المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (25): التوظيف السياسي للدين

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س59: سلام كاظم: يقول الشاعر والمفكر السوري أدونيس. إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحول إلى دين مصلحة قابل للتوظيف سلطويا.. وقد لاحظت في إضاءتكم القيمة هنا ميلا لتوكيد هذا الرأي من خلال صراع الصحابة على النفوذ لحظة وفاة الرسول.. ما مدى صحة مقاربتي بين رأيكم ورأي أدونيس؟ وهل تتفقون معه ان الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟ تقبلوا احترامي العالي..

ج59: ماجد الغرباوي: لا شك أن الدين قد تأثر بالوضع السياسي، وراح تأويل النص يخدم المصالح الشخصية والسياسية، بفعل إطلاقاتها ومرونتها وقوة رمزيتها، وعدم ضبط السنة النبوية وتدوينها، فنُسبت للنبي روايات موضوعة تخدم مختلف التوجهات السياسية والطائفية. وتم تفسير الصحيح منها بشكل يخدم ذات الأهداف.

الدين في عصر النبي كان رسالة سماوية، ووحيا إلهيا، لا يجرأ أحد على استغلاله أو توظيفه أو تأويل آياته بعيدا عن أقواله، ومحكماتها. فالنص الديني كان منضبطا، يتحرك في أفق الرسالة وأهدافها. وذات الأمر بالنسبة لأقوال الرسول وأحاديثه، فلم يتقوّل عليه أحد علنا،  صراحة، وعلى رؤوس الأشهاد، رغم ثمة من كذب عليه في حياته كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده). وبالفعل تضاعفت الروايات الموضوعة بعد وفاته، يشهد لذلك ما ضمته الموسوعات الحديثية بين تضاعيفها من روايات، يجافي بعضها الكتاب الحكيم والعقل، وينسب للرسول ما يحط من مكانته، ويستخف بشخصه.

فوضع الأحاديث، ونسبتها للنبي الكريم بعد وفاته، كان إيذانا بتوظيف النص الديني لغايات سياسية وأهداف مذهبية وطائفية، وقد ازداد وضعها طرديا كلما ابتعدوا عن زمن الوحي، فصارت الروايات الموضوعة عبأ على الدين. ثم تأتي محنة أخبار الآحاد التي غالبا ما يكون الراوي واحدا، وليس ثمة ما يدل على صحة صدورها سوى ثقة الرجاليين به. والوثاقة بمعنى صدق النقل لا تكفي ما لم يكن الراوي ضابطا، واعيا، مدركا لكلام الرسول، لا سيما أن أغلب النقل نقل بالمعنى والمضمون، فكيف نتحرى الصحيح عن الموضوع بين كم كبير من روايات اختلط فيها الصحيح والضعيف؟. علما أن الرجالي هو الآخر متحيّز لطائفته وتوجهه السياسي، فكيف نضمن عدالة توثيقاته، جرحا وتعديلا.

يمكن الاستشهاد بأول حديث وظف سياسيا، ما رواه أبو بكر منفردا، يوم السقيفة، وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون لحسم الخلافة، قال: سمعت رسول الله يقول: "الأئمة من قريش". فحسم بهذا الحديث معركة الخلافة لصالح قريش تحديدا،  بعد أن أخرج الأنصار من دائرة التنافس، رغم مكانتهم، واهتمام النبي الكريم بهم. فلم يوصِ بأحد كما أوصى بهم، تكريما لتضحياتهم، وصدق نواياهم، وثقلهم الإيماني والعلمي. لكن النص الديني سلطة هائلة، صفعهم جانبا، عندما قلب موازين القوى لصالح قريش بعد مبايعة عمر بن الخطاب لأبي بكر. ثم عبأ الخليفة الأول المسلمين في حروب الردة، إستنادا لروايات، اعتبرت منكر الزكاة مرتدا، فقتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وبعضهم كان يصلي، حينما احتزوا رأسه. والقوم لم ينكروا الزكاة بل رفضوا تسليمها لهن ربما تحفظا على خلافته شخصيا، ووزعوها بين فقرائهم كما تقول الأخبار. فأراد أبو بكر بهذا الإجراء تثبيت سلطته السياسية، وانتزاع اعتراف عام بخلافته من قبل جميع المسلمين، فلجأ للروايات لشرعنة خطوته، وإلا فعقوبة المرتد عقوبة أخروية وليست دنيوية: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). بل في الآية التالية نفي واضح للعقوبة الدنيوية، حيث تكررت الردة. وينبغي عدم وقوعها ثانية مع وجود عقوبة دنيوية: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا).

 لكن أخطر توظيف للدين لصالح السياسة، ما قاله الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إبان الفتنة: (ما كنت لأخلع رداء سربلنيه الله). حيث اعتبر الخلافة والحكم أمرا إلهيا، ورداء سربله الله تعالى إياه، فيكون المعترض عليه معترضا على الله تعالى، وهذا قمة التزوير الديني، وأوضح مصاديق توظيف الدين لصالح السياسة. فعثمان جاءت به الشورى، وليست خلافته أمرا إلهيا. فلم يعبأ بكلامه الثوار، ورفضوا منطقه الثيوقراطي، وفيهم صحابة رسول الله، فانتهت الثورة بقتله.

وهكذا مارست الروايات سلطتها في شرعنة سلوك الخلفاء، وقمع المعارضة في عهد الدولتين الأموية والعباسية. فتحولت مهمتها من مضامين رسالية ودينية إلى نصوص سياسية بلباس ديني. ثم استمر النص يلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، وتضليل الرأي العام. وإزداد تشبث الطرفين بالروايات لتعضيد موقفهما، كلما صعّدت السلطة من لهجتها ضد المعارضة. خاصة بعد معركة صفين وتولي معاوية الخلافة، حيث شن حملة عدائية لتشويه سمعة الإمام علي بمساعدة بعض رواة الحديث للطعن بصدقيته. وإدانة موقفه من خلافة أبي بكر، التي تمت بإجماع الصحابة. فمعاوية بن أبي سفيان هو أول من وظّف الدين لخدمة السياسية علنا وبشكل رسمي، من خلال التنظير الكلامي والفقهي وترويض العقل، بمساعدة التأويل والروايات الموضوعة التي انتشرت في عهده.

ثم اشتدت الحرب الكلامية، فيما بعد حول حزمة مفاهيم ترتبط بالعقيدة الإسلامية، كالجبر والتفويض، والإرجاء، والعدل، والإمامة التي احتلت الأولوية، فتناولوا جميع شؤونها، شروطها، شرعيتها، في محاولة لتأسيس نظرية إسلامية في السلطة والحكم. فاستدعوا الخلاف الأول لتحري الحقيقة وكيفية تأصيل مبدأ ديني لحماية شرعيتها، بعد موجة شك عنيفة اتهمت الخلفاء الراشدين باغتصاب الخلافة. فاعتبر الاتجاه السني الإجماع حجة شرعية ملزمة بموجب رواية عن الرسول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ولازمه: "الخروج على اجماع الأمة خروج على الدين". وهو توظيف آخر للدين لصالح السياسة. فليس كالنص سلطة قادرة على حماية شرعية الخلافة وقمع المعارضة. وذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية في الحكم تقوم على النص والتعيين في مقابل نظريتي الشورى وإجماع الأمة. فلا ولاية لأحد، وفق المنطق السياسي الشيعي، لم ينص الباري تعالى عليه بكامل مشخصاته، بواسطة الرسول الكريم. وكان دليلهم مجموعة روايات عن الرسول، وهو أيضا توظيف واضح للدين لصالح السياسة. فكلا المذهبين السني والشيعي، تأسيس سياسي، قام ابتداء واستمرارا على تأويل الآيات، ورصيد روائي تراثي، لا يمكن الجزم بصحته.

وبهذا يتضح أن التأصيل النظري لشرعية الخلافة والإمامة كان تراكميا، عبر القرون الأربعة الأولى. لعدم وجود مرجعية (آية أو رواية) تحسم النزاع آنذاك. ولم يحتج أحد بنص صريح من كتاب أو سنة على شرعية خلافته. وارتكز الطرفان لمبدأ القربى من رسول الله. فاحتج الإمام علي على المهاجرين بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، باعتباره الأقرب إلى النبي، فضلا عن مكانته، وسابقته في الإسلام، وجهوده المتواصلة لخدمة الرسالة. فكان الطرفان بأمس الحاجة لأي دليل يدعم شرعيتهما، وعدم الاحتاج بآية أو رواية صريحة دليل عدم وجودهما. بل الثابت تاريخيا لدى الشيعة والسنة أن الرسول مات ولم يكتب كتابا صريحا بشأن الخلافة. ودخل عليه عمه العباس وعلي بن أبي طالب في مرضه، ولم يؤكد لهما شيئا حول مستقبلهما السياسي. فالنزاع حولها كان سياسيا، وكان موقف الإمام علي من خلافة أبي بكر سياسيا أيضا. ثم جاءت النصوص فيما بعد لتدعم شرعية هذا الطرف وذاك. فالخلافة لم تتأسس على أدلة دينية وعقدية، بل جاءت في مرحلة لاحقة لتعزيز شرعيتها، فكانت استجابة سياسية بلباس ديني وشرعي.

فلما استدعوا الخلاف الأول فيما بعد لتحري شرعيته، كانت هذه الحقيقة شاخصة أمامهم، فتداركوا الأمر، ونشب سباق محموم لمراكمة شواهد وتأويلات لدعم شرعية أحدهما والطعن بالآخر، لعدم وجود نصوص صريح. فبدأ صراع مرير حول مصاديق الآيات، لذا تعددت أسباب النزول للتماهى مع الهدف السياسي. وهذا أحد مصاديق توظيف القرآن لصالح السياسة. ثم لجأوا للروايات، بعد أن خيب الكتاب الكريم آمالهم في الحصول على دليل قطعي جازم صريح. فاستدلوا بما هو صريح من روايات الفضائل، وتأويل ما هو ظاهر بشكل يحسم النزاع. إلا أن الروايات أيضا لم تحقق كامل أهدافهم، لعدم وجود روايات صريحة معترف بها من قبل الطرفين، فجاء دور وضع أحاديث الفضائل والمثالب، فبدأ المأزق الديني، وتهاوت القيم الرسالية، وكّرس النص الديني لخدمة التوجهات السياسية، فانتشرت مختلف أحاديث الكرامات والفضائل، كحديث: لا تجتمع أمتي على ضلالة، وحديث العشرة المبشرين بالجنة، وحديث خير القرون قرني ثم ما يليه... وحديث الفرقة الناجية، وأحاديث الفضائل التي ظهرت فجأة بعد ولاية معاوية، ثم تصاعدت وتيرة الوضع ابتداء من القرن الأول الهجري. فضج التراث بالأكاذيب والوضع. وراح النص يلعب دورا سلبيا، ويشرعن سياسات منحرفة، وسلوكا خاطئا.

في ظل هذا الوضع وجد الشيعة أنفسهم أمام مسؤوليتين، الأولى: تحصين الذات، وتعميق الإيمان بعقائدهم، كالإمامة، ووجوب النص على الإمام من قبل النبي. والثانية: رد شبهات السلطة، وتفكيك أدلتهم حول شرعية الخلافة. فوظفوا مختلف الروايات لدعم آرائهم ونظرياتهم، أسوة بخصومهم السياسيين. فكلا الطرفين كان متورطا في حمى السباق لمراكمة ما يعزز شرعية أحد أطراف الصراع الأول. بل لم يكتفوا بالروايات ودخلت على الخط كل وسائل التضليل وتزوير الوعي. فتجد الخرافات والكرامات والأحلام حاضرة ضمن مراكمة الشواهد، لتعميق إيمان الناس البسطاء بعقيدتهم.

وفي خطوة لتعزيز شرعية الإمام علي بالخلافة ذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية كاملة حول الإمامة وشروطها ومواصفاتها، وظفوا لتأصيلها مقولات ومفاهيم دينية وكلامية، كما نظّروا لمنظومة مفاهيم تعززها، كالعصمة، والولاية، وعلم الإمام، وامتداد عصر النص، والغيبة. فتجمعت لديهم أدلة عقلية ونقلية تدعم شرعية الإمامة. وكان طبيعيا في ظل سباق محموم على شرعية الإمامة في مقابل الخلافة، لكنه ولد انقسامات حادة بين الشيعة أنفسهم، فتعددت الفِرَق الشيعية عبر التاريخ، وذهب غلاتهم إلى أسطرة رموزهم في خطوة لتعزيز عقيدة الشيعة بهم. وتعميق روح الأمل عندهم، وتعويض نفسي للخسائر السياسية. وضمان النجاة يوم القيامة، دون غيرهم.

بهذا يتضح حجم تأثر الدين بالسياسة، وصحة ما نقلته أنت عن الشاعر والمفكر السوري أدونيس. "إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحوّل الى دين مصلحة، قابل للتوظيف سلطويا". فالطابع العبادي والروحي للدين تشبع بالبعد السياسي، وتماهى مع توجهات الأطراف المتصارعة على السلطة، بعد محاصرة فهم وتفسير الكتاب الكريم، ومنع التعامل مع آياته مباشرة، فتحكم النص الثاني (روايات، أقوال المفسرين والمؤرخين، آراء الفقهاء) بفهم وتأويل النص الأول (الآيات). وحجب النص الثاني النص الأول من خلال تفسيره وإعادة كتابته.

وما زال التوظيف السياسي للدين، يتجلى عبر صيغ مختلفة، كالحركات الإسلامية، بما فيها الحركات التكفيرية، وولاية الفقيه. إضافة للتنظير الفقهي، والفكر الإسلامي الحركي. وسبقه الأحكام السلطانية، وتبادل الشرعية بين السلطان والفقيه في عهد الدولتين العثمانية والصفوية.

إن سبب الصراعات الطائفية والتراشق العقيدي اليوم، روايات وكتب ظهرت بعد حقبة الخلفاء الراشدين، واستمرت بالتراكم خلال القرون الأربعة الأولى ... روايات أعادت تصوير الخلاف الأول بشكل يخدم مصالحها الطائفية والمذهبية. ولم يبق أمامنا طريق لنقد التراث ومعرفة الحقيقة سوى القرآن، والصحيح المتفق عليه بين الجميع من سنة النبي، والعقل.

ينبغي التمييز بين توظيف الدين لصالح السياسية، والفهم الديني المتجدد. توظيف الدين، يستغل النص الديني لتزوير الوعي، خدمة لأهدافه وغاياته. فيلجأ لتأويل الآيات أو الاستعانة بقرائن خارجية وروايات نبوية لتكريس النص القرآني. خاصة الآيات المطلقة حينما يحتكر مصاديقها. كما في آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فيفّسر الولاية بالسلطة رغم تعدد معانيها لغويا، فهو تفسير لغوي انتقائي. ويتحيز حينما يقتصر مصاديق الذين آمنوا بشخص أو عدة أشخاص. ويقصي ما عداهم، رغم إطلاق الآية، وبهذا يتوفر على دليل قرآني يخدم هدفه السياسي، خاصة عندما يكون هو (الفقيه مثلا) الوريث الوحيد لتلك المصاديق بعد وفاتهم. كما بالنسبة للفقيه وأئمة أهل البيت. أو كشرط القرشية بالنسبة لأهل السنة. فلا يحق لأحد التصدي للسلطة وفقا لكلا المذهبين ما لم تتوفر فيه الشروط المتقدمة. وهذا أحد مصاديق التوظيف السياسي، خارج أطاره الديني.

ومثلها آية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، التي كرست طاعة مطلق أولي الأمر وفقا للمذاهب السنية. وخصوص الأئمة ومن ينوب عنهم من الفقهاء عند الشيعة. بينما الآية الكريمة مطلقة لم تذكر أي مصداق.

وهكذا يجري تزوير الوعي واللعب على مشاعر الناس من خلال تأويل الآيات المطلقة، فتجد الصراع على أشده حول مصاديقها، وهنا يأتي دور الروايات الموضوعة كقرائن تصرف الإطلاق لمصاديق محددة. لكن لماذا يبقى الناس في دوامة التأويل إذا كانت الآية تقصد شخصا أو أشخاصا محددين؟ أليس هذا خلاف لحكمة الله تعالى؟.

وأما الفهم الديني المتجدد، فيختلف جوهريا عن التوظيف السياسي للدين. وهو يعني: فهم الدين وفق مقاصده وغاياته وأهدافه، فيتأثر فهمه بالظروف الزمانية والمكانية كي يواكب تطورات العصر وحاجات الزمان. فآليات الفهم الديني تختلف، فلا تزوير ولا تمويه، بل دراسة مواضيع الأحكام الشرعية للتأكد من استمرار فعليتها التي يتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي. والتمييز بين المواضيع المطلقة والمقيدة أو المحددة، لمعرفة فعلية أحكامها. أو ما يسمى اصطلاحا: التمييز بين القضايا الحقيقية والخارجية. كما بالنسبة لمحاربة أهل الكتاب، حيث الحكم ناظر إلى مجموعة المشركين المحاربين في زمن الرسالة. وليس له إطلاق خارج تلك الفترة. فشرطه الحرابة، وحرابة الدين والرسالة حصرا. فالمائز بينهما كبير جدا. أو إعادة النظر في أحكام الميراث، أو العقوبات، وطرق تنفيذ الحدود والقصاص.

فمقاربتك بين هذا الرأي ورأي أدونيس، موفقة جدا. ولا نحتاج سوى بصيرة نافذة لاكتشاف الحقيقة. وهل يعقل أن يهمل الكتاب الكريم عصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ عامة؟  فهو لم يهملهما، وتركهما لتطورات الحياة وحاجة المجتمعات وفق مبادئ الدين الحنيف. الدولة ضرورة اجتماعية، تتطلب نصوصا تواكب تطورها، والدين صيغ ثابتة يعيق حركتها. وهذا لا يتنافى مع تصدي المسلمين لتأسيس دولتهم، وفق مبادئ الدين الحكيم وتشريعاته. لكن الفرق واضح.

الدين لا يفرض أحدا ولا يتبنى شخصا، ويكتفي بشروط إيمانية محددة. والأنبياء رسول الله لنا، لذا توفى النبي الكريم، ولم يوصِ بشكل صريح واضح لا لبس فيه لأحد من بعده، وهذا متفق عليه بين الشيعة والسنة. وكل ما موجوة هي روايات الفضائل. ولا شك أنها بوصلة لاختيار الأصلح والأكفأ لإدارة الدولة والمجتمع المسلم.

وبالتالي أنا أتفق معك: (أن الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟).

أما التراث، فقد مزقنا، ولم نرث سوى الجهل والأمية، وتكريس الخرافات، وأسطرة الرموز، واقصاء العقل. فلا تكتب لنا نهضة حضارية ما دمنا نلوذ بالتراث والتاريخ، ونستفتي الموتى لتسوية مشاكلنا، وتقرير مصيرنا ورسم مستقبلنا.

الدين عقيدة وشريعة. أما العقيدة فهي محددة في الكتاب الكريم لا يمكن تجاوزها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وأما الشريعة، فهي قسمان، عبادات، تكون ثابة في أحكامها، وللاضطرار ورفع الحرج فيها مجال كبير. وأما التشريعات المدنية والاجتماعية والحقوقية، فلا تكون فعلية ما لم تكن موضوعاتها فعلية. والحياة بعد 1450 عاما تقريبا تطورت تطورا هائلا، فيجب أن يؤخذ كل هذا بنظر الاعتبار.

الدين تجربة روحية، وإيمان فعلي بالله تعالى، وضرورة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه الرذائل، وتسوده قيم الدين والإنسانية. فليس الدين أداة للسلطة وتزييف الوعي واستغلال الناس. وليس كهنوة وطقوسا بالية. هو شعور عميق بالوجود وعلاقة بين الخالق والكون والإنسان. وترابط إنساني عندما يقوّم سلوك الفرد وأخلاقه، ويبعث الطمأنية والاستقرار النفسي. فالدين علاقة فردية بين الخالق والمخلوق، لكنها علاقة حضور، وشروق روحي مفعم بالحب والإيمان. فالسلوك القويم دليل على صدق الدين. ومشاعر الحب آياته ودلالاته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (11)

  1. صالح الرزوق

كل النشاطات و الأحكام تاريخية. و هو ما يسمى شؤعا بأسباب النزول. و لغويا السياق. ماذا يعتي الجزية في ومن الضرائب المفروضى على الاستهلاك و الدخل و البيع و الشراء.
ثم جدلا لو أمك تجبي جزية.
ماذا سيكون سعر البارودة التي تستعملها في الدفاع عن البلاد و العقيدة. ث
لماذا نقبل بمنعطف معاوية الذي شوه مبدأ أساسيا في تعيين الخليفة ز ندين ما تبقى من اجتهادات و تطوير..

 
  1. صالح الرزوق ٢

و لو قبلنا فكرة الجزية بشكلها و مفهومها القديم، على ماذا ستنفق، هل تذهب الى خزينة الحكومة للخدمات العامة، ام يجب ان تنفق على الاقليات، مثل دور العبادة و توفير مستلزمات حرية العقيدة و ما الى ذلك،
يبدو لي ان دولة في حالة توسع قد تشك بولاء الاقليات فتفرض عليها الأعباء و القيود، لكن دولة ضعيفة غير قادرة على حماية نفسها، ليست في موقع فرض اي شيء على اي احد،
و كما نعام جميعا تقريبا لا يوجد يهود في عالمنا العربي الا فيما ندر، افراد من كبار السن، ماذا ستجني منهم من ارباح للخزينة،
و كيف سنعامل الملحد و العلماني و اللاديني، عمليا انه اقلية غير مسلمة و له منطقه الخاص،
لا زلت ارى ان تعريض مثل هذه المفاهيم لاعادة جدولة و تركيب شيء ضروري،
و لو ان الدولة ستحمي الكنائس و ترممها و ترصد لها ميزانية خاصة، يمكنها ان تجبي بالمقابل من افراد الطائفة التبرعات لتعويم الخدمة،
اسوة بما يحصل في رعاية الاوابد الاسلامية، توجد تبرعات ووقف اسلامي ينفق ما يجبيه على الرموز العبادية، و باعتبار انني لست في موقف يسمح لي بمناقشة شوون في الشريعة و العبادة فلن استرسل، انني ارتبك جدا كلما سمعت بحادث تفجير و اعتداء على المدنيين في اوروبا، انهم ليسوا كفارا و لكنهم طامعون بالتوسع، و مثلما يجب ان ندين الاخداث العنفية وراء خطوط المواجهة و الحرب يجب اعادة النظر بالقوانين الاقتصادية المفروضة على غير المسلمين في ارض مسلمة، و شكرا،

 

كل هذه الاحكام تاريخية، لا فعلية لها الان، ومن يسن هكذا تشريعات يريد ان يضطهد بها الاخر، وهذا خلاف الدين والقيم الإنسانية. تحياتي للدكتور صالح الرزوق

 

في اعتقادي ان الخليفة عثمان بن عفان قال ما قال لانه اعتقد ان الخلافة ما هي الا امانة تحمل وزرها وانه مسؤول عنها امام الله و هذا في اعتقادي ليس الا و لا يعلم بما في الصدور الا الله.

 

لكنه قالها لقمع المعارضة التي انتزعت شرعيته عندما تخلت عن بيعته. فلا شرعية له حينئذ، وهو يعلم بذلك، لان البيعة شرط الخلافة، وقد تخلى عنها المسلمون. فاراد تدارك الامور، لكنه فشل. تحياتي لك الاستاذة قوزية بنت حورية

 
  1. صالح الرزوق

الخليفة عثمان ذو النطاقين و رضي الله عنه كان رمزا مبكرا لمنعطف حاسم في تاريخ الاسلام، و الصور المرعبة لتسلق سور بيته و الاعتداء على حياته كما رسمها لنا ادونيس في الثابت و المتحول نقلا عن مراجع تاريخية تدمي القلب و توكد ان ما يحصل ليس فورة رعاع كما اراد طه حسين ان يقول في الفتنة الكبرى و لكنها جيوب مقاومة ثم بداية لثورة غيرت وجه الاسلام، ان ما جرى جناية على الخط الاساسي الابيض للدين، و تحيل دراماتيكي من الصراع ابسلمي على موقع الرسول الى الصراع العسكري و المسلح و العلني، و لم يستقر الامر الا بالقضاء على بنية الدولة المولودة حديثا و تبديلها من مجتمع ثورة و ميتافيزيقا الى مجتمع بلاط و ماديات،
و بعد ذلك دخلنا في توريث السلطة و تسييس الدين و تحكيم شريعة الدم فوق شريعة الانتخاب المحدود و الانتقائي، فالتمثيل لم يكن نسبيا و لكن بين النخبة، و حتى هذا الخط الديمقراطي الضعيف تم اغتياله،

 
  1. سلام كاظم فرج

تحية إجلال وإكبار للمفكر الاستاذ ماجد الغرباوي.. وتحية لكافة الاخوة الذين تفاعلوا هنا او في صفحات التواصل الاجتماعي.. في رأينا المتواضع ان يوم السقيفة يشبه من الناحية التأريخية والاجتماعية ما يحدث في داخل النجوم المضيئة.. في عالم الطبيعة والفلك.. نار مشتعلة تبدو وكأنها الأبد.. وقد قال عنها الخليفة عمر كانت فلتة وقى الله المؤمنين شرها..وفي رأيي المتواضع انها كانت فلتة لكن شرها ما زال مستطيرا. ولم يقنا الله شرها حتى هذه الساعة... يمكن الاطلاع على مؤلف الدكتور طه حسين.. الفتنة الكبرى .. ومؤلفه علي وبنوه..وعليه ان اطروحة الاستاذ الغرباوي تدخل في ما يمكن ان نسميه بنقد التأريخي لحساب المستقبل.. لاحل في هذه المسألة على الاطلاق.. واية محاولات لتزويق التأريخ ستذهب سدى... الحل يكمن في الارتقاء بالوعي الجمعي العربي ليغادر هذه الفلتة تماما. والالتفات الى ما هو مفيد ونافع في علوم التربية والاجتماع . ومغادرة هذه المحطة تماما ..
تحية للمفكر التنويري استاذنا الغرباوي..

 

كانت رحلة فكرية ممتعة مع اسئلة الاخ الاستاذ الاديب الناقد سلام كاظم فرج. اسئلة لامست اشكاليات حقيقية، بعضها يمثل معاناة يومية. المهم في كل حوار قدرة السؤال على التحريض، لذا ليس كل شخص قادر على طرح اسئلة حقيقية. بل حتى صياغة السؤال له دور في التحريض والاجابة. شكري متواصل للاستاذ القدير سلام، واشكر مشاعره الطيبة وحسن ظنه

 
  1. صالح الرزوق

عذرا للمداخلة المتكررة،
نعم كتاب طه حسين بجزئيه شديد الأهمية و لكنه يعاني من الترهل في بعض المواضع، اما كتاب صدر الدولة الأموية للدكتور يوسف العش و كان عميدا لكلية الشريعة بدمشق من اهم المصادر و المراجع و فيه ثلاث روايات لما جرى يوم اغتيال الخليفة الشيخ الضعيف عثمان، و كلها روايات متشابهة لكنها تراهن على الأسباب و الذيول و تتفق على شيء واحد ان هناك من نقب سور بيت الخليفة و هناك من تسلقه و قام بقتله و هو يقرأ في المصحف.
اعتقد ان بدايات الاسلام فيها ثلاث محطات اساسية، الهجرة ثم انتخاب الخليفة ابي بكر او فرضه بضغط من عمر، ثم اغتيال عثمان، ما حصل بعد ذلك شوط اخر في تاريخ الاسلام، و لا اريد ان اتدخل فيما لا يعنيني، لكن لا نزال نغرق في رماد هذا الحريق المبكر، و ازمة الاسلام المعاصر هي امتداد للثيوقراطية التي الغت ايديولوجيا اسلامية اساسية و هي الانتساب بدالة الايمان، شكرا،،

 
  1. جمعة عبدالله

الحقيقة حلقات مفيدة وغنية في لاغنى المعرفة , وتساهم في تبديد ظلام العقل الى محطات الضوء , والاستاذ القدير سلام كاظم فرج , متعود باختيار اصعب الاسئلة المحرجة , وتمس الكثير من المسلمات في العقلية السائدة في واقعنا , وفقاً للظرف الراهن , والسؤال الذي طرحه , يعتمد على وجهة نظر المفكر السوري ( ادونيس ) وهذا الرأي طرح في زمن الانفتاح نوعاً آنذاك , وقد سبقه الكثير من المفكرين , في طرح وجهات نظر , جريئة مماثلة لهذا الرأي , بأن الدين الاسلامي بعد وفاة الرسول الكريم , انتهى ان يكون رسالة سماوية . وهذا السؤال اصعب يلحقه سؤال اعتقد بأنه اصعب منه . طالما نستغل وجود المفكر الكبير ماجد الغرباوي , بما يملك من خزين معرفي وفكري واسع في قضايا الفكر الاسلامي وتبعاته , وانه يملك ناصية تسليط الضوء على الكثير من الاشكالايات كل اقتدار , وبالجواب الواضح والمبسلط , الذي يساهم في تبديد الكثير من العتمة والضباب في الفكر الاسلامي , حتى يجعل الكثير من عقول القراء , ان تبدد هذه العتمة والضباب والاشكالايات المحرجة غير المحسومة في الفكر الديني ومذاهبه , السؤال الذي اود ان اطرحه على المفكر الكبير ماجد الغرباوي , طالما عودنا على رجاحة العقل والفكر بقامته الكبيرة , وكذلك رحابة صدره الواسع . السؤال هو . طالما الكثير من احاديث الرسول الكريم بعد وفاته , خرجت من سياقها وزورت وحرفت . لاغراض مصلحية والسياسية , واغراض سلطوية واغراض اخرى , ساهمت في انشقاق الدين الاسلامي الى مذاهب متعددة داخل الدين الاسلامي . وكل مذهب صار يستند على مصادر ومراجع خاصة تدعم مذهبه , بأنه الارجح من المذاهب الاخرى , وهنا نتلمس الحيرة والارتباك , بأننا كيف نميز النص الحديث النبوي الشريف , بأنه اصيل صادق , عن الاخر مريب ومشكوك فيه ؟
ودمتم بخير وعافية

 
  1. ماجد الغرباوي

الاخ الاستاذ القدير جمعة عبد الله شكرا لتعليقك، ذكرت في هذا الحوار لم يبق سوى القرآن والعقل للتمييز بين الحديث الصحيح والموضوع، وفي حوارات قادمة ستقرا عن هذا الموضوع ايضا، واذا وجدت هناك ضرورة ساتناوله بشكل مستقل لك خالص الاحترام

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4030 المصادف: 2017-09-17 02:22:24