المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (23): التسامح والتصالح مع التاريخ

majed algharbawi7salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س57: سلام كاظم فرج: ثمة أسئلة كثيرة.. التسامح مع التأريخ.. والعرب كما تعرفون يسقطون جدل التأريخ على الحاضر دائما.. كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟

 ج57: ماجد الغرباوي: هذه الإشكالية ربما هي الأخطر بين الإشكاليات المتقدمة، لقوة حضورها، وسلطتها على الوعي. فما زال التاريخ بكل تفاصيله حاضرا يفرض نفسه، على علاقتنا وأحكامنا، وفهمنا للأحداث التاريخية بل والمستقبلية. فليس التاريخ أحداثا متعاقبة أو توالي مقاطع زمنية فقط، بل هو تجليات لبنى فكرية، وتوجهات سياسية، وخطابات آيديولوجية، ضمن سياقات الحدث وحتميات حركة التاريخ. وهو كالنص في أدائه ومخاتلاته ومراوغاته، يخفي أكثر مما يعطي، ويستر أكثر مما يبوح، يستدرج قارئه، ويتآمر على وعيه من خلال سرده للحدث بشكل تتوارى تناقضاته، عندما يركّز على مقطع زمني دون آخر، أو يفضح طرفا دون غيره. فيبتر ويضيف ما يخدم هدف الكتابة. فالتاريخ ليس أمينا، رغم جهود النقد والمقارنات التاريخية بين نسخه وأحداثه. وتارة خيانة التاريخ أكبر عندما يزوّر الحقائق ويترك تداعياتها تتفاعل، وتؤثر سلبا على المتلقي. فيتعذر التصالح مع تاريخ مفخخ، يلتف على وعي القارئ، يضعه في مدارات قصية. فما نشاهده ونسمعه من صراعات حول التاريخ هي صراعات حول واقع مزوّر لا يمت للحقيقة في تفصيلاته، فيخلق أجواء موتورة، مشحونة بالبغضاء والكراهية والعنف.

إن نزاع الصحابة على السلطة بعد النبي الكريم كان وراء أغلب التوترات السياسية والعقيدية والاجتماعية تاريخيا، وما يزال يتفاعل مع كل أزمة دينية ومذهبية، بسبب تراكمات تراثية حجبت الحقيقة، وتبوأت مكانها، فصرنا نقرأ الحدث من خلال نصوص ثانية، هي عبارة عن تفسيرات، وتأويلات، وإضافات، وقناعات شخصية وطائفية وسياسية ومذهبية وعقيدية، فتمادى الجدل. وهي نصوص لا قيمة لها علميا لأنها ظهرت بعد وقوع الحدث بسنين طويلة، بل بعضها ينتمي للقرنين الثالث والرابع الهجريين. فالحقية لا تتجلى إلا عبر منهج علمي نقدي، مقارن، يقرأ ذات الحدث وظروفه وملابساته، وهذا بات أشبه بالمستحيل، فلماذا التنازع حول أوهام ومختلقات تاريخية مغرضة، مهما تعددت مصادرها؟.  

ثم جاء مقتل الإمام الحسن بن علي، ومن بعده مقتل أخيه الحسين مع أصحابه وأهل بيته الكرام، فتعمقت الإشكالية، لتحل محل الفهم الديني قاطبة، فعمدت الطوائف لتحصين نفسها والطعن بعدوها، إلى تأويل القرآن المجيد، والكذب والافتراء على الله ورسوله، فاكتسبت الاشكالية شرعية دينية، بفضل التنظير الكلامي، المخترق سياسيا، بل هو تعبأة سياسية بأسلوب كلامي. وأجد التنافر الطائفي اليوم على أشده، مع انتشار وسائل الاتصال الحديث، التي وظفت هي الأخرى لتعميق هوة الخلاف، ومنحه بعدا دينيا وعقديا. وعندما تطور الفكر الكلامي أرسى فواصل فولاذية لا تسمح بتسرّب نسيم التسامح، خوفا من زعزعة إيمان أتباعها الأيديولوجيين. فلا معنى للتسامح في ظل قطيعة معرفية تامة بين الأطراف المتنازعة حول الحقيقة ما لم تفكك البنى المعرفية من خلال نقد عقلي وفلسفي يستبعد النصوص كمصدر وحيد للمعرفة، والارتكاز للعقل والمنطق. فإشكالية إيمان المسلمين اعتمادهم مصادر معرفية تقع خارج المنطق والعقل والمحاكمات الفلسفية. وتكتفي بالنصوص وتلقينها لاستلهام إيمانها وتحصينها من الشبهات بالطقوس والممارسات العبادية. فإيمان الفرد صورة ترسمها نصوص وحكايات موضوعة. ويقينه يلوذ بخرافات وأوهام، تستمد روحها من سرديات التراث، ومفتريات الغلو .. وشعور نفسي وعاطفي، يهرب من الشك إلى القداسة، وممارسة الطقوس لحمايته. فسذاجة الإيمان باتت سلطة توجه وعي الفرد وتحول دون تطور المجتمع في علاقاته وتطلعاته. سلطة استطاعت أن تطوّر نفسها، مع كل ممارسة عبادية أو سلوكية. فقراءة المراثي لدى الشيعة، ونصوص الزيارات، وطقوس الطواف حول الأضرحة المقدسة، تأسس لا شعوريا لقيم الثأر والانتقام، وتعمّق روح الكراهية للآخر، مع تنزيه الذات، وتبرئتها. او لدى التكفيريين والسنة، حينما يمارسون الإقصاء والإرهاب والقتل، وبث روح الرعب والتوحش في نفوس الناس، وضد خصومهم، فإنهم يكرّسون قيم الانتقام، تحت شعار الإيمان، وقتل المرتد، والكافر، والمخالف. إِنها ثقافة تكرر نفسها مع كل ممارسة قولية أو فعلية.

لسنا أطراف القضية، كي يسامح أحدنا الآخر، أو يتنازل عن حقه المزعوم منّة وتكرّما من أجل استتباب السلم الأهلي، فلا معنى للتسامح التاريخي. نحن مسكونون بتاريخ كتبته أيدي طائفية وأخرى سياسية، ونريد الثأر والاقتصاص من غاصبي حقوق شخصية لا علاقة لها بالدين، لكنها صارت دينا وعقيدة. بل الثأر التاريخي قضية غير قابلة للنسيان مع استمرار الشحن الطائفي، ودوام الجهل والأمية.

الخطوة الصحيحة في هذه الحالة الإجهاز على الفكر المنغلق، وعقيدة الغلو، والشعور الطائفي، وتفكيك بنيته، وأنساقه، من داخل التراث. فلم يكن التسامح مع الخصوم غريبا على بيئتنا وثقافتنا وتراثنا وديينا، وتدعمه بعض آيات الكتاب الكريم، كقوله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، أو (لا إكراه في الدين)، ومصفوفة أخرى، ذكرتها في نهاية كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات، بحدود 60 آية. وقد لخّص الشافعي التسامح بقوله: (رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصحيح).

فالتصالح مع التاريخ بحاجة لنقد صارم، يبدد ما راكمته الأقلام الطائفية، المغالية، المغرضة، لمعرفة الحقيقة، ومدى شرعيتها، خاصة بالنسبة للرموز التاريخية، التي اندفع الاتجاه الطائفي لأسطرتها وتحصينها، كمصادر معرفية مقدسة ومحصّنة، ينسب لها ما يود من روايات مفترات، موضوعة، مكذوبة، تخدم أهدافه الطائفية والسياسية. فتكتسب قدسيتها من قدسية تلك الرموز التاريخية.

لدينا مشكلة، أننا شعوب مسكونة بالتاريخ، وما زالت أحداثه تفرض نفسها على مواقفنا ومشاعرنا وسلوكنا، وتتحكم بثقافتنا وطقوسنا. وما زالت الدماء التي أريقت ساخنة تجري في عروقنا، بل ليس لدينا قضية أخرى سوى القضايا التاريخية، وهمنا الأكبر استعادة التاريخ ورموزه الاسطورية. لذا تجد التصالح مع التاريخ يمثل إشكالية كبيرة، تنتظر تسوية من خلال نقد التاريخ، واعادة كتابته. كما يحتاج التصالح الاجتماعي إلى ثقافة واعية، وشعور إيماني، يرتكز للكتاب الكريم في مواقفه من التاريخ وأحداثه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). فلا ولي لدم الضحايا، ولسنا ملزمين بالثأر من أحد. لكن رجل الدين لا يخاف الله ولا يرعى حرماته، خاصة في الدماء، حتى قرأت تصريحا لرجل دين كان يخطب بشباب الحشد الشعبي في العراق المتأهبين لقتال داعش والتكفيريين في مدينة الموصل، يقول ما مضمونه: سننتقم لأولئك من هؤلاء!!!. هكذا يعمّق رجل الدين بخطاباته روح الثأر والانتقام فيمزق نسيج الوحدة بين أبناء البلد الواحد. وإلا ما علاقة هؤلاء بأولئك، سوى دوافع طائفية، وروح الثار المتأصل في النفوس؟. فيريد من ربط الحاضر بالماضي أن يمنح قتال داعش أكبر قدر من الشرعية والقدسية. لأنه يعلم أن الماضي يستوطن نفوس هؤلاء الشباب الأبرياء فراح يعزف على وتر الحس الطائفي البغيض.

لا مانع أن يمارس رجل الدين دوره الاجتماعي والديني بعيدا عن الهيمنة والتسلط، لكن الخطر يتفاقم عندما يفرض ولايته وقيمومته وثقافته. يمارس الإقصاء والقمع والترهيب ضد الآخر، فيجب تجريد الثقافة والسياسة والوعظ الديني والحياة العامة من هيمنته وتسلطه، كشرط لتطور المجتمع حضاريا. والمقصود بهيمنة رجل الدين: هيمنة نمط ثقافي، يعتمد النص الديني والتراثي مصدرا وحيدا للمعرفة، يتولى تفسير مختلف الظواهر الحياتية، وتقديم أجوبة جاهزة لكل حدث بعيدا عن العقل ومعطيات العلم، فيؤسس للتبعية والانقياد، ويقمع روح الابداع والتطور.

وليس ثمة موقف عدائي من رجل الدين شخصيا، غير أن قبلياته وتركيبته الفكرية والثقافية ومشاعره الآيديلوجية تكرّس التعصب والانكفاء، عندما تستبعد العقل والمنطق لصالح نصوص تراثية وليدة صراعات سياسية وطائفية. فيقتصر عمله على تقديس التراث والرموز التاريخية، وربط الحاضر بالماضي، مع تعويم المستقبل وفق فرضيات مستحيلة، كظهور مخلّص يقلب الحياة سعادة بقدرات سحرية، وقوى غيبية. ويبتغي إلى مرضاة الله طريقا يجافي الكتاب الكريم وتعاليمه السماوية، ليبقى الفرد رهن معتقداته وثقافته التي صاغتها أهدافه الأيدولوجية والطائفية والمذهبية. فالتطور الحضاري لا يتوقف على وجود رجل الدين، بل يتوقف على وجود ثقافة ترتكز للعقل والمنطق بدلا من الأوهام والخرافات واللامعقول والتفسيرات الغيبية والطلاسم والتمويهات. وبالتالي فإن التحرر من هيمنة رجل الدين تحرر من دوامة التاريخ والتراث إلى روح العصر والحضارة.

إن النزاعات التاريخية والطائفية التي تفرض نفسها على خطب المنابر والوعظ الديني، لا تعكس الواقع التاريخي، بل هي صور مختلقة، راكمها مخيال شعبي شغوف، وفقا لتصوراته ورغباته، واندفاعاته الأيديولوجية بمساعدة تراث يكتظ بالروايات الموضوعة والأكاذيب والحقد. فالتصالح مع التاريخ يتطب نقده وتجريده، كي تتضح الحقيقة، حينئذٍ سيكون من السهل معرفتها، واكتشاف الواقع، وطريقة التعامل معه.

ولعل أوضح مثال تاريخي في قوة حضوره يحول دون التصالح مع التاريخ، هو النزاع على السلطة بعد وفاة الرسول، وما أعقبه من روايات وأخبار تاريخية. فما زال طرفا الخلاف في صراع مستمر لحسم شرعية الخلافة، وما زالت الكتابات حوله تترى، فلم يكتب عن أية قضية تاريخية كما كتب عنها. أغلبها خطابات طائفية، تعمّق الخلاف وتؤصّله دينيا وفق نصوص ورويات بعضها موضوع، وبعضها تم تأويله بطريقة تخدم أحد طرفي النزاع. فكيف يتصالح المسلمون مع قضية غير قابلة للحسم، بل وثمة أحداث مستقبلية تترتب عليها، كالاقتصاص ممن اغتصب الخلافة، والتنكيل بمن ارتكب جرائم قتل أصحابها. فهذا الاتجاه يرفض ترحيل الخلاف لليوم الآخر. ويصر على الثأر في الدنيا. وبعض يعوّل في القصاص على المهدي عند ظهوره. فهناك صراع محتدم تجده في جميع وسائل الاتصال، وفي كافة الباحات الدينية والتاريخية. بلا كلل ولا ملل، ويحسبون أنه واجب شرعي لا يمكن التخلي عنه.

فاتضح مما تقدم لا تصالح مع التاريخ إلا بشروط، منها:

أولا: اعادة قراءة التاريخ وفق منهج نقدي، موضوعي، بعيدا عن قبليات الفرد الثقافية والطائفية والمذهبية، لتحري الواقع ومعرفة حقائقه، فقد اختلط الحق بالباطل، وانتشرت أخبار كاذبة وموضوعة إلى جانب الروايات والأحاديث الصحيحة. فأصل النزاع بين الصحابة كان نزاعا سياسية على السلطة، وقد احتكم الكل في تسويته للقيم العشائرية، وهذا ما أكدته جميع المصادر، ولم يحتج أيا من الطرفين بحديث أو رواية عن النبي الكريم تدعم حقه في الخلافة. ومات الرسول ولم يوصٍ صراحة لأحد باسمه. وكل ما فعله الإمام علي عندما سمع بالخبر أنه احتج عليهم بما احتجوا به على الأنصار، وهو مبدأ القربة من رسول الله، فقال: إذا كانت القربى هي المبدأ في اختيار الخليفة، فنحن أولى به. ولو كان هناك نص لاحتج به، وهو في أمس الحاجة له. لكن التاريخ اليوم يروي لنا كما هائلا من الروايات والأحاديث الموضوعة، والتأويلات القصرية لكتاب الله من أجل نصرة أحد طرفي النزاع. فالنقد الموضوعي سيكشف عن الحقيقة، وحينئذٍ سيعرف الجميع ملابسات الواقع التاريخي، وتخمد روح الثأر، وتتهيأ النفوس للمصالحة والسلم.

ثانيا: رقي وعي الفرد والمجتمع، في تعاملهم مع الأحداث التاريخية وفق رؤية قرآنية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). وهذا يقتضي فك الارتباط بين الحاضر والماضي، وعزل هيمنة رجل الدين عن الخطاب الديني. وعدم ربط المستقبل والحاضر بالماضي وأحداثه، بعد تجريد الخلاف من أبعاده الدينية التي لحقت به بدوافع أيديولوجية، وطائفية، ومذهبية.

 فتفكيك الصورة الذهنية الراسخة في المخيال الشعبي، وردم روافدها التراثية، من خلال النقد والمراجعة، سيساعد على تصالح حقيقي مع التاريخ، ويجسّر الهوة النفسية تجاه الآخر، بعد إبعاد رجل الدين الذي دأب على إدانته، وتحميله وزر ما حصل تاريخيا خدمة لمصالحه الطائفية والشخصية. للأسف الشديد بات منبر الوعظ والخطابة عبئا على وحدة المسلمين، ومصدر قلق دائم للمجتمع، يؤجج روح الكراهية، ويكرر خطاب التنابذ والاقصاء فيحول دون التصالح مع التاريخ.

نعود للسؤال: (كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟):

اولا: يمكن التصالح مع التاريخ المزيف من خلال مراجعته ونقده وفق مناهج علمية، ومصادر تتسم بقدر أكبر من الموضوعية، وحينما نكتشف تزويره تنهار سلطته تلقائيا، ويبقى مهملا كتراث، يعبّر عن ظرفه، ومستوى ثقافته، وعوامل بلورته، ومدى تغلغل العامل الطائفي والسياسي في صياغته. خاصة ونحن نعلم حجم الوضع والتزوير في التاريخ من خلال قرائن خارجية، ونصوص صرّحت أو وشت بذلك. فالنقد والمراجعة أداة ماضية لتفكيك التاريخ وإعادة بنائه، وفق معلومات صحيحة، يمكن تحريها بمنهج مقارن، وقرائن تاريخية، عبر تحليل الوضع الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي آنذاك. فثمة عوامل كثيرة تلعب دورا سلبيا في كتابة التاريخ، فينبغي ملاحقة المهمل والمهمش والهامشي من الأخبار، ودراسة الشخصيات الثانوية، والقابعة داخل الدولة العميقة، والأشخاص الذين لعبوا في الظل دورا خطيرا، وهم حاشية السلطة، وحواشي قيادات المعارضة. وعدم تغافل الدور العقيدي والمذهبي والطائفي، الذي ضخ عددا كبيرا من الأخبار الموضوعة، خدمة لعقيدته، وانتصارا لمذهبه.

ثانيا: يتوقف التصالح مع التاريخ الصحيح على:

- إعادة كتابة التاريخ بشكل عام، وفرز الصحيح من الخطأ. والكشف عن حجم الزيف والوضع في الروايات التاريخية، والجهود التي بذلت من أجل أدلجة الأحداث والمواقف، مع الفصل بين الديني والسياسي، فالخلط المتعمد بينهما زور الوعي، وطمس الحقائق.

- تنمية وعي الفرد والمجتمع والعقل الجمعي تجاه الأحداث التاريخية، مع التأكيد على فصل الماضي عن الحاضر.

- اعتماد ثقافة جديدة، لا تنتمي للماضي سوى أنه تجربة بشرية يمكن الاستفادة من مقوماتها الإيجابية. وفك الارتباط العقائدي والروحي والنفسي والشعوري مع الأحداث التاريخية.

بهذا الشكل يمكن التصالح مع التاريخ، ليعش الفرد والمجتمع حاضره، ويفكر بمستقبله بدلا من دوامة الماضي، واستمرار جدل عقيم لا يجدي نفعا، سوى المكوث داخل التاريخ.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا تزال قراءتنا للدين و علاقة اانسان بالسماء محل اخذ و رد،
هل نحن نفكر بالله لوجهه تعالى ام لإخفاء اهداف دنيوية منها حب السلطة و شهوة المكاسب،
في الواقع كان المععمون هدفا للتفكيك منذ السبعينات و الثمانينات، و دراسات طيب تيزيني و عبد الاه العروي و صادق العظم
كلها تشير لهذه المعضلة، ضرورة شعبوية تجيش الجموع و تلهب العصاب الجماعي و اللاشعور و لا تلعب اي دور في التنوير او النهضة،
لقد بدأ رجال الدين انقلابهم على الفساد العثماني بالانطلاق من النص و الواقع او التاريخ، لان تجديد ادوات الحكومة جزء من تجديد الواقع و المجتمع، و لكن اليوم يلعبون دور رجل الثلج، مجرد شعار لدغدغة عواطف البسطاء و المحرومين،
و استطيع ان أربط ذلك باتوماتيك الثورة الاسلامية، فقد بدا بتبديل لاشعور ووعي البسطاء ،
انها نفس الاستراتيجية لكن في عالم متغير و هنا المشكلة،
فنحن اليوم لا نناطح الاوثان و الامة المقسمة بين داخل ميت و خارج متحضر و كولونيالي، و انما نعيش على وهم تبديل الهوية،
فالعرب في بلاد الشام كانوا نصارى لكنهم عرب،
اما اليوم فعرب امريكا يتقنون اللغة الانكليزية اكثر من العربية،
كيف سيخدم ذلك ثورة تحديث و تجديد،
لا اجد مخرجا الا بهدم نظام الثورة و اعادة برمجته،
و حتى ذلك الوقت سنكون تحت رحمة التخلف و الشعارات التي فرغت من رصيدها،
و للحديث بقية،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك واضافتك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، وشكرا لمتابعتك الحوارات

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الاخ الفاضل المفكر ماجد الغرباوي
كلما قرات لك حلقة جديدة من سلسلة حواركم الثقافي الحضاري النقدي, ازداد تفاؤلا اننا بامثالكم وغيركم نستطيع ان نقدم للاجيال القادمة البديل لاقامة مشروع نهضوي يعوض سني التراجع والتدهور على امتداد احقاب تاريخية طويلة, جعلت من نقد الحاضر بمسؤولية وطنية ثقافية حضارية ليست مهمة سهلة ابدا, والبركة فيكم وبامثالكم مع كل مودتي.

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لك الاخ الاستاذ الباحث الجليل علي محمد اليوسف، وشكرا لقراتك السلسلة، والمشاركة بها عبر اسئلة مهمة جدا، اتمنى احرز حسن ظنكم دائما،مع احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الجزيل لكم استاذنا الجليل ماجد الغرباوي .. اتفق معكم في كل ما طرحتموه من رؤى متقدمة لواقع نعيشه ونتنفسه وندفع ثمنه دما وتخلفا.. ثمة سؤال ارجو تفضلكم بالإطلاع عليه وإضافته الى اسئلتي.. يقول الشاعر والمفكر السوري ادونيس. ان الاسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم وتحول الى دين مصلحة قابل للتوظيف سلطويا.. وقد لاحظت في إضاءتكم القيمة هنا ميلا لتوكيد هذا الرأي من خلال صراع الصحابة على النفوذ لحظة وفاة الرسول.. مامدى صحة مقاربتي بين رأيكم ورأي ادونيس؟؟ وهل تتفقون معه ان الواجب يقتضي ان نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني ؟؟؟ تقبلوا احترامي العالي..

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك دائم االاخ الاديب والكاتب القدير سلام كاظم فرج، نعم سؤال مهم جدا، املي ان تتواصل الحوارات من اجل بلورة اراء تساهم في نهضتنا مع تقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

ما يشدني إلى هذا الحوار المفتوح سوى أشهرت بمروري أو لم أشهر هذا السلسال وهذه السيول والفيوض التي تدعو إلى الوقوف إحتراما وتقديرا وإشادة بما يقوم به المفكر الإنساني المحترم أخي الفاضل ماجد الغرباوي من بحث عن المعنى الذي تتكتمل به الإنسانية متخذا مرجعياته الفكرية وانتماءاته الثقافية وتوجهاته العلمية لإكتساب كون أرقى وأفضل يليق بالإنسانية وبغربلة ونخل التاريخ والحاضر حتى يجيء القادم خال من كل الشوائب والملابسات .....
إحترامي وتقديري للمحترم الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج على أسئلته الوجيهة التي ساهمت في جزالة هذا الحوار وعمقه ودقته ...
تحايا السنابل وعبيرها -------
الأمينة على خزائن النحن والوطن والقصيد الشاعرة التونسية رجاء محمد زروقي ----

This comment was minimized by the moderator on the site

اسعدنتني متابعتك للحوارات، وقراءتها، وفرحت برضاك الاديبة القديرة رجاء محمد علي، فلك خالص الاحترام والتقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل الأديب والمفكر المرموق ماجد الغرباوي
تحبة عطرة
التصالح مع التأريخ خطوة مهمة على طريق البناء والنهوض الحضاري.لكن هذا التصالح صعبٌ جدا إن لم يكن مستحيلا في مجتماعات رعوية قبلية.التأريخ هو ذاكرة الأمم
ولا يمكن التخلص من التأريخ إلا إذا قمنا بعملية غسيل الدماغ, وهذا يعني القضاء على الفكر وعلى الموروث الحضاري. والعودة الى عصور ما قبل التأريخ الإختلافات الفكرية وتعدد الإتجاهات في تفسير النصوص حالة طبيعية وهي انعكاس لحركة الفكر الدائبة , فمن وطائف العقل التمحيص والتحليل والمقارنة والإستنتاج و والذاكرة( التأريخ) هو بنك المعلومات, الذي يمدنا بمستلزمات البقاء والإستمرار, وبدونه سنكون في حالة فقر حضاري وفكري تفضي الى الإنقراض والإندثار.تعدد الطوائف حالة طبيعيةو ممارسة كل طائفة لطقوسها حق طبيعي وهو إحياء لموروثها الفكري والحضاري. لا خطورة في ذلك. الخطورة تكمن في التفكير الطائفي الإنعزالي, الذي يهمش الآخرين أو يكفرهم أو يطاردهم ويفتك بهم. الصراع الذين احتدم بعد وفاة الرسول( ص) كان صراعا بين معسكرين , الأول يمثل مصالح الإستقراطيين من قريش والثاني يمثل مصالح وتطلعات الفقراء والمعدومين آنذاك وكان قائده الإمام علي عليه السلام.. الصراع كان لأسباب اقتصادية, فالأطراف المتصارعة كانوا في الواقع أبناء عمومة وكلهم ينتمون الى قريش.
هذا ما وددت أن أضيفه على ضوء قراءتي للحوار القيم الذي أجراه الأديب المرموق سلام كاظم فرج مع الأستاذ المفكر المرموق ماجد الغرباوي
ما أحوجنا اليوم الى مثل هذه اللقاءات الفكرية, خصوصا وإننا نمر بأسوأ مرحلة من مراحل تأريخنا الطويل
تحياتي واحترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الشاعر القدير جميل حسين الساعدي، اعتذر عن تاخري، واشكر مداخلتك القيمة، لا شك بصعوبة المهمة، وصدقت ان هذا يتطلب فرملة الذاكرة، بما تمثل من تاريخ وفكر وذكريات، وهذا غير ممكن خاصة كما تفضلت بالنسبة لشعوبنا، لكن تشجيع النقد، والمناهج العلمية سياعد على نزع روح التعصب والفرز الحاد على اساس طائفي مقيت، وهذا القدير لو تم سيحقق نتائج باهرة على المدى البعيد. شكرا لك ثانية، سعدت بفاعلك وقراءتك الحوار، لك خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة للاديب المفكر ماجد الغرباوي...ان هذا الحوار قيم والمجتمع العربي بحاجة لهذا الفكر الكبير الذي تطرحه....لكن حسب قراءتي للتاريخ الإسلامي وما حدث بعد النبي محمد من خلاف على السلطة كان واضح جدا وهو سبب الصراعات الحالية والدمار بين المسلمين بل عم على البشرية بأكملها من قتل وطائفية واغتصاب وغيرها....لكن لدي تساؤل وهو ان علي بن أبي طالب عندما طالب بخلافة النبي لم يدعي القرابة كدليل على احقيته بالخلافة وإنما ذكر الكثير من الأحاديث والوقائع التي تثبت خلافته للنبي بعد وفاته منها حديث الغدير وحديث الثقلين اللذان يعتبران من الأحاديث المتواترة في علم الرجال من الكتب السنية والشيعية والتاريخية؟؟

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الشاعر والكاتب حسام عبد الحسين، تحياتي لك وانت تتفاعل مع الحوار، وتشارك فيه من خلال تعليقك. بما اني ساجيب على هذا السؤال لاحقا لانه مطروح ضمن الاسئلة التي وصلتني لذا اكتفي هنا بالاشارة الى ان الامام علي احتج عليهم بما احتج به على الانصار, فكانت خطوة ذكية جدا ومحرجة في نفس الوقت، لأنهم فازوا بالخلافة باسم القربة من الرسول. وهذا لا يمنع وجود احاديث وروايات في فضائله، وهي كثيرة وقدر رويت عن الطرفين.. المشكلة في عدم وجود نصوص صريحة تحسم النزاع، لهذا حصل خلاف ولا يحسم اطلاقا. تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4023 المصادف: 2017-09-10 04:35:25