المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (19): المثقف المستنير

majed algharbawi10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

س51: سعد جاسم: هل المثقف كائن عملي؟ أَمْ أنه كائن رومانسي؟ أَمْ هو كائن براغماتي؟

ج51: ماجد الغرباوي: ينبغي أولا تحديد المثقف، الذي سنقاربه في أمثلة السؤال؟ وهل ثمة من يحتكر المفهوم دون غيره؟.

يميّز المفكر الماركسي الإيطالي، أنطونيو غرامشي، بين "المثقف التقليدي"، الذي يرابط في برجه، متعاليا على الناس. و"المثقف العضوي"، ممن يعيش هموم المجتمع ويتبنى قضاياهم. والأخير، رغم أهميته، لا يخلو من سلبية عندما يُنيط به غرامشي مهمة استبدال المهيمن الثقافي الامبريالي الحاكم بمهيمن ثقافي تتولى طبقة المثقفين الجدد بناءه، كضرورة لحمايته وفرض سلطته. وهذه المهمة قد تستدرج المثقف لفعل أيديولوجي، يغلق منافذ التجديد والاستنارة العقلية، وتسجنه في أقبية الأيديولوجيا، فيفقد صدقيته في نقد الذات. ويركز نقده على الآخر دون الـ"أنا"، فتتراكم الأخطاء داخل ذات المهيمن الجديد حينما لا تطاله المراجعة والنقد، ويخسر صدقيته على المدى البعيد. المثقف داخل أسيجة الأيديولوجيا يمارس تنزيه الذات فلا يرى أخطاءه. وبالتالي فالمثقف العضوي لا ينجو من شراك الأيدولوجيا دائما.

من هنا سأعتمد، لتحاشي فخاخها ومطباتها، مفهوم "المثقف المستنير" بدلا من "المثقف العضوي" كمصداق حقيقي لمكوناته ومرجعياته، فيكون إطلاق المفهوم على المثقف التقليدي وما شابهه من أوصاف مجازا. وقد نوهت سابقا أن صدق المفهوم يتوقف على مدى تمثّل المثقف لجميع عناصر تكوينه: (معرفة، وعي، موقف)، وهذا هو معنى الاستنارة، فيختص المفهوم بالمثقف المستنير، دون غيره.

ينبغي التنبيه، ثمة تطابق بين مفهومي المثقف العضوي والمستنير، يكاد يكون تاما، لولا تداعيات الأيديولوجيا التي ربما تستدرج المثقف العضوي لا شعوريا، فيتعطل النقد الذي هو جوهر المثقف. أما الاستنارة فكفاح مستمر ضد الجمود والعمى الأيديولوجي، وتنزيه الذات، والتحيز التام. ونقد متواصل لمرجعيات المثقف ومواقفه ووعيه.

وأقصد بالموقف: الفعل الثقافي الذي يؤكد مصداقية المثقف، فيشمل: النقد والمراجعة والتثقيف وترشيد الوعي، وبيان الخطأ، وكشف الحقائق، وفضح التزوير والخداع باسم الحقيقة مهما كان مصدرها، عبر جميع الوسائل المتاحة. فالمثقف المستنير ملتزم بمبادئه وقيمه، ومواقفه، وفق عقلانية شاملة، لا تنحدر به إلى منطق الأيديولوجيا، فيكون مسددا بفعل النقد المستنير، الذي هو مران متجدد، متواصل، يستمد حيويته من مرجعياته المعرفية، ومبادئه الإنسانية، العامة، الشاملة، المتماهية مع قيم السماء وجميع الأديان. فهي مقياس حقيقي لنقد الذات والآخر، وركيزة أساسية لفهم الظواهر الاجتماعية. وملهمة لتبني هموم الناس وقضاياهم المصيرية.  

وبينما ينيط غرامشي بالحزب الثوري مهمة تكوين طبقة المثقفين العضويين، الذين تنحصر بهم مهمة تكوين هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية. فإن المثقف المستنير ينبثق بعد اكتمال عناصر تكوينه، بشكل تدريجي ذاتي، من داخل ثقافته، وبيئته والتحديات المحيطة به.

كما أن طبقة المثقفين المتكونة بواسطة الحزب الثوري، ستخضع لا إراديا لأيديولوجيته، وهذا يعمقق شكوكنا المتقدمة حول احتمال خضوع المثقف العضوي لسطوة الأيديولوجيا، فنعتمد مفهوم المثقف المستنير ضمانا لحرية المثقف.

أعني بالاستنارة: قدرة المثقف على وعي الذات، وإدراك الحقيقة، وفهم الواقع. فهو شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه، يتمتع بهداية ذاتية، ويسير على هدى من أمره. راسخ في إيمانه، وفيُّ لمبادئه. مجدد في رؤيته للدين والمقدس والتراث والحياة. يتبنى عقلانية تحفظ توازنه، بين الهبوط الأيديولوجي والطوباوية المفرطة. فالاستنارة، تجديد مستمر ومواكبة حضارية، ورسالة إنسانية. فأجد في مفهومها شيئا من الروحانية، والتصوف، والطيبة، والصدق، والنزاهة، والعفاف، والترفع عن الأنانية والرذائل والمال الحرام والسلطة الفاسدة، والانشغال بهموم الناس والمحرومين والمستضعفين. فالاستنارة هداية نابعة من صفاء روح المثقف وصدقه وإخلاصه، فلا يمارس الخداع والتزوير والتضليل والاستغلال والتعسف والاضطهاد. ينتصر للحق والمبادئ، والقيم الرفيعة، ويبتعد عن الباطل والفساد. ينطلق في موقفه من فلسفة ومنهج ورؤية للكون والحياة. يعي الحاضر وضروراته، ويخطط للمستقبل بعلمية وموضوعية.

وبالتالي يمكن تعريف المثقف، تعريفا جامعا، مانعا، بأنه: "شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه".

ومصاديق الاستنارة كثيرة عبر التاريخ، تتجلى في سلوك بعض الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم،  ولعل ثورة المدينة كانت مجسا حقيقيا لمستوى وعي واستنارة الصحابة، كأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، عندما تصدوا لكشف الحقائق وفضح التزوير المقدس. وتجلت بشكل أوضح في انقسام وجوه الصحابة بين علي ومعاوية. وذات الأمر ينطبق على أصحاب الحسين بن علي رغم إغراءات السلطة والحياة الناعمة. وهناك من المثقفين من تعرض للموت والاقصاء بسبب وعيه واستنارته. وتجلت الاستنارة بشكل أكبر في شخصية ابن رشد في مقابل أبي حامد الغزالي، صاحب كتاب تهافت الفلاسفة. وأيضا تجدها واضحة في التراث الإنساني لأبي حيان التوحيدي. وأجد في عمليات الاقصاء التي تطال مثقفي البلاط بين حين وآخر، نوع من اختبار الوعي والاستنارة، وأمثالها متعددة، كعبد الله بن المقفع الذي قتل بتهمة الزندقة وغيره!!.

 

نعود للسؤال: فبعض الأمثلة تستبطنها مكونات المثقف (معرفة، وعي، موقف)، وبعضها الآخر تتقاطع معها، أو تقع ضدها.

فالمثقف كائن عملي، عندما ينأى عن الاستغراق في الخيال والمثالية والجدل، ويفي برسالته، ويمارس فعل التثقيف بحرية، وترشيد الوعي، وبيان الحقيقة،  متميزا بمواقفه ومبدئيته، وسعة أفقه، وإدراكه. يترصد مراوغات السياسي، وخداع رجل الدين .. يقاوم إغراءات المال والسلطة، وحب الظهور .. يتصف بتواضعه، وفهمه للواقع وملابساته .. لا يتخلى عن مسؤولياته والتزاماته، يتحاشى فخاخ الأيديولوجيا، وتداعيات التبشير، وهموم الداعية. وبعبارة مكثفة، أن يقرن المثقف أقواله بخطوات عملية، تؤكد صدقيته. لأن الثقافة بالنسبة للمثقف موقف تاريخي ينبثق من صميم رسالته ومبدئيته. وقد أُرِخ لهذا المفهوم من خلال حادثة تاريخية معروفة، اتخذ فيها مجموعة من المشتغلين بالفكر والثقافة موقفا تاريخيا سجلوا فيه نقطة انعطاف كبيرة، واكتسبوا عنوانا جديدا اسمه (المثقفون) . فجرأة المثقف وشجاعة مواقفه، شرط لانطباق المفهوم عليه، بغض النظر عن عمله وشهادته وسعة علمه ومعرفته. فلا قيمة للمعرفة والوعي إنْ لم يتجسدا موقفا عمليا شجاعا يُعلن على رؤوس الأشهاد، ويساهم في إصلاح الأوضاع؟. لذا لا يمكن إطلاق مصطلح المثقف على شخص تخونه الشجاعة في بيان آرائه. ويخشى النقد إلّا همساً أو في خلواته. فالمثقف العملي مصداق حقيقي للمثقف المستنير، حينما يمارس نقد الذات قبل غيرها، لتقويم خطواته العملية لتي تتطلب مواصلة النقد والمراجعة، ورفض أدلجة الإلتزام العملي، كي لا يتعالى المثقف على النقد. وليس للنقد صيغة محددة بل يمكن لكل مثقف ممارسته من خلال مهنته، وحقل اشتغاله، سواء كان معرفيا، أو أدبيا، أو فنيا، أو غير ذلك. فمفهوم المثقف ليس حكرا على فئة دون أخرى، أو شخص دون غيره. ويصدق على كل شخص تمثّل مكونات المثقف.

من هنا تجد المثقف العملي يقتصر متبنياته الفكرية على الآراء الممكنة عملا، ليكون مصداقا حقيقيا لمفهومه. وينأى،  عندما يقرن أقواله بخطوات عملية، عن أوهام النخبة، وأسيجة النرجسية وأحلام المتسكعين، حتى بات من السهل تمييز المثقفين على أساس ممارسة النقد، بين متصدٍ ومنزوٍ، جبان. هذا كله من حيث الفرض.

أما واقعا، فإن حضور المثقف محدود، مغيّب، وتكاد لا تعثر على مواقفه في النقد والتثقيف وترشيد الوعي وكشف الحقائق وفضح التزوير، حتى انفرد السياسي في الساحة، وهيمن خطاب السلطة، وانتشرت قيم الاستبداد، والتبعية والانقياد، وانحسر الوعي، وتلاشى الشعور بالمسؤولية، وطغى خطاب طائفي، ديني، تكفيري، قائم على  الاقصاء والتنابذ، ورفض الآخر المختلف، حتى توارى العقل وتراجعت العقلانية. فغياب المثقف العملي، أحد أسباب تدهور الأوضاع في بلداننا وهي بأمس الحاجة لوعي المثقف وشجاعة مواقفه، لكشف الحقيقة وفضح التزوير. وهذا لا يعني عدم وجود أسباب قاهرة وراء مواقفه وعزلته، لكنه أخفق في كسب ثقة الشعب فتآمر ضده رجلا السياسة والدين. بل ورماه الأخير بالعمالة للغرب والتمهيد لغزو بلاد المسلمين فكريا وثقافيا وسياسيا. والتآمر ضد قيمه ومبادئه الدينية.

ولعل المفارقة الغريبة في شخصية المثقف أنه شخصية خاملة، كسولة، براغماتيه، رغم وعيه وقدرته على تشخيص الأخطاء، وبيان الحقيقة، وكشف الخداع، لكنه انطوائي خارج وسطه الثقافي، يتذرع لفشله وأخطائه، فلا مصداقية لسلوكه في الغالب، بل بعضهم ينحاز ضد قيمه، ويغيب في أحلك الظروف وأصعبها. وبعض المثقفين يكتفي بمنجزه النظري، سواء كان فكرا أو ثقافة أو أدبا أو فنا، لكنه يكره المواجهة، ويتوارى خلال الأحداث، فيفقد مصداقيته. مما يعكس خللا جوهريا في مكوناته.

من هنا يتضح أن مفهوم المثقف المستنير يستبطن مفهوم المثقف العملي، ويلتقيان في المواقف، والخطوات العملية. فبينهما عموم وخصوص مطلق، حسب المنطق الشكلي. فكل مثقف مستنير هو مثقف عملي بالضرورة، وليس كل مثقف عملي مثقف مستنير بالضرورة.

ربما كان مضمون سؤالك عن التلازم بين صدق مفهوم المثقف ومواقفه العملية؟ وهل يكفي في صدق مصطلح المثقف معرفته ووعيه، وقدرته على تشخيص الحقيقة وكشف التزوير أم أن الموقف العملي شرط لصدقه؟

سبق أن ذكرت أن المفهوم ينتفي بانتفاء ذاتياته. والموقف مقوّم ذاتي لمفهوم المثقف، إسوة بالمعرفة والوعي. فهو من صميم المصطلح المنتزع تاريخيا من موقف عملي لمجموعة من المثقفين المشتغلين بالثقافة والفكر. ثم راح يطلق على كل شخص يتمتع بثقافة عريضة ووعي مبدئي، وموقف عملي، يتجلى بالنقد والمراجعة وكشف الحقائق ورصد التزوير والخداع، وترشيد وعي الشعب.

ربما ثمة مثالية فيما أقول، لكنها وجهة نظري. سيفقد المثقف مصداقيته ما لم يمارس النقد بجرأة وكفاءة عالية. فهناك كم هائل من الناس تراكمت في عقولهم أطنان الكتب لكنها لم تضئ فضاءهم المعرفي، ولم يتولد عنها وعي حقيقي، يفرز موقفا عمليا شجاعا.

فالبعد العملي ملازم لصدق مفهوم المثقف المستنير، ما لم تعيقه تحديات قاهرة، رغم علمي بعدم قناعة الآخرين بهذا الشرط، بسبب طبيعة المثقف الميّالة للدعة والراحة، والمرابطة في عالمه الإبداعي، لا يتحمل أي مسؤولية تاريخية. لذا لا تجد حضورا حقيقيا للمثقف المستنير في بلادنا. على العكس من المجتمعات الغربية فحضور المثقف واضح ومشهود ومؤثر في الأحداث، ولهم الفضل في قيام النهضة الأوربية، فكان المثقف يوظف كل طاقاته وانجازاته وابداعاته لصالح النهضة، وقد تحمل المثقف الغربي ويلات الإقصاء، ومحاكم التفتيش والملاحقات لكنه انتصر في نهاية المطاف، وحقق كامل أهدافه. وبالتالي ثمة التباس في مفهوم المثقف بشكل عام، دون المثقف المستنير، وهذا ما أفهمه من المفهوم والمصطلح، كما أدركته تاريخيا، وكتبت عنه مرات عدة.

 

والمثقف كائن رومانسي، عندما يتخلى عن أنانيته، وينزع عن قلبه روح الغل والحقد، ويتمتع بعاطفة صادقة، ومشاعر نبيلة، وأحاسيس جياشة، يتدفق حبا وحنانا ورحمة، يتحسس الجمال وتجلياته. مبدأه الحب، والحب فقط، في ضوئه يقيم علاقاته، وعلى أساسه يتواصل مع مجتمعه، يحب الناس جميعا، يقاسمهم همومهم وأفراحهم. يزخر بإنسانيته، يتعاطف مع المرأة ومعاناتها، يقيم أفضل العلاقات مع عائلته وأصدقائه ومحيطه الاجتماعي، يستأثر الجميع بحنانه واهتمامه خاصة أهل بيته، يقبل الآخر المختلف، ويحاوره بود ووداد. وبالتالي فمصداقية المثقف تتناسب طرديا مع مستوى إنسانيته، وحبه للناس والآخر المختلف.

الرومانسية هي الإنسانية في أصدق تجلياتها، والمثقف الإنساني، المستنير، المرهف الحس، الحالم، أفضل مصاديقها. فينبغي للمثقف أن يكون رقيقا في مشاعره، وأحاسيسه، مفعما بالحب. غير أن المؤسف ليست الرومانسية صفة عامة لجميع المثقفين، بل تجد بعضهم قاسيا، غليظا، فظا، طافحا بالكراهية والحقد، مبدأه التنابذ والاقصاء مع الآخر. فالرومانسية إذاً قضية نسبية لا يتصف بها سوى المثقف الإنساني المستنير.

وأذا كان السؤال عن الملازمة بين الرومانسية وصدق مفهوم المثقف، فلا شك أن القيم الإنسانية هي مقياس المثقف المستنير في نقده للواقع ومحاكمته للأنساق الثقافية والواقع الاجتماعي والسياسي. وما لم يتمثّل القيم الإنسانية لا يمكنه الدفاع عنها، أو مطالبة أحد بها، فمشاعر الحب الإنساني شرط في صدق مفهوم المثقف المستنير.

 

والمثقف كائن براغماتي، عندما يؤثر مصالحه على مبدئيته، فيمارس التزوير والخداع، والتستر على الحقائق ، فهو كائن منسلخ عن ثقافته، انتهازي مرير، متقلّب في مواقفه ومشاعره، ينحدر في وضاعته وانحطاطه. فتجده رخيصا، ذيليا، منسحقا، يهدر كرامته وحيثيته، وقد يهبط لمستوى التهريج للمستبد والسلطوي دون وازع من ضميره. وهي أسوأ حالات المثقف حينما ينحدر في انحطاطه.

وإذا كان السؤال عن حق المثقف في مراعاة مصالحه؟ نعم هو إنسان ومن حقه مراعاة مصالحه، وحماية مكتسباته شريطة الحفاظ على مصالح الشعب والوطن، ولا يُؤثر مصالحه على مبدئيته، أو يتنازل عن موقفه خدمة لمكاسبه. وليس فيما أقول مثالية، وهذا القدر متوفر لدى طيف واسع جدا من المثقفين، رغم وجود الاستثناء المخجل.

وبالتالي عودة للسؤال: لا يمكن تعميم الحكم، ولكل صنف خصائصه وميزاته، ويبقى المثقف العملي مصداقا حقيقيا للمثقف الرسالي المستنير، الأمين على مبادئه. ويبقى الرهان عليه في تحقيق طموحات المجتمع في التحرر والرقي. لذا يتناسب تطور المجتمع طرديا مع حضور المثقف المستنير، ولا يمكن لمجتمع يروم التطور ما لم يمارس المثقف دوره في ترشيد الوعي، وكشف الحقيقة. فوراء التقدم الحضاري في أوربا كان هناك تيار ثقافي يقوده المثقف بوعيه ومعرفته ومواقفه.

وبالتالي، مصداقية المثقف تتوقف على مدى استنارته، ومشاعره الإنسانية، ومدى تخليه عن أنانيته، ومصالحه الشخصية حينما تتقاطع مع مبدئيته. وهذا ملخّص لجواب السؤال.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

تعليقات (10)

  1. صالح الرزوق

مشكلة المثقف هي صيغة الحرية و المسؤولية، اذا طغت الحرية وصلنا لنوع من الموقف الذاتي من الوجود و الكينونة، بحيث تصبح الثقافة ادراكا للمعرفة و ليس العقل الاداتي و التواصلي، و تجد اهم مثال على ذلك عند سيمون دوبفوار في كتابها الحائز على الغونكور و هو (المثقفون).
و احيانا تهيمن المسؤلية او الشعور بالالتزام و يصبح المثقف اداة رخيصة للتبشير بإيديولوجيات من بعد و مستوى واحد، و هذا موجود في دعايات النازية و الشيوعية و القوميين العرب بالمفهوم العرقي و الكلاسيكي، و حتى عند الإسلاميين الأصوليين،
يتحول الفكر الى موقف شمولي يقتل اي بذرة ابداع او اي بادرة للمناقشة،
و التوازن غير مفهوم عندي و مثله الوسطية،
المهم ان يكون المثقف متجردا عن الانانيات الخاصة و العامة و ان يقبل بفلسفة الحوار ليكون رومنسيا بالمعنى الايجابي للكلمة
و شكرا،،

 

شكرا لحضورك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق، وشكرا لمداخلتك بالفعل على المثقف ان يتخلى عن انانياته مادام هو المسؤول عن خياراته. وعليه رهان كبير في ترشيد الوعي، فينبغي ان يكون نموذجا لغيره. لك احترامي

 
  1. ذكرى لعيبي

" مصداقية المثقف تتوقف على مدى استنارته، ومشاعره الإنسانية، ومدى تخليه عن أنانيته، ومصالحه الشخصية حينما تتقاطع مع مبدئيته."
وهذا ملخص أتمنى أن يعيه كل من يدعي - أنه مثقف -
احترامي لكما واعتزازي بكما

 

خالص التقدير لك ولاقتباسك الذكي من الحوار، تمنياتي لك بالموفقية الاديبة المرموقة ذكرى لعيبي

 
  1. جمعة عبدالله

حوار شقي ومفيد في معارفه التحليلية , والاسئلة كانت منطقة ووجيهة في تعريف المثقف , وفهم دوره ومسؤولياته , ماذا يكون ؟ ولمن ؟ ودوره في اية جهة يصب ؟ ضمن تكويناته الثلاثة . التي اختصرها الاستاذ الغرباوي في تحليله العلمي المنطقي والمعقول في هذه التكوينات الثلاثة : المعرفة . الوعي الموقف . , ومدى دور المثقف وعطاءه ومصداقيته , واسهامه في ترشيد الوعي , في بيان الاخطاء وكشف الحقائق , او يكون دوره سلبي , او ينظر الى الامور من برجه العالي , او غض الطرف عن احداث الواقع الجارية , او في المنظار الاحادي في عين واحدة . او يتحاش الخوض في عراك الحياة بالوقوف على التل , او نظرته ضيقة فئوية وحزبية , او ان يكون من وعاظ السلاطين , وهذا الصنف اكبر مصيبة للواقع السياسي والثقافي الذي ابتلى به الواقع العراقي . في عدم ادراك موقفه , او يعرف ويحرف الامور لغايات مدفوعة الثمن , او التعالي في ذاتيته النرجسية على المنطق والواقع , ان مفهوم المثقف حقاً لا يخرج من الثلاثة التي طرحها الشاعر القدير سعد جاسم . بان المثقف اما ان يكون . عملي . رومانسي . بر غماتي , وقد اعطى الاستاذ الكبير الغرباوي شرح تحليلي وافي ومقنع
ودمتم بخير

 

شكرا لك الاخ العزيز جمعة عبد الله، المثقف عندنا يعاني كثيرا، فيحتاج لنقد نفسه قبل توجيه النقد لغيره، لان دور المثقف في المجتمع دور مهم وخطير، احترامي

 

تحية اعتزاز ومحبة استاذ ماجد
كما في كل اجاباتكم تعطون اهمية الاقناع والتنوير حقها, وارجو ان يتسع مجالك لاعطي رايي في جزئية, انه ثبت في غالبية تجارب الشعوب ان المثقف كي يكون فاعلا في دوره التنويري والتعبوي الثقافي مجتمعيا ان يكون مثقفا عضويا حسب غرامشي,واعتقد ان غرامشي يقصد بالعضوية الفاعلة للمثقف ليس في وجوده الاجتماعي فقط, وانما بانتمائه الايديولوجي, وربما كانت الايديولوجيا السياسية عندنا مفسدة للمثقف والمجتمع ,لكنها في مجتمعات غير عربية واسلامية كانت الايديلوجيا هي الحاضنة التي تبرز عطاء المثقف ودوره الفاعل اجتماعيا,ولو نظرت استاذ ماجد ان غالبية الفلاسفة وكبار المثقفين كانت حاضنتهم الايديولوجيا حتى وان تخلو عنها لا حقا واخذوا يمثلون انفسهم فقط في غالبية دول العالم من غير العرب. لك كل الامتنان.

 
  1. ماجد الغرباوي

الاخ الاستاذ الباحث القدير علي محمد اليوسف، اسعدني تفاعلك ومشاركتك في الحوار، وشكرا لمداخلتك القيمة.
الفاعلية هي ما يقصدها غرامشي من المثقف العضوي، وما لم يكن المثقف فاعلا على جميع المستويات لا يصدق انه مثقف. وكما تفضلت بالنسبة للايدلوجية ومفهومها سابقا، حيث كانت تعني نظام الافكار وارتكاز الفكر الى اسس علمية. او قيام المعرفة على اسس علمية استدلالية، سواء كان الاستدلال عقليا ام تجريبيا.
اما ما قصدته بالايديولوجيا في الحوار فبعدها السلبي، وقد ذكرت مبررات ذلك. ابتداء قلت ان مفهوم المثقف المستنير يتطابق تقريبا مع مفهوم المثقف العضوي، لكن احتمال الانزلاق للايديولوجيا دعاني للعدول الى المثقف المستنير. والسبب: أولا أن غرامشي يسند للطبقة المثقفين تكوين مهيمن ثقافي جديد لدحر المهيمن الثقافي الامبريالي، ولا شك طبقا لمنطقه الايديلوجي الايجابي ان يكون بناء المهيمن الثقافي الجديد بناء معرفيا فكريا. غير ان عملية تكوين المهمين الجديد والدفاع عنه في مقابل المهيمن الامبريالي محفوف بمخاطر الانزلاق الايدلوجي بمعنى تنزيه الذات، والتخلي عن نقدها. وهذا سقته كاحتمال فقط، ولم اجزميه، لكن يكفي هذا الاحتمال للعدول للمثقف المستنير. ثانيا: ان غرامشي يسند للحزب الثوري تكوين طبقة المثقفين، ولا شك انهم سيتأثرون باديولوجا الحزب الثوري، وهذا احتمال ثاني للوقوع في فخاخ الايديولوجيا. اما الاستنارة فتوهج مستمر، لا تسمح بذلك. خالص احترامي وشكرا لمشاركتك القيمة مجددا

 
  1. طارق الكناني

(معرفة، وعي، موقف)، ثلاثية مهمة في حياة المثقف والتي يجب ان يتصف بها ،وقد تراجع دور المثقف العربي شيئا فشيئا حتى استبدل بكلمة اخرى وتنازل عن دوره الريادي للناشط المدني فلم يعد له دور يذكر فهو كما وصفت كسول يميل للدعة ويجنح للسلم لايتحمل المسؤولية في كثير من الاحيان متعالي او ذيل للسلطة فهناك الكثير من المثقفين اليوم من يروج للفكر الرجعي والنظريات الدينية التي تكرس السلطة لرجل الدين وهذه هي السمة الغالبة اليوم في الساحة الثقافية وهؤلاء حازوا على سمعة عالية من خلال وسائل الاعلام والتنويه عنهم في كل تجمع ثقافي في حين لم يرد اسم الذين جابهوا طوفان التخلف والتجهيل بل تم تغييبهم كما في القرون الماضية حيث تم تغييب من ذكرتهم من المفكرين ،((من هنا تجد المثقف العملي يقتصر متبنياته الفكرية على الآراء الممكنة عملا، ليكون مصداقا حقيقيا لمفهومه. وينأى، عندما يقرن أقواله بخطوات عملية، عن أوهام النخبة، وأسيجة النرجسية وأحلام المتسكعين، حتى بات من السهل تمييز المثقفين على أساس ممارسة النقد، بين متصدٍ ومنزوٍ، جبان.)) اختزلت بهذه العبارة الكثير من النظريات التي جاءت لبيان ولتعريف المثقف ....تحياتي للاستاذ الغرباوي على هذه الاطلالة الرائعة دمت مبدعا

 
  1. ماجد الغرباوي

الاخ الاستاذ الكاتب والاديب القدير طارق الكناني، شكرا لمطالعتك الحوار بامعان، وشكرا لتلخصيه من خلال نصوصه، بالفعل المثقف اليوم بمواقفه معضلة تعمق الشوك ويلتبسها معها الوعي، فنحتاج لجهود كبيرة لتقيمه فكريا وسلوكيا، دمت بعافية

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4002 المصادف: 2017-08-20 12:24:15