المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (53): النص وخطاب الغلو

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق8- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

اتجاه لغلو

ماجد الغرباوي: في مقابل الاتجاه الثوري، والاتجاه الفكري – الفقهي أو التنظيري الذي تقدم الحديث عنهما، ثمة خطاب ثالث ضمن تيارات المعارضة السياسية الثلاثة، يحمل خصائص مختلفة. يلتقي مع الاتجاه الثاني في بعض الرؤى والمعتقدات، ويشق طريقه بعيدا عن الواقع والمنطق والعقل. والدوافع التي بلورت الاتجاه  الثاني هي ذات الدوافع وراء منطق الغلو لكنها أكثر تطرفا، أي الاشتراك معه في بلورة رؤية فكرية – عقيدية لتأكيد الذات ونفي الآخر. والمقصود هنا نفي شرعية السلطة، الذي قام التيار الثاني المعارض بجدارة بنقل الصراع حول السلطة إلى صراع حول شرعيتها، عندما عمد التنظير الشيعي للإمامة الدينية، واعتبر الإمامة السياسية امتدادها لها، فالأولى لا تسقط بسقوط الثانية، ولا شرعية للثانية بعيدا عن الأولى، بل هي امتدادها، وإحدى وظائفها. ثم جعل الدليل على الإمامة الدينية دليلا نصياً – عقلياً. وجعل الولاية مقوم ذاتي للإمامة الدينية، لذا امتد عصر التشريع لدى الشيعة حتى نهاية الغيبة الصغرى. أما تيار الغلو الشيعي فقد نظر للإمامة بمنهج أخر، عندما طوّر مفهوم الولاية، من ولاية سياسية، ثم دينية وأخيرا تكوينية كما سيأتي الحديث عنها.

واتجاه الغلو بجميع أقسامه، هو بؤرة الروايات الموضوعة، ونصوصه أحق بالنقد والمراجعة لكشف المتواري والمستبعد من أنساقه المضمرة. والتعرف على طريقة النص في أدائه، وخلق حقيقته، خاصة الروايات المحتملة والموضوعة التي تختلف عن الرواية الصحيحة في قدرتها على الاستجابة والرفض لشروط الواقع. النص الصحيح يفرض شروطه على المتلقي بفعل سلطته وتعاليه، حينما يتنزّل من الأعلى إلى الأدنى. أي أن مفاد النص لا يقرره الواقع، رغم أخذه بنظر الاعتبار. فيأتي ليقرر ويحكم ويفرض محدداته. ومثاله الآيات التي تبدأ بـ"ويسألونك .."، فإنها تأتي لبيان حكم في ضوء الواقع، دون الخضوع له. فتارة تفرض الضرورة نصاً لا ينسجم مع إرادة المتلقي، كما في آية: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ". فحكم الآية جاء على خلاف إرادة الناس ورغباتهم. بينما الرواية الموضوعة تنبثق من الواقع، لتلبي حاجاته، وضروراته السياسية أو الدينية أو المذهبية والطائفية. فالواقع هو الذي يفرض مؤدى النص ومضمونه. مثال ذلك روايات الغلو حينما تؤسطر الرموز الدينية. فتبادر الروايات الموضوعة للتنظير لها وفقا لتلك الحاجات، وبنفس آليات الرواية الصحيحة. لذا يحتاج التمييز بين الصحيح والموضوع من الروايات إلى خبرة تراثية كافية.

لا شك أن السياسة وصراع المذاهب والأديان حول احتكار الحقيقة أسباب رئيسية وراء الغلو، فلا يقتصر على المعارضة السياسية والخصم المذهبي. بل قد تكون المغالاة دفاعا عن السلطة أقوى، فضلا عن الدافع المذهبي والطائفي والديني. فثمة عوامل وراء تطور ظاهرة الغلو. خاصة عندما يتعلق به هدف مستقبلي، ويرتبط به الناس ارتباطا مصيريا. فليس سهلا نقد عقائد الغلاة مهما امتد الزمان، بعد أن رسخت في وجدانهم، وتعلقت بها آمالهم، ومصيرهم الأخروي بل وحتى الديني، والاجتماعي عندما ينجح الغلو في تعميق الانتماء. فينبغي نقد بنيته، وتفكيك أنساقه، وتحليل مقولاته، للتعرف على جذوره وامتدادته وتاثيراته على جميع المستويات. الغلو ليس مجرد نصوص بل رؤية مغايرة للكون والحياة والدين والمجتمع، وجهاز مفاهيمي، يتصف بقوة حضوره، وقدرته على تشكيل العقل وتزوير الوعي رغم بنيته الخرافية والسحرية، ومخالفة مفاهيمه للمنطق والعقل، ومبادئ وقيم الدين الحنيف.

وقد ابتلى أتباع الديانات السابقة بالغلو في دينهم وعقائدهم ورموزهم. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). فالغلو كما هو واضح من الآية ملازم للأديان، بل وأحيانا حاجة نفسية للإنسان حينما يصارع محن الحياة بخيباته، وبؤس طالعه، فيبحث عن أمل ولو كان وهماً، يضع حدا لاحباطاته، وتوالى إخفاقاته، وفشله في بلوغ سعادته. وليس كالدين شيء قادر على بعث الإطمئنان، ويكفل للمتعبين والمنبوذين والمحرومين استرداد حقوقهم، ومقايضة معاناتهم في حياة مثالية خالدة، ثمنها إيمان قلبي، وتوازن سلوكي يحفظ للمجتمع سلامته. فيأتي في هذا السياق تطوّر العقائد وأسطرة الرموز الدينية لتكون مشجبا لكل تلك الآمال. وهنا يكمن الخطر حينما يستمرئ الفرد الظلم والعدوان والفقر والاستكانة والاستبداد، ويحسبها فتنة إلهية، فيعاني صابرا، محتسبا، دون أن يعي أسباب محنته، بفعل الفهم الخاطئ لمفهوم الثواب والعقاب والصبر والتسليم، ولا يسعى للتخلص من واقعه. فيتحول الدين إلى أفيون كما قال الخالد ماركس. فالمجمتع في مهب الغلو حينما يخونه الوعي. أو حينما تفرضه مصالح دينية وسياسية تعمق حضوره عبر روايات مختلفة، وممارسات طقوسية ساذجة.

الغلو الديني في مجتمعاتنا متوارث، من خلال طقوسه وشعائره، لا يمكن الخلاص منه إلا بالنقد والوعي، وعدم الاستسلام لإغواءات النصوص، وغرائبيتها، وأسطوريتها، وما تتضمنه من خرافات  وأوهام. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ). فالآية تحذر من توارث الغلو، وتقليد الآباء. خاصة أن خطاب الغلو خطاب أيديولوجي قمعي، يتحصن وراء نصوصه وقدسية مرجعياته، التي تربك العقل ما لم يتداركه الوعي. كما أنه خطاب مؤثر في العقل الجمعي لقدرته على تعميق الانتماء، من خلال طقوسه، وبنيته الخرافيه، واستدلالاته القائمة على الوهم والخيال واللامعقول الديني. فخطورة الغلو لا تكمن فقط في تزوير الوعي، بل في تأسيسه لمرجعيات بديلة عن العقل، فيحل اللامعقول والأوهام والخرافة محل العقل والبرهان والاستدلال، حدا أن خطاب اللاعقل يدجن العقل ويفرض عليه التماهي معه، فتراه متخصصا في العلوم العقلية لكنه يتفاعل مع طقوس خرافية تفاعلا لا شعوريا ونفسيا يصل حد الغلو، وينشدّ لسماع الخرافات كجزء متمم لحاجة نفسية وروحية. هل أقول: إن اللامعقول حاجة نفسية أحيانا؟

لقد جنح المسلمون للغلو تحت ضغط الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية صريحة تحسم النزاع الأول عليها. فالغلو يأتي في سياق تنزيه الذات، ومراكمة الفضائل لترجيح كفة أحد الطرفين المتنازعين. وتأكيد احتكار الحقيقة، وسبيل النجاة في الآخرة، حيث بقيت الفِرق والمذاهب عالقة في لحظة النزاع التاريخي حتى نهاية القرن الرابع، بل وما زالت تفرض نفسها على العلاقات الاجتماعية والدينية والسياسية. فالغلو بخطابه ونصوصه، جزء لا يتجزأ من البنية الفكرية والعقيدية والأصولية لتراث المسلمين، يتطلب مزيدا من النقد والتوغل في أعماقه للتعرف على آليته في توظيف اللامعقول، وحجم التزوير والخداع والأوهام التي يسوقها كبديهيات. وتفكيك نهائياته وبنيته، وتحليل مقولاته ومفاهيمه. الغلو آفة الفكر والعقيدة، يتوقف على تفكيك خطابه إعادة تشكيل العقل والوعي الديني والاجتماعي والسياسي. فنقد خطابه يعني أنسنة الرموز الدينية والتاريخية، واكتشاف حقيقتها بعد نسف أسيجتها القدسية والأيديولويجية، لتحرير الوعي من سطوة مرجعياته الغرائبية، وإعادة تشكيله وفق مبادئ عقلية، وتأملات فلسفية – نقدية.

 

الغلو مفهوما

يراد بالغلو لغة المبالغة والخروج عن الحد. ويأتي أيضا بمعنى التعصب والتطرف والارتفاع. وقد لازم تاريخ الفِرق والمذاهب الدينية، فغالوا بأنبيائهم ورموزهم، حد التأليه، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

وهو في بعض معانيه: سلب بشرية الإنسان، ومنحه قدرات خارقة. ويمكن الاستعانة بآية (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) لفهم دلالات الغلو الديني. فالمفهوم هنا مطلق، يصدق على كل تطرف يجافي الحق، في تفاصيل الدين، عقيدة وشريعة. فأي تطرف عقيدي يعد غلوا، وكذا التطرف في التشريع الذي يأخذ بأشد الحالات احتياطا، خلافا لمفهوم السعة والرحمة التي هي أسس قرآنية متينة، ومن الآيات المحكمات: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

 وأيضا يشمل الغلو في الدين فتاوى الفقهاء وأحكامهم الشرعية التي تذهب بعيدا عن الحق، الذي يعني الاعتدال في فهم النص، وعدم الجمود على حرفيته مداراة لمصالح شخصية وسياسية ومذهبية. كالفتاوى التي دعمت السلطات الظالمة، ومنحتها حصانة شرعية، عندما حرّمت الخروج عليها، ووجوب طاعتها.

لا حصانة لتفاوى الفقهاء فهي وجهات نظر، واجتهادات شخصية، تجنح للمغالاة بحكم التفاوت الثقافي واختلاف الفهم الديني، ومقاصد وعقائد المجتهد، ومختلف الضرورات التي تتحكم باجتهاده. وهذا هو سر تحذير الآية من الغلو في الدين، الشامل لجميع تفصيلاته وسلوكيات المتدينين. فليس الغلو منحصرا بالعقائد دون التشريعات والإلزامات المتطرفة. لكن ثمة جهود سعت لحصره بها في سياق الصراع على السلطة، فيأتي رمي الآخر بالغلو لسلب شرعيته، كما هو سلوك السلطة مع الفِرق والمذاهب الشيعية، حتى غدا مصطلح الغلو منحصرا بهم. وهذا خطأ تاريخ ومفهومي انطلى على الجميع وتبناه متكلمو الشيعة أيضا كالشيخ المفيد.

الغلو هو مطلق التطرف، والغلو الديني شامل بإطلاقه لتفصيلات العقيدة والشريعة بما يشمل فتاوى الفقهاء وتطرفهم وتعصبهم الطائفي والمذهبي بل وحتى تطرفهم في الإفتاء وفقا لوجهات نظرهم. فهذا النوع من الفقهاء يبالغ في شخصيته ويغالي عندما يحتكر الحقيقة والفهم الخالص للدين وأحكامه التشريعية. فليست العقيدة السنية في تفصيلاتها بريئة من الغلو كما يعتقد بعض، بل للغلو تجلياته، بعضها مشترك بين الجميع، والآخر خاص بكل مذهب وعقيدة. الغلو السني، مهما اختلفت تجلياته، فهي ظاهرة لها أسبابها ودوافعها وغاياتها، وتبقى السياسة جذرها البعيد. كما أن لموقف المعارضة من السلطة، وجدلية شرعيتها دور مؤثر في خلق ظاهرة الغلو السني في مختلف اتجاهاتها، أي أن بعض التطرف السني ردود أفعال معاكسة. وبالتالي فثمة أسباب ودوافع مشتركة وراء ظاهرة الغلو بشكل عام، وهناك خصوصيات. ولا يوجد استثناء لدين أو مذهب أو فِرقة دون غيرها، فخطاب الغلو واحد، ببنيته وتطرفه، رغم اختلاف اتجاهاته ودوافعه. وعندما يلصق الغلو بمذهب دون آخر، فينبغي البحث عن أسباب حصره وتكريسه في جهة دون غيرها، مع عدم وجود مبررات مفهومية ولغوية.

قد تكون العقيدة السنية أكثر التصاقا بالتوحيد، ولم تنسب لأحد من الخلق أي صفة من صفات الخالقية، لكنها أيضا سقطت في التجسيم، وغالت به حد التكفير، وصورت الخالق وفقا للمتشابه من آيات الكتاب الكريم، خلافا لمنهجه في عرض المتشابه على المحكم، ومن المحكمات: أن الله "ليس كمثله شيء"، وأنه "شديد المحال"، و"لا تدركه الأبصار". كما تطرفت في حماية السلطان الجائر، ومنحته حصانة على حساب قيم الدين ومبادئه، وتطرفت في إقصاء المعارضة، وأباحت الدماء لقمعها. بل وتطرف السنة في المسائل الخلافية، وجعلوا القتل وسيلة شرعية لتأديب كل من خرج على سلطان الفتوى. فقننوا الحياة، وضبطوا حركات الإنسان، وقمعوا حرية الرأي والنقد والاعتراض. وكل هذا يصدق عليه مفهوم الغلو، فلماذا يحصر المصطلح بمذهب خاص دون غيره؟ حتى في حالات الإطلاق تجد البوصلة تؤشر على العقيدة الشيعية. ولا نريد تبرئة أحد وسيأتي الحديث عن حجم الغلو فيها، لكن السؤال عن سبب تنزيه الذات، رغم غلوها في قضايا لا تقل أهمية عن العقيدة، لصلتها بالدين وسلوك الإنسان؟. كما أن الفقيه شريك السياسي، كرس سلطاته الدينية لخدمته وشرعنة سلوكه وتصرفاته. كما أباح الفقيه دماء الناس من أجل السلطة وحماية السلطان. كل هذا خروج عن الحق الذي جعلته الآية المتقدمة مقياسا للغلو. فأي حق في سحق قيم الدين، وإقصاء مبادئه وأخلاقه عندما يصل الأمر للسلطة والتحكم بأمور المسلمين؟ وعليه، إذا كان الغلو يعني لغة التطرف والارتفاع، فإن معناه قرآنيا العدول عن الحق، الذي هو مطلق الاعتدال الديني. والاعتدال الديني واضح في مفهومه، في ضوء المحكم من الآيات، ومبادئ وقيم الدين. فظلم السلطة مثلا واضح مفهوما ومصداقا للناس جميعا، فلا يمكن للفقيه التوسل بالنص القرآني لتزكيته وتبريره شرعا، ولو بعناوين ثانوية، كالحفاظ على الأمن والسلم. بل أن الظلم ِأحد الأسباب الرئيسية وراء زعزعتهما. فحينما يسارع الفقيه لحماية السلطان الظالم ففتاواه غلو في الدين تشريعا. فالدين كما تقدم لا ينحصر بالعقيدة دون الشريعة، ومفهوم الغلو مطلق في الآية رغم وجود قرينة قد تبدوصارفة إلا أنها متقدمة، وآية الغلو كلام مستأنف، بل حتى مع اختصاص الغلو بالعقيدة، فإن تقمص السلطان لدور الإله في صلاحياته وسلطته هو شرك بمعنى من المعاني. فالفكر السني لا ينجو من الغلو، بمعناه الأوسع من الشرك، إذ أجد في حصره بالشرك الظاهر والخفي، تنزيه لغلو آخر. أو أن حصر مفهوم الغلو بالشرك، تبرئة لغيره من أنواع الغلو. أو دفع تهمة، فيكون إجراء احترازيا، للتخلص من تبعات المفهوم بمختلف معانيه.

إن المفاهيم والمصطلحات تلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، خاصة عندما يقوم المفهوم بخلق حقيقته، وفرض سلطته، فيتستر على شرعيته. الغلو هو التطرف في كل شيء، وبعض التطرف خارج حدود الشرك أخطر من الشرك، فربما مشرك مسالم، لا يستغل عقيدته، ولا يفرضها على غيره، ويحترم الآخرين، فلا يشكل أي خطر بشركه، فهو ألصق بقيم الدين والإنسانية من بعض الفِرق والمذاهب الدينية المتطرفة، التي تصّر على تنزيه الذات واحتكار الحقيقة، فترمي الآخر بالارتداد والكفر وتستبيح دمه ومقدراته وكرامته. من هنا أجد في حصر الغلو بالشرك، ومن ثم رمي معارضيهم بالشرك والتكفير، أسلوبا مداناَ، فحصر المفهوم إجراء متهم لا يمكن تبرئته، ما دامت هناك تجليات ومظاهر أخرى تترتب عليها تداعيات خطيرة. ومثال ذلك رمي التشيع بالغلو بسبب بعض الممارسات الطقوسية، وتبرئة غيرهم رغم حجم العنف في فتاواهم ومواقفهم من الآخر. فالمسألة جديرة بوقفه نقدية. بدءا من المفهوم. وهذا ما تبين أن صياغة المفهوم قد حققت شيئين في آنٍ واحد، فمن جهة رمت معارضي السنة وهم الشيعة غالبا بالغلو، والشرك والانحراف العقيدة، مما عكس صورة نمطية عنهم تجدها متداولة داخل الثقافية الدينية السنية على نطاق واسع. ومن جهة ثانية قام المفهوم بتبرئة مظاهر الغلو السني، وحماية مواقفهم وسلوكياتهم. فينبغي عودة المفهوم لسعته المفهومية الشاملة لما هو أبعد من الشرك، وهذا ما يساعد عليه المعنى اللغوي، ولا دليل على تخصيصه بالشرك، بل يكون أحد مصاديقه. أما حصره فهو مخطط لتنزيه الـ"أنا"، ورمي الآخر بالانحراف والظلال. وهنا تلعب السياسة والفقه السلطاني دورا خطيرا في اضطهاد المعارضة، وقمعها.

 

الغلو والنص

يمثل النص قوام الغلو وخطابه. وهو الأعم من الآية والرواية، فيشمل: أقوال العلماء، وأدلة إجماع الفقهاء أو إجماع الأمة. فالغلو بجميع أطيافه يرتكز للنص في نظريته، واحتكاره للحقيقة، وحرمان الآخر من سبل النجاة يوم المعاد. وجميع اتجاهات الغلو منخرطة في السلطة وإشكالياتها، بشكل وآخر. فالغلو الشيعي خلص إلى نظرية كاملة حول الإمامة والولاية، سلب بموجبها شرعية السلطة، كما سيأتي. فهو المقصود تحديدا في هذا البحث، ما دمنا بصدد دراسة تأثيرات النص على المعارضة السياسية عبر التاريخ الإسلامي، وتحديد حجم النصوص المزورة والموضوعة. وقد مر الحديث عن التيارين الأول والثاني، وسأتكلم عن بنية خطاب الغلو ومنهجه في التأسيس لنظرية مغايرة في الإمامة، يكون لازمها بالضرورة سلب  شرعية السلطة. ورغم وحدة هدف هذا التيار مع سابقه إلا أنه يفترق عنه بمنهجيته ومصادره ومبانيه العقيدية.

وأيضا بالنسبة للغلو السني، فإن ركيزته الأساس هي نصوص، أغلبها روايات لا دليل على صحة صدورها، فتبقى محتملة، وفتاوى وأحكام تنتمي للفقه السلطاني، والتطرف الفقهي المتمثل بالحنابلة والتيمية والوهابية. حيث غالوا في مفهوم التوحيد بشكل خرجوا به عن الحق الذي تحدثت به الآية. وهو غلو مقيت، وضع المسلمين على مسطرة الفتوى وأحكام الفقيه. فهو دائما بين خيارين، القتل أو الإلتزام بفتاواهم مهما كانت مخالفة لقيم الدين والأخلاق. حتى بات جواز القتل على قضايا تافهة صفحة لازمة لفتاوهام، فلا تسمع وأنت تقرأها حول سلوك الفرد سوى: "يستتاب وإلا يقتل". هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى، وهذه النفس التي حرم الله قتلها، تزهق بسبب وجهة نظر اجتهادية، لا يدل عليها أي دليل من كتاب الله وسنة نبيه. وبالتالي فإن تناول الغلو يقع ضمن اهتمامنا في نقد النص، خاصة مع تميزه بوضع الروايات وصياغتها بشكل يخدم الهدف وبنيته الغرائبية - الخرافية، المتطرفه في غلوها.

لكن من أين أتت شرعية وسلطة الفتاوى؟ وهل هناك أدلة شرعية صريحة دلت على حجيتها، ووجوب الالتزام بها؟

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (6)

  1. جصالح الرزوق

ارحب بهذه الاجابات الصريحة من الاستاذ تلغرباوي، فالمغالاة و الاسراف مثل التقتير و الجور، كلها مفاهيم خاصة بالحدود القصوى، و لم يكن في الدين الاسلامي اي تشجيع لأي سلوك مسرف الا الايمان،
و عموما لدينا شعائر سنية في كل شيء، و انا اضع الفكر السني في خانة التشدد للنص بحرفيته و اعدام العقل ووأده و دفنه، و هذه مشكلة حملها السنة عبر عصور من التقليد و التعنت و المكابرة و دون اي تشريع اجتماعي او سياسي معقول،
فالشيوعيون ايضا لديهم سنة، و كذلك الحداثة الامبريالية لديها سنة،
بمعنى ان هناك حداثة محافظة و كلاسيكية تمنع الابتكار مع انه فكرة و ليس صورة،
و الشيوعية تمنع انضباط الذات في المجموع و تتحول الى قوة لخنق اي مشاعر خاصة و متميزة لظرف استثنائي او لشرط خاص بالمكان و الزمان،
و حتى لا نبتعد عن الموضوع جدار السنة لم يقدر له النجاح في ثلاث محاولات تحررية انتهت للتشرذم و التفكك،
و هي بالتحديد في العراق و سوريا و مصر، حيث ان الاتجاهات الاسلامية غدر بها و خرجت من المعادلة دون اي مكسب لحفظ ماء الوجه او للمشاركة الصحيحة في المشهد السياسي،
و ترتب على ذلك حرمان البلاد من كتلة جماهيرية و حرمان هذه الكتلة من تحمل مسؤولياتها، و تسبب هذا الخلل بضغائن و احقاد لا تموت،
ربما لم تنضج هذه المنطقة للاستقرار و هي مرشحة للاضطرابات، و هذا يحضنا على مراجعة ايديولوجيا المساطر و التكفير و شكرا،

 

ذكرت ان التطرف والغلو لا يختص بجهة دون اخرى، اما المعنى اللغوي فعام، والمعنى القراني مطلق، وحصر المصطلح في مصداق واحد ياتي ضمن سبل العداء السياسي. شكرا لحضورك الاستاذ صالح الرزوق

 
  1. صالح الطائي

تحياتي لك أخي العزيز أبا حيدر
ودعواتي الحارة مع أمنيات ان تكتمل هذه الصور الرائعة لنجدها وقد ضمتها صفحات كتاب
أنا ألقيت قبل أسبوعين محاضرة عن (التطرف) تحدثت خلالها عن الغلو ذلك المصطلح الذي استخدمه القرآن نظيرا للتطرف والغريب أن رؤانا ألتقت في أكثر من مكان وكأننا درسنا الكتاب نفسه وخرجنا بالنتائج نفسها
بوركت ووفقك الله وشكرا لك
لا زلت أتابع بصمت

 

سعيد برضاك الاخ الاستاذ الباحث الجدير صالح الطائي. وسعيد لهذا التماهي الفكري والثقافي. اتمنى انتهاء الحوار اولا كي التفت لاصداره في كتاب. عدد من الاصدقاء اقترح ان يصدر مبوبا في عدة كتب. المهم احتاج الى وقت وجهد. شكرا لمرورك ومتابعتك ودمت بخير ابا ايمن العزيز

 

شكراً الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقات التنويرية الرائعة؛ و شكراً الى الدكتور صالح الرزوق و الدكتور صالح الطائي على تعليقهما. و احب ان اضيف التعليق التالي:

1- كل المذاهب الاسلامية التي انشأت بعد وفاة الرسول هي مذاهب سياسية و تجارية و غيرها من الاهداف الغامضة.

و هي آراء بشر مثلنا ؛ و هي تشبه حالة عندما نقرأ كتباً متعددة مؤلفة تحاول تفسير ظاهرة معينة حيث نجدها تختلف في آراء مؤلفيها من كتاب الى آخر في تناول هذه الظاهرة و هذا شيء طبيعي جداً و مقبول. و قد تكون قسم من هذه الكتب بعيدة كل البعد عن واقع الظاهرة؛ او قسم منها و قد تكون كلها بعيدة عن تفسير هذه الظاهرة.

و لكن آراء مؤلفي المذاهب الاسلامية هي قوالب جاهزة فرضت على المسلمين فرضاً و اصبحت نصوص مقدسة لا يمكن المساس بها ابداً و الذي يتعرض لها يوصف بمختلف الاوصاف البذيئة من قبل اتباعها و مروجيها. و هنالك امور تتصف بها هذه المذاهب و هي:

1- الشيء الذي يجمع هذه المذاهب جميعها هي انها اسست لتهاجم بعضها البعض و تسقيطه دينياً و سياسياً. و كذلك تهاجم كل انسان لا يتفق مع فقهها حتى لو كان من طائفتها.

2- الشيء الثاني و المهم هي انها حورت تفسير آيات القرآن و تأويله لخدمة اغراضها الخاصة.

3- و قسم آخر من هذه المذاهب تعتمد على روايات بالية ليس لها اسس في القرآن الكريم اطلاقاً.

4- ان ابواقها تغلو في طرح امور المذاهب الفقهية و كأنها رسائل من السماء تصل الى رجالاتها. و هي سبب الدمار و الشحن الطائفي ؛ لان مجتمعاتنا مجتمعات جاهلة تمتاز بالسذاجة و سهولة الانقياد و عدم الادراك.

5- لو نظرنا الى رجال الدين لرأينا اغلبهم من الفاشلين في المدراس و اصبحوا في ليلة و ضحاها اسياداً للقوم.
و ان جميع رجال المذاهب لا يؤمنون بالتطور و نظرتهم للحياة نظرة سوداوية ؛ و ليس لديهم نظرة ثاقبة عن حياتنا في الوقت الحاضر و كذلك في المستقبل و لذلك نراهم يغوصون في كهوف الزمن السحيق المظلم. . و لا يهمهم تهديم اوطانهم و تشريد الناس الامنين و ذلك بعمالتهم للاجنبي و تنفيذ مخططاته.
و ان اغلبهم لا يفهم مغزى القرآن الكريم و رسالته السماوية.
المذاهب الشيعية التي تؤمن بالامامة و المهدي المنتظر و المعصومين لم تقدم لنا نظرية دينية/سياسية علمية مبنية على رؤى القرآن الكريم. و ان كل الامور التي نظرّت لها هي آراء شخصية اجتهادية بعيدة عن الواقع و تتناقض مع القرآن الكريمً. و السؤال الذي يطرح نفسه:
هل ان الله اراد ان يؤسس لعائلة مقدسة ضمن بني هاشم تقود العالم؟؟؟. و هذا المنطق يتعارض كلياً مع مفهوم القرآن الكريم – الدين للعالم اجمعين؛ و اكرمكم عند الله اتقاكم!!!.
و اذا قبلنا بهذا الافتراض ؛ من هي سلالة الرسول التي لها الاحقية في قيادة المسلمين؟؟؟:
هل هي مرجعية خامنئي؛ او السيستاني؛ او ملك الاردن او ملك المغرب او عمار الحكيم او مقتدى الصدر----الخ؟؟؟.

و اذا كانت هنالك نظرية واحدة للشيعة ؛ كان الاولى ان يتبع كل الشيعة مرجعية السيستاني؟؟. لماذا منقسمة بين السيستاني و خامنئي و غيرها من المرجعيات؟؟؟؟. اليست هذه مرجعيات سياسية؟؟؟
و اين هو السيد السيستاني لا صورة و لا خبر؟؟؟؟.
و لماذا لا يحرم التطبير و اللطم كما حرمها الخميني؟؟؟.
فقط نرى ممثليه المقاولين الكربلائي و الصافي؟؟.

امّا الوهابية و وعاظ السلاطين فهؤلاء اعراب متخلفين؛ انهم يؤمنون بقتل الرأي المخالف و يخدمون الاجندات الاجنبية التي ترسل الى ولي امرهم لكي ينفذها في تفتيت المنطقة و تدمير الناس الامنين. و هم مسؤلين عن كل الدمار الذي حل بنا.
قبل فترة سألوا الشيخ مفتى السعودية عن رأيه بغزوة تراب الى السعودية التي حصل فيها على 450 مليار دولار؛ فقال نحن "نطيع ولاة امرنا كما جاء في القرآن الكريم"؟؟؟.

امّا القرضاوي و من لف لفيفه من ما يسمى علماء المسلمين؛ فهؤلاء هم الذين مع فقهاء السعودية هم من افتوا بتدمير ليبيا و سوريا و العراق؟؟؟. القرضاوي يسمى "مفتي الناتو".
امّا امام الازهر فيسألوه ما هو رأيه بالدواعش؟؟. فيقول انهم مجرمين و لا يحق لنا "بتكفيرهم" لانهم نطقوا بالشهادتين؟؟. يا له من جواب ساذج.؟ هذا يعني ان الانسان عندما ينطق بالشهادتين من حقه ان يقتل و يدمر ما يشاء؟؟؟.
و من الظلم اطلاق كلمة علماء على رجال الدين لان هم سبب تخلفنا و دمار اوطاننا.
الحديث طويل و مؤلم و اكتفي بهذا القدر. و شكراً
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

شكرا للدكتور ثائر عبد الكريم. احترم جدا هذه المشاعر التي تنم عن وعي غير ان الفكر الديني والعقيدة الدينية تحتاج الى دقة ورعاية في نقدها ومراجعتها. لا تتصور ان بناء النظريات الدينية سهل، بل هي جهود جبارة، عندما تدخل في تفاصيلها تغرق. اقرا بعض الاشكالات على مواقع التواصل الاجتماعي، للاسف لا تنم عن دراية وخبرة. وبعضها ترديد لشبهات مقصودة.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4163 المصادف: 2018-01-28 04:58:19