المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (58): النص وشرعية سلطة الخلفاء

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق13- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص وشرعية السلطة

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب ودوافع وراء تدفق النصوص والروايات، خلال القرون الأربعة الأولى، تقع على رأسها إشكالية شرعية السلطة. فالدولة رغم سيادتها كانت تعاني أزمة شرعية، تفاقمت في ظل سياسة الظلم والاستعباد واضطهاد المعارضة التي مارستها الدولتان الأموية والعباسية. وكان العنف أداتهما في استتباب الأمن وفرض سلطة الخليفة، وشرعية حكومته. فهذا عبد الملك بن مروان يعرض سياسته عند تولي الأمر فيقول: (أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأمون، ألّا إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلّا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم،... ألا أن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل أحد فعله إلّا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه). وهكذا مارس الاستبداد سطوته، بمباركة فقهاء السلطان، حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على آوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة. فابن كثير، مثلاً، أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك: إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) . فأصّل فقهاء السلطة للاستبداد وقمع المعارضة وحرمة الخروج على الخليفة مهما كان فاسقا، ظالما، منحرفا، من خلال مجموعة نصوص واجتهادات متحيزة مهما تقاطعت مع قيم الدين ومبادئه. بل مهما تقاطعت مع القيم الإنسانية. من هنا انبثقت إشكالية شرعية السلطة. فمن أين اكتسب الخليفة شرعيته؟ وما هو دور النص فيها؟. وهذا ما يهمنا، حيث ترتفع احتمالات وضع النصوص طرديا مع اشتداد الحاجة لشرعية السلطة. فالشك وفقا لهذه المعادلة سيمهّد لنقدها، وتفكيك أنساقها. والعكس حينما تنتفي الحاجة لها، تهبط احتمالات الوضع. فشرعية السلطة ظلت هاجسا وإشكالية شبه مستعصية في ظل سباق محموم حول احتكار الحقيقة. وعليه، فثمة ما يدعو لتحديد ونقد وتفكيك مصادر شرعية سلطة الحاكم الأعلى / الخليفة / السلطان، ودور النص في تأسيسها، حيث يرتكز الفقه السلطاني، لعدد كبير من النصوص الدينية، التي ترسخت كبديهيات ضمن مرجعيات الفكر السياسي الإسلامي. فنقد هذه النصوص على درجة كبيرة من الأهمية، لتحجيمها، بعد الكشف عن دورها في بناء حقيقتها وفرض سلطتها ومحدداتها، واستعادة ما تسترت عليه لترشيد الوعي السياسي الديني، والتعرّف على حقائق الأمور بعد مقاربة اللامفكر فيه.

ولم تسلم سلطة الخلفاء الراشدين من ملاحقة علامات الاستفهام حول شرعية سلطتهم، وثمة شكوك لا يمكن لمنطق التنزيه استبعادها، فيجب اقتحام أسيجة قداستها، وحصانتها، التي ارتفعت بهم فوق النقد والمراجعة للتأكد من شرعية سلطتهم أولاً، ومدى صلاحيتها لتكون مقياسا لمثالية السلطة في شرعيتها وسلوكها. إن سيرة الخلفاء الراشدين تعد مصدرا تشريعيا وفقا للنظرية الإسلامية السنية.  بل أن سيرة الشيخين، أبي بكر وعمر، ملزمة للحاكم، كما هو شرط الشورى التي رفضها الإمام علي عندما دار الأمر بين ترشيحه وترشيح عثمان للخلافة، فقبول الأخير لشرط عبد الرحمن بن عوف، عرّاب الخلافة خلال الشورى، مهّد لخلافته. بينما أصر علي على اتباع اجتهاده. إذ لا يمكن أن تكون سيرتهم ملزمة مع اختلاف الظروف والأحوال وتباين وجهات النظر. فسيرتهم اجتهاد شخصي وفقا لقبلياتهم وظرفهم، فهي خاصة بهم، فلماذا تفرض على الآخرين؟. وطاعتهم كأولي الأمر مشروطة، حيث فرضت عليهم الآية الرجوع لله ولرسوله كمرجعية نهائية لحسم التنازع، وليس لذات أولي الأمر كي تشمل سيرة الشيخين، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). فالسلطة دفعت الخليفة الثالث لقبول شرط الخلافة والإلتزم بسيرة الشيخين فأسس بسلوكه لمرجعية راسخة في الفقه السياسي، تسببت في شرعنة سلوكيات سلطوية ودموية.

لسنا بصدد إطلاق أحكام معيارية بقدر اهتمامنا بنقد النص وآلية أدائه، لتفكيك منظومة الوعي السياسي الديني وزعزعة يقينياته، المرتكزة لها، من خلال ما يحققه النقد من كشوفات معرفية، فهي منظومة رسخت الاستبداد ومصادرة الحريات. فيهمنا معرفة مصدر شرعية السلطة تاريخياً، للحد من شرعنة الاستبداد تحت أي عنوان.

ينبغي التنبيه لمسألة دقيقة جدا أن رفع الشعارات الدينية، وتبني أحكام الشريعة الإسلامية، والاهتمام بشعائر المسلمين، كل هذا لا يغير من حقيقة الاستبداد شيئاً، ولا يمنح الحاكم حصانة ذاتية ترتفع به فوق النقد والمحاسبة، ولا تسمح باحتكار السلطة. نحن نعيش مرحلة حضارية تستوجب شرعية السلطة كاملة وفق مبادئ حقوق الإنسان، عندما تستمد شرعيتها من الشعب، باعتباره الوحيد صاحب الحق في تخويل السلطة حق التصرف بمقدراته، والقيمومة على قرارته. فينبغي تحرير الوعي السياسي من قبلياته القائمة على شرعية الاستبداد من منطلقات قَبَليَة ودينية. ويجب تثقيف الشعوب على حقها في تقرير مصيرها سياسيا، وفقاً لمبدأ المواطنة، بشكل يتحول إلى عقد اجتماعي راسخ. وهذا لا يعني سلب المسلمين حقهم في الارتكاز لقيم الدين ومبادئه في الحكم. بل العكس الدين المجرد عن القيمومة والولاية يؤسس لقاعدة أخلاقية تساعد على احترام حقوق الإنسان واستتباب الأمن، والإلتزام بالقوانين.

إن إشكالية شرعية السلطة قديمة بقدم السلطة، وطالما تحايل الحاكم الأعلى على شعبه حينما تحوم الشكوك حول شرعية سلطته، وترشقه علامات الاستفهام. فعندما حاصر موسى النبي الكريم سلطة فرعون تشبث بربوبيته مصدرا أساسا لشرعية سلطته، فقال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). ثم أردف: (لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ). لكن استدلاله باطل، يلزم منه دورا منطقيا، عندما استدل على شرعية سلطته بسلطته. لذا تهاود في خطابه وراح يكلمهم بنبرة ودودة، أقل تعالياً: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)!!. فأسقط سلوكه السلبي على موسى في محاولة لتفادي شرعية سلطته التي زلزلتها دعوة موسى، بعد أن كسب رهان المعجزة، وآمن له السحرة (نخبة السلطة)، وقالوا: آمنا بإله موسى. وحالة فرعون تتكرر مع كل مستبد حينما يفيق شعبه، ويتمرد على سلطته.

 

نظريات السلطة

هناك رأيان ونظريتان حول شرعية السلطة، ومن له حق ممارستها:

الأولى: النظرية الثيوقراطية: وهي على ثلاثة اتجاهات:

1- الطبيعة الإلهية للحكّام: حيث تستمد السلطة شرعيتها وفقا لهذه النظرية من طبيعتهم الإلهية، التي تفرض عليهم أيضا عبادتهم وحرمة التمرد عليهم. فشرعية السلطة ذاتية بالنسبة للملك / الإله. وله حق التصرف برعيته وعبيده، كيفما يشاء.

2- الحق الالهي المباشر: التي ترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه.

3- الحق الالهي غير المباشر: التي تقول: إن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيرا لا مخيرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. ويجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني القيمومة والولاية الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وهذا هو فهم فقهاء الشيعة، أما الإمام علي فله رأي آخر، حيث كان يرفع صوته عالياً، لقد "بايعني الذي بايع الأوَلين". ويخطب بالناس: (من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه اثقل، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق أن اخطأ، ولا آمن من فعلي، إلّا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فانما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره...). ولم يدع الإمام الحسين الولاية، وطالب أهل الكوفة بالبيعة قبل أن يقدم عليهم. والأمثلة كثيرة، سردها يكفي في نقض نظريات فقهاء ومتكلمي الشيعة في مسألتي الإمامة والولاية بمعنى القيمومة وحق التصرف المطلق.

 

 الثانية: النظريات الديموقراطية: التي تحصر شرعية السلطة بالشعب أو الأمة. فتنبثق شرعية الحاكم من إرادة الشعب، أو بتخويل منه. حيث لا ولاية لأحد عليه، وهو قيّم على نفسه، فيخوّل من يرتضي ليمارس السلطة باسمه. ويكون مسؤولا أمامه. ويكون الشعب قادرا على محاسبته وفقا للقانون. فسلطة الحاكم في النظام الديموقراطي سلطة مقيدة بالدستور.

أما عن علاقة الدين بالسلطة، فقد تراوحت عبر التاريخ بين التبعية والاستقلال .. تبعية الدولة لرجل الدين، كعلاقة الدولة بالكنيسة في أوربا القرون الوسطى وما قبلها. او خضوع الدين (الكنيسة) لسلطة الملك لترسيخ أركان مملكته. وقد تكون العلاقة بينهما متكافئة تحكمها المصالح وموازين القوى. ثم بعد ظهور الإسلام بدأ فصل جديد من العلاقة بين الدين والسياسة، تجلى بوضوح بعد وفاة الرسول، حينما توحّدت السلطتان الدينية والزمنية في شخص الخليفة، ثم انفصلت مع بداية الحكم الأموي فاستبد الخليفة بالسلطة السياسية، وظل الفقيه مستقلا بسلطته الدينية، ضمن طور جديد من العلاقة، يعيّن بموجبها الخليفة او السلطان الفقيه، وبدوره يشرعن الفقيه السلطة وممارسات الخليفة. واستمر هذا النحو من العلاقة بين الخليفة والفقيه في زمن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية. لكن كيف يمنح الفقيه الشرعية للسلطة؟ وما هو دور النص فيها؟. فنحن بصدد ضابطة عامة تحدد دور النص في شرعية السلطة، كي لا تستغل الشعوب، وتخدع باسم الدين، وحرمة الخروج على النص والروايات. وهذا يتطلب مزيدا من النقد والمراجعة والتفكيك، للكشف عن آلية عمل النص، وقدرته على تشييد حقيقته، ومد سلطته، وفرض محدداته. ثقافة المسلمين ثقافة نصوص، والوعي الديني، وعي روايات وأحاديث وأقوال. العقل معطل والنص يوجه وعي الناس، ويرسم لهم خارطة علاقاتهم ومصيرهم ومستقبلهم. فنحن مطالبون باسترداد إرادة الفرد، وتحريره من قيود المقدس والوهم والخرافة، ووضع الشعوب أمام مسؤوليتها. الفارق الزمني بيننا وبين زمن النص 1400عام، وللزمن أحكامه، فتسليط عقل ما قبل 14 قرناً علينا خطأ حضاري، ومصادرة للعقل وحرية الإنسان. بلا أي دليل عقلي أو قرآني. وهذا لا يمنع أن تستأنس بالتراث، وتستفيد من التجارب التاريخية، لكن لكل زمن أحكامه، ولا يجوز سلب التجارب السياسية تاريخيتها، وليس في هذا تعدٍ على المقدس، فالأحكام مرتبطة بفعلية موضوعاتها. والقيم والبمادئ، هي قيم إنسانية قبل أن تكون دينية فهي محترمة. ومن يود مقاربة المقدس فيمكنه وفقاً لمتطلبات عصره وحاجاته، لا أن يفكر بعقل لا يعرف عن ضروراتنا شيئاً. نحترم السلف الصالح لكن لكل عقل قبلياته فكيف ينظّر لواقع غير واقعه؟

إن مصادر شرعية السلطة في الفقه والفكر السياسيين هي: (آيات قرآنية، روايات وأحاديث، سيرة النبي وتجربة دولة المدينة، مقولات كلامية، آراء إجتهادية). وأما شرعية سلطة الخليفة، فترتكز لذات المصادر في إجمالها لا في تفصيلاتها، إضافة للبيعة بأشكالها المختلفة. وهناك من أضاف صحة التوريث والتعيين في شرعية الخلافة. وأما الغلبة والقوة والعنف فلا تعتبر مصدرا شرعيا لسلطة الخليفة إلا وفقا لبعض آراء فقهاء السلطة. وهذا الكلام يصدق عندما تكون الدولة ضرورة دينية، فنلجأ لمصادر التشريع لتأصيلها، لكن سبق القول: إن الدولة ضرورة اجتماعية، لذا أهمل القرآن عصبي الحياة: الاقتصاد والسياسة رغم خطورتهما وأهميتهما، كي يتكيفا مع متطلبات العصر والزمان. وأقصد بدينية السلطة تحديدا: فرض ولاية أو قيمومة الحاكم الأعلى بشكل يصادر حرية الأمة، ويفرض سلطانه وسلطويته، مهما كان عادلا. إذ لا يمكن مصادرة حق الأمة في تقرير مصيرها. من هنا لم تجد في الكتاب الحكيم سوى مبادئ وقيم يمكن الإرتكاز لها في بناء منظومة فكرية، سياسية أو اقتصادية. لكنها لا تؤسس لأية شرعية، وتبقى مجرد وجهات نظر اجتهادية قابلة للنقض والتطوير. وأيضا لا تجد اهتماما صريحا في روايات الرسول بوجوب التصدي لقيام دولة دينية، ولم تعثر على حديث مفصل عن موضوعاتها، خاصة الخلافة وشروط الخليفة، فضلا عن التصريح بأي اسم. ولو كان ثمة ما يشي بتصريح واضح أو نص صريح بشخصية محددة لتأجج النزاع حول السلطة بعد وفاته، لكنه خبا، لعدم وجود مرجعية شرعية، آية أو رواية تحسم النزاع لصالح أحد الطرفين. أو لا أقل تثير الشكوك حولها، بل أن عدم كتابة كتاب من قبل النبي أيام مرضه، وضع حدا لجميع التكهنات، فقد اتفق الجميع على عدم كتابته الكتاب، لأي سبب كان، كما لا يوجد دليل يحدد موضوعه، هل كان يروم تدوين ضوابط السلطة أم شيئا آخر. بل تصديه لكتابة الكتاب يؤكد عدم وجود نص صريح مسبق ما عدا روايات الفضائل، وإلا لاكتفى به.

هذا بالنسبة لشرعية الدولة الإسلامية، كتكليف شرعي، له شروطه، التي منها صلاحيات خاصة بخليفة المسلمين. وليس من حق أحد التنظير لهذه الصفة ونسبتها لله تعالى، لانحصار التشريع به ولم يجعله لأحد قط. وهذا لا يمنع أن يتصدى المسلمون لإقامة دولتهم، فتكون دولة المسلمين بإيجابياتها وسلبياتها، يلتزمون بقيم الدين وأخلاقه، ويحكمون بالعدل والانصاف، ويراعون حرمات الله، ويطبقون أحكامه، لكن لا قيمومة للحاكم على الناس، وتبقى الولاية منحصرة به تعالى، ومن يحكم يحكم وفقا لضوابط الدين والشريعة والأخلاق وما اتفق عليه الشعب، ويكون الحاكم مسؤولا عن تصرفاته وتعهداته. يستجيب للقضاء، وتنتهي ولايته التي اكتسبها بالبيعة والانتخاب إذا تخلى الناس عن بيعته. أما وجوب التصدي للسلطة كمقدمة لإقامة الشريعة فأيضا لا دليل عليه، وسيأتي  الكلام عنه.

لقد بالغ الطرفان المتنازعان في مراكمة الشواهد لاثبات أفضلية الخلفاء وترجيح أحدهم على الآخر، في سياق التنظير لشرعية سلطتهم، التي تهاوت في ظل جدل مرير حولها. فما من فضيلة إلا وللطرف المقابل مثلها، حتى تصاعدت وتيرة الفضائل والكرامات حدا خرج عن المعقول، وتدفق سيل الروايات والمناظرات الكلامية، والأصول والكتب التي صدرت عبر القرون الأربعة الأولى. فكانت ثمة مبررات ودوافع لوضع الحديث، وهذا ما يهمنا ونبحث عنه، كمبرر لنقد النص والبحث عن سلطته وهيمنته. فينبغي التوقف عند هذه الفترة وما صدر خلالها ملياً ودراسة رواياتها، بمنهج نقدي صارم، ومقارن من خلال عرض الروايات على القرآن، الذي فيه بيان كل ما يخص العقيدة والشريعة. يهمنا جدا الكشف عن كل تأسيس نظري، فكري وعقيدي، لفضح أساسه الروائي. فالتراث قائم على النص ولا دليل يورث العلم واليقين والجزم بصدورها. لتسقط بسقوط النص بنية الخطاب التراثي، وتنطفئ قدرته على التأثير. إن مراكمة التراث مستمرة رغم مرور 11 قرنا على فترة التأسيس الأولى. غير أن الدراسات النقدية ما زالت خجولة، خائفة، تتهيب اقتحام أسوار المقدس، وفضح مخاتلاته ومكره، وصدقية نصوصه ورواياته المنسوبة للنبي الكريم.

أما السلطة فقد وظفت أجهزتها الإعلامية، من رواة، وفقهاء، ووعاظ، للدفاع عن شرعيتها، وصد المعارضة، وتأكيد شرعية سلطة الخلفاء الراشدين، والطعن بالإمام علي، على مستويات:

- تأسيس مقولات كلامية تصب في صالح السلطة وشرعيتها، وتبرئة ساحتها، عن جميع الأخطاء. فكان من جملة المقولات الكلامية التي تبنتها السلطة: الجبر، الإرجاء، وحكم فاعل الكبيرة، الحسن والقبح، وهل هما عقليان أم شرعيان، وغير ذلك من مقولات تستغفل الناس، وترسخ فيهم روح الطاعة والانقياد.

- تدفق النصوص المنسوبة للنبي، في بيان فضائل الصحاب، وقريش. إلى جانب نصوص تكرس سلطتهم، وتزكي سلوكهم. كآية أولي الأمر، وروايات نسبت للنبي، مثل "الخلافة في قريش" "الخلفاء من قريش"، "الخلفاء من بعدي 12 خليفة كلهم من قريش"، وحديث: "لا تجتمع أمتي على خطأ". و"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". و"إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر". حيث اشتد النزاع حول من أشار لهم. فهل أشار لعلي كما تقول الرواية الشيعية، أم لأبي بكر كما ذهبت الرواية السنية؟.

ثم جاء فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع أبعادها المنهجية. وقد ساعد على ذلك فساد رجل الدين ورخص بعض الرواة، فرجل السلطة متهم في تقواه، وورعه، يمكن للحاكم شراء مواقفه.

ومن جهة ثانية، ألّبت السلطات الناس ضد المعارضة، ونعتتهم بالخارجين على الشرعية، والروافض، والخارجين على إجماع الأمة، والمتمردين على سلطة الولي الشرعي، وغيرها من ألفاظ. فكان خطابهم ضد المعارضة خطابا قمعيا، إقصائيا، سلطويا، إرهابيا، ثأريا، حيث مصير زعماء المعارضة السياسية دائما. فعندما تراجع كتب تراجم الرجال لدى مدرسة أهل السنة تعرف حقيقة خطاب السلطة في تشويه صورة المعارضة، فتجد الأقصاء يتجلى بأعلى صوره، عندما تقرأ في ترجمته: رافضي، خبيث، زنديق، شيعي، كذاب، شتام،. بل يكفي انتسابه للتشيع أو أي جهة معارضة لإدانته. فمنطق الاقصاء، منطق متجذر، ساعدت على ترسيخه ثقافة الكراهية والتنابذ، والعنف، والتسلط والاستبداد. ويكفي أن معاوية بن أبي سفيان فرض سب الإمام علي على منابر المسلمين لستين عاما، حتى رفعه عمر بن عبد العزيز. فالإقصاء منطق تتبناه الدولة رسميا. بمعنى آخر أن الإقصاء سيكون ركيزة خطاب السلطة ضد المعارضة. وهذا المنطق ما زال يؤطر ثقافة المجتمعات المسلمة. فالقطيعة مع التراث السياسي للمسلمين أول خطوة باتجاه الرقي الحضاري، إنه تراث موبوء، متخلف لا يؤسس لأية قيمة حضارية – إنسانية. تراث مسكون بتنزيه الحاكم، وإدانة المعارضة مهما كانت شرعيتها. لكن المعارضة لم تستسلم، وواصلت طريقها لسلب السلطة شرعيتها، وتأكيد شرعية الإمامة في مقابل الخلافة.

وهنا لا بد من الحديث عن دور بعض المفاهيم في خلق حقائق كرست قدسية الخلفاء.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

يوجد في التفكير الاسلامي تناقضات مرعبة، و طبعا انا لا اقصد الاسلام كديانة، و لكن كيف كان المسلمون يديرون شؤون حياتهم بعد وفاة الرسول.
فتبرير الامر الواقع في الفقه السلطاني يقابله حاليا رفض الامر الواقع من انصار الشريعة،
و في الدول العربية المسلمة الان لا يوجد جماعة اسلامية لها برنامج سياسي تقبل بالحكومة. و الرفض يكاد يكون متفقا عليه،
و استغرب ان الاخوان المسلمين رفضوا في فترة الدكتاتوريات الديمقراطية و لا يوجد بيننا من يجهل مبدأ الحاكمية الذي اسسه ابو الاعلى و دافع عنه سيد قطب. و لكن بعد سقوط مبارك شارك الاسلاميون في الانتخابات و لم يتمسكوا بهذا الشعار، و جعلوا حاكمية البشر مثل حاكمية الله،
و هذه البراغماتية المتحركة و التي لا حدود ثابتة لها تدل على عمق الصدع في نظريات الاسلام السياسي

This comment was minimized by the moderator on the site

ما دامت النظرية السياسية فكر بشري، فما ذكرته متوقع. لانه اجتهاد ووجهة نظر ليس اكثر، شكرا لتعليقك الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

مباحث الأستاذ الدكتور ماجد الغرباوي جادة جدا ومدعمة بالبرهان الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يكاد يترك نافذة لسؤال سائل، لذا أتدخل في موضوعه الشائك الذي أشبهه بالورد الذي قال فيه كاتب أغنية عبد الوهاب: (على شان الشوك اللي في الورد أحب الورد) ووأنا أحب أيضا شوكه الجارح لأنه لا يجرح إلا من يريد به قطفا وحكا والورد كالشعر يُشم ولا يُحك، ولله در أبي ماضي الذي تشاءم من المتشائمين إذ لا يرون النصف الملآن من كأس، ويشتكون من فراغ النصف الثاني، فتعسا لهذا النصف الذي قال فيه أبو ماضي:
ويرى الشوك في الورود ويعمَى*أن يرى في الورود شيئًا جميلا ؟؟؟
وأنا أرى، كما قد يرى غيري، أن شوك الورود سلاح يصد العابثين بالورد، فهل يمكن أن نعتبر الشوك في الورود لازم لزوم الأسلحة للجنود الذين يحمون البلاد والعباد ويوفرون لهما الأمن والأمان؟ غير أني أنكر ،كما ينكر الشرفاء إلـْقاء الورد بشوكه على من نزعم أننا نحبهم ونحييهم بهذه الطريقة الظالمة كما وقع في حفل تنصيب يزيد بن معاوية فقد زعموا ـ والزعم مطية الكذب ـ، أن معاوية بن أبي سفيان دعا وجهاء القوم إلى حفل تنصيب ولي عهده في المسجد الأمَوي بدمشق، وجلس أمام المنبر وأجلس بجانبه ابنه يزيد، وفي هذا الإطار الذي يقوم بإعداده الخبراء في مثل هذه المناسبات التي تتكرر باسترار في كل (زمكان) أقول: في هذا الإطار وقف أحد (الجلاوزة) وأشار إلى الخليفة الخامس معاوية وقال بصوت جهوري: هذا أمير المؤمنين، ثم أشار إلى ابنه يزيد وقال بصوت أجهر من الصوت الأول، ثم امتشق سيفه وتوجّه بحده إلى إلى جمهور الحاضرين، وقال بصوت أجهر وأجهر: ومَن أبَى فهذا. فهلل الحاضرون وكبروا على نتيجة هذا الانتخاب العاقــ ـــــل، بدون لام.
وماذا يمكن أن نقول عن إطلاق الحكام لشعار (حرية التفكير) وكأنهم منحوا الشعوب حرية لم توهب لأسلافهم، فهل يروقهم ما قلته في هده الحرية المزعومة والشعار المزيف في مجموعتي (ألـْوان جديدة) ص94) تحت عنوان (في "زمكان" القهر):
أيَّ شيء يفيد حُرًّا إذاما* منحوه حريَّة التفكير ِ؟
وهو إن شاءَ أنْ يُحققَ رأيا* أرسَلوه لِمُنـْكـَيرِ

فإذا قام الإنسان بالتفكير، ولو في انقلاب خطير، ضد الحاكم القدير، فكيف سيعرفون ما يدور في أعماق الضمير؟ وهكذا يصير شعار (منح حرية التفكير) شعاار (استغباء للجماهير) وإزاء هذا التناقض بين الشعارات المغالية في التسلط وبين المطالبة بالحرية

التي تكاد تصل إلى إبدال الحاء فيها بأختها الموحدة من فوق، مع الاعتذار لأهل الذوق،


أقول: إزاء كل هذا التناقض فإني أفضـِّل الدكتاتورية العادلة على الحرية (الهاملة).خاصة لدى االذين لا يدركون أن حريتهم تنتهي عندما تبتدئ حرية غيرهم، وهكذا يمكن لكل واحد أن يصرخ ويُطبل ويُزمر في بيته على شرط أن لا يصل شيء من ذلك إلى جيرانه
وبالمناسبة فقد تذكرت الآن بيتا لشاعر النيل حافظ إبراهيم يقول فيه:
لقد كان هذا الظلمُ فوْضَى، فهُذ ِّبَتْ*حوارشيه، حتى صار ظـُلـْما مُنـَظـَّمَا
وهل يجوز لي أن أُحَوِّرَ بيت شاعر النيل وأقلبَ معناه اتجالا هكذا وأضيف إليه ما أراه مناسبا من باب الاستهزاء:
لقد كان ظلمُ الحاكمين منظـَّمًا*وقد صار بين الناسِ كالليل مُظلمَا
كما قد غدا (القانونُ قانونَ) عازفٍ*يقدِّمُ لحْنا، في نشاز، محطمَا
فيضربه الجمهور (بالقوطة) الني*نـُعــلـِّبُها، كي ما نراه مهشـَّما
وهكذا جار الجار على الجار، واللقريب على اللقريب قبل الغريب، حتى ردد الجميع في هذا الصدد ما قاله طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضة ً* على المرء من وقـْع الحسام المُهَنـَّدِ
وأعتذر في النهاية لأسلوب العلم على تدجـُّل الأسلوب الأدبي في ميدانه وحرمه المصون .

This comment was minimized by the moderator on the site

انت باقة ورد عبقة بصدق مشاعرك، شكرا لك الاستاذ الدكتور الشاعر الالق نور الدين صمود، متابعتك للحوارات، ومشاركتك بها من خلال اسئلتك القيمة، وشكرا لحسن ظنك وثقتك. تعليقك القيم بما فيه من شواهد وتشبيهات وحكم اسعدني جدا، خاصة تصويرك للورد والشوك. لكن شوكنا مرن يسمح بمقاربة الافكار بما لا يجرح الورد. طبت اخا واستاذا عزيزا

This comment was minimized by the moderator on the site

النص قيــد كبير مؤطر بالقداسة ، وهو بذلك يضعنا في زمن مضى بكل قيمه ومفاهيمه وظروفه التي ما عادت متوائمة لقيم ومفاهيم الزمن الراهن . نعم ، ( انه تراث موبوء ، متخلف لا يؤسس لأية قيمة حضارية إنسانية ) وهذا ما يجعل المسلمين في مؤخرة الامم دائما ، لا يتقدمون خطوة واحدة الى الامام ، فإذا ما شعروا بالنقص والدونية هرعوا الى الماضي كي يمنحهم القيمة المزيفة التي لا تغني ولا تسمن من جوع . (( ثقافة المسلمين ثقافة نصوص، والوعي الديني، وعي روايات وأحاديث وأقوال ، العقل معطل والنص يوجه وعي الناس )) . الاموات الذيــن إندرست قبورهم منذ مئآت السنين هم من يتحكمون بنا ، بقوانينا ، وتوجهاتنا ، قيمنا ، عاداتنا ، وأنساق تفكيرنــا .. فلم نكن إلا نُسخ أخرى منهم . يفرحنــي كثيرا انني لا زالت أرى مثقفيــن ومبدعيــن يرفضون الهزيمة ، ويتمسكون بالعقل والمنطق في رؤيتهم للدين والشريعة والتراث رغم المحاولات المستميتة من قبل سدنة الظلام لاسكات وتشويه هذه الاصوات الحرة . تحيـــــة تقدير وإحترام للباحث والمفكر الاستاذ الغرباوي مع جزيل الشكر والامتنان لهذا الجهــد الكبير .

This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني تعليقك المفعم بالوعي، ويمنحني مسؤولية التحري من أجل نهضة حضارية تبدد ظلام الحاضر، بعد أن تطوي الماضي وسلطته القاهرة. تحية لك الاستاذ القدير طارق مع كبير احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه السلسلة من المقالات التنويرية الهادفة الى تنوير عقولنا لأنقاذنا من واقع مزري نراوح به منذ اكثر من 1400 سنة؛ و شكراً للاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الدكتور نورالدين صمود و الاستاذ طارق على تعليقاتهم.

المشكلة الاساسية التي نعاني منها اننا نعيش في مجتمعات متخلفة لا تفرق بين المقدس و غير المقدس.

و لكن من هي الجهات التي تدعم هذا التخلف و تريدنا ان نبقى الى يوم الدين على هذا الوضع المزري؟؟؟.

اليست مرجعيات الدين و ابواقها؟؟؟.

كل مرجعيات الدين السنية و الشيعية لا يوجد لهم اي تصور عن التطور الذي حل بالعالم و لهم اجنداتهم الخفية؛ و لا تريدنا ان نتطور ابداً و لذلك اوجدوا "التقليد" و اعطوا الفتاوي بعدم الخروج عن المرجع الذي نقلده؛ و اذا خرجنا سيكون نصيبنا النار؟؟؟.
يا له من تفكير عقيم في ربط الانسان و منعه من التفكير؟؟؟.

هؤلاء سيكون عقابهم شديداً امام الله يوم الحساب. هم المسؤلين عن تمزيق المجتمعات و قتل مئات الالوف من الناس الابرياء.

بالاضافة الى الجهات الدينية؛ هنالك اشباه المثقفين و الذين يحملون الشهادات الجامعية و المفروض بهم ان يكونوا بؤرة للثقافة و التنوير و فضح الدجل و الخرافات الدينية التي يسطرها علينا رجال الدين؛ و لكن للاسف الشديد اصبح هؤلاء مرتزقة تدفعهم مصالحهم الخاصة من الدولار و المنصب.

هؤلاء عندما يشاهدهم الانسان الامي على الفضائيات يتأثر بأفكارهم و يتخذهم قدوة له لانه يعتبرهم اصحاب علم و على دراية بالامور الدينية. هؤلاء خطرين جداً على مجتمعاتنا المتخلفة.

و اتضح جلياً ان الشهادة الجامعية لا تعني شيء ابداً؛ و الدلالة على ذلك ان الكثير من خريجي الجامعات و حتى اصحاب الشهادات العليا واضعين رؤوسهم في كهوف التاريخ و يجتروا آراء بشر مثلنا عاشوا زمانهم و اصبحوا في ملف التاريخ.

نعم نحن نحتاج الى هزة ارضية ثقافية لكي توقضنا من سباتنا و الذي هو كسبات اهل الكهف؟؟؟.

بالرغم من انني لست رجل دين؛ و لكن احببت ان اعلق على آية "اولي الامر" او "الحكام الذين لا يجوز الخروج عن سلتطهم" و التي يرددها رجال الدين السنة و بالاخص مفتي الوهابية السعودية "و هو ضرير العينين" ؛ كيف قرأ القرآن و فهمه؟؟؟. و كذلك يرددها رئيس ما يسمى علماء المسلمين القرضاوي و الذي يسمى "مفتي الناتو"؟؟؟؟.

" يجوز الخروج على القذافي و على الاسد و لا يجوز الخروج على الملك المعظم و امير قطر المبجل لسيرهم على نهج الرسول؟؟؟؟. يا له من دجل يفوق التصور؟؟؟؟.

تعلوا معي لكي نطلع على الاية الموجود بها اولي الامر و هي الاية 58 من سورة النساء. و لكي نفهمها بشكل جيد علينا ان ننظر الى الايات التي قبلها و التي بعدها ( اي 59 و 60 سورة النساء).

قبل هذا اود ان اوضح ان القرآن اوصى بأطاعة "الله و الرسول " فقط؛ 11 مرة في آيات و سور مختلفة. و اولي الامر مرة واحدة فقط في سورة النساء.

نرجع الى الايات في سورة النساء:
سورة النساء 58؛ 59 و 60
58-إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

59- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً

60- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا

حسب ما عتقد ان هذه الآيات لا علاقة بها "بالحاكم ابدا"؛ و انما تتعلق بفض النزاعات "اي التحكيم" اذا حصلت بين المسلمين. و اعتقد ان "اولي الامر" يقصد بها انه الانسان التقي الذي يأخذ على عاقته فض النزاع اي الانسان "المحكم".

ان الاية 58 تتعلق بالامانات و التي احياناً ينكرها البعض؛ و لذلك ان الله "ينبه" الاشخاص الذين يتولون الحكم "اي التحكيم" في النزاع و الذين سماهم " اولي الامر في الاية التالية اي 59) ان يكونون صادقين و يحكموا بالعدل.و النزاهة بين الناس.

و الاية 59 التي وردت بها كلمة " اولي الامر" توضح المعنى اكثر و اكثر للمصطلح "اولي الامر". و يقول الله احكموا بما انزل الله على رسوله و ان تنازعتم في شيء و لم "تقبلوا بالتحكيم" فردوه الى الله و الرسول. و هذا يعني اذا لم يتوصلوا الى حل فيحيلوه الى كتاب الله و الى الرسول ؟؟.

و الاية 60 توضح صفات الناس المنافقين الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل الى للرسول و الى الذين من قبله من الانبياء و الذين يتولون "التحكيم" بين الناس؛ ان هؤلاء لا يحكمون بما اراد الله من احكام العدل و النزاهة بين المسلمين و غير المسلمين. و انهم منافقون؟.

وان الله كان يتوقع ان يحصل نزاع بين المسلمين كما موضح في اية الانفال؛ سورة الانفال اية 46 .

واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين

و كذلك ان موضوع النزاع مذكور في سورة طه ايه 62.

من خلاصة القول نستطيع ان نقول ان الله وضّح ان الاطاعة تكون اليه و الى الرسول فقط لا غير "11 مرة ذكرت في القرآن".
وقت النزاعات ان "المحكمين او اولي الامر" بين طرفي النزاع يجب ان يكونون ناس يمتازون بالتقوى و العدل و النزاهة و يحكموا بما انزل الله لكي يتحقق حكمه العادل.

هذا فهمي الشخصي؛ وارجو تصحيح هذا ان كنت على خطأ. مع الشكر
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك د. ثائر عبد الكريم. نعم انا قلت صريحا لا مرجعية لتسوية النزاعات لغير الله ورسوله. والاية واضحة لا لبس فيها. كما ان الوعي لا علاقة له بالشهادات الاكاديمية وربما انسان لم تسعفه الظروف في مواصلة دراسته اكثر وعيا من بروفسور عقله مكتبة لكنها لا تضيء وعيه. شكرا لك دائما

This comment was minimized by the moderator on the site

دوعشة الاسلام

بعيداً عن نظريات السلطة على أهميته وضرورة النظر بتوسع الى هذا الموضوع المهم ولكني رأيت ان هناك نقطتين مهمتين وردت في الحلقة أولهما مسالة النقد حيث أعتبر الكاتب ان الدراسات النقدية ما زالت خجولة، خائفة، تتهيب اقتحام أسوار المقدس، وفضح مخاتلاته ومكره، وصدقية نصوصه ورواياته المنسوبة للنبي الكريم. وهذا خلال رئيسي لانه لا يمكن إصلاح أمور الناس من دون نقد خصوصا النقد البناء الهادف الى تطوير وتحسين أحوال العباد حتى تستمر الحياة وتحفظ كرامة الانسان وحريته وممارسة حياته من دون خوف من سلطة متسلط متسلح بسلطة ما أنزل بها الله من سلطان.
ثانياً: كان موضوع منطق الاقصاء الذي تتبناه الدولة والذي امتد تأثيره الى الافراد في علاقاتهم اليومية والوظيفية والاجتماعية والثقافية والسياسية ومن هنا تأتي أهمية دعوة الكاتب للقطيعة مع التراث (...فالقطيعة مع التراث السياسي للمسلمين أول خطوة باتجاه الرقي الحضاري، إنه تراث موبوء، متخلف لا يؤسس لأية قيمة حضارية – إنسانية. تراث مسكون بتنزيه الحاكم، ) ان العمل لهذه القطيعة بالغ الأهمية لان الشواهد على خراب حاضرة المسلمين خير دليل على ذلك حيث الذبح مع التكبير والحرق والسحل والاستعباد وغيرها من الموبئات التي تضرب العالم الإسلامي بسبب دوعشة الإسلام.
وفي موضوع الاقصاء أتوجه بالسؤال الى الكاتب حول المعارضة التي قال : (لكن المعارضة لم تستسلم، وواصلت طريقها لسلب السلطة شرعيتها، وتأكيد شرعية الإمامة في مقابل الخلافة) هل المعارضة في منأى عن ممارسة هذا الاقصاء؟

This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني حضورك الاخ الاستاذ عباس علي مراد، شكرا لمداخلتك القيمة، وقراءتك الممعنة في الحوار. لا شك ان التعليقات تثري المقال، وتؤشر على نقاط قوته وضعفه، فيتطور أداؤه. الكلام الاخير في تعليقك مرتبط بحلقات سابقة، حيث قسمت المعارضة الى 3 اقسام المعارضة الثورية والتنظيرية والغلو. حيث عمل كل اتجاه على سلب السلطة شرعيتها. وكان الاتجاه الثاني له قدم السبق، حينما نقل الصراع من صراع على السلطة الى صراع حول شرعيتها، فوضع الخصم في الزاوية الحرجة، فكانت الغاية الاساسية من التنظير للولاية الدينية، سلب شرعية السلطة وربطها بالامامة الدينية، التي هن نص وتعيين عندهم. ثم جاء خط الغلو ولم يكتف بذلك بل أسس لولاية تكوينة للإمام فسلب شرعية السلطة، والتفصيل في محله.
وذكرت ايضا ان المعارضة الثورية سفكت دماء غزيرة باسم الثأر للامام الحسين. وكانت اهدافها سياسية استغلت الثار. وبعقيدتي أن المعارضة حينما تستلم السلطة تقوم باقصاء الاخر وتكفيره. والسبب ان كلا من المعارضة والسلطة يستقي ذات الثقافة القائمة على حديث الفرقة الناجية، الذي يقتضي تنزيه الذات وتكفير الاخر. فانا على حق مطلق والاخر باطل مطلق، ولا توجد مساحات للتلاقي والتفاهم. فالتسامح لدى المسلمين كذبة، تحدثت عنها طويلا. اجدد احترامي لوجودك مع التقدير

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4180 المصادف: 2018-02-14 02:45:21