المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (20): تبعية المثقف للسياسي

majed algharbaw10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة العشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

  

س52: سعد جاسم: هناك ثمّة الكثير من الإشكاليات في ثقافتنا العربية، ومنها تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، ترى ماهي أسباب هذه التبعية التي تصل الى حد الذيلية أحياناً؟

ج52: ماجد الغرباوي: لا شك أن وقوف المثقف إلى جانب السياسي، في السلطة أو خارجها، يمنحه قدرا كبيرا من الشرعية، في مجتمعات تحترم المثقف، وتدرك قدرته على تحريك الرأي العام عندما يكون مبدئيا، نزيها، رصينا. ويسقط اعتباره ويُتهم بخيانة قيمه ومبادئه وثقة الناس في اصطفافه مع السياسي الفاسد. وهي ظاهرة سلبية عانت منها الشعوب، وصدرت بها كتب رصدت خيانة المثقفين، وتخاذلهم، واصطفافاتهم، ككتاب إدوارد سعيد: "خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة". فموقف المثقف مسؤول، يتوقف عليه أحيانا مستقبل الوطن، ومصالح المواطنين. فينبغي له ترك مسافة، تحفظ استقلاليته وحريته في النقد والمراقبة والرصد المستمر في علاقته مع السياسي.

إن علاقة المثقف بالسياسي ليست مدانة دائما، بل ضرورية أحيانا لترشيد موقف السياسي النزيه، المخلص لشعبه ووطنه ومبادئه، مع ضمان عدم هيمنة السياسي على المثقف، كي لا يخسر الأخير حريته واستقلاليته في النقد والتقويم، ويحتفظ بقدرته على اعتزال السياسي عندما يكتشف خيانته وعدم وفائه لمبادئه. المثقف المستنير شخصية حرة، مستقلة، يتمتع بموقف ذاتي من الكون والحياة، فيجب عليه صيانة استقلاليته وحريته، وعدم السماح لهيمنة السياسي على مواقفه وقراراته ورؤيته. فكم نفرح عندما يتصدى مثقف نزيه للسلطة لأننا نثق به، وبقدراته على النقد والرصد. بل ينبغي للمثقف المستنير، الكفوء التصدي، فليس ثمة ما يمنع، إذا كانت السياسة قائمة على العدل ومبادئ حقوق الإنسان. فلا توجد قطيعة تامة بينهما، ولا تبعية مطلقة، وطبيعة العلاقة تخضع لمستوى وعي المثقف وسلوك السياسي. لذا تحترم حكومات الغرب الفيلسوف والمنظّر والمفكر، وتهتم بآراء ووجهات نظر المثقفين في التخطيط واتخاذ القرارات. وتحرص على حماية المثقف المستنير ليبقى نبض الشعب في مواقفه وآرائه. ويبقى بوصلته في معرفة الحقيقة وتشخيص الأخطاء. بينما اتسمت علاقة المثقف بالسياسي في العالم العربي بالتبعية والانقياد، حد التواطؤ على الفساد وتبرير السرقات، إلا ما ندر.

 وهذه علاقة مرفوضة، تحط من قيمة المثقف، لكنها ظاهرة قديمة، تعود لزمن الخلافة، وبلاط الخليفة، حيث تكتظ حاشية السلطة بالمثقفين، من شعراء وأدباء وكتّاب وخطباء، تقتصر مهمتهم على التمجيد والثناء، وطمس الحقائق، والتستر على الأخطاء والجرائم. والتنكيل بالمعارضة، وتشويه سمعة الخصوم السياسيين. وتبرير تصرفات الخليفة والحاكم العام، والإشادة به رغم انحطاطه وفساده. مثلهم مثل فقهاء السلطان، حينما يشرعنون سلوك الخليفة على حساب قيم الدين ومبادئه. فأحسب أن تبعية المثقف للسلطة، في عالمنا العربي، حالة طبيعية، موروثة، وإرث تاريخي متجذّر، يتناسل، كرّسته قيم الاستبداد، وتعامل المجتمع مع السلطة بمنطق الغنيمة. إضافة إلى سياسة الترهيب والترغيب، التي تقمع المثقف غالبا، فهو بشر كغيره، لا يملك حصانة ذاتية، أو مثالية مطلقة لمقاومتها، ما لم يتسلح بإرادة حديدية تقاوم التحديات.

 أحيانا نبالغ حينما نتوقع من المثقف مثالية بمستوى العصمة، في وعيه ومواقفه. ونتفاجأ حد الصدمة حينما نكتشف بشريته، وسلبياته. وهذا خطأ، فالمثقف بشر، يطرأ عليه الضعف، وتسرقه الأضواء، وتستدرجه الإغراءات، وتقمعه القوة والعنف، وينهار أمام التحديات الكبيرة والظروف القاسية، والحالات النفسية، والظروف الاجتماعية والسياسية إلا نادرا. خاصة مع عدم وجود غطاء شعبي يدعم موقفه، وأحيانا ينقلب أقرب الناس ضده ليبقى مكشوف الظهر تحت سياط الجلاد والسلطة التعسفية. ويبقى الرهان على مبدئيته وقدرته على الصمود والتصدي، ولا يثبت سوى المبدئي، العصامي، وهم عملة نادرة على مر السنين، ومختلف الظروف.

هذه المقدمة كانت ضرورية لتحديد الموقف من علاقة المثقف بالسياسي، كي لا تلتبس الأمور، وتعم الفوضى في تقييمها. فالعلاقة غير مدانة حينما يحافظ المثقف على مبدئيته ومواقفه، ويمارس دوره في الفعل الحضاري بكل حرية واستقلالية بعيدا عن هيمنة السياسي. وهذا هو الأصل في العلاقة. وحينما يرتهن ارادته للسياسي الفاسد، فهناك أسباب وراء انهيار موقفه وتبعيته. بعضها ذاتي، يتعلق بتكوينه، المعرفي ومستوى وعيه، وآخر موضوعي يرتبط بالظروف السياسية والاجتماعية والنفسية.

 

أما الأسباب الذاتية، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد، فهناك:

- المثقف المنقاد: شخص يعاني من تشوّهات في شعوره ووعيه وتكوينه المعرفي، القائم على قيم التبعية والانقياد والعبودية، وهي قيم ثاوية في بنية العقل العربي، تبعا لتقاليده القائمة على ثنائية السيد والعبد. بل هي بنية المجتمعات الشرقية منذ قديم الزمان، يتوارثها لا شعوريا جيل بعد جيل، فتتجلى في سلوكهم ومواقفهم، حينما تتلاشى في أحضان السلطة مخاوفهم، وتهدأ في تبعية السياسي أرواحهم. بل بعضهم ينشط حينما يتحول إلى عصا، يهش بها السياسي مناوئيه، وإن كان فاسدا. فدافع التبعية لدى المثقف المنقاد دافع ذاتي، نابع من صميم ثقافته، وتبعيته، وتقديسه للقوة والسلطة. فهذا جيل بشري لم يتحرر من العبودية حقيقة، رغم انعتاقه منها شكليا. مما يعني أن الحرية والعبودية ثقافة ثاوية في أعماق اللاوعي، تتجلى عبر سلوك الفرد ومواقفه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله. فالمثقف المنقاد لا يميّز بين السياسي الفاسد وغيره، فكلاهما في نظره سلطة، تتمتع بذات الهيبة والنرجسية، فهو غير معني بسلوكها وتصرفاتها، فسدت أم لم تفسد. المهم أن السياسي سيتولى تدبيره وقيادته وتوجيهه، وهو مستعد لمهنة العبودية. فهو بحاجة مستمرة لوجود قيّم يتولى شأنه. وهذا النمط من الناس يخرج عن كونه مثقفا ليصبح شرطيا ومهرّجا وعبدا ذليلا.

 

- المثقف الأيديولوجي: شخص يعتبر تبعيته للسياسي واجبا أخلاقيا نابعا من صميم أيديولوجيته. يجب احتضانه، وحمايته، والتستّر عليه، لتعضيد سلطته. فمشكلة الأيديولوجي في تعصبه، وانشغاله بتنزيه الذات، وتبرير الأخطاء، واقتصار النقد على الآخر، الخصم والمناوئ. فالعمى الأيديولوجي يقلب الموازين، فيغض طرفه عن فساد السياسي، ويجد في دعمه دعما لسلطة حزبه السياسي. وهذا يفسر لنا جملة ظواهر خاطئة في سلوك ومواقف المثقفين، يمكن تشخصيها مقارنة بموقف المثقف المستنير.

تعلم أن المثقفين يتفاوتون في تكوينهم المعرفي، وثمة اختلاف جوهري بين مرجعياتهم الفكرية والثقافية، تتجلى في مواقفهم وفهمهم للأحداث والظواهر الاجتماعية. فما لم تؤمن به من أفكار قد يؤمن  بها آخر. وما ترفضه من سلوك يستسيغه غيرك بمذاقه الأيديولوجي، وإلا كيف تبرر وجود جيش من المثقفين مع كل سلطة رغم استبدادها، خاصة من ينتمي لفكر السلطة وحزبها وأيديولوجيتها؟. ولماذا لم يتظاهر أو يحتج جمهور المثقفين ضد سلطاتهم الفاسدة؟. فهذا النمط من التبعية قد يعبّر عن قناعة حقيقية، ذات جذر أيديولوجي، لكنها تبعية سلبية، تتقاطع مع المبادئ الإنسانية. ومواقف هذا النمط من المثقفين هي السبب في التباس وتشويش الوعي، حينما تعتبره الجماهير بوصلة الموقف الصحيح. فمن الضروري وجود مبدأ لتحديد مصداقية المثقف عندما تلتبس الأمور كما في هذه الحالة بالذات. أو حينما يقع تزاحم بين الأيديولوجيا ومبدئية المثقف. ولا أجد مبدأ يضع حدا للالتباس سوى القيم الإنسانية، التي يتبناها المثقف المستنير بعيدا عن الأيديولوجيا، وهي ذات القيم الدينية الحقيقية: العدل، والحق، والإنصاف. وعدم مداهنة الباطل والظلم والاضطهاد والتعسف وقمع الحريات. وهذا مقياس عادل ينبغي للمثقف اعتماده حينما تلتبس الأمور، كشرط لمصداقيته. وإلا سيعتبر مدانا حينما يقدم أيديولجيته على مبدئيته، ويتواطأ مع السلطات الظالمة والسياسي الفاسد ضد شعبه. وبالتالي الأيديولوجيا لا تبرر تعضيد موقف الفاسدين من السياسيين. فالفساد فساد من أي شخص أو جهة صدرت. وتبقى الأصالة للمبادئ دون الأيديولوجيا.

 

- المثقف المعقّد: شخص يريد، من خلال تبعيته للسياسي رغم فساده، تعويض شعوره المرير بالنقص، مهما كان سبب ذلك النقص: نسبه، فقره، لونه، قوميته، دينه، مذهبه، شهادته، عمله.  فالمثقف كأي إنسان، حينما يعاني طويلا ولم يستطع التغلّب على عقدته، إما أن ينطوي، ويهجر الحياة، أو يتمرد على قيمه ومبادئه، ويتمادى في تبعيته للسياسي وإن كان فاسدا. فالمثقف المعقّد يختلف عن المثقف المنقاد، الذي ينطلق في تبعيته من روح العبودية والانقياد الثاوية في أعماقه. فهو ضد العبودي، لولا شعوره المرير بالنقص وفشل ثقته بنفسه التغلّب على عقدة نقصه.

 

المثقف البراغماتي: شخص أناني، نفعي، يضع مصالحه الشخصية فوق مبادئه، ويرهن مستوى تبعيته للسياسي بحجم مكاسبه، فتتعمق بزيادتها حد الذيلية. فهو منسلخ عن مبادئه وقيمه، غير معني بمسؤوليات المثقف المستنير.

 والمثقف البراغماتي ظاهرة واسعة في مجتمع يتعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة، فيكرّس قيم التبعية والذيلية. بل ربما أشد ما تعاني منه الشعوب هو المثقف البراغماتي، شريك السياسي في سرقاته وفساده.

 

المثقف المُحبط: شخص يعاني قلقا نفسيا، وشؤما مستطيرا، فينسلخ فجأة عن مبادئه وقيمه، ومواقفه، ويرتمي في أحضان السياسي رغم فساده، لتدارك حالة الاحباط والتشاؤم المرير، حينما تتوحد مواقفهما بعيدا عن المبادئ. وقد ينقلب المثقف المحبط وحشا ضاريا، لينتقم من ماضيه، وقيمه، ويثأر لنفسه وأقرانه، خاصة مع تفاقم حالة الإحباط والتشاؤم لديه. وهؤلاء لم تصقلهم المبادئ أساسا، وربما كانوا يعانون من حالات نفسية غامضة وارتباك لاشعوري. فانهار الوعي، وتبخرت المبادئ بل وانقلب ضدها. وهذه ليست حالة عامة فبعض المحبطين يعتزل الحياة، وينزوي يائسا منها ومن المستقبل، ومن وكل فعل ثقافي، فيعش اللاجدوى، والإحباط، بل واللامعنى. فيبتعد عن المشهدين السياسي والثقافي حفاظا على نزاهته وحيثيته وكرامته، ولا يلتاث بالتبعية المقيتة لرجل السياسة الفاسد.

وجميع هذه الاصناف الثلاثة لا يصدق عليهم مفهوم المثقف إلا مجازا، فالمثقف الحقيقي هو المثقف المستنير كما تقدم في حلقة سابقة من هذا الحوار.

وأما السبب الموضوعي، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد:

 

المثقف المضطهد: مثقف حاصرته قساوة الظروف، وضاقت به الدنيا، وسئمته المعتقلات والسجون . لا يجد ملاذا يحتمي به، في ظل انعدام الأمن، والحرية والضمان الاجتماعي الذي يحمي مواقفه. فهو بين خياري الموت والحياة، أو الارتماء في أحضان سياسي فاسد. إنها محنة شطر كبير من المثقفين في سجون الدكتاتور.

فالمثقف المضطهد، تارة يريد الاحتماء بالسياسي رغم فساده، هروبا من الموت، فتكون التبعية مبررة شريطة أن لا ينحدر للعبودية والذيلية، وأن يضع مسافة تحفظ استقلاليته وتصون حيثيته. فالمثقف بشر، طاقته على التحمل محدودة، وهذا ما حصل لكثير من المثقفين في دول الاستبداد. فهم ضحية واقع مرير، فلا يمكن إدانة الجميع، باستثناء من أصبح أداة لقمع الناس، وتزوير الحقائق، والدفاع عن الدكتاتور، وتبرير سلوكه الدموي ضد شعبه. وبالتالي، لا تنس الواقع الذي عاشه ويعيشه بعض المثقفين في ظل أنظمة دكتاتورية، تُقصي المثقف، فيندحر منبوذا، محروما من أبسط حقوقه، خاصة حريته التي يعوّل عليها في نشر مبادئه ومواقفه، وقد تضيق به الدنيا. وتطبق عليه  الظروف أنيابها، وقد عشنا ردحا منها، لولا هجرتنا المبكرة جدا عن بلداننا. فماذا يفعل المثقف عندما يعيش محاصرا ماديا وسياسيا واجتماعيا. وهي حالة صعبة جدا لا يصمد معها إلا مبدئي عنيد، وهم عملة نادرة؟.

وتارة يلجأ المثقف للسياسي مستسلما بعد معاناة قاسية، فيعش حالة من الذل والتبعية المقيتة. وهذا هو الانكسار والتخاذل، مع امكانية اتخاذ موقف أكثر كرامة وعزة.

هذه هي الأسباب الرئيسية في تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، وكما ترى لا يمكن اطلاق مفهوم المثقف على هؤلاء إلا مجازا. لكن قبل الانتقال لسؤال آخر، آرى من الانصاف والوفاء الاشادة بنوع آخر من المثقفين، وهو:

المثقف العصامي: هؤلاء الذين تحدوا الموت، والتعذيب، وقساوة الظروف، وعاشوا لمبادئهم، حتى ملت المشانق، وضاقت بهم أقبية الإجرام. وواجهوا الموت بابتسامة المنتصر، هؤلاء الذين طرزوا التاريخ بتضحياتهم، وفضحوا الطغاة بصمودهم، وصاروا مثلا أعلى بدمائهم. هم شهداء العقيدة والمبدأ، هم المثقف المستنير، الذي يواصل دربه الرسالي بيقين وإيمان. هؤلاء المثقفون، المبدئيون، والعصاميون، هم الذين عبّدوا طرق الحرية والكرامة، فيجب على الشعوب تخليدهم والتأسي بهم.

 

س53: سعد جاسم: هل المواطن العربي أكثر ميلاً للخطاب السياسي أَمْ للخطاب الثقافي؟

ج53: ماجد الغرباوي: الخطاب إبستوملوجيا، بنية وأنساق معرفية مؤسسة على مقولات ومفاهيم، فثمة تفاوت بين الخطابين السياسي والثقافي من حيث المضمون والأداء والأدوات والأسلوب والتأثير، أي هناك تغاير في بنيتهما وأنساقهما المعرفية. والمواطن العربي أكثر ميلا للخطاب السياسي، لخصوصيته التي تنسجم مع مشاعره، التي هي وليد بيئة أدبية بيانية، وأجواء مفعمة بالعاطفة والحماس، ينقاد فيه الفرد لا شعوريا للعقل الجمعي والتحريض الجماهيري. فثمة انسجام بين العقل العربي والخطاب السياسي، الذي هو خطاب أيديولوجي، يعزف على أوتار الخيال والعاطفة، ليؤجج روح الثورة والاندفاع. فالمواطن العربي يتفاعل لا شعوريا مع الخطاب السياسي. بينما الخطاب الثقافي يميل للعقل والتفكير والنقد والإدراك والتأمل والاستنتاج والبرهان والفلسفة، فمستوى التفاعل معه محدود.

العقل العربي عقل كسول، "مستقيل" كما يصفه محمد عابد الجابري، لا يستهويه البرهان والاستدلال، ويعتمد النصوص والمعارف الباطنية مصدرا لمعارفه. عقل ينفر من الدليل والاستنتاج، يبحث عن عقل ينوب عنه في التفكير والقيادة، مستعد للتبعية والطاعة، بدلا من تحمّل مسؤولية التفكير العقلي ونتائجها. وهي صفة غالبة رغم الاستثناء.

العقل العربي أدمن الاستبداد وقيم البداوة، والعنف. يقدّس الشيخ والقائد القوي .. يستكين لسطوة السلطان .. يخشع لهيبة الحكم والسلطة ومظاهر الجبروت والقوة .. ينقاد تلقائيا للخطاب السياسي. ولعل في الشعب العراقي اليوم خير مثال في انقياده للخطاب السياسي رغم كل تحفظاته على سلوك السلطة ورجالاتها وفسادها وخرابها. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في نفوس الشعوب العربية، على العكس من الخطاب الثقافي الذي لا تتفاعل معه سوى النخب المثقفة. فحاليا لا يمكنك قيادة الشعوب العربية من خلال خطاب ثقافي عقلاني، لكن بإمكان تثويرهم بخطاب سياسي، خاصة حينما يصدر من قائد ملهم، يتصف بشخصية كارزمية. وخير مثال، الربيع العربي الذي ساقه خطاب عاطفي – سياسي، لم تُحسب تداعياته بعد حلول الفوضى محل النظام.

وعليه فالعقل العربي عقل منقاد، يقدّس القوة والقيادة، يحب السلطة، ويتعامل معها بمنطق الغنيمة. ويجد في الخطاب السياسي تطلعاته، فيتفاعل معه حد التضحية. ومناشئ هذا الاهتمام بالسلطة يعود لقيم ومفاهيم موروثة كرستها طبيعة العلاقات الاجتماعية، والخلافات التاريخية حول السلطة بين المسلمين الأوائل، واستبداد دولة الخلافة. فتجد النزاع التاريخي حول السلطة ما زال حاضرا بكل ثقله في ثقافة ومشاعر شعوبنا، رغم مرور ما يقارب قرن ونصف القرن من الزمن. ليعكس مدى هيمنة الخطاب السياسي على العقل العربي.

ثم الخطاب السياسي العربي خطاب ماكر، يجيد توظيف قيم النَخوَة والكرامة والمشاعر الدينية والعشائرية والوطنية. بارع في استبعاد العقل والتفكير، وترحيل مشاكله الداخلية خارج الحدود. رهيب في الالتفاف على مشاعر الجماهير. داهية في خداعهم وسرقتهم. يعرف متى يمتص غضبهم ونقمتهم وطاقتهم وعنفوانهم. لا يتورع في نشر خرافاتهم وطقوسهم. ولا يخشى الله حينما يشغلهم بأعداء وخصوم وهميين. وهذا هو هدف الخطاب السياسي من شعب مقموع تحت سقف عاطفي يتلاشى فيه الوعي، ويتوارى العقل خلف نوبات طائفية.

كل هذه الأسباب وغيرها ساهمت في تشكيل العقل السياسي العربي، والتنظير له فكريا وثقافيا وأخلاقيا وفقهيا، وما زال الفقه السلطاني مؤثرا في فتاوى الفقهاء. والأخلاق السلطانية ما فتئت تضبط أداء الرعية. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في أعماق الفرد العربي، والمواطن العربي يجد ذاته في الخطاب السياسي. على العكس من الخطاب الثقافي، فلا يجد أصداء كافية ليتطور وينمو. وهنا مكمن الخطر حينما يتوارى العقل وينساق مع الخطاب السياسي، حدا ينسى كل أخطاء السياسي وعثراته وفساده. فكيف نُرسي مجتمعا مدنيا قوامه العقلانية الشاملة، مع شعب يقوده الخطاب السياسي القائم على أسس أيدولوجية ومصالح شخصية وحزبية وفئوية، ويتشبث بالسلطة ولو على حساب مصالح الشعب والوطن؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (10)

معضلة المثقف في بلاد الرعب اقصد العرب شاقة حتى عبر الايديولوجيا .. حتى تحت الاحتلال!!!! ونجد لتلك النماذج التي طرحتها إسقاطات في الشعر والرواية
أذكر على سبيل المثال شرق المتوسط ، وفي الشعر هاشم الرفاعي ، والحديث يطول حول المنتمي واللامنتمي
نشكر لكم طرح هذا الموضوع

 

شكرا لحضورك الاخ الاستاذ خليل قطناني، نعم اشرت ثمة اشكالية في بنية العقل، وتقاليد المجتمع منذ القدم، فهذه تجليات اضافة لقساوة الظروف، كان العصر الكنسي اشد بؤسا وقسوة لكن المثقف قاوم حتى انتصر. ومشكلتنا ايضا حتى لو كان المثقف عصامي ينقلب المجتمع ضده، لا يجد من يلتف حوله. حقا كما تفضلت انها معضلة شاقة. تحياتي

 
  1. صالح الرزوق

أستاذ أبو حيدر
سلمت يداك لهذا التحليل الرائع.
و أود أن أضيف إن أبشع و أردأ أنواع البشر هم المثقف المحتال. الذي يبيع نفسه و قلمه للآخر.
أن ترتزق بعضلاتك نقول أنت مصارع و في حلبة الملاكمة. و هذه رياضة مكروهة لكنها مشروعة دوليا.
أما أن تسخر أفكارك و قدراتك المعرفية لإرضاء من يدفع أكثر فهي مشكلة لا حل لها سوى البتر.
الشجرة المريضة بحاجة للتقليم كي لا تفسد البستان كله.
و أرى نفسي أنه من واجبي التنويه بدور المثقف المرتزق.
القلم الذي نرتزق به دون قناعات بحدها الأدنى يحتاج لأسيد كي يذوب فيه.
أعتذر عن هذه اللغة.
اليوم فاجأني في الجامعة إعلان عن محاضرة لشخص اسمه هتلر .....
لا مشكلة السيد هتلر يتكلم.
و لكن من سيسمع.
موسوليني مثلا.
أم أبو لهب.
و هل هتلر هذا سيجتاح موسكو أم سيكتفي ببنت دلوعة تخدر أحاسيسه.
نعود لموضوعنا.
الثقافة مهمة و رسالة.
و إن كان المثقف لا يتحلى بالنزاهة و العدل و التمييز بين الأبيض و الأسود من سيربي العقول و من سيقرع جرس الخطر في وقت الملمات.
أسئلة تمنع عيني الساهرة من أن تنام و ضميري المستيقظ من أن يترهل ووزني الذي يبلغ 58 كيلو غراما من أن يزداد ذرة شحم واحدة.

 

تحية لقلمك الاخ الدكتور صالح الرزوق، اضافة مهمة، نحن بحاجة الى رؤية جديد للمثقف كي يساهم في بناء مجتمع جديد، ارجو الاعتناء بصحت، مع تمنياتي لك بالعافية

 
  1. أ. Amin

عِلْمُ المَعْرِفةِ Epistemology اهتم العديد مِن العُلماء العرب والمُسلمين بنظريات المعرفة أشهرهم المُعتزلَة والأشعريَّة وابني سينا و رُشد والغزالي، الاصطِلاح صاغه الفيلسوف الاسكتلندي جيمس فريدريك فيرير ومِن روّادِه: ألكسندر كواري وGaston Bachelard وKarl Popper وPaul Feyerabend.

عِلمٌ يُعرفه لالاند في معجمه الفلسفي بأنها فلسفة العلوم، وبهذا يختلِف عن الدّراسة الوصفية لمناهج العلوم (ميثودولوجيا) وليس حدس القوانين العِلمية لأنَّه يدرس بشكل نقدي مبادئ كافة أنواع العُلوم وفروضها ونتائجها لتحديد أساسها المنطقي لا النفسي وبيان قيمتها الموضوعية. وتقسم قضايا نظريَّة المعرفة الإسلاميَّة إلى ست قضايا العُلماء المُسلمون لم يُجمِعوا عليها كُلهم. هذه القضايا السّت هي: الأوليَّة التي نسلم بها ونصدقها يقيناً ولا نكتسبها ولا تحتاج لبرهان. التجريبية: هي إحكام إدراك الحَواس. الاستبطان: المعرفة والملاحظة الذاتيَّة للأفكار والأحاسيس العقلِيَّة مِثل الجُّوع والألَم. المقبولة: الأحكام التي عليها إجماع. المَناقِبيَّة المُتفق عليها، القيم. البراهين والاستدلالات: المعرفة التي تستنتج من خلال استعمال المَلَكة الفكريَّة. الفلسفة الوضعيَّة Positivism رَقميَّة لا تكذب مِثل: مقياس هُويَّة مُشَفر Biometrie Biometrics جواز السَّفر الإلكتروني Biometric Passport. تقنية بطاقة ذكيّة يشمل شريحة مُعالج دقيق وهوائي (لكُلّ مِن البطاقة للشريحة والاتصالات) في الغلاف الأمامي أو الخلفي أو صفحة وسط جواز السَّفر الإلكتروني.

الفلسفة التفسيريَّة Interpretivism أو Phenomenology تعتمد الشَّرح. الفلسفة الواقعية Realism بين الفلسفة الوضعيَّة والتفسير.

 
  1. جمعة عبدالله

اعتقد ان التحليل والتشخيص الرائع في اجابات المفكر الكبير ماجد الغرباوي , يبهر القارئ في تحليله العلمي ( ابستوملوجيا ) , في اسلوب الطرح في اصناف وانواع المثقفين , وحقاً ان هذه الثقافة المسنيرة بالخبرة والكفاءة في معارفها الواسعة , ما احوجنا اليها في واقعنا بكل متغيراته , لقد وضع الاستاذ الغرباوي يده على الجرح والداء والمعضلات التي يعاني منه الواقع باصناف المثقفين على مختلف مشارفهم , وبرزوا في الواقع السياسي والثقافي , ولكن تبقى الحاجة القصوى والملحة رؤية جديدة بناءه , تسهم في بناء الوطن , لا بتهديم الوطن , بالدفاع عن السياسي الفاسد , اعتقد ان هذا التحليل والتشخيص لمعضلات الواقع بهذه الروحية العلمية والفكرية , يدل على الخبرة الطولة والمعمقة في معرفتها الواسعة , التي تسجيب لمتطلبات الظرف الراهن
ودمتم بخير

 

شكرا لقراءتك المتواصلة لحلقات الحوار الاخ الاستاذ جمعة عبد الله وشكرا لتعليقاتك المفيدة، دمت اخا واستاذا عزيزا

 

مثقفوا التبعية و الولاءات و الماجورين منهم هؤلاء غلطوا كثيرا من الناس واوقعوا بهم لثقتهم فيهم لكونهم ميقفين ينيرون الدروب لهم خاصة الشريحة البسيطة من المجتمع..دائما تطرح مواضيع شيقة و رائعة وواقعية الى حد ما، وهي تمس واقعنا الاليم بطريقة او باخرى وتشرحه شرحا جيدا فتبدو خفاياه للذين لا يريدون رؤية الحقيقة واضحة و جلية...

 

سعيد برضاك على الحوار الاستاذة القدير فوزية بن حورية، أملي قراءة الحلقات القادمة مع الاحترام

 
  1. مهدي الصافي

تحية طيبة
اضافة الى ماتقدم من تصنيف واقعي من قبل الاستاذ المفكر الغرباوي..اصبح الاعلام الفضائي العالمي هو الواجهة الرئيسية للمثقف العالمي اي بعد نهاية الحرب الباردة وماحصل تحديدا بعد٢٠٠٣ من انفتاح عربي على عالم الالكترون اصبح الاعلام العربي يقدم المثقف الرسمي المحلي والعالمي ويتجاهل عمدا المثقف الحقيقي.ولهذا انتشرت المواقع والصحف الالكترونية المحايدة التي استطاعت ان تنافس الاعلام الرسمي والورقي بقوة وان تصل الى شريحة واسعة من الجمهور العربي بوقت قياسي لمصداقيتها..المشكلة كما قلت في مراحل التطور الاعلامي التي اصبحت من الوسائل الاقصائية احيانا المسيطرة على المشهد الثقافي ولهذا كان مثلا للكتاب اهمية اكبر قبل انتشار تكنولوجيا المعلومات...هذه الحالة لم تعد تقتصر على الانظمة المستبدة السابقة انما اصيحت حالة عالمية هي كالفرق على سبيل المثال لا الحصر بين المفكر نعوم تشومسكي وبين الكاتب والصحفي توماس فريدمان وعلاقة الاعلام بهما..السؤال هل هذه التعريفات والتصنيفات الخاصة بالمثقف هي صحيحة دائما ام يجب التفريق بينها وبين المثقف الاعلامي اي الذي يقدمه الاعلام على انه مثقف وهو ليس كذلك مجرد موظف ثقافي او اعلامي اي تعد بالنسبة له مجرد مهنة يجب ان يفعل كل شيء من اجل الحفاظ عليها بينما الثقافة هي كما نعتقد المعرفة الواسعة او الشاملة المؤثرة والمتفاعلة مع المجتمع والعالم عموما

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4005 المصادف: 2017-08-23 05:51:38