المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (21): معاناة المرأة المثقفة

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الواحد والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

 

س54: سعد جاسم: تعاني المثقفة العربية من عدّة مشاكل وإشكاليات جوهرية، فما هي برأيك أبرز هذه المشاكل والإشكاليات؟

ج54: ماجد الغرباوي: أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفه ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم (رئيسة دولة أو رئيسة وزراء)، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

تعود النظرة النمطية الراسخة في العقل الجمعي إلى سببين:

 الأول ذاتي، يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطئ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامه، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

فعليها المثابرة، وتعميق ثقتها بنفسها، وبدورها للحياة، كي تكون منضبطة في أدائها الثقافي والاجتماعي، فبعض المثقفات يخذلهن الوعي في تقدير الأوضاع، وتحديد سقف مطالبهن وأهدافهن، فمثلا الحرية المطلقة في مجتمع محافظ، يعد أمرا تعجيزيا، ينبغي عدم إدراجه ضمن قائمة اهتماماتهن راهنا. خاصة أن تطور المرأة وإستعادة إنسانيتها كاملة لا يتوقف على مطلق حريتها، بل يتوقف على مدى تفهمها لدورها في الحياة، وكيفية تعاملها مع الرجل والعقل الجمعي، بشكل تدفعه لاعادة النظر في نظرته النمطية عن المرأة، بشكل عام والمرأة المثقفة بشكل خاص. وقيمة المرأة المثقفة، بوعيها وثقافتها، وما تحمله من قيم ومبادئ واستنارة، تُدرك بها حقائق الأمور التي يمكن أن  تتخذ في ضوئها موقفا صائبا. فالرهان دائما على الثقافة والوعي، رغم أهمية التربية والبيئة والمجتمع. فليس الانفلات دليلا على تطورها، ولا يكشف الإلتزام عن تخلفها. وتبقى مصدافيتها رهن وعيها، خاصة المرأة المثقفة. لقد كانت المرأة مقدسة في ظل مجتمع إنساني طواه التاريخ، وكانت تُعبد من دون الله باعتبارها أصل النوع البشري، فهي خير وعطاء وحرمة وانجاب. بل أن جميع المؤنث لكلمة إله يدل على قوة حضور الإله الأنثى.

وبالتالي كما أن الرجل مطالب بنظرة أكثر إنسانية وإيجابية للمرأة، وتقييم منجزها وفقا لضوابط الإبداع، والقيمة الحقيقية لمضمونه، فالمرأة أيضا مطالبة بالتركيز على ذات المنجز، وعدم الاصرار على هويتها الأنثوية، كي لا ينقلب الإصرار إلى تحريض ضدها. فتحتاج المرأة المثقفة إلى تجاوز عقدة الأنوثة، والحد من الهيمنة النفسية للذكورة، وتضخّم صورة الرجل في مخيالها. وبحاجة إلى إعادة تقييم، والتخلّص من رهاب الفحولة، بعد أن قطعت البشرية شوطا على طريق تحرير المرأة وحقوق الإنسان. ورغم كثافة البؤر الاجتماعية المتخلفة في بلداننا، لكن ثمة أمل بقدرة وسائل الاتصال الحديثة والانفتاح الثقافي بين الشعوب. أحيانا عقدة الذكورة تخلق نرجسية مضادة لدى المرأة المثقفة، بشكل تتلاشى فيه أجواء التفاهم بين الجنسين، خاصة حينما تستغرق في شكوكها وعدم ثقتها.

المرأة المثقفة لا تواجه جسدا رجوليا، بل منظومة قيم معقدة، نسجتها ظروف اجتماعية وسياسية ونفسية أفضت إلى تمادي الرجل في استغلال تكوينها البيولوجي لينفرد بالقرار وحق تقرير المصير. وحينما تؤسس القيم داخل البنى الفكرية، وتعشعش في تلافيف المهيمن الثقافي، وتستوطن مساحة واسعة من اللاشعور، تتجلى في تفكيرهما وسلوكهما. فثمة أنساق غاطسة تتدخل في تشكيل العقل، وتمارس سلطتها على المشاعر والأحاسيس، والإنفعالات. وتظهر بقوة في حالات العصبية والمواجهات الساخنة بين الطرفين. فنحن بحاجة إلى إعادة تشكيل العقل العربي، وفق قيم حقوق الإنسان، ومبادئ الحرية والتسامح، ووحدة الجنس البشري. بمعزل عن التراث والقراءات المبتسرة للنص الديني المقدس. بطريقة ينقلب الفهم الديني الجديد من ضد إلى مع مبدأي المساواة والعدالة الاجتماعية.

والمجتمع مطالب بتنقية مفهوم المرأة من شوائب النظرة القاصرة، وتجريده من قيم الاستعباد والاستغلال والقمع والفحولة، لزرع الثقة في نفوس الأجيال التي تتولى المرأة تربيتها. فاستعادة إنسانيتها يعود بالنفع على عموم المجتمع. كما ينبغي للمرأة المثقفة إشعار الرجل بدورها الذي يتقصد الرجل تجاهله والاعتراف به، بدافع أناني مقيت.

 والثاني موضوعي، تكرّسه مختلف الظروف المحيطة بها، فما زال الوسط النسوي المثقف، باعتباره جزأ من الوسط النسوي العالمي، يعاني الاضطهاد والتمييز والقمع في أغلب الدول العربية، وما زالت هناك قوانين تقمع حركاتها وتألقها. سببها قبليات المجتمع ورؤيته للمرأة ودورها الاجتماعي، وهي نظرة شاملة لم تستثنٍ المرأة المثقفة. لأنها رؤية مؤسسة على ثقافة، تختزل المرأة في إنسانيتها. وتسيء الظن بعقلها وقدراتها، بل وتعتبرها قاصرة تفتقر للرعاية والقيمومة والتدبير، فلا يسمح لها ممارسة حرياتها خارج أسوار البيت وأسيجة الزوجية وقيود الأمومة. وهذا ما تعانيه المرأة المتطلعة لأفق التحرر والحرية كي تمارس دورها في الحياة، وتقوم بمسوؤلياتها، إنطلاقا من مبادئها ورسالتها.

لكن ماذا تفعل، ولم تشاهد تغييرا في رؤية المجتمع للمرأة، بل ورؤية المرأة لنفسها، حيث انكفأت، في بعض الأوساط، تعين الرجل على قمعها وتحجيمها، وتبديد حقوقها، بدوافع اجتماعية وأخرى دينية، حتى انقلب تذمرها إلى قناعة راسخة ترفض التمرد والخروج على سلطة الرجل والمجتمع. وهذا لم يأت من فراغ، فإضافة إلى ثقافة المجتمع والعقل الجمعي الذكوري، جاء دور الخطاب الفقهي، الديني، التراثي، وجاء دور الحركات الإسلامية التي تبنته حركيا، فلا نُخطئ إذا قلنا: إن الفكر الحركي كان بالنسبة للمرأة أفيونا حقيقيا فاقم مشاعر النقص والتضاؤل أمام سلطة الرجل، بعد أن أسست تلك الحركات لسلطته، وأكّدت وجود فارق نوعي بينها في ظلّ فهم خاص للآيات والروايات. فكانت تلك النصوص سلاحا ماضيا أغرت الرجل في طغيانه واستبداده. فما زالت أدبيات الحركات الإسلامية تلهج بتساوي المرأة والرجل في العبادات والواجبات في الدنيا، والمساواة بينهما يوم الجزاء، بينما تقوم بتأويل حقوقها بطريقة تسلبها إنسانيتها، وبالفعل انطلى الزيف الفكري عليها وبقيت المرأة قابعة في إتون الأعراف والتقاليىد، وما زالت بعض النساء تأنس كونها: ناقصة، نصف إنسان، عورة، منبوذة في أيام عادتها، شيطانا مغريا، تحتاج إلى مدبّر، وصغيرة تروم قيـّما عليها، لا يجوز لها الحديث مع الرجال خوفا من إغرائهم أو فسادها، لا يحق لها مخالطة الآخرين مخافة أن تفقد شرفها وعفتها، لا يسمح لها بمجالسة الناس لأنه خلاف الأعراف والتقالىيد، لا تؤتمن على دين، ولا تؤتمن على شرف، دائما في دائرة الشك والريبة، ودائما عليها أن تُثبت نقاءها وعذريتها. لا ثقة بها في أداء عمل سوى عمل البيت وحُسن تبعلها، ولا يُطمأن لها على سرّ لعدم الثقة بها. يجب أن تسير خلف زوجها، وتتعهد بتربية أطفاله وتدبير بيته، والصبر على نزقه والسكوت على فعاله. ومشاركته أحزانه دون أفراحه وملذاته. ليس لها حق مساءلته، وله حق التحقيق معها في كل شيء، لا تعرف شيئا عن سلوكه، لكن ليس لها حق الخروج من الدار إلا بإذنه. نظرتها ريبة، وابتسامتها شبهة، وضحكتها خيانة!، وتودّدها لزوجها وحبها له ضعف، لذا ليس للمرأة سوى بيتها ومن ثم قبرها، حتى أن بعض الأوساط الشعبية ما زالت تتباهى بالمرأة المخدّرة، وتعتبرها فضيلة لا تدانيها فضيلة، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا مرتين، واحدة إلى بيت زوجها وأخرى إلى قبرها. هكذا تؤسس قيمنا الاجتماعية للتخلف وتعطيل طاقات المجتمع، وتشيع الكآبة والبؤس والجهل والأمية والكبت والانحراف المستتر، وتحمل المرأة مسؤولية الخطيئة التاريخية للرجل. وليست الأعراف والتقاليد بل الفقه الإسلامي ساهم بقوة في تكريس نظرة الاختزال للمرأة، عندما يرفض إعادة النظر في بعض الأحكام التي تخص المرأة وفقا لفعلية موضوعاتها. بل الأبعد من الفقه هي نظرة الشعوب السابقة، لا فرق بين دين وأخر، ولا فرق بين حضارة وأخرى. فكان العربي يبادر لدفن الأنثى تخلصا من عارها.

هذه الثقافة تؤثر سلبا على المرأة المثقفة، وتجعل علاقتها بوسطها علاقة إشكالية، فكيف تقنعه بكمالها، وإنسانيتها، وخطأ الانطباع النمطي حول قدراتها العقلية؟. أجد الأمر صعبا لكنه ليس مستحيلا على المدى البعيد، خاصة عندما يتعاطف معها الوسط المثقف، وتساعد وسائل الإعلام الحديثة في تأسيس ثقافة، تستعيد بموجبها المرأة مكانتها وإنسانيتها.

لا أبالغ أن القراءة المتجددة للنصوص الدينية، مع استبعاد النصوص التراثية، ستساهم بشكل فعال في تغيير نظرة المجتمع للمرأة، ويبقى الرهان على مواصلة نقد القيم السائدة حولها. فدور القيم الاجتماعية تارة تكون أخطر من دور النصوص الدينية والمرويات التاريخية.

فالخطوة الأولى التي تحتاجها المرأة المثقفة أن يعيد الوسط الذكوري تشكيل ثقافته وفق نظرة عصرية تقوم على مبادئ حقوق الإنسان، والعدالة، بعيدا عن الاضطهاد والقمع وسطوة الذكورة القابعة في نفس الرجل. ثم يأتي حضورها الحقيقي من خلال منجزاتها، ووعيها ومواقفها، ليؤكد صدقيتها. وهذه هي الإشكالية التي تواجه المرأة المثقفة كما جاء في السؤال.

 

س55: سعد جاسم: كيف تنظر الى مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا؟

ج55: ماجد الغرباوي: كان تدشين الأنترنيت انعطافة تاريخية في حياة البشرية، ونقطة تحول، نقلت الحياة من واقعها الحقيقي، إلى واقع افتراضي استوعب كل شيء، فمهّدت الشبكة العنكبوتية لمختلف أنواع التواصل: الثقافي والفكري والعلمي والاقتصادي والسياسي، والحكومي والعاطفي، والأكاديمي، كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي "والسوشيال ميديا" في خلق علاقات اجتماعية غير نمطية، تتكيف مع كافة الظروف. وراح تدفق المعلومات يفوق الخيال، حتى بات اقتناء المعلومة يكفيك عناء البحث والتنقيب الآرشيفي من خلال محركات البحث الألكترونية، وبفترة قياسية، قد لا تتجاوز الدقائق أحيانا. وبات التلاقح الثقافي، وتبادل المعلومات، ونقل الأخبار والتقارير يفوق الخيال. فالعالم بين يديك، تتأثر به، ويمكنك التأثير فيه، إذا كنت خبيرا، تتمتع بلياقات إعلامية وقدرات ثقافية وعلمية، وتخطيط استراتيجي، يواكب آخر التطورات العلمية والعلوم الإنسانية كي تتوفر على خبرة في استثمار العالم الافتراضي. وهذا يعني ثمة وجه آخر للأنترنيت يخدم الأهداف الاستراتيجية للحكومات والمؤسسات، ويساهم في تسويق نمط خاص من الثقافة تخدم ذات الأهداف. فما هو مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا، كما جاء في السؤال؟ وهو سؤال استراتيجي يتعلق بثقافتنا وهويتنا ومستقبلنا وأصالتنا وموقعنا عالميا.

ولكي يكون الجواب موضوعيا، نستعيد صورة العرب في الوعي الغربي القائم على مركزية الرجل الأوربي أو الغربي وهامشية الأطراف، الذين هم نحن. فصورة العربي في وعي الغرب، تعكس صورة الهامش في وعي المركز. فيضفي عليه جميع صفات التخلّف والتوحش، ويرميه بالنقص التكويني، وبؤس الثقافة، وسذاجة العقل. فتقوم العلاقة بين مركز يصدّر المعرفة والعلم والثقافة والتكنلوجية والفنون والحب والجمال والأخلاق، وهامش عاجز، متلقٍ، مستسلم، بسبب خلل معرفي وعقلي وثقافي، يرتبط بقبلياته ومرجعياته العقيدية والفكرية، وطبيعة عاداته وتقاليده وقيمه. فالغرب يصدّر كل شيء، والعرب وغيرهم من الشعوب الأخرى، تستكين وتتوارى وراء تخلفها وتقاعسها. الغرب يصر على رداءة الأطراف، وما زلنا نعاني من عجز ذاتي يقاوم نظرة التحدي، المتعالية، بنرجسية وغطرسة مقيته. خاصة بعد مرحلة داعش التي كرّست صورة وحشية العرب في الوعي الغربي. الغرب يمارس معنا سياسة الإقصاء ونحن فقط نتذمر، عندما نعجز عن إعادة تشكيل الوعي الغربي بنا.

وأيضا صورة الغرب في الوعي العربي قائمة على نموذجية الغرب، رغم عجرفته وتعاليه، بل لا ينسى العربي دور الاستعمار الغربي في تحطيم بنيته المعرفية، واستعماره، وسلب خيراته، لكنه رغم ذلك بات الغرب في وعي العرب هو النموذج والتحدي. هو نموذج إنساني في ثقافته وتقدمه وحياة الاستقرار السياسي والامني التي ينعم بها، ويطمح كل عربي باللجوء لدول الغرب الديمقراطي الآمن. بينما تعيش الدول العربية في دوامة صراع على السلطة، وبؤس ثقافي عيال على المنجز الغربي إلا القليل من الإبداع.

فالمواطن العربي عندما دخل عالم الأنترنيت دخل مبهورا بالغرب وتطوره، مأخوذا بما يشاهده من عالم جديد، فتفاعل معه بثقافة بدائية راحت تتأثر بالثقافة الجديدة، بل راحت تتراجع، وأصابها النكوص المعرفي. بينما كان ينبغي للمواطن العربي أن يعي جيدا طبيعة التعامل مع العالم الافتراضي، فيسعى لتحصين ذاته وثقافته، والحفاظ على هويته وخصوصيته، كي يقاوم تحديات الثقافة الجديدة، وتدفق المعلومات المرعب أحيانا. وهذا هو الحد الأدني، لكنه لم يحصل بشكل كافٍ، وما زال الحضور العربي بحاجة لرفد ثقافي ومعلوماتي واعٍ، يعيد تشكيل الوعي لدى الطرفين. خاصة وعي الغرب بالعرب، بعد كارثة داعش وأخواتها.

 لكن ما حصل أن بعض الأوساط العربية راح يغامر بهويته وثقافته حتى أفرغ محتواها وانساق مأخوذا بثقافة الغرب .. بثقافة من خارج بيئته وتراثه، فأصيب بالتشوه المعرفي والثقافي، وهذا ما تعكسه اهتمامات العرب في مواقع التواصل الاجتماعي، عندما كرّست حضورا ساذجا في ثقافته ووعيه، بين انفتاح حد القطيعة مع التراث وقيمه، أو انكفاء مروّع. الأول لم ينفتح على ثقافة الغرب أو يدرس تاريخ تطوره، ولم يتعلم منهم طرق التطور الحضاري، على صعيد الدولة والمجتمع والثقافة والفكر، مكتفيا باشباع غرائزه، وتحرير كبته الجنسي. والثاني راح يستعرض أنواع التوحش والإرهاب، يتعمد إقصاء الآخر. فكلا الطرفين فشل في خلق وسط مشترك يسمح باعادة تشكيل الوعي الغربي وتصوره عن العرب وتراثه وثقافته. ناهيك عن الجدل العقيم، والتنابذ، والتراشق بالألفاظ، والفضائح السياسية والأخلاقية، وأشياء كثيرة لا ترقى لمستوى أي طموح حضاري.

وأما الطرف الثالث وهو الطرف المثقف، المعني بثقافته وهويته، وكيفية الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي لتطويرها وتحصينها، وإثرائها فما زال محدودا، إن لم يكن متواضعا قياسا بالآخر، لم يحقق خطوات مهمة، رغم كثرة الصفحات الثقافية. فهامش الحرية الكبير لم يفرز ثقافة مؤثرة، بل وتوارت بفعل قوة حضور الخطاب السياسي، القائم على التنابذ والصراع، وتكريس قيم الاستبداد. وهذا لا ينفي التطور المشهود، لكنه محدود. فالثقافة العربية تغامر بهويتها إذا لم يتدارك المثقفون العرب أمرهم، ويعتمدوا الطرق العلمية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعية، لتعميق الثقة بالأوساط الاجتماعية من خلال منجزها وقدراته الابداعية وطبيعة الموضوعات التي يطرحها ويتبناها.

إن تمادي قيم العنف والتنابذ والاستبداد في الانتشار والتبني، سؤدي إلى تآكل الثقافة العربية، ما لم تجدد خطابها ومناهجها ومصادرها المعرفية، وتضع استراتيجية تحقق أهدافها، خاصة ونحن نعيش تحديات الهوية والثقافة والدين، ونعاني من سطوة العولمة في جانبها الثقافي، وإعادة تشكيل المهيمن الثقافي الامبريالي وتعميمه خدمة لمصالح الدول الكبرى ومصالحها، التي وظفت الشبكة العنكبوتية لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه مباشرة.

وبالتالي الثقافة العربية معنية بإعادة تشكيل مفاهيمها، وترسيخ قيم الهوية والأصالة، والانفتاح على كل ما هو مفيد، يرفد ثقافتنا بحيوية، كي تتطور لمصاف الثقافات العالمية. فمستقبل الثقافة العربية بات في مهب الريح ما لم تتدارك وضعها وسقمها، ولعل في حجم الإقبال على المنجز الغربي قياسا بالمنجز العربي، على جميع الأصعدة الثقافية شاهد على ما أقول.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

لم تعد شعارات التنوير و النهضة موضع تساؤل في هذه ألأيام. و حتى لو حصل و أعادها لمركز اهتمامنا مجموعة من المعنيين بالفكر الاجتماع ديني فذلك فقط لتوسيع تعريفنا بها. و من منطق يمكن أن اسميه إلاغي. فهم يعيدون في الواقع لبؤرة الاهتمام شعارت التحرير و الاستقلال. فالدعوة بجوهرها لتحرير العقل من نفسه. و لربط ماكينة إنتاج الأفكار بالمصطلحات المولدة و التي هي شكل من اشكال الاستعمار الناعم.
طبعا لا أبحث عن قطيعة معرفية مع الحضارة المعاصرة أو الغرب و مصطلحاته. و لكن أسمي الأشياء بمسمياتها. التنوير و النهضة اليوم هي جزء من بروباغاندا الغرب التي تسقط علينا ما تراه مهما و مفيدا لها.
و ضمن هذا الهامش البشري.
المفيد للغرب مفيد للشرق أيضا إن لم يكن في مجال الماهيات و الروح نحقق شيئا من تحرير أنفسنا من التبعية لنسخة باردة و قديمة و انتهى وقتها من الهوية العربية.
وأعتقد أن الجنوسة جزء من هذه اللعبة. فهي ذات علاقة بالجنس الثالث. أو بفهم العقل الاجتماعي لمعنى الذكورة والأنوثة.
حوار شديد الأهمية.
و محور الثقافة بحلقاته الماضيات يلعب على عدة أوتار حساسة.

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية صدق للاخ الدكتور صالح الرزوق، احدى مشاكلنا الثقافية فهم الواقع وملابساته، وإدراك مرامي الطروحات الفكرية والثقافية حينما يراد استنباتها في غير بيئتنا. الغرب يتعامل وفق ثنائية المركز الاطراف فيجردنا من كل شيء ويفرض علنيا كل شي، فينبغي الانتباه لهذه القضية دائما حينما نتفاعل مع مفاهيمه الحضارية. دمت استاذا عزيزا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاستاذ سعد جاسم على طرح سؤال(تعاني المثقفة العربية من عدة مشاكل واشكاليات جوهرية)،
والشكر موصولا للدكتور ماجد الغرباوي على الاجابة الموسعة المستفيضة.
فقط عندي تعريج على رأي الدكتور بقول:
((لا أبالغ أن القراءة المتجددة للنصوص الدينية، مع استبعاد النصوص التراثية))استاذي الكريم ملاحظتي على (استبعاد) بل قل تفريق لان التفريق (واجب)بين الوحي والتراث فالوحي مقدس ومعصوم لأنه الهي ،والتراث قابل للخطأ والصواب لانه تجربة بشرية، وجلنا يفرق بينهما ولكن هناك من لايريد ان يوضح او يحدد او يُعْلِـمُنا به، لانه تعطيه سلطة ومركزية بالرجوع له وهذا ديدن بعض رجالات الدين واراه كما يرى البعض انه تطرف وانحياد الى ترجيح كفة الوحي بينما ماثبت انه من الوحي فلا خلاف عليه. لا اريد الاطالة والتفرع حتى لاتنقلب محاضرة دينية .
وتطرق الدكتور ماجد الغرباوي ( الثقافة العربية تقامر بهويتها...)
كثيرا ماتخوفنا هذي المقامرة واهمال الثقافة وليست بالصعبة على من قامر بتاريخ وحضارة وتراث البلد،وتستمر مخاوفنا من ان نصاب ببتر التشوه الفكري مؤديا الى عوق فكري. كلنا يكره الرجوع لكن اتمنى ان يرجع ويرد(حالة استحقاقية لابد منها) الشعب العربي بمضي للقراءة والحفاظ على الثقافة الشخصية وبالتالي المجتمعية .
اكرر شكري .

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة القديرة هناء عصام، مرحبا بك، وشكرا لقراءتك الحوار وتعليقك. اسعدني رضاك عنه، وأهلا وسهلا بك دائما.
الخلاف بيينا لفظي، فالاستبعاد يستبطن عدم قدسية التراث، لوجود مغايرة جوهرية بين النص المقدس والقراءات التراثية. التراث فهم وقراءة للنص، فهو منجز بشري، على خلاف النص المقدس، فيحتفظ بسلطته وقدسيته. والتمييز بين المقدس وغير المقدس او المقدس والمدنس، او السمائي والارضي، او الالهي والبشري. يقع ضمن مشروعي منذ اول كتاب كتبته. فانا ادعو الى للفصل بينهما من اجل تحرير العقل الاسلامي من سلطة التراث، اتمنى الاطلاع على الحلقتين 16 و17 حول التراث والمعاصرة والعقلانية، ستجدين الكلام مفصلا. وبالتالي فثمة اتفاق بيننا حول جوهر الفكرة ولا يوجد اي خلاف.
وايضا بالنسبة لاشكال الثقافة فنحن متفقون، فانا اقصد بالمغامرة والتفريط موت الثقافة ما لم تنهض وتتدارك نفسها، فالثقافة الغازي ستقضي عليها، فنخسر هويتنا واصالتنا. وايضا سيرفضنا الاخر ولن يقبلنا، لانه اساسا لا يعترف بنا ولا بثقافتنا. فانا ادفع باتجاه التفاعل مع الحفاظ على الهوية، واطالب بالاستفادة من المنجزات الانسانية، لتطوير ثقافتنا. خالص التقدير
التعليق الثاني لا داعي لنشره ولا داعي للاعتذار الامر طبيعي والكلمة في محلها اتفهما ولن اتحسس منها. تمنياتي لك بمتابعة حلقات الحوار اوالاطلاع على كتبي مع خالص الاحترام

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4008 المصادف: 2017-08-26 04:20:44