيا عندما ترتهن مصير الفرد وخلاصه بولائها، وتبني شعاراتها. وهذا مكمن الخطر الأول لمأسسة الأديان.

وكانت مأسسة الدين في الإسلام بدأت مع موقف قريش من السلطة، عندما فرضوا القريشية شرطا في الخلافة، ليكونوا الممثل الوحيد للسلطتين الدينية والزمنية، وكان هذا كافيا لمأسسة الدين، حيث تمسك الخلافة بزمام الأمور وتفرض فهمها وتفسيرها على النص الديني. بدءا من الأول حتى نهاية الدول العباسية. والمهم فترة التأسيس، عصر الخلفاء أو ما يسمى بعصر الراشدين، حيث لعب الإنتماء الطائفي دورا رئيسا في تكريس السلطة ومأسستها، بعد اختزال آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) في مصداق واحد هم قريش. وليس سوى قريش يليق به القيادة، إنها ذات القيم القبلية تسربت في غفلة من الوعي الديني. أو لسكوته. فالمأسسة احتكار للحقيقة، وتوظيف سياسي للدين. مثاله زخم روايات الفضائل التي اختص بها الخلفاء الأربعة دون غيرهم من الصحابة إلا لمماً، واحتكرتها قريش دون العرب، والعرب دون باقي المسلمين، وهو تشويه للموقف الأخلاقي، القائم على وحدة الجنس البشري. والاستجابة الإنسانية للفعل الأخلاقي. ويتضح الأمر أكثر من خلال روايات التزكية المطلقة أو تلك التي تمنحهم حصانة دائمة، وتبرئتهم سلفا من كل ذنب، مهما كانت خطاياهم خلافا للمنطلق القرآني القائم: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). وبشكل تدريجي راحت تفرض المؤسسة الدينية سلطتها من خلال فرض ولايتها على الدين مباشرة أو من خلال الفقه السلطاني، فكان فرض لغة قريش عند الاختلاف في قراءة الآيات، وإقصاء بعض النصوص القرآنية، بقرار عثماني، بداية بلورة سلطة المؤسسة الدينية، واحتكار السلطتين الدينية والزمنية. والسلطة إملاءات فوقية، أية سلطة كانت، والإملاء يفقد الفرد حريته وتحرره، وحينئذٍ لا يصدق على سلوكه ومواقفه مفهوم الفعل الأخلاقي، لأن شرط الأخير حرية الفرد، بمعنى التحرر من كل سلطة فوقية باستثناء ذات الفطرة والسجية الإنسانية المجردة والمحضة، حينما يرى في الآخر امتداده الإنساني، فيندفع لمد يد العون له مثلا بدافع الواجب الإنساني. وهذا يتنافى مع منطق السلطة القائم على التبعية والانقياد بما تمليه مصالحها العليا، وافقت أم تقاطعت مع المنطق الأخلاقي.

وبهذا الشكل أخذت المؤسسة أطوارا مختلفة، ولعل في صراع الدولتين العثمانية في تركيا والصفوية في إيران، وكيفية توظيف الدين وخصوص المذاهب الإسلامية مثالا لمأسسة الدين من أجل ضمان تحشيد شعبي بدوافع دينية، وهذا لا يتحقق إلا بسلطة دينية مؤسسية، فكان منصب مشيخة الإسلام في تركيا. في مقابل منصب شيخ الإسلام في السلطة الصفوية في إيران، وكل من مشيخة الإسلام وشيخ الإسلام لعب دورا مؤثرا في تحشيد الطاقات، عبر مباركة الطقوس والبدع، وشرعنة السلطة السياسية رغم استبدادها وفسادها. وكان كل من منصب مشيخة الإسلام ومنصب شيخ الإسلام مصدرا للكراهية، وتحريض الناس على إقصاء الآخر، بعد رميه بالانحراف وربما الفكر تمهيدا لجواز إزدرائه وقتله. ما كان لمنطق الموت أن يسود لولا وجود مؤسسات دينية تبرره وتبارك للسلطان فعله، باعتباره نصرة للدين أو المذهب. فهو قتل باسم الإله والدين، وهذا أوضح مصاديق تزيف الوعي الديني. كما أن كلا من المنصبين الدينيين في تركيا وإيران منصب سلطاني يمنحه الأخير لمن يشاء من الفقهاء. فيعيّن السلطان الفقيه، ويمنح الفقيه السلطان الشرعية. وفي ظل السلطان يمارس الفقيه أعماله مفتياً وصاحب سلطة دينية مؤثرة. وفي ظل الفقيه يمارس السلطان ما يشاء من الأفعال والممارسات. (أنظر كتابي: الشيخ محمد حسين النائيني منظّر الحركة الدستورية).

ثمة أمر مهم، أن الفقه السلطاني، كما في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى، وغيرها من كتب المذاهب الإسلامية، هو فقه هيمنة، يكرّس سلطة المؤسسة الدينية، حينما تضع نفسها في خدمة السلطان، وتتولى شرعنته حكومته وضمان انقياد الناس لها، من خلال تزوير الوعي الديني. ولعل مثال حكومة ولاية الفقيه في إيران اليوم  أوضح مثال لقوة وعمق واستبداد وهيمنة المؤسسة الدينية، مهما كات دستورية، حيث أن الإقصاء ودعوى الولاية المطلقة على الناس والقرار السياسي والتحكم بمصير الشعب والوطن، هو المنطق السائد.

نخلص أن ما يصدر من فتاوى وتعليمات عن المؤسسات الدينية، لا تصلح مصدرا لتزكية النفس والتقوى، وبالتالي فإن هذا اللون من النصوص خارج النصوص الدينية المقصودة. رغم قدراتها التعبوية التي قد تنفع لدرء الأخطار. الإيمان الذي نتطلع له، تلك المشاعر الإنسانية الشفافة التي تأبى الأدلجة والاحتكار، وتنظر للآخر نظرة إيمانية: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق). أو إنسانية تقوم على وحدة الروح الإنسانية ومشاعرها والتي نرتهن لها في وضع ضابطة أخلاقية نحتكم لها دائما في كل زمان ومكان. الإيمان تلك الومضة الروحية النابعة من أعماق الروح والتجربة الدينية، حينما تملأ فضاء النفس، وتهيمن على مشاعر الإنسان، فينسى عالمه المادي، ومغريات الحياة، وينظر إلى نقطة بعيدة يستلهم منها القوة والأمل، فيكون أرأف بنفسه، حينما يعمد لتزكيته وتطهيرها، وهذا لا يتحقق في إطار المأسسة القائمة أساسا على التعالي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الأولى بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

وجوهر الدين الأخلاق

ماجد الغرباوي: إذاً، يمكن للتجارب الدينية أن تعلب دورا مؤثرا على صعيد الاخلاق، مادامت حقيقة التجربة عودة وإنابة واشراقة روحية متعالية، ومكاشفة صريحة مع الذات، ينقطع  فيها الفرد لنفسه، متعلقا بخالقه، بالغيب، بالمطلق، بالكائن الأسمى، كل حسب إيمانه وعقيدته، مستعرضا سيرته بمرآة إنسانيته، حين تكون القيم الإنسانية في ذلك الصفاء الروحي والنقاء الإنساني، معيارا للأخلاق والفضيلة. لا إلتفاف ولا تحايل ولا تبرير، فما كان ظلما يراه ظلما على حقيقته، وما كان عدلا يراه عدلا بمجساته الإنسانية، لأن الآخر في تلك اللحظات هو الذات بكامل تجلياتها، فيشعر بظلمه للآخر من خلال تجاربه ومعاناته مع الظالمين. الآخر أنا، ما يؤلمه من الظلم نفس ما يؤلمني. كلانا تنعكس عليه ذات الآثار النفسية، وإن اختلفنا في التعبير عنها، لكنها تبقى ندوبا في النفس، ومرد المشاعر المشتركة لوحدة المشاعر الإنسانية. وللإنسانية كفطرة بشرية كونية مشتركة حقوق وواجبات، فالفعل الأخلاقي أداء للواجب الإنساني، بهذا الدافع يجب أن تصدر الأخلاق، وفقا لكانط. وهذا ما يشعر به الوجدان بعد تأمل طويل، لأن المسألة ليست بهذه البساطة. لذا تزكية النفس تمهّد لخصوبة القيم الأخلاقية وقيم الفضيلة. الأخلاق الحسنة تصدر عن نفوس طيبة وقلوب نقية، وليس كمراقبة النفس وتزكيتها أقدر على ديمومة نقاء القلب، من هنا تأتي أهميتها وقوة تأثيرها، فتنعكس مباشرة على سلوك الإنسان. وقد عمدت لمفهوم أوسع للتجربة الدينية كما تقدم، لاستثمار كل النفحات الروحية على طريق الأخلاق الفاضلة. وهي حالات إنسانية، ما من فرد إلا ويعود لنفسه خاصة مع مشاعر الإحباط واللاجدوى وفقدان المعنى، إما يأسا وتشاؤما أو بفعل التمادي بالتعاطي مع السلوك اللا أخلاقي. فيجد في خلوته روحانية لم يألفها في حياته العادية، قد تفضي به للتوبة والاصلاح، وقد يركلها ويتمادى في غيه وطغيانه. وبالتالي يمكن للتجارب الدينية مهما كانت محدودة، ولو بمقدار ومضة تتوهج في أعماقه، أن توقظ الضمير من سباته، وتعيد له حيويته ودوره الرقابي عندما تصغي النفس لندائه وتستجيب لإرادته. والدين وخصوص التجارب الدينية الروحية قادرة على تحفيز الضمير. وقد قرأنا عن تجارب وعاصرت شخصيا بعضها، حيث آفاق ضمير بعض الناس فجأة، فانحاز للحق والعدل، بعد أن تخلى صادقا عن ماضيه وسلوكه المنحرف، ليبدأ حياة جديدا، ويختمها بسلوك أخلاقي رفيع المستوى.

غير أن التجارب الدينية، خاصة المتطورة روحيا، صورة مثالية، يتعذر تحققها لعامة الناس، في خضم حياة تتحكم بها المصالح والمغريات، والتنكر للقيم الأخلاقية. لا أقول معدومة، بل هي رهان ناجح. الإنسان روح شفافة، مهما تمادى قد تعود بعد ندم حقيقي فاعلٍ. لذا نتطلع لتوظيف الدين وفقا للفهم المتداول، بما هو كل شامل. فنحن لا نيأس منه إلا في حالات التوظيف السلبي والأيديولوجي الذي يشجع على العنف والكراهية والتنابذ والتنافي مع منطق: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). حيث يمزق التشظي المذهبي جميع مقوماته الأخلاقية.

ثمة حقيقة تجعل من الدين أملاً لتطهير وتزكية النفس، ومن ثم تحفيز الضمير، وحمايته من الانهيار، وتعزيز قيم الفضيلة التي تمهد لظهور مجتمع الفضيلة، قوة حضوره في المجتمعات الشرق أوسطية، التي هي شعوب مرتهنة في وعيها للمثيولوجيا، وللأديان خاصة، فهي بؤرة الرسالات السماوية، ومنها انطلقت الأديان إلى ربوع الكرة الأرضية. وهذا لم يأت من فراغ، بل استعداد كامل لتقبل المعاجز، والإيمان المفرط بالجن والملائكة وعالم ما وراء الطبيعة، والرسالات قائمة على الغيب والتسليم، بل الإيمان الديني بعامة قائم عليه. فالطبيعة المجتمعية طبيعة مثيولوجية، تنمو فيها الغرائبيات، وينقاد فيها الفرد للمعجزات. وهذا يؤكد قوة حضور الدين وقوة تأثيره، لهذا يشكل الدين خطرا على الوعي حينما يوظف سلبيا لخدمة الاستبداد والمصالح الضيقة. وهذا يعني عدم تفاعل الشعوب الأخرى مع الأديان والغيبيات، بل الدين منتشر في أرجاء الكرة الأرضية، بتمظهرات مختلفة، وكلنا يتابع مختلف الطقوس الدينية عبر شاشة التلفزيون. كنت أظن أن الغرب قد تخلى عن الأديان نهائيا، غير أن أول مدينة دخلتها في أستراليا تفاجأت بكثرة دور العبادة خاصة الكنائس، وعندما زرت بعضها آيام الآحاد، كانت تمتلأ بالمصلين، فضلا عن مساجد المسلمين، وحرية الجميع في ممارسة طقوسه الدينية، بحماية كاملة من الدستور. بل الاتجاهات الدينية تلعب دورا في تحديد سياسة البلد مباشرة أو غير مباشرة عبر صناديق الاقتراع. وبعض الأحزاب تسعى لكسب ودها، لضمان فوزها في الانتخابات. وأما مناسباتهم الدينية فحية، نشطة، تعكس لك عمق المشاعر الدينية. قد تقول هذه مجرد عادات وتقاليد. وهذا كلام صحيح، لكنه ليس مجبرا وبامكانه الاعتذار، والكل يتفهمه، لكنه يأتي بدوافع مختلفة، ليست خالية عن المشاعر الدينية كليا. لهذا أدرجت التجارب الدينية كمصدر قوة لإحياء الضمير الإنساني.

كما أن الدين مقوّم أساس لهوية الفرد والمجتمع، ويشارك جميع مناسباتهم وطقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما يمثل جوهر النظام الأخلاقي وعلاقاتهم الاجتماعية، يتصل بتفاصيل الحياة اليومية للفرد والمجتمع، ينظّم معاملاتهم، ويسوي خلافاتهم، ويغمر مشاعرهم وثقافتهم وطقوسهم، بل الإنسان الوعي في هذه المجتمعات وعي ديني في أعماقه. ورؤيتهم الكونية رؤية دينية، فهم صناعة دينية أو مختلطة. وعليه لست مع الداعين لاقصاء الأديان كمقدمة لإحياء الأخلاق، بل أن للدين بمعنى الإيمان دورا مؤثرا جدا، حينما نحسن توظيفه، ونقدم فهما متوازنا إنسانيا، عقلائيا له. علينا استثمار المشاعر الدينية لدى مجتمعاتنا وإعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم القيم الأخلاقية والإنسانية. لا استقرار للمجتمع إلا بالتسامح والتفاهم وتوظيف كل الطاقات المادية والروحية لتعضيد قيم المحبة والوئام وحق الآخر في الاختلاف. وأما العمل على إقصاء الدين من خلال التركيز على الثغرات السلوكية بل وحتى التاريخية، لا يخدم الأخلاق، لأن المشاعر الدينية عميقة ومتجذرة، تعكس قوة الانتماء الديني تاريخيا، فهو ملازم لوجود الإنسان، يحمله معه أينما ذهب. مما يدفعنا للتفكير برؤية دينية تخدم قيمنا الأخلاقية، وتستعيد قيمنا الإنسانية التي سحقها الاستبداد المتجذر هو الآخر في المنطقة، خاصة الاستبداد الديني الذي هو أشد وطأة وأخطر من الاستبداد السياسي. وهذا يعني العودة للنصوص الدينية وتقديم قراءة وفهم مغاير، ينأى بالدين عن التطرف والكراهية. أو ينأى به عن كل توظيف أيديولوجي، ليبقى دينا للرحمة والكلمة السواء والمحبة والعدل والوئام. فالدين بمعنى الإيمان، والدين بالمعنى الروحاني طاقة يجب عدم الاستهانة بها. الإنسان محكوم لعواطفه ومشاعره كما هو محكوم لعقله، والإيمان يحقق التوازن الروحي الذي يؤهل لسلوك أخلاقي جمعي، يصب في صالح الجميع، عندما يحد من النزعة المادية، والاندفاع المرير وراء  المنافع والمصالح الشخصية التي تبرر له فعل ما يراه يحقق أهدافه، ولو على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية، ولا يهمه حينئذٍ تداعيات أفعاله اللا أخلاقية فتارة تبرر له مصالحه امتصاص جهود الناس الآخرين، بل لا يتورع عن اقتراف أي عمل يكرّس مصالحه، ويشعر معه باللذة. وهو تجاه خطير، يسود المجتمعات الغربية، ولا تنجو منه المجتمعات الأخرى، مادام هناك استبداد، وتراخٍ مع هذا اللون من التفكير المادي النفعي. وهنا لا أتنكر لحق الفرد في تحقيق مصالحه، وحقه في الحياة والثروة وبناء مستقبله، فكل هذا مشروع، أمضته جميع القيم الوضعية والدينية، مشروطا أن لا تكون تلك المصالح على حساب الآخر ومصالحه. بمعنى أدق ينبغي أن يكون المعيار الأخلاقي شرطا للمنفعة المشروعة، بهذا تتحقق العدالة، وتصان حرية وكرامة الإنسان.

 الإستثناء الثاني: فتاوى الفقهاء

لا تخفى قدرة الدين على تهذيب النفس البشرية في هذا الإتجاه. بل لا يقظة دائما للضمير ما لم ترافقه تزكية متواصلة للنفس، يشرق معها نور الحقيقة في قلب المؤمن، ويهتدي بوحي فطرته للاستجابة للفعل الأخلاقي، والتجارب الدينية أيا كان مستواها مؤهلة لتزكية النفس، بنسب تتحكم بها إرادة الفرد وصبره وتأمله ومستوى إيمانه، وجميع القضايا النفسية المرتبطة بها. غير أن مرونة النصوص المقدسة، وثراء الحقل التأويلي فيها، وزخم التراث الروائي والقواعد الأصولية التي وضعها الأصوليون، والتراخي في قواعد جرح وتعديل الروايات، كل ذلك يسمح بتوظيف الدين توظيفا سياسيا، أو خارج مهامه الروحية والسلوكية. ولعل الفقه السلطاني الذي كرس حماية الخليفة الفاسد والظالم أقوى شاهدا. لذا لا يمكن ان تكون فتاوى الفقهاء معيارا للأخلاق كما تقدم بيانه. ويجب لتحديد فعلية وعدم فعلية الأحكام الشرعية، العودة للنصوص التأسيسية الأولى مباشرة، وقراءتها قراءة تاريخية لتفادي توظيف إطلاقاتها سياسيا، حينئذٍ يمكن تفادي تداعيات الانحيازات الأيديولوجية والطائفية للفقهاء في مواقفهم وفتاواهم. وأما الأحكام الأخلاقية في القرآن، فسبق التأكيد أنها إرشاد لحكم العقل: (الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقبيح ما حكم العقل بقبحه). فلا يمكن الاستدلال بها لنفي استقلالية الأخلاق عن الشريعة. وهذا يعني موقفا سلبيا من الدين، بل يعني تحديد وظيفته وفقا لفهم جديد له، بعيدا عن منطق الفرقة الناجية والنسق العقائدي المألوف للطوائف والمذاهب الدينية. وقد تقدم إن المرجعية العقلية للأخلاق لا تنفي قدرة الدين على تقويمها، وحماية الضمير البشري من الانهيار. وبالتالي فالمقصود بالنصوص الدينية التي يمكن توظيفها أخلاقيا هي نصوص القرآن، والصحيح من أحاديث الرسول، عندما تكون شارحة ومبينة من خلال المواقف العملية أو التصريحات النصية، فنستثني فتاوى الفقهاء، رغم صدق مفهوم النص الديني بالمعنى الأعم. وهو الاستثناء الثاني بعد استثناء آيات التشريع لمبررات سبق ذكرها. وكذلك تخرج نصوص الدين المؤسساتي، التي تصدر عن المؤسسات الدينية لأغراض تقتضيها مصالحها وسياساتهم. وسيأتي الكلام حولها.

وهنا يبرز إشكال حول استثناء فتاوى الفقهاء. كيف نستثني فتاواهم وما يصدرونه من أحكام وعدم اعتبارها معيارا للأخلاق، وهي ترتكز لأدلة قرآنية وروائية؟. بمعنى أخر، يريد الإشكال تأكيد موضوعية الفقهاء، مادامت مرجعية الفتوى هي ذات النصوص التأسيسية. والفقهاء لم يأتوا بشيء من خارج الشريعة، سوى اجتهادهم، بمعنى فقه النص، واستنباط الأحكام وفق قواعد أصول الفقه، التي هي صياغات قانونية لضبط عملية الاجتهاد والفتوى. فليس هناك ما يبرر الطعن في صدقيتهم أو اتهامهم بالتحيز لقبلياتهم. فهي ذات النصوص التشريعية، وقد لا يتجاوز دور الفقيه أكثر من تطبيق القواعد الفقهية وكليات الشريعة على مصاديقها الخارجية. وهذا الإشكال قد يبدو وجيها، لكنه غير تامٍ، فقد سبق القول أن الحُسن والقُبح عقليان، لا شرعيان، وأن الأحكام الأخلاقية في القرآن إرشاد لحكم العقل، وبالتالي لا يمكن أن يكون الدين بمعنى التشريع معيارا للأخلاق، وقد بينت الأسباب سابقا بشكل مفصلا، والتي منها: عجزنا عن فهم الملاكات البعيدة للأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، واعتراض موسى عليه من وحي فطرته وروحه الإنسانية. كما أن القرآن ينوه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). فالشرائع تراعي التحولات الزمكانية. فهي متغيرة، ولو شاء الله جعل الناس أمة واحدة، لكن لم يجعلهم كذلك على أساس الشريعة، بل وحدهم بالدين. ونحن بصدد قواعد كلية، كونية، وإنسانية، تصلح أن تكون معيارا مشتركا بين جميع البشرية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ). فالجميع ينتمى للإسلام بمعنى التسليم، ويعبدون إلها واحدا. يوحدونه ويقرون له بالطاعة والتسليم لقدرته وإرادته.

والشيء الثاني، أن كل فقيه ينحاز لا شعوريا لقبلياته وقناعاته العقدية، ويدافع عن نسق يقينياته وأحكامه المسبقة، كمبنى عقدي ينعكس على فهم النص، فينحاز لنتائجه لا شعوريا، بل ويوجه النص بذات الاتجاه، وقد مثلت سابقا للاختلاف بين المذاهب الإسلامية، خاصة السنية والشيعية حول مصداق آية: ولاية المؤمنين، وكل يرتب أثرا على فهمه، فالسنة ذهبوا إلى ولاية جميع المؤمنين، واقتصرها الشيعة على الإمام علي ومن ثم بنيه، ورتبوا عليها قضايا عقدية وأخرى شرعية. فالمنظومة العقائدية للفقيه تؤثر في فقه النص وفتاواه، وعلى هذا الأساس لا يتورعون عن تكفير غيرهم من المذاهب، حتى لو كان التكفير بمعنى احتكار الحقيقة وإقصاء الخصم منها. بالتالي هناك آثار تترب على وعيه للأنا والآخر. ومرَّ الكلام مفصلا حول هذا الموضوع. ونضيف: لا يمكن تبرئة الفقيه وإلقاء اللوم على الأدلة الشرعية فقط، مادام يمارس عملية استنباط الأحكام الشرعية وفقا لمبانيه، ويستبطن نسقا عقديا يوجه وعيه، فترى رواية واحدة يختلف حولها الفقهاء بين من يرفض الاستدلال بها لضعفها وفقا لمبانيه الأصولية والرجالية، وبين من يستدل بها. وهذا فارق كبير، وإلا من أين جاء الاختلاف بين المذاهب الإسلامية، بل وبين فقهاء المذهب الواحد؟. فالفقيه له دور مؤثر. نعم كانت بعض كتب الفقهاء حتى القرن الخامس الهجري، عبارة عن روايات خالصة، لكن حتى هذا القدر يكون للفقيه دور في فقهها وقبولها أو رفضها. وكل هذا يؤكد ضروة استقلالية الأخلاق عن الشريعة، لتبقى إحدى مدركات العقل العملي، ويكون الدافع لها إنسانيا أو الواجب الإنساني، فنحن بصدد معايير كونية صالحة لجميع البشرية كي يكتسب المعيار الأخلاقي صدقيته، وإمكانية الاحتكام له، والاحتجاج به، وليس كالمرآة الإنسانية صورة أنقى تعكس الحقيقة الإنسانية متجلية بكامل خصائصها، فتكون هي المعيار الأخلاقي. وهي بهذا مشترك إنساني بعيدة عن تشظيات الخصوصية والانتماء. فاستثناء فتاوى الفقهاء من الدين النصوصي، وحصره بالمدونات التأسيسية الأولى يكرس فهما مغايرا للدين، لا تتدخل فيه أية دوافع أيديولوجية. لكن هنا أيضا يبرز إشكال حول النصوص والآيات التي تتعارض ظاهريا مع القيم الأخلاقية، كل الموقف من الآخر، ومطاردته أينما كان، والتشدد أضعافا مضاعفة بعقوبته، خلاف للعدل والإنصاف القانوني: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا)، (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا)، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ف)، وغير ذلك من روايات. وقد أسهبت بالإجابة على هذا الإشكال في بحوث سابقة، وبينت الموقف الأخلاقي منها. وأضيف هنا بشكل عام نحن مع استقلال الأخلاق عن الشريعة، وهذه آيات تشريعية، لها ظرفها ومبرراتها. وقد ناقشت جميع أدلة القائلين باطلاقاتها في كتاب تحديات العنف. هي آيات لا إطلاق لها خارج ظرفها الزماني والمكاني، فرضتها ظروف العلاقة مع الآخر المحارب، . أي أن الموقف الأخلاقي لا يبر هكذا إجراءات تفتقد ظاهرا للعدل. إن هذا النوع من الآيات ينطوي على ملاكات ومصالح لا ندركها، فهي ناظرة إلى ما هو أبعد من الموقف الأخلاقي الجزئي، بما يشمل ملاكات بعيدة مرتبطة بالرسالة ومستقبل الناس، فالفعل الذي يتعارض ظاهرا من الأخلاق، لا يبدو هكذا عندما تقرأه ضمن رؤية كلية، وسياق أحداث لها أهداف أوسع وأشمل. فمقتل طفل خلال تحرك عسكري يدافع عن مدينته، ويصد عدوانا مباغتا، لا يبقي ولا يذر لو قدر له النصر، يبقى مقتل الطفل عملا لا أخلاقيا، لكن عندما تنظر له ضمن مصلحة المدينة وأهلها، تختلف نظرتك له وفق المصلحة الكبرى. فارتكاب العمل اللا أخلاقي قد وقع خارجا، ولا مبرر لاعتباره عملا أخلاقيا. أما كيف يصدر من جهات عليا مقدسة، يفترض أنها مثلا أعلى للأخلاق، فهنا يأتي الكلام عن المصالح والملاكات وتبدل العناوين التي اقتضت ذلك، وما هي مبرراتها. طبعا لا مشكلة لدى القائلين بقيام الأخلاق على الشريعة، فالحسن عندهم ما حكم الشرع به، والقبيح ما نهى عنه. فقتل الغلام من قبل العبد الصالح عمل أخلاقي، وليس كذلك في ضوء القائلين باستقلال الأخلاق عن الشريعة. الاتجاه الأول خطير جدا، يمكن من خلاله توظيف الدين لتعزيز مصالح سياسية أو طائفية، قد تطيح حتى بقيم الدين ذاته، غير أن هذا الاتجاه يحكم بحسنها.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi1صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة مئتان، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

التجربة الدينية والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا ريب أن للدين متمثلاً بنصوصه التأسيسية قدرة على تحريك مشاعر الإنسان المؤمن، وخطاباته ذات مرونة تسمح بتوظيفه لحماية القيم الأخلاقية. مما يؤكد انتفاء المشروط بانتفاء شرطه. فهل هداية نصوصه المقدسة وقف على معتنقيه والمؤمنين به، خاصة ثمة شرط تفصيلي يحد من مساحة تأثيرها: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؟. فهداية الكتاب، وفقا للآيات، تشترط الإيمان والتقوى ليكون هاديا ومؤثرا. وهو إشكال صحيح، رغم وجود إمكانية عالية لاستثمارها، أي النصوص والآيات القرآنية، لذا أكدت على الإيمان بمفهومه العام، الإيمان بالغيب، بالمطلق، بالخالق، بالكائن الأسمى. كما ركزت على التجربة الروحية للأديان، التي تتصف بنقائها وصدقها وإخلاصها فيكون لها وقع حقيقي ينعكس على مشاعر الإنسان وسلوكه. أو ما يعرف اصطلاحا بالتجربة الدينية، وهي تجارب فردية. وقد توصف بالتجربة الروحية أو المقدسة أو الغامضة. ويقصد بها: عندما يُقرر الفرد التواصل مع واقع متسامٍ (متعالي)، لقاءً أو اتحادًا مع عالم اللاهوت. وقد بدأت الدراسات حول التجربة الدينية مع عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس (William James) في محاضرات جيفورد (Gifford Lectures) الخاصة به عام 1902/1901 والتي نُشِرت لاحقًا باسم أصناف من التجربة الدينية (The Varieties of Religious Experience). (أنظر: ويكبيديا). وللتجارب الدينية تقسيمات معروفة لديهم، تبدأ بالمتعارفة إلى الغامضة التي تعجز اللغة عن وصفها، كتجارب الأنبياء، حيث تحلق النفس في عوالم غرائبية، وتستولي عليها حالة انفصال عن العالم المادي، يشعر معها صاحب التجربة، بآثر تجربته حينما يفيق لنفس، ويعود لوضعه الطبيعي، كالاقتراب أكثر من الحقيقة، أو يشعر بفيض العلم وحضوره، والتفصيلات كثيرة تذكر في محلها.

إذاً وفقا للتعريف أعلاه أن التجارب الدينية تنطوي على قرار فردي للتواصل مع واقع متعالٍ، بهدف اللقاء أو الاتحاد، فهي تجارب خاصة وفردية مقصودة وعن تخطيط مسبق، ولا شك بقوة تأثيرها لولا أنها نادرة ومحدودة ومثالية.

ما أقصده بالتجربة الدينية هنا، تجربة روحانية، يجد فيها الإنسان نفسه فجأة معلقا بالغيب، بالمطلق، بالله. مشدودا لعالم لا دليل له عليها سوى قلبه، في لحظة يشعر أنه بحاجة ماسة للتماهي معه والانفتاح عليه. وهي لحظة نورانية دافئة، قد تتطور وتسمو وترتفع به إلى مستوى الإنسان الأخلاقي تبعا لنقاء سريرته وكيفية استثماره للحظة النور الرحمانية في أعماقه. وهذا النوع من التجارب الدينة مشترك إنساني رغم تفاوتها، تضفي معنى أخلاقيا على الحياة، وتساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والحق والاعتراف بالآخر، وحقه في الاختلاف. وهي تدفّق وجداني ونقاء روحي، ينعكس على وعيه وعلاقاته الاجتماعية، فتسمو فوق الأنانية والظلم والجور والعنف، وكل ما يعكر صفو المجتمع الإنساني. فالدين بمعنى التجارب الروحية للأفراد قادر على تهذيب ضمير الإنسان وحمايته. فيصدق أن التجارب الدينية - الروحية مرجعيات أخلاقية ملهمة، وهذا القدر لا يتحقق في ظل المفهوم الأيديولوجي للدين، لأنه مفهوم متحيز، ونحن بحاجة إلى مرجعية كونية، شاملة، تشارك فيها البشرية جمعاء، وهذا سبب تأكيدي على استقلالية الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. التجربة الروحية للأديان ليست حكرا على دين واحد، بل هي مفهوم شامل لكل تجربة بشرية تؤمن بوجود كائن أسمى، له سلطة فوقية، وقدسية تستغرق مشاعر المؤمنين، بل حتى مع عدم تحقق هذا القدر من الاعتقاد سوى الإيمان بإنسانية الإنسان. وبهذا نكون قد أحيينا الدين كقوة روحية، نابعة من أعماق النفس البشرية، تكافح لترقى بها في سلم الفضيلة، فيكون ديدنها التزكية والمراجعة. ومع كل مرتبة من الكمال تتجرد النفس من مشاعر الكراهية والظلم والعدوان. فيكون الإنسان فيها رقيبا ومراقبا. أو هي رقابة ذاتية، وإحياء لقيم يتوهج معها الضمير الإنساني، ويكون أقدر على مقاومة التحديات والإغراءات. فالتجربة الدينية، لا غنى عنها في مجال العلاقات الاجتماعية،  تثري الأخلاق وتطهر القلب من أدرانه، وترقى بالفرد إلى مستوى إنساني رفيع، يجد في الآخر امتدادا لوجوده. وكل ما تعمقت التجربة الروحية كلما اتسعت الرؤية، وانفتحت آفاق جديدة لوعي الذات، ومعرفة حقيقتها. يتجلى هذا في سلوك الأخلاقيين، بغض النظر عن انتمائهم الديني، فهم مصادر للإلهام بفضل تجاربهم الروحية، وقدرتهم على أدائهم السلوكي، عندما يترفعون عن الرذائل ويبادرون لكل عمل أخلاقي. وهذا طموح مجتمع الفضيلة أن يرقى الفرد لمستوى نقد الذات وتهذيبها من وحي قيمه الأخلاقية الأصيلة، ويأتي بالفعل استجابة للواجب الأخلاقي. حينما يجعل من نفسه ميزانا لوعي الآخر، فيحب له ما يحب لها، ويكره له ما يكره لها. التزكية والنقد والمراجعة والرقابة الذاتية كفيلة بحماية الضمير من الانهيار.

لكن يبقى السؤال: كيف تخدم التجارب الدينية منظومة القيم الأخلاقية؟ وما هي مرجعياتها؟. فإذا كانت مرجعياتها ذات النصوص الديني فمن يضمن لنا فهما محايدا لها، فربما تخضع لقراءات تسلبها حياديتها، وتنعكس على وعيه وتجربته، كما هو الملاحظ في سطوة المنحى الطائفي على الوعي الديني، وتأثر التجارب الروحية به بشكل ما. وأبسط مثال، لو أتخذ رمزا دينيا أو تاريخيا مرجعية أخلاقية له، فإنها سيتأثر لا شعوريا بدلالات الرمز وإيحاءاته عندما يكون مخلوقا أيديولوجيا، وصناعة تاريخية، وتراكم عاطفي، وردود أفعال أفرزتها السياسة وصراعاتها المريرة. فعندما يتخذ من الإمام علي رمزا أخلاقيا، ويبدأ بتمثّل تلك الأخلاق، لا يكتفي بالمنظومة الأخلاقية لسيرته، بل تتداخل معها قبلياته وأحكامه المسبقة ودلالات وإيحاءات ما تختزنه الصورة التاريخية للإمام ومواقفه السياسية، فهو لا يتمثل أخلاق الإمام كقيم روحية وأخلاقية مجردة عن تاريخه، وما توحي به دلالاته كرمز ديني وسياسي، خاض صراعا مع مناوئه حد الاقتتال وسفك الدماء، بل يتمثل أخلاقه ضمن مسيرته وسيرته، ويحضر التاريخ بكل حمولته، وما يترتب عليه من مشاعر، خاصة ضد الآخر، فيهدر حياده الأخلاقي لضمان ولائه الطائفي أو المذهبي. وهذا مكمن الخطر. وقس على ذلك جميع الرموز التاريخية والدينية.

ولا تحسب أنها مشكلة بسيطة يمكن تجاوزها، فقد عاصرت أخلاقيين ظاهرا أو هكذا يصفهم الناس، لا يتخلون عن طائفيتهم، ينظر للآخر بعين الريبة والشك والشفقة. فهو بالنسبة له ضال يرجو هدايته، أو رميه بالانحراف وربما الكفر حينما يكون معاندا يتمرد على إرادته. وهذا النوع من التجارب الدينية وبال على الأخلاق، حينما يضطهد الآخر، ويحرمه حق الاختلاف. المهم في الأخلاق حياديتها وتحررها وإنسانيتها، وهذا لا ينسجم إطلاقا مع التحيزات الطائفية والاتجاهات الأيديولوجية. بل سنخسر الدين ونحن نستجير به. الخطاب الطائفي خطاب معبأ ضد الآخر، فيشكّل خطرا حقيقيا على مبادئ الدين. ومنطق الفرقة الناجية لا يسمح بأية تسويات عقدية ومذهبية، وما تسمعه عن التسامح الديني، والتعددية الدينية، ما هي سوى شعارات مخادعة تخفي حقيقتها، وتتستر عما يريده الخطاب الطائفي حقيقة، باعتباره رسالة يريد إقناع المتلقي بها. وأداة لاقتحام خصمه الديني أو الطائفي. فالحيادية مستحيلة في الخطاب الطائفي، لأنه قائم على نفي الآخر، ونبذه، وحرمانه من النجاة والفوز يوم المعاد. فكيف يعترف به، ووجوده قائم على نفيه. كل المذاهب الإسلامية فرضت وجودها من خلال نبذ الآخر، ولم تتضح معالمها الحقيقية إلا بإقصائه وتكفيره. فليس هناك معنى للتسامح الحقيقي سوى نفي الذات، لأن العلاقات المذهبية قائمة على تأكيدها وتقديسها مع نفي الآخر. الخطاب الطائفي خطاب نفي، قائم على رفض الآخر وحرمانه، مهما كانت ضآلة النفي وتجلياته. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقية). فكيف نضمن حيادية التجربة الدينية لتكون مرجعية أخلاقية تخدم العلاقات المجتمعية، على أساس العدل والحق؟. وبالتالي لا يوجد ضمان لوجود تجربة دينية بريئة، ونزيهة. بل إن هذا اللون من التجارب يكرّس نرجسية الفرد، ويعمق روح التفوق، وهذا يكفي دليلا على تحيزه. فكيف نضمن حيادية التجربة الدينية لضمان نزاهة الضمير في رقابته على الفعل الآخلاقي؟.

لا ريب أنها إشكالية في سياق العلاقة بين الأخلاق والتجربة الدينية، خاصة أن الإنسان بطبيعته متحيز لقبلياته، وطالما أكدت: أن التحيز قدر الإنسان مهما بالغ في موضوعيته واستقلاليته، لأنها حتمية النظام المعرفي التي يتوقف عليها فعل القراءة والفهم والتفكير والإدراك. فالجميع محكوم لقبلياته وثقافته وأحكامه. والكل يرسف في أغلاله، تطوقه أوهام الحقيقة، ومغالطات التفوق، ونرجسية الأنا. ولا خلاص للفرد من سجونه إلا بمواصلة النقد والتفكيك، وتجاوز رهاب الحقيقة، لكن ثمة فرق بين من يعتبرها نهائيات مقدّسة، تفرض سلطتها وأحكامها، وبين من لا يعتقد بوجود نهائيات بل نقد مستمر لتلك اليقينيات والقبليات. (المصدر نفسه: ص21). بهذا يتضح أن الأخلاقي والمتصوف والروحاني وصاحب التجربة الروحية ليس استثناء، ويبقى كغيره مرتهنا لوعيه وأفق تفكيره وطبيعة تعامله مع يقينياته وما يعتبرها نهائيات، يرفض مقاربتها فضلا عن مراجعتها أو نقدها. لكن كيف نضمن عدم انحيازه ومن ثم ضمان فعل أخلاقي محض، ينظر للإنسان بما هو إنسان بعيدا عن خصوصياته وانتمائه؟ وهذا هو محور الإشكالية التي يستدعي جوابا يطال إشكالا ملازما: هو أن التجارب الروحية تجارب شخصية فكيف نستخلص منها قاعدة عامة، شاملة، كما هو الشعور الفطري، فإنه شعور انساني عام وكوني؟. نحن بصدد تأسيس قواعد عقلية (عقل عملي) لضمان فعل أخلاقي اجتماعي، يساهم في تعزيز مجتمع الفضيلة.

أما الإشكال الثاني، فرغم أن التجارب الروحية تجارب شخصية، نسبية، تتفاوت من شخص إلى آخر، لكن هناك قدر مشترك بينها، هو ذات التجربة التي يعيشها الفرد وما يتولد عنها من مشاعر وأحساسيس توجه وعيه وسلوكه. وأقصد به ذات الحالة الروحية، وذلك الصفاء الذي يعيشه الإنسان في لحظة وجد وخلوة مع الذات طالت أم قصرت. وذلك التعانق مع الغيب بدرجة سامية من الصدق والموضوعية. وهي حالة عامة يعيشها كل إنسان حسب ظرفه، وقدرته على التأمل الروحي. فيستجيب لها الضمير الحي ويتجاهلها من (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . في تلك اللحظة بالذات يجري مراجعة سريعة لسلوكه، ويلتفت إلى نفسه وقلبه، يقلبهما بنظرة فاحصة من وحي فطرته، التي مافتئت تنبض مهما تراكم من رين بفعل الرذيلة وهو ما تعول عليه آية: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). هذه الحالة هي مشترك إنساني، يمكن أن تتطور في لحظة يقظة تهز أعماق النفس البشرية وتعيدها إلى الطريق السوي. وعليه رغم أن التجارب الروحية تجارب شخصية غير أنها واحدة من حيث تحققها ونتائجها، مهما كانت متفاوتة في كلا الحالتين، يمكن استثمارها وتطويرها لتعزيز القيم الأخلاقية. وهذه الروح الشفافة، الموغلة بإنسانيتها، تلازم مشاعر أغلب الناس. فأنا لا أتحدث عن حالات نادرة أو شاذة، ويمكن لكل شخص أن يتحقق من ذلك من خلال نفسه ووجدانه. فالحديث عن حالة فطرية سلمية تلازم الإنسان، فتجده لا يكف عن التأوه والحسرة والشعور بالضجر والقلق، الذي هو تعبير آخر عما يخالج النفس من مشاعر متضاربة، فيراجع ويستغفر إذا كان مؤمنا. وهذه المشاعر الروحية الطيبة التي تمثل طهارة القلب في لحظة التأمل الوجداني، هي رهان شعور الناس بالأمان، وفي ضوئها يقيمون علاقاتهم ويتبادلون مشاعرهم وتعاطفهم مع بعضهم، ما لم تلوثهم براثن الظلم والعدوان، وأولها ظلم الإنسان لنفسه، حينما يودي بها إلى الخسران بسبب تصرفاته وسلوكه المنحرف: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ). فتلك المشاعر الروحية هي حالة إنسانية مشتركة، نتاج تجارب روحية شخصية، نتوسل بها لتدارك طغيان النفس وانهيار الضمير البشري، من أجل مجتمع فاضل تسوده القيم الأخلاقية. فنحن نعترف بفردانية التجارب الدينية، لكننا نتوخى نتائجها وثمارها. ولا شك أنها متفاوتة، تبدأ بسيطة جدا لدى الناس الفطريين، وتتطور مع العرفانيين والأخلاقيين، وبين المرحلتين مئات الدرجات والمستويات، وبعضها حالات مثالية في نموذجها الأعلى كالأنبياء، لذا عدلت كما سيأتي للتوسل بالدين بطريقة أخرى، كي لا نخسره قوة روحية لتقويم سلوك الإنسان، وحماية ضميره، بل الدين يمثل وجدان الناس، ويقّوم هويتهم وانتماءهم، خاصة المجتمعات الشرقية.

وأما ضمان عدم تحيز الفرد وهو يعيش تجربته الروحية فإنه مضمون بداهة، لأننا نقصد من مفهوم التجربة الروحية ذلك التجرد الكامل، حينما يعيش الفرد مع ذاته خالصة، لا تشارك مشاعره أية خصوصية. بمعنى أدق، إن حضور الخصوصية في وعي الفرد ليس حضورا لا شعوريا، غائبا تماما، بل هو حضور شعوري، حينما يلتفت الفرد لنفسه، رغم قوة تأثيرها في حالات اللاشعور. وأما انعقاد التجربة الروحية وتوالد المشاعر الروحية الفكرية فهي حالة من الرقي الإنساني، لا تخالطها الخصوصيات. والمقصود بالتجرد: تجرد الفرد من كل شيء باستثناء ذاته الإنسانية، حينما يتأمل سلوكه وتصرفاته وفقا لمرآته الإنسانية، فيشعر بخطأه، ويوخزه ضميره، وقد يفيق لنفسه، ويقّوم سلوكه. وهذه نتيجة مهمة جدا، نعوّل عليها. وبالتالي لا أقصد بالتجربة الروحية، الانغلاق على الذات، واعتزال الحياة، والاستغراق في التأمل، رغم شمول المفهوم لها، فهذه حالات خاصة ومثالية، لا يرقى لها كل إنسان، وتتطلب مجاهدة مستمرة للنفس وسوءاتها (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ونحن نتطلع لسلوك أخلاقي عام، ونتشبث بكل ممكن يرفد الحياة بالقيم الأخلاقية لتسود العدالة والأمن والاستقرار. وجميعها مطالب إنسانية عامة. فالرهان على تجرد النفس، في لحظة روحانية، لا يعي فيها سوى نفسه عارية من كل شيء سواها. هي لحطة مكاشفة ومصارحة مع الذات، عندما يكون الفرد خارج سلطة الخصوصية والانتماء. وعندما يتحرر من قبلياته، وتراكمات الأيديولوجيا. في ذلك الظرف الروحي، عندما يغمر نور الحقيقة أرجاءه، يكون الإنسان شاهدا على نفسه، بصيرا بعوالمه الداخلية. وهو المقصود بالتجرد المطلق. أو تجرد الذات التي لا تخالطها الولاءات الفرعية، كالولاءات العقدية والمذهبية والسياسية والطائفية، فقط وفقط الإنسان ونفسه، حينما يشعر بها وهي تتعذب بفعل قلقها الوجودي، فتنفتح على أعماقها وعينها ترمق السماء، وترجو ذلك الغيب. تتأمل المطلق بكل جوارحها، لتستمد منه ما يساعدها على تحري حقيقتها. هذه الحالة حينما يستعرض الإنسان مواقفه، ويكتشف بسهولة عيوبه ونواقصه. يقلّب ذنوبه وما اقترفت يداه من ظلم وجور، طالما تستر عليه أمام الناس، وطالما اعتذر لسلوكه بضرورات حقيقية أو مصطنعه، في تلك التجربة الروحية والمشاعر المتوهج يكون الإنسان على نفسه بصيرة، من خلال مكاشفاته مع الذات، تقول الإية: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ). بل الاعتذار والبحث عن الأعذار دليل على صدق ما يعاني من توبيخ الضمير. هذه هي التجربة الدينية، الروحية، الإنسانية. هي تجربة خالصة، تتعالى على الخصوصيات، لكن الإنسان، سرعان ما ينسى، ينسى حالة الندم والاستغفار ويعود لما كان عليه، موغلا في طائفيته وخصوصيته. وبالتالي ذات التجربة كفيلة بحماية نفسها من الطائفية والخصوصية، وكل ما يفسدها، حينما ينفصل الفرد عن عالمه المادي، ويشعر بتجرد مطلق، ليس بينه وبين خالقه سوى أعماله ومشاعره.. وبهذا تخرج كل تجربة دينية – روحية، تعجز عن التعالي على خصوصياتها، وهي جميع التجارب المرتهنة لخصوصيتها الطائفية.

بهذا نفهم كيف تؤثر التجربة الروحية في حماية ضمير الإنسان، وتعزيز دوره الرقابي. وهي نقطة مهمة، هل سيكون مباشر وما هو دور العقل؟، وهل هي قضية واعية أولا شعورية؟

قلنا أن التجربة الدينية نقد ومراجعة مستمرة، ومكاشفة صريحة مع الذات، وهذا يعني انكشاف تام للحقيقة الإنسانية، بما هو إنسان له ماهيته ووجوده المستقل، يخضع لنظام نفسي وعقلي دقيقين، فثمة لا شعور، هو أنساق مضمرة تتشابك مع بعضها أو تستقل في أدائها، يرتبط بعضها بالمقولات التأسيسية، وقد يستمد فاعليته من ذات البنية المعرفية، مما يؤكد عمق اللاشعور، وتعقيده، لكن رغم هذا تجد الإنسان على نفسه بصيرة، كلما طال تأمله في نفسه كلما اكتشف مجاهيلها وخباياها وطريقة توليدها للمشاعر والأحاسيس. والمشاعر عنوان عام لجميع المشاعر الإنسانية فتكون شاملة لمشاعر الضمير ذات البنية الرقابية، يشعر النفس بتأنبيه أو يوخز الفرد في أعماقه، فهو رقيب صارم، لكنه مرتهن في سلطته ليقظته، فقد يخبو وربما يموت عندما تتراكم موبقات الإنسان. فالتجربة الدينية والروحية للفرد تتدارك إخفاقات النفس، كما يستمد من وهجها قوة فعليته ونشاطه. وهذه العملية ليست غائبة عن العقل، والعقل العملي بشكل خاص، بل تساهم في برمجته، من خلال استشعاره لانعكاسات السلوك على الفطرة السليمة. وقد تقدم أن احتكام العقل للفطرة ليس كاحتكام الحاكم للقوانين واللوائح القضائية أو الشرعية. وإنما يستشعر ما ينعكس عليها. وذلك أن مدركات العقل العملي ليست قضايا خارجية مجردة، وإنما مزيج من المشاعر والأحساسيس التي تتجلى من خلالها الصفة الإنسانية للإنسان. فالعقل يستشعر انفعالاتها وتأثرها، سلبا أو إيجابا، ليتمكن من إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟". النفس البشري مجهزة بمشاعر تعتبر شرطا لصدقية إنسانية الإنسان. إضافة لعقله وحريته وإرداته.

وبالتالي أن الاشتراك النفسي للمشاعر، ينعكس على ضمير الإنسان، كما أن مشاعره تنعكس أيضا على النفس وخصوص الفطرة البشرية. فالضمير يتلقى إيحاءات التجربة الروحية، ويستلهم من العقل العملي موقفه من سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. وفي ضوئهما، وما يمتلك من استعدادات فطرية يستعيد نشاطه وحيويته، يحدث هذا في كل مرة يراجع الإنسان قلبه، ويتأكد من نقائه من الحقد والغيض، ونقاء المعرفة، وعدم الخضوع لأوهام الحقيقة، والخرافات، وكل ما يسلب الإنسان إنسانيته وعقله.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawiصادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الإيمان والأخلاق

ماجد الغرباوي: المهم في هذا البحث دراسة الإيمان كسلطة مؤثرة في توجيه وعي الفرد والتحكم بإرادته. والإيمان مشاعر نفسية عميقة، ذات مرجعية عقدية ترتبط بالرؤية الكونية للإنسان وفهمه للذات والآخر، وكيفية انعقاد الإيمان في أعماق النفس البشرية. وهي آلية معقدة، يصعب تفسيرها، خاصة الإيمان بالخرافات واللامعقول وكل ما يتعارض مع منطق العقل. وهذا يؤكد ارتباط الإيمان بمشاعر الإنسان وأحاسيسه وجهازه العصبي وقناعاته ومستوى وعيه وقوة إدراكه ووعيه لذاته. وبشكل أدق، إن الإيمان عنوان لسلسلة عمليات شعورية ولا شعورية، ترتهن إرادة الفرد وقراراته. فالإيمان لا يخضع لصرامة العقل دائما، بل الغالب ينعقد بغفلة منه، بفعل الخطابات العاطفية والمشاعر المؤثرة والظواهر السحرية وقوة إيقاع الكلمات على ذهن السامع، وكيف تخترق النفس لتهيمن على مشاعره، حيث تترسب تدريجيا في أعماقها، ثم تتراكم مع كل خطاب أو مشهد عاطفي جديد، وهذا أحد أسباب رسوخه، وتمرده على العقل وقوانينه، فتجده أكثر إخلاصا لقناعاته النفسية، رغم تزامن العقل والعاطفة في تلقي المشاعر، غير أن النفس تتفاعل مع العواطف لا شعوريا، خاصة وهي تُلهب مخيلة السامع، وتحلق به عاليا في عوالم الأوهام السحرية، خلافا لمنطق العقل الذي يستدعي جهدا تأمليا لإدراك حقائق الأشياء، ويتوقف أمام كل معلومة ليتأكد من صحتها، وهو أمر صعب، خاصة مع تواضع الوعي، فتتماهى النفس مع مشاعرها وتصوراتها، وتعيش دفئا إيمانيا يضفي معنى على تجربته الروحية، ويبعث فيها روح الطمأنينة، خاصة إبان الازمات ومواجهة التحديات.

لا ريب أن الإيمان مظهر بشري محير، حينما نعجز عن تفسير تجلياته، وهو يخاصم عقله، ويتماهى مع معتقده، بل ويغيب أو ينكص عند تلقي الخطابات العاطفية، وما توحي به الطقوس والأمكنة من دلالات رمزية وقناعات، تغزو اللاشعور وترتهن إرادته، فينقاد لإيمانه، غير مبالٍ لتداعيات عمله. وقد ينساق الفرد مع إيمانه حد التضحية بالنفس وفاء له. لذا توظف الأيديولوجيات خطابات عاطفية للتأثير مباشرة على مشاعر الإنسان، وتلهب الخيال، بعيدا عن العقل ورقابته، حد التمرد والانسياق وراء النفس ومقاصدها. فالإيمان ينسج منظومة معرفية وفقا لموازينه وقناعاته، توجه سلوك الفرد.

وأقصد بالإيمان مفهومه العام الذي تقدم بيانه. مصدره تراكمات شعورية ولا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر نسبيته وتفاوته بين شخص وآخر، رغم وحدة العقيدة أحياناً. يبدو هذا واضحا من تجلياته النفسية والسلوكية وردود الأفعال. فالإيمان هو المحرك الحقيقي لوجود الفرد، خاصة العلاقات الاجتماعية، وقد شاهدنا جميعا كيف يدفع الإيمان بعض الناس لتفجير نفسه بيقين راسخ. بل حتى الطموح الفردي ينطلق من إيمان يسبقه تصور عقدي، وهذا يعطي راهنية لعلاقة الإيمان بالأخلاق، من خلال التركيز على دور الإيمان في إحياء ضمير الإنسان، وديمومة رقابته التي يرتهن لها الفعل الأخلاقي. ولما كانت مناشئ الإيمان متعددة فيمكن تطوير الرؤية الإيمانه من خلال ذات المناشئ، التي يمكن تقسيمها إلى نفسية وثقافية، تتوالى على بناء وصياغة إيمان الفرد. سواء كان موضوعه فكرة أو أسطورة أو كائنا أسمى أو الخالق تحديدا. وهذا يتوقف على فهم الضمير، لنفهم كيف يمكن للإيمان بشكل خاص والدين كخطاب روحي وأخلاقي التأثير فيه؟.

تقدم أن الضمير "وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء السلوكي للفرد"، فهو يشترك مع الإيمان بوصفهما حزمة مشاعر ضاربة في أعماق النفس، تشتبك مع الأنساق الفكرية والعقيدة والثقافية المضمرة. وتتزود من الصفات النفسية والوراثية. وتتأثر بإيقاع الخطاب الوعظي والإرشادي. وكلاهما انفعال نفسي تستجيب له مشاعر الإنسان. يتأثران بالبيئة والثقافة والاجواء السياسية والاقتصادية، والاستعدادات الذاتية للفرد، فثمة شخص متمرد بطبيعته، تلاحقه الشكوك والأسئلة المصيرية، وآخر بطبيعته، بسيط، وربما ساذج أو خامل، ينطوي على طيبة فائقة، تجعله يصدق كل شيء. وبالتالي فإن وحدة الطبيعة البشرية رغم اختلاف خصائصها، تقتضي تأثير الإيمان في يقظة الضمير، ولو نسبياً. وتؤكد قدرة الأديان على حمايته، من خلال تزكية النفس، وتهذيبها، وكلما صلحت نفس الإنسان صلح ضميره وقيمه الإنسانية. ولا يقتصر صلاح النفس على الأديان، ويمكن للفرد تولى تهذيب نفسه بنفسه، لكن للدين خصوصيته التي لا ينافسه أحد عليها، وهي قدرته على شد الفرد بالغيب والمطلق، وهيمنته عبر التجليات اللاشعورية للمقدس. أي قدرته على خلق أجواء نفسية وروحية ترتهن إرادة الإنسان ومشاعره، فينشدُ لا شعوريا للغيب، ويتمثل عوالمه، التي تقوم بدورها – أي التمثلات – بخلق أجواء إيمانية، تتفاوت من فرد لآخر، لاشتراك الخيال بالتمثّل. كما يتصف الخطاب الديني بقوة إيقاعه وتأثيره، وقدرته على تمرير رسالته، وإقناع المتلقي بمضمونها. بل يمتلك القلوب، ويُلهب المشاعر. ومن يمتلك القلوب، يمكنه إعادة تشكيل الوعي بسهولة، وبرمجة إرادة معتنقيه على وفق مقاصده، عبر نصوص قدسية ومتعالية ومعطى نهائي، يقتصر فيه دور الفرد على التأويل والتبرير، بهذه الطريقة يضمن ولاءهم وانقيادهم. فالدين سطلة هائلة، وعنصر أساس في تشكيل هوية المجتمعات الدينية. وهذه الخصائص هي التي تدفع الناس للالتزام بتعاليمه. فيمكن للدين بمعنى الإيمان والقيم الأخلاقية والروحية حماية الضمير الإنساني، ومساعدته على الصمود أمام مطلق التحديات، النفسية والخارجية، عبر خطابي الترغيب والترهيب. والكلام هنا عن الضمير وحمايته ليبقى رقيبا صارما، يمارس سلطته. محفزا على الخير ورادعا عن الشر. شريطة أن يكون ضميرا حيا، متوثبا، يقظا، نابضا بالحياة. ومع غفلة الضمير أو تراخيه، يزيغ الفعل الأخلاقي عن مقصده، ويتخلى الفرد عن قيمه في لحظة ضعف، فإما الندم وتوبيخ الضمير، أو التهاون والتراخي واستسهال تداعيات الفعل. وفي كل مرة يتهاون مع نفسه، يفقد الضمير قدرته على الردع. فيلجأ للتبرير بادئ ذي بدء، ثم يسحق ضميره فيما بعد، وينسلخ عن قيمه وأخلاقه، يفعل ما يحقق رغباته، وأول عمل يقوم به الحط من قيمة الإنسان عندما يجعل منه وسيلة لتحقيق مآربه، حداً يغدو اقتراف الجرائم أمرا عاديا مستساغا، مادام يحقق مصالحه. والسبب هو انقلاب موازين الخير والشر، بفعل التمادي في الجريمة، فيصف القرآن هذه الحالة بقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). مما يؤكد تداعيات الشر على نفسية الإنسان ومشاعره وضميره، حداً يصاب بضبابية الرؤية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).

وبهذا نفهم أن الفعل الأخلاقي يتوقف على شرطه، الذي تقدم الحديث عنه مفصلا، وكلامنا هنا عن الضمير، كيف يمكن تحفيزه وحمايته؟. وهل يستطيع الدين أن يلعب دورا في إحيائه، واستعادة دوره الرقابي؟.

حياد الإيمان

لا ريب بجدوى الإيمان لحماية ضمير الفرد، وضمان صموده، خاصة الإيمان الديني المعروف بقدرته على ربط الإنسان بالغيب والمطلق والمقدس، وتمكنه من إعادة تشكيل الوعي. غير أن الإيمان ليس بريئا، وليس محايدا، وينحاز لموضوعه ومعتقده ويقينياته، فكيف نحرز استقلاليته وحياديته، وهو يُملي قناعاته على الضمير الذي نتطلع لحياديته وإنسانيته وتعاليه على جميع الخصوصيات؟. ومثالها لو تخلى الضمير عن مسؤولياته أمام اضطهاد الآخر، المختلف دينيا، وهو أمر متوقع، مع سطوة الأيديولوجيات الدينية التي تربط مصير الفرد بمواقفه وسلوكه، وتعتبر الموقف من الآخر مقياسا لإيمان الفرد ومدى إخلاصه لعقيدته وأيديولوجيته. بل أن الدين هو ضرب من الأيديولوجيا، فكيف نتوسل به لضمان يقظة الضمير، وعدم انهيار منظومة القيم الأخلاقية؟.

مرًّ بنا، أننا مع استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع، على خلاف الأشاعرة. ويمكن للدين أن يلعب دورا حاسما في موضوع الأخلاق من خلال ضمير الإنسان. لكن يبقى الإشكال حول حيادية الدين، ونزاهة الإيمان. فكيف نستفيد من الطاقة الروحية للدين في استتباب القيم الإنسانية والأخلاقية، دون الإخلال بالشرط الأخلاقي؟. وهل سيتأثر ضمير الإنسان بالقيم الدينية في موقفه من الفعل الأخلاقي؟. وهل يقف مع الدين أم يتمرد عليه إذا اقتضى الموقف الأخلاقي الانتصار للآخر، باعتباره إنسانا، بغض النظر عن خصوصياته؟. وفي هذه الحالة سيفقد الدين تأثيره إذا تمرد عليه، أو يفقد الضمير صدقيته، إذا تخلى عن وظيفته. وهذه هي إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق. فكيف يمكن تسويتها، والاستفادة من الطاقة الروحية للدين دون الإخلال بشرط الفعل الأخلاقي؟.

ورغم أنها إشكالية معقدة لكنها ليست مستعصية، بل يمكن تسويتها من خلال فهم جديد للدين. فما هو مفهوم الدين الذي نتطلع لاستثمار طاقاته الروحية؟ هل الدين بمعنى التشريع، وقد قلنا باستقلال الأخلاق عنه؟ أم الدين بمفهوم آخر؟.

سبق أن ذكرت رأيا حول مفهوم الدين، أجده مناسبا لحلحلة الإشكالية، والتمهيد إلى تسوية عملية، دون التفريط بأي من القيم الأخلاقية والدينية. قلت في كتاب الفلسفة النسوية:

(الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المتعطش للمطلق، والمرتهن للغيب والمقدس. يغمره قلق مصيري لا شعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سلوكه ومشاعره ومواقفه. والدين بهذا الفهم الصوفي يساهم في تعميق قيم التسامح والسلم الأهلي، حينما يضفي الدين معنى لحياته وتضحياته، ويرفد المجتمع بقيم المحبة والسلام، ويساهم في تماسك الأواصر الاجتماعية، والحث على العمل الصالح. وعدم التآمر ضد مصالح شعبه ووطنه. لا يسود الاستقرار والأمن، ولا تحقق المواطنة أهدافها من خلال القوانين وقوة القضاء، بل ينبغي وجود ثقافة موازية تثقف الشعب على القيم والمبادئ الكفيلة باستقرار الشعب. والدين بالمعنى المتقدم يلعب دورا إيجابيا عندما يخلق وازع التقوى، وحب الخير، وحينئذ سيلتزم بالأنظمة والقوانين حتى في خلواته بعيدا عن عدسة الرقيب الأمني. وهذا النمط الديني يعارض منطق الفرقة الناجية، ويفتح باب النجاة أمام الجميع، ويحول دون دعوى احتكار الحقيقة، وسيادة منطق التكفير). بهذا غدا واضحا أننا نتوسل بمفهوم مغاير للدين، ونتطلع لدور يقوم به الدين بمفهومه الإنساني، الذي يرتكز في مشروعه السماوي على الإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن خصوصياته. يؤكد هذا ما ذكرته أكثر من مرة أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، أحكام إرشادية، ترشد لحكم العقل العملي من الأخلاق. بل وفقا لهذا لا يمكن للدين الوقوف ضد الفعل الأخلاقي، لأن قوانين العقل لا تخصص، والفعل الأخلاقي من مدركات العقل العملي، كما تقدم بيانه، لا فرق بين شخص وآخر، بما في ذلك الانتماء الديني. فالعدل حسن والظلم قبيح يحكم بهما العقل، بغض النظر عن موقف الشرع منهما. وقد ذكرت شواهد من القرآن، كموقف موسى النبي الذي استفزه قتل الغلام من قبل العبد الصالح، واصفاً عمله بالظلم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).

مركز اشتغال الدين

تقدم أن مركز اشتغال الدين هو الضمير، وليس الفعل الأخلاقي. أي أن الدين لا يفرض على الفعل الأخلاقي شرطه وقناعته، لاستقلالية الأخلاق عن الدين، لأنها من مدركات العقل العملي. وحتى لو أرجعنا الأخلاق لله، فإن المراد بلفظ الجلالة الخالق، خالق كل شيء: (الإنسان وفطرته وطبيعته وعقله). وهذا لا يغير من الحقيقة شيئا، ويبقى الحُسن والقُبح عقليان لا شرعيان. وأن الحسن حسن بذاته، لا ما حكم الشرع بحُسنه. والقبيح قبيح بذاته، لا ما حكم الشرع بقبحه. وقد بينت أسباب ذلك، وقلت: إذا نفينا حجية العقل العملي في مجال الأخلاق فإنه يلزم التبعيض في أحكامه، واحكامه الأصيلة والأساسية مطلقة وكونية لا تخصص. كما لا يمكننا إدراك مقاصد الدين البعيدة في بعض المواقف التي نعتبرها، وفقا لمقاييسنا، أفعالا لا أخلاقية كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، أو عندما همَّ إبراهيم النبي الكريم بقتل ولده استجابة لرؤيا رآها. كما أن أحكام الشريعة متحركة، تستيجب لمتطلبات العصر والزمان والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بها: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). بينا الدين بالمفهوم الذي تقدم ثابت: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالإسلام بمعنى التسليم هو الإطار العام لجميع الأديان، رغم اختلاف شرائعهم، وكل منها يعد طريقا للنجاة بنفسه. ولا ريب في دلالات الآية، ومن يدعي النسخ عليه أن يأتي بدليل قرآني، صريح، واضح لا لبس ولا شبهة فيه. فتبقى الآية أصلا في علاقة المؤمنين مع بعضهم.

الدين لا يناوئ العقل، وأحكام العقل ثابتة وكونية، لذا نتوسل بطاقته الروحية، لإحياء ضمير الإنسان، وتحصينه، وتثبيته على الصراط المستقيم. والنصوص الدينية في جميع الأديان ليست نادرة. وثمة دعوات واضحة لإحياء النفس، وليست النفس سوى الضمير الحي للإنسان، بما هو إنسان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). والنفس هنا شاملة للضمير الإنساني، فهو يتشكل في أحضانها، وتنعكس عليه صفاتها وخصائصها. وفي الآية التالية إشارة وإن كانت بعيدة، لكنها ملهمة لمن يطيل التأمل فيها: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ولا يكفي أنك تحييها جسدا، بل حياتها الإنسانية التي هي مركز المشروع السماوي. فالإنسان إنسان بروحه وضميره وعقله: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). وبالتالين الدين يرفد الضمير بطاقة روحية من خلال تزكية النفس، وتزويدها بقيم ومفاهيم إنسانية، لذا تخاطب الآية الإنسان: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى). وهي مهمة الضمير حصرا، فالضمير بعد أن يتشبع بالمعاني الإنسانية، يمارس دوره الرقابي، وينهى النفس عن الهوى.

بهذا نفهم سبب تأكيد الفلاسفة على الإيمان والدين رغم قولهم باستقلال الأخلاق عنه. ابتداء من سقراط إلى كانط مرورا بأفلاطون. فقد اعتبر سقراط الإيمان مكملا للأخلاق، لكنها لا ترتكز عليه. وجعل أفلاطون للدين مكانة في الأخلاق أكثر مما فعل سقراط، فالفضيلة لا ترجع إلى الحكمة بل إلى بصيرة ملهمة مشربة بنفس ديني. واعتبر كانط الدين ضرورة للأخلاق رغم استقلاليتها عنه. وبالتالي فالدين لم يغب عن تفكير الفلاسفة، وقد أولوا إهتماما كبيرا له، بل بأنفسنا نشعر بقيمة الدين وضرورته لتقويم الأخلاق.

لكن السؤال كيف يؤثر الدين على ضمير الإنسان؟ وما هي وسائله؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiصادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

مستويات الفعل الأخلاقي

ماجد الغرباوي: نعود لمستويات الفعل الأخلاقي: (الفعل بذاته، الفعل كممارسة سلوكية، الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو قانونية). لتحديد حكم العقل إزاء كل واحد منها:

أولاً: الفعل بذاته

عندما نتحدث عن الفعل الأخلاقي نقصد الفعل بذاته، قبل ارتهانه لأية إرادة خارجية. الفعل بما هو، قد يتصف بالحُسن أو القُبح. ويكون حكم العقل ناظرا للمفهوم بما هو مفهوم، وينصب على الصورة الذهنية أو مفهوم العدل والظلم بغض النظر عن مصاديقهما الخارجية. سواء كان المفهوم منتزعا من الواقع الخارجي أو ليس له مصداق خارجي، فيتكفل الذهن برسم صورته. أي الفعل قبل أن تشوبه شوائب الواقع. العقل العملي يحكم بحُسن الصدق ووجوب الإتيان به، بما هو مفهوم، بينما يختلف الأمر حينما يتأثر ذات المفهوم بفعل آخر. لذا فأحكام العقل الأولية أحكام مطلقة لا تخصص، بينما تخضع لمؤثرات الواقع وقد تخصص أو تقيد. العقل ينظر للصدق بما هو صدق بذاته، ثم يحكم بحُسنه، ويكون حكمه مطلقا. وهكذا باقي المفاهيم الأخلاقية. فالحكم الأولي للعقل العملي ناظر لمفهوم الفعل الأخلاقي. وسيتغير حكمه إذا تأثر بالواقع، كما لو أدى الصدق إلى مقتل إنسان، فإنه عنوان جديد ينظر له العقل.

والعقل هنا معيار، يرتكز في تحديد الموقف العملي لذات الفطرة أو الطبيعة الإنسانية. فعندما يحكم العقل العملي بحُسن الصدق وقُبح الكذب، ينظر لمفهوم الصدق بذاته، وكيفية انعكاسه على الفطرة السليمة. كما يرصد ردة فعل الطبيعة الإنسانية من الكذب مثلا. فهو يستأنس بالفطرة في أحكامه، ويقرر ماذا يجب أن أفعل. وهذا الشعور يمثل قانونا أخلاقيا يحكم الجميع عند كانط، يجب احترامه، لضمان العيش المشترك مع الآخرين بوئام وسلام تحت مظلة المساواة والقانون. والمسألة واضحة، الفطرة البشرية واحدة، والاستعداد الكامن فيها واحد، وقد أشارت آيتان لهذا المعنى. فالخطاب القرآني يؤكد قانونية الفطرة البشرية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالعقل بتجرده، وهو العقل العملي المحض، يمكنه إدراك الموقف العملي أو السلوكي، والإجابة على سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. كما لو توقف على الكذب إنقاذ نفس محترمة، فهل يتجاوز حكم العقل العملي ويكذب؟ أم يتوقف عن الكذب إخلاصا للموقف الأخلاقي؟. وسبق التأكيد أن الضرورات لا تغير من الحقائق شيئا، فالكذب مهما كانت ضروراته يبقى كذبا، يحكم العقل بقبحه، ويوبخ الضمير مقترفه.

ثانيا: الفعل كممارسة سلوكية

إن المقصود بالعقل في المرحلة السابقة عقل مجرد، خالص، حيادي، لا تتنازعه رغبات الأنا العميقه ولا مؤثرات الواقع، فيمكنه إدراك الموقف الأخلاقي، العملي في سؤال: ماذا يجب أن أفعل؟. غير أن الأمر يختلف في مرحلة الممارسة والسلوك العملي، مرحلة الواقع، وهو يكابد الحياة، يتأثر بمصالحه الشخصية وضروراته الاجتماعية، ويقع أسيرا لرغباته، وما يحقق طموحاته التي قد تتطلب التضحية بالموقف الأخلاقي. أو يقع تحت ضغط العادات والتقاليد، فيلتف على ضميره بالتبرير، حفاظا على حيثيته ومكانته، وقد يسحقه ليؤكد ذاته وانتماءه الاجتماعي، الذي هو انتماء وجودي بمعنى التحقق الخارجي. فالمرحلة السلوكية مرحلة تمحيص للإرادة الخيرة، ومدى وفائها لقضايا الإنسانية. الواقع مختبر الأخلاق. غير أن الواقع لا يغير من حقيقة الفعل الأخلاقي وشروطه. وما لم يصدر الفعل عن إرادة خيرة ودوافع إنسانية خالصة لا يصدق أنه فعل أخلاقي بالمعنى الحرفي للمصطلح، حتى مع شموله بعناوين أوسع كعنوان الخير بمفهومه الأعم من الفعل الأخلاقي، لأن الثاني من مدركات العقل العملي، أما عنوان الخير بمفهومه المطلق، فلا يشترط صدوره عن إرادة خيرة ومشاعر إنسانية، فقد يصدر الخير من المرائي والكاذب والسارق، وكل من ارتبطت مصالحه بفعل الخير لوجاهة دينية أو اجتماعية أو سياسية. فمن يتصدق على الفقير بأية نية يحقق فعل الخير وهو مساعدة الفقير، لكن لا يصدق على الفعل مفهوم الفعل الأخلاقي ما لم يستوف شروطه. وأجد في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ)، إشارة لما بينته، فما لم يتصدق بدافع إنساني، أخلاقي، يمكن أن يمنّ على الفقير ويجرح مشاعره، فتنقلب صدقته لعنة ووبالا على الفقير. فالآية تؤكد بشكل غير مباشر على الفعل الأخلاقي النابع عن مشاعر إنسانية، وضمير حي يتعاطف مع أخيه الإنسان: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا). ووجه الله تعبير آخر عن المشاعر الإنسانية، والفطرة السليمة.

الضمير الأخلاقي

بهذا نفهم، لا يمكن ارتهان مستقبل مجتمع الفضيلة، الذي نسعى له،  لعنوان الخير بمفهومه العام، ولا بد من سلوكيات أخلاقية، تحفظ للمجتمع توازنه، وتحقق مصداق الفضيلة التي تفضي للسعادة. غير أن المشكلة التي تواجه الفعل الأخلاقي، أن العقل يهدر حياديته وتجرده، مع تقاطع المصالح، وانجذابه لرغباته الشخصية والاجتماعية، بعد معاناة نفسية، تضعه بين خيارين، قد ترهن سلوكه ومشاعره، إذا ما تخلى عن قيمه الأخلاقية، وفشل الضمير في أداء وظيفته.  لذا نتطلع، ونحن نتحدث عن الأخلاق، لقوة تحول دون تخلي الإنسان عن قيمه ومبادئه الإنسانية والأخلاقية عند مواجهة التحديات. قوة تعيد للضمير قوته وصموده. ليس لدى الإنسان نوازع خير وشر، بل لديه مكامن للخير والشر. ولديه استعداد لكليهما، وما لم تتغلب الطبيعة الخيرة عليه، يسود الشر، ليملأ الفراغ السلوكي. لذا تمام الرهان على ضمير الإنسان، عندما يكون رقيبا صارما، يحول دون الظلم والعدوان واستغلال الإنسان، تحت أية ذريعة. وهذا ما يدعونا للبحث عن قوة مؤثرة تضمن لنا ديمومة رقابة الضمير، وقوة العزم والإرادة، فتارة يعاني الفرد بسبب ضعف إرادته، لا بسبب موت ضميره، فينعكس على سلوكه، حينما يتخلى عن وظيفته الأخلاقية.

والضمير الحي هو رهان الأخلاق في قدرتها على أداء وظيفتها الإنسانية، ومع أخفاقه تتلاشى قيم الفضيلة، ويحل الشر محل الخير، وتسود الرذيلة بدلا من الفضيلة، ويحل الظلم والجور بدلا من العدل والإحسان. فيصح أن فعلية الأخلاق مرتهنة لقوة إرادة الإنسان وضميره الحي، القادر على كبح رغباته والحد من نزواته. فالضمير هو نقطة قوة الإنسان، وقد ينهار رغم قوته ومتانته. أو يصمد بوجه العواصف النفسية والمؤثرات الخارجية. وبالتالي لا تكفي التوعية الاخلاقية والثقافة الإنسانية لضمان مجتمع فاضل، ما لم نضمن يقظة الضمير، وضمان عدم فشله في المواقف الخطيرة، وهنا لا تكفي الفطرة ولا يسعفك العقل حينما يطغى الإنسان، وينسى قيمه ومبادئه، وينساق مع رغباته وطموحاته. فالفطرة مهما كانت سليمة تتلوث بارتكاب الرذيلة وإدمان الموبقات. وأما العقل فينساق لا إراديا ويتحول من عقل معياري إلى عقل أداتي، يجعل من المنفعة مقياسا للفضيلة، بدلا من المبادئ الإنسانية، فلا يبالي حينئذٍ بسحق أخيه الإنسان من أجل تحقيق مصالحه وغاياته. فالضمير هو القلاع الأخيرة التي إذا انهارت تنهار جميع القيم الإنسانية، ومع موت الضمير، ينأى المجتمع عن الفضيلة والقيم الإنسانية، وتتحكم به المنفعة واللذة والمصالح الشخصية والأيديولوجيات السياسية والدينية. ويسود العنف والظلم والجور، فنخسر الإنسان، ومن ثم نغامر بمستقبل المجتمع. وبالتالي كيف نحمي الضمير كإجراء احترازي لضمان فاعليته ورقابته وعدم انهياره في المواقف الصعبة؟. وكيف نشحذ عزيمة الإنسان، ونرفع من همته وإرادته؟

وأقصد بالضمير كما مرّ تعريفه في بحث سابق، استدعيه لارتباطه الوثيق بهذا الموضوع. الضمير: وازع نفسي، ورقيب ذاتي، يضبط الأداء السلوكي للفرد. وهو وازع أخلاقي، يعبّر عن الفطرة السليمة، يبعث في النفس مشاعر السعادة والارتياح بعد كل عمل سوي، ويشعر بالتأنيب حينما يقترف قبيحا. وهو رقيب فطري عبّرت الآية عن أحد وجهيه: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). والنفس اللوامة ضمير حي، يؤنّب صاحبه، عندما يؤوب لرشده ويندم على فعله. واللوم صفة إنسانية حميدة، يصدر عن وجدان نظيف وقلب نقي. وأيضا هو مشترك أخلاقي، ترتهن له العلاقات الاجتماعية ورعاية حقوق الآخرين. والضمير الحي رهان ناجح لحفظ توازن المجتمع، وتقويم سلوكه أخلاقيا، لضمان ديمومة قيم الفضيلة، التي تخشى طغيان النفس، فيكون الضمير رقيبا مؤثرا، بفعل مرجعياته وميله الفطري للخير. عليه يُعتمد في تطبيق الأنظمة والقوانين عند غياب السلطة والرقابة الاجتماعية. وبما أن فاعليته ترتهن لنقاء النفس، أكدت الكتب السماوية على تزكيتها. وحثت القيم الاجتماعية على حياته، فهو قاسم بشري مشترك. سلطته أقوى من العنف والمغريات. وعندما يكون الضمير حيا يأمن الناس بعضهم الآخر، وتسود الثقة والاطمئنان. وعندما تكون الإرادة قوية لا ينكص الإنسان أمام الباطل والرذيلة والظلم والعدوان. والعكس صحيح عند انعدام الضمير.

ومعنى حيوية الضمير، تمثّل الآخر ومشاعره عبر الذات، وقياس ردود فعله عليها، فيتعامل مع الإنسان بما هو إنسان، كتعامله مع نفسه، بعيدا عن لونه وأصله ودينه وطائفته. يحترم حقوقه وحيثيته. يرفض هدر كرامته مهما كان منبوذا أو فقيرا أو منقطعا، ليبقى إنسانا بمشاعره وأحساسيه. يمتنع عن تأنيبه بكلام جارح، ويعتذر حينما يُخطئ بعيدا عن خصوصيته ومكانته الاجتماعية، فالضمير الحي يوازن العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية. ومقوّم أساس لمجتمع الفضيلة، والأقدر على اسقاط جيمع الاعتبارات المزيفة، والبقاء على إنسانية الإنسان عند تعامله مع الآخر، مهما بلغ حجم الفوارق. وفي المأثور: "حب لأخيك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها". وعن الرسول: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". كلها تريد بقاء الضمير الإنساني حيا، يقظا، يراقب ويقوًم. فكيف السبيل؟.

الضمير والدين

لقد ذهبنا إلى استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع، وأن الحُسن والقُبح ليس ما حكم الشرع بهما، بل ما حكم العقل به. وهذا لا يمنع أن يكون للدين بمعنى الإيمان دور في الأخلاق دون المساس بشرط الفعل الأخلاقي، فتبقى الاستجابة له منبثقة من أعماقه الإنسانية واستجابة للواجب الأخلاقي. الفعل الأخلاقي فعل سلوكي، يواجه باستمرار تحديات تختبر صموده، وقد يخفق الضمير اتجاهها، فيأتي دور الإيمان ليعزز دوره الرقابي، ويحول دون تراخيه أو نكوصه، فدائرة اشتغال الدين هي ديمومة يقظة الضمير الذي يرتهن له الفعل الأخلاقي في تحفيزه ورقابته. والضمير مشترك إنساني، يرتهن له الفعل الأخلاقي في إخلاصه ونقائه الإنساني. كما للدين دور كبير شد عزيمة الإنسان وصموده أما النفس ومغرياته، وأمام الواقع وتحدياته، مهما كانت قاهرة.

ويقصد بالإيمان الإيمان بكائن أعلى يتصف بالقداسة والكمال والسمو، سواء كان الخالق الحقيقي أو أي كائن أسمى أو أعلى، رغم التفاوت في رمزية كل واحد منهما، فمن يؤمن بالخالق الحقيقي، يؤمن لا بمطلق كماله وسموه فقط، بل يشعر وهو بين يديه بالرهبة والخوف الحقيقيين. ويؤمن ثمة لقاء بعد الموت يحاسب فيه الإنسان على سلوكه وتصرفاته، فهومسؤول لا محال، وعلى هذا الأساس يخشاه، ويسعى لرضاه، ورضاه يتجلى بتمثل الخُلق الإنسانية. ومن شأن هذا الشعور يقظة الضمير الديني، وقوة العزيمة، ومن ثم ديمومة القيم الإنسانية. فالمؤمن هنا لا يرتهن فعله الأخلاقي لأمر تشريعي، ولا خوفا من عقاب أو رغبة في ثواب، بل يخشى انهيار ضميره الديني وتقواه، فتراه رقيبا عليها، يحرض باستمرار ضميره ليتمتع بسلطة أقوى لمحسابة النفس من خلال رقابته. ونحن هنا بصدد حماية الضمير الإنساني من الانهيار، والإيمان يحقق هذا الهدف دون المساس بشروط الفعل الأخلاقي. وهذه نقطة مهمة لتفادي الالتباس. لا نريد ارتهان الفعل الأخلاقي لغير الواجب الأخلاقي، وإنما نسعى لحصانة الضمير، وتحصينه ضد الانهيار والنكوص. وتحصين الضمير يختلف عن ارتهان الفعل لغير اخلاق الواجب العقلي.

وإنما أوكد على هذا الجانب لأني أتطلع لفعل أخلاقي يؤثر في الواقع، ولا يبقى مجرد مفاهيم تجريدية، تنهار في أول تجربة عملية، فالحديث عن الإرادة الخيرة أو الفعل الأخلاقي الإنساني، أقصد ذلك الفعل الذي يترك أثرا في الواقع، ويحقق تراكما أخلاقيا يسود المجتمع، وتظهر أثاره جلية عندما تلعب الفضيلة دورا حقيقيا في حياة الفرد والمجتمع. من هذا المنطلق أعوّل على الدين بمعنى الإيمان لحماية الضمير الإنساني من الانهيار، إذ مع انهياره تنهار منظومة القيم الأخلاقية، وتسود الفوضى. وهنا لا أتحدث عن الأوامر الإلهية أو الأحكام الشرعية، ولا أقصد تقاطع الإرادتين الديني والأخلاقية، ولست بصدد بيان مدى صدقية مفهوم الفعل الأخلاقي إذا جاء بدافع الترغيب والترهيب أو الخوف من القانون والعقاب، فكل هذا مؤجل للمرحلة الثالثة، عندما تتعلق بالفعل الأخلاقي إرادة خارجية. والكلام هنا عن الإيمان تلك الحالة الروحية التي ترتهن حياة الإنسان ويشعر معها بالطمئنينة والسلام. ويتأتى الإيمان عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات السلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، لذا لا تلازم بين الإيمان وصحة العقيدة فقد يؤمن الفرد بشيء ليس له واقع، وقد يؤمن بخرافة تستنكرها يقظة العقل، لكن إيمانه يبقى مؤثرا جدا في سلوكه. وهذه ليست دعوة لتبني الإيمان الخرافي إطلاقا، وأنما الكلام عن الإيمان كحالة نفسية وشعورية تساعد على يقظة الضمير الإنساني. وقد سبق أن ذكرت: لا يكفي مجرد اليقين دليلا على صدقية الإيمان، بل يجب أن يكون منشأه برهانياً، ليكتسب حجية ذاتية. وأما المناشئ النفسية لليقين والإيمان فلا تكون معذّرة ومنجّز، وهو حال الأغلبية المطلقة للناس. فالمنهج العقلي لا يكتفي بحسن نية وطوية الفرد، بل يطالب بأدلة يمكن الاستدلال عليها، لخطورة الإيمان، وما يترتب عليه من تداعيات خطيرة. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وللإيمان بوجود كأئن أسمى أو بوجود خالق حقيقي للكون والإنسان، آلياته في ترسيخ القيم الأخلاقية، وتحصين الضمير ضد الفشل والانهيار، وبعث العزيمة وقوة الإرادة لدى الفرد الأخلاقي، تجعل منه كائنا إنسانيا يساهم في دفع عجلة الحضارة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi14صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الوعي الأخلاقي

ماجد الغرباوي: تقدم، إذا كان هدف إدراك العقل هو معرفة الشيء دون العمل به، من قبيل إدراك حقائق الوجود، فإن مبدأ الإدراك يسمى عقلا نظريا. ويسمى عقلا عمليا إذا كان هدفه تحديد الموقف العملي، باعتباره معيارا للتميز بين الخير والشر والحُسن والقُبح. فيصدق أنه: مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"، بإزاء الواقع. لا بمعنى توقف الفعل الأخلاقي على نتائجة، بل يبقى إرادة خيرة بدواقع إنسانية، لتجسيد إنسانية الإنسان. يمتثل له المكلف كواجب أخلاقي ملزم بحكم العقل العملي، تحققت أو لم تتحقق مقاصده. وهذا شرط الفعل الأخلاقي، ولا خلاف في ذلك. إنما أعني، أن الفعل الأخلاقي يضفي معنى أخلاقيا على الواقع، ويطبعه بطابعه الإنساني، قصده أو لم يقصده... معنى يساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والخير والعقلانية وسمو النوايا البشرية، خاصة العلاقات الاجتماعية وعلاقة الـ"أنا" بالآخر. ويحول دون اتخاذ الإنسان وسيلة لتحقيق أهدافه، بغض النظر عن خصوصيتها، فإن الإنسان يبقى إنسانا تحت أي ظرف كان.  وبشكل أدق أن الاستجابة للفعل الأخلاقي كواجب إنساني، يترك أثرا ينعكس على الواقع وروابطه الاجتماعية، وبذلك يكتسب المجتمع طبيعة أخلاقية، تسودها العدالة، ويعم الخير، لأن الأخلاق ممارسة سلوكية، وكل ممارسة تترك أثرا، إيجابيا أو سلبيا. ويغدو تربة صالحة لنمو قيم الفضيلة. فهناك إذاً أثران للفعل الأخلاقي، الأول انعكاسه على النفس البشرية، حينما تنشرح لفعل الخير، وتشعر بسعادة كبيرة، وراحة ضمير، تتلاشى معها أنانية الفرد، وضيق أفقه الأخلاقي، ويغدو مهيأ لتحمل تبعات فعله، مادام منطقه إنسانيا يرى فيه صورته. بينما يحدث العكس مع اقتراف الشر، أو مع عدم الاستجابة لنداء الضمير، فيشعر بتأنيبه، وهو شعور نفسي ضاغط، لمن كان ضميره حيا، وهو ما تصوره آية: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). ومع كل فعل أخلاقي تسمو الروح وتسمو الأخلاق ويعيش الفرد مشاعر روحانية، تتطلع للكمال.

وأما الانعكاس الثاني فما يتركه الفعل الأخلاقي على العلاقات الاجتماعية، وروح الجماعة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر الذي هو رهان مجتمع الفضيلة. وهذه نتيجة مهمة ربما لم يُكشف عنها سابقا. بمعنى آخر، أن الواقع ماثل أمام العقل العملي حينما يصدر أوامره. ومثوله هو رؤية الأنا ضمن محيطها الاجتماعي، بجميع خصوصياته وتناقضاته وملابساته، فهو فرد له استقلاليته، وبنفس الوقت جزء لا يتجزأ من مجتمعه، حتى قيل قديما: الإنسان اجتماعي بطبعه. وعليه يمكن تصور وعي الفرد لذاته ولغيره على ثلاثة أنحاء:

1- تارة يعي الشخص ذاته بما هي ذات إنسانية مستقلة، ذات مشاعر تشارك بها الآخر الإنسان، وتميّزها عن غيرها من الكائنات، وهي الوسط  الذي يتجلى فيه معنى "حب لأخيك كما تحب لنفسك"، تجليا مرآتياً، يرى فيه الآخر نفسه، فقط يقيسه على نفسه بل يراه نفسه، عندما يقرر ماذا يجب أن يفعل. فوعي الآخر في امتداده الإنساني، هو رهان العقل العملي. وهو القانون الكوني الذي يرتهن له الفعل الأخلاقي. فحينما تقدم على فعل تستحضر الآخر في ذاتك، وتضعه في موضعك وأنت تريد وعي الحالة أو الظرف الذي يمر به، فتبادله ذات المشاعر الإنسانية، وأنت تقرر ماذا يجب أن تفعل. لذا يجب أن تتمنى له ما توده لنفسك من الخير، وتبادر له كواجب إنساني. ويلزمك الفعل الأخلاقي دفع الأذى عنه كما تحب ذلك لنفسك. فتكون نفسك الحرة مقياسك لفرز العمل الأخلاقي عن غيره. ومن شأن هذا إشاعة قيم أخلاقية سامية. وهو ما نتوخاه لتفادي انهيار القيم والمبادئ الأخلاقية. ولازم كون الاستجابه للفعل الأخلاقي، استجابة للواجب، عدم ارتهانه لمقاصده، كالثواب والعقاب. والخوف والرجاء، كي يفقد الفعل قيمته الأخلاقية، ويغدو مقايضة، لا يبادر له ما لم يضمن جزاءه. لذا أكدت أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، إرشاد لأحكام العقل العملي. وأما تعلق الآوامر الإلهية بالفعل الأخلاقي، وهو أهم المباحث الأخلاقية، فسيأتي.

2- وتارة ينظر الإنسان للذات بما هي جزء من المجتمع وثقافاته وعاداته وتقاليده ورؤيته الدينية. فالذات هنا تختزن الكل الثقافي، دون الخضوع لسلطته ما لم يضمن الفعل الأخلاقي شروطه في وحدة الموضوع والحكم. غير أن تلك الخلفية تكشف له عن الواقع حينما يريد الاستجابة لنداء الضمير، بدوافع إنسانية خيرة فقط وفقط. فهو كما يعي ذاته مستقلة عن محيطها الاجتماعي، يعي تحيزها الاجتماعي ومختلف انحيازاتها. فقد يتعارض الفعل الأخلاقي مع أعراف وتقاليد المجتمع، وحينئذٍ، ينبغي له التحقق من نواياه ودوافعه.

3- وثالثة يعي الفرد ذاته ضمن حركة الوجود، باعتباره مركز الخلق، فكيف يكون فعله الأخلاقي؟. لا فرق بين من يؤمن أو لا يؤمن بوجود الخالق أو الكائن الأسمى، إذ ليس للإنسان وجود مستقل عن الوجود. هو جزء منه يتأثر به ويؤثر فيه، خاصة في ظل الفتوحات المعرفية المذهلة، التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بتمثل القيم الأخلاقية، حيث بات من السهل فناء مجتمعات كاملة خلال دقائق، باستخدام أسلحة محرمة. أو التلاعب بالجينات الوراثية، مما يؤثر سلبا على الطبيعة البشرية للإنسان، أو استباحة القيم الإنسانية بعنوان حقوق الإنسان. لا شك بشرعية حقوق الإنسان لكن ينبغي أن لا تهدر قيمته ومكانته الوجودية، كما تدعو له النظرية النسوية الرادكالية المتطرفة، حيث التمركز حول الأنثى، وإرساء ثنائية صلبة تفصل بين الذكر والأنثى، فتنعدم فرص التكامل البيولوجي والإنساني، الذي يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة منذ وطأت أقدامهما الأرض. ويدعو هذا الاتجاه للاستغناء عن الرجل، باللجوء لأساليب جنسية، تستغني بها المرأة عن الرجل. ولا ريب أن دعاة هذه النظرية يستبعدون الأخلاق الإنسانية بالأخلاق الطبيعية بدعوى أنها تبيح للإنسان ما كان يتمتع به في بداية حياته الاجتماعية. لكن من قال أن هدر القيم الإنسانية كانت جزءا من أخلاقياته؟ كيف تكاثرت البشرية، وكيف تطورت وأنشأت علاقات اجتماعية.

 وبالتالي، الفعل الأخلاقي يشتمل على رؤية كونية للكون والوجود والإنسان والحياة وما بعد الموت لمن كان مؤمنا بوجود عالم ما ورائي، ووجود يوم للحق والعدل، هو يوم المعاد، كما تؤكد عليه الأديان. إذاً، ليس الفعل الأخلاقي مجرد إرادة خيرة بل إرادة تنبثق عن إنسانية الإنسان، بعيدا عن أية خصوصية تباعد بينه وبين إنسانيته التي هي إنسانيتك. فيكون فعلا أخلاقيا محضا، مجردا، يحقق معنى الإنسانية التي نفتقدها اليوم في ظل عالم تحكمه القوة وشريعة الغاب والأنانيات البشعة، حتى أبادوا الملايين من السكان الأصليين في أمريكا واستراليا وغيرهما من الدول، بوصفهم شعوبا متوحشة أو غير متحضرة. فهل تعتبر إبادتهم عملا أخلاقيا يراد به حماية المجتمع البشري؟.

إن هذا التصور للفعل الأخلاقي ضمن أبعاده الثلاثة يضفي معنى على سلوك المجتمع، يساهم في تكريس القيم الإنسانية وقيم الفضيلة. فينبغي عدم التعامل مع الأخلاق بنظرة تجريدية بعيدا عن الواقع، كي نحقق نحن / المجتمع ما نصبو له من الفعل الأخلاقي. بمعنى آخر لا تكفي الإرادة الخيرة بمفردها شرطا للفعل الأخلاقي ما لم ينبثق الفعل بدافع إنساني، يعمل على تطوير الواقع البشري، فمع كل فعل أخلاقي نكرس إنسانية الإنسان في تعامله مع الذات والآخر والمجتمع والوجود. إضافة لذلك، إن وعي الفعل الأخلاقي في بعده الإنساني، كشرط أساس لصدقيته، يحول دون تزييفه تحت أية ذريعة، دينية أو عرفية. وهو ما تعانيه المجتمعات فعلا، حيث تمارس الرذيلة والعنف والقتل، بل والإبادات الجماعية واستغلال الإنسان، دون رادع أخلاقي، بذريعة تارة تكون دينية وأخرى عرفية وثالثة المصلحة العامة، التي في أغلب الأحيان مصلحة الأنظمة الشمولية والاستبدادية، التي تستبيح كرامة الإنسان وحيثيته وثرواته. والقضية نسبية، فما تفعله الدول بدافع المصلحة يفعله الأفراد والجماعات بدافع الحفاظ على الهوية أو تأكيد الذات من خلال نفي الآخر، وإقصائه أو قتله. تجده في أكثر الدول تطورا حضاريا، عندما تهدر مركزية الغرب أو مركزية أمريكا كرامة الآخر، باعتباره هامشا يدور حول مركزه، وليست دول الشرق أقل إجراما كروسيا والصين وغيرهما. وعلى هذا الأساس اقترفت الحروب جرائم بشعة، سحقت الإنسان الذي هو هدف الخلق وهدف الأخلاق ورهان الله مع ملائكته. واستباحت جميع القيم، حتى انقلبت موازين الخير والشر، وراح تسويف الأخلاق يطال كل القيم الروحية والدينية.

بهذا يتضح الفارق بين العقلين النظري والعملي. الأول يقصد معرفة الشيء، والثاني يحدد موقفا عمليا من الواقع. وهي وظيفة العقل العملي، باعتباره معيارا للتمييز بين الخير والشر والحُسن والقُبح؟ وهذا يضعنا أمام مسوؤلية كبيرة، مسؤولية حماية الوعي من التزييف كي يأخذ العقل دوره في حماية الإنسان، عندما يكون حرا، قادرا على اتخاذ قراراته بذاته، وهي عملية شاقة في ظل تآمر مستمر لترويضه ومن ثم اغتياله، وذلك عندما تنقلب مهمته من معيار للتمييز بين الخطأ والصواب منطقا، وتمييز الخير من الشر أخلاقيا، وتمييز الحُسن من القُبح جماليا، إلى أداة تربط الحق والخير بالمنفعة دون اعتبار لأية قيم إنسانية. يقول محمد عابد الجابري: (أما اليوم فنحن نشاهد العقل يتحول من معيار منطقي وأخلاقي إلى مجرد أداة حتى أصبح يوصف بالعقل الأداتي: مهمته تحقيق النجاح بدون اعتبار لأي شيء آخر، فأصبح النافع هو الحق وليس العكس. وبعبارة أخرى تعرفون مرجعيتها الفلسفية: العقل الأداتي هو العقل الذي يربط الحق والخير والحسن بالمنفعة والنجاح، شعاره كل ما يحقق النجاح فهو حق وصواب وجميل. ومن الطبيعي أن ينساق هذا العقل الأداتي مع شعار: الغاية تبرر الوسيلة). وعندما يتحول العقل إلى أداة لتزوير الوعي، تنقلب القيم من قيم إنسانية تعلو على الأنانية والمادية والنفعية إلى قيم مادية، شريرة، تجعل من المنفعة مقياسا للفعل الأخلاقي، ولو على حساب إنسانية الإنسان فضلا عن استغلاله واتخاذه وسيلة لتحقيق مآربه. ليست هناك جريمة أكبر من هدر كرامة الإنسان، وقد كرمته السماء قبل الأرض: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). وهذا يكفي سببا لتأكيد شرط الإنسانية في الفعل الأخلاقي، من أجل خلق واقع عملي، يجد فيه الإنسان إنسانيته، وأجواء آمنة تضمن كرامته وحريته. الإنسان محور الوجود، كما ذهبت لذلك في نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان في مقابل نظرية العبودية، التي تضحّي بالفرد لصالح التشريع، وتنسى أن الأحكام الشرعية قائمة بملاكاتها ومصالحها التي هي مصالح الإنسان، وليس الله بحاجه لأحد. وأن هدف حركة التاريخ قرآنيا تحرير الإنسان، واستعادة إنسانيته: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بعيدا عن أية ولاية، وهذا معنى تحريره، أن يتولى شؤونه بنفسه، بما أودع الله فيه من قدرات عقلية، وضمير حي يراقب سلوكه وتصرفاته، ليضعه دائما على الطريق الصحيح. فالغاية النهائية للأديان عودة الإنسان لمركزيته، غير أن الخطاب الديني السائد وفي جميع الأديان، سلب الإنسان حريته، وارتهانها إما لنصوص فرضوا ولايتهم على فهمها، أو لفتاوى تسلب الفرد حريته، بدافع القداسة والخوف من اليوم الآخر. وهذا مكمن الخطر، الذي يستدعي وعيا قادرا على تشخيص الحقيقة، بعيدا عن أية سلطة فوقية، مقدسة أو غير مقدسة. سواء عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة أو قداسة الفقيه أو رجل الدين بشكل عام أو أي عنوان يسلب الفرد حريته.

إن تحرير العقل غاية سامية نسعى لتأصيلها، من خلال فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ويراعي مصالحه، ولا يفرط بحريته وإنسانيته وعقلانيته. إذ نفهم من الآية المتقدمة ومن مقاصد الرسالات السماوية، تحرير الإنسان من عبودياته، الدينية وغير الدينية، واستعادة مركزه، ليتحقق هدف الخلق من وجوده وجعله خليفة في الأرض. وهذا يتوقف على وعي الإنسان لحريته، وعدم ارتهانها لأية جهة سوى عقله المعياري القادر على التمييز والتشخيص. الحرية لازم وجودي للإنسان، لا يمكن لأحد سلبها إياه. وعندما تسعى الأديان لتحريره فهي بالحقيقة تستعيد حريته من قبل النظام العبودي ومن ثم القبلي فالأبوي. بينما راح الفقهاء يكرسون العبودية تحت عناوين شرعية، حتى بات الفرد يفتخر بعبوديته للسلطان مهما كان ظالما جبار متكبرا. لذا لا يتحقق الفعل الأخلاقي ما لم يعِ الإنسان كينونته وحريته. بل لا يصدق الفعل الأخلاقي بدونها. الحرية هنا تعني التحرر المطلق إلا من وعي الذات وإنسانيته. فصدقية الفعل الأخلاقي مرتهن لحرية الفرد، وهذه نقطة مهمة، تقمع منطق التبرير والاعتذار، وتبقي الفعل الأخلاقي فعلا إنسانيا، ينطلق من مشاعر عميقة، غير مرتهنة لأية جهة خارجية. وهذا ما أكده محمد باقر الصدر في تعريفه للعقل العملي: (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة)، والأخلاق من مدركات العقل العملي. وعدم الحاجة للمقدمات تعني تحرر الفرد، وعدم خضوعه لأية سلطة وهو يتخذ موقفه من الواقع سوى مدركات العقل العملي.

إن خسارة الإنسان لحريته يؤثر سلبا على قراراته، حداً قد لا يجد بأسا باضطهاد الآخر وربما تصفيته اجتماعيا أو جسديا. وقد يضفي على سلوكه صفة أخلاقية، تقمع ضميره وشعوره الإنساني. مهما كانت الجهة التي ترتهن حريته، دينية أو أيديولوجية. فالحرية شرط أساس في صدقية الفعل الأخلاقي، أو ستنقلب الموازين وتفقد الأخلاق أصالتها، وتستبدل بأخلاق مكتسبة، نسبية، تزرع في الإنسان روح العبودية والطاعة والانقياد. فلا أمل في وجود مجتمع فاضل أو مجتمع إنساني، تسوده القيم الأخلاقية الأصيلة، مع استلاب الحرية وارتهانها لأيديولوجيات متقاطعة في أهدافها ورؤيتها الكونية. فمثلا يغدو التسامح الحقيقي الذي أعنه به كما جاء في كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح: (الاعتراف بالاخر وبحقوقه المشروعة حقيقة، لامنّة ولا تكرما، باعتبار تعدد الطرق الى الحقيقة). أو (التسامح يعني: الاعتراف بالآخر، والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولا منّة، وإنما حق، باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، لا نسبيتها). (أنظر: ص23). وهذا كفيل أن يجعل التسامح فعلا أخلاقيا، يتقوم بالروح الإنسانية المشتركة، بينما يفقد التسامح الشكلي صفته الأخلاقية، عندما يلغي المشاعر المشتركة التي هي رهان الفعل الأخلاقي. وتبقى خطوط التماس بين الثقافات والأديان والقوميات هشة، تنهار عند أول اختلاف يضر بمصالح أحدهما. لذا لست مع التعريف الاصطلاحي المشهور للتسامح الذي يراد به: (موقفا إيجابيا متفهما من العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة، بعيدا عن الاحتراب والإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته). (ص21). إذ لا يكفي الموقف المتفهم في صدقية التسامح الحقيقي، وفقا لشروط الفعل الأخلاقي، ما لم يتضمن اعترافا حقيقيا بالآخر. ولا ريب أن هذا الفهم للتسامح ضروري في ظل أجواء التناحر والاقتتال حول احتكار الحقيقة، واحتكار طرق الوصول إليها، لكنه لا يفي بالشرط الأخلاقي. وحينئذ كيف يمكن تكييف هذا التعريف أخلاقيا مع ارتهان الوضع الأمني له؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbawi13صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الإلزام والأخلاق

ماجد الغرباوي: كانت العلاقة بين الدين والأخلاق أحد مشاغل علم الكلام قديما، ومازال الباحثون يقاربونها من زوايا مختلفة، دينية أو عقلية، باعتبارها إحدى مدركات العقل العملي. وخلاصة المسألة كما تقدم: قال المعتزلة وتبعهم الشيعة بالحُسن والقُبح العقليين. ولازمه اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح بذاته، بغض النظر عن الأوامر والنواهي الإلهية. وأيضا سيكون ملزما للفرد إما عقلا أو شرعا، حيث يكون حكم الشرع مرشدا لحكم العقل، أو كلاهما. بينما نفى الأشاعرة قدرة العقل على تشخيص الحُسن والقُبح بعيدا عن الأوامر والنواهي الإلهية. وأن الحسن ما حكم الشرع بحُسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقُبحه، ولازمه عدم اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح بذاته. وهذا القدر من البحث في مجال الأخلاق ما عاد يكفي في ظل تطور العلوم الإنسانية وتعدد الاتجاهات الفلسفية. وثمة قضايا مهمة لم يتطرق لها علم الكلام القديم، أهما تحديد مصدر الإلزام في الفعل الأخلاقي الذي نحن بصدده؟ وما هو مفهوم الفعل الأخلاقي وما هي شروطه. وإذا كانت الشريعة مصدر الإلزام بالنسبة للاتجاه الثاني، فإن الاتجاه الأول مطالب بتحديد مصدر الإلزام. إذ لا يكفي اتصاف الفعل بالحُسن والقُبح الذاتيين وجوب الإتيان به كفعل أخلاقي. فيجب تحديد مصدر الإلزام، هل هو العقل أو الفطرة أو كلاهما؟ وكيف؟ وما هي آلية العقل في ذلك؟. لذا فإن العقل العملي عند كانط مسؤول عن تحديد الموقف العملي في سؤال: "ماذا يجب أن أفعل". كما لو توقف نجاة شخص على الكذب وعدم بيان الحقيقة، ففي هذه الحالة يطرح على نفسه: ماذا يجب أن أفعل؟. وهل سيخرج الكذب عن كونه قبيحا في حالات الضرورة أم لا؟. فالعقل هو مصدر الإلزام عنده. وأن نفس الإدراك العقلي موجب للإلزام. ويعتقد كانط أن (شعورنا الأصلي بالإلزام الأخلاقي هو جزء من طبيعتنا التي خلقها الله). ولدى محمد باقر الصدر كما تقدم: أن (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة). فيكون نفس الإدراك موجبا للتكليف. ورغم أهمية هذا التعريف لكنه لا يفسر كيفة إدراك العقل للفعل الأخلاقي. لذا اقترحت تعريف العقل العملي: "مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟" أو تحديد الموقف العملي. فيؤخذ العقل كمعيار لتمييز الصواب عن الخطأ، وتمييز الخير عن الشر، وتمييز الحُسن عن القُبح. غير أن عملية إدراكه تتوقف على استلهام ما تستشعره النفس البشرية في التمييز بين الخير والشر، كما تقدم بيانه. لأن مدركات العقل العملي ليست مدركات تجريدية محضة، بل لها علاقة بالواقع وانعكاساته، لذا هو عقل عملي وليس عقلا نظريا تجريديا، وعندما يكون عمليا يأخذ بنظر الاعتبار الجانب الموضوعي، ليأتي الفعل متوازنا، منسجما مع الفطرة الإنسانية. أو ما يحقق شمول العقل العملي وكونيته. لذا فإضافة للفطرة والعقل كمبدأ للإدراك هناك وعي الذات، التي تمثل فضاء لإدراك العقل من خلال ما تمده الفطرة بمشاعر. فهي من الناحية النظرية تبدو عملية مركبة، وأما عملا فهما شيء واحد، يقتصر فيه دور الفطرة على استشعار انعكاسات الفعل الأخلاقي، مثلها مثل الخلايا الكهربائية التي تتحسس الضوء، كما تقدم بيانه، فهي ليست مرجعية مستقلة، ولا توجد اثنينية، بل عملية واحدة. وهذا يختلف ما إذا كان حكم العقل العملي مرتهنا لجهة خارجية، تملي عليه إرادتها. الفطرة هنا لا تملي شيئا، سوى استشعار انفعالات النفس البشرية من خلال مجسات مجهزة بها فطريا. لذا يشترط أن يكون الإنسان حرا، قادرا على تحديد الموقف الأخلاقي، في جواب سؤال: "ماذا يجب أن أفعل"، دون الحاجة إلى مقدمات وإملاءات خارجية. فالكلام إذاً عن آلية عمل العقل العملي، وما هي مرتكزاته. فيأتي استشعار الفطرة ضمن آلية عمله، وليست مرجعية مستقلة، فيصدق أن العقل العملي يقع في امتداد الفطرة أو الجانب الشعوري لدى الإنسان. ونحن بالوجدان نستشعر طبيعة الفعل، ما إذا كان خيرا أو شرا. عدلا أو ظلما من خلال انفعالات النفس قبل تقرير العقل العملي، ماذا يجب أن أفعل، بغض النظر عن الدين أو أية جهة خارجية، ونشعر بتأنيب الضمير، وشعور عميق في نفوسنا يعكس مدى تأثرها بالفعل الخارجي. فالعقل يلحظ ما تشعر به النفس، ويحكم وفقا لمبادئه. فقد تتعاطف مشاعر الإنسان مع الكاذب عندما تتوقف حياته على الكذب، غير أن للعقل منطقه الخاص، في ضوئه يصدر أحكامه، دون تجاهل ما تشعر به النفس تجاه الفعل، فهي تبتهج للخير والجمال، وتبتئس من الشر والقبح، ومزودة بمجسات، تميّز بها الخير عن الشر، والحُسن والقُبح، فيكشف شعورها النابع من طبيعتها واستعدادها الفطري للخير والشر عن خصائص الفعل. والتمييز الذي يمهد لكليهما، هو لازم استعدادها الفطري، فتسمو النفس بالعمل الأخلاقي، وتتلوث الفطرة بإدمان العمل الطالح.

خلاصة ما تقدم أن مصدر إلزام الفعل الأخلاقي هو العقل العملي ارتكازا على مشاعره الفطرية. بمعنى أدق أن آلية العقل العملي في تحديد الموقف العملي في سؤال ماذا يجب أن أفعل؟ ترتكز على المشاعر الفطرية، التي هي مشاعر أصيلة، وكونية، وشاملة. فالعقل يكون معيارا، يستمد معياريته من المشاعر الإنسانية الأصيلة، التي هي مشاعر فطرية وقانون أخلاقي كوني. وشرط الأصالة شرط احترازي لاستبعاد ما يطرأ فيما بعد على فطرة الإنسان، من خلال بيئته الثقافية. فيكون الفعل الأخلاقي مشروط بالحرية، بمعنى التحرر من جميع القيود، وانعتاقه من أي حكم مسبق.

بهذا نفهم أن الأخلاق سابقة على العقيدة، كامنة في الطبيعة البشرية للإنسان، وهي مشاعر كونية مشتركة. وبالتالي فالمفاهيم الأخلاقية ومدركات العقل العملي، نابعة من الطبيعة البشرية، وليست قضايا متفق عليها بين أبناء الجنس البشري تبعا لمصالحهم العامة، كما يذهب لذلك بعض الباحثين. فهي مفاهيم متعالية، بينما المصالح البشرية نسبية، تختلف من فئة إلى أخرى، ومن مجتمع لغيره، تبعا لمختلف الظروف الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية. فتنعدم المشتركات الكونية، بينما المفاهيم الأخلاقية الأصيلة هي مفاهيم مشتركة، وأحكام شاملة تصدر عن العقل العملي، الذي يرتكز في أحكامه على الطبيعة البشرية. فينبغي دراسة مدركات العقل العملي كأحكام مستقلة عن العرف والعادة، لأننا بصد قانون عام، وهذا لا يتحقق في ظل تباين المصالح العامة للفئات والمجتمعات.

الفعل الأخلاقي

يرى كانط أن الفعل الأخلاقي هو "الفعل النابع من الشعور بالواجب"، فيستثنى الفعل الصادر عن رغبة أو ميل أو عاطفة أو منفعة. ويعرف مذهبه الأخلاقي بمذهب الواجب في مقابل مذهب اللذة والمنفعة. ويقصد بالواجب "ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون العقلي في ذاته"، بغض النظر عن نتائجه، تحققت أم لا؟ المهم أنك أتيت بالواجب احتراما للقانون العقلي. وعنده أن المبدأ الأخلاقي الوحيد الذي لا تشوبه شائبة هو "الإرادة الخيرة" (كتابه: أسس ميتافيزيقا الأخلاق). فهي الخير الوحيد لذاته، والمطلوبة لذاتها دون قيد أو شرط. بخلاف غيرها من الأمور التي يمكن أن تستخدم للخير أو الشر. وهي الخير الوحيد الذي يستمد خيره من ذاته لا من المقاصد التي تحققها. فالارادة الخيرة غاية في حد ذاتها وليست وسيلة. وهذا أشبه بالقول المأثور: "نية المرء خير من عمله".

لا شك في أهمية النية بالنسبة للعمل، ولا شك أنها خير بذاتها، غير أن الفعل الأخلاقي كما أعتقد هو الفعل الذي يحقق إنسانية الإنسان، ولا يكفي التوقف عند الإرادة الخيرة، لأننا نتطلع لموقف عملي. وما لم يحقق إنسانية الإنسان يُستبعد الفعل، مهما كان ظاهره الخير، كالرياء الذي يصعب رصده بسهولة، فإنه يخرج عن كونه فعلا أخلاقيا. الفعل الأخلاقي يترك أثرا تكونينا حينما يزكي النفس ويجردها من أنانيتها وطموحاتها المخلة بالأخلاق، ويغدو الآخر نفسه عندما يتعامل معه على أساس إنساني. وهذا الفهم ينسجم مع رؤيتي للمشروع السماوي الهادف لإقامة مجتمع الفضيلة، بل ينسجم مع كل مشروع مثالي، يسعى لتحقيق السعادة. وبالتالي فالإرادة الخيرة تتحقق بالفعل الإنساني، الذي لا يقصد منه سوى تحقيق إنسانية الإنسان. فمن يمد المساعدة للآخرين رغم ما فيها من تبعات أحيانا، فإنه يفعل ذلك بدافع أخلاقي، نابع من إنسانيته. أي بما أنه إنسان أولاً وقبل كل شيء، فإن إنسانيته تفرض عليه الإلتزام بالفعل الإخلاقي لتأكيد صدقية إنسانيته. فإن مجرد إرادة الخير التي يعتبرها كانط الفعل الأخلاقي الوحيد المطلوب لذاته، يواجه مشكلة نسبية مفهوم الخير بلحاظ مصاديقه. بينما الفعل الأخلاقي بدافع إنساني يختزل الخير بما يحقق تراكم الخير الإنساني. الخير العصي على التوظيف لمقاصد شريرة. فيكفي نسبية الخير بلحاظ مصاديقه ولو تصورا، في العدول عن مفهوم الفعل الأخلاقي عند كانط إلى ما هو أكثر تمحضا للخير. فالعمل الأخلاقي "ما يحقق إنسانية الإنسان". وعندما تتحقق إنسانية الإنسان بالفعل الأخلاقي يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسعادة، وهي أهداف سامية، يطمح لها الإنسان السوي. لا خلاف حولها بين السماوي والأرضي، فتكون قانونا عاما، ومشتركا إنسانيا، ينبثق عن إنسانية الإنسان، ويكون الإلزام فيه إلزاما إنسانيا، يحقق به الإنسان إنسانية دون قصد منه. بمعنى أدق أن شأن الفعل الأخلاقي تحقيق إنسانية الإنسان، وحينما لا يحققها لا يعد فعلا أخلاقيا. فيبقى الفعل الأخلاقي مطلوبا لذاته، لا يستمد خيره من مقاصد. وتحقيق إنسانية الإنسان هي الخير الأسمى، ذلك الجوهر الذي ترتهن له صدقية الإنسان. وبهذا التعريف للفعل الأخلاقي نخلق روح المبادرة والاندفاع الذاتي لعمل الخير. وقد أكدت التعاليم الدينية على إنسانية الإنسان، بعيدا عن أية خصوصية دينية أو إيمانية، ليأتي الفعل بدوافع إنسانية خالصة، كما في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) لا تمييز على أساس ديني. (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، فأيضا مطلقة، دون لحاظ أية خصوصية سوى إنسانية اليتيم والسائل. غير أن فتاوى الفقهاء ارتهنت الفعل الأخلاقي لدوافع طائفية وسياسية، فقالوا مثلا بعدم جواز إعطاء الزكاة للمخالف، ويقصدون به من خالف مذهبهم. وأجازوا استباحة المحرمات الإنسانية بذات الدوافع، حتى فقد الدين تأثيره، وصار متهما، تنسب له كل مآسي الخطابات الدينية خاصة الفقيهة منها.

فنخلص أن الدافع الإنساني، وليست الإرادة الخيرة فقط، هو شرط صدقية الفعل الأخلاقي. وبالتالي: "الفعل الأخلاقي ما يحقق إنسانية الإنسان". وبهذا تنفتح الأخلاق على مساحات واسعة في الحياة، ويمكنها أن تكون رهانا ناجحا لتحقيق الخير الأسمى، حيث تختفي الرذائل، ويتحقق السلام والوئام الإنساني، وتترسخ استراتيجية الأمن الإنساني على أساس أخلاقي، إذ لا مبرر لاقصاء الفعل الأخلاقي مادام يحقق إنسانية الإنسان. خاصة التعريف المنطقي للإنسانية الجامع لكل فعل يجسد إنسانية الإنسان، ويمنع دخول الأغيار، وهو كل فعل لا يجسد إنسانية الإنسان، فيقتصر ما هو حسن بذاته، وهي مجموعة قيم إنسانية متعالية وليست مكتسبة. بل أن الأخلاق المكتسبة لا يصدق عليها تعريف الفعل الأخلاقي. وبهذا نفهم خطأ التعميم في النظرة الوضعية التي ترى الأخلاق ظاهرة اجتماعية، وإن القيم الأخلاقية مكتسبة. والصحيح ثمة قيم أصيلة تجسد معالم إنسانية الإنسان، بها يصدق على الإنسان إنسانا، وبها يختلف عن غيره من الكائنات، وإلا لا معنى آخر لمفهوم الإنسانية سوى تجلياتها الاجتماعية وعلاقة الإنسان بذاته وبالآخر. فالقول المأثور: (حب لأخيك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك)، وأيضا في وصية الإمام علي لولده الحسن، نهج البلاغة: 31: (يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ). كل هذا يؤكد أن هدف الإنسان وخيره الأسمى تحقيق إنسانية الإنسان، فتراه يبادر لعمل الخير، بدافع إنساني ذاتي، مجرد، محض، سواء تحققت أهدافه أم لا؟ فيأتي بالفعل لذاته لا لغيره، لا خوفا ولا طمعا. لذا يبادر لمساعدة الآخرين بعيدا عن أية خصوصية، ويعتبر مساعدتهم واجبا أخلاقيا محضا، ويمد يد المساعدة لكل محتاج. فهو لا يسأله عن دينه وخصوصيته حينما يهمُ بمساعدته، بل يبادر فورا لمساعدته، وهذا هو الاندفاع الذاتي الذي يصدق مفهوم الفعل الأخلاقي عليه. وهذا ما ذهب له كانط في تحديد القانون الأخلاقي: "افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانيّة في شخصك وفي شخص كلّ إنسان سواك بوصفها دائما وفي نفس الوقت غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرّد وسيلة". (ينظر المصدر السابق). ولا يتحقق هذا ما لم يتمتع الفرد برؤية إنسانية تدفعه لعمل الخير. فعندما تساعد فقيرا، تارة تنظر للمساعدة بما هي مساعدة، قد تبادر أو لا تبادر لها، وأخرى تنظر للفقير بمنظار إنساني تتحسس معاناته من الفقر والحاجة والخصاصة، وتبادر لاسعافة بدافع إنساني محض، تنسى معها كل خصوصية، فلا تسأل عن دينه وإيمانه وانتمائه، وتنظر له إنسانا مثلك، يعاني قساوة الحياة. فالعمل الأخلاقي يزكي النفس، ويفتح لها آفاق السمو والرفعة الإنسانية، وبهذا، تتحقق السعادة، من خلاق تحقق إنسانية الناس جميعا. فينبغي لحاظ ما بإزاء الإرادة الخيرة، وهو تحقق إنسانية الإنسان.

وينبغي التأكيد أن الدوافع الإنسانية للفعل الأخلاقي، لا تُخصص، ولا يمكن توظيفها أو تزيورها، فالكذب مثلا يبقى كذبا، مهما كانت ضرورته، ومهما كان تعاطفنا مع المضطر، فهو يبقى كذبا وقبيحا لا يتصف بأية صفة أخلاقية. ومهما كان مبررات الكذب لا تحقق إنسانية الإنسان، فيصنف ضمن أفعال الاضطرار من باب تقديم الأهم على المهم. وتقديم الأهم على المهم استثناء، فلا يشمله مفهوم الفعل الأخلاقي. بمعنى آخر لا يوجد في قاموس الأفعال الأخلاقية انقلاب القبيح إلى حسن بفعل الاضطرار. ويبقى فعل المضطر مجرد استثناء تتوقفت عليه مصالح كبرى. ويبقى استثناء اقتضته الضرورة، لتوقف مصلحة أهم، كإنقاذ نفس محترمة من الموت أو الهلاك. لذا لا يتلاشى تأنيب الضمير، ويكفي بتأنيب الضمير مؤشرا على الفعل الأخلاقي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

العقل والأخلاق

ماجد الغرباوي: اتضح هناك ثلاثة مستويات للفعل، يتعلق بكل واحد منها حكم، قد يكون أخلاقيا أو يرتهن لنوايا ودواعي فاعِلهِ: (الفعل بذاته، الفعل كممارسة سلوكية، الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو قانونية). وقبل بيان ما بإزائها من حكم نوضح ما هو المقصود من العقل العملي، وما هي مرجعياته؟.

العقل العملي:

هناك أكثر من تعريف للعقل العملي. ثمة من لا يفرّق بين العقل النظري والعقل العملي. وعنده أن العقل واحد، هو مبدأ الإدراك، يسمى بالعقل النظري إذا كان الغاية من إدراك الشيء معرفته، كإدراك حقائق الوجود. وإذا كان هدف الإدراك العمل، فيسمى بالعقل العملي. في مقابل من يعتقد أن التفاوت بين العقل النظري والعقل العملي تفاوت جوهري، وفي طبيعة الأداء الوظيفي لكلّ منهما. فيبقى العقل النظري مبدأ للإدراك والعقل العملي مبدأ للدوافع والمحفزات. وقد نُسب هذا القول لابن سينا. (أنظر موسوعة العقائد الإسلامية،ج1). وأما المتداول في تعريفه: (العقل العملي باصطلاح المناطقة هو ما يعبر عنه بالحسن والقبح عند المتكلّمين، والمعبَّر عنه بالخير والشرّ عند الفلاسفة، والمعبَّر عنه بالفضيلة والرذيلة في اصطلاح علماء الأخلاق). وهذه التعاريف غير تامة، لأن الحسن والقبح والخير والشر والفضيلة والرذيلة أحكام صادرة عن العقل العملي، وليست هي العقل العملي، لذا عرّفه محمد باقر الصدر في كتابه دروس في علم الأصول: (العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة).

ويمكن تعريفه باعتباره معيارا: (العقل العملي: مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"). وذلك عندما تواجه موقفا عمليا، كالكذب في حالات الخوف والضرورة. هل يجب أن أكذب أم لا يجب؟. بهذا لا يقتصر العقل العملي على إدراك الحُسن والقُبح، بل إدراك ماذا يجب أن أفعله. في الحالة الأولى يقتصر دوره على التشخيص، بينما الحالة الثانية يكون العقل ينشء حكم الوجوب أو النهي، ودافعا للإتيان به أو الامتناع عنه. فالتحفيز على الفعل أو الترك لازم لإدراك العقل العملي. ويكون نفس إدراكه محفّزا ومحركا نحو الفعل أو الترك بذاته، دون توسيط مقدمة خارجية. وبالتالي، فإن المراد بالعقل الأخلاقي: عقل حيادي، مستقل، غير مرتهن لأي حكم مسبق. أحكامه عامة، مطلقة، لا تخصص. وهو عقل كوني (بوصف كانط)، ومشترك إنساني، يمكن الاحتكام له لمعرفة حقيقة الفعل الأخلاقي. وهو معيار لتسوية الآراء المختلفة، يمييز بين الخطأ والصواب، والخير والشر، والقًبح والحُسن. وبهذا سيكون العقل العملي معيارا وفقا لمحمد عابد الجابري: (العقل معيار يمكّن الإنسان من التمييز بين الصواب والخطأ على صعيد المعرفة، وبين الخير والشر على صعيد الأخلاق، وبين الحسن والقبح على صعيد الفن والجمال). وعليه فالعقل العملي، مبدأ للإدراك والتمييز والإلزام. وهو مؤهل ذاتا للحكم، وأحكامه ملزمة، دون الحاجة لتوسط مقدمات خارجية، عكسا للعقل النظري الذي لا يستوجب من إدراكه للواقع التحرك العملي، كإدراك العقل لوجود الله لا يستلزم أثراً عملياً دون توسّط مقدّمة، كإدراك حقّ المولويّة وأنه الجدير بالطاعة. فيمكنك الاكتفاء بإدراك العقل لوجود الخالق، لكنه إدراك نظري لا يستتبع عملا. بينما تستلزم مدركات العقل العملي التحرك للإتيان أو عدم الإتيان بالفعل. لذا فإن "ما حكم به العقل حكم به الشرع"، وفقا للقاعدة المعروفة لديهم في أصول الفقه. فالعقل العملي يستتبع العمل.

وبهذا يكون المرء أمام أحكام العقل العملي مباشرة. ويكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته أمام ضميره الإنساني. بمعنى أدق سوف لن يكون الدين وتشريعاته مبررا لسلوكه المخالف لأحكام العقل العملي، كالظلم والعدوان. وكان موقف موسى النبي مِن قتل الغلام على يد العبد الصالح تعبيرا واضحا عن أحكام العقل العملي القاضية بقُبح الظلم. فأعلنها بوجهه: (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). فكانت إدانة موسى من وحي قيمه وأخلاقه ومشاعره الإنسانية. هذا هو الأصل في أحكام العقل العملي، وهذا هو الأصل في موقف الإنسان من العدل والظلم. لا يمكنه تبرير سلوكه تحت أية ذريعة. بهذا نفهم أن السلوكيات المنحرفة محكومة بالظلم والعدوان، لا يمكن لأحد تبريرها، مهما رفعت من شعارات دينية وطائفية، خاصة القتل تحت شعارات دينية وطائفية. ومن أي شخص أو جهة صدرت. بهذ انتهينا إلى نتيجة مهمة: (بموجب مدركات العقل العملي القادر على تمييز الخير من الشر. والحسن من القبيح. والعدل من الظلم، يكون الفرد مسؤولا عن سلوكه مباشرة، وهو لازم استقلالية الأخلاق عن الشريعة).

 بينما من السهل على من يرى تبعية الأخلاق للشريعة تبرير سلوكياته مهما كانت مجافية للعدل والإحسان، وقد ينقلب الفعل اللا أخلاقي إلى فعل أخلاقي، وتختل الموازين الإنسانية، وتضيع الحقوق، وتهدر حيثيات الناس. لذا فالأحكام الأخلاقية في القرآن إرشادية لأحكام العقل العملي كما أكدت مراراً. وما حكم به العقل حكم به الشرع، فتكون الأولوية للعقل والأخلاق في حالات التعارض بين العقل والشرع. إن أحكام العقل ثابتة، مطلقة، لا تقبل التخصيص، ولا يمكن التشبث بالشريعة لتبرير أي عمل لا أخلاقي، للأسباب التي تقدم ذكرها. خاصة مع تعدد فتاوى الفقهاء حول القضية الواحدة، واختلاف مرتكزاتهم العقائدية، ومبانيهم الفقهية والأصولية والرؤية الكونية. بل حتى النصوص الصريحة لا يمكن الاستدلال بها، كقتل المعارض، مادامت خاضعة لشروطها التاريخية، وعدم ضمان فعلية موضوعات أحكامها. فأغلب أحكام القتال كانت ناظرة لواقع محدد، وقضايا خارجية، فتنتفي فعلية الأحكام بانتفاء موضوعاتها. ومر الحديث عن آيات الجهاد والقتال، ومدى فعليتها. وعليه لا يحق لأي شخص اقتراف جريمة قتل تحت أية ذريعة أو حكم شرعي. ما لم يكن بالحق كالقصاص وعلى يد سلطة قضائية مشروعة، وعدم تنازل أولياء الدم عن حقوقهم. بينما غدا القتل ممارسة يومية لدى الحركات الدينية المتطرفة، وجميعها يرفع شعارات دينية وقرآنية!!!.

مرجعيات الحكم

لا ريب أن كل حكم ينحاز لمرجعياته فما هي مرجعيات العقل في أحكامه؟. أما بالنسبة للعقل النظري فثمة مبادئ فطرية وبديهيات يرتكز لها في أحكامه كقانون العلية، إضافة لقدراته الذاتية في التحليل والتركيب والقياس. وأما مرجعيات العقل العملي، فقالوا: أن الحسن والقبح أمران واقعيان، يدركهما العقل العملي، كما يدرك العقل النظري الواقع. أي أن الحسن حسنٌ بذاته فيدركه العقل العملي باعتباره واقعا. والقبيح قبيح بذاته فيدركه العقل العملي باعتباره واقعا. وهذا قد ينسجم مع تعريفهم لمعنى العقل العملي. وأما وفقا لتعريفنا فإن حكم العقل العملي يرتهن لفطرة الإنسان. الفطرة بما هي مشاعر إنسانية تتفاعل مع المحيط الخارجي والواقع الاجتماعي وتتأثر بما يدور فيه. وبشكل أدق، الفطرة بما هي إحساس أخلاقي، وهو شعور إنساني مشترك، ترتهن له القيم والأخلاق الكونية. غير أن احتكام العقل للفطرة ليس كاحتكام الحاكم للقوانين واللوائح القضائية أو الشرعية. وإنما يستشعر ما ينعكس عليها. وذلك أن مدركات العقل العملي ليست قضايا خارجية مجردة، وإنما مزيج من المشاعر والأحساسيس التي تتجلى من خلالها الصفة الإنسانية للإنسان. فالعقل يستشعر انفعالاتها وتأثرها، سلبا أو إيجابا، ليتمكن من إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟". النفس البشري مجهزة بمشاعر تعتبر شرطا لصدقية إنسانية الإنسان. إضافة لعقله وحريته وإرداته. ولا أقصد بالمشاعر مطلق المشاعر، بل خصوص المشاعر الإنسانية الأصيلة التي لا يمكن تزويرها أو توظيفها. كما في مثال قتل الغلام، فإن قتل النفس المحرّمة من غير ذنب ظلم، تستنكره النفس البشرية بمشاريعها الإنسانية، والعقل يستشعر تلك المشاعر. فليست هناك مرجعيات مستقلة كما هو الحال بالنسبة للمحاكم القضائية. وليست هناك إملاءات خارجية، وإنما مشاعر راسخة، أصيلة، تستشعرها النفس بفطرتها: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ). وهذه الفطرة لها استعداد للخير والشر معا. كالخلايا الضوئية التي تتحسس الضوء. كذلك هي تتحسس الخير والشر من وحي كوامنها. وهو ما تلمح له آية: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا). فالاستعداد للفجور / الشر .. التقوى / الخير، إلهام فطري، ليس طارئا أو مكتسبا، ومن ضرورات الفطرة البشرية. غير أن استعدادها للخير والشر، لا يسلب حياديتها، ولا يعني نزوعها لأي واحد منهما، ليبقى الإنسان وما كسب. بمعنى أوضح ليس للإنسان مناعة ذاتية سوى إرادته وقدرته وضميره على التحكم بسلوكه، لذا يكون مسؤولا عن تصرفاته ومواقفه، وهي مشتركات بشرية لا تختص بقوم دون غيرهم، ولا بفرد دون آخر.

لكن ثمة حقيقة استشفها من وحي إنسانية الإنسان تستدعي قدرا من التأمل. وهي: رغم حيادية الفطرة البشرية، وعدم نزوعها من حيث فطرتها للخير أو الشر، لكن لديها ميل للخير كما بينت سابقا: "لا ريب أن للنفس البشرية استعدادا بالقوة لا بالفعل للخير والشر معا، لكن ثمة ميل للخير ينسجم مع الطبيعة البشرية. "ميل" بمعنى ترجيح عمل الخير على عمل الشر، عندما يكون الفرد حرا، تعبيرا عن سلامة الفطرة ورغبة الإنسان بالعيش المشترك، التي هي طبيعة إنسانية، بها يمتاز عن الحيوان. وهذا الميل لا يوجب فعل الخير، ويبقى الإنسان مرتهنا لقيمه ومدى التزامه ومستوى وعيه ونقاء سريرته. ولا أتفق مع من يؤكد النزوع الفطري للشر لدى الإنسان، لأن الشر لا يعبر عن إنسانيته، مهما ارتكب من عنف. وتبقى النفس قابلية مطلقة، واستعدادا بالقوة لا بالفعل، تؤثر بها العوامل الذاتية والموضوعية، كالبيئة والثقافة، والسلطة، والأعراف والعادات والتقاليد. وأجد في ميل الفرد للخير تعبيرا عن إنسانيته وصفاء سريرته. وهذا سبب تأكيد الخطابات الدينية على تزكية النفس، والتوبة من الذنوب، كي يستعيد الضمير فاعليته، قبل ضموره. كما أن روح الإنتماء، ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، يؤكد ميله للخير لضمان وشائج اجتماعية يحقق من خلالها ذاته، وحاجته الفكرية للاجتماع البشري. فقديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمق روح الإنتماء ويعطي معنى لوجوده يقاوم به قلقله المصيري، الذي هو قلق وجودي. ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويؤكد ذاته، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا. لأن تأكيد الذات لا يتحقق إلا من خلال وعي الآخر، وهذا سبب اهتمام الإنسان بالعلاقات الاجتماعية، حيث يجد فيها ذاته. وميله للخير هو الذي  مهّد لقيام مجتمعات بشرية. لا أنفي الدوافع الأخرى، لكن ارتهن ميله للخير بها. فهو موجود حتى مع انتفائها، كما هو حال المجتمعات البشرية اليوم.

وبالتالي، فأحكام العقل العملي أحكام موضوعية. وقضاياه صادقة، تشكل كبرى القياس المنطقي. كقولنا: "العدل حسن".لا يختلف حولها إثنان. قد يبرر الفرد أفعاله، وقد يوهم نفسه بأن سلوكه المنحرف حسن، غير أنه لا ينكر في أعماقه قُبح الظلم، وحُسن العدل مثلا، ويميّز بين الخير والشر. والكلام عن أحكام العقل الأخلاقي الأولية خاصة، وما دونها أخلاق مكتسبة، منحازة لمرجعياتها بما فيها الأخلاق الدينية. فالحسن ما حكم العقل الفطري بُحسنه، كالعدل، والإخلاص، والصدق، إلى غير ذلك. والقبيح ما حكم العقل بقُبحه، كالظلم والخيانة والكذب وعدم الأمانة. شريطة أن يكون العقل حرا وقادرا على الاختيار. فيصدر حكمه بمحض إرادته، وبرقابة صارمة من ضميرة الذي يمثل رقابة ذاتية صارمة، مرَّ الحديث عنه مفصلا. وبشكل أدق، إن أحكام العقل العملي حينما تصدر، تصدر بمحض إرادته وحريته، بعيدا عن أي تأثير، بما فيه الانحياز للذات، حتى وإن خالف قيمه الأخلاقية في سلوكه وتصرفاته. حكم العقل شيء، وسلوك الفرد شيء آخر. وهذا يعني أن أدنى انحياز للعقل لأي سبب كان، سينتقل الحكم من كونه حكما أخلاقيا محضا إلى حكم أخلاقي مكتسب.

نخلص، أن الفعلَ يتصف بالحُسن والقُبح في ذاته، بغضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهي. وبما أن الأخلاق تصدر عن حكم عقلي كوني، فهي أخلاق كونية، ومشترك إنساني، فتكون حيادية، صادقة. يصعب استغلالها أو توظيفها إلا بتزوير الوعي والالتفاف على قيم الفضيلة، عندما يختلط الحق بالباطل. فالعقل مرجعية نهائية للحكم الأخلاقي. وهذا العقل يلغي الفواصل والامتيازات بين بني الإنسان، ويكون حكمه عاما، شاملا، بغض النظر عن إي انحياز عنصري أو ديني أو طائفي. كما يرتهن في موضوعيته وصدقيته لرقابة ضمير بشري صارم، يتمتع بسلطة أخلاقية عالية، وقدرته على سلب استقرار الفرد، حينما يضعه تحت مطرقة التأنيب، فتنقلب سعادته شقاء. وهذا عامل أساس وراء صدقية أحكام العقل الأخلاقي.

شروط الفعل الأخلاقي

يعتقد كانط أن القانون الأخلاقي موجود في نفس كل إنسان. وقد صاغه كالتالي "افعل بحيث يمكن لقاعدة فعلك أن تكون قانونا عاما". فيكفي أن تسأل نفسك هل يصح ما أفعله قاعدة عامة لجميع الناس؟. وهو بهذا يرتهن حكم العقل لمشاعر قبلية، كما بينتها، لا بمعنى الأحكام المسبقة التي تسلب العقل حيرته واستقلاليته، بل مشاعر أنسانية يستشعرها العقل وهو يدرك حقيقة الفعل، ليميز الفعل الأخلاقي عن غيره. والدليل ارتهانه الفعل الأخلاقي إلى مشترك إنساني، وهي الفطرة السليمة، حينما يستشعر العقل العملي إنعكاسات الفعل عليها. وعليه يصدق أن نقول، كما أكدت ذلك من قبل: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له". فيخرج كل فعل لا يتوفر على شرط الفعل الأخلاقي، بما في ذلك تأكيد الذات. فقد يقوم الفرد بعمل أخلاقي ظاهرا، ويخفي في أعماقه تأكيد الذات. بمعنى الاتيان بالفعل لتأكيد حضور صاحبه. وهذا القدر هو الأكثر حساسية في الفعل الأخلاقي، لخفائه، وتواريه، حتى يصعب تمييزه. وأيضا ستخرج الأفعال التي يأتي بها الفرد طمعا أو خوفا من القانون. أو رجاء بالثواب والخلاص من العقاب التي تعد به الأديان، والنقطة الأخيرة تواجه إشكالية، سنتناولها بشكل مستقل، بعد بيان المستويات الثلاثة للفعل وما بإزائها من أحكام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi11صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأخلاق والاقتداء

ماجد الغرباوي: نخلص، أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، أحكام إرشادية لحكم العقل، لنسبية المعرفة الدينية، ووجود حقائق قرآنية ذات ملاكات خارج إدراكات العقل العملي، وذات مصالح يتعذر إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة البشرية والفطرة السليمة. وارتهان  فهم النص وتحري مضمراته ودلالاته للتأويل، فتتعدد القراءات، ومن ثم تتجرد من كونيتها وشمولها وإطلاقها التي هي أساس صدقية حكم العقل العملي، وسبب ترجيحها على الحكم الشرعي عند التعارض والالتباس. مما يؤكد استقلال الأخلاق عن الدين. وهنا يأتي السؤال: كيف يقدم العقل على الشرع في حالات التعارض والآية تصف الرسول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؟. وقبل ذلك تقول الآية: (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ)؟.

مرًّ الكلام حول الآية الثانية، وقلت إن مقتضى كمال الخالق أن يكون له المثل الأعلى. وأما الأخلاق فهي تجل للفطرة السليمة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). كما أن العقل البشري هو تجل للعقل المطلق. والاحتكام للعقل احتكام لقانون الفطرة البشرية، وهي ثابتة وشاملة. فالآية تؤكد أن جميع صفات الثبوت ثابتة لله بالضرورة. فالآية  ليست بصدد بيان تحديد التكليف بالنسبة للأحكام الأخلاقية، وليست بصدد نفي الحُسن والقُبح العقليين. أو نفي قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر. وبهذا نفهم أنها لا تقصد المفاضلة، بل تؤكد ثبوت الصفات الأخلاقية لله، وهو أمر مفروغ عنه، فيكون قدوة ومثلا مطلقا، ومرجعية نهائية لها، وهذا منفصل عن التشريعات وضرورات الواقع، التي قد تقتضي تشريعات لا ندرك ملاكاتها، لوقوعها خارج إدراكات العقل العملي، كلقتل الغلام في قصة العبد الصالح، واستجابة نبي الله إبراهيم لذبح ولده. كلا الفعلين ترفضه القيم الأخلاقية والدينية، وقد نهت الوصايا العشر في جميع الأديان عن قتل النفس المحرمة. لذا لا يمكن أن تكون الشريعة مصدرا للأحكام، مادامت تختلف من ملة إلى ملة ومن شعب إلى غيره، وهذا سبب إضافي: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).

وذات الأمر بالنسبة لآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فقد جاءت لوصف أخلاق النبي والثناء على تصرفاته وسلوكه. وتذكّره وهو في مقام الداعية لله، ليكون أكثر صبرا ورباطة جأش، لا تستفزه مواقفهم وكلماتهم، كما جاء في سياق آيات سورة القلم. وهنا ملاحظات:

الأمر الأول: لا يفهم من الآية أن الأخلاق قائمة على الشرع وليس على العقل، وكل ما في الأمر يكون النبي مرجعية أخلاقية، وهو بهذا المستوى من الخُلق الرفيع، شريطة أن تكون القيم الأخلاقية هي الأصل في حالات التعارض أو الإلتباس للأسباب التي تقدم بيانها، فقد تقتضي الرسالات مواقف لا نستوعب ملاكاتها، ونجد فيها تعارضا مع القيم الأخلاقية، وفي هذه الحالة نفهم أنها استثناء، جاءت أحكامها على نحو القضية الخارجية كما يعبر المناطقة والأصوليون، فأحكامها تقتصر على موردها، وليست شاملة، عكسا لموضوعات الأحكام المأخوذة على نحو القضية الحقيقية. شريطة أن يستوفي الحكم شروط فعليته، وقبل ذلك فعلية موضوعه.

الأمر الثاني: لا يلزم من الآيات الآمرة بطاعة النبي تبعية الأخلاق للشريعة، بل ينبغي الاقتداء بأخلاق النبي مهما كان مصدرها عقليا أم شرعيا. والنبي هنا ليس مشرعا للأحكام الأخلاقية بل متمسكا بها على خير مثال، فيكون قدوة في أدائه الأخلاقي. كما في آية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). رغم أنها جاءت في سياق حض المؤمنين على الثبات والصبر ولا علاقة لها بالموضوع، لكن بعضهم ذهب إلى إطلاقها. ومهما كان، النبي رمز الأخلاق الفاضلة، قبل وبعد البعث. فقد كان ممدوحا في سيرته وأخلاقه، وهو سرّ مكانته الاجتماعية لدى قريش، ومشاركته في دار الندوة، واستشارته في أمر رفع الحجر المكي، وكان يلقب بالصادق الأمين، وكل ذلك من وحي فطرته الإنسانية. وحتى لو قيبل بأن النبي كان مسددا من قبل الله تعالى منذ نعومة أضفاره، فأيضا لا يخرج الأمر عن قوانين النفس البشرية وأحكام الفطرة السليمة. وكانت أحكام العقل العملي هي التي تقرر: ماذا يجب أن يفعل؟. رغم تداعياته على المستوى الاجتماعي حينما تتقاطع القيم الأصيلة مع القيم المكتسبة، وقد يغدو الحق باطلا، والباطل حقا.

الأمر الثالث: أن قول النبي: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، يؤكد أسبقية الأخلاق، باعتبارها قيما إنسانية نابعة من الفطرة السليمة التي هي فطرة بشرية كونية. وبالفعل عاشت البشرية ردحا طويلا من الزمان علاقات اجتماعية قائمة على قيم ومبادئ أخلاقية قبل بعثة الأنبياء: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). ثم جاءت رسالات السماء وبُعث الأنبياء لترشيد وعي الناس، والتأكيد على قيم الأخلاق، عبر منظومة قيم أخلاقية، لضبط الأداء السلوكي للمجتمع: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الصدد يقول الرسول: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ". فالأخلاق قائمة مادام هناك اجتماع بشري، ومادامت هناك حاجة لها. وكلامنا عن الأخلاق الأصيلة التي يحكم بها العقل بعيدا عن أية تأثيرات خارجية، وهي قيم تتصف بالحُسن أو القُبح بذاتها، بغض النظر على الآوامر والنواهي الإلهية. كحكم العقل بحُسن العدل وقُبح الظلم، حَكَمَ أو لم يَحكم بها الشرع. فالكلام ليس عن الأخلاق المكتسبة التي تفرضها ضرورات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية أو يتعلق بها خطاب شرعي بعدي. بعضها أخلاق فاضلة بطبيعتها توظف لغرض ما. وهناك مصفوفة أخلاق تبدو ظاهرا حميدة لكنها تنطوي على ضعف واستغلال.

استقلالية العقل

وبالتالي نخلص إلى قضية مهمة بل وخطيرة، وفقا لسؤال الأخلاق. إن لازم قولنا بالحُسن والقُبح الشرعيان و(قيام الأخلاق على الشريعة)، أن يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون مرتهنا لحكم الشريعة، التي لم تقف عند حدود تشريعات القرآن، بل امتدت لمطلق سُنة النبي، وشملت سنُة الصحابة والأئمة الإثني عشر، ومن ثم أحكام وفتاوى الفقهاء، فتغدو كل سلوكياتهم المرتهنة لقبلياتهم العقدية والسياسية والأديولوجية حجة علينا. وقد استدلت المنظمات الإرهابية على صحة ما ارتكبته من مجازر بسيرة الصحابة، دون دراسة للأسباب الموجبة لذلك، وما هوالظرف الذي اقتضى سكوت النبي لو كان الأمر بمرآى ومسمع منه، رغم عدم شرعية ما فعلوه. وبأي دليل غدت سنة الصحابة حجة، وعلى أي قاعدة علمية غدت مطلقة. بل حتى سكوت النبي، الذي يمضي الفعل، لا ينفع هنا مادام استثناء لقيم الدين والإنسانية، فيكون حكما ولائيا مختص به، تنتفي فعليته بعد وفاته مباشرة. وهذا شامل لكل ما يبدو تجاوزا لقيم الدين في المعارك والحروب التي دارت بينه وبين خصومه.

بهذا الشكل تعطلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندما انبرى فقهاء السلطان فيما بعد لتبرير سلوكياته وظلمه وعدوانه، بمختلف الأدلة والقواعد الأصولية. إذ لا معنى لمحاسبته وفقا لأي مبدأ أخلاقي، بعد أن فقد الفعل الأخلاقي استقلاليته وصار يستمد وجوده من الشريعة بل ولفتاوى الفقهاء واجتهاداتهم الشخصية. بهذا نفهم سبب تبجيل عدوانية المنظمات الإرهابية من قبل بعض الفقهاء، السلفية خاصة، ودعوة كثير من رجال الدين لنصرتهم بالمال والأنفس والسلاح، مادام سلوكهم مرتكزا لكتاب الله، رغم حجم الدماء التي سفكت على أيديهم، ورغم حجم الخراب، وسمعة الدين والإسلام التي شوههها الإرهاب الديني. ولا يختلف باقي الفقهاء عنهم سوى في شرط فعلية الجهاد هل هو الحرابة أم مطلق الكافر والمشرك. والنتيجة واحدة: ما نهى عنه الشرع فهو قبيح، وما أمر به فهو حسن، ولا استقلالية للعقل في ذلك. وقس على هذا كثير من السلوكيات التي هي تمظهرات لفتاوى وأحكام، بدأت بعد وفاة النبي ومازالت تتدفق استجابة لعقل تراثي أو حافز أيديولوجي أو هدف سياسي يحمل بصمات طائفية. وكلها أحكام شرعية، محاطة بأسيجة قدسية، تتلقاها روح العبودية بعيدا عن الأخلاق وأسئلتها. بينما يمكن مساءلة كل فعل يتعارض مع الأخلاق إذا قلنا باستقلاليتها. والفعل إما أن يكون حَسنا أو قبيحا بذاته. يمكن للعقل إدراكه، كما هو حقيقته. فالعقل الذي يستبعده الخطاب الديني، وينصب له العداوة والبغضاء، هذا العقل هو عقل معياري، يميّز الصح من الخطأ، والخير  من الشر، والحسن  من القبيح. كما لو ارتُكبت جريمة قتل استجابة لفتوى دينية، فإنه يحكم بقبحها، حكمت الشريعة بقبحها أم لا. ارتكازا لبداهاته المنبثقة عن فطرته الإنسانية. فاستقلالية العقل في أحكامه، هي جوهر حقيقيته. وهذا ما قرأناه سابقا عن قصة موسى النبي الكريم مع العبد الصالح حينما قتل الغلام، فاستفز فعله موسى وقد استنكره صراحة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لم يتأن النبي الكريم في فهم ملابسات فعل الرجل الصالح، ولم يطرح أسئلة واستفسارات، وحكم تلقائيا، لا شعوريا، على الفعل من وحي بداهات فطرته الإنسانية، فأعلن فورا: (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). فالفعل وفقا لعقل موسى فعل قبيح، لا أخلاقي، بغض النظر عن مببرات العبد الصالح. كل ما في الأمر أنه اكتشف ثمة ملاكات مجهولة بالنسبة له اقتضت هذا الاجراء، دون أن تؤثر على حكم العقل، مما يؤكد استقلاليته في أحكامه، وإن الفعل بذاته إما أن يكون حسنا أو قبيحا.

استقلالية الأحكام

ولو لم يكن العقل مستقلا وقادرا على التمييز فلماذا يُحيل القرآن عليه لمعرفة حقائق الأمور؟: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). كيف ارتهن فهم وإدراك الآيات للعقل إذا لم يكن مستقلا في أحكامه؟. بمعنى الاستقلال بمعايره، التي بها يميز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح؟. هناك (22) آية تحتج بالعقل، بصيغة (لقوم يعقلون) أو (قوم لا يعقلون) وهذا دليل آخر على مرجعيته لمعرفة الحقيقة. أو الاحتجاج بمشتقاته مثل: يتفكرون التي جاءت (11) مرة بصيغة (لعلهم يتفكرون). فأحكام العقل العملي ثابتة لا يمكن لأحد سلبها إياه. ولم يقتصر الاهتمام بالعقل على القرآن، بل أكد عليه الأنبياء والمرسلون والحكماء، والأحاديث كثيرة جدا، وكشاهد في المقام، نذكر بعضها:

- الرسول الكريم: (ما اكتسب المرءُ مثل عقلٍ يَهدي صاحبهُ إلى هُدى، أَو يردّهُ عَن ردى). مما يؤكد استقلالية العقل في أحكامه الخاصة. فالنبي هنا يؤكد قدرة العقل على الهداية وردع صاحبه على الغي والقبيح. فلماذا يتعمد العقل التراثي إقصاء العقل؟. إنه يفعل ذلك ليتفرد بوعي الفرد والمجتمع من خلال روايات إما موضوعة أو تتحدث عن طرف مختلف زمانا ومكانا يريد لها أن تكون مطلقة مهما كانت تداعياتها على مسقبل الأمة المسلمة. فيكون قراره أنانيا، نابعا عن ضيق أفق، ووعي متخلف، لا يدرك ما وراء الكلام، فيتعطل عنده الفهم، يقتصر على اجترار التفسير الذي يخدم أهدافه أو يحقق صدقية وعيه.

- الإمام علي: (كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيك من رشدك). وقوله: (العقل مرآة صافية). وهذا الحديث هو الآخر يؤكد قدرة العقل على التمييز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح. فيشمل أحكام العقل النظري أو المحض وأحكام العقل العملي.

- بل يرهن الإمام علي فهم القرآن للعقل حينما يقول: (هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ، لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ). كل هذا وغيره يؤكد معيارية العقل وقدرته على التشخيص والحكم، خاصة بديهيات العقل النظري، وبديهيات العقل العملي، الأحكام الأخلاقية: (الشيء الذي ينبغي فعله).

الأخلاق والجزاء

وهنا يبرز سؤال: إن شرط الفعل الأخلاقي أن تأتي به لذاته، ويكون هو المحرك له إيجابا وسلبا. فهل يفقد صفته الأخلاقية حينما يؤتى به بداعي القربى وطمعا بالثواب، أو الخوف ودفعا للعقاب؟.

لا ريب، إن لازم القول بالحُسن والقُبح العقليين أن تكون الأخلاق مطلوبة بذاتها باعتبارها أحد تجليات إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن غيره من الكائنات. فيأتي بالفعل الأخلاقي بدافع ذاتي، نابع من إنسانيته وطبيعته البشرية، بغض النظر عما يترتب على الفعل الأخلاقي من نتائج كالثواب أو العقاب. وبشكل أدق، إن إنسانية الإنسان تدفع باتجاه الفعل الأخلاقي، بمعزل عن أية إرادة خارجية، فتكون مبادرة تلقائية عفيفة دافعها الأخلاق فقط. فيبادر الإنسان لاستغاثة أخيه الإنسان مبادرة محررة من كل قيد وشرط. ولا يتأثر بقبلياته الدينية والطائفية، ولا تحد من مبادرته الأخلاقية أية أيديولوجيا بما فيها الأوامر الدينية، وما تفرضه العادات والتقاليد من أحكام تارة تكون جائرة ضد الآخر المختلف. فمصدر الإلزام سيكون ذاتيا. بل يصدق أن نقول: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له".

والجواب: هناك ثلاثة مستويات للفعل ، يمكن من خلالها تسوية هذا الإشكال، كي لا يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون للدين دور يعزز القيم الإنسانية.

- الفعل بذاته، قد يتصف بالحُسن أو القُبح، بموجب أحكام العقل العملي الذي يهتدي لها ببداهاته وفطرته الإنسانية السليمة. فيكون حكمه حكما أخلاقيا على ذات الفعل، دون ارتهانه لأي جهة خارجية، دينية أو عرفية أو قانونية. ويأتي به الفرد، أو ينهى عنه، بدافع أخلاقي، ذاتي.  

- الفعل كممارسة سلوكية. حيث يتجلى الفعل الأخلاقي. وهنا يتوقف الوصف على نوايا الفرد، وسبب اندفاعه. فإن كان الدافع ذاتيا فيصدق أنه فعل أخلاقي، أو تنتفي عنه صفة الأخلاق. في الحالة الأولى يتسجيب لضميره الشخصي، وينتهى عن الفعل القبيح خوفا من توبيخه. بينما الحالة الثانية مرتهنة لجهة خارجية فتخسر صفتها الأخلاقية.

- الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو خارجية. فهل يفقد صفته الأخلاقية؟. وكيف نوفق بينه وبين الأوامر الإلهية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الدين والأخلاق

ماجد الغرباوي: هل الأخلاق مستقلة عن الدين أم الدين مصدر الأخلاق؟  سؤال قديم كان ومايزال موضوع اهتمام الفلاسفة والمفكرين لخطورة دور الأخلاق في حياة الفرد والمجتمع، ومازالت تتسم براهنيتها. فثمة اختلاف حول مصدرها باعتبارها سلطة تتحكم بالضمير الأخلاقي والديني. حيث اعتبر سقراط الإيمان مكمّلا للأخلاق دون أن تقوم عليه. وقد حصر مصدرها بالحكمة التي تفضي للفضيلة طريق السعادة، وهي غاية الإنسان القصوى. وكان هدفها عند أفلاطون تحقيق السعادة لا إرضاء الآلهة. بينما أصّل أرسطو لها عقليا. وأعادها كانظ إلى العقل العملي، رغم أهمية الدين. ولا تخفى الآثار المترتبة على القولين حينما يلقي الشك بظلاله على بعض السلوكيات المجافية للقيم الأخلاقية. فمن يعتقد بالحُسن والقُبح العقليين، لا يمكنه تسويغ سلوكياته الخاطئة، بينما التبرير ممكن لمن يعتقد بالحُسن والقًبح الشرعيين، لإمكانية التأويل وارتهان فهم النص لقبليات وثقافة المتلقي / المجتهد. وهذا أحد أسباب مظاهر الفساد في صفوف المسلمين، حينما تبرر فتوى الفقيه استباحة المال العام، أو تبيح له الجنس بشروط شكلية مجردة عن أي التزام أخلاقي. أو تسمح له باستباحة أموال ودماء الآخر المختلف دينيا أو طائفيا. الأول سيعاني تداعيات تأنيب الضمير. بينما لا يشعر الثاني بوخز الضمير، ولا يهمُّ بتقويم سلوكه. بل وتغمره سعادة كبيرة عندما يجد في النص الديني أو الفتوى ما يبرر انحرافه السلوكي. وهذا ما يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، ومدى صدقية أن الدين مصدر الأخلاق. وعندما أشير لخصوص الفقيه لا أغفل أدلته الروائية، بل وحتى مصادرها، فهي أساس صدور فتاواه، لكن ارتهن في وعي مضمرات المفهوم لوعي المتلقي وخلفيته الثقافية.

ويراد بالدين الذي هو مصدر الأخلاق إما خصوص الخالق / الله / الكائن الأسمى، عن طريق الوحي أو الإلهام. أو يراد به الرؤية الدينية الشاملة. حيث تقدم الأديان رؤية كونية، للإجابة على الأسئلة المصيرية. وتقدم  منظومة عقائدية وتشريعية وأخلاقية لتحقيق سعادة الإنسان. وتلك التعاليم إما أن يتلقاها الفرد مباشرة من خلال النصوص المقدسة أو عبر الوسط الديني والديني – الثقافي، المتداخل مع العادات والتقاليد، باعتباره الوسط الذي تتجلى فيها الأخلاق. أو انها تتجلى ضمن السياقات الاجتماعية والعلاقات العامة. فالفعل محايد بذاته، يرتهن وصفه بالحُسن والقُبح، للدين بمعنى الوحي أو الثقافة. وهذا يدعونا لتحري حقيقة الدين ومدى علاقته بالأخلاق، حيث تترتب على كلا القولين نتائج مهمة. ونحن نهدف إلى تحرير الوعي الديني من خلال نقد الأنساق الثقافية الدينية، المحركة للفعل الأخلاقي.

تعدد القراءات

تقدم أن اللغة الدينية تختلف عن اللغة العرفية في دلالاتها ورمزيتها، سيما مفهوم المقدس، والمفاهيم المجرّدة، كالقضايا الغيبية. إذ المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز يتصف بقوة حضوره للتعبير عن مضمرات النص العصية على الإدراك بعيدا عن التأويل. فهي لغة ثرية، مرنة تستدعي فهما للنص. لازمها نسبية المعرفة الدينية، التي هي معرفة بشرية،  تستمد وجودها من النص ومن قبليات الفرد ومستوى وعيه وإيمانه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما. وحينما تكون نسبية ترتهن لزاوية نظر المتلقي وقبلياته، فلا تكون قاسما مشتركا بين الناس جميعا، وهو ما نحتاجه في الحكم الأخلاقي. وهكذا بالنسبة لسيرة الأنبياء والصالحين، فهي تارة تقررها زواية نظره ضمن معطيات ظرفه الزمكاني، فتكون نسبية، لا يمكن اعتمادها مرجعية مشتركة. الفعل الأخلاقي فعل معياري، يستمد صدقيته من طبيعته الأخلاقية ومن مصدره، العقل العملي، الذي يرتكز في أحكامه لمبادئ إنسانية كونية، يُحتكم لها عند الاختلاف. فالعقل يحكم بحُسن العدل وقُبح الظلم مثلا، لا فرق بين شخص وغيره. غير أن المشكلة بالاتجاه الأشعري الذي يعتقد بعجز العقل عن إدراك الحُسن والقُبح، ويؤكد أن الحسن ما حكم الشرع بحسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقبحه، فالأفعال بذاتها محايدة، ليست حسنة ولا قبيحة. والقتل الذي هو عمل قبيح قد يكون حسنا إذا أمر به الشرع. وهكذا بقية الأفعال والسلوكيات، كالخيانة الوطنية وسرقة المال العام، ونصرة الظلمة. وهؤلاء يخلطون بين حكم العقل العملي والتسليم للدين. الثاني لا يغير من حقيقة الفعل الأخلاقي بذاته. فالظلم قبيح وإن مهما كان مصدره. ويبقى قبيحا وإن سلّمت له من منطلق إيماني، أو بحكم سلطة التقاليد أو الخوف. أو خوفا من الإقصاء. وكلامنا عن الفعل الأخلاقي الأصيل. الفعل بذاته بما هو فعل، بمعزل عن أي مؤثر ذاتي أو خارجي. هل للعقل رأي فيه أم لا؟.

يتضح الجواب من خلال سلوكيات المجتمعات اللادينية. أو التي لم تتعرف على الدين إطلاقا. كيف تميّز بين الخير والشر؟ وما هي مرجعيتها في الأحكام الأخلاقية؟ هل العادات والتقاليد التي هي نسبية دائما تختلف من مجتمع إلى آخر،  تضفي على الفعل قيمته الأخلاقية، أم أن دلالته ذاتية، وأن العقل هو الذي يحكم بحُسن أو قُبح الفعل الأخلاقي؟ بلا شك أن العقل يحكم بمعزل عن المجتمع وعادته وتقاليده بحُسن العدل، وقُبح الظلم، صرّح أو لم يصرح. قد يمنعه الخوف عن التصريح به وهو يشاهد ظلم السيد أو شيخ القبيلة عندما يعاقب فردا ظلما، فيؤيده خوفا منه، لكنه يدين الظلم في داخله أو يشخصه كحد أدنى، وهو قدر متيقن حتى بالنسبة للفرد المؤمن، فإنه يميز بعقله بينهما لكنه يسلم للإرداة الدينية. وأدل دليل، أن الشعوب التي تدمن الاستبداد تصفق للدكتاتور في استبداده وظلمه، رغم إدانته سرا وهمسا. وعندما يعود لرشده يعترف بظلمه وجوره وهو ما يؤكد استقلالية العقل العملي في أحكامه الأخلاقية. قد يكون الفرد محقا في موقفه الممالئ لتفادي جور السلاطين، لكن خوفه لا يغير شيئا من الحقيقة. الظلم عمل قبيح مستهجن بذاته، تنفر منه النفس الإنسانية بفطرتها التي هي القاعدة الأساس لبرمجة العقل العملي.

إذاً، الأسئلة المتقدمة تفرضها نسبية المعرفة الدينية التي تستمد صدقيتها من النص وقبليات وثقافة المتلقي. النص الديني يتصف بقوة مرونته وثرائه، مما يجعله حقلا للتأويل يعمق إشكالية اللغة الدينية وعلاقتها بالأخلاق، وقد تحدثت عن النص مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة، وقلت هناك: إن قوة النص تقاس بقدرته على حجب دوره في تكوين حقيقته، ودوره في تشكيل حقائق أخرى. وتقاس قوة الخطاب ببراعته وقدرته على حجب آليته في التأثير والإقناع. فحينما تستولي قدسية الخطاب على مشاعر المتلقي، يتستر على براعته في استخدام أدواته وتقنياته اللغوية. وهذه خصوصية جميع الخطابات الأيديولوجية والتعبوية. فرهان الخطاب الأكبر على قبليات المتلقي وثقافته، ومساحة اللامعقول الديني في ذهنه، وكيفية تفاعله مع مضامين النصوص وغرائبيتها. فالبنية الأسطورية تفتح آفاق اللامعقول. وتُقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

وهذا يؤكد نسبية المعرفة الدينية، ومن باب أولى نسبية تمثّل مفهوم المطلق والقضايا التجريدية والغيبية. ولا يختلف الأمر بالنسبة للرسل والأنبياء. وهذا لا يعني التشكيك في مصداقيتهم الأخلاقية معاذ الله، غير أن  جملة من مواقفهم ذات ملاكات ومصالح تصطدم مع مبادئ وقيم العقل الأخلاقي. لا يمكن لنا إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة الإنسانية أي الفطرة السليمة والعقل العملي، لكنها تجد مبرراتها خارج العقل الأخلاقي، الوحي أو ما يقرره وفقا لرؤية غائبة عنا، كما في قصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح الذي رافق موسى، فكيف يمكن تبرير فعله أخلاقيا؟ وهل يمكن أن يكون النص هنا مصدرا للأخلاق، ويكون مبررا لقتل غلام آخر، بما في ذلك الأنبياء؟. وسبق أن أجبت، لو استبعدنا البعد الرمزي في القصة، فثمة أفعال تتوقف فعليتها على وجود كشف تام لموضوعها، وهذا منحصر بالله، باعتباره محيطا بكل شيء، ويتوقف على وجود الوحي، وقد انتفى بوفاة الرسول الكريم محمد بن عبد الله. ولا يمكن لأي شخص مهما بلغ إيمانه وتقواه ارتكاب عمل من هذا القبيل مادام يتنافى مع القيم الأخلاقية الإنسانية والدينية. فهنا العقل يحكم بظلم قتل الغلام من وحي فطرته. بما في ذلك الإنسان المؤمن، فإنه يستغرب، ويسكت على مضض كيف يصدر هذا الفعل وبأمر من الله كما جاء في النص القرآني؟. ثم يواصل اسئلته واستفهامته رغم إيمانه ولو همسا. أما غير المؤمن فيرفض الفعل جملة وتفضيلا، ويعتبره ظلما وجورا. وبالتالي فهو فعل مرفوض وفقا للعقل العملي للإنسان. ما ذنب الغلام يتحمل وزر والديه، كما ذكرت الآية هذا مبررا لقتله؟: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا). وغيرها من الأسئلة التي استفزت موسى رغم نبوته وقدسيته. لكن الطبيعة الإنسانية الرافضة للظلم رسمت فوق محياه علامات استفهام غاضبة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).

وأيضا في قصة إبراهيم وإقدامه على ذبح ولده، بناء على رؤية في منامه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). فالآية تتحدث عن تجربة قاسية مرّ بها النبي إبراهيم لامتحان مستوى تقواه وتسليمه للوحي. والرؤية كما فهما إبراهيم أنها وحي من الله لفتنته واختباره فبادر بكل ثقة وإيمان وتسليم مع أنه إبنه ويريد ذبحه استجابة لتلك الرؤية!!!. حقا أن العقل البشري لا يستوعبها بل ويستفزه الفعل أن يصدر من نبي كريم. نعم يسلم للإرادة الدينية، لكن التسليم لا يقمع الأسئلة ولا يغير من الحقائق شيئا، ويبقى القتل بلا مبرر عملا قبيحا وفق معطيات العقل العملي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). ومفهوم الحق وفقا للمنطق البشري له مبرراته، ليس منها جواز القتل بناء على رؤية منامية. ويمكنهم الاحتجاج بهذه الآية ذاتها. فهي مطلقة، وحرمة القتل شاملة لكل نفس، لا فرق بين واحدة وغيرها. إن الأمثلة القرآنية المتقدمة تدعو للمراجعة والتأمل الجاد بمقولات الأشعري والاتجاه الذي يرى تعبقية الأخلاق للدين. فثمة تداعيات لا يمكن تداركها عندما يكون الدين مرجعية مستقلة للأخلاق.

مصداقية السيرة

والأمر لا يختلف بالنسبة للسيرة، فقد وفرت مراجعة بعض نماذجها فهم سياقاتها التاريخية في إطار الحديث عن علاقة الدين بالأخلاق، لتفادي الآثار اللاشعورية المترتبة على تكريس قدسيتها، والأخذ بكل ما ينسب للأنبياء دون تمحيص ودراية، بناء على عصمتهم مطلقا لا في تبليغ الوحي فقط. فثمة من يرى عصمة وحجية مطلق السُنة النبوية ومطلق سيرته قولا وفعلا وتقريرا، لذا يرون وجوب تقصير اللباس مثلا، رغم أن الخطاب في الآية موجه للنبي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ). في مقابل من يرى عصمتهم في تبليغ الوحي خاصة. والحقيقة لا عصمة تحول دون الخطأ والاشتباه بناء على فهم خاص للوحي. أو اقتصارها على الوحي: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ). فالقيم الأخلاقية العقلية والإنسانية هي الأصل في حالات التعارض، مادام صدور الخطأ محتملا منهم. لا شك أن لازم العصمة بلوغ الأخلاق حدا يغدو المعصوم نموذجا ومرجعية للسلوك الأخلاقي المثالي، وهذا منحصر بالله تعالى: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فله مطلق الكمال وجميع الصفات الإيجابية وصفات الكمال، وهو كلي القدرة، لا يضطر لتسويف الأخلاق واقتراف الظلم والعدوان: (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)، و(إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). هذا وفقا للمنطق القرآني، كمرجعية لفهم المثل الأعلى ولوزامه. بينما الأخلاق لا تستلزم عصمة الإنسان الخلوق المتمسك بالقيم الأخلاقية. مهما كانت مثالية سلوكه. لأن العصمة السلوكية عصمة ظاهرية، وأما حقيقة الفرد فلا يعلمها سوى الله: (اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء). هو الذي (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وهي آيات حاكمة على أدلة العصمة باستثناء العصمة السلوكية الظاهرية التي هي متاحة لكل فرد، لكنها لا تستلزم العصمة. بشكل أدق لا يمكن الجزم بالعصمة مهما كان الأداء السلوكي للشخص مادام صدور الخطأ محتملا منه. وهذا يؤكد تقديم القيم الأخلاقية على النص في حالات التعارض كما تقدم، لأنها قيم ثابتة نابعة من صميم الطبيعة الإنسانية المشتركة، وأحكام العقل هنا أحكام كونية، شاملة. ومبادئ الحكم مشتركات بشرية لا ريب فيها. وهذا لا ينفي تأثر الأخلاق بالدين والعادات والتقاليد، ولا ينفي إمكانية فرض نمط من الأخلاق لتكريس قيم العبودية والطاعة والتلقي، فتغدو بسبب إدام العبودية أخلاقا حميدا، كما هي أخلاق العبيد، خاصة من يدافع منهم عن قيم العبودية، وبل ويستميت من أجلها، ويجد ذاته فيها، بل وأساس وجوده بمعنى التحقق، وقد مرّ الكلام مفصلا عنها، في كتاب النص وسؤال الحقيقة.

ويمكن تعضيد احتمال وقوع الخطأ على مستوى السلوك الأخلاقي بجملة آيات، منها:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). فالآية تجعل من الفظاظة أمرا ممكنا، غير ان تدخل الإرادة الإلهيه جعلت منه رحيما معهم. فالوقوع في الخطأ السلوكي بموجب هذه الآية ممكن بحد ذاته. لكن أليس تدخل رحمة الله هو العصمة بعينها، فيكون الرسول معصوما بهذا المعنى، بمعنى التسديد والهداية الإلهية؟.

والجواب: لقد مرَّ بنا موضوع العصمة مفصلا، وبينت مفهومها ودلالاتها، وقد ثبت بالدليل عدم إمكانيتها بذاتها. وأما التسديد والهداية فهي متاحه لكل إنسان، أو ما يعرف بالعصمة السلوكية، لكنها عصمة مشروطة بإرادة الفرد وقدرته على مراقبة سلوكه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). ولا شك أن الأنبياء أولى من غيرهم، وهم بحاجة مستمرة للدعم والتسديد. وبالتالي فالخطأ السلوكي ممكن بذاته: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). ومثلها: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً، إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وكذا يمكن الاستفادة من الآية التالية احتمال وقوع الخطأ، فلا يمكن أن يكون مصدرا لأخلاق كونية بمفرده، إلا بتسديد من الله، ولازمه وجود إمضاء لكل فعل فعل من سلوكه، وهذا متعذر وشل لوجوده الإنساني: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)

كما يمكن الاستشهاد بالسيرة لتأكد إمكانية صدور الخطأ من الأنبياء:

1- نهي النبي عن تأبير النخيل، وما ترتب عليه من أضرار: جاء في صحيح مسلم: (رقم/2361): (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَ). وهذا إن صحت الرواية دليل على أحتمال صدور الخطأ منه.

2- غضب النبي بعد مقتل عمه حمزه في معركة أحد، وتوعدهم بالانتقام والمُثلة بقتلاهم، رغم أن التمادي في الانتقام والمُثلة عمل ترفضه الأخلاق، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ). فقد جاء في تفسير الطبري: (وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية. وقيل: هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم: نـزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة). ونقل جملة أحاديث في أسباب نزول هذه الآيات، منها: (حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نـزلت في المدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل بِه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ" فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثْلة لم يمثِّلْها أحد من العرب بأحد قطُّ فأنـزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ... إلى آخر السورة.)

3- موقف الإمام علي بن أبي طالب من المرأة، وهو موقف سلبي، إن صحت الروايات التي نقلت أقواله. وإنما استشهد به بالخصوص لمقامه الكبير عند المسلمين، وقدسيته عند الشيعة ومثل أعلى للأخلاق عندهم. وهذا يعني أن الاقتداء بموقفه والاستشهاد بأقواله دليل على صحة موقفه السلبي من المرأة، التي طالما ظلمتها الأعراف والتقاليد والثقافة المتخلفة، وطالما ساهمت خطب الوعظ والإرشاد في دونيتها ونبذها: قال الإمام علي: (معاشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثُهن على الأنصاف من مواريث الرجال. فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر). نهج البلاغة: 79. وما ينسب له في ذم النساء ليس قليلا. وهذا يؤسس لثقافة إزدراء المرأة، ونبذها وإقصائها، ولا يخفى حجم الظلم في هذا. فهل يصح هذا السلوك أن يكون مصدرا للأخلاق، أم أنها مستقلة عن الدين وسيرة المسلمين. هذه الأمثلة وغيرها تجعلنا نعيد النظر دائما بمقولة قيام الأخلاق على الدين. وهذا لا يعني تجرد الدين من الأخلاق، بل أن جوهر الدين جوهر أخلاقي، وجميع الأديان أكدت على القيم الأخلاقية، بل وحتى الأحكام الشرعية كما تقدم تقوم على قيم أخلاقية. ويكفي أن يجعل الرسول الأخلاق هدفا أساسا لبعثته: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"

وهنا يبرز سؤال إشكالي:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10صادق السامرائي

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

العبادات والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا ريب أن السؤال المتقدم: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!)، يضمر تشكيكا بصدقية مرجعية الأخلاق الدينية، سواء مفاهيمها المعيارية. أو الممارسة السلوكية كمرجعية أساسية. وكان منشأ شكوكه الانحراف الأخلاقي لدى طيف واسع من المسلمين، خاصة سلوك الإسلاميين داخل السلطة وخارجها. وبالتالي فالسؤال يحمّل الكتاب مسؤولية عدم التزام المسلمين، إما لوجود خلل في منظومته الأخلاقية أو في تربيته، وقد مر بيان شروط الفعل الأخلاقي، وقلت إن إرادة الفرد هي التي تخرج الفعل من القوة إلى الفعل، وبدونها لا توجد قوى سحريه تجعل من سلوكه أخلاقيا ما لم يلتزم بها، بما في ذلك القيم الدينية الرفيعة التي هي قيم إنسانية أساسا، كما وضحت مسبقا. فالأخلاق تتحول إلى واقع عملي متى  ما التزم بها المجتمع، وغدا سلوكا أخلاقيا في الفضاء العام.

وبشكل أوضح: القرآن كتاب ديني يشتمل على منظومة قيم أخلاقية تساهم في تشييد مجتمع الفضيلة الذي هو غاية المشروع السماوي. ترقى بالفرد إنسانيا وإيمانيا وروحيا. وتسلك به طريق النجاة في الحياة الدنيا،. تستمد شرعيتها من العقل أو من الشرع، كما يأتي تفصيل ذلك. وطالما أكد القرآن أنه كتاب هداية، يهدي للتي هي أقوم: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). مهمته بيان حقائق الأشياء من خلال ما يطرحه من مفاهيم. والمفهوم كما جاء في تعريفه: "فكرة مجردة تمثل الخصائص الأساسية للشيء الذي تمثله". أو ما ينتزعه الذهن من خصائص الشيء سواء كان له وجود خارجي أم لا. لكن المهم من أين يستمد المفهوم سلطته؟. يستمد المفهوم سلطته ضمن سلطة النص، ومن أين يستمد النص سلطته؟ "يستمد النص سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وما يشتمل على أوامر ونواهٍ. أي أنه يستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه". وبالتالي لا يمكن تجاهل مصدر النص، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). فالقرآن استعرض منظومته الأخلاقية، وبيّن بوضوح ما يترتب على الالتزام وعدم الالزام بها أخرويا، فكانت تكملة الآية المتقدمة: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). ليؤكد حرصه على الالتزام الأخلاقي في سياق مشروعه السماوي. بل أن الدين لا يتجلى في الفضاء العام إلا من خلال الأخلاق، أو يبقى مجرد مفاهيم مثالية لا تلامس الواقع. وبالتالي فالقرآن قدم منظومة أخلاقية وبإزائها خطاب تحذيري يأتي في سياق الهدف الديني، الذي هو "تنمية الوازع الذاتي وروح التقوى عند الإنسان المؤمن، من خلال الترغيب والترهيب، من أجل مجتمع عادل فاضل. فالخطابات القرآنية تستهدف عقل الإنسان ووعيه، فتحتاج الى زخم من النصوص لمكافحة النزعة المادية الشرهة عند الإنسان، واستنبات قيم الفضيلة والقيم الأخلاقية مكانها. المشروع الديني بحاجة الى وازع داخلي يردع الإنسان عن اقتراف المعاصي، ويدفعه باتجاه عمل الخير والمعروف، خاصة وأن مشاريع الإسلام قائمة على التعاون والبر والمساعدة والعمل التطوعي، وهذا بحاجة الى قوة دافعة بالاتجاهين، من هنا كان عدد آيات الترهيب والترغيب هي الأكثر في القرآن من أجل خلق شعور حقيقي لدى المؤمن، وإلا يتعذر على الإسلام مواصلة مشاريعه وتنفيذ استراتيجيته على جميع الأصعدة. وقد جاءت مشاهد يوم القيامة قرآنيا مترعة بأحاسيسها المادية، لتحقق هدفها. أي خلق وازع ذاتي رادع وفاعل باتجاه الخير والصلاح. لذا استغرقت الآيات في بعض التفصيلات لتقريب الفكرة للمتلقي. فالمشاهد الوصفية للجنة والنار جاءت لتعبر عن حجم العذاب والنعيم، فراحت ترسم صورا من زوايا مختلفة تشد الناس لها بشكل مذهل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر". (أنظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري). هذا كل ما قدمه القرآن ولا يخفى ارتهان مشروعه الديني والأخلاقي على إيمان الفرد، ومناشئ ذلك الإيمان، التي منها قدرة الخيال على تجسيد الحقائق النسبية من خلال قبلياته وثقافته، وإلا لا مصدر أخر لردع الفرد دينيا، سوى النصوص وإيمان الفرد. فالسلوك الأخلاقي المنضبط يتوقف على وجود وازع ذاتي. أو رادع خارجي، (اجتماعي، قانوني). وأما الرداع الديني فتارة تفرضه قيم المجتمع، فيكون سلطة ضمن سلطة العادات والتقاليد، وهذا مألوف لدى جميع المجتمعات على اختلاف التزامها الديني. أو يكون رادعا نفسيا تتوقف صدقيته على صدقية إيمان الفرد، التي تتجلى من خلال سلوكه. فيأبى سلوكه الرذيله ولو على حساب مصالحه. ويلتزم الفعل الأخلاقي على كل حال.

 لذا كان من جملة مبررات تشريع العبادات خلق الوازع الذاتي أو الضمير الدين الذي يستعين به الفرد على مقاومة الرذيلة. فمثلا:  ربط القرآن بين الصلاة والنهي عن الفشحاء والمنكر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) حيث أعطى للصلاة مفهوما مغايرا أخرجها من كونها مجرد طقوس وحركات جسدية وإيماءات وهمهمات، واعتبرها ممارسة عبادية واعية ترقى لمستوى السلطة الموجهة لسلوك المصلي خارجا، فهي طقس روحي يرقى بقلب المؤمن فوق حطام الدنيا، فيصدق أن هذه الصلاة مصداق للحديث المعروف: "الصلاة معراج المؤمن"، حينما تسمو بأخلاقه وممارساته وتفتح أفاقا للوعي والمعرفة تعرج به في عوالم أرحب، يتخلى معها عن أية فحشاء ومنكر، فيأتي الفعل الأخلاقي مطابقا لقيم القرآن، ويأتي النهي عن الفحشاء والمنكر دالا على المفهوم الجديد للصلاة. وهذا اللون من الفهم العرفاني لطقوس العبادة وفلسفتها من شأنه ترسيخ التقوى، التي تتجلى كما هو المفترض في أدائه السلوكي اليومي، حينما يترفع عن الرذائل ويحرص على عمل الخير والإحسان. بهذا الشكل تكون الصلاة، التي هي أبرز علامات الإيمان، دالة على إيمان الفرد. فالصلاة ليست علامة على إيمان الفرد والتزامه الديني، بل سلوكه الخارجي مؤشر على فضيلته، سيما أن هدف الدين تأسيس مجتمع الفضيلة، يسمو فيه الفرد ليكون مصداقا لقوله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الشكل نقلب المعادلة المتداولة، ليكون سلوك الإنسان دالا على إيمانه ونقائه وطيب سريرته، فهو مقيم للصلاة بهذا المعنى، وحينئذٍ من حقنا محاسبته على سلوكه ومساءلة تصرفاته. أما الصلاة فلا تدل بمفردها على الإيمان، بل الصلاة بالنسبة للغالبية العظمى من المصلين ومن جميع الأديان عادة يعتادها المصلي بحكم التربية والبيئة. لذا تجد القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية. لكن للأسف أطاح الفقهاء بهذا المفهوم وفاء لسلطة قوانين استنباط الأحكام الشرعية، فغدت الصلاة مجرد حركات، يحكم بصحتها وعدمها وفق مسطرته الفقهية التي لا تعي شيئا من روحانيات الصلاة. فهي صحيحة إذا جاءت طبقا لآرائه الفقهية، سواء كان المصلي ساهيا أو واعيا لفعل الصلاة. الفقيه لا يرهن صحة الصلاة لقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) التي تعد بالويل والثبور لمن كان ساهيا في صلاته. بل أن الصلاة الكسولة التي لا تترك أثرا على سلوك المصلي هي صلاة منافقة، لا قيمة لها بنظر الكتاب: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً). ومعنى السهو، تمرّد النفس فتفقد الصلاة قيمتها المعنوية وتغدو حركات جسدية لا تضفي معنى لقيامها. بينما يختلف المعنى فقهيا، فالصلاة تكون باطلة إذا أخلَّ المصلي بجزء ولو يسير من حركاتها وسكناتها، بغض النظر عن الطقس الروحي الذي  ينبغي للمصلي أن يعيشه خلال الصلاة، لكن الحمد لله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). وهذا سبب رئيس وراء تسويف الأخلاق، إضافة لما تقدم من أسباب. فالحث على العبادات حث على فعل يغذي روح التقوى، ولازمه وعي العبادات بشكل يخرجها من طقوسيتها لتكون مَعلَماً أخلاقيا، يمكننا رصد آثارها الاجتماعية بسهولة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أو تبقى مجرد حركات جسدية جرداء، وحينئذِ كل طقس روحي يدفع باتجاه التقوى والعمل الصالح فهو صلاة وطاعة وعبادة، تعكس الجانب المشرق من الدين. هذا الفهم للعبادات يسمح بتحري حقيقة ما يثار حول سلوك المسلمين، فهو مطالب أولا باثبات صدقية إيمانه من خلال سلوكه، لا من خلال طقوسه، التي هي غالبا ما تكون موروثة، يعتاد عليها الفرد استجابة لعوامل نفسية وثقافية.

يمكننا من خلال فهم مغاير للقرآن وآياته توظيف الدين لترسيخ قيم الفضيلة، وتعزيز قيم المحبة والسلام، وحماية حقوق الفرد والمجتمع، وعلى العكس حينما نفهم الدين وفقا لفتاوى الفقهاء التي دأبت على هدر القيم الروحية والاهتمام بمظاهر وشكليات العبادات، والانحياز الطائفي في مواقفهم وفتاواهم. وامتدادهم الحركات الإسلامية التي زجت الدين في السياسة لخدمة مصالحهم وأيديولوجياتهم. للدين وظيفية سامية حينما يفهم وفقا لغاياته ومقاصده الكبرى، والتسلح بمنهج يلتزم بالمنطق الداخلي للقرآن في فهم آياته. قادر على فهم فلسفة الحكم ومقاصد التشريع. لا يفرض قبلياته على فهم النص ويجعل منه مرجعية لفهم معالم الدين، ويصغي له، يتدبره، يؤوله، يسعى لتحري غاياته. فثمة آيات محكمات تكون حاكمة على الآيات المتشابهة. وهناك أهداف ومقاصد عليا للدين ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار. وهذا الكلام لا يلغي ما سجلناه سابقا على النص الديني، بل هو تأكيد على شرط القراءة المنتجة، أو يغدو القرآن مصدرا للعنف والكراهية والتنابذ فنخسر القيمة الأخلاقية والروحية التي نحتاجها في سياق بناء مجتمع الفضيلة، سيما شعوبنا المسكونة بالمقدس والغيب والماورائيات والسحر. وليس فيما تقدم أي تبرير سوى فهم النص في إطاره الصحيح. فعندما أقول بعدم فعلية الجهاد بعد عصر الرسالة فهذا ينسجم مع منهجي في فهم آيات الكتاب، وقد بينت أدلتي، ولم أعمد للتبرير التعسفي المجرد من الأدلة والبراهين. إن فهم الدين أفضل من نبذه بناء على قراءات مبتسرة، فيخسر المجتمع مصدرا مهما من مصادر الأخلاق، فليس كالعقيدة الدينية عقيدة قادرة على رابط الإنسان بالمطلق، وعندما تدان العقيدة بسبب سلوك معتنقيها يغدو تحري الحقيقة ضرورة ملحة لفهم أين الخلل. فليس كالأديان أيديولوجية تتمتع بزخم روحي وإيماني. الدين قادر على تعبئة الفرد والمجتمع بسهولة ويسر من خلال ربطه بالغيب والمطلق، ويمكن أن يساهم في بناء مجتمع الفضيلة، بعيدا عن التوظيف السياسية والتفسيرات الباطنية والخرافية، بل يمكن الاستفادة منه لتنمية التجارب الروحية وتعميق وازع التقوى، فيكون لدينا ضمير ديني بجانب الضمير الإنساني، يقوم أحدهما الآخر، ويتعاضد معه لدعم مسيرة الخير، بعيدا عن الظلم والجور. يجب التأني في إدانة الأديان بسبب سلوكيات معتنقيها، فما تقرأه عنها، هي قراءت واجتهادات تخضع لقبليات المتلقي، والفرد العادي لا يميز بينها وبين الدين، ويحسب الجميع عليه، وهذا خطأ. لذا ينبغي تحري الأساس الأخلاقي للقيم الدينية، وما هو مصدرها؟ وهل هي أحكام دينية أم أحكام عقلية، فتكون الأحكام الدينية إرشادا لها؟

وهنا نؤكد أن جميع الأديان تهتم بالبعد الأخلاقي للفرد والمجتمع، وجميعها يتوفر على منظومة قيمية وأخلاقية. وقد تقدم: أن الوصايا العشرة التي تعهدتها الرسالات، هي وصايا إنسانية – أخلاقية، وقد نسبها القرآن إلى الحكمة حيث ختمها: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ). والحكمة مشترك إنساني: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، ولم يكن نبيا. لذا يؤمن بها ويتمثّلها المؤمن وغيره باعتبارها قيما أخلاقية إنسانية سامية. وهذا القدر من الاستدلال غير كاف رغم أهميته، فينبغي أولا تعريف الأخلاق وتحديد دلالاتها، لنعرف جذرها التاريخية، وهل هي أصيلة أم مكتسبة. دينية أم تفرضها الأعراف والتقاليد أو انعكاسا للتفاوت الطبقي؟. وبهذا الاتجاه سأتطرق لمسألة ربط الأخلاق بالدين وبالمقدس. وكلامنا دائما عن القرآن انسجاما مع مضمون السؤال، وفي هذا السياق ينبغي لنا فهم العلاقة بينه وبين الأخلاق بشكل أكثر تفصيلا، أو بين الأخلاق والدين بشكل عام.

إن أشد ما يؤرق الوعي الديني أن تتحول الأخلاق الدينية أو الأخلاق باسم الدين، خاصة وفقا للعقل الفقهي مبررا للفساد والظلم والجور والضعف والخنوع فيصدق أن الدين أفيون الشعوب. وأداة لشرعنة العنف والتطرف والقمع، فينقلب الدين إلى جحيم، على خلاف قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). وفق منطق تكملة الآية: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، في خطوة لسلب القداسة عن أية ممارسة، على أن تكون مفاهيم الكتاب ومنظومة القيم الأخلاقية هي المرجعية النهائية، فثمة ما يقوم سلوك الفرد والمجتمع شريطة الوعي (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). والالتزام: الذين آمنوا وعملوا الصالحات. كما ينبغي العودة إلى الكتاب مباشرة، فكل قراءة تحجب ما قبلها، وتملي قبلياتها وقناعاتها علىى النص. فمثلا تجد خطاب الضعف والاستكانة والرضوخ للحاكم مليئة في تراث المسلمين، بفعل ما نظر له الفقهاء لشرعنة سلوك الخلفاء الطغاة وتبرئتهم من أفعالهم وسلوكهم المشين، وكذا الفقه السلطاني الذي راعى مصالح السلطة، وعكس نظرة سلبية عن الدين عندما قسم الأرض إلى أرض إسلام وأرض كفر. مسلمون وأهل ذمة، تلك الثنائيات التي باتت قرآنا، كانت أحد مصادر شرعنة العنف على يد الحركات الدينية المتطرفة، وقد فعلت فعلها مع الأقليات غير المسلمة. ساقت نساءهم جوار إلى سوق النخاسة. وباعوهن بثمن بخس.

عندما تعود للقرآن تجد عكس نصوص الفقه السلطاني، فالله يحب المؤمن القوي كما في الحديث المشهور: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله". والقوة ليست حكرا على القوة المادية بل القوة المعنوية والأخلاقية والسلوكية أهم بالنسبة للدين وأهدافه السامية. وفي هذا السياق نقرأ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا). فالقرآن يرفض أخلاق الضعف والهوان، ووصف الضعف بالظلم. ظلم النفس الذي هو أشد ظلما على الفرد. فكان سؤاله عن الهجرة باعتبارها وسيلة للتحرر من أخلاق الضعف والخنوع التي تفضي للانهيار. بينما تتحايل فتاوى الفقهاء على الحق بالتقية التي هي مفهوم استثنائي، والتي غدت تعني النفاق الاجتماعي والأخلاقي. أو بما يعرف بالحيل الشرعية، التي هي أداة للتزوير وكسب المال الحرام. أو وجوب طاعة الخلافاء ولو كانوا ظالمين، وعدم الخروج على أولي الأمر وإن كانوا سفاحين وغير ذلك.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 


 

majed algharbawi8صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الاجتهاد والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن مرجعية السيرة النبوية كانت وراء مقاربة عينتين منها، لتحري شرطها الأخلاقي، وبيان ما هو الأصل عند التعارض بين فعل الرسول، والمبادئ الأخلاقية. السُنة كما هو معلوم امتداد للقرآن في البيان والتفصيل، ومرجعية أخلاقية في السلوك والمواقف، وهذه إحدى معاني قدسيتها، أي حجيتها مطلقا والارتفاع بها فوق النقد والمراجعة، حتى لدى من يقتصر الحجية على خصوص ما له جذر قرآني، فثمة تزكية مطلقة في ظاهر قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) تفرض حجيتها بعد أن جعلت الآية من الرسول نموذجا أخلاقيا أسمى، فيكون معيارا لسلوك المؤمنين. ومرجعية لتبرير سلوكهم وشرعنة تصرفاتهم أخلاقيا. وتكون حجة في حالات التعارض مع القيم الأخلاقية. فالسُنة دليل أخلاقي وشرعي، يستدل به المجتهد على صحة الفعل وأدائه السلوكي، سواء طابق أو لم يطابق القيم الأخلاقية المتعارفة. فالسُنة هي مصدر الأخلاق، يُحتكم لها في حالات التعارض وليس العكس. وهو اتجاه عريض يرى تبعية الأخلاق للدين. يؤكده الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بشرعية الحُسن والقُبح، وما حكم به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح. فالأمثلة المتقدمة تعتبر فعلا أخلاقيا متعاليا يستمد شرعيته من آية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). فأخلاق النبي أخلاق نموذجية نهائية، تقصر دور المؤمن بالامتثال والاقتداء بعيدا عن النقد والمساءلة. هذه هي الرؤية الدينية السائدة معززة بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسُنة). وهي رؤية اجتهادية قابلة للمراجعة والنقد وفق زاوية نظر أخرى.

إن وعي السُنة يعتبر أحد الفوارق الأساس بين من يرى حجية مطلق السُنة ومن يقصتر حجيتها على ما له جذر قرآني، حيث يكون الواقع شرطا في فعليتها عند الاتجاه الثاني، ولا فعلية لها ما لم يكن الموضوع فعليا من جمع الاتجاهات، فتُستثنى جميع القضايا الخارجية المأخوذة موضوعا للحكم الشرعي وأيضا ما اقتضاه الموقف العسكري من تكتيك سلوكي يلغي الشرط الأخلاقي لضرورات أمنية أو أستراتيجية، كإباحة الكذب في المعركة بناء على مقولة الحرب خدعة. والكذب قبيح وعمل لا أخلاقي، وقد أفتى الفقهاء بجوازه إذا توقف عليه أمر مهم، كإنقاذ النفس المحترمة. بينما يؤكد الاتجاه الأول فعلية السيرة وإطلاقها في جميع الأحوال والأوقات، خوفا من مخالفتها ولو احتمالا. أو كما يعبر المجتهد: لبراءة الذمة من خلال الإتيان بالفعل المشكوك ولو احتياطا، وهو موقف احترازي على حساب رحمة الدين وسعته، سببه مفهوم القداسة، التي تعني عندهم منجزيّة الحكم مادام محتملا. وأن الوارد لا يخصص المورد. والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب. فيهدرون القيمة المعرفية المترتبة على أسباب صدور الحكم وفلسفته وغاياته ومقاصده إلا قليلا. إن التباس مفهوم القداسة كرّس الجمود على حرفية النصوص، والتمسك بالتراث، والاحتياط المبالغ فيه بالأحكام. وحماية النص من النقد بمعنى التعرف على فعلية موضوعه وأسباب نزوله وما هي غايته ومقاصده. إن ما لا يدركه هؤلاء، أو لايريدون إدراكه أن عدم  فعلية بعض السيرة لاحقا لا يسلبها قدسيتها ومرجعيتها بل يكشف عن شرط فعليتها المرتهن لفعلية موضوعها. فهو وعي للواقع وضروراته التي تملي الموقف الأخلاقي. فكان الهدف من مقاربة الأمثلة السابقة الكشف عن تاريخية السيرة بهذا المعنى. وهذا يستدعي إحاطة الفقيه بالظرف التاريخي للحكم الشرعي والسيرة العملية للرسول، ومعرفة فلسفتها، ودواعي تشريعهما أو صدورهما لتفادي أية تداعيات أخلاقية. هكذا يجب تدارك إشكاليات التشريع، بعيدا عن التكفير ومنطق الاقصاء لكل من يروم التجديد في الفقه الإسلامي. إن التمسك بمطلق السيرة النبوية، وسلبها تاريخيتها أحد أسباب العنف الديني، فثمة مواقف وتشريعات فرضها واقع لم يعد فعليا لتكون أحكامه فعلية أيضا. لكن جمود الفقيه يرفض وعي الدين وعيا مرناً، ويتمسك بالسيرة كحقائق دينية مطلقة دون مراعاة الواقع وشرطه التاريخي. ففي المثالين المتقدمين يبقى الأصل للقيم والمبادئ الأخلاقية، ويكون الموقف استثناء في إطاره التاريخي، فلا يكون مطلقا ودليلا يستدل به الفقيه على الحكم الشرعي. وهذا يشمل جميع السيرة النبوية، لا خصوص المثالين المتقدمين، لتدارك تبعية التمسك بمطلق السيرة، كما فعلت الحركات الإسلامية المتطرفة، ومن قبلها فتوحات المسلمين، التي وظفت السيرة لتبرير العنف وهتك القيم الأخلاقية، وكان أحد سلبياته تربية جيل يأنس العنف، ويلهو بالحرب. يهجو الحياة ويمجد الموت تمثلا لمواقف تاريخية فرضها واقع مختلف، وتشبها بجيل الصحابة ممن خاضوا حروبا لحماية الرسالة في أول ظهورها، وليس دفاعا عن مشروع سياسي أو دولة دينية. وهنا ينبغي التنبيه لمخاطر التقديس خاصة الخطاب الحركي وهو يصف سلوك الصحابة وشوقهم للشهادة ولقاء الحور العين، فيسافر المؤمن عبر خياله مع النبي وأصحابه، يتقمص شخصياتهم واحدا تلو الآخر، ويتمنى لو كان معهم، يُقتل شهيدا بين يدي رسول الله، ثم يتحين الفرص ليمثل دورهم، وبهذا الاتجاه يجافي الحقيقة حينما يحكم على واقع المسلمين بالكفر والجاهلية، التي تقتضي تطهير المجتمع منها، فيمارس العنف بشراسة وكأنه في إحدى معارك النبي، رغم اختلاف الواقع على فرض فعلية الجهاد والقتال. حيث عاش الصحابة واقعا مختلفا لا يمكن استعادته. كانت هناك رسالة سماوية مهددة بالفناء من قبل خصومها، ونبي مهدد بالاغتيال والقتل. بينما يعيش الإسلامي المتطرف اليوم في إطار مجتمع مسلم ولو ظاهرا، يرفع شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن قالها كما هو متفق عندهم أحصن دمه وماله وعرضه. فكيف تستبيح الحركات الدينية المتطرفة دماء بريئة لا ذنب لها سوى اتهامها بالكفر والجاهلية؟. توجد قاعدة أصولية تقول: الحكم لا يستدعي موضوعه. فأنت لست مكلفا بتحصيل الموضوع، لكن متى ما كان الموضوع فعليا صار الحكم فعليا، يجب عليك الاتيان بمتعلقه. فقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)، لا تفرض عليك أن تكون مستطيعا أبدا، لكن متى ما استطعت، استطاعة شرعية غدا الحج عليك واجبا. التكفيريون يريدون خلق واقع يبرر العنف، فيفترضون كفر السلطة بل والمجتمع وجاهليتهما. أنظر كيف يركز سيد قطب في أدبياته على مفهوم الجاهلية. إنها ذريعية لتبرير العنف من أجل السلطة. وهذا النوع من التفكير يخلق أجيالا تدمن العنف باعتباره فضيلة رغم عدم فعليته، بل ويصدق أنه عدوان سافر عندما يكون ظلما وجورا. فهناك آيات محكمة وقيم أخلاقية لا يمكن تجاوزها. فإضافة للنهي عن قتل النفس المحرمة، وحرمة قتل من تشهد الشهادتين كما في روايات عدة عن الرسول، فإن القيم الأخلاقية حاكمة، مهما كانت مبررات العنف الديني. فهي أي المبررات، من أي جهة صدرت، لا تعدو كونها وجهات نظر اجتهادية، لا يمكن تعميمها أو اعتبارها أحكاما شرعية ملزمة. ينبغي التمييز بين النص وفقه النص، الثاني فهم بشري للنص وفقا لقبليات المتلقي وأيديولوجيته. لا يمكنه تعميمها، بل ويكون مسؤولا عن تبعاتها، وحينئذٍ  لاينفعه التمسك بخبر "للمجتهد إن أصاب حسنتان وإن أخطأ فحسنة". الذي جاء في سياق الفقه السلطاني، لتبرئة الفقيه. وقد أشرت إلى نقاط ضعفه في مناسبة سابقة. المجتهد مسؤول عن أحكامه وفتاواه ومواقفه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ). خاصة وأن آيات النهي عن سفك الدماء البريئة ماثلة في الكتاب الكريم، وما دعوى النسخ سوى التفاف عليها. فمن يقل بالنسخ لا ينفي حاكمية الآيات المحكمة لكنه يدعي نسخها دون دليل قرآني صريح بخصوصها، فكيف لا يكون مسؤولا عن أقواله ومواقفه؟

ثمة حقيقة لا يوجد اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي للمفهوم، ومازال الفقهاء يقلدون السلف الصالح، ولا يخرجون على الشافعي وابن حزم في موقفهم من السيرة، ولا يتجاوزن المنطق السلفي في تعاملهم مع القرآن. والجمود على حرفية النصوص ظاهرة مشتركة بينهم. والجميع يمارس اجتهاده على هامش من سبقه، لذا لا يخالف الاجماع ويعتبره حجة ودليلا على الحكم. بل ولا يُفتون خلافا للمشهور، ومازالت حملات التشهير قائمة ضد كل من يختلف معهم فيما يعتقدون أنها جزميات نهائية. حتى ولو كان الاختلاف بين التقييد والسعة، التي تنسجم مع المنطق القرآني القائم على السعة والرحمة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذه الآية نزلت في سياق أحكام الحج، فهي ناظرة للحكم الشرعي. بينما تجد فتاوى الفقهاء حقل من احتياطات لا موجب لها، سوى وساوسه، وضمان براءة ذمته على حساب رحمة الدين وراحة مقلديه. إنها أنانية بعنوان ديني براق اسمه الاحتياط في دين الله. غير أنه احتياط يستبطن استخفافا واضحا بعقل وكرامة الإنسان.

إن تداعيات القول بمطلق حجية السُنة ليست قليلا، وكان من السهل الاستدلال قرآنيا على عدم حجيتها مطلقا غير أن أصول الفقه ولد من رحم علم الكلام القديم في منهجيته القائمة على الدفاع دون النقد والمراجعة. فتجد الأصولي يحشد مؤيدات للاستدلال على ما يريده. ولو أنه ارتكز للنقد والتأمل الفلسفي، كان سينتهي إلى نتائج مغايرة، تحمي الدين من اختراقات هوات العنف والاقصاء.

اتضح بهذا كيف وظفت السُنة غطاء لسلوكيات تجافي قيم الدين والأخلاق، وأداة بيد السلطة لتبرير حروبها وقمع المعارضة والتفرد بالحكم. وكيف استغلت وجوب طاعة الرسول، من خلال تكريس حجية مطلق السُنة، بما في ذلك الروايات الموضوعية والمكذوبة، وهو أمر لا يخفى على أهل الخبرة، وهناك كتب خصصت لمعرفة هذا اللون من الأحاديث. السبب إذاً سلب السيرة تاريخيتها وتكريس مطلق حجيتها، فكان نتاج التنظير الأصولي "ظهور جيل متطرف". والرد العلمي على هذا النمط من التفكير هو تفكيك مرجعيات التفكير الديني، ورد الاعتبار للقيم الأخلاقية بشكل تكون الأصل في حالات التعارض بينها وبين السيرة حينما يراد لها أن تكون مطلقا خرجا ظرفها الزمكاني. وبالتالي لا مبرر ديني للأخلاق السلبية حينما ترتكز للكتاب والسُنة، ما لم يكن التعامل معهما وفق منهج استدلالي نقدي يستعين بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، ودراسة تاريخ الحكم وفلسفته. والسبب أن منهج القرآن قائم وفقا لمنطقه الداخلي على رد المتشابه للمحكم من الآيات، والاحتكام لإطار كلي يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة، ومحوريته في التشريع.

إن الفصل بين الكتاب والسُنة، لا يعنى القطيعة التامة، بل الاقتصار على الوظيفة القرآنية للسُنة، وأخذ الواقع وضروراته في سلوك النبي ومواقفه، وهذا أحد أسباب عدم إدراج السُنة ضمن الكتاب، باعتبارها رؤية اجتهادية محكومة للواقع وضروراته وشروطها، فما كان فعليا في عصر النص لا يكون كذلك دائما خارجه. وعليه لا شرعية لمن يحتج بمفردات قرآنية ونبوية لتبرير سلوكه المجافي للقيم الأخلاقية. فثمة واقع فرض صدور بعض الأحكام والمواقف التاريخية، وثمة شروط تتحكم بفعلية الأحكام الشرعية. ولا يمكن لغير الخبير الاحتجاج بظاهر الكتاب والسُنة.

نخلص أن العقل الأخلاقي حاكم على العقل الفقهي في إطار الرؤية الكلية للدين وغاياته ومقاصده، وهذا يقتضي التأني في استنباط الأحكام وفق النظرة التجزيئية التي تفصل بين الأحكام دون مراعاة الهدف الكلي للدين، ومقاصد الكتاب الكريم. وهذا يستدعي فهما حقيقيا لمفهوم القداسة، بعيدا عن أوهام الحقيقة وهواجس روح العبودية. القداسة، كما مرَّ بنا، لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته. كما أن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وهذا الفهم يحرر الفقيه من هاجس براءة الذمة على حساب السعة والرحمة التي تشكل إطارا عاما لفهم النص. وتسمح بدراسة النص، للتعرف على أسباب نزوله وفلسفته، ليبقى إمكانية متاحة للمراجعة والاجتهاد، في ضوء مستجدات الواقع، ومتطلبات الحياة. وقد تقدم أيضا: أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته.

تجدر الإشارة إضافة لما تقدم: إن صدقية الاجتهاد تتوقف على كفاءة المجتهد علميا واستقلاليته في آرائه الاجتهادية، سواء وافق أم اختلف مع آراء المجتهدين. وما لم يستقل برأيه أو يخضع لا شعوريا لسلطة غيره من الفقهاء، لا يصدق عليه مفهوم الاجتهاد، ويبقى يكرر ذاته ويستنسخ آراء غيره. لا فرق بين الأصول والفروع. يجب على كل مجتهد أن يستدل على نسقه العقدي قبل ممارسته لعملية استنباط الأحكام الشرعية. على أن يُعلن آراءه صراحة أمام طلابه ومقلديه. إذ ستتغير فتوى المجتهد وفقا لبعض مفردات العقيدة، كما لو اختلفوا حول عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة. فمن يقل بعصمة الأئمة يعتبر رواياتهم دليلا على الحكم الشرعي، بينما يقف من لا يقول بها عند حدود الاستئناس بآرائهم. وبشكل أوضح من يعتقد بحجة مطلق السيرة النبوية وبين من يقتصر الحجة على ما له جذر قرآني. فالحكم سيدور مدار ما يؤمن به المجتهد. بينما يحول الخوف دون التصريح بها، وقد يفتى خلافا لقناعاته إرضاء للجمهور ولو على حساب الحقيقة. ومثاله حينما يحجم المجتهد عن المساس بعقائد وطقوس، لا أصلا دينيا لها، وربما تتعارض مع قيم الدين، لكنه يسكت أو يمالئ الناس خوفا من خسارتهم. فينبغي استقلال المجتهد وهو يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي. ومعنى استقلاليته، تحرره من سطوة التراث وقداسة النص بالمعنى السلبي للمفهوم. وتجرده عن قبلياته الأيديولوجية وتحيزاته الطائفية، وإبعاد فهم النص عن كل مؤثر يحول دون استقلالية المجتهد. كما تتطلب عملية استنباط الأحكام الشرعية خبرة في آيات الأحكام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

نساء النبي والأخلاق

ماجد الغرباوي: نخلص أن العقل الأخلاقي يجب أن يكون حاكما على السُنة في حالات التعارض بينهما. ونقصد بالسُنة خصوص السيرة العملية / فعل النبي، ومثاله زواجه من عائشة الذي اختلفوا حول تفاصيله، وصدّقوا رواية تقول أنه تزوجها بعمر السادسة وأجّل الدخول فيها إلى عمر التاسعة. الزواج من الأطفال يخالف قيم الكتاب والأخلاق كما تقدم، ويؤيده: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لذا استبعدنا صحة الرواية بعيدا عن القداسة وتأثيراتها اللاشعورية، لعدم وجود دليل قطعي على صحتها وفقا لمنهجنا في تصحيح الروايات، كما أن النبي أولى بالتزام قيم الدين ومبادئه وأخلاقه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). فسيرة النبي سيرة تطبيقية لأخلاق القرآن وقيم الدين، فكيف يقول شيئا ويخالفه علنا، مع وجود خصم عنيد يترصد سلوكه ليل نهار للتشهير به؟. لكن ثمة ملاحظة جانبية يحصل لدى العوائل وإلى يومنا هذا أن تُسمى طفلة باسم شخص، فيقال هذه لفلان. أي ستكون زوجته مستقبلا، ولا يحق لغيره خطبتها، وربما حصل مع عائشة الأمر ذاته. وهي قضية مألوفة، تنسجم مع قيم المجتمع الأبوي، التي ترتهن الأنثى ومستقبلها لأب الأسرة. وهي قيم استبدادية، دأبت على سلب المرأة حريتها وإرادتها. وهذا أمر ممكن ومتوقع. فأبو بكر أقرب الناس لرسول الله، وأكيد كان يتمنى زواجها منه، وربما قبل النبي على هذا الأساس، وإلا كيف نتصور رجلا خمسينيا يقترن شرعا بطفلة صغيرة؟. وهناك قضية شرعية تحول دون صحة العقد على فرض وقوعه، وهي: أن الزواج عقد بين طرفين. إيجاب وقبول. يشترط في المتعاقدين شروط، منها: البلوغ والعقل والرضا والرشد، وغيرها. فكيف يصح العقد من طفلة في سن السادسة، وهي ليست بالغة وليست راشدة من باب أولى؟ لكنهم التفوا على الأمر حينما منحوا الأب ولاية تمكنه من إجراء العقد، وهو ذات المنطق الذكوري السائد، حتى وإن منح الفقهاء الزوجة حق فسخ العقد عند بلوغها إذا لم تكن راضية، فإن نفس التصرف بمستقبله أمر مستهج، وفعل لا أخلاقي.

القرآن لم يشرّع سوى عدد محدود من الأحكام وترك الحياة لتجربة الإنسان والعقل والأخلاق. فثمة عقل أخلاقي يجب أن يكون حاضرا في تشريع الأحكام والقوانين. فمثلا عدم وجود نهي صريح في القرآن عن زواج الصغيرة لا يبرر جوازه، فثمة إطار كلي للدين والكتاب، ونهي أخلاقي يستمد شرعيته من إنسانية الإنسان وروح الأديان، لتفادي الظلم والعدوان والجور، إضافة لما سقناه من أدلة قرآنية. وزواج الأطفال ظلم ومصادرة لحقوقهم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فما ذنب المرأة عندما تفيق وتجد نفسها مع زوج يكبرها بعشرات السنين، تختلف معه مزاجا وأخلاقا؟. إذا ينبغي تفكيك شرعية الفتاوى الفقهية من خلال نقد مرجعيتها والتأكد من سياقاتها التاريخية. كما يجب نقد مناهج استنباط الحكم الشرعي التي لا تراعي العقل الأخلاقي، والمنطق الداخلي للكتاب، والهدف العام للدين، ومحورية الإنسان في الحياة. المجتهد لا يأبه بالآثار الأخلاقية المترتبة على نتائج استنباطه، ولا يهمه سوى التشريع ضمن سياقات التقنين، وتطبيق كبرى الأحكام على صغرياتها. ومادامت الأدلة دلت على صحة العقد من الصغيرة، يفتي طبقها، انسجمت أو لم تنسجم مع قيم الأخلاق. فهناك تعسف ترفضه الأخلاق الإنسانية الكريمة يجب مراعاته في عملية استنباط الأحكام الشرعية. ولا أقل ينبغي للفقيه التأني أو الاحتياط في الفتوى، لذا بعض الفقهاء يشترط نضوج المرأة، وهذا حق وصواب. وينبغي تفهمها لمعنى الحياة الزوجية وشروطها وضروراتها، ويترك لها الخيار في دراسة الموضوع، وتكوين قناعة كافية تتحمل معها مسؤولية الزواج. بل بات التعارف بين الرجل والمرأة قبل الزواج ضرورة، لتفادي عدم الانسجام وضعف القناعة والانفصال النفسي المبكر، وربما الطلاق. وهذا يستدعي ثقافة منفتحة يتفهم معها الفقيه ضرورات الحياة، وما حفلت به معطيات العلوم الحديثة، لصالح حياة زوجية زاخرة بالسعادة والوئام. فليس المهم تشريع الحكم بل تشريع الحكم الذي يحقق سعادة الإنسان ومصالحه العامة.

المشكلة عندما يوضع الفقيه بين خياري الإنسان والتشريع يقدم الثاني على الأول، متناسيا محورية الإنسان في الحياة. فثمة إشكالية معروفة: هل الأولوية للإنسان أم للتشريع؟. ومثاله عندما يرفض الفقيه الهدنة مع العدو، ويفتي بوجوب مواصلة الحرب تحاشيا لمخالفة الحكم الشرعي رغم فداحة الخسائر بالأرواح والممتلكات. بمعنى أخر عندما تشكل الحرب خطرا على جماعة المسلمين، فهل يفتي الفقيه بحرمة الهدنة ووجود مواصلة الحرب؟ وهل يقدم الحكم الشرعي على مصلحة الإنسان أم العكس؟  وهي إشكالية مردها لإشكالية أعمق ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة. فثمة اتجاهان مرَّ الحديث عنهما تفصيلا. اتجاه العبودية الذي يعطي الأولوية للتشريع انسجاما مع قيم العبودية، فالإنسان مجرد عبد، يدمن الطاعة، مهما كانت تبعاتها. بينما الأولوية للإنسان وفقا لاتجاه الخلافة الذي تم التأسيس لجملة من مبادئه، كما تقدم. الدين وفقا للرأي الثاني جاء لترشيد وعي الإنسان، فيراعي مصالحه، وليست ثمة قدسية للتشريع عندما يكون على حساب الإنسان. والحقيقة أن الثاني لا يفرط بالحكم الشرعي لكنه لا يرى فعليته، حينما يتعارض مع مصالح الفرد والمجتمع، فتكون مصالح الإنسان شرطا في فعلية موضوعه. إن هذا النمط من التفكير كان وراء وجود نسق أخلاقي يجافي القيم الإنسانية، فيحسب على الدين، والحقيقة أن رأي الفقيه رأي اجتهادي غير ملزم لأحد سوى مقلديه ومن يتبع فتاواه. ويبقى العقل الأخلاقي حاكما في المقام. فنرنو للتعرف على نماذج تنتسب ظاهرا للدين لمعرفة حقيقتها، عبر منهج تاريخي، ثم دراستها أنثربولوجيا، قبل أدلجتها واستغلالها تحت تأثير العقل التراثي وروح العبودية الذكورية. هذه هي مهمة البحث في هذه الأمثلة التاريخية. أي تفكيك قدسيتها ومعرفة مدى انسجامها مع العقل الأخلاقي وقيم الإنسان والأديان، فربما هناك التباس في فهم الحدث التاريخي فيبدو واقعا بفعل التراكم بعيدا عن النقد. وليس القصد من استدعاء بعض النماذج التاريخية خاصة من السيرة النبوية لتوهين الدين أو الاستخفاف بالقيمة الأخلاقية للتشريعات الاجتماعية الدينية. السيرة أحد مصادر التشريع، والنبي قدوة المسلمين، وهذا يكفي مبررا لدراسات بعض النماذج التي يبدو منها التعارض مع القيم الأخلاقية، لسلبها شرعيتها بعد اكتشاف تاريخيتها. منها:

ثانيا: حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته

إذا كان زواج الرسول من عائشة بسن السادس كان مجرد رواية ضعيفة، تم استبعادها لأسباب موضوعية مرَّ ذكرها، فإن حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته منصوص عليها قرآنيا: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). فكيف نفسر أخلاقيا حرمة زواج عائشة وهي مازالت امرأة ثلاثينية أو أربعينية في أحسن الأحوال، وربما تتوق لزوج يعوضها ما فاتها بسبب فارق العمر أو بسبب كثرة نسائه وانشغالاته؟. وأما باقي زوجاته فربما بلغن سن اليأس، وقد تشملهن عن قريب آية: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا). والسؤال: ما مبرر حرمان نساء النبي متعة الحياة الزوجية بعد وفاته التي ربما لم تكن مثالية في زواجها منه؟.

لا ريب في سلبية القرار عندما تؤخذ حرمة اقتران زوجات النبي بشخص آخر بعد وفاته. ولا شك في تعسفه لغير اليائس ومن عانت الحرمان أو عدم الإشباع بسبب فارق العمر وكثرة نسائه وانشغالاته وهمومه. هذا إذا كان طرف القضية محمد بن عبد الله الشخص. لكن الأمر سيختلف حينما يكون طرف القضية محمد بن عبد الله الرسول. النظرة الأولى: نظرة تجزيئية لا تخلو من ظلم وتعسف، ما لم يدرس الموضوع ضمن إطار كلي، فتكون حرمة زواجهن بعد وفاته جزءا في سياق رؤية رسالية. فتأتي منسجمة مع غايات ومقاصد الرسالة، فإذا خسرت زوجة النبي شيئا من حريتها تعوّض رمزيا ما يحفظ لها كرامتها وحيثيتها ومقامها. فهناك إطار عام عنوانه: "الرسالة السماوية"، يؤطر جميع تصرفات الرسول، فقرار حرمة زواج نسائه بعد وفاته ضمن سياقات المهمة الرسالية. وهنا عندما نتناول الموضوع باعتباره جزءا من كل، ستختلف نظرتنا إليه، وسوف يخرج عن كونه مرجعية لفعل أخلاقي سلبي. وهو ما نريد فهمه ودراسته، حيث قوة حضور الديني، وقدسية السيرة النبوية. كي لا تبقى حجة لأي سلوك سلبي يقحم السنة النبوية لشرعنته، واتخاذها ذريعة لسلوكه أو لتشويه سمعته. وبشكل أدق، لا نتحدث عن محمد بن عبد الله الشخص، بل نتحدث عن محمد بن عبد الله النبي الرسول. والكلام عن رمز قدسي، ينهل المسلمون من سيرته مكارم الأخلاق. تقول الآية: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)، فالصفة الرسالية متخذة بنظر الاعتبار، وهو ما أكدته الآية حينما نسبت الزواج لرسول الله: "لا تؤذوا رسول الله". "لا أن تنكحوا أزواجه" (أزواج رسول الله). فهن أزواج محمد الرسول، الرمز المقدس لدى صحابته وجميع المسلمين. الرسول الذي ترصده عيون الخصوم، وتتابع عثراته علها تحظى بذريعة للتشهير به: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). ولبيان حقيقة النهي، والآثار المترتبة عليه، وهل يصدق معه مفهوم الظلم أم لا؟، نقول ضمن نقاط:

-  ثمة خصوصية لنساء النبي ذكرتها مصفوفة آيات بعنوان: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء)، قد أخذت بنظر الاعتبار خصوصيته الرسالية، وموقف الأعداء منه. كما نظرت للجانب العرفي، وحساسية مقام الرسالة في مجتمع مازالت تسوده قيم القبيلة.

- إن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). قد خيّرت نساء النبي بين أمرين، فمن قبلت البقاء معه، قد وافقت على شروط العقد وشروط الآية أعلاه. وتنازلت طوعا عن بعض حقوقها، فانتفى الظلم والعدوان، مادام الأمر باختيارها.

- مقتضى أمومة نساء النبي، عندما اعتبرهن أمهات المؤمنين، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فتكون الحرمة تحصيل حاصل، لحرمة الأم على ولدها (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، سواء كانت أماً حقيقية بالنسب. أو أماً بالسبب كالأم بالرضاعة أو بجعل شرعي من قبل الله، في مثال نساء النبي اللاتي جعلهن الله أمهات المؤمنين.

الحرمة والظلم

- لا يصدق الظلم مع عدم صدق الحرمان. ومع عدم تعويض الحقوق المهضومة. ولا يصدق على المرأة التي ترفض الزواج. أو حالت ظروف قاهرة دون ذلك. وأيضا لا يصدق مفهوم الظلم إذا كان لديها ما يبرر عدم زواجها، كما بالنسبة لزوجات النبي.

- عندما رفع الله تعالى نساء النبي إلى منزلة "أم" لجميع المؤمنين، فقد وهبها قيمة رمزية، لم تعد بعدها مجرد زوجة للنبي بل أماً بما يوحي مفهوم الأمومة من قدسية ووقار وحب واحترام، وما لها من حقوق وواجبات دون الإرث. وهذا تعويض رمزي يتلاشى معه مفهوم الظلم. بل ما قيمة الزواج بالنسبة إلى نساء قد تجاوزهن العمر (ما عدا عائشة). فهل يصدق الظلم وهي تتمتع بهذه الحيثية الرفيعة؟

- مهما كانت حاجة زوجة النبي للزواج بعد وفاته فإنها لا تغامر بخلع لقب ديني واجتماعي كبير. أي زوجة أقدس إنسان في نظر أصحابه والمجتمع، ويكفي أن يشار لها لتوحي بدلالات قدسية كبيرة. فكيف تتنازل من أجل متعة جسدية، يمكنها الصبر عليها خاصة مع تقدم العمر؟. فنساء النبي قد غمرهن الفرح بهذه المنزلة ولم يراودهن شعور بالظلم والحيف.

- الظلم قضية نسبية. فالحرمان الجنسي في رأي امرأة ظلم عظيم. وفي رأي أخرى مسألة عادية، قياسا على المرأة وشدة شبقها وموقعها الاجتماعي، فهناك نساء يرفضن الاقتران ثانية مهما كن شابات من أجل قضية رمزية وقيمة أخلاقية ومبدأ إنساني تؤمن به. نساء النبي أغلبهن يائسات، فلا ظلم في عدم زواجهن بعده، بل يجدن فيه راحة نفسية، وهذا ما نشاهده بالنسبة لكبيرات السن. ماعدا عائشة أو بعضهن. ولا شك أنها لا تشعر بأي ظلم وهي في مقام الأم، بل ستشعر أنها كُرمت من قبل الله تعالى، فتغض الطرف عن الزواج، احتراما لمقامها. لقد وضعتهن بين خيارين، وكان بامكانهن التنازل عن اللقب الاجتماعي الكبير وفراق النبي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). لكن لم يحصل شيء من هذا.

- قد يصدق الظلم كما بالنسبة للسيدة عائشة، لكن كم نسبته، مع بديل قدسي هو الأمومة والاحتفاظ بلقب زوجة النبي، أقدس إنسان بنظر قومها ومجتمعها؟. إن كثيرا من النساء يرفضن الزواج بعد وفاة أزواجهن، حفاظا على ألقابهن ومكانتهن الاجتماعية. تريد البقاء زوجة فلان الشخصية الكبيرة، حتى لو تطلب الأمر التنازل عن رغباتها الجسدية. وبالفعل قد وظفت عائشة لقب "زوجة رسول الله" في صراعها السياسي على السلطة حربها ضد الإمام علي الخليفة الشرعي. فالتعفف الجنسي حالة مألوفة وليست غريبة على المجتمعات كافية.

- حتى لو صدق مفهوم الظلم بسبب حرمة الزواج من بعده، فهناك تعويضات كبيرة، منها أنها تحتفظ بلقب زوجة الرسول، وتبقى أماً للمؤمنين، تحظى باحترامهم وتقديرهم في ظل مجتمع ذكوري لا يحترم المرأة. كما من الناحية الرمزية لها ثواب مضاعف في الآخرة: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا).

- إن رمزية النبي ومقامه الروحي انعكست على زوجاته بشكل اختلف بسببها أفق تفكيرهن، خاصة أن الاقتران به كان شرفا عظيما وميزة اجتماعية تتصاغر معها كثير من الأمنيات والحاجات المادية والجسدية. فالتعويض ينفي صفة الظلم عن حرمة زواجهن.

- إن غلبة الجانب الروحي والروحاني على نساء النبي، استحوذ على الجوانب الأخرى، بعد اختلاف أفق تفكيرهن. وهذه نقطة مهمة. ومن يعش اجواء روحية خاصة يفهم هذا الكلام. فلم يكن هناك ظلم بل سمو روحي ونفسي.

- نحن لا نتكلم عن رجل اعتيادي وعن نساء اعتياديات لا شاغل لهن سوى التفكير بالليل والجسد بالعلاقة الجنسية. نحن أمام رجل غيَّر مجرى الحياة من حولهن، وفتح أذهانهن وقلوبهن وقلوب الناس جميعا لرؤى وآفاق جديدة من الروحانيات والعبادات والجهاد وهموم توسيع أفق الدعوة بالفتوحات الإسلامية، فكان يدخل على كل واحدة منهن وهي تصلي أو ترتل القرآن أو تعظ النساء أو تقري الضيوف، فكان يحترمهن ويبثهن همومه ويستشيرهن في بعض القضايا.

- لا أنكر الصفة البشرية لنساء النبي، لكن المرأة توازن، تتنازل عن بعض حقوقها لتكسب امتيازات وحقوقا دنيوية وأخروية. فكانت نساؤه يتباهين ويتفاخرن به، وقد اكتسبن منزلة رفيعة، فلا مبرر للحديث عن الظلم هنا.

- يأتي الحكم بحرمة اقترانهن برجل غيره بعد وفاته تكريما اجتماعيا استجابة لقوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)، فمن باب التوقير أن لا يشاركه في فراشه أحد من بعده، خاصة في المجتمع الذكوري، الذي ينسب المرأة في زواجها الثاني إلى زوجها الأول، فلانة زوجة فلان قد تزوجت ثانية. فالحرمة جاءت لتوقيره وتوقير نسائه. فهو قرار احترازي جاء بصيغة النهي الذي لا رجعة فيه، لإبعاد أية شبهة محتملة: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)

- ولعله أيضا من باب التكريم للنبي الأمين، بأن يحتفظ ببعض الخصوصيات لمنزلته ومكانته، وما تفرضه بعض الضرورات، فلا يشاركه أحد في زوجاته ولو بعد وفاته. مثله مثل بعض الواجبات المختصة به دون غيره كوجوب صلاة الليل عليه.

- ثمة مسألة مرتبطه بالعرف. المجتمع العربي مجتمع ذكوري بامتياز، يفسر كل شيء على أساس الذكورة والأنوثة. يمنح الرجل جميع صفات العلو والرفعة، ويصفها بكل صفات الانحطاط والدونية. فالرجل لا يفهم معنى الشراكة في الحياة، ولا يتعامل مع زوجته على أنها مكمّل بايولوجي للعملية الجنسية، ويفكر بطريقة ذكورية حيوانية لا تنتمي للحس الإنساني، فهو واطئ وهي موطوءة، وما دامت موطوءة فهي في درجة أدنى، وهي مهانة، ومحتقرة، وما زالت مجتمعات القرى والأرياف في العراق مثالا لا حصرا، يتعففون عن ذكر المرأة. ويرددون عبارة: (تجل أو تكرم عن طاريها) اي تجل وتكرم عن ذكرها أمامك باعتبارها حيواناً لا يصح اقترانها بالإنسان، هي موطوءة ومركوبة. وبالتالي لو أن نساء النبي تزوجن بعد وفاته، سيهان الرسول في نظر العرف العربي آنذاك، بسبب نظرة الرجل للزوجة.

مما تقدم يتضح أن الظلم هنا نسبي، وقد لا يصدق المفهوم مع حجم التعويضات النفسية والرمزية. فالحكم لا يتناقض مع الشرط الأخلاقي، ولا يعكس صورة سلبية إذا ما نظرنا للقضية من زاوية رسالية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأنبياء والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن معرفة أسباب تشريع الحكم الشرعي، والإحاطة بظروفه التاريخية، شرط أساس لتحديد فعلية موضوعه التي تتوقف عليها فعلية الحكم، ومدى إطلاقه، لتدارك تبعات تطبيق الأحكام خارج شروطها، كما هو الحال بالنسبة لجملة من آيات التشريع التي جرّدت من تاريخيتها وغدت فعلية رغم عدم فعلية موضوعاتها تبعا لاختلاف الظروف. لا فرق بين أحكام القرآن وأحكام السُنة النبوية، الأعم من قول النبي وفعله وتقريره. فكما أن قوله حجة، كذلك يعتبر فعله حجة ودليلا شرعيا في استنباط الأحكام الشرعية. وهنا أتحدث بناء على مطلق حجية السُنة، كما يذهب لذلك عموم المسلمين. وأما على الرأي المختار فدائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني. وحتى هذا القدر يمثّل رأيا اجتهاديا للنص ضمن شروط مرّ تفصيلها (أنظركتاب: الفقيه والعقل التراثي). فكما يستدل المجتهد على الحكم بدليل لفظي، آية أو رواية، كذلك يستدل بفعل النبي باعتباره دليلا شرعيا. كاستدلاله بزواجه من عائشة، على جواز زواج المرأة في السادسة من عمرها. ويفتي بعدم جواز الدخول بالزوجة قبل سنة التاسعة، لأنه لم يدخل بها قبلها. بناء على الشائع من الروايات والأخبار، كحديث البخاري. وثالثة يجيز المجتهد زواج الرجل الكبير من طفلة بعمر السادسة، بناء امتثالا لسُنة النبي!، متجاهلا بذلك الشرط الأخلاقي لصالح النص / الدليل الشرعي. مهما كانت تبعاته الأخلاقية خاصة وفقا لشرعَة حقوق الإنسان وما عليه الوعي الأسري حاليا. والسبب تجاهل تاريخ النص وفلسفة التشريع. ولا يمكن تجاهل سنته فهي مرجعية أخلاقية، أسوة بكتاب الله الذي يُعد مرجعية أخلاقية مطلقة لدى المسلمين جميعا، منه يستمدون شرعية سلوكهم، وإليه يحتكمون في مواقفهم. وهذا مبرر سؤال السائل الكريم: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!). الذي يبدو منه لا فقط الشك في قدرته على ضبط الأداء السلوكي لهم بل وشرعنة بعض السلوكيات اللاأخلاقية وفقا للمعايير الأخلاقية القائمة على حقوق الإنسان اليوم، كشرعنة العنف ضد الآخر المختلف دينيا، والأمر بملاحقته وقتله أين ما كان، وكان هذا دليل الحركات الدينية المتطرفة في صراعها الديني - السياسي. فالسؤال يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، وعدم الاكتفاء بالتسليم تحت ذريعة المقدس. فثمة فارق يثير علامات استفهام بين الصورة المثالية التي يصف بها المؤمنين، والصورة الواقعية لسلوكهم. فعلامات الاستفهام مشروعة، قياسا على قدسية الأديان، وقدرتها بالقوة أو بالفعل على إنجاب سلوك مهذب، غير أن المشهد  يثير علامة استفهام، حول قدرة الأديان والكتب المقدسة على تهذيب سلوك معتنقيها. فهل الخلل في ذات المفاهيم الدينية أم في الجانب السلوكي؟. وقد مرت الإجابة.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف يمكن لشخص مقدس كالنبي أن يتزوج وهو بعمر الخمسين بطفلة عمرها ستة سنوات، لا تعي من الحياة شيئا، حتى وإن تأخر الدخول بها إلى التاسعة، بناء على صحة الروايات؟. ماذا عن مشاعرهما المشتركة كما هو المفترض وفقا لآيات الكتاب؟ كيف ستكون سَكًنا له بفارق العمر الكبير، وكيف ستكون بينهما مودة ورحمة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)؟. وكيف ستكون لباسا له وهو لباس لها، مع فارق المشاعر تبعا لفارق العمر: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)؟. وإذا كان القرآن قد اشترط الرُشد في القضايا المالية، أليس من الأولى شرط النضوج والرُشد في الحياة الزوجية، التي يتوقف عليها بناء جيل من الأبناء: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا). هذه الإشكالات القرآنية وغيرها دفعت بعضهم للتشكيك برواية البخاري، وقالوا بأن النبي تزوج عائشة وعمرها 18 سنة، وهناك رأي ذهب الى عمر الخامسة والعشرين. لكن كل هذا لا يغير من الحقيقة القائمة أن أغلب الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية يجيزون زواج المرأة في السادسة من عمرها، وعدم جواز الدخول فيها قبل التاسعة. بل ذهب بعض إلى جواز تفخيذ الرضيعة، ليرسموا صورة ذكورية شاذة عن علاقة الرجل بالمرأة وفقا للفقه الإسلامي، وأن المرأة مخلوقة للاستمتاع، ووعاء لشهواته. يقول روح الله الخميني في كتاب تحرير الوسيلة، ج2، ص241: (مسألة 12 - لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة).

إن ما تقدم لا ينفي الأخلاق القرآنية، فثمة منظومة أخلاقية في كتاب الله، وامتدادها في سنة النبي قولا وفعلا وإمضاء، وقد شهد القرآن لسمو أخلاقه: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وقوله عن بعثته: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". والآيات الأخلاقية كثيرة، بل ويمكن إرجاع أحكام الشريعة لجذرها الأخلاقي، كالتقوى التي هي من أبرز الفضائل التي يسعى لها الدين، لتقويم سلوك الفرد والمجتمع. غير أن بعض الأحكام الشرعية، وبعضا من سيرة النبي تحتاج إلى تفسير لفهم ملابساتها، وكيفية فهمها على أساس قيم الفضيلة. وقد تقدم بيان بعض الملابسات من خلال فهم المنهج القرآني في تشريع الأحكام الشرعية، والفصل بين القضايا الحقيقة التي يكون فيها الحكم مطلقا،  والقضايا الخارجية التي لا تكون مطلقة خارج موضوعها المحدد. غير أن مناهج استنباط الأحكام الشرعية تختلف من فقيه إلى آخر، حول جملة مبادئ رجالية وحديثية وأصولية. فهناك فرق بين من يجرد الحكم الشرعي من تاريخيته، ويجعله مطلقا في جميع الأزمان والأحوال، وبين من يأخذ بنظر الاعتبار اختلاف الظروف الزمكانية، ومستوى وعي الناس، وثقافتهم ورؤيتهم. فالأول مثلا يرى فعلية أحكام الجهاد والقتال، بينما يشترط الثاني شروطا في فعليتها كالحرابة، بينما يرى ثالث وهو من نختاره، لا فعلية لأحكام الجهاد خارج عصر النص. إن فهم النص يتطلب عدة معرفية وكفاءة علمية وورعا، لا تأخذه في الله لومة لائم عن قول الحقيقة. بينما يخشى المجتهد مخالفة المشهور، وما تبانى عليه الفقهاء، في وفائهم للسلف وسيرتهم، رغم اختلاف الظروف، ورغم ما يترتب على بعض الأحكام من مشاق. كذلك يتطلب فهم النص القرآني منهجا يراعي منطقه الداخلي، وتحديد شروط فعلية الأحكام من خلال فهم يتسع لقضايا لها علاقة بالنص، كمعرفة الآيات المحكمات وتمييزها عن الآيات المتشابهة، وكيفية رد الثانية إلى الأولى. وكذا معرفة المطلق والمقيد، والعام والخاص. وهناك قضايا دقيقة جدا ينبغي للمجتهد إدراكها بحسه الفقهي، لكن للأسف التقليد هو الصفة الغالبة للمجتهدين، حتى وهم يمارسون الحكم الشرعي. هنا أضرب مثلا لخصوصية النص القرآني وأحكامه، ربما لم يلتفت لها أحد، وقد فصّلتها في كتاب تحديات العنف، استعيد ما يسلط الضوء على هذه المسألة التي هي مجرد نموذج:

يختص النبي، أي نبي، بصلاحيات لا تنتقل لغيره بأية ذريعة كانت. لتعارضها مع قيم الدين: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ). والقيم الأخلاقية: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ولا يصدق أنها أدلة شرعية يمكن الاستدلال بها على جواز  قتل الطفل مثلا، مادامت محكومة بقيم أخلاقية وآيات محكمات ومبادئ إلهية كبرى تكون حاكمة على غيرها من الآيات. فيصدق ثمة صلاحيات فوق العادة. محدودة جدا، وضمن شروط مشددة، تقتضيها مصالح أكبر، لا يمكننا إدراكها. كما بالنسبة إلى موسى الذي كان يحتج على تصرفات العبد الصالح، عندما ثقب السفينة وقوّم الجدار بلا مقابل وقتل غلاما بريئا (سورة الكهف، الآيات: 65 - 82)، وما يهمنا "قتل الغلام" بما هو نفس محترمة، بعيدا عن المعنى اللغوي لكلمة غلام. وبناء على واقعية القصص لا رمزيتها، وحدوثها واقعا وبالفعل، فتعتبر جريمة كبرى وفقا للمنطق القرآني قبل غيره. فكان استنكار موسى مبررا، حينما استفزته الحادثة، وهزت أعماقه، وهو نبي كريم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لكن العبد الصالح بين في نهاية المطاف لموسى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، وراح يُنبئه بدواعي تصرفاته الواحدة تلو الأخرى. ورغم هذا التفسير، فإن قتل النفس بغير ذنب جريمة لا يستوعبها المنطق الإنساني، وقد يقبلها المؤمن تسليما لله وإيمانا بما نزل من عنده. وأما التعامل معها وفقا للمنطق الأخلاقي، فنصيبها الرفض والاستنكار. بل ويمكن توظيفها سلبا ضد الكتاب، وهو يحمل الغلام مسؤولية فعل لم يرتكبه. فنستفيد من هذه الآيات بناء على واقعيتها، ثمة صلاحيات تستدعي تخويلا إلهيا خاصا. لذا لم يقدم أحد، بما في ذلك الأنبياء، على قتل طفل بعد قصة العبد الصالح، بل ولم يسمح به أحد قط، فهي صلاحيات خاصة أشبه بالأحكام العرفية التي تتخذها الحكومات وقت الأزمات. كما حدث مع بني قريظة ممن نزلوا على حكم سعد بن معاذ، لو صحت الروايات، فإنها أحكام استثنائية اقتضتها الضرورة، رغم أنها ظلم وعدوان في ظاهرها، فهي صلاحية محدودة ترعاه السماء بواسطة الوحي. ولا يمكن تقنينها في قانون أو قاعدة شرعية، لأنها تتطلب تشخيصا حقيقيا وعلما واقعيا، وهو من خصوصيات الله تعالى. وعندما يفوض الأنبياء بها، فهم تحت إرادته، يسددهم ويهديهم. فلا تكون تلك الممارسات حجة شرعية. ولا يجوز للفقيه الاحتجاج بها. بل تبقى سيرة النبي محكومة بالقرآن الكريم، و(ما خالف كتاب الله فهو زخرف) و(ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار). فاذا نقلت لنا السيرة حادثة عن إحراق بيت قام به الرسول. أو قتل شخصا لا نعرف سببه، لا تكون تلك الروايات حجة نحرق بسببها بيوت الآخرين أو نقتل أشخاصا آخرين. لأنها أحكام خاصة مرتبطة بمسؤوليات الرسالة، وهنا نعود الى آيات الأحكام الشرعية لنرى حكم الإسلام في إحراق البيوت أو هدمها على أهلها، فتكون الآية حاكمة على الرواية. فالنبي كما في القرآن مبلّغ وشارح ومبين للكتاب، وما يقوم به خلاف قيم القرآن نعتبره من مختصاته باعتباره نبيا ووليا وصاحب رسالة وله صلاحيات خاصة، لا يتجاوزها أو تشمله آية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). وأما نحن فنعود للقيم الدينية والأخلاقية فهي حجة علينا (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وأما قصة العبد الصالح مع موسى، فتقع ضمن المتشابها من الآيات محكومة بالآيات المحكمات، كقتل الغلام وثقب السفينة وإقامة الجدار، التي تعذر فهم مراميها على نبي بمستوى موسى كليم الله). فهذه الحادثة لا تكون ذريعة أخلاقية تدان بها المنظومة الأخلاقية الدينية كافة. وكل آية تفسر ضمن سياقها.

وبشكل أدق ثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها التي لا تكون فعلية إطلاقا إلا بتشخيص واقعي، يستدعي كشفا تاما. أي تتوقف فعليتها على الوحي فتختص بوجود النبي، المسدد من قبل الله، وفقا للنظرية الإيمانية. وبالتالي لا يمكن للفقيه تطبيقها على مصاديقها، لأن صدقية المصداق تتوقف على وجود كشف تام، لا يتحقق إلا بالوحي، ومع وفاة الرسول، تنتفي فعليتها إلى الأبد. ومن يفعل ذلك تدينه الآيات المحكمات والمبادئ القرآنية. والمشكلة هنا مع من يعتقد أن المبادئ الأخلاقية مستقلة عن الدين، وأما من يعتقد أنها قائمة على الدين، فهذا التصرف بالنسبة له حسن على كل حال مادام قد صدر عن الله: (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي).

والسؤال: القداسة تدفع لا شعوريا باتجاه التبرير دون النقد. فهل تأثر الباحث بقدسية النص لا شعوريا، وسعى لتبرير جريمة القتل التي صرّحت بها الآيات؟. والالتفاف على النص بالتأويل أوالاستعانة بالروايات والتاريخ؟. وهذا سؤال مشروع، فحتى موسى النبي هزه مقتل النفس الزكية / الغلام. الحقيقة لم أنكر شيئا من وقائع القصص ولا أسعى لتبريرها، غير أن منهجي يدعوني للتأمل طويلا في النص. وثمة مبادئ قرآنية واضحة، فعندما ينهي الله تعالى عن قتل النفس المحرمة، ويعتبره جريمة تعادل قتل الناس جميعا، إذاً هناك تأويل وفقا لذات المبادئ القرآنية. ثم طبقت المبدأ الأصولي لمعرفة فعلية الأحكام من خلال فعلية موضوعاتها، وقلت: إن فعل القتل محرّم، وعندما يقع بأمر إلهي كما أخبر العبد الصالح، إذاً ثمة موضوع تتطلب معرفة حيثياته إحاطة وكشفا تاما، لا تتحققان إلا لله تعالى. فلا يمكن للفقيه تطبيق الحكم على مفردة مماثلة إطلاقا.

()وأما بناء على رمزية القصص، واستراتيجية الكتاب بتصديق ما بين يديه من التوراة والأنجيل، كما تحدثت عنهما مفصلا في فلسفة الخلق، فالأمر يختلف، إذ معنى رمزية القصص عدم واقعيتها، فيوظف السرد القصصي رمزية للتعبير عن معاني تضيق بها اللغة العادية. أو لحماية تلك المعاني من ابتذال التصريح فتبقى رمزا يثري التأمل الفلسفي والفكري لفهم تلك الأهداف النبيلة. وحينئذٍ تكون مهمتنا البحث عن الدلالات الرمزية لهذه القصة، والأخذ بنظر الاعتبار أن القرآن كتاب ديني، له أهدافه وغاياته، وأن لغة الدين لغة رمزية مكثفة. هدفها هداية الناس وحملهم على الإيمان بالغيب والمطلق وكل هذا يستوجب خطابا يتصف بقوة إيقاعه، لتلين النفس بالإيمان من خلال ضبط إيقاع سلوك الفرد المؤمن.

إن ما تقدم يعد مبررا لإعادة النظر بالسيرة العملية للرسول / فعله وتقريره. فثمة اختلاف دلالي بينهما وبين أقواله / أحاديثه وروايته. إذ يمكن من خلال الدليل اللفظي، تحديد الأمر والنهي. لكن لا يتحقق هذا دائما من السيرة، فربما فعله يقع ضمن خصوصيتها الشخصية، فلا تشمل غيره. ثم ليس من المعقول أن يترك النبي الأحكام بلا تقنين اعتمادا على سيرته. وعندما لا نجد سيرته ضمن الأحكام الشرعية المدونة فهذا يعني: إما أنه أهمل الأحكام الشرعية وهذا خلاف كونه مبلغا ومسؤولا أمام الله تعالى، وخلاف سيرته في بيان وشرحها وتفصيلها. أو أن السيرة / فعله، حجة في عصر النزول، فلا تشمل غير الصحابة وربما التابعين. وهذا أيضا خلاف إطلاقات الأحكام. أو أنها من صلاحياته كنبي وقائد في حينه، وهي صلاحيات لا تنتقل الى غيره، فلا تدرج ضمن الأحكام الشرعية المدونة في القرآن الكريم، وهذا هو الراجح بعد انتفاء الاحتمالين المتقدمين. وعليه فسنته (قوله وفعله وتقريره):

- تارة تكون ناظرة الى تفصيل وبيان الأحكام الشرعية الموجودة في القرآن الكريم، وهذه حجة وضمن مسؤولياته في بيان الأحكام.

- وأخرى تعبر سيرته عن أمر شخصي، فهي ليست بحجة.

- وايضا تارة تعكس صفة أخلاقية باعتباره قدوة في الأخلاق، فتبقى قيمة أخلاقية كحد أعلى.

- وأخيرا قد تنقل لنا السيرة حكما ولائيا باعتباره وليا وحاكما ومسؤولا. وهذه الطائفة من السيرة تكون من مختصاته وصلاحياته كمسؤول وحاكم، أو كنبي ورسول، والثانية لا تنتقل الى غيره.

ونعود للإشكالات المتقدمة:

أولأ: زواج النبي من عائشة خلافا للمنطق الأخلاقي.

كيف نفسّر زواج النبي من ناحية أخلاقية؟.

هنا سنتخذ من القرآن مرجعية لحسم النزاع، فعندما تقول الآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فتعني أن الرسول هو النموذج الأخلاقي لجماعة المسلمين. لكن من أين يستمد شرعية أخلاقه؟:

- إما أن تكون أخلاقا إنسانية، تتقوم بذاتها كالحُسن والقُبح العقليين. فهل يقدم الرسول على زيجة قبيحة عقلا وهو قدوة المجتمع ونبي، وضعه الاجتماعي يختلف عن الآخرين، ويضطره للتمسك بقضايا أخلاقية، حرصا على سمعته وسمعة عياله؟.

- أو تكون أخلاقا دينيا. وقد تقدم أن منطق الشرع هو الزواج من المرأة الناضجة التي يصلح أن تكون شريكة لزوجها في حياتها.

وبالتالي فالكلام افتراضي، بناء على صحة الأخبار. وأما على المنهج المختار فلا يمكن ثبوت صحة هذه الرواية وغيرها، وتقدم الحديث عن منهجي في تصحيح الروايات. فتبقى الرواية وفقا لهذا المنهج مجرد احتمال لا غير. (راجع كتاب: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي لو صحت الرواية، وهذا مستبعد، كما بيّنت، فلا تشفع له سوى التقاليد والأعراف الاجتماعية آنذاك، وهي أخلاق نسبية، تختلف من زمان لآخر. لكن للإنصاف يجب التأكد من صحة الخبر، قبل أن نضع النبي في قفص الاتهام ثم ندافع عنه. فربما كانت عائشة بسن أكبر، أو هناك حلقات مفقودة في الخبر، لم تصل لنا، وهذا ليس تبريرا بل الكلام وفقا لمنطق الكتاب، حيث اعتبر النبي "النموذج الأسمى أخلاقيا"، فكيف يرتكب هذا الزواج؟. وإذا كانت الأعراف تبيح الزواج من الصغيرة وفق المنطق الذكوري، فهذا لا يعني أن الجميع يتزوج من الصغيرات. وهدف الدين تقويم أخلاق المجتمع فكيف يتزوج النبي من طفلة بست سنوات؟. وعليه فالدين مكون أساس للأخلاق، ومرجعية نهائيا للمسلمين، شريطة أن يبقى الكتاب هو المرجعية النهائية، وما عداه لا يمكن أن يكون حجة نعارض بها قيم الدين والأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

النسخ والأخلاق

ماجد الغرباوي: أصبح واضحا إن عدم قدرتنا على إدراك الملاكات البعيدة للأحكام الشرعية في القرآن، وراء شبهة التعارض بين العقل والنقل. وأما حقيقتها فهي قائمة على العدل ونفي الظلم، فينتفي الحرج الأخلاقي. خاصة على الاتجاه الإنساني / الإنسان الخليفة، الذي يرى أن التشريع يدور مدار الإنسان ومصالحه أو مركزية الإنسان: (فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). وقد بينت جملة من الآيات غاية التشريع، وغاية الخلق، وجميعها يصب في صالح الفرد. وفي هذا السياق ينبغي فهم الآيات التي شرعت لاستخدام القوة، كآية السيف، فثمة ما يدعو لاستخدام القوة لتطبيق القانون وحماية المجتمع من الظلم والجور والعدوان، وتأمين السلم الأهلي وهامش الحرية لتأكيد الذات من خلال المساواة والقدرة على الاختيار بعيدا عن أية سلطة مادية أو رمزية تقمع الرأي الآخر. وكل هذا عدل، يستوجب القوة القانونية، وتكون عنفا مشروعا، لحماية العدالة وحقوق الناس. وعندما حرّض الكتاب على ملاحقة وقتل مجموعة من المشركين في آية السيف، بيّن  مبررات الحكم في سياق الآيات أنهم لا يراعون عهدا ولا ذمة، ويتربصون بالمؤمنين ليقتلوهم، فحياتهم باتت تهدد حياة جميع المسلمين. لا شك أن القوة المفرطة تستفز المشاعر الأخلاقية، خاصة عندما تُحمل الآية على إطلاقها، كما يفعل جملة من الفقهاء، ولازمه أن يكون العمل اللاأخلاقي (استباحة الدماء) مشروعا وحسنا. وهو اتجاه فقهي رادكالي، يأخذ بظاهر الآيات، دون مراعاة أسباب نزولها، ودواعي تشريع الأحكام، إما جهلا أو لغايات سياسية، كما عليه الحركات الدينية المتطرفة. وليست آية السيف أو آية الجزية الوحيدة في الكتاب، فهناك آية أخرى، كقوله: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وهي أخطر حينما توظف قضائيا لقمع المعارضة واستغلال الناس. وبالفعل تجد المحاكم السعودية والإيرانية، وكل نظام حكم يرتكز لأحكام الشريعة الإسلامية، يعتمد على هذه الآية في إقصاء المعارضة، وتأديب كل من تسول له نفسه المساس بثوابت وحدود النسخة الرسمية للدين، القائمة على أساس ولاية الفقيه كما في إيران مثلا. من خلال تطويع الآية، فمعارضة الولي الفقيه أو نظام حكمه تصبح محاربة لله ورسوله، وذات المعارضة حينما تهدد نظام الولاية تغدو فسادا في الأرض، مادام معنى الفساد ملتبسا غير واضح، ويمكن تكييفه وفقا لرغبة القاضي، وبهذا الطريق يحكم على معارضي النظام بأحكام قاسية، قد شرعت في ظرف زمني اقتضته ضرورات آمنية آنذاك، فهي خاصة بزمن النزول. وبهذه الطريقة يتم تزوير الوعي والحقيقة وتوظيف الدين لغايات سياسية، بينما شروط الآية صارمة جدا، إذ كانت ناظرة لمن يحارب الله حربا فعلية. ويحارب الرسول حربة واقعة. وثالثا، يعبث بالأمن والنظام والإطاحة بقيم المجتمع، والتجاوز على السلم الأهلي، بحيث يصدق مفهوم الفساد في الأرض عليه حقا. وهذه هي شروط فعلية الحكم، وهي واضحة صريحة. فعندما تعارض رجل دين لا يعني أنك حاربت الله ورسوله، وإذا كان لك موقف من الدين لا تشمله أحكام الآية، فالموقف لا يعني إعلان الحرب والفساد في الأرض. لكن عندما تُحرر الآية من شروطها تعكس صورة قاسية عن الشريعة. فالتوظيف السياسي هو الأخطر على الدين. والأخطر المنهج الانتقائي في التعامل مع آيات الكتاب، وعدم الأخذ بقرائن النص القرآني. تلك القرائن سواء كانت لفظية أو سياقية، تضيء فضاء الآية وتحدد فعلية أحكامها، ومدى إطلاقاتها. والغريب أن المنهج الانتقائي يستعين بالروايات والأخبار لتحديد دلالات الآيات، ومدى فعليتها، وهي روايات تتحدث عن وضع خاص بعصر النص. وأما ما يروى عن الصحابة والتابعين فهي روايات مؤدلجة، لتكريس شرعية غزوات المسلمين، التي لا شرعية لها سوى توسيع دائرة نفوذ الخلافة. فتجد الاتجاهين الفقهي والكلامي يسعى لشرعنة الغزوات، وتقديس الخلفاء حتى ارتفعوا بهم فوق النقد والمحاسبة. فينبغي لنا فضح هذه الاتجاهات من خلال التعرف على شروط فعلية الأحكام، ومن خلال السياقات القرآنية ومعرفة أسباب النزول، والتمعن في تاريخ النص وفلسفة الحكم. حينئذٍ فقط يمكن الكلام عن ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر، والتفكير بوجود مجتمع مدني حقيقي. 

سبقت الإشارة  مفصّلا أن فعلية الأحكام تدور مدار فعلية موضوعاتها. وعندهم: أن (الحكم يدور مدار علته). وعندما يتعذر معرفة علل الأحكام وملاكاتها، فقد اقترحت ما أسميته بـ"مقاصد الجعل الشرعي": العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. يكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد درجة فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماعية نفهم أن عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت معادلة غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. وأعني بمقاصد مرحلة الجعل الشرعي: تلك المقاصد التي تقتضيها حكمة وفلسفة التشريع، في ضوء مجموعة من آيات الكتاب المجيد، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والاستجابة التي يترتب عليها الإحياء أو الحياة الفاضلة، هي استجابة فعلية من خلال الالتزام بالأحكام الشرعية والأخلاقية. وليست الحياة الفاضلة سوى استتباب العدالة الاجتماعية، وتحقق التوازان الروحي والسلوكي. وهما مقاصد مرحلة الجعل الشرعي. وهي تختلف عن مقاصد الشريعة التي يلتزم بها الفقيه في فتواه: (حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل وحفظ المال). (أنظر مفصلا كتاب: الفقيه والعقل التراثي).

انهيار القيم الأخلاقية

إن فوضى الإفتاء كانت وما تزال إحدى أسباب انهيار منظومة القيم الأخلاقية. فعندما ينظّر الفقيه لشرعية المستبد والطاغية، يبيح السلوك الاستبدادي التعسفي. ويساهم في نشر ثقافة الكراهية والتنابذ والاحتراب وربما سفك الدماء عندما يكفّر الآخر. وعندما يشرّع جواز تفخيذ الرضيعة يبيح عملا لا أخلاقيا. وعندما يأمر بالتقية مطلقا، حتى وإن لم يكن هناك خطر محدق بصاحبه، يثقف الفرد على النفاق الاجتماعي والسياسي والديني. وعندما يفتي بعدم شرعية السلطة بدوافع طائفية، يقضي على مقومات الدولة، ويشجع على هدر قوانينها، وسرقة ثرواتها التي هي ثروات الشعب. وعندما يحرّم الزنا ويبيح المتعة بلا حدود، فهي إباحية جنسية بغطاء ديني. وعندما يجيز سبي النساء يتجرد من إنسانيته وأخلاقه، ويساهم في انهيار قيم الدين والإنسانية. فينقلب الدين إلى معول هدم، بلا مروءة، ولا رادع أخلاقي. (قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ). يجب على الفقيه أن يجعل من الوازع الأخلاقي منبها فطريا لفهم الفتوى وعدم الانصياع للدليل مطلقا، دون معرفة محكمات الكتاب، وما يشكل الإطار العام للقرآن، والدين الذي يعتبر الإنسان محور الكون. خاصة عندما يتجاهل تاريخ الحكم وفلسفته. وما لم ينتهج المجتهد منهجا جديدا في استنباط الأحكام الشرعية، يبقى الفقه مصدرا لشرعنة السلوك غير السوي. والمشكلة حينئذٍ يتعذر عليك ردعه وهو يعتمد على رأي الفقيه في سلوكه العدواني، كتكفير المخالف، الذي يعني الكراهية والنبذ وعدم الاحترام، وقد يصل الأمر إلى استباحة الدماء، بلا أي دليل من كتاب الله.

لكن لماذا يقع اللوم على الفقيه دون مصادر التشريع التي ارتكز لها في فتاواه؟ وهو اعتراض مشروع. فالفقيه، تارة يجد دليلا شرعيا لفظيا، آية أو رواية، فيستدل به على الحكم الشرعي، كآية: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ)، أو حديثا نبويا، كقوله: (لا يقبلُ الله صلاةً بغير طُهور)، فيستدل به الفقيه على شرطية الوضوء في الصلاة. وحينئذ لو أفتى بقتل المشركين فقد جعل من آية السيف دليلا على فتواه، ولا يلام. لكن هنا مغالطة، فالمجتهد ليس فردا عاديا كي يأخذ بظواهر النصوص، دون الرجوع لمحكمات الآيات وقرائنها وسياقاتها، ومعرفة كافية بفلسفة الحكم وتاريخه وأسباب نزوله، وهل كان حكما مطلقا مأخوذا على نحو القضية الحقيقية كما يصطلحون؟ أم كان حكم الآية ناظرا لقضية خارجية محدودة؟. لكن الفقيه يقفز من القرآن إلى السنة وأحاديث الصحابة لمعرفة دلالات الآية، رغم أن آراءهم اجتهادات شخصية وفقا لقبلياتهم وظروفهم الاجتماعية والسياسية. وبهذا الطريق غيبت النصوص الثانوية مدونات التشريع / آيات الأحكام، وصار الفقيه يفتي وفقا لآراء الصحابة وليس وفقا لكتاب الله. نعم صحيح يستدل بالآية على فتواه، لكنه يفهمها وفقا لفهم الصحابة ممن فعل آيات القتال لأغراض سياسية، تبرير غزوات المسلمين بحجة نشر الرسالة الإسلامية. أي يفهمها ضمن ظرف مختلف أو يسقط عليها قبلياته ويقينياتها. فينبغي الانتباه جيدا لهذه المغالطة. فالفقيه ليس معذورا كي يقال: "المجتهد إن أصاب فله حسنتان وإن أخطأ فله حسنة". بل يحاسب وبعسر على آرائه واجتهاداته وفتاوه، ويكون مسؤولا عنها أمام الله تعالى: (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ). الفقيه لا يفتي لنفسه فقط وهناك من يتبعه ويلتزم بفتاواه، فيتحمل مسؤوليات تبعاتها.

وتارة لا يجد الفقيه دليلا من الكتاب والسنة، فيرتكز إلى ما يسمى بأصول العملية. وهي مجموعة قواعد تم التنظير لها، لتحديد الوظيفة العملية من الحكم المشكوك، هل هي البراءة أم الاحتياط أو الاستصحاب. وهي أصول اجتهادية، ووجهات نظر أصولية، لا تصمد أمام النقد العلمي، غير أن اتفاقهم عليها جعل منها مرجعية أصولية. كما قالوا بحجية خبر الواحد، لتدارك تداعيات انسداد العلم والعلمي. وغير ذلك. فالفقيه هو الذي وضع قواعد أصولا ثم ألزم نفسه بها. ويبقى السؤال عن صدقية الاجتهاد، وحدود التشريع، وكل هذا مرّ مفصلا. وبالتالي وهذا ما يهمنا أن اللوم يقع على مصادر التشريع عندما تبيح شرعنة السلطان الظالم، وتبرير سلوكه وعدوانيته ولو باسم الدين وتطبيق شريعة سيد المرسلين. وعندما نعود للمحكمات من آيات الكتاب، والتي يعود لها في فهم وتفسير الآيات المتشابة، نجد العكس، كقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وممالأة السلطان الظالم عدوان صارخ على قيم الدين ومبادئه. بل الموقف القرآني من الظالمين: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ). فيكف يرفع الفقيه الخليفة فوق النقد والمراجعة، وقد يصل به لمرتبة العصمة، ويشرعن سلوكه وتصرفاته، مهما تمادى في القتل والاسراف وسرقة ثروات المسلمين تحت حجج واهية؟. بل والتف على آيات الكتاب، لتبرير القتل، فكيف لا يفرز هذا الفقه ثقافة العنف، ويسمح بنبذ الآخر، وهي من مساوئ الأخلاق. فإذا كان وراء انحراف المسلمين أسباب، فإن أحدها وأهمها الفقه السلطاني، الذي هدر حدود المقدس الديني لصالح السلطة ومصالح السلطان. ولعل في نسخ الآيات مثالا واضحا، حيث ذهب جملة من الفقهاء إلى أن آية السيف التي أباحت سفك دماء المشركين، قد نسخت جميع آيات الرحمة والود والتسامح والعفو،  جاء في كتاب: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لابن حزم الاندلسي (إن آية السيف أو قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، أو آية: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)  قد نسخت (47) موردا من آيات الكتاب في أكثرها إشارة إلى الرحمة والمودة والعفو والتسامح وعدم الإكراه . وراح يعدد موارد النسخ الأخرى في كل سورة من السور، فيعتقد أن (40) سورة دخلها النسخ، و(25) دخلها الناسخ والمنسوخ، و(43) فقط لم يدخلها النسخ، كما مرت الإشارة لذلك في القسم الأول. فهناك أكثر من ستين آية شلت حركتها القراءات المتطرفة، وجمد فاعليتها الفهم المبتسر، واختزلت تأثيرها التفسيرات المتطرفة، فينبغي نقد النسخ وتفكيك الأسس التي ارتكز لها، كي يصار الى تشكيل منظومة قيم تستند إلى القرآن الكريم وتهدي بهديه الإنساني، لتساهم في خلق مناخات تساعد على سيادة قيم التسامح والاخاء والمحبة والوئام والعفو والرحمة والمغفرة، أي عملية إحياء لنصوص بات من الضروري وعيها وإدراك معانيها من إجل مستقبل زاهر)، (ينظر كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح، ص141)

فالنسخ هو المسؤول عن تكثيف خطاب العنف واللاتسامح في القرآن، من خلال تأسيس فهم للآيات الكريمة على أساس نزع فاعلية بعض الآيات وتفعيل غيرها، فنتج عن ذلك خطاب لا يتسامح ولا يرحم ولا يتفاهم ويرفض التعايش مع الآخر، أيا كان نوعه. وهذا أحد أسباب العنف الديني، والسبب الرئيس وراء السلوك الإرهابي القمعي السمج. فالسؤال كان مشروعا عندما قال: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!). فالسائل الكريم قد وضع أمامه نماذج الانحراف السلوكي الديني للراديكالية الإسلامية، وما تسببته من نفور وكراهية للدين، رغم قدسية الأديان. فالنسخ تسبب بتفعيل كل آيات الموت  والشطب على جميع آيات الرحمة، وكل هذا لا ينسجم مع الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية.

لا نعمم الأحكام وهناك من الفقهاء من يرفض اختزال القرآن الكريم في بضع آيات من آيات القتال التي كان لها ظرف خاص، ولها قيودها وشروطها التي تتوقف عليها فعلية أحكام الجهاد. غير أن الاتجاه المتطرف في الإسلام بات شديد الحضور من خلال تبنيه أعمال إرهابية تستند بلا شك إلى هذا اللون من الفهم والتفسير. للأسف لم تميز العقليات المتطرفة بين مبادئ الإسلام الثابتة، والأوامر الصادرة في ظروف المعركة، التي تنتهي بنهايتها، ليعود الإسلام حيا من خلال مبادئه الإنسانية وقيمه العقلية الرائعة. وإنما عولوا على فهم متقدم يلغي جميع الآيات الآمرة بالرأفة والرحمة والتسامح وعدم الإكراه، باعتبارها نسخت بآية السيف. فتحول الدين، بموجب هذا الفهم، إلى صارم ما زال مشهورا ليقطع وتين كل من سولت له نفسه مخالفة المتطرفين الدينيين بالرأي، أو الاعتراض على سلوكهم وتصرفاتهم. بينما مقتضى الفهم المتزن أن يصار الى التمييز بين الثابت والمتغير من أحكام الدين.

تعتبر فتاوى التكفير وخطب التحريض وليدة فكر ظلامي متطرف، وقراءات أحادية للنصوص الدينية (القرآن والسنة). وقد لعبت الفتاوى التكفيرية والخطب التحريضية دورا خطيرا في تأجيج مشاعر الكراهية والحقد بين الناس، ولم تتورع في إباحة قتل الأطفال والأبرياء والمدنيين وغير المحاربين، باعتبارهم كفارا مباح قتلهم والتمثيل بهم ومصادرة أموالهم. ولا شك أن الإسلام الذي يحرم اقتلاع الأشجار والاجهاز على المريض ويحرم قتل الشيخ الكبير (كل ذلك في ظروف الحرب) لا شك أنه لا يجيز قتل العزل والأبرياء والأطفال. لكن المشكلة في فهم النص وتحديد الثابت والمتغير من الدين، ومعرفة الناسخ والمنسوخ بشكل دقيق يستوفي شروطه العلمية التي منها الوثوق بأخبار النسخ إلى درجة الاطمئنان بل اليقين والجزم، لخطورة الأحكام المترتبة عليه، إذ ليس من السهل تعطيل الأحكام القرآنية المنصوصة بحجة النسخ إلا إذا ثبت ذلك بدليل قطعي صريح لا لبس فيه. فالمناهج اللاعلمية عمدت الى تعميم النسخ لكثير من الآيات القرآنية، ولم تبق من آيات المودة والرحمة والتعامل مع الآخر بالحسنى، سوى الآيات الآمرة بقتال الكفار والمشركين. فلا غرابة حينئذ أن ترتكز فتاوى التكفير وخطب التحريض على هذا القسم من الآيات بينما تتجاهل الآيات الأخرى، حداً تستثنيها من أدلة استنباط الأحكام الشرعية. بينما تقتضي مهمة الفقيه النظر في جميع النصوص وإجراء المقارنة بينها ودراستها دراسة تفصيلية قبل أن يصار الى فتوى يعمل بها من يقلده من المسلمين.

تأسيسا على ما تقدم يحق لنا إثارة علامات استفهام واسعة وأسئلة كثيرة عن حقيقة النسخ الذي أحدث كارثة على مستوى فهم القرآن وتعطيل الأحكام، وأطاح بمنظومة الأخلاق. هل النسخ صدر فعلا بهذه الكثافة التي تتحدث عنها الكتب التراثية وما زال بعض يتشبث بها، أم أنها اسقاطات تمثل فهم الرواة والمحدثين والفقهاء والمفكرين المسلمين، أو مشروع سلطاني لتكريس الحروب والقتال؟. أليس أغلب الآيات المنسوخه تمثل جوهر الدين وحقيقته وخطابه الإنساني المفعم بالحب والرحمة والمودة والمغفرة، فلماذا يصار الى نسخها والابقاء على آيات العنف واللاتسامح واجتثاث المخالف والمعارض؟ أليس منهج القرآن الكريم هو: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)، (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)، (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فلماذا تلغى جميع هذه الآيات لتبقى آيات السيف والقتال ومطاردة الآخر المختلف دينيا مطلقة وفعلية على مر السنين والأيام؟ أليس النسخ بهذه الكثافة كان أسلوبا استبداديا أريد به تبرير حروب الخلفاء والملوك والسلاطين؟ أو شرعنة قتال الشعوب غير المسلمة وإن كانت مسالمة؟ أو كمبرر لحث المسلمين على القتال وتوسيع رقعة الحرب من أجل ملء الفراغ، واشغال الجند، وتحصيل الثروات، وتكريس المكاسب والفتوحات لمصالح شخصية، ثم تحول الى حقيقة معرفية أحكام شرعية يتناقلها الرواة والفقهاء؟

لا نريد نفي النسخ مطلقا فربما هناك بعض الاحكام نسخت فعلا كما في آية النجوى، لكن ليس لدينا أدلة قطعية تثبت هذه الكثافة من النسخ التي ما زال بعض الفقهاء يصير عليها ويعتبرها ركيزة اساسية في فهم القرآن الكريم وآياته البينات، وعلى اساسها يفتى بقتال كل المخالفين عقيدة ودينا، ويحرض ضد الآخر وحقه في اعتناق عقيدته وممارسة شعائره.

نخلص كما أن القرآن كان مصدرا للأخلاق الحميدة، كذلك صار بسبب القراءات الأحادية مصدرا لأخلاق التطرف، وثقافة العنف وازدراء الحياة، ونفي الآخر، واستبعاده. وبهذا يجد السؤال مشروعيته. وتبقى المناهج السلفية اتجاها داخل الثقافة الإسلامية، ما لم يرقَ المسلمون إلى مستوى النقد والمراجعة والتخلص من قبلياتهم الموروثة، ووضع العقل فوق النص، لمعرفة منطق النص، وما هو ثابت ومتحرك فيه، وتحديد ما هو فعلي، وما هو غير فعلي من الأحكام الشرعية. فالتعرف على منطق العلاقة بين القرآن والأخلاق سيمهد لفهم صحيح للأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

majed algharbawi4صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الفقه والأخلاق

ماجد الغرباوي: لا تخفى جرائم العنف التي ارتكبتها الحركات المتطرفة باسم الدين. وسبقتها تداعيات ما يسمى بالفتوحات الإسلامية، التي شوّهت معالمه (انظر: تحديات العنف). وليس في هذا تزكية لجرائم الحروب والغزوات والاستعمار وممارسات الحكومات الاستبدادية في العالم أجمع. لكن الحديث هنا عن الجهاد بمعنى القتال حينما يكون مطلقا خارج ظرفه الزماني والمكاني. حيث تعتبر آياته أدلة شرعية صريحة، يمكن الاستدلال بها، بعد تجريدها من تاريخيتها، كما يفعل فقهاء الحركات المتطرفة. وكان لهذا المنهج تداعياته، إذ أطاح العنف الديني بكرامة الناس: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). ونسف جسور التواصل الإنساني، وأعاد تشكيل العقل المسلم على أساس كراهية الآخر ونبذه وإقصائه، فسادت أخلاق تجافي قيم الدين والمبادئ الإنسانية. وبات حديث الفرقة الناجية يبيح اضطهاد الآخر، وتكفيره، بل وحتى استباحة دمه، كما فعلت الحركات المتطرفة. وهنا  يأتي السؤال عن شرعية العنف باسم الدين، هل يستمد شرعيته من القرآن وآياته؟ أو من فقه النص وفتاوى الفقهاء؟. على الأول يتحمل القرآن مسؤولية العنف والأخلاق التنابذية، باعتباره مصدرا لشرعيتهما. ويصدق حينئذٍ أنه أخفق في ضبط أداء معتنقيه، بل وشرعن ممارسات تتجافى مع قيمه وأخلاقه الإنسانية. وإذا أرجعنا السبب لقصور المنهج الفقهي، فلا يتحمل مسؤولية ذلك إلا بحدود إطلاقاته التي قد تلتبس على غير الخبير. وهنا مكمن الخطر الذي سقطت فيه داعش، وغيرها من الحركات التكفيرية، التي تمسكت بظواهر الكتاب، لتحقيق أهدافها السياسية، دون الأخذ بنظر الاعتبار أسباب صدور الحكم والظروف المحيطة به. فأفرز منهجها أخلاقا تنابذية تنظر بريبة وكراهية للآخر. تبيح دمه وماله وكرامته، وتتعامل معه بفظاظة وعنف. وبالتالي فالإنسان هو المسؤول عن سلوكه وتصرفاته. وإذا كان متدينا تكون مسؤولياته أكبر، حينما يعكس نظرة سلبية عن الدين، ويُسقط قيمته الاعتبارية بسبب فهم مبتسر لغاياته ومقاصده.

ليس من العدل الاعتداء على الآخرين باسم الدين، وليس من حق الفقيه تبرير هذا السلوك، لأسبقية حكم العقل القائم على حُسن العدل وقُبح الظلم. وهذا لا يتنافى مع ضرورات التشريع، و"ما حكم به العقل حكم به الشرع". وقد نسج الكتاب على منوال العقل في تأسيس قيمه الأخلاقية، تشهد لذلك الوصاصا العشرة القائمة على حُسن العدل وقُبح الظلم، وهو مبدأ عقلي. فيبقى الأصل إنسانية القيم الدينية والقرآنية، وفي ضوئها يمكن فهم أحكام القرآن الاستثنائية.

تجدر الإشارة أن صيغة السؤال لا تنكر قدرة المفاهيم القرآنية على ضبط سلوك الفرد والمجتمع، وإنما شككت بنجاحها: (هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين). لذا أردف السائل الكريم يسأل عن الأسباب: (ولماذا؟!!). فالمفاهيم القرآنية قادرة بالقوة لا بالفعل على ضبط سلوك الفرد، كالنار والإحراق، فإن قرب الورقة من النار شرط لفعلية احتراقها. وهكذا فالامتثال الواعي الملازم للتقوى شرط لفعلية التهذيب. وأقصد بالامتثال الواعي الأخذ بنظر الاعتبار مناسبة الحكم الموضوع، واعتبار القيم العقلية والإنسانية مقياسا لفعلية ما ارتبط بظروف المعركة من القيم الأخلاقية، كالتنابذ، ورفض مودة الآخر. وبالتالي ما نشاهده من سلوك فردي أو جماعي ليس بالضرورة ينتمي لخُلق القرآن، وليست كل قراءة لنص المدونة القرآنية موضوعيا، أو لم يتأثر بقبليات القارئ وأيديولوجيته. فالقرآن أفلح في تهذيب وضبط سلوك طيف واسع من المسلمين، وهم الطيبون والأبرياء والمخلصون. ولم يفلح مع من اتخذ إله هواه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). فهو بدلا من التمسك بأخلاق القرآن اتخذ من هواه إلها يستوحي منه فعل المنكر. وبهذا نفهم أن إرادة الإنسان شرط في تمثل القيم والأخلاق القرآنية

التحريض على القتال

لا ريب أن دوامة الحروب والمعارك  تورث الكراهية والأحقاد والثأر، والتنابذ والإقصاء وهجاء الدنيا، وتمجيد الموت. ويغدو الإرهاب في ظلها شجاعة، والعنف الأعم من القتل والاضطهاد وسلب الحريات، قيمة أخلاقية سامية، تنقلب معها مفاهيم الخير والشر. وقد دارت حروب طاحنة بين المسلمين ومناوئيهم، على مدى عشر سنوات، كانت فيها الآيات تترى، تحرّض على القتال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ). وتدعو للقطيعة والتنابذ: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وتغذي روح الثأر (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). والآيات تلغي البعد الإنساني لصالح البعد الإيماني، وتؤسس لأيديولوجية صارمة، تلغي إمكانية التواصل والانفتاح والتفاهم: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ). وهذه الآيات وغيرها كثيرة تضفي على العنف قدسية دينية، خاصة حينما تُقرأ بمعزل عن سياقاتها التاريخية والقرآنية. وأقصد بالأولى أسباب نزول الآيات، والظروف المحيطة. وأما السياقات القرآنية، فثمة آيات تحدد مصير الحرب، وتحول دون تماديها، فمثلا الآيات التي تحرض على العنف والقتال، تضع حدا لها: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ). فلا قتال ابتدائي، بل هو ردع للعدوان، حداً لا ينقلب إلى عدوان. وأيضا: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)، ولا تخفى الدلالة البلاغية في الآية، وهي تحث على السلم حتى وأن كان مجرد خدعة. أو (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). وبالنسبة للتنابذ كما في الآية المتقدمة، هناك آية تضع ضوابط للقطيعة، كما في آية: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، هذه هي حدود القطيعة مع الآخر. وهذا ليس تبريرا، بل مقتضى الموضوعية الاحاطة بجميع الآيات، من أجل رؤية شاملة. لكن رغم المحددات والضوابط، فإن آيات القتال والجهاد، أضفت قدسية على العنف المتجذر أساسا في الشخصية القبلية، التي تعتبر الشجاعة والفروسية أعلى وسام شرف، تجد صدقية هذا الكلام في فتوحات الخلفاء التي استمرت بدافع ممارسة العنف، تحت ذريعة دينية. فهي ترفع شعارات دينية، غير أن وقود المعركة روح العنف المقدس القابع في أعماقهم. وما لم يتم تفكيك مشروعية العنف، ومن ثم تفكيك منظومة القيم الأخلاقية القائمة على شرعية العنف، فإن النصوص المقدسة صريحة في موقفها من الآخر، وهي مطلقة وفقا لقواعدهم الأصولية، وبالتالي سيتوالد العنف، ويبقى ثاويا بانتظار لحظة انطلاقه تقربا لله تعالى، وهذا ما حصل للحركات التكفيرية التي استدلت بالنص دون الرجوع لخلفياته وأسباب نزوله ومبررات فعليته، وكأنها تبحث عن ذريعة لاستباحة دماء مناوئيهم، ولا تخفى الدوافع السياسية وحب السلطة وراء توظيف النصوص القرآنية.

وبالتالي لا يمكننا غض الطرف عن آيات الكتاب ودورها في ترسيخ ثقافة العنف، خاصة هي تعد القتلى والشهداء على هذا الطريق أرفع الدرجات في الآخرة التي هي طموح كل مؤمن: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). ولا علاقة للقضية هنا بقدسية الآيات وعدم قدسيتها، وليس الكلام حول مشروعية القتال، فالدفاع عن النفس والمبادئ عمل مشروع يتفق عليه الجميع. كلامنا هو حول تأثير دوامة المعارك والحروب في رفد ثقافة العنف، وما يترتب عليه من تداعيات. خاصة على السلم الأهلي، وفرص التعايش بين الأديان والثقافات. نحن نطمح لتأسيس رؤية تقوم على مبادئ الدين والقيم الإنسانية، تتفهم لظروف المعارك والحروب التي خاضها الرعيل الأول مع النبي الكريم، فلا يلتبس عليها الأمر، فالأصل للمبادئ والقيم دائما:

أولاً: عدم فعلية الجهاد بمعنى القتال، لعدم فعلية موضوعه. بعد انتفاء مبرراته، حيث شُرع للحفاظ على كينونة الدين، وقد أعلن القرآن انتصار الرسالة، ولم يعد هناك مبرر لاعلان حالة الجهاد، وباتت الوسائل الحديثة أمضى في نشر الرسالة والتعريف بها. بل أن سلوك المسلمين وأخلاقهم كفيلة بنشر قيم الدين، بينما باتت تبعات سلوك أتباعه ومعتنقيه عبئا عليه. وقد بينت هذا وغيره سابقا، ومفصلا في كتاب تحديات العنف (400 حجم كبير).

ثانيا: الفصل بين التجارب التاريخية للمسلمين والقيم الأساسية للدين، فلكل تجربة ظروفها التي يتعذر علينا الإحاطة بها، وثمة أحكام تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها، وحين الشك بسبب جهلنا بظروفها فالأصل الآيات المحكمة ومبادئ الدين. وبالتالي لا يمكن للفقيه أن يجعل من المعركة، ذات المعركة مصدرا لتشريع الأحكام، فيفتي وفقها. أو يقول مثلا، بما أن الرسول في المعركة المحددة اتخذ هذا الاجراء ففعله حجة، ثم يفتي وفقه. بإمكانه يفعل هذا حينما يحيط بظرفه الزماني والمكان، ومبررات موقفه، فيقيس عليه. أو يعتبره سنة، وهي حجة فيستمسك بها دليلا على المطلوب. أما وظروفها ملتبسة، أو مجهولة، فنشك في فعلية موضوعاتها، والأصل عدمها.

ثالثا: الإنسان محور الأديان، وهو خليفة الله في أرضه، وجاءت الأديان لترشيد وعيه، ووضعه على الطريق المستقيم، وعليه ينبغي تقديم مصلحته، التي هي ملاكات الأحكام، ولا نؤمن بأن المصلحة في نفس الجعل، كما يذهب لذلك بعض الفقهاء، بل أن الأحكام تراعي مصلحة الإنسان، لذا لا تحل الأديان محل العقل، ولا تسلب الفرد حريته وإرادته، ويبقي كل إنسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته.

رابعا: الحُسن والقُبح عقليان. الحسن ما حكم العقل بحُسنه، والقُبيح ما حكم العقل بقُبحه. فتكون أحكام الشريعة إرشاد لأحكام العقل: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)، (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فهي تؤكد ما حكم به العقل، سابقا على الشرع. فسواء كان الإنسان مؤمنا أم جاحدا بوجود الله وأنبيائه ورسله. وسواء كان عادلا أو ظالما، فهو يحكم بحُسن العدل، وقُبح الظلم ما لم يكابر.

والسؤال ما هو حكم العقل بالآيات التالية التي ظاهرها القسوة وربما الظلم بنظر بعض الناس؟: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

لا إشكال فيها، وجميعها حسن، وفقا للاتجاه الأشعري: "الحسن ما حكم الشارع بحسنه، والقبيح ما حكم الشارع بقبحه". لكن الإشكال يأتي وفقا للاتجاه العدلي / المعتزلي / الإمامي. إذ يقع التعارض بين حكم العقل وحكم الشرع. بين القصاص العادل، النفس بالنفس، وبين الإفراط بالقوة والعنف. وهنا لا تختلف القاعدة "الحُسن ما حكم العقل بحُسنه والقبيح ما حكم العقل بقُبحه". لكن ثمة فارق بين العقل البشري والعقل المطلق. الله تعالى محيط بكل شيء: (إِنَّهُ بِكُلِّ مُّحِيطٌ شَيْءٍ). وعدل الله مضمون حسب الفرض، لغناه، وعدم افتقاره: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). فالسؤال إذا هل يصدق مفهوم العدل على جملة الأحكام القاسية أو الظالمة كما في الآيات المتقدمة وغيرها؟. نعم يصدق مفهوم العدل حينما نضع أيدينا على خلفيات الحكم، وأسباب صدوره، وما هي مبرراته. كل أحكام الجهاد بمعنى القتل، نزلت في ظروف المعركة، فكان دورها التوجيه والحض والتعئبة. وجميعنا يعلم أن قرارات المعاركة استثنائية، تفرضها ظروف الحرب. فقد يتخذ قائد الجيش قرارا لكسب المعركة مهما كانت تجاوزاته. وفعندما يحاصرك العدو لا تتردد في الدفاع عن نفسك بجميع الأسلحة المتاحة، ولا تتردد باستخدام الأسلحة المحرمة لانقاذ حياتك وحياة جنودك. وعندما نعود لآية السيف التي خلقت جدلا واسعا ومايزال، فإن أحكامها استثنائية وغير مطلقة، لكن الفقيه يصر على إطلاقها، وعلى هذا الأساس ارتكزت لها الحركات المتطرفة في استباحة دماء الآخر، بما فيهم الآخر الداخلي. لكن عندما تقرأ الآية ضمن سياقها القرآني، تجد مبررا لقساوة الأحكام، وهي أحكام خاصة بمجموعة من المشركين، يكيدون للنبي بلا هوادة، كما تصفهم الآيات التالية. فهم لا يجنحون للسلم، وإذا عهدوا لا يفون بعهدهم، وإذا ضفروا بالنبي وأصحابه يقتلونهم: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ).. (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)... (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ). ورغم ذلك تقول الآية: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ). وهنا لا توجد  مقايضة، بل أن من يتصف بهذه الصفة يؤتمن جانبه. وبالتالي فوفقا لملاكات بعيدة لا يحيط بها الفرد العادي قد شرّع الله هذا الحكم، فهو عدل وفقا لملاكاته. لا أقصد التبرير، لكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات، وفقا لمبادئي في فهم القرآن. فثمة آيات محكمات وأخر متشابهات، وثمة ثابت ومتحرك. ويبقى الأصل للمبادئ والقيم، ولا إطلاق للأحكام الاستنثائية ولا قدسية للتجارب التاريخية، إلا بحدود ظرفها الزمكاني.

الحُسن والقُبح

تقدم الخلاف التاريخي حول الحسن والقبح، هل هما عقليان، ومن أحكام العقل، أم شرعيان، ومن أحكام الشرع؟ فهل ثمة تسوية بين النظريتين، أم أن التعارض بينهما مستقر؟.

والجواب: ما لم يكن هناك موقف سلبي من العقل، كما عليه السلفي الذي يَحرُم العقل حقه في التفكير والابداع والحكم إلا على مثال كما يذهب لذلك الشافعي أو كما هي عليه النظرية الأشعرية، فإن التسوية بينهما ممكنة. فمن يقل بحكم العقل في المسألة، يقصد العقل المحض، المتحرر، قبل أن تفرض القيم والأحكام محدداتها وسلطتها عليها. فثمة قيم فطرية صادقة، تخضع لرقابة الضمير، فيشعر بسعادة الفعل الحسن، وبراءة ذمته، حينما يتطلب الأمر نوعا من التضحية، والعكس عندما يرتكب القبيح، يشعر بتأنيب الضمير، وعدم الرضا. أما من يقول: الحسن والقبح شرعيان، فهو ناظر إلى العقل بعد تلبسه بالأحكام الدينية. فالعقل لا يتخلى عن أحكامه، ويحكم بقبح القتل والظلم بعيدا عن الشرع، لكنه يخضع لأحكام الشرع، لوجود ملاكات، مصالح أو مفاسد غائبة عنه كل الحكم بإزهاق النفس (النفس بالنفس). الشارع لا يصادر حكم العقل، وليس له سلطة عليه، غير أن موضوع الحكم قد تغير. فالشارع عندما يحكم بالقصاص، لأن الجاني قد قتل نفسا محترمة، فيجب القصاص من باب العدل. فاختلف الموضوع، من قتل محض، إلى قتل القاتل / قصاص. فإذا كانت هذه التسوية صحيحة يرتفع التعارض على أن ينظر للخلاف من زاوية ملاكات الأحكام ومدى توافقها مع العدل والظلم.

لكن السؤال الأهم والأخطر، ماذا لو وقع التعارض بين حكم الشرع وحكم العقل؟. فما هو الأصل في المسألة؟

لا شك أن الأصل ما يحكم به العقل، لثباته وشموله: حُسن العدل وقُبح. ويقصد بالعقل هنا العقل المحض، المجرد عن أية أحكام مسبقة. وحينئذٍ لا تؤسس الآيات لحكم جديد، بل تكون كاشفة عن حكم العقل. فينتفي التعارض، حتى وإن لم ندرك ملاكاتها البعيدة: و"ما حكم به العقل حكم به الشرع".

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

س147: د. صادق السامرائي، طبيب وكاتب وشاعر / أمريكا: هل أفلح القرآن في تهذيب وضبط سلوك المسلمين، ولماذا؟!!

ج147: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الدكتور صادق السامرائي شكرا لمشاركته في الحوار من خلال أسئلته القيمة.

لا شك أن السؤال، في ظل انهيار القيم الأخلاقية والدينية، يجد مشروعيته في قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، فأين مصداقية الآية، في ظل سلوك غير سوٍي. لا ينتمي لقيم الدين، حيث القمع والعنف والإرهاب، وسفك الدماء وهدر الثروات، ومصادرة الحريات، ونبذ الآخر، خلافا لما هو متوقع من الآية؟. فمن حق السائل - إذاً - الشك بقدرة القرآن على تهذيب سلوك المسلمين. بل وحتى تحميله مسؤولية ذلك، باعتباره مرجعية فكرية وثقافية وأخلاقية لأتباعه. كما الدين مقوم أساس للهوية، منه تستمد صدقيتها في بعدها الثقافي والسلوكي. وهذا يتطلب تفسيرا موضوعيا لهذه الظاهرة، لا يجافي الواقع وتحدياته، ولا يطمح لصورة مثالية، بل كحدٍ أدنى اختفاء السلوك الخطأ كظاهرة. فالجواب يتوقف على أمرين:

الأول: مدى صدقية المفاهيم الأخلاقية القرآنية، ومدى التزام المسلمين بها؟.

الثاني: مدى تأثّر الأخلاق بالأحكام الشرعية؟ ومدى انعكاسها على سلوك المسلمين؟.

المفاهيم القرآنية

قدّم الكتاب الكريم منظومة تصورات عن الكون والحياة ومصير الإنسان. وشرّع مجموعة أحكام لضبط الجانب السلوكي (العبادات والمعاملات). وإلى جانب هذين الأمرين، اعتنت الأديان والكتب السماوية جميعا، والقرآن خاصة بالأخلاق، باعتبارها مقوّما أساسا لسلوك الفرد والمجتمع. لكن السؤال الأهم عن ماهية الأخلاق التي أكد عليها الكتاب؟ فهل هي مثالية غير قابلة للامتثال والتطبيق، أم أخلاق واقعية، ممكنة؟

بغض النظر عن موضوع الحُسن والقُبح، وهل هما عقليان كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وتبعهم الشيعة الإمامية، أم شرعيان، كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة ومن تبعهم. نجد المفاهم القرآنية، بمعزل عن الأحكام الشرعية، مفاهيم إنسانية، تنسجم مع الفطرة البشرية ومع العقل، وتتفق مع مبدأ العدل، حيث اعتبرت الإنسان بما هو إنسان قيمة عليا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وكثير من الآيات خاطبت الإنسان بما هو إنسان بصيغ مختلفة: يا أيها الإنسان، يا أيها الناس، يا بني آدم. وكذا آيات الاحسان والحث على إطعام الفقير والمسكين، لم تشترط الإيمان ولا الإسلام. وكذلك الوصايا العشرة التي تعهدتها الرسالات، فهي وصايا إنسانية – أخلاقية. أنظر: (سورة الإسراء، الآيات: 23 - 38)، التي ختمها في الآية: 39: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا)، وهذا شاهد يؤكد أنها أخلاق دينية – إنسانية، مادامت الحكمة مشترك إنساني بين الأنبياء وغيرهم: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، ولم يكن نبيا. (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). بل هي أخلاق إنسانية أقرتها الرسالات، فيكون أصلها إنسانيا، لذا يؤمن بها ويتمثّلها المؤمن وغيره باعتبارها قيم أخلاقية إنسانية سامية.

فالكتاب الكريم طرح عبر آياته منظومة أخلاقية قادرة على تهذيب سلوك الفرد والمجتمع شريطة الامتثال والإلتزام، وعدم تسويف الأخلاق من خلال تبريرات فقهية، بمختلف الدواعي. وأقصد بالعقل خصوص العقل المحض.. العقل الحر، المتحرر من أية قيود تفرضها التشريعات والتقاليد والعادات.. فالعقل بطبيعته يقول بحُسن العدل، وقُبح الظلم. وحُسن الصدق وقُبح الكذب. وبالفعل جسّد الرعيل الأول، بما فيهم النبي الكريم أخلاق الدين، قياسا بالأخلاق القبلية التي كانت سائدة قبل نزول الوحي. أو أغلبها، إذ لا يمكنني إدعاء مثالية سلوك المسلمين، وأنا أقرأ عن الثقافة القبلية التي طفت فوق الإيمان بعد وفاة الرسول، وهذه حقيقة تاريخية عندهم، لكن بشكل عام كان سلوكا أخلاقيا. الدين لا يعني سلب القيم القبلية إيجابياتها والتنكّر للفضائل الحميدة، غير أن الرعيل الأول إتسم بحسن السلوك والخُلق، وقد شهد الكتاب لخُلق الرسول، عندما قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). كذلك يصف صفاته في تعامله مع الناس: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). بل ويسدد القرآن سلوك النبي، كي يبقى مثالا للأخلاق الحميدة، كما في قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ).  (.. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وهذا ينعكس تلقائيا على سلوك المسلمين. وعندما تخذلهم إرادة التقوى أو يجتاحهم اليأس يذكرهم بالنبي وأخلاقه، ويدعوهم للتأسي به: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). كما يعلمه القرآن السلوك الأمثل شرطا لنجاح رسالته: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). والحكم ليس عاما، ولا يعني حدوث انقلاب جوهري بدون استعداد نفسي، ولا شك بوقوع مخالفات، وثمة من كان ينافق في دينه وسلوكه وأخلاقه ومشاعره. تجد مؤشرا لكلامي في الآيات التي نهت عن شرب الخمر والميسر، حيث المقاومة والمراوغة والرفض كانت واضحة. وأيضا آيات  غض البصر للمؤمنين والمؤمنات. وآيات المنافقين. وكل هذا أمر طبيعي. التربية والأخلاق تحتاج لوقت وثقافة وتمرين، وتستدعي استئصال تراكمات الماضي ومشاعره وقيمه. لكن بشكل عام مثل الصحابة مستوى من الأخلاق استدعت ثناء القرآن، كمصفوفة آيات بدأت بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الى آخر سورة الفرقان. وغيرها آيات كثيرة. وكقول الرسول الكريم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا استكى منه عضوا تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ينبغي التمييز بين الأخلاق كملكة نفسية، تطبع مشاعر الإنسان وسلوكه. والأخلاق التي يتكلفها الإنسان تحت ضغط القيم والأعراف والخوف. فالأخلاق الاجتماعية تارة سجية بشرية وتارة خوف وتربص. الأولى يكتب لها الاستمرار، لكن قد تنزلق أو تندثر تحت وطأة أخلاق الخوف والرعب. وكلا النوعين كان موجودا في سلوك الصحابة، إذ لا شك بحدوث تحوّل أخلاقي لدى شريحة واسعة منهم، وأيضا فيهم من كان يتكلف الأخلاق، ويتظاهر بها، وقلبه أشد نفاقا: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). يتربص بالدين الجديد وقيمه وأخلاقه. وبشكل عام كان أكثر من سبب وراء مصداقية الخُلق القرآني المتجسّد في سلوك المسلمين. أهمها نزول الوحي، وصرامة رقابته على سلوكهم وتصرفاتهم. وثانيا وجود القدوة الأخلاقية، وشدة تعلق أصحابه به، والتأسي به، وتعهد سيرته. فكانت التضحية والإيثار والصدق والإخلاص، وهي قيم أخلاقية كبيرة، صفة ملازمة لسلوكهم. وكان للعوامل الخارجية أثر واضح إضافة للتقوى والورع، خاصة الحضور القوي للنبي القدوة. لذا بعد غيابه اتخذت أخلاق المسلمين مسارا طابعه التأويل، للالتفاف على خُلق القرآن، وكان التوظيف السياسي للدين بعد وفاة الرسول، وما رافقته من أحداث وتراشق بالألفاظ داخل سقيفة بني ساعدة من قبل كبار الصحابة، مؤشرا واضحا على المسار الجديد. فالتأويل يشط ما لم تضبط الأخلاق أداءه، وحينما تتقاطع المصالح، يتخلى عن أخلاقه بتأويلات جديدة، كأن يفترض وجود مصلحة أعلى تبرر سلوكه، والمصلحة ليس سوى مصلحة الشخصية أو مصلحة حزبه وطائفته. ومع الدولتين الأموية والعباسية وما صدر عن الخلفاء من تصرفات، واستبداد وظلم وعدوان ومجون واستباحة ثروات المسلمين، فقد المسلمون صدقية المجتمع الأخلاقي، واقتصر الأمر على الأفراد دون الجماعات.

قد يقال أن الأخلاق نسبية، تتأثر بظرفها الزماني والمكاني، وبمصحلة الأفراد والمجتمع، وهذا لا يخلو من صحة، شريطة أن لا يخرج عن قيم العدل والانصاف والقيم الإنسانية وأن لا يصل حد القتل وإزهاق النفس المحترمة، تحت ذرائع واهية، وتلفيقات تفرضها المصالح الشخصية والسياسية، توظف النص الديني، والمفاهيم الفضفاضة للانتقام من المعارضة والخصم السياسي، كما بالنسبة لمفهوم الفساد في الأرض، فهو لم يحدد قرآنيا، اعتمادا على دلالته آنذاك، غير أن بعض الجهات القضائية، استغلت المفهوم، فكان سلاحا رادعا للمعارضة بغطاء ديني شرعي، تقول الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). فيبقى مصداق الفساد في الارض مرتهنا لفهم القاضي، حينما يكون موضوعيا، وبامكانه تقديم تأويلات تخدم مصالحه الشخصية والحزبية، فيضطهد المعارضة السياسية، باسم المصلحة العليا، فتكون المعارضة فسادا في الأرض تستحق العقوبة. والله أعلم كم زهقت أنفس بفعل هذه الآية، ذنبهم الوحيد معارضة الأنظمة القمعية، فيصدق عليهم عنوان: مفسد في الأرض، وتشمله الآية بعقوبتها الصارمة.

وبالتالي فإن تقويم السلوك أخلاقيا يتقوم بالامتثال، عندما تكون القيم الأخلاقية قيما إنسانية عقلانية قائمة على العدل وعدم الظلم. والامتثال تجلٍ لوازع نفسي ترعاه التقوى والتربية الحسنة.

الفقه والأخلاق

الأخلاق سجية نفسية، يشعر معها الفرد بالبراءة والارتياح عندما يتماهي مع قيمه الإنسانية في سلوكه الأخلاقي، وعلى العكس يغمره الندم، وتأنيب الضمير واللوم عندما يقترف فعلا لا أخلاقيا (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ). هذا هو سلوك الفرد السوي، وفقا لفطرته وطبيعته البشرية: أنه يشعر بالبراءة والارتياح لعمله السوى، ويشعر بالندم جراء سلوكه القبيح. خاصة مع الظلم والعدوان وخداع الآخرين. هذا عندما يكون حرا، قادرا على الاختيار بعيدا عن إملاءات مختلف الأحكام والأعراف والتقاليد، حيث تفرض مفاهيم تستمد شرعيتها من انتمائها الديني أو الأخلاقي أو القَبلي. فيحدث انقلاب مفاهيمي، يبرر الظلم والعدوان. فمثلا القتل قبيح بحكم العقل، لكنه يغدو حسناً، مبررا بفعل القيم الجديدة. من هنا لعب الفقه دورا سلبيا عندما تواطأ مع السلطان الحاكم، وراح يبرر ظلمه وتعسفه تحت شتى الذرائع، التي تفوح منها المصالح الشخصية والطائفية. ويمكن هنا الإشارة إلى الفقه السلطاني، وما صدر من فتاوى تمنح الخليفة والسلطان حصانة ارتفعت بهما فوق النقد والمحاسبة. ومنحتهما حقوقا مطلقة على حساب القيم الدينية والإنسانية، فأصبح سفك الدماء مباحا بل واجبا، وظلم الناس والمعارضة من مقتضيات المصلحة العامة، وهدر الثروات والإسراف كرم. ولا فرق بين مذهب وآخر، فجميعها أصدر فتاوى سلطانية، قلب فيها موازين القسط والعدل، مراعاة لمصالحه السياسية والمذهبية.

وبهذا الشكل ساهم الفقه بتزوير الحقيقة، وشرعنة العمل اللأخلاقي، وغدا سلوك الخلفاء والسلاطين مرجعية ومقياسا وقدوة للمسلمين في سلوكهم العام. لأن الفقيه في وعي الناس مصدر الشرعية بعد الكتاب والسنة، وأقواله أقوال الشريعة الإسلامية. فبعض فتاوى الفقهاء، خاصة الفقه السلطاني فرضت نفسها مرجعا لاستعادت تشكيل القيم الإنسانية، حتى تشكّل نسق مفهوم مواز، وهذه المرة مصدره التشريع، الذي يعني الله لدى العامة من الناس. والله يتقدم على الإنسان على كل حال. وهذا الاتجاه تم تأصيله على يد الأشعري تحت عنوان: الحُسن والقُبح الشرعيان، في مقابل الحُسن والقُبح العقليان: (فالحسن ما حسّنه الشرع وإن حكم العقل بقبّحه. والقبيح ما قبّحه الشرع وإن حكم العقل بحسنه). وهنا المشكلة عندما يلتبس البشري بالإلهي، والمدنس بالمقدس، ويرقى الفقيه وفتاواه لمصاف الكتاب والصحيح من السيرة، فيغدو مصدرا للتشريع، يحل محل المصادر الأساسية.

- ومثال آخر، القول بالتقية، خاصة لدى الطائفة الشيعية، التي تسببت في تسويف الأخلاق عندما تتجاوز الضرورة القصوى. لأنها تعني إظهار عكس ما تستبطن وتؤمن به. فتبيح الكذب عند خطر الموت مثلا. لكنه يغدو محرّما حينما يتجاوز ضروراته، وهو ما نشاهده لدى بعض الناس.

- وأيضا ما يعرف بالحيل الشرعية للالتفاف على الحرام، فالفقيه بدلا من التأكد من حرمة الشيء يلجأ لحيلة شرعية لتحليله. فيقوم بتسويف الأخلاق عندما يفتح الباب أمام الحيل الشرعية لاستباحة المحرمات. ومثاله، كان الفقهاء يحرّمون بيع وشراء الكحول المعدوم لأغراض التداوي أو خلطه مع بعض الأصباغ وغيرها من الصناعات، فيضطر البائع للتخلص من حرمة بيعه بحيلة شرعية بإذن الفقيه، فيبيع للمشتري القنينة دون الكحول!!!، وبهذه البساطة يصبح المحرم مباحا. وهذا ضحك على الذقون، واستغلال للناس الطيبين ممن يثق بالفقيه وفتاواه. وبهذه الطريقة بدأ تسويف الأخلاق. وتصور حجم المخاطر في القضايا الكبرى حينما تلتف الفتوى على الحرمة وتبيح سرقة الأموال وحلية سفك الدماء. أو ما تأخذه البنوك الإسلامية من أرباح مضاعفة تحت ذرائع فقهية في حين تحرّم أرباح البنوك العادية التي هي نسبة ضئيلة عادة. لكن الأولى حلال بنظر المشرع الديني مهما ارتفعت، والثانية حرام!!!.

- والأخطر تقديم الأهم على المهم الذي يخضع لمعايير أيديولوجية وطائفية وحزبية. فتقديم الأهم على المهم قاعدة أصولية يرتكز لها الفقيه في استنباط بعض الأحكام الشرعية، فيكون انقاذ الغريق أهم من ارتكاب حرمة دخول الأرض المغتصبة. وهي قاعدة صحيحة بشكل عام حينما تتعلق بانقاذ النفس البشرية، لكن من يحدد الأهم والمهم في غير هذه الموارد؟. هنا تتدخل قبليات الفرد في ترجيح الأهم على المهم. خاصة في قضايا الدماء والأموال. وقضايا السلطة والمعارضة. فكم من ضرورة يعتقد بها الحاكم ليست بضرورة لدى العقلاء، كالإجراءات الاحترازية ضد المعارضة السياسية، فقد يعترف بضرورة المعارضة السلمية، لكن يجد بقاءه في السلطة أهم، فيضطهدها، ويحرمها من حقوقها المشروعة. وأيضا الند الديني والمذهبي. فالعوامل النفسية والدوافع الشخصية تلعب دورا في تقدير الأهم، والتجاوز على المهم.

- وقد ينقلب الحرام إلى مباح وربما مستحب أو واجب، كاستباحة حرمة أموال الآخرين وعرضهم وحياثتهم، تحت مبررات طائفية، تستمد شرعيتها من حديث الفرقة الناجية. فبما أنها الفرقة الوحيدة الناجية، وهي الوحيدة على الحق وغيرها على باطل، فتجري عليها أحكام الكفار والمحاربين وأهل الذمة، وتبيح دماءهم وأموالهم، وتجد غلاة الشيعية يلعنون الخلفاء في زيارة عاشوراء لضلالهم كما يعتقدون!!!.

- كما كان للأخلاق القبلية الموروثة دور في هتك الأخلاق الإنسانية، خاصة سبي النساء، وحليّة أعراضهن، وبيعهن وشرائهن، تحت عناوين قد تكون لها مبررات تاريخية كما تقدمّ، لكن كيف نبرر استمرار ظاهرة السبي، ومازال فقهاء المسلمين يتناولونها كأحكام شرعية ثابتة ومطلقة في كل زمان ومكان؟. فالمدان في هذه الحالة ذات القيم والأخلاق الدينية، وليس سلوك الناس خاصة. فـ"تشيئة" الإنسان في لحظة تاريخية بفعل الاختلاف الثقافي والديني، لا يمكن تبريره، خاصة بعد تطور حقوق الإنسان، وانتشار ثقافة الإنسان. لا شك أن التبرير ممكن، لكن الحديث عن مدى تأثير هذه الظواهر في سلوك الإنسان؟.

وللموضوعية أن القرآن لم يشرّع سبي النساء، ولم يعترف به صريحا، لكنه اعترف بوجود ملك اليمين، مطلق ملك اليمين، من أي مصدر كان، بالبيع والشراء أو الهدية، وكانت واقعا عمليا قبل الإسلام وبعده كما مرًّ بيانه. يتصرف بها مالكها كيفما يشاء: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ). (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، والآيتان لم تنسبا ملك اليمين للسبي. بل تشير إلى واقع كان موجودا آنذاك. وهذا ليس تبريرا، بل هو منطق الدليل القرآني. ويبدو أن سبي بني قريضة التي حكم بها سعد بن معاذ هي الغزوة الوحيدة التي حصل فيها السبي، لكن غدا حكما شرعيا وتشبث به الخلفاء وإلى يومنا هذا. وأخبار الجواري والسبي وليالي الخلفاء الحمراء وكثرة ملك اليمين، مما يبعث القرف في نفوس الناس. هذه هي الحقيقة النهائية، خاصة والسنة النبوية عندهم حجة مطلقا. وعندي أن دائرة الحجية تقتصر على ما له جذر قرآني، وليس للسبي جذر قرآني، وهي على فرض حجيتها تمثّل رؤية اجتهادية للنبي في وقته، ويمكن للفقيه اليوم تحريم السبي، لعدم فعلية موضوعه، واختصاصه بواقعة واحدة.

لكن ماذا عن أخلاق العنف والإقصاء التي عززتها آيات الكتاب؟ وكيف نفهمهما ضمن هذا السياق؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على سؤال الأستاذ هاشم صالح.

 

 

القيمة العلمية لمعاجز الأنبياء

س142: هاشم صالح / العراق: من خلال بحث مستمر ومتواصل وقراءة متأنية  في مسألة القصص الواردة في القرآن وتقصي تفسيراتها وجدت أنها لا تنسجم مع العقل والواقع والسنن والقوانين الكونية، فهي حادثة مروية في كتب الأسفار والأناجيل حدثت في مكان ما وزمن معين ومن ثم لم تتكرر هذه الحادثة من قبيل حادثة ذبح البقرة للكشف عن الجاني الذي قتل واحدا من بني إسرائيل!! وبطريقة خارقة للنواميس ورفع الطور وإماتتهم ثم بعثهم من جديد. وقصة هاروت وماروت الملائكة التي نزلت تعلم البشر السحر وأصحاب الكهف وإحياء الموتى ونزول المائدة من السماء ونزول المن والسلوى وغيرها من القصص التي تعطي تصورا أن أهل تلك العصور كان بإمكانها مشاهدة الملائكة والتحدث معهم بصورة مباشرة. وأن الشيطان يتكلم مع الله بدون واسطة وكذلك الجن وهذا العالم كان مشحونا بالصعود والنزول وأن الله كان متحيزا لشريحة ما وكان  يتدخل في توجيه البشر بشكل مباشر وهذا ما لا نراه اليوم كأننا في صمت مطبق او لربما هذا الوجود هو بهذه الكيفية منذ خلق. إلا أن التصور الذي هيمن على العقل بسبب قراءة النصوص القصصية بطريقة حرفية جامدة قلب تصورنا عن الوجود بشكل مغاير للحقيقة التي نعيشها وعاشها أسلافنا من قبل . فالعقل الآن أصبح لا يقبل الاعتقاد بمجرد النقل للوقائع التاريخية من دون تقصي حقيقي لها ومطابقتها مع الواقع  للوقوف على كل جوانبها التاريخية ..

فما هو رأيكم السديد بكل ما ذكرت رغم أن هذا الموضوع قد تم مناقشته من قبل الباحثين في الفن القصصي للقرآن وتم تقديم حلول  مبنية على عصمة النص وقدسيته وعدم المساس به فكان الحل مجرد توجيهي ينفر منه الطبع والعقل .. ولكم فائق شكري وتقديري

ج142: ماجد الغرباوي: الأستاذ القدير هاشم صالح، شكرا لثقتك ومشاركتك الحوار من خلال موضوع مهم، يراود من يفهم القداسة بشكل مختلف، بعيدا عن الصنمية والجمود والتسليم اللاعقلاني.  

القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرّع في الحكم عليه، وهو ذات المنطق القرآني لمن يفهمه: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً). فالوعي شرط في صدقية الإيمان، إذ جاءت الآية ضمن مصفوفة آيات تتحدث عن صفات المؤمنين. أو (عباد الرحمن) بالتعبير القرآني، من الآية: 63 إلى نهاية سورة الفرقان. ومطلعها: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ..). فالسؤال حالة صحية، أعرض عنه المسلمون بفعل التراث الذي كرّس التبعية ومجّد التسليم والانقياد لغايات سياسية وأهداف طائفية. ولازمه حرمة السؤال والنقد والمراجعة، سوى التلقين، باعتباره رؤية صادرة عن عقول مطلقة، معصومة، تتصف بصفات الكمال. فهي فوق التاريخ، وصالحة لكل زمان ومكان. فيصادرون حق السؤال وهو مشروع. وما تفضلت به سؤال مشروع، يستدعي إجابة موضوعية. فإن معجزات الأنبياء لا يمكن للعقل قبولها بعيدا عن سياقاتها ودلالاتها، وقد يُسلّم بها بناء على قداسة النص.

أساسا لا يصدق مفهوم المعجزة ما لم تكن خارقة للقوانين الطبيعية ظاهرا. لكن غرائبيتها لا تعني بالضرورة عدم صدورها أو تعارضها للعقل، فقد تكون قد صدرت فعلا لكن وفق قانون غير مكتشف، فينتفي التعارض بين العقل والنقل. أو ربما يراد بالنص خلافا لظاهره، فيقرأ ضمن سياقاته، كما مرَّ بنا في البحوث السابقة حول بعض المعجزات ودلالاتها الواقعية. ولا تفقد المعجزة قيمتها الاعجازية لو اكتشف العلم مستقبلا قانونها، لأنها كانت معجزة في زمن ما، وقد حققت أهدافها آنذاك، لذا لم تتكرر المعجزات بل تختلف من وقت لآخر. وما كان معجزة قد لا يصدق عليها المفهوم في ظل الفتوحات العلمية المذهلة، حتى باتت الهندسة الوراثية تتحكم بالصفات الوراثية. فالمطلوب وفقا للمنطق الديني هو التسليم بصدق الكتاب في إخباراته. وأما دلالات النص فمتروكة للمتلقي وقدرته على فهمه وعدم الاكتفاء بتفسيره. والفهم: إدراك واعٍ لما وراء ظاهر النص، وقدرة على فهم رمزيته ودلالاته المتوارية: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)، فالوعي شرط الفهم، ومفتاح التأويل والقراءة الرمزية. وبالتالي معجزات الأنبياء تقرأ ضمن سياقات الكتب السماوي التي لها خصائصها ولغتها التي تحدثت عنها. أعني تقرأ في سياق لغة الكتاب وهدفه ورمزيته أو تنقلب خرافات مسطورة في ظل عقول فتاكة باتت ترهن إيمانها للدليل والبرهان، يهون عليها تمردها والاستغناء عن الدين وإعلان إلحادها. عقول ترفض كل تبعية وانقياد باسم القداسة والأديان والكتب السماوية. فمنهج القراءة له دور كبير في انتاج المعنى، ليس تزلفا للآخرين، بل لمقاربة الحقيقة، والتوصل لصيغة عقلانية تدرك ما وراء النص من دلالات رمزية ضمن الأطار الكلي للكتاب وفي سياق أهدافه ومحاوره. وحينئذٍ ستنتفح آفاقا جديد للمعرفة، وفهم جديد لقصص القرآني، نجاوز به إشكالية تقاطع العقل والنقل.

تناولت البحوث المتقدمة فلسفة الخلق، وكانت قصص الأنبياء حاضرة، وقد تركّز الكلام حول غرائبية قصة خلق الإنسان من طين، وترى الكتاب يؤكدها في آيات عدة مرَّ استعراضها. وهنا نستثمر السؤال لوضع منهج لفهم قصص الأنبياء، نتجاوز به التعارض بين العقل والنقل، حيث غرائبيتها في وقائعها. لا نريد منهجا ترقيعيا أو توافقيا للهروب من الإشكال، لأنها هزيمة مضاعفة، مع إمكانية توظيف العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص، والاستفادة من آلياتها. وهذا لا ينقص من قدسية الكتاب أو التشكيك بقصصه والحكم بخرافيتها، لأن اللغة الدينة كما تقدم لغة مختلفة، تخدم هدف الدين وغاياته ومقاصده. وبالتالي فذات المنهج في قراءة قصة الخلق سيكون منهجا لفهم قصص الأنبياء. وأشير لملاحظة: إن وجود القصص في كتب سماوية وتراثية سابقة لا ينقص من قيمتها الرمزية. كما أن روح الأديان واحدة في قيمها ومبادئها بل وحتى قصصها التاريخية لوحدة تاريخ رسالات ومعاناة الأنبياء. ورغم وجود قصة الخلق في التوراة وقبلها في أساطير الأولين، غير أن البحث توصل لنتائج مختلفة من خلال آيات الكتاب الكريم. كما أن هدف السرد قد اختلف لاختلاف منهج تناول القصص، بين الوقائعية والرمزية، التي كشفت عنه دلالات ومضمرات تنتمي لقيم الدين وهدف السرد.

المنهج

فيما يلي ملخّص لمنهج فهم قصص القرآن، وقد تقدم تفصيله ضمن قراءتنا لقصة الخلق. فهنا الإيجاز وهناك التفصيل.

- إن اللغة الدينية لغة رمزية تكتفي بالإشارة دون التفصيل وبالتلميح دون التصريح، وتتخذ من تقنيات التعبير اللغوية أساليب للتعبير عن المعنى، فيحتاج فهمها لتأمل وإمعان النظر. أو باللغة القرآن، أن فقه النص متاح لأولي الألباب القادرين على تدبّره وتحري ثيمته ومضمراته. وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد إيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية، حتى وهي تسرد وقائع ضمن سياق القصص.

- إن الهدف من القصص قرآنيا هو العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). لذا ارتهن إدراكها لأولي الألباب، مما يؤكد دور التأويل، وبالتالي رمزية وقائع جملة من القصص، التي يرتهن لها السرد في تحقيق أهدافه، باعتبارها أقوى وسيلة آنذاك للتعبير عن الثيمة الأساسية. لذا تجد الآيات تهتم بالعبرة والعظة على حساب وقائعية القصص.

- الحق في آية: (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، يدور مدار الهدف القرآني، العبرة والعظة، ولا يدور مدار وقائعية القصص دائما، كالأمثال التي هي حق في دلالاتها ولوازمها بغض النظر عن وقائعيتها، لأن غايتها استفزاز وعي المتلقي، لتحري دلالات الربط بين المثل وما يريده ويقصده. فتارة الرمز أقوى من التصريح، لقدرته على تكثيف المعنى وتخليده، فيستجيب لمختلف الثقافات والقراءات، بينما القصص الواقعي يفرض عليك محدداته.

الرمز يتدارك قصور اللغة عندما تضيق بالتعبير عن حقائق الأشياء. أو بتعبير "النفري": (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). ويحتفظ بخصوبته وثرائه، مادام المتلقي شريكا في استخلاص المعنى. وهذا سبب تعدد الفهم بتعدد البيئات الثقافية.

- يعتبر تصديق ما جاء في بعض التوراة والأنجيل وجعل الكتاب مهيمنا عليهما أستراتيجية قرآنية،: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ). (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ). (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). وهذا يقتضي تصديقا ظاهريا لما جاء فيها من قصص، وتوظيفها ضمن الهدف الأساس، كما قرأنا في قصة أصحاب الكهف، حيث ذكر كل ما ورد عندهم من روايات حول عددهم، ومدة لبوثهم، ولم يبت بالموضوع، تمشيا مع منهج أهل الكتاب الذي كان يرتهن تصديق نبوة محمد، بما يوحى له حول قصص الأنبياء والصالحين. وبذلك اكتسب النبي الجولة، وحقق كامل أهدافه من القصة. وهكذا الأمر بالنسبة لغيرها من القصص.

- ثمة اختلاف بين القراءتين الوقائعية والرمزية من حيث منهج فهم وتفسير قصص الكتاب. الأولى تقف على ظواهر النصوص دون تأويلها. وهو منهج تراثي غالبا، يتحرى القصص باعتبارها واقعا ملموسا، ويواجه الإشكالات العلمية بدعوى التسليم، ويضطر لملء فراغات السرد القصصي بروايات وحكايات تراثية تتصف بخرافيتها، وروايات كتب قصص القرآن شاهد على ذلك. بينما يرتكز منهج القراءة الرمزية للتأويل باعتباره منهجا قرآنيا وآلية لإدراك ما وراء ظواهر النصوص من دلالات ومضمرات. التزما بهدف القرآن من سرد القصص.

أنواع القصص

يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنواع من القصص في القرآن، تشتغل ضمن سياقات السرد القرآني ومقاصده، جميعها يتحرى قوة إيقاع النص على مسامع المتلقي. فهي تستهدف وعي القارئ، من خلال مخيال السرد، وما يتركه من أثر يحصص مقاصده.

1- قصص واقعية عبّرت عنها الآيات بـ(أنباء الغيب)، كقوله تعالى:

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

- (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

2- قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي، مثالها مشاهد خلق آدم التي مرَّ بيانها: حوار الله مع الملائكة، وردهم، والسجود وغير ذلك.

3- قصص يراد بها تصديق أهل الكتاب، وهي أستراتيجية قرآنية، كان يرتهن لها أهل الكتاب لتصديق نبوة محمد، غير أن القرآن يوظفها رمزيا لصالح ثيمة وفكرة ضمن هدفه التوحيدي وربط الإنسان بخالقة، كرمزية الطين في قصة آدم.

نعود للسؤال:

إن الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تحقق مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. بهذا يمكن رفع التعارض بين العقل والنقل. بين قبول القصص ورفضها لتعارضها مع العقل، وافتقارها للدليل. فحينما نتحرى رمزية القصص ضمن الإطار الكلي للكتاب وهدفه الديني، ينتفي التعارض. لكن المشكلة حينما تحمل قصص الكتاب على وقائعيتها، ومطابقتها للواقع. فيكون دور النص نقل الواقع بتمامه، كما هو المنهج التراثي، الذي يجمد على ظواهر النصوص. فيقع المحظور. وهذا ليس تبريرا، بل لأن القرآن كتاب ديني، والسرد يقصد العظة والعبرة، فيستدعي التعبير الرمزي، الأقدر على تحقيق هدفه.

القصص الواقعية تلاحق الأحداث، وتنتظر نهايتها، بينما يفرض التعبير الرمزي عليك التأمل والتدبر، شرطا لإدراك ثيمة النص. بهذا نرفع التعارض بين العقل والنقل. بينما التفسير الوقائعي لجميع قصص القرآني، يضعك بين خيارين بين إطفاء العقل والتسليم المطلق، أو يقظة العقل ورفض النقل لتعارضه مع العقل. فالسؤال المتقدم مشروع، ما لم نقدم إجابة ترفع التعارض. والقصة صنف أدبي ليس حكرا على الكتب السماوية، وقد اتخذها الإنسان أسلوبا للتعبير عن بعض الوقائع أو للتعبير عن فكرة معينة. بل أن الجميع يلجأ للقصة إسلوبا لتعليم الأطفال، لعجزهم عن إدراك فكرة مجردة. فعندما تحذرطفلك من الكذب لا يبالي لكلامك، لعجزه عن تمثل فكرة الكذب، بينما بإمكانك ذلك عبر قصة خيالية غير واقعية، يتابع فيها تبعات الكذب، وما يؤول له مصير الإنسان.

 إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وبهذا يكون النص المقدس آفاقا للمعرفة الدينية، بعد تحري مضمرات النصوص والوقوف على سياقاتها ودلالاتها ورمزيتها. ولا يخفى ثراء ومرونة النصوص المقدسة، واستجابتها للتأويل، فهي إمكان شاسع في مدياته، تغري أولي الألباب في تأملها، والغور في أعماقها. فالقداسة لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته.

الطابع الغرائبي

احتج السائل الكريم  علىى غرائبية القصص، وافتقارها للدليل العلمي، فهي مجرد خرافات، وأخبار تناقلتها الكتب السابقة، ولم تقع ثانية، وهذا طبيعي. لا يمكن إنكار البنية الأسطورية للقصص والروايات غير الواقعية. كل ما في الأمر يرتهن فهمها في الكتب السماوية لسياقات النص ومقاصده من جهة، والتمييز بين القصص الواقعية والرمزية، وما يسرده ضمن استراتيجية تصديق أهل الكتاب.

وأما لماذا لم تتكرر المعجزات؟ وهو سؤال مشروع أيضا وقد أجاب عنه القرآن، عندما ارتهن المعاندون إيمانهم لنزول معجزة على يد الرسول الكريم، فكان الجواب: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ). فهي ليست شأنا نبويا بل شأنا إلهيا، له ضروراته. (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً). فالرسول بشر، والمعجزة خارقة للعادة، يُؤتى بها من جنس ثقافتهم، ومستوى وعيهم دليلا على نبوة الأنبياء. لا فرق بين المعجزات الحقيقية التي وقعت فعلا، أو يسوقها الكتاب كالمثل في دلالاته لتقريب الأفكار كما مرّ بنا بالنسبة لمعجزة عيسى النبي الكريم، وإحياء الموتى بالنسبة لإبراهيم.

الكلام عن المعجزات كلام عن التحقق الخارجي، وليس الإمكان، فكل شيء ممكن لله تعالى بالإمكان الفلسفي، المقابل للوجوب والامتناع الذاتيين. والسؤال هل حقا وقعت العجزات التي تضمنتها قصص الأنبياء أم هناك ما هو أبعد من الوقوع الخارجي. وقد اتضح بما لا مزيد عليه أصناف القصص ودلالاتها، ويمكن مراجعة التفصيلات السابقة.

من زاوية أخرى، ينبغي أخذ تطور العقل في رحلة الأنبياء، وقد بلغ العقل مرحلة متقدمة مع النبي محمد، أصبح قادرا على طرح الأسئلة النقدية، واستيعاب القضايا التفصيلة. وربما هذا أحد أسباب عدم الحاجة للمعجزة المادية. وربما أن جميع معاجز الأنبياء، جاءت ضمن خطابات الترغيب والترهيب أو جاءت ضمن تصديق ما بين يدي الرسول من التوراة والأنجيل، فتكون دلالاتها رمزية. وقسم أتى بها الكتاب لتقديم تفسير إلهي للحدث الكوني كنزول الأمطار والأمراض والرياح العاتية وانهيار المدن، فهي ظواهر طبيعية، تجري وفق قوانين كونية، فتكون مرتبطة بالله باعتباره علة الوجود، فتكون إنذارا وعقوبة ضمن سياقها التاريخي وتزامنها مع القوم الظالمين. وهذه القضايا ترتهن جميعها لفهم الوحي وحقيقة النبوة، وسيكون لنا حديث آخر حينئذٍ.

لا يمكن أن يكون التراث مرجعية تستدعي محاكمة كل ما فيه حول قصص الأنبياء، ومن يقرأ قصصهم في الكتب التراثية، يكتشف بجلاء فداحة العقل التراثي، وقد اكتفيت في هذه البحوث بفهم النص القرآني ومقارنته بالتوراة في بعض جوانب القصص. وقد ذكرت في بحث سابق أن رؤية الملائكة والجن مستحيلة، وقد سقت مجموعة أدلة قرآنية، فما جاء في السؤال حول الموضوع يشير بشكل غير مباشر للتراث، أما القرآن فلم يؤكده، ولم يبين لنا شيئا تفصيلا عن حقائق عوالم الغيب سوى إشارات وتلميحات. فهل يقصد بها كائنات حقيقية أم ذات الأسباب التكوينية؟

وأخيرا، سيكون التعارض مستقرا بين العقل والنقل لدى من يصرّ على وقائعية القصص بناء على ظواهرها. ويمكن لكل شخص التشبث بها واتخاذها دليلا على خرافية القرآن بل وخرافية المعرفة الدينية. وفي هذا ظلم عظيم، فالكتب الدينية لها لغتها ودلالاتها، وما لم تقرأ ضمن سياقاتها، تكون النتائج ضدها دائما وفقا للعقل الحداثوي. وبالتال المطلوب فهم النص وليس الوقوف عند حدود التفسير الظاهري له. وقراءة قصص القرآن ضمن شروطه والمنطق الداخلي للكتاب. فما كان منها رمزيا لا يمكن حمله على القصص الواقعي ومن ثم إدانة الكتاب.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com