المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (22): التسامح ونسبية الحقيقة

majed algharbawi6salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س56: سلام كاظم فرج: أديب وكاتب / العراق: نسبية مفهوم التسامح .. (نظرة على ضفاف الحوار مع الأستاذ ماجد الغرباوي).. 

بالرغم من متاعب صحية عابرة أمر بها، كان لي شرف الاستمتاع بالحوار المعرفي المفتوح مع الأستاذ ماجد الغرباوي حول مفهوم التسامح كمصطلح اجتماعي، سياسي، وسايكولوجي، وقد سبق لي أن قرأت كتابكم القيم التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات. وكتابكم الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني. وانتبهت الى أطروحة مهمة في ثنايا الكتابين: (إن التسامح ليس منة نمن بها على الآخر بل هي حق إنساني مكتسب نحقق بها إنسانيتنا ونؤكد من خلاله هذه الإنسانية..).. وقد أعدتم صياغة هذه الأطروحة في ردكم على سؤال الشاعر سامي العامري.. وقد شحذ سؤال الشاعر العامري وجواب الباحث الغرباوي.. أسئلة راودتني وأنا أتصفح ردودكم القيمة على أسئلة الأخوة المحاورين، وجدت من المفيد أن أتوجه بها إلى جنابكم الكريم:

عن نسبية مفهوم التسامح.. رغم ما قد يخطر في البال عنه بأنه قيمة مطلقة.. أطروحة الأستاذ الغرباوي تتجه صوب حتمية التسامح وضرورته إنسانيا..

 سؤالي: كيف يمكن أن نحل إشكالية النسبية في مصطلح اتفقنا على إطلاقه؟.. بمعنى أن ما هو متاح في عالم ما، ربما لا يكون متاحا في مكان أو زمن مختلف.. نسبية الزمان والمكان والأعراف.. نسبية صحة التقاليد .. وأنواع الايمان .. ومدى تحمل الآخر . ناهيك عن التسامح معه.. على سبيل المثال. في المزارات الدينية.. حيث يفرض نوع من الحجاب على السيدات.. هل المطلوب هنا أن تتسامح السيدة مع العرف السائد فترتدي الحجاب أم المطلوب من القائمين على العرف أن يتسامحوا مع سيدة اعتادت على أن تسفر عن وجهها وشعرها؟

 

ج56: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأديب والكاتب الأستاذ القدير سلام كاظم فرج. أسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية وطول العمر بصحة وسلامة، كي تواصل مشاريعك، فنحن بحاجة لمثلك من المثقفين المستنيرين. شكرا لأسئلتك المهمة.

الجواب يتطلب عودة لتعريف التسامح ومستوياته وشروط أدائه، لتحري مديات شموله لأمثلة السؤال، ومعرفة ما هو مطلق ونسبي في أبعاده.

يقصد بالتسامح إصطلاحا: (الاعتراف بالآخر، شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها). فهو تسامح حقيقي، ونسق قيمي، معرفي يصدر عنه موقف إيجابي متفهم من حرية العقيدة والفكر والرأي، يسمح بتعايش مختلف الرؤى والاتجاهات بعيدا عن الاحتراب والاقصاء، على أساس شرعية الآخر دينيا وسياسيا وضمان حريته في التعبير عن آرائه ومعتقداته.

فالتسامح الحقيقي ينفي احتكار الحقيقة والاستئثار بالنجاة لطرف دون آخر. على الضد من المذاهب والفِرق الكلامية التي تحتكر الحقيقة، وتحكم بردة الآخر وكفره وحرمانه من النجاة، لكنها تتسامح معه شكليا لضرورات أخلاقية أو اجتماعية وأمنية بل وحتى دينيا. لذا يتوقف قيام المجتمع المدني واستتباب الأمن الأهلي على التسامح الحقيقي. ولا يراهن على تسامح شكلي يرفض مقوماته، كالمواطنة والتعددية وحرية الاعتقاد والرأي. فهو تسامح قلق، ينهار في أول احتكاك ديني أو مذهبي أو طائفي.

فالتسامح الشكلي يكرّس منطق الفِرقة الناجية، ويسمح بإقصاء ونبذ وإلغاء الآخر، ما دام قائما على المنّة والتكرّم. وكل من يتسامح أخلاقيا أو دينيا، يضمر احتكاره للحقيقة والنجاة، وينفي الآخر في أعماقه.

التسامح الحقيقي وليد بيئة أخرى، نشأ وترعرع في ظل تنظير مستمر على يد فلاسفة ومفكري النهضة الأوربية، كالفرنسي فولتير (1694 –1778م)، كاتب وفيلسوف عصر التنوير. فهو مصطلح ضمن منظومة قيم ومبادئ وأفكار المجتمع المدني. فالتسامح لا يكون فاعلا خارج بيئته وأنساقه المعرفية، كالمجتمعات الطائفية. فمن يحتكر الحقيقة يستبطن نبذ الآخر، ورميه بالردة والكفر والخسران يوم الحساب. فيتنافى مع قيم التسامح الحقيقي.

وهكذا بالنسبة للمفاهيم الأخرى التي تتوقف عليها فعلية التسامح كالتعددية، وحرية الاعتقاد، والرأي، فجميعها لا يعمل خارج بيئته. وحينما أكتب عن التسامح لا أتجاهل شروطه. وأعلم جيدا لا فاعلية له خارج منظومة القيم الحضارية الغربية، وما يرتبط بها من مفاهيم: (مجتمع مدني، حرية، تسامح، ديمقراطية، ليبرالية، علمانية، تسامح، تعددية، سياسية ودينية). فبيئته تضمن شروط فعليته. لذا أدعو دائما إلى عقلانية شاملة، تُعيد تشكيل العقل، وتتولى تبيئة القيم الحضارية الحديثة، معززة بما يجود به التراث من قيم دينية تحتضن التسامح الحقيقي الذي بات ضرورة قصوى بعد موجات العنف الطائفي وحجم الخسائر والتداعيات الكبيرة، وحياة الرعب التي عاشتها شعوبنا. ولا تسامح ما لم تكتمل شروطه، وهي سهلة في ظل انتشار شامل للعقلانية، والارتكاز للعقل والمنطق في فهم الدين ودوره في الحياة. لا سيما في تراثنا عناصر يمكن توظيفها في تحديث وعي المجتمع واعادة تشكيل عقله ومشاعره. غير أن هذه المهمة تبقى عسيرة ما دامت الأصنام ثاوية في أعماق العقل، وما زالت الأوثان سلطة توجه وعي الناس. فيبقى الرهان على النقد لتحطيم القوالب الفكرية والعقيدية، وسلطتهما المعرفية العتيدة، كخطوة تمهيدية لتسامح فاعل في ساحتنا العربية والإسلامية. وبالتالي فمن الخطأ استنبات قيم داخل بيئة خارج بيئتها، ما لم تكتمل جميع شروطها. لذا تجد تشوهات فكرية في مفاهيم راحت تتبناها بعض الأنظمة السياسية، كالديمقراطية أو التعددية أوالتسامح، سببها عدم وجود بيئة ملائمة، واستخدام خاطئ لأدواتها. إن عمليات التلفيق لا تنجح في تطويع مفاهيم الحضارة الغربية، لذا فشلت مشاريع الأسلمة في العالم الإسلامي، لاختلاف الثقافات والبيئات، وحاجة المفهوم إلى بيئة وثقافة مناسبة لعمله. فتبيئة المفاهم خارج مناخها الثقافي تحتاج أرضية ملائمة، وهي مفقودة، ما لم يُعد تشكيل الثقافة والعقل الاسلامي، بعد تجريده من سلطة التراث والموروث وتقديم فهم مغاير للدين ودوره في الحياة.

إن التسامح الحقيقي نسق قيمي وأخلاقي يراد إحلاله محل النسق الذي ما زال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، وهو نسق وليد منظومة قيم موروثة تشكّلت عبر ماضٍ سحيق، ظل الشعب يتوارثها ويتعهدها ويلتزم بها ويحافظ عليها. قيم تنابذية تتقاطع مع قيم التسامح، وتكرّس العصبية والرفض والاقصاء. فلا يكون التسامح فاعلا مؤثرا في مجتمع ما زال يتعهد تلك القيم الموروثة ويلتزم بها. أي ما زال يتمثلها قيما أخلاقية يستمد منها وجوده ومكانته داخل الوسط الذي يعيش فيه. ولا يمكنه التخلي عنها او التنكر لها، لأن في ذلك – كما يعتقد - مصادرة لموقعه وقيمته ورمزيته التي هي رأس ماله الاجتماعي، وعلى أساسها يقيم علاقاته ويتخذ مواقفه من جميع القضايا، بل ويعتقد أنها أساس وجوده وهويته.

اليوم ذات المسلم لا يمكنه التحرش بطقوس موضوعة، يعتقد بقدسيتها عموم الناس، فكيف نستدعي قيما أخرى تقع على الضد من ثقافتنا؟. بل حتى الحكومات تجامل العرف ورجال الدين في سن قوانين تحمي طقوسهم ومعتقداتهم الخاطئة. أو تغض الطرف عن ملاحقتها وتفتيتها. نعم يمكن توظيف عناصر القوة في تراثنا في عملية التحديث الحضاري. فقيم التسامح مثلا ليست غريبة تماما على بيئتنا، وقد أشرت لبعض جذورها العقيدية. فيمكن تأسيس ثقافة تسامحية ترتكز إلى فهم آخر للدين، والمقدّس والتراث. وتبقى مثاليته متوقفة على فعلية شروطه.

فقلق السؤال مشروع جدا. فما لم يُعد النظر في فهم الدين، والعادات والتقاليد والثقافة والفكر لا يمكن تطبيق مفاهيم حضارية وليدة بيئة أخرى. ويتعذر إعادة تشكيلها وفق مقاسات بيئتنا. فإما أن تتبناها وفقا لشروطها، وتعمل على تمهيد مناسب لاحتضانها، أو عدم التورط معها.

إن ما كتبته حول التسامح كان ضرورة تنظيرية في إطار محاربة العنف للتخلّص من لغة الاقصاء والتنابذ والتكفير، وحديث الفِرقة الناجية، واحتكار الحقيقة. وأما الجانب التطبيقي فيتوقف على تفاعل المجتمع مع ثقافته وقيمه، ليتجسد التسامح مشاعر وسلوكا فرديا واجتماعيا. فالبعد التنظيري للتسامح الحقيقي كان ضرورة لمحاربة العنف القائم على مفاهيم دينية خاطئة. خاصة ونحن نحتاج لتأهيل ثقافي، يمهّد لقيم حضارية جديدة. ثقافة تتوخى شرعيتها من إعادة فهم الدين، وفق متطلبات العصر والزمان، وضمن منطق الكتاب الكريم، ومقاصد الشريعة وغاياتها.

وبكلمة مكثفة: التسامح الحقيقي، مفهوم يعمل ضمن منظومة فكرية متكاملة، يرتبط بعضها بالآخر. يمكن توظيف بُعده المعرفي المطلق خارج إطار بيئته، لتفتيت عقيدة الفِرقة الناجية. وتتوقف فعلية تجلياته  السلوكية على كامل شروطها. فالتسامح الحقيقي قادر على تفكيك بنية العقل الطائفي وإعادة تشكيل وعيه للحقيقة وطرق الوصول إليها، لكنه لا يتجلى ثقافة وسلوكا إلا ضمن بيئته ومنظومته المفاهيمية.

فالتسامح، وفقا لما تقدم، ينقسم إلى قسمين:

الأول: تسامح حقيقي: يشتمل على بعدين:

- بُعد معرفي، يرتكز إلى: نسبية الحقيقة، ونسبية المعرفة الدينية، والتلازم الضروري بينه وبين الحرية الشخصية. فيتجرد تلقائيا من مشاعر الكراهية والتنابذ، ليكون مطلقا لا يُخصص، ولا يصدق إلا بصدق قيمه المعرفية التي هي أساس حقيقته.

- بُعد سلوكي، تتوقف فعليته على فعلية منظومة قيم المجتمع المدني. فهو نسبي تتوقف مصداقيته على مستوى فعلية ما يرتبط به من قيم حضارية، ولا يصدق حقيقة إلا بفعليتها واقعا.

الثاني: التسامح الشكلي، تسامح أخلاقي قائم على المنّة والتكرّم، يكرّس قيم التفاضل على أسس دينية أو طائفية أو مذهبية أو عنصرية. يكرّس لا شعوريا مشاعر الكراهية والتنابذ. ويخلق شخصية منافقة، تستبطن غير ما تظهر، فهو تسامح قلق، لا يساعد على قيام مجتمع متسامح حقيقة. بل ويهدد سلامة المجتمع في الأزمات السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية.

فأمثلة السؤال تنتمي للجانب السلوكي من التسامح الحقيقي، الذي تتوقف فعليته على فعلية منظومته المفاهيمية. فلا سلوك تسامحي بمعزل عن ثقافته وبيئته، وفعلية مفاهيم منظومته، كالمواطنة، والتعددية، وحرية العقيدة والرأي. فيكون التسامح حقيقيا متجسدا ثقافة وسلوكا حينما تكون عناصر المجتمع المدني الأخرى فعلية أيضا. فالتسامح مع تقاليد وأعراف ثقافات وديانات أخرى، يتوقف على إيمان المجتمع بقيم المجتمع المدني. فالإطلاق في التسامح ناظر لبعده المعرفي، وهو تسامح حقيقي يرتكز لمبادئه المعرفية. وأما التسامح في بعده السلوكي فيكون حقيقيا عندما يعمل ضمن منظومته المفاهيمية في إطار مجتمع مدني. وشكليا خارج أسوار المجتمع الحضاري.

فعندما يكون التسامح حقيقا، فاعلا، كما في الغرب، يستوعب حاجة الآخر لممارسة طقوسه وعاداته وتقاليده، وديانته، وعباداته. فتجد تجاور دور العبادات في كل مكان. وتلمس حرية العقيدة بطيفها العريض، وحرية الرأي والتعبير كيف تؤدي رسالتها في النقد والتقويم والمحاسبة. والجدل الفكري والعقيدي والفلسفي كيف يتطور في أحضان التسامح الحقيقي. بل الأجمل شعور التسامح نحو الآخر، فالجميع مواطنون يتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدون جميع واجباتهم. تطفح في لقاءاتهم روح المودة. وهذا لا ينفي وجود متطرفين وعنصريين، لكن السياسة العامة، وثقافة المجتمع تقوم على التسامح الحقيقي في كل شيء. أما في مجمعاتنا فلا يصدق سوى التسامح الشكلي، تسامح المنّة والتكرّم والتفضل. يَدٌ عليا تَمُن وتعفو، وأخرى سفلى تتلقى وتشكر. يتسامح معك ظاهرا، ويضمر في أعماقه نفيك وكراهيتك.

وعودة للسؤال: يبقى التسامح مطلقا في بعده المعرفي، ويتجلى سلوكا في إطار بيئته، واكتمال شروطه، فلا نسبية في بعده المعرفي، وتتراوح تجلياته بين التسامح الحقيقي والشكلي. وما كتبته عن التسامح في بعده المعرفي، تمهيدا لثقافة التسامح، استهدف اللامفكر فيه، والمقدّس، لنقده وزعزعته، خاصة ما يتعلق باحتكار الحقيقة، واحتكار الوصول لها، التي هي أساس التباغض، والاقتتال الطائفي، وهذا القدر يمكن للتسامح أن ينشط فيه حتى خارج بيئته، لكنه ينتكس حينما يقارب البعد السلوكي لتلك الأفكار، فهدف التسامح هو تفكيك العقل وإعادة تشكيله، وفق فهم متجدد للدين ودوره في الحياة. فالتسامح كقيمة حضارية معرفية مطلق، وقد تصدق نسبيته في الجانب السلوكي. فلا يجامل في نسبية الحقيقة وتعدد الطرق إليها. ولا يؤمن بوجودها خارج خيال الإنسان، وتختلف باختلاف قدرته على تصورها ورسم ملامحها. فالتسامح الحقيقي يعتمد العقل في فهم الحقيقة وطرق الوصول إليها، ويرفض الاستسلام لأي معرفة لا تخضع لمنهجه. فيستبعد اللامعقول والخرافة والأوهام وكل ما لا يتعقله.

بينما المعرفة الدينية معرفة جاهزة تستبعد العقل والتفكير العقلي على خلفية وجود عقول كاملة ومعصومة، تفكر بالنيابة عنا، فتكون معرفتها مطلقة، تقتصر دورنا على الانقياد والتبعية وعدم التمرد والاكتفاء بالتفسير والتأويل لأقوالها ونصوصها!!. وهذا فهم مبتسر، فالمعرفة الدينية معرفة نسبية، ويكفي طيف الاختلاف بين المجتهدين والمفكرين والمفسرين حول نفس القضايا. فينبغي اعادة النظر في مصادر المعرفة، ليكون العقل فوق النص، به نفهم النص وغاياته ومقاصده. وعلينا الكف عن أسطرة الرموز، وصناعة الإنسان الكامل.

شخصيا لا أذهب لنسبية الحقيقة مطلقا، فكما هناك حقائق نسبية، لا تطابق الواقع، بل مختلقة وفق مقاسات طائفية ومذهبية ودينية، لكن لي أدلتي على وحدة الحقيقة (الكبرى) مع تعدد الطرق إليها بالنسبة لله تعالى. فحقيقة الخالق تعالى بالنسبة لي خارجية، ثابتة، سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها، مع تعدد الطرق إليها، ولا أتعصب لطريق واحد دون غيره. بل (الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق). ولكل شخص تجربته الروحية مع الله ومع الحقيقة، ولكل فرد مشاعره في التفاعل معها، وهذا معنى تعدد الطرق إليها، ولا يوجد من يحتكرها ويحتكر الوصول إليها. وجميع الاجتهادات صحيحة شريطة صحة مقدماتها علميا. فلا إشكال في جواز التعبد بالمذاهب الإسلامية.

ثم الإيمان بالله كحقيقة مطلقة لا يتنافى مع فلسفة التسامح القائمة على نسبية الحقيقة، بل يبقى احتمالها ثابتا، بالقوة لا بالفعل، مهما كانت ضآلة الاحتمال، ما دام الوصول إليها ممكنا عندما يتحرر العقل من قبلياته. فشرط إطلاق الحقيقة، إمكانية الوصول إليها عبر مختلف الأدلة، مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فيتحقق الاحتمال، شرط صدقية التسامح الحقيقي.

لا يوجد مذهب حق مطلقا وآخر باطل مطلقا، ويبقى الإنسان رهن عمله وسلوكه وإيمانه، وعلاقات التنابذ بين المذاهب الدينية تدور حول حقائق مختلقة ليس لها رصيد واقعي، سوى روايات مكذوبة. فلا عقاب في الآخرة سوى للمتمرد على الحقيقة، العارف بها، وبتفاصيلها، مَن يشمله قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). فأعمال الناس تقع صحيحة إذا توفرت على شروط صحتها، كما أن القطع واليقين والجزم في العقائد حجة، بل حتى اليقين التراكمي حجة، منجّزة ومعذّرة. فلا مبرر لتكفير الآخرين مهما اختلفنا معهم عقيديا أو فقهيا. وطالما تمنى أتباع الديانات الاستئثار بالنجاة يوم القيامة، فردهم الكتاب الكريم: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير).

ثم مقتضى الحرية الشخصية لجميع الأفراد وبشكل متساوٍ، الاعتراف بنسبية الحقيقة، وعدم احتكارها لفرد أو طرف دون آخر. فعموم الحرية يعني تعدد وجهات النظر، وتعدد الآراء والعقائد والأفكار، لتعدد مصادرها وقبلياتها وقراءاتها وفهمها، ولازمها نسبية الحقيقة. والتعدد أمر واقع لا مراء فيه، مما يؤكد نسبيتها.

وتجد في القرآن الكريم ما يشعر بنسبية الحقيقة، مهما كان قدرها، وعدم احتكار النجاة في الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فهذه الآية تصرّح بشمول الآخر المختلف دينيا برحمة الله، شريطة الإيمان والعمل الصالح. فلم تسلب الآية منه هويته الدينية على أساس بطلانها بل أكدتها. فرغم اختلاف الأديان أو اختلاف الحقيقة، لكنهم ليسوا باطلا مطلقا، وفرص النجاة متاحة لهم ضمن هويتهم الدينية، دون الانسلاخ من دياناتهم.

وفي قوله تعالى ما يؤكد هذا المعنى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، والاسلام مفهوم يشمل جميع أتباع الديانات الثلاثة، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ). بل يشمل المفهوم كل من أسلم وجهه لله (|فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ). فالتسليم لله تعالى، يحقق بنفسه شرط التسامح الحقيقي.

بل أن احتمال الحقيقة ممكن لدى مطلق من يؤمن بوجود خالق مهما اختلفت صورة الإله في مخيلته. فالخالقية ستحقق احتمال الحقيقة مهما كانت ضآلته، وحينئذٍ يصدق التسامح الحقيقي وفق فلسفته القائمة على الاعتراف بالآخر شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها. وهذا ما بينته في كتاب (التسامح ومنابع اللاتسامح، فرص التعايش بين الأديان والثقافات): وبالتالي فالاعتراف ينفي المنة والتكرم في التسامح (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

ثم تأتي آية: (لا إكراه في الدين) لتؤكد حرية الإنسان في الاختيار (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وأجد في الآية التالية اعترفا صريحا بالآخر، ما يؤكد شرعيته من حيث ارتكازه لعقيدته القائمة على الدليل والبرهان، رغم عدم إيمان الإسلام بها. فهي مشروعة لشرعية العملية الفكرية، لذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فهذه الآية تعترف بحرية العقيدة، لأن قوة العقيدة في الاختيار لا بالتلقين والإملاء. الثانية تخلق لنا عبيدا، وأداوات يوظفها المستبد والطاغية ورجلا السلطة والدين لتحقيق أهدافهم.

وأما ما ذكرته في سؤالك حول غطاء الرأس أو اللباس الشرعي الديني، فيخضع لقوانين دينية وبروتكولات متعارفة في جميع أنحاء العالم، فمن تُقابل بابا الفاتيكان تلتزم بغطاء الرأس، تعبيرا عن احترامها وتقديسها. فهذه قضية إجرائية رغم ارتباطها بالتسامح الديني. فغطاء الرأس في إيران قانون، يشمل كل امرأة داخل إيران، فمن تأتي لزيارة البلد تتقيد بقوانينه. فلا معنى للتسامح ما دامت القضية قانونية، فنحتاج إلى إعادة النظر في أصل القانون. وأيضا عندما تدخل المرأة المشارف المقدسة عند الناس، يجب عليها احترام أعرافهم، كقانون متفق عليه ضمنا بين الشعوب، والأماكن المقدّسة، رغم الاستثناءات.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

صبحكما الله بالخيرات استاذي الغرباوي ، أستاذي سلام
من الحوارات الشيقّة التي تطلعنا على أمور ومعانٍ وقيم غفلنا عنها، رغم أهميتها
" فعموم الحرية يعني تعدد وجهات النظر" توقفت عند هذه العبارة استاذي الفاضل، نعم كما تفضلت الحرية تعني تعدد وجهات النظر أو الرأي، لكن سؤالي : هذا التعدد ألا يخلق أو يسبب في احتكاك يؤدي إلى قلقلة أو نزاع حول أحقية فكر على آخر أو رأي على آخر، كلٌ يرى رأيه هو الصواب، وكل جماعة تتبع صاحب فكر معين، وهذا حاصل فعلا في أرض الواقع.
احترامي واعتزازي بكما

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة للاستاذة القديرة ذكرى لعيبي، وشكرا لمطالعتها الحوار. حينما يكون التسامح حقيقيا، يعني الاعتراف بالاخر وبحقوقه لا منة وتكرما بل تسامحا حقيقيا فلا يقع اي نزاع كما هو الغرب الان، اما اذا كان التسامح شكليا كما في بلداننا فالتنازع واقع لا محال، كما حصل في عدد من الدول العراق، سوريا، لبنان، افغانستان
شكرا لك مجددا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا استاذنا المفكر ماجد الغرباوي... إضاءة فكرية مهمة لجانب قل متناولوه بهذا الوضوح و هذه الشجاعة اسلاميا وإنسانيا...معضلة الحرية في البلاد الاسلامية على الصعيد المعرفي والسلوكي تحتاج الى مفكرين شجعان ومقتدرين يسلطون الاضواء على المسكوت عنه في تراثنا وتأريخنا وحاضرنا.. تظل رائدا استاذنا القدير في هذا الجانب من ثورة الفكر التي قال عنها الجواهري الكبير: لثورة الفكر تأريخ يحدثنا.. بأن الف مسيح دونها صلبا..
فتحية لك.. وتحية لأختنا الاديبة والشاعرة القديرة ذكرى لعيبي على تحيتها الرقيقة

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لحضورك وتعليقك الاخ الاستاذ الاديب والكاتب المستنير سلام كاظم فرج. الشكر لك ولاسئلتك التي حرضتني على الاجابة، وهي اسئلة ذكية في تناولها للاشكالية. شكرا لحسن ظنك واتمنى ان اكون كذلك دائما. ما تبقى من اسئلة ستتناولها الحلقة القادمة باذنه تعالى
تحياتي وخالص احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

مشكلة التسامح مثل مشكلة الحرية، لا يمكن ان توجد حريات مطلقة و الا تحولت الى ازعاج و اضرار و شيء من التعدي،
كيف نكون متسامحين دون ان نمن على الآخر بحق مشروع منحه له الله و ليس الانسان،
ربما هذه القضية الوجودية تشبه العلاقة بين الاحساس بالمسؤولية و اللانتماء ايضا،
فان لا تكون ايديولوجيا يعني انك غير مسؤول و بلا هوية و لا خيار عقلي،
و التوسط في مثل هذه الامور عندي تمييع للقضية،
لذلك اعاقد ان الترابط بين التسامح و التفهم مثل العلاقة بين المحتوى و الشكل، فلكل مسالة وجهان، ظاهر و باطن،
و لعل الاستاذ الغرباوي كان منصف حينما عالج هذه المسالة من منطلق التبرئة، او تخليص المحدود من المحددات، بحيث تكون الحدود جزءا من المعنى الاساسي للقضية،
بلا فذلكة، ارى ان الدين حاجة جوهرية ماسة للانسان سواء كان سماويا او غير سماوي، فهو يضع العصا السحرية بين يد الانسان الضعيف و المستلب و يساعده على تقبل محنته و رحلته في الارض من الولادة حتى الممات،

This comment was minimized by the moderator on the site

خالص الاحترام لمداخلتك القيمة الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. ما تفضلت به صحيح في مقارنتك بين الحرية والتسامح، لكنك لحظت الجانب التطبيقي والبعد العملي. فالحرية الشخصية تنتهي عملا عند حريات الآخرين. والتسامح في بعده العملي محكوم بظرفه، خاصة خارج بيئته. فالبيئة تفرض شروطها، والثقافة تفرض أنساقها. بل أن الثقافة تؤثر في فهم الحرية، حد الالتباس بين الحرية والعبودية، فمن يعش في مجتمع عبودي لا يفهم المعنى الحقيقي للحرية، بسبب تربيته وبيئته، وليس بسبب تكوينه.. والفارق كبير، كما هو واضح.
اما بالنسبة للنقطة الثانية: كيف نكون متسامحين دون ان نمن على الاخرين بحق مشروع منحه الله. نعم نكون متسامحين باعتبار أن الحقيقة محتملة عند الآخر، وليست يقينية، لأنها لو كانت يقينة فلا معنى للتسامح. التسامح اساسا مع الشخص المختلف. ولا ادري اذا اطلعت على المقال في نهاية الحوار حيث استشهدت بايات من الكتاب الكريم تؤكد نسبية الحقيقة. مهما كانت درجة الاحتمال. وهناك ايات اخرى تحد من روح التعالي والفوقية. (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). فالاسلام مسؤولية وليس شعورا فوقيا نمن به على الاخرين.
واما بالنسبة للايديولوجيا فانا ضد أدلجة الدين، وما نعيشه الان من ويلات سببها هذا الشعور الايديولوجي. من قال ان الدين يريد تعبئة اتباعه؟ كل ما يطمح له الدين تنقية عقيدة الانسان من الشرك والكفر، واقامة العدل في الارض، وبناء مجتمع الفضيلة، او مجتمع فاضل تختفي فيه الرذائل، ويعيش فيه الانسان السعادة الحقيقة. وهذا لا يحتاج الى ايديولوجيا ، بل يحتاج الى نقاء روحي، وهذه إحدى وظائف العبادات، يحنما يعيشها الانسان حقيقة، فتسمو روحه.
الايدلوجيا تصلح للاسلام الدعوي، كما فعلت الاحزاب الدينية. واحسب ان الدعوة السلوكية كما حصل لاسلام اندونيسيا وشرق اسيا أمضى في هذا الزمان، مع تطور وسائل الاتصال الحديثة. والاصل في الدعوة ان تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وليست بالسيف، فلا حاجة لادلجة الدين ولا ضرورة لان تعيش الشعوب المسلمة النفير العام.
والنقطة الرابعة، اتفق معك حول ضرورة الدين في الحياة.
وشكرا لاثاراتك القيمة

This comment was minimized by the moderator on the site

قيل انالايمان الصبر والسماحة) صنف انه حديث حسن.عن النبي(صلى الله عليه وسلم)
وبرأيي من قال :انا احبك وفعله يصدق قوله اعتبره متسامحا برقيّ.
شكرا للسائل والمجيب.
لا اكرر مابدا به من سبقوني بالتعليق الشاعرة ذكرى والاستاذ صالح والاستاذ سلام متفضلين قد ذكروا جل ما اردت المرور عليه. فشكرا لهم ايضا.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وقراءتك الحوار، وشكرا لتعليقك. حقا الحب الحقيقي هو جوهر التسامح، والتسامح هو تنظير لحب الاخرين. دمت مباركة الاستاذة القديرة هناء عصام مع التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

سؤال الاستاذ القدير سلام كاظم فرج , يستحق الثناء والتقدير , لانه طرح سؤال يمثل اهم معضلة في واقعنا الفعلي . هي مفهوم التسامح, واحترام الرأي , ولكن واقعنا المتعصب والمتزمت , يرفض التسامح واحترام الرأي الاخر , بل احتكار الرأي الاخر وقمعة , واحسن دليل قبل ايام قليلة , تعرض مرجع ديني كبير الى محاولة اغتيال , لانه طرح رأي اخر مخالف , والطرفان الجاني والمجنى عليه , من نفس المنظومة المذهبية واحدة , والطرفان يدعيان الدفاع وحماية المذهب , ولكن عندما طرح احدهما رأي مخالف , اصبح خائن وعدو يجب تصفيته , ولم تحترم درجته الدينية , فكيف الحال للمواطن العادي اذا استخدم حقه في التعبير في الرأي المسالم , فكيف يكون الحال مع المذاهب الاخرى , والمصيبة اين موقع الاديان الاخرى من الاعراب , امام ظاهرة التزمت والتعصب , ان هذه الحال ليس الدفاع وحماية المذهب , بل يدمر ويهلك المذهب المعني , لهذا تأتي اهمية مفهوم التسامح وطرحه بجوانبه الصائبة , لذلك يسعى المفكر الكبير ماجد الغرباوي , برمي حجر في المياه المتعصبة والمتزمتة , لكي ايقاظ العقل بالافكار النيرة والمستنيرة , التي تخدم المجتمع والمذهب , وتنزع من المتعصبين عقلية القمع والاحتكار والعنف , ان افكار الاستاذ الغرباوي , بمثابة شمعة في وجه الظلام , هذه الاهمية القصوى لواقعنا , بحاجة الى شموع , لطرد ظلام التعصب والتزمت .
وشكراً الى الاستاذ القدير سلام كاظم فرج , والى الاستاذ الكبير ماجد الغرباوي
ودمتم في خير وصحة

This comment was minimized by the moderator on the site

خالص التقدير للاخ الاستاذ جمعة عبد الله، شكرا لتفاعلك مع الحوار، مجتمعاتنا بحاجة الى وعي كبير، وثقافة مختلفة كي تخطو خطواتها الاولى نحو التسامح الحقيقي. وهذا صعب ما لم يتواصل الوعي، خاصة ونحن نعيش ردة حضارية وانكفاء مرير للخلف والماضي. تحياتي مع احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

تطرق الأستاذ الغرباوي الى مسألة النسبية في منهج التسامح وهذه إلتفاتة هامة لأن هذه النسبية هي جزء من حالة النسبية العامة التي قامت على أساسها الحياة بكل موجوداتها ومعطياتها. إن أهم ما يحيط الإنسان في قاعدة النسبية هذه هو نسبية "الإدراك" ... الإدراك عند البشر يتفاوت من مجتمع لآخر بل من فرد الى آخر ضمن مؤشرات ومؤثرات معلومة أهمها عنصري الفطرة والمجتمع. ففي الفطرة يلعب العامل الوراثي دوره في خلق النسبية في حالة الإدراك عند البشر. ورغم أن الإدراك الفطري نسبي بين البشر إلاّ أنه حالة عامة تشمل كل المجتمعات فليس هناك فرق بين مجتمع وآخر في طبيعة هذا النوع من الإدراك..... الإختلاف الحاصل بين المجتمعات هو في الإدراك "المكتسب " أي في إدراك الأفراد المتأتي من البيئة والثقافة والتربية والمجتمع بعقائده وأفكاره وممارساته..... المجتمعات الواعية المتحضرة تبني صرحا من الإدراك المكتسب المبني على الوعي والثقافة والحضارة والمجتمعات المتخلفة تغذي إدراك المرء بالوهم والسذاجة والأفكار الضالة المبتعدة كل البعد عن عين الحقيقة. قد يصل التخلف في المجتمعات الى حد خلق حالة مرضية وعلّة في الإدراك تسمى " وهم الإدراك" وهي حالة يرى المرء فيها الأمور خارج سياقها الطبيعي حيث يفسر الحقائق بنظرة ضالة منحرفة لا تمت للحقيقة بشيء وهذا نتيجة لعملية مسح دماغي يحصل في الصغر ويدوم في مرحلة الشباب والصيرورة. أهم عوارض ضحايا هذا المرض هو إضطراب السلوك وسوء التصرف وإنحراف في الإختيار... يبتعد المرء عن كل ما هو منطقي ومعلوم ويركض وراء الضلالة والخديعة والإفتراء.... الصحيح في نظره خطأ والخطأ في إعتقاده صحيح.... تتشوه عنده الصورة وتنقلب في وجدانه المقاييس.... مؤمن بضلالته كإيمانه بوجوده ومن يريد أن يثني أفكاره عليه أن ينتظر ردة فعل قاسية منه. إن وهم الإدراك هو المرض المستشري اليوم في عالمنا الذي نعيش وعلاج هذا المرض يتطلب جهود جبارة تقف أمام هذا الإعصار الذي يفوق بقوته وبطشه إعصار إرما....

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور محمد الحسيني، شكرا لمداخلتك القيمة التي أنارت فضاء النص، وشكرا لقراءتك الممعنة للحوار. فالادراك أو وعي الواقع والحقيقة يتفاوت كما تفضلت بفعل عدة عوامل، وربما أعقد مشكلة تواجه تيار الاصلاح هي وعي الناس والتفاوت الكبير في مستوياته. فتارة طرح الِافكار يحتاج لمستوى من الوعي والأدراك لا تجده إلا لدى النخبة، وهذه مشكلة أساسية. فالخطاب الشعبي والديني والسياسي أقدر على اقناع المستوى الادنى من الادراك والوعي، بل هم رهانهم في مشاريعهم. اكرر شكري واحترامي، ودمت استاذا عزيزا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4019 المصادف: 2017-09-06 04:09:08