المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (49): النص وخطابات النفي

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق4-س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وخطاب النفي

ماجد الغرباوي: تقدم أن الخطاب يتنوع في مراميه، وتقنياته وأساليبه وبنيته وأهدافه ورسالته. وثمة فرق بين الخطاب العلمي والفكري والثقافي والديني والآيديولوجي والعاطفي. وتباين في تأثيره، حسب شروطه وضروراته. لكن مأسسة الخطاب، مطلق الخطاب، تمنحه قدرة أكبر على التأثير، عبر استقلاليته، وسلطته، ومحدداته وقوانينه. ويحقق أوج نجاحه عندما تتبناه مؤسسات إعلامية وتربوية ودينية، حكومية وغير حكومية، تسعى لانتشاره، والدفاع عنه. كالخطابات السياسية والثورية والدينية والتجارية والاستعمارية والطقوسية، خاصة بعد ثورة التقنيات الحديثة، وتطور مختلف وسائل الإعلام، المرئي والمسموع والمكتوب، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. كما طوّر الإعلام أداءه بتوظيفه معطيات العلوم الإنسانية، والاستفادة منها في دراسة أنجح أساليب التأثير. فاتسعت فرص انتشاره. غير أن انتشار الخطاب لا يتوقف دائما على وجود مؤسسات إعلامية تتبناه، بل يحقق الخطاب الديني والطقوسي حضورا مميزا من على منابر الوعظ والإرشاد. مستغلا روحية الأجواء، وطقسنة الشعائر، واندماج المتلقي بالعقل الجمعي. فيأتي الخطاب مؤثرا، وتصبح للكلمة سحرها، وللرواية الدينية مفعولها، وتأثيرها المباشر. فللمكان قدسيته ودوره في تأثير الخطاب، حداً يتعذر على المتلقي فرز الضعيف من النصوص، بفعل روحانية الأجواء والعقل الجمعي. فالواعظ يختار لرواياته أجواء مناسبة، خاصة الرواية التي يتعذر عليه الاستدلال على صحتها علمياً، فيكتفي بأية إشارة توثيقية، مستغلا جهل الجمهور بمناهج توثيقها. فمنبر الوعظ والإرشاد في أماكن العبادة والصلوات والمناسبات أخطر في تأثيره، وأقدر على تشكيل العقل وصياغة الخطاب. بل أن عقل المسلمين هو نتاج منبر الوعظ والخطابة، وهذا أحد أسباب تخلفه، عندما يتلقى الفرد خطابا دوغمائيا، متزمتا، متطرفا، مغلقا، والذي بات صفة ملازمة، رغم وجود خطاب معتدل، متوازن. وثالث، رحب منفتح على جميع الآفاق المعرفية. فالتفاوت يعود إضافة للوعي والمصالح الدينية والشخصية والسياسية، إلى طبيعة النصوص، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته. وللسبب ذاته تجد بعض الخطابات تفرض نفسها حقائق مطلقة، ونهائيات، في مقابل خطابات مرنة، تستوعب وجهات النظر، قادرة على تجديد نفسها.

ثمة حقيقة تاريخية، أن صدور النصوص والروايات المنسوبة للرسول لم تتوقف بعد وفاته، واستمرت تلبّي حاجة المرجعيات الفكرية والعقيدية والسياسية. بل واشتملت هذه الروايات أخبارا غرائبية عن الخلق والموت وحياة القبر والآخرة. وراحت تفرض محددات وشروطا للنجاة يوم المعاد تكرسها لهذا الطرف أو ذاك، من خلال ما تقدمه من تفسيرات وتأويلات للكتاب الكريم. أو تستقل عنه بتفصيلاتها، وتؤسس لعقائد ورؤى جديدة. وتفرض رقابتها على الحقيقة. فالمذاهب والفِرق لم تعد مجرد اختلافات اجتهادية حول المسائل الفقهية، بل أصبحت تمثل قراءة وفهماً للدين، له خصائصه ومعالمه، وقدرته على التنافس، لاحتكار الحقيقة وسبيل النجاة في الآخرة. فحطّم خطاب الفرقة الناجية أواصر المحبة والأخاء الديني والإنساني. وزرع روح الكراهية والحقد. وهي صفة ملازمة للفِرق والمذاهب، لا تختص بدين دون آخر. غير أن خطاب المذاهب والفِرق الإسلامية مشبّع بالسياسة، أعاد قراءة الدين وفقا لرؤيته. ومن يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، ويدرس ظروف نشأتها، يصاب بالذهول، حينما يكتشف خداعها وأوهامها وبشريتها، وتارة تكون أبعد شيء عن المقدس في حقيقتها. ومن يعتقد أنه على حق وغيره على باطل، ما عليه سوى العودة لتاريخ الفِرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، ليرصد بنفسه بشريتها، وتاريخيتها، وأوهامها، وخداعها، تأسيسا ووجودا واستمرارا. فالعقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور. بعضها يموت، وبعضها يقاوم التحديات عندما تجدد العقيدة خطابها. أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية.

لقد أمعنت المذاهب الإسلامية في تشويه معالم الدين وهي ترفع شعاراته. وقامت بتحطيم بنيته، بعد أن أعادت قراءته بما يخدم متبنياتها العقيدية وفق مقاساتها ومصالحها. وأختزلته بها وبرموزها. فالمذاهب اليوم دين في مقابل دين، وليست وجهة نظر إجتهادية في مقابل أخرى كما هي حقيقتها. حتى بات التفكيك بين الخطاب الديني والمذهبي، بنظر عامة الناس، مستحيلا لولا الجهد النقدي الذي يعري حقيقتها. فهم لا يعرفون شيئا عن تاريخيها ومسارات تطورها. لقد تأسست المذاهب الإسلامية تكريسا لموقف الصحابة من السلطة، وهو موقف سياسي، لم ينشأ على قاعدة فكرية أو عقيدية. بل نزاع تمت إدارته بجدارة وفق اللعبة السياسية، ولم تكن ثمة مرجعيات فكرية وعقيدية (آية أو رواية صريحة) آنذاك تحسمه. لذا خمد بعد مبايعة طرفي المعارضة، الأنصار وأهل البيت بزعامة الإمام علي للخليفة الأول أبي بكر بن قحافة. ولو كانت هناك نصوص كافية، وإن لم تكن واضحة وصريحة لاستمر فتيل النزاع، لكن عدم استمراره دليل على عدم وجوده. لأن السياسة من المواضيع التي سكت عنها الخطاب الديني، ولم يتطرق لها الكتاب الحكيم وأهمل تفصيلاتها النبي الكريم ولم يصدر عنه أي شيء، كي تواكب حاجات المسلمين، ارتكازا لمبادئ الدين وأحكام القرآن.

لكن النزاع عاد بعد استشهاد الإمام علي، وهذه المرة حول شرعية أصل خلافة الخلفاء. فكان السؤال: إيهما أحق بالخلافة شرعاً: أبو بكر أم علي؟. وهو سؤال عن الدليل الشرعي. وعن وجود آية أو رواية صريحة، أو أية مرجعية شرعية تحسم النزاع. وهو مفقود بالضرورة. فلجأوا لمراكمة شواهد لترجيح أحد الطرفين، فبدأوا بتأويل الآيات، وتنازعوا حول مصاديق آيات الفضائل، لكنها محدودة، لا تنفع على المدى البعيد، فلجأوا لروايات الفضائل، وهي أيضا قليلة وشاملة، فجميع الصحابة من الأولين السابقين، وثمة ما يؤكد شمولهم بروايات الفضائل، فبدأت مرحلة وضع الروايات، ونسبتها لرسول الله، فكانت تتدفق. ثم جاءت مرحلة التنظير الكلامي، وراحت مقولاته تستميت في الدفاع عن عقائد الطائفة، والهجوم على خصومها. فالمذاهب تأسست على موقف سياسي، واضطرت إلى إعادة فهم الدين، وتشكيل منظومة دينية بخصائص مذهبية. أي أنها قامت في تشييد هيكلها الديني على فتات البنية الحقيقية للدين. فالدين أصبح نسخة مذهبية طائفية، بمعنى أن الطائفية (ليس بمعناها السلبي بالضرورة)، صارت مقومّا أساسا للدين بنسخته الجديدة، فيعود الدين نسخه أخرى عند انتزاعها. أي أن كل مذهب يختزل الدين به، ويحتكر الحقيقية وسبل النجاة، ويحرم الآخر منهما.

الدين بحد ذاته لا يقبل التشظي والاختزال والاحتكار. له حقيقة واحدة، تتعدد طرقها بتعدد أنفاس الخلائق. فالحقيقة الكبرى/ مبدأ الوجود / العلة الأولى / الخالق / الله / منفتح على جميع خلقه، قريب منهم، يتعهدهم برحمته وعطفه، وهذا شعور كل من يعيش ومضة الإيمان الخالص، بعيدا عن تشظيات الخطاب الطائفي، الذي يسلبهم كل أمل بعيدا عن رؤيته. وقد لا تجد قلباً يخلو من إله، يعبده بخشوع، يلجأ له في شدائده، ويأمل في عفوه لحظة الضَعف. وهذا مرفوض مذهبيا، فالحقيقة بالنسبة لهم واحدة، لا يدل عليها سوى طريق واحد. ولا نجاة لأحد سواهم. لقد قام علم الكلام الإسلامي باعادة تشكل العقل المسلم وفقا لمقولاته التي هي تجليات طائفية بامتياز. فتأسس الدين تأسيسا طائفيا - سياسيا، شعر المسلم بهذا أم لم يشعر. لكنها الحقيقة، فكل المنجزات المعرفية للمسلمين هي تجلٍ للصراع السياسي. ففكر المذاهب والفرق احتضن الصراع الأول وأسس عليه معارفه، فجاءت منجزاتهم دعما ودفاعا عن شرعية أحد طرفيه. وأمامكم كتب العقائد، والمدونات الفقهيه، وتفسيرات المذاهب لمعنى المؤمن، وشروط الإيمان، وشروط قبول العمل الصالح ودخول الجنة، والمذاهب التي تنفي إيمان المذاهب الآخرى صراحة .

خطاب التنافي

إن منطق الفرقة الناجية لا يسمح بأية تسويات عقيدية مذهبية، بل ذات الشعار يكرسها، وما تسمعه عن التسامح الديني، والتعددية الدينية، ما هي سوى شعارات مخادعة تخفي حقيقتها، وتتستر عما يريده الخطاب الطائفي حقيقة، باعتباره رسالة يريد إقناع المتلقي بها، وأداة لاقتحام خصمه الديني أو الطائفي. إن كل ما كتبته عن التسامح الديني، وتقسيمه إلى تسامح حقيقي وشكلي، وما كتبته عن التعددية الدينية ومشروعيتها، هنا وفي مختلف كتبي ، كنت بصدد خطاب جديد، ينتمي لذات الدين، بعيدا عن تمذهب الخطاب وطائفيته، كي يكون فهما للدين وفق حاجاتنا الزمانية والمكانية، لا وفق ضرورات المذاهب والفِرق الإسلامية. فلا معنى للحديث عن تسامح ديني وتعددية دينية من داخل الفضاء الطائفي، بل ويتنافى معه، فكيف نطلب من المذهب الديني القائم على شخصنة الدين، أن يحمل بذور فنائه؟. الخطاب الطائفي يرفض التسامح الحقيقي، ويطمح في تسامح شكلي لا يغامر معه بأية واحدة من امتيازاته الدينية في احتكار الحقيقة، وحصر النجاة به.

إن خطابات الوحدة والتسامح التي ترددها المذاهب، لا تمت للحقيقة بصلة، سوى شعارات ماكره، مخادعة، تحمل طابعها السياسي، وتضمر ما ينفي التسامح. بل أن خطاب التسامح والوحدة الإسلامية يكرّس التفوق، والخصوصية، ويرفض بطبيعته التسويات المذهبية والدينية. إن التسامح وفق المنطق الديني قبل تمذهبه ممكن، لوجود خياارت تساعد عليه، عندما لا تنتفي حقيقته بانتزاع بعض خصوصياته. فيكون خطاب التسامح والتعدد صادقا، ليس فيه مواربة. فعندما يدعو القرآن خصومه للتسامح في دائرة عبادة الله دون غيره، سوف لن يخسر حقيقته بتجريده من باقي خصوصياته، لأن التوحيد هدف حقيقي للدين: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، فيكون التسامح بموجب الآية تسامحا حقيقيا وليس شكليا، لأنه اعتراف حقيقي بالآخر / الخصم / أهل الكتاب. بل أن نفس الآية هي اعتراف به. فعندما تخاطب شخصا، وتعلن كامل استعدادك للتنازل عن بعض خصوصياتك، من أجل هدف مشترك أكبر، يصدق أنه اعتراف حقيقي. وهذا مستحيل في الخطاب الطائفي، لأنه قائم على نفي الآخر، ونبذه، وحرمانه من النجاة والفوز يوم المعاد. فكيف يعترف به، ووجوده قائم على نفيه. كل المذاهب الإسلامية فرضت وجودها من خلال نبذ الآخر، ولم تتضح معالمها الحقيقية إلا بإقصائه وتكفيره. العلاقات المذهبية قائمة على تأكيد وتقديس الذات ونفي الآخر. فليس هناك معنى للتسامح الحقيقي سوى نفي الذات. فتكون الخيارات أنطلوجية، تضعك بين الوجود والعدم. وهذا يستثنى المذاهب العلمية التي تأسست على فهم آخر وقراءات مغايره للنص الديني. والمقصود به خصوص المذاهب التي تأسست على موقف سياسي مسبق، فصار قوامها التحيز في فهم النص، وتفسيره وتأويله. فجميع التفاسير تاريخية منحازة بشكل مباشر أو غير مباشر لرؤية سياسية ما. بل وحتى كتب اللغة تمنح بعض الكلمات والمفاهيم معانٍ مذهبية وطائفية، كتفسير معنى الخمس، أهل البيت، وكغيرهما من المفردات القرآنية. 

الخطاب والآخر

الخطاب الطائفي خطاب معبأ ضد الآخر، وحقوقه الدينية، فيشكّل خطرا حقيقيا على مبادئ الدين، وقيم الإنسانية. لكن للأسف أن الاتجاهات الطائفية الدوغمائية صارت أكثر عنت وخطورة على المجتمع، خاصة مع تسلق دعاة التكفير والتطرف لوسائل الاتصال الحديث، وتربعهم على منبر الوعظ والإرشاد الديني، وحجم الدعم المادي.

الخطاب الطائفي قائم على نفي الآخر، بل ونفي الدين، حينما يحتكر الحقيقة، ويمارس العنف والإرهاب ضده، ويعتبر نفسه، شاخصا على الحق والحقيقة، متناسيا دور النص والخطاب في وجودها. فيلغي أكثر من أربعة عشر قرناً من التنظير العقائدي، ويتصور أن ما يؤمن به يعكس تمام الحقيقة. لقد استغل الخطاب الطائفي إمكانيات الإعلام الحديث لتكريس التعصب والغلو والكراهية والحقد وروح التشظي.

لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الطائفي والمذهبي من بعض الجهات. كلاهما خطاب نفي، قائم على رفض الآخر وحرمانه، مهما كانت ضآلة النفي وتجلياته. بل النفي هو مقتضي التفاوت الدلالي بين خطابين. ويُقصد بالنفي الأعم من الإلغاء. غير أن الفارق بين الخطاب الديني الحقيقي، والخطاب الطائفي، أن النفي يمثل تمام حقيقة الثاني، ويمثل معالم وجوده، فهو لا يُعرف إلا به، وهذا سر رفضه للتسامح الحقيقي، لأن في تبنيه نفي للذات واعتراف بالآخر، لأنها قائمة على نفي، والاعتراف به نفي لها بالضرورة. فخطاب التسامح الذي تتبناه الفٍرق والمذاهب الدينية هو تسامح شكلي، يؤكد الذات وينفي الآخر. لكنه يتسامح معه منّة وتكرما، من أجل عيش مشترك، وحياة يسودها السلم والأمان. بينما يستطيع الخطاب الديني تبني التسامح الحقيقي بجدارة. لأن الخصوصية لا تمثل تمام حقيقة الدين، بل له حقيقة أخرى يمكنه التفاوض حولها، وقبول الآخر في ضوئها. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) . وهذا تسامح ديني حقيقي، وليس تسامحا شكليا، فثمة قواسم تسمح للدين الحقيقي بالتسامح الحقيقي.

اتضح مما تقدم لا معنى للتسامح الحقيقي بين الفِرق والمذاهب الدينية، فعندما يقرر الشيعي التسامح حقيقة مع السني، هل سيتنازل عن مبدأ الإمامة التي هي تمام حقيقة التشيع؟ وعندما يقرر السني التسامح مع الشيعي هل ينفي شرعية الخلفاء، ومنطق السلطة الذي يمثل تمام حقيقته؟ فالتسامح الحقيقي غير متصور بين مختلف المذاهب الدينية. فإذا كان النفي أساس قيام الذات، فإن الخصوصية تمثل تمام حقيقتها. والخصوصية هنا ليست مطابقة الواقع ونفس الأمر، بل ما يتصوره المذهب عن نفسه. ولا يخفى الفرق بين حقيقة الشيء خارجا، وتصوره في الذهن. فالمذاهب الدينية قاطبة تعيش أوهام الحقيقة، وما الحقيقة سوى ما يتصوره الإنسان عن نفسه وعن الآخر في ذهنه، وفقا لخلفيته وقبلياته.

الخطاب الطائفي لا يؤمن بالتسويات، ويرفض التسامح مع الآخر حقيقة. وخطابات الوحدة والتسامح، من أشد الخطابات تمسكا بالطائفية والاختلاف. فهي خطابات سياسية، تريد انتزاع اعتراف حقيقي بها، وتأكيد خصوصيتها ونديتها، وعدم اعترافها بالآخر علناً.

دأبت إيران منذ سنة 1982م على إقامة إسبوع الوحدة، من 12 ربيع الأول، تاريخ ولادة الرسول وفقا لتقويم المذهب الرسمي، إلى يوم 17 من نفس الشهر، تاريخ ميلاد النبي وفقا لتقويم المذهب الشيعي، تتخلله لقاءات ونشطات وحدوية، أهمها مؤتمر الوحدة الإسلامية، حيث يتناوب فيها رجال السياسة والدين من مختلف المذاهب المؤيدين للثورة الإيرانية على منصة الخطابة، يشيدون بالوحدة الإسلامية ويؤكدون ضرورتها والتزامهم بها. وأسبوع الوحدة مقترح آية الله الشيخ حسين علي منتظري، وكانت كلمته مسموعة، واسمه يتردد في أروقة السياسة وشعارات المتظاهرين وصلوات الجمعة، حينها كان نائبا للخميني قبل أن يتمرد عليه ويعلن براءته من سلوك قوى الأمن والقضاء، حيث اكتظت السجون بالخصوم السياسيين، فبات الخصم مفهوما فضفاضا ينطبق على جميع مظاهر التمرد السياسي ولو بكلمة انزعاج من الوضع. وكان رد فعل السلطة السياسية والدينية المتمثلة بالخميني جردت المنتظري من كل امتيازاته، وفرضت عليه إقامة جبرية، لم تنجح في زعزعة مواقفة، وبقي يلاحق سلوك رجال الدولة وتصرفاتهم، وهو المنظّر الأول لولاية الفقيه المطلقة. وقد تراجع عنها خلال فترة الحصار. وقال قولته: ولاية الفقيه المطلقة نحن صنعناها، والآن نتراجع عنها.

ومؤتمر الوحدة نموذج حي لخطاب الوحدة والتسامح الديني، يمكن دراسته نقديا للتعرف على حقيقته، ومدى وفائه لمبادئه: إن الإعلان عن المؤتمر، يعتبر بحد ذاته اعترافا صريحا بالانقسام. وإقامته تكريس للخصوصية والمذهبية. فتوقيت المؤتمر ينبغي دراسته ضمن ظروفه، حيث تعرضت إيران لحصار سياسي، اقتصادي، إعلامي خلال حربها مع العراق، فحققت من خلال المؤتمر أهدافا سياسية ودينية، حيث استطاعت فك الحصار الشعبي عنها، بعد أن يئست من فك الحصار السياسي والإعلامي والدبلوماسي. فكل من حضر المؤتمر عاد بانطباع إيجابي، وتحول بشكل وآخر منبرا إعلاميا للدفاع عن الثورة الإيرانية.

كذلك استطاعت إيران أن تنتزع اعترافا بالمذهب الشيعي، عندما وافق بعض علماء المذاهب الأخرى المشاركة بالمؤتمر. فانقلب موقفهم من التشيع، من خصم مذهبي - سياسي، إلى ند مذهبي وديني حقيقي، فرض نفسه من خلال المؤتمر.

ما يهمنا أن خطاب التسامح، ينفي التسامح الحقيقي ويرفض الاعتراف بالآخر، وخطاب الوحدة ضد الوحدة، حينما يتشبث بالانقسام والتشظي. الوحدة الحقيقية شعور عملي واعتراف صادق بالآخر كشريك بالحقيقة. وهذا لا يحتاج إلى مؤتمرات، ولا شعارات وحدوية، ولا تبني إعلامي للتسامح وقيمه ومبادئه، بل يحتاج إلى مشاعر مخلصة. وهذا منتفٍ، لأن شرعية كل مذهب قائمة على خصوصيته، التي تقتضي نفي الآخر، واحتكار الحقيقية. ولا وحدة بين المذاهب الإسلامية ما لم يعد كل مذهب تشكيل مرجعيته الفكرية بعيدا عن الخصوصية وخطاب النفي، ويعيد تشكيل وعيه وفق أسس دينية وقيم إنسانية. ومهما تباعدت المذاهب، لكن الإنتماء للدين يوحدها. ويمكن لها أن تتوحد داخل إطار ديني شريطة التنازل عن خصوصياتها أو بعضها، وما الخصوصية كما تقدم سوى أوهام الحقيقة. وهذا يتوقف على مدى مبدئيتها، وصدقيتها في التعامل مع الخالق وتبني مبادئ وقيم الدين. والمدهش أن المذاهب تعي هذه الحقيقة، ولا تخفى عليها، فقدمت فهما للدين، يكرّس خصوصيتها.

إن الثقافة الفارسية كغيرها من الثقافات الطائفية قائمة على رفض الآخر، ونبذه وتكفيره، فكيف تدعو لوحدة حقيقية قبل أن تقوم بمراجعة حقيقية لتراثها، وثقافتها. ففي نفس أسبوع الوحدة تقام احتفالات دينية - شعبية واسعة تدين الآخر، بدءا من الخلفاء. ولا يتخلى الإيراني عن منطق اللعن، وهو يؤدي طقوس ما يعرف بزيارة عاشوراء، التي يمثل اللعن مئة مرة للخلفاء، لأول والثاني والثالث ومعاوية الرابع ثم يزيد خامسا، جزءا مقوما لها. ورغم تعدد المذاهب الإسلامية إلا أن الدستور الإيراني نص على المذهب الشيعي الجعفري الأثني عشري مذهبا رسميا للبلاد؟ وهذا شاهد دستوري يدين إيران في دعواتها الوحدوية باسم الدين الإسلامي، ويمكنها أن تدعو لوحده سياسية. والمكتبة الفارسية كغيرها تكرّس الكتاب الطائفي بكثافة عالية.

وبالتالي: الخطاب الطائفي، خطاب إقصائي، ماكر، مخادع، ينبذ الآخر ويتستر بشعار التسامح. يضطهده ويدعوه للوحدة والتقارب. فلم يشهد التاريخ انحلال دين أو مذهب بآخر. مما يؤكد أن الخلافات الدينية خلافات وجودية. أي يتوقف عليها وجود الدين والمذهب، فالتنازل والتسويات تعني نفي الذات. وهو مرفوض أساسا من قبل الجميع.

نعود للروايات الموضوعة: لا يكتب للدين والمذاهب الدينية البقاء ما لم تمتلك مقومات فكرية وعقيدية، عابرة للزمان والمكان، إما ذاتيا، أو من خلال قابليتها لتجديد أصولها وخطابها. فممارسة السياسة تساعد على انتشار الدين والمذاهب الدينية. والقاعدة الفكرية والعقيدية، تضمن لها مقاومة التحديات. ولما كان النص والروايات الدينية والتاريخية تمثل الرافد الرئيس للفكر الديني عموما، لذا تلعب الروايات الموضوعة دورا كبيرا في تلبية ضرورات عقائد الفرق والمذاهب، أما تأسيسا، أو تأويلا وشرحا وتأويلا. ولعل أسس الفكر العقيدي الطائفي قائم على نصوص موضوعة تمت صياغتها بشكل يخدم التوجهات المذهبية والطائفية. الخطاب الطائفي يستظل بالنص، ويتبنى رسالته. وهنا يكمن خطر الوضع الذي يفرض علينا تأسيس منهج نقدي لدراسات النصوص الدينية والتاريخية.

ثمة حقيقة، لا يمكن التوفر على فهم صحيح للدين ونصوص الكتاب الكريم، من زاوية نظر طائفية، تحد من مرونته، وقدرته على الاستجابة لمتطلبات الحياة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الطائفية السياسية مثل السياسة الطائفية.
نحن لا نلعب بترتيب الكلمات و لكن ننوه بأولويات في ترتيب الأفكار و عليها يبني الفرقاء كل لعبتهم السياسية.
فالبعثي لديه ترتيب يختلف عن الناصري فيما يتعلق بأولوية الوحدة و الاشتراكية.
إنه ترتيب لكلمات لا تجد في الحقيقة رصيدها الشعبي.
و من المؤسف أأن نرى الوحدة الاعربية تموت و يحل مكانها الوحدة الإسلامية (برعاية مباشرة من داعش) و هكذا تحولتالحدود و الخطوط الحمر ممن الولاء للشرق و الغرب إلى الولاء لطائفة أو مذهب.
و تشتت المذاهب و الطوائف رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط و هذه الحروب الدموية هي من جرائها.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التحليلي الرائع المتعلق بالنص و خطاب النفي و شكراً الى الاخ المعلق صالح الرزوق.

كل الامور التي وردت في هذا المقال صحيحة 100%. كل هؤلاء المتحزمين بحزام الطائفية سواء كانوا من السنة ام من الشيعة هم طائفيين ؛ و لكن ينفون انهم طائفيين؛ فهؤلاء اكبر كذّابين و منافقين . كل مرجعيات الدين و ممثليهم و ابواقهم طائفية و منافقة و كذّابة .

رجل الدين الذي يتلكم بفحوى الدين الاسلامي المتمثلة في كتاب الله و قيمه الانسانية بعيداً عن التحزب الطائفي؛ و يبصق على الطائفية و الطائفيين هو هذا الانسان المسلم الصحيح الذي يستطيع ان ينشر قيم السماء التي ارادها الله تعالى في كتابه العزيز.

ان الدين الاسلامي لا توجد به مذاهب اسلامية اطلاقاً و هو ليس دين وراثي ابداً. انه دين واحد شعاره "لا الاه الاّ الله محمد رسول الله".

هؤلاء الطائفيين الذين يدعّون انهم رجال دين؛ جردوا الدين الاسلامي من محتواه و من كل قيمه الدينية و الانسانية التي ارادها الله و حوروه لخدمة مصالحهم و اجنداتهم الطائفية الخاصة بعيداً كل البعد عن الدين؛ في مجتمعات جاهلة لا تميز بين الجرادة و الارنب. يدعّون انهم ممثلي الله في الارض؟؟؟.

لقد اغلقوا عقول الناس و حولوهم الى قطيع من الماشية يوجهونهم حسب ما يريدون.
لذلك اوجدوا مرجعيات للتقليد لكي نأخذ منها التعليمات النازلة لها من السماء و كذلك نأخذ منها سمات الغفران لكي ندخل الجنة؟؟.

الدين اصبح في نظر الكثير من الناس و بالاخص الغربيين انه دين ليس سماوي لان سمة القتل و الجهل و الخرافات طغت على انسانيته و قيمه. بعض الغربيين يقولون ان الدين الاسلامي دين سياسي هدفه الحكم لا غير.

هنالك اجندة موضوعة للمنطقة و مجيء الاحزاب الاسلامية الطائفية و مباركتهم من قبل الدوائر الصهونية هو الطامة الكبرى. ان هؤلاء ادوات التنفيذ لهذه المخططات الشريرة.

لذلك نرى ان وتيرة و سعير الطائفية ازداد حالياً مئات المرات عما كان عليه سابقاً؛ وزور كل شيء في التاريخ الاسلامي العتيد!!!! لصالح هذه الاجندات. انها حرب بالوكالة.

دول الخليج العفة و مرجعياتها الدينية التافهة دمرت كل الدول الاسلامية و العربية (افغانستان و العراق و سوريا و ليبيا و مصر و اليمن ---الخ) بتآمرهم و تنفيذ هذه المخططات الشريرة.

و ايران اخذت تتمدد لنشر سمومها الطائفية بأسم المذهب و حب ال البيت!!!. و قسمونا الى "محبي آل البيت و كارهي آال البيت"!!! ؛ علماً انني لم ارى في حياتي انساناً سواء عراقي او غير عراقي مسلم او مسيحي او يزيدي او ملحد يكره آلبيت مطلقاً. انه نفاق سياسي مدمّر مغلف بأسم الدين له اهدافه الخاصة تسوقه الابواق المأجورة المتخفية خلف الدين و المذهب. و اصبحنا كذلك بين ليلة و ضحاها "نواصب و روافض بعد ان كنّا شعباً متآخي على مر العصور ""؟؟. يا له من زمن رديء و تافه.
و احب ان اؤكد على نقطة مهمة جداً من خلال ملاحظاتي ان هنالك برنامج خفي معد لتدمير الشعب العراقي و تشجيع الجهل و الخرافات من قبل رجال الدين.

و اصبح لدينا الولاء للمذهب قبل الولاء للوطن و الدين . و هكذا سنبقى ندور في هذا الفلك الى يوم القيامة؛ الاّ ان تحدث لدينا معجزة.!!

للاسف الشديد نلاحظ الاصفافات الطائفية حنى من قبل الكتاب الذين يدعوّن انهم كتاب مثقفين و مهنيين. ان الدولار الاخضر له مفعوله في هذا الزمن الرديء.
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

‏والله إني استغرب كثيرا كيف لا يفتح المجال على الفضائيات لأمثال ماجد الغرباوي ويكفيه فخرا ان يذكر اسمه من دون ألقاب ليكون علامة دالة على فكره الراقي....! ‏فما زلت اتتبع مقالاته بشغف كبير وما تزيدني الا اعجابا بفكره.....! فيرسم ‏بذلك صورة مشرقة عن الإسلام بعد أن شوهتها تلك الأصوات النكرة التي تنعق بما لايسمع من القول.

This comment was minimized by the moderator on the site

تسلم اخي العزيز وشكرا لحسن ظنك فرحت برضاك على ما اكتب، وارجو ان اكون عند حسن ظنكم جميعا ودائما تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4125 المصادف: 2017-12-21 08:36:11