المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (24): التسامح وأدلجة الثأر

majed algharbawi4salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س58: سلام كاظم فرج: تجربة مانديلا في التسامح .. هل يمكن أن تجد أرضا خصبة في مجتمعنا العربي؟.. جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق إطروحة التسامح؟ حقوق الضحية؟

ج58: ماجد الغرباوي: يتوقف نجاح تجربة مانديلا في المجتمعات العربية على إمكانية العفو والتسامح، بدلا من الانتقام والثأر. وهي قضية ثقافية، نفسية، اجتماعية، ترتبط بقيم المجتمع وقبلياته، وحقوق الفرد وكرامته، ومدى حاجة البلد للأمن والسلام، خاصة بعد انهيار الأنظمة الشمولية، التعسفية، وتفكك تشكيلاتها الأمنية. حيث تُطيح الفوضى وأعمال الانتقام بالأمن، حدا تُرتكب فيه أبشع الجرائم حينما تُهتك الحرمات، وتُستباح الدماء، ويطال القتل نفوسا بريئة، ويعيش المجتمع حالة من القلق والتوجس والخوف والشك تربك العملية السياسية، وتشل الحركة الاقتصادية. فالفوضى أخطر التحديات عندما تستبد روح الانتقام، وتتلاشى قيم العفو والتسامح.

التمييز العنصري في جنوب أفريقيا كان مجرما، مقرفا، لا إنسانيا، وقد عانى السود شتى أنواع الاضطهاد والحرمان والقتل والتعذيب بشكل لا يمكن التسامح مع الأقلية البيض التي ارتكبت بحقهم أبشع الجرائم والتمييز العنصري. لكن نيلسون مانديلا شخصية تاريخية، بموازاة أبراهام لنكولن الذي خاض حربا أهلية لتحرير السود في أمريكا. بل وامتاز عليه بالقضاءعلى التمييز العنصري سلميا، بعد أن بذل جهودا جبارة لتحقيق المصالحة بين مختلف المواطنين في بلاده. وما كان يكتب له النجاح في مهمته العسيرة لولا قدرة الشعب على التسامح والعفو والغفران ونسيان الماضي، وهي قدرة ذاتية نابعة من ثقافتهم وقبلياتهم وأخلاقهم وروح التسامح المغروسة في أعماقهم. بينما تعاني شعوبنا خللا ثقافيا ونفسيا، يتطلب تنقية العقل من قيم الثأر، وروح الانتقام. لتدارك انهيار مشاعر المحبة والوئام والسلام التي هي أساس التسامح والعفو والتجاوز. أو تندثر احتمالات التسوية، وتتواصل أعمال الفوضى، وقد تتخذ شكلا آخر من العنف والإرهاب باسم القيم والدين والأخلاق.

فلا نجاح لخطوة مانديلا التصالحية في بلد فيه من يرتهن مصالحه الشخصية والأيديولوجية على بقاء روح الثأر والانتقام. وتحكمه قيم تستبد بإرادة الإنسان وتدفعه بهذا الاتجاه. فلا بد من خطوة تسبق المصالح، تهيّئ لقبولها بقناعة ذاتية تامة. خطوة ترتبط بالثقافة والعقل لاعادة تشكيلهما بعيدا عن قيم الثأر والانتقام، بما يخدم سلامة وأمن المجتمع. وهذا يتطلب عودة نقدية، لمنظومة القيم بشكل عام، وروح الثأر بشكل خاص، بحثا عن جذرها الثقافي والنفسي، وتحديد مقوماتها وروافدها، ومدى تأثّرها بمنظومة القيم والعقل الجمعي، وأسباب استفزازها وانفعالها. فهي قيمة أخلاقية نسبية ترتبط بكرامة الإنسان وحقوقه. قد يتخلى عنه، وقد يراه حقا مشروعا يتوقف عليه أمنه وسلامته وحيثيته، مع تهاون السلطات القضائية، وتواطؤ الأعراف الاجتماعية. فحمى الانتقام تتفاوت حسب طبيعة الفرد، ومزاجه وموقعه الاجتماعي وشجاعته وتهوره وظروفه النفسية وسلامته البدنية. لكن المظلوم لا يُطفئ غليله سوى الثأر، عندما تُراق دماء زكية وتزهق نفوس بريئة. فكيف يتخلى عنه، وقيم العشيرة لا ترحمه، حينما تدين المتقاعس، وتعتبره جبانا، متخاذلا، ضعيفا. لا مكان له في مجتمع قبلي تقوم علاقاته على القوة والعنف في استرداد الحقوق. فصاحب الثأر بين خيارين. إما الموت تفاديا لعار الضعف والجبن، أو الحياة مع الثأر وإراقة الدماء ثمنا لحيثيته وكرامته. فيعيش توترا يتفجر مع كل نظرة توجّس وريبة، خوفا من شماتة الصديق قبل الغريب. فمعالجة روح الثأر صعبة في ظل قيم قاسية، تُؤثِر سفك الدماء مهما تمادت على الاحتكام لمنطق العقل والمنطق والقانون؟.

وهنا نحتاج إلى تفكيك منظومة قيم المجتمع، القائمة على العنف والإرهاب والثأر، وإعادة تشكيلها وفق قيم إنسانية، دينية تضفي معنى جديدا للعفو والتسامح. قيم تركن للعقل قبل الغضب، وتقدّم العفو على الثأر. كقوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فالآية الكريمة تقلب موازين العفو، من كونه ضعفا وجبنا وفق المنطق القبلي، إلى كونه إصلاحا وأجرا عند الله، وهو غاية مقدسة وفق المنطق الديني. فبدلا من رعب الشماتة وتداعياتها، يعفو ويحتكم للعقل والثانون مرضاة الله تعالى. وهذا أسلوب تربوي وأخلاقي لتفكيك مفهوم الثأر وإعادة تشكيله. والعفو مبدأ ديني عام يشمل حتى القصاص: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). فاستعاض عن القصاص بديّة تطيّب خاطر أولاياء الدم، وتهدّئ نفوسهم الثائرة. فالقرآن لا يتنكر لأولياء الدم وأهل الضحية، ويعترف بحقوقهم كاملة، لكنه يعالج الثأر معالجة أخلاقية دينية تتراوح بين العفو مع ضمان مرضاة الله، والديّة المالية. وبالتالي انقلبت المعادلة من ثأر دموي تتبعه دماء غزيره إلى عفو وتسامح تقربا لله تعالى. 

لا شك أن الثأر ظاهرة خطيرة عصفت بالمجتمع العربي قبل الإسلام، فأطاحت بأنفس بريئة وسالت دماء غزيرة، وكانت حروب الثأر والانتقام تمتد سنين طويلة. كحرب البسوس المعروفة تاريخيا، التي هي ثأر للبسوس خالة الجساس بن مرة، لكنها تواصلت لأربعين سنة. وغيره كثير من الغارات والغزوات. وأخطر ما في الثأر حينما يتحول بالتدريج إلى قيمة أخلاقية عظمى، وموقف استراتيجي، لرد الاعتبار، وتحصين الذات، فيكون مطلوبا بذاته مهما بلغت تداعياته. فتصدى القرآن الكريم لمعالجة روح الانتقام، من خلال تعاليمه التربوية، وإجراءاته الحازمة، لتبديد خطرها وتداعياتها على المجتمع:

وقد تجلت خطواته التربوية من خلال آيات الكتاب الحكيم، وتعاليم النبي الكريم، التي نجحت في تفكيك القيم القبلية وإعادة تشكيلها ضمن أطر ثقافية دينية إنسانية، حتى بات من السهل على أولياء الدم التسامح في قضايا القصاص فضلا عن غيره. وهذا لا يمنع بقاء روح الثأر عند المسلمين، لأنها فورة عصبية، وردة فعل نفسية، لا إرادية، ترتبط بفطرة الإنسان ومشاعره، غير أن الدين نجح في إطفاء نار الغضب، ونزع روح الانتقام من الثأر، حينما شرّع القصاص (النفس بالنفس) وحرّم التمادي بالقتل. وأدان سفك الدماء خارج حدود القصاص، واعتبرها ظلما وجورا يُقتص من فاعلها. بينما لا يُعد التجاوز اعتداء وفق المنطق القبلي، بل شجاعة وإمعانا في تأديب المعتدي، وإطفاء روح الغليان والتشفي الجمعي، خاصة الثأر من شخصية لها حضورها ومكانتها الاجتماعية، فيتحول الثأر إلى إذلال وتركيع، وفرض الاعتراف بالمنتصر ومكانته، فيخرج من كونه عنفا قد يكون مبررا إلى إرهاب وعدوان صريح. وبالتالي، فالثأر لا يتلاشى نهائيا لتعدد مستويات ارتباطه بالنفس والمجتمع، فتارة لا يرغب ولي الدم بسفك الدماء، ويود تسوية الأمور سلميا، لولا سطوة العرف وتقاليده القاهرة. فروح الثأر لا تنطفئ تماما لأكثر من سبب لكن يمكن ترويضها، وهذا ما فعله الدين، حينما كافح روح الانتقام داخل النفس البشرية، ووضع أحكاما صارمة لتنظيم علاقات المجتمع، بعد أن فكك قيمها وأعاد تشكيل وعيها. فكانت له معالجات تربوية وأخلاقية مختلفة، فمثلا:

- حثت الآيات على كظم الغيظ والتحلي بالحكمة وروح الإحسان، وشجعت على العفو والتسامح في مقابل ضمان المغفرة والثواب: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

- أكد الرسول الكريم في وصاياه على كظم الغيظ كإجراء احترازي لتفادي الغضب وتداعياته، للحيلوله دون سفك الدماء البريئة. كما في قصة الصحابي الذي سأل النبي النصيحة فقال له ثلاث مرات: "لا تغضب". وعندما فرض عليه المنطق العشائري الاصطفاف مقاتلا مع عشيرته من أجل قضية لا تستحق القتال، تذكر قول النبي الكريم: "لا تغضب". فتراجع عن قراره، وأطفأ نار الفتنة. فكانت هناك تربية مستمرة، تقوم على الترغيب والترهيب، تكشف حجم تداعيات الثأر آنذاك، ومدى انتشاره، وضرورة معالجته.

- قايضت بعض الآيات العفو والصلح بالأجر في اليوم الآخر: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله). فأطفأت روح الثأر بالثواب. وخلقت قيمة جديدة لعفو، حلت محل القيم القبلية.

- كما سارعت الأديان لتحريم قتل النفس البريئة: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وشرّعت القصاص: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). لإطفاء روح الثأر: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).

وأما على الصعيد العملي، فكانت الإجراءات صارمة، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).

فالثأر شعور نفسي يتفاقم بوتيرة تصاعدية، مع كل احتكاك واستفزاز، بفعل قيم أخلاقية تشجّع عليه، فيحتاج المجتمع القبلي لتدفق ثقافي مستمر يعيد تشكيل منظومة القيم القائمة على العنف والانتقام. لكن جهود تفكيك روح الثأر وثقافة الانتقام، تلاشت بفعل موقف خلفاء الدولتين الأموية والعباسية من المعارضة، وحجم الدماء التي سفكت باسم الدين والفتوحات الإسلامية، فعاد الثأر قبليا، يطارد روح السلام والاستقرار، ويقضي على منابع المحبة والوئام بين أبناء الدين الواحد.

إن الاقصاء المستمر للمعارضة بطبيعته يؤجج روح الكراهية، ويهيئ للثأر والانتقام، ويخلق ردود فعل معاكسة، لا تخدم التصالح والتعايش الاجتماعي الآمن. فالدولتان الأموية والعباسية عمقتا روح الانتقام عندما تمادتا في سفك الدماء، وهتك الحرمات، بشكل يندى لبشاعتها جبين الإنسانية. وهذا ما حصل للتوابين بعد مقتل الإمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء مع أهل بيته على يد الخليفة يزيد بن معاوية الأموي، حيث تأججت روح الثأر لدى شيعة الإمام الحسين وأتباعه بشكل هستيري لقداسته، فهو إبن بنت رسول الله. وسمو هدفه، فخرجوا احتجاجا على يزيد وسلوكه الدموي. فرفعت حركة التوابين شعار: "يا لثارات الحسين"، وطالبت بالثأر، وبالفعل اقتصوا من قتلته على يد المختار الثقفي. لكن الثأر بعد حركة المختار صار سُنة وممارسة أيديولوجية، رفضت الحركات الثورية والانتفاضات الشيعية اللاحقة التخلي عنه، أو التراجع عن رفع شعاره: "يا لثارات الحسين". بل تمادىوا حينما شرعنوا الثأر بروايات موضوعة، واعتبروا القصاص من قتلة الإمام الحسين أول مهام المهدي المنتظر بعد ظهوره.!!. وهناك روايات تقول يُحييهم الله (أي قتلة الإمام الحسين) فيقتلهم الرسول (الذي سيعود مع أهل بيته وفقا لعقيدة الرجعة الشيعية)، ثم يحييهم فيقتلهم الإمام علي، ثم تقتلهم الزهراء إلى آخر الأئمة الإثني عشر، ثم جميع الشيعة!!!!!!. لكن الروايات لم تبيّن سبب ذلك التمادي في القتل؟ ولماذا يتجاوز الله عزو جل موازين العدل والقسط بحق قتلة الإمام الحسين؟. وهذا دليل واضح على أنها روايات موضوعة ترتكز لعقيدة الرجعة عند الشيعة، والتي تعني عودة بعض الأموات للحياة، خاصة الشخصيات والرموز التاريخية، للاقتصاص منهم في محكمة العدل التي سيقيمها الإمام المهدي بعد ظهوره. وهذا كلام خطير، يعكس رغبة عميقة بالانتقام، تتصاعد مع كل خطاب طائفي، وسط بيئة لا تفهم سوى لغة الدم والانتقام والقصاص. لا تقنع بعدل الله وجزائه، ما لم يقتص المهدي ويشفي قلوب شيعته بالانتقام من قتلة الحسين!. لكن بساطة الوعي ساعد على تصديقها وانتشارها. بينما هي روايات موضوعة راحت تبرر الثأر عبر مقطع تمثيلي، أبطاله الرسول الكريم وأهل بيته الأبرار، بعد أن عجزت في الحصول على دليل شرعي، يبرر روح الانتقام والثأر القابعة في نفوسهم.

ربما الإخفاقات السياسية المتلاحقة عبر التاريخ كانت وراء هذا الشعور الذي يغذيه التراث الملغوم كراهية وحقدا على الآخر. فعملية الفبركة واضحة في هذه الروايات، فتداركت ضعفها سندا ومضمونا حينما أسندت فعل الثأر للرسول وأهل البيت. وهذا يكفي لتأجيج نار الغضب والحقد. ثم تأتي نصوص زيارة المراقد المقدسة لدى الشيعة التي تكرّس اللعن وروح الانتقام اللاشعوري من أعداء أهل البيت السياسيين. وهذا خلاف قيم الدين بل خلاف تعاليم الرسول الكريم وأهل بيته.

لكن لماذا يستقيل العقل الشيعي أمام هذا النوع المحرّض من الروايات؟ هل حقا رغبة جامحة بالانتقام من الآخر؟ أم هي رثاثة الوعي واستكانة العقل لدى بعض الناس؟؟. للأسف الشديد العقل الشيعي ضحية تراث ملغوم بالكراهية، وما لم يتخلوا عن هذا التراث بالذات لا أمل يتراءى في أفق حضاري قريبا. وسيبقى التشيّع في دوامة الماضي وأحداثه، تستهلكه روايات ضعيفة موضوعة. فلا تستغرب حينما تسمع: "أين الطالب بدم المقتول في كربلاء"!! حتى بعد مرور الف واربعمئة عام أو يزيد!!.

إن تاريخا طويلا من الإقصاء والإخفاقات السياسية ولّد شعورا مريرا لدى الشيعة بالخيبة، والعجز أمام مناوئيهم، ولم يجدوا سوى المهدى ليقتص من أعدائهم ويثأر لدمائهم، ويحقق تطلعاتهم وأمنياتهم التاريخية. فالمشروع الحضاري الشيعي مؤجل في نظر غلاة الشيعة إلى ما بعد ظهور المهدي، حيث سيملأ الأرض قسطا وعدلا. لكن تداعيات هذا النمط من التفكير خطيرة على مستقبل الإسلام بشكل عام، وقد أدركه الواعون من فقهائهم ومفكريهم ومثقفيهم، فكان لهم رأي آخر.

نعود للسؤال: فنجاح خطوة مانديلا في بلادنا، تتوقف على وجود ثقافة جديدة، وعقلانية شاملة تتحكم بسلوك ومشاعر الناس، عقلانية تؤصّل سلطة القانون، وتستأصل روح الانتقام والثأر، ليتولى القضاء تحري الجرائم والبت بها قانونيا. أي استعادة هيبة القضاء، كسلطة عليا. وتجريم من يتجاوز القانون أو يرتكب جريمة باسم الثأر والانتقام. فخواء القضاء وتواطؤ أجهزة الأمن والشرطة سبب آخر في تأجيج روح الانتقام. فيجب إقصاء قيم العشيرة، ليبقى ولاء الشعب للدستور والقانون، وعدم تقديم ولاء رجلي الدين والسياسة وشيخ العشيرة. فلا نظام مع تعدد مراكز القوى والقرار.

وبالتالي فزمام الأمور ومفتاح التصالح بيد الحكومة، والجهات المرتبطة بها، وإلا فإن قيم العشيرة الحاكمة على تفكير الناس لا تسمح بالعفو والتنازل، بل تتمادى بالثأر، وتطيح بنفوس بريئة لا علاقة لها بالموضوع. فهيجان الثأر هيجان قبلي لا إنساني رغم الاعتراف بوجود حقوق قانونية، لكن هذا لا يسمح بتمادي العنف باسم الثأر والانتقام.

وأما عن حقوق الضحايا، فينبغي للحكومة التحلي بالحكمة والجرأة، وإعلان عفو عام، مع ضمان حقوق الضحايا، والاقتصاص من مرتكبي الجرائم الكبرى، باعتبارها حقا قانونيا وشرعيا وأخلاقيا. فلا يستقيم العفو مع وجود مجرمين أحياء، وضحايا تطالب بالثأر، وهو حق قانوني وشرعي. فيقتصر العفو على مرتكبي الجرائم من أتباع النظام السابق، أو من استغل الظروف السياسية وقام بعمل اجرامي بدوافع شتى، خاصة أعمال العنف الطائفي، والهجوم على القوات الدولية، ولم يحاكم أو لم ينفذ به حكم الإعدام خوفا من تبعات القصاص على المستويين السياسي والاجتماعي. بمعنى آخر أن يشمل من تكون تداعيات تنفيذ الأحكام به أخطر من عدم تنفيذه بسبب مختلف الظروف التي يعانيها البلد. فهناك من يشكك في انطباق صفة الإجرام على العاملين بالاجهزة الأمنية وقيادات الجيش والشرطة، في زمن النظام السابق. وهناك من يتهم القضاء بالتحيز الطائفي، ويؤكد وجود دعاوى كيدية. وبالتالي فهؤلاء: بعضهم مجرم غير مشخّص في جريمته، كقوى الأمن والإجرام من أتباع النظام السابق. ومجرم مشخص في جريمته. ومجرمون ارتكبوا جرائمة عشوائية. أو بدافع وطني ضد الغزاة. أو غررت بهم تنظيمات سياسية ودينية وإرهابية. أو انساقوا مع مؤامرات من خارج البلاد لأهداف سياسية ومصالح خاصة بها. وقد يكون شخصا عدوانيا بطبيعته.

فالحل الأمثل لتسوية جميع هذه الحالات أن تتولى الدولة القصاص باعتبارها المسؤول عنه، وتتولى حقوق الضحايا والخسائر المادية، فتكون ولي الدم بالنيابة العامة عن جميع ضحايا المجتمع. ومن حق ولي الدم العفو عن القاتل. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). فتعفو عفوا عاما بتفويض من الشعب، وتتولى حقوق الضحايا، فتقدم لهم تعويضات. لتقطع دابر الفوضى والقتل العشوائي: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِإِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). فالدولة مطالبة أولا بإجراء مسح ودراسات مفصلة، تدرس حالات الإجرام، وأسبابها، وظروفها، وفائدة العفو قياسا بالقصاص. ومدى تأثيره على مستقبل العلاقات الاجتماعية والوضع الأمني. كي يتمتع العفو العامة برصانة علمية، قانونية، حقوقية. وماذا يترتب على العفو والقصاص من تداعيات، واعادة النظر بالدعاوى الكيدية. وعدم شمول العفو للجرائم الشخصية المشخصة، وجرائم التفجيرات والقتل العام والتآمر على أمن المواطنين.

وأما عن جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق أطروحة التسامح؟. فليس أمامنا سوى تجفيف منابع العنف والاستبداد السياسي، لاجتثاث ظاهر الجلاد من خلال ديمقراطية حقيقية، تضمن تداول سلمي للسلطة، وحق مشاركة الجميع بالسلطة، فلا ضحية بانتفاء الجلاد.

مما تقدم يتضح أن التسامح السلوكي لا يكون فاعلا إلا في إطار منظومته القيمية وبيئته الثقافية – الاجتماعية. وأقصد بفاعلية التسامح السلوكي أن يكون مثاليا في تجلياته. وأما خارج بيئته، فيكون نسبيا وفقا لظروفه، فيوظف كل المفاهيم المتاحة ضمن ثقافة ذلك المجتمع من أجل تسامح سلوكي يضمن أمن واستقرار البلاد. وهذا لا يعني التنازل التام عن حقوق الفرد والمجتمع، أو زرع روح الانقياد والتبعية، حد التنازل عن الحقوق وعدم التمرد على سياسة الجلاد. فلا يعد هذا تسامحا، بل عبودية وذلا واستكانة. فهناك فرق في التعامل مع الجلاد في حياته وبعد مماته. ولا معنى للتسامح في ظل حكومته وممارسته العنف والقتل والاضطهاد وقمع المعارضة، وسلب الشعب حقوقهم المشروعة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

تعليقات (10)

  1. صالح الرزوق

مناقشة حكيمة و هادئة و منصفة ناهيك انها معاصرة و تتحلى بكل الأخلاق التي تطورت مع تطور العقل و ظروف الحياة،
مع ذلك لي مداخلة،
المقارنة بين جنوب لفريقيا و التسامح الديني عند المسلمين، تحتاج لبعض التفسيرات،
ففي جنوب افريقيا يوجد تصحيح لاوضاع منطقية، و اعادة توطين لسكان اصليين منفيين من شرط الحضارة،
بينما الاسلام دين تبشيري و ابداعي،
فقد بدل الكثير من المفاهيم و اخترعها، و لم يحاول ان يقصي الانحرافات، او ان يعيد الفراغ الحضاري لحجمه السابق،
فالتمييز العنصري مسالة اجتماعية و لها علاقة بالادراك و الارض، في حين ان الاسلام مسالة اخلاقية و شمولية و علاقتها بالارض و السماء، بمعنى ان هناك ابعادا غير منظورة و غير ملموسة و مؤجلة، في حين اوضاع جنوب افريقيا لا تحتمل التأجيل، و ربما امكننا مقارنتها مع حالة غاندي،
فالنضال من اجل الاستقلال في الهند يتشابه مع النضال لتطهير الاخلاق من محتل له معايير حضارية اغترابية، اما الاسلام فهو دين و روح و الاحتكاك فيه بيني، لقد كان قبل الفتوحات و في الفتوحات الارلى اشبه بالحرب الاهلية،. و ليس حروب الاستقلا، و شكرا،

 

تحية لك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، كان الكلام حول العراق تحديدا، رغم أنه جاء بعنوان عام، ولا اشكال في شموله لغيره من البلدان العربية. وكان جوابي ناظرا لحالة العراق في المعالجة القانونية. وبشكل عام لم اطرح التسامح الديني في مقارنة الوضع بجنوب افريقا، وأنما كنت اتحرى أسباب النجاح، فقبليات المجتمع هناك تساعد على العفو والتسامح المجتمعي. لكن ثقافتنا لا تساعد لانها ثقافة قبلية وقد بينت الاسباب ، وما تفضلت به صحيح، شكرا لك دائما

 
  1. سلام كاظم فرج

الشكر الجزيل للأستاذ ماجد الغرباوي على هذا الشرح الوافي لقضية جوهرية تمس مصير شعوبنا العربية والاسلامية.. التسامح يحتاج الى زارعين مخلصين لبذور المحبة وانت منهم استاذنا الغرباوي.. ويحتاج الى بيئة صحية ومعلمين كباروأنت منهم ورجال دين نزيهين.. ومناهج تعليم متحضرة ومعاصرة... وفوق كل ذلك الارتقاء بالمستوى المعاشي للناس فالفقر يكاد ان يكون كفرا..
كل التقدير لأبي حيدر..

 
  1. ماجد الغرباوي

صدقت اخي العزيز الاستاذ الاديب سلام كاظم فرج، نحن بحاجة لكل ما ذكرت واكثر، فمعاناتنا كبيرة، وتحتاج الى جهد متواصل، فشكرا لحسن ظنك، وسرني رضاك على الحوار، والفضل للاسئلة المهم والجديرة بالاجابة. اكرر احترامي

 
  1. جمعة عبدالله

سؤال رائع بحق ينزل الى العظم , كما يقال . حقاً السياحة الفكرية الرائعة في اجابة الاستاذ الكبير ماجد الغرباوي , الذي افاض بالجواب المعمق والواسع كعادته , ان معايير الاخلاق والكرامة والتسامح , تتبع وفق انتاجية العقل عندنا , وفي مسألة الثأر والانتقام , ان عقلية مجتمعاتنا العربية وخاصة العراقية , تنتهج الحدية والعصبية المنغلقة في مفاهيمها ورد الفعل المقابل , كأننا نعيش في مشاعية بدائية , يحكمها قانون الغابة والعرف العشائري , هو الذي يتحكم في مفاصل الحياة الصغيرة والكبيرة . لذلك معايير الاخلاق والكرمة , ليس لها قانون ثابت , لانها تتبع لمردود انتاجية العقل وافعاله المضادة بالانغلاق والعصبية الساخنة عندنا . مثلاً ضمن انتاجية العقل عندنا . بأن الاعتراف بالخطأ , يعتبر جريمة وانتقاص من الاخلاق والكرامة , بينما في المجتمعات المتطورة والمنفتحة لا المنغلقة , يعتبر هذا العمل دليل على نبل الاخلاق والكرامة . عندنا الاعتراف بفشل بالمسؤولية اولى المحرمات , التي تهين الاخلاق والكرامة , مهما ما ارتكب من اخطاء فادحة , او جرائم وحشية بشعة , بينما في المجتمعات المنفتحة , تعتبر اولى مهمات الاخلاق والكرامة والمعدن الانساني الاعتراف بالفشل . ثم عندنا العقلية السائدة . انصر اخاك , ظالماً او مظلوماً , بينما في المجتمعات الاخرى المتحررة , يقف الاخ مع القانون ضد اخاه . وانا شاهدت الكثير من المشاجرات النسائية بالشتائم الجنسية البذيئة , بما انزلها العقل , وعلى مسمع ومرئى من ازواجهن , كأنهم لم يسمعوا ولم يروا شيئاً . وعندنا يعتبر ساعة امتحان للكرامة والاخلاق , في لعلعة البارود والرصاص . لان السكوت يعتب جبن واهانة مذلة . ثم الطامة الكبرى عندنا العشائر , وعرفها السائد هو المتحكم بمفاصل الحياة من صغيرها الى كبيرها , وهي تحل محل الدولة والقانون . والتخلف . مثال اذا كان ممثل الشعب والناطق بأسمه العتيد , عضو البرلمان , يستنجد بعشيرته , فما حجم العقلية المنغلقة والمتعصبة والمتخلفة عندنا , وهي تعبر عن انتاجية العقل على الاعم الاغلب . بينما في المجتمعات الاخرى , لا توجد تسمية لعشيرة اوعشائر على الاطلاق . وانما سيادة قانون الدولة , هو المنفذ والفاعل والمطبق , ولا يمكن ان يتدخل به حتى اول شخص مسؤول في الدولة ........ بالنسبة الى مثال جنوب افريقيا , ان الاقلية البيضاء بكل مكوناتها السياسية والشعبية , بما فيها رئيس الوزراء ( الابيض ) اعترفوا بأخطائهم وطلبوا الاعتذار والتسامح , وتنازلوا عن السلطة والحكم للاكثرية السوداء . عندنا هل اعترف وحداً من المجرمين الوحشيين الذين ارتكبوا جرائم وحشية , وطلب الاعتذار واعترف بالحطأ الجسيم الذي ارتكبه ؟
شكراً للقدير المتميز في طرح الاسئلة الساخنة الاستاذ سلام كاظم فرج . وشكراً للروحية الفكرية الرائعة , التي تتفهم بشكل عميق قضايا المجتمع والدين الاستاذ الكبير ماجد الغرباوي
ودمتم بخير وعافية

 

شكرا للاخ الكاتب القدير جمعة عبد الله، مداخلة مشحونة بالامثلة الحية، ومن صميم الواقع، اضافة لما في الحوار، مما يساعد على فهمه بشكل عملي، لك خالص الاحترام والتقدير، وشكرا جزيل لمتابعتك سلسلة الحوارت

 

تحية طيبة للاستاذ الكبير ماجد الغرباوي....ما اجمل هذا الحوار الذي يعتبر منهج اجتماعيا يرتقي في المجتمع العربي إلى مجتمع مثالي.....كم اتمنى لو يدرك العالم العربي بشكل عام والمسلمين بشكل خاص أهمية التسامح والتخلي عن المفاهيم السلبية...

 

الكاتب الاديب الاستاذ حسام عبد الحسين، تحياتي لك ولمشاعرك النبيلة، اسعدني رضاك عن الحوار. سيدرك شعبنا اهمية التسامح، المهم التعاضد على نشر مفاهيمه من خلال مقالات الكتاب وانت منهم، خالص الاحترام

 
  1. حمودي الكناني

اولا اشكر الاستاذ سلام كاظم فرج على مشاركته في هذا الحاور البناء والهادف مع مفكر وباحث قدير الاستاذ الغرباوي المحترم وثانيا نتمنى لو ان الكثير من القراء يطلعون على مت ينشر هنا من طروحات نحن جميعا بحاجة ماسة اليها في وقت يسعى فيه الكثيرون لاشاعة ثقافات مضت عليها ازمنة كل الثناء والتقدير للمفكر التنويري الاستاذ ماجد الغرباوي

 

اعتز بحضورك الاخ الأديب القدير حمودي الكناني، وشكرا لمشاعرك النبيلة وثقتك العالية، كما تفضلت نحن بحاجة ماسة لثقافة منفتحة، ثقافة نتخلى معها عن العنف والتنابذ وروح الكراهية من اجل قضايا لسنا طرفا فيها. مع امنياتي لك بطول العمر بصحة وسلامة

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4026 المصادف: 2017-09-13 07:34:23