المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (61): النص وفلسفة الطقوس

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق16- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

فلسفة الطقوس

ماجد الغرباوي: الطقوس ممارسة رمزية  تجري في أجواء خاصة، تعبيرا عن مشاعر تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى حركات وإيقاعات، ترافقها انفعالات نفسية، تعطي للحدث قيمة قدسية. وهي إحدى تجليات الروح الاجتماعية عند الإنسان، بدأت عفوية، ثم اكتسبت بمرور الأيام دلالات ثقافية ودينية واجتماعية، وراحت تؤدي وظيفتها من خلال رمزيتها وإيحاءاتها. ثم ترسخت بقوة حضورها، وحجم التفاعل الشعبي والرسمي معها. فهي في بعض أبعادها كالدين ملاذ للخلاصٍ والمعنى الذي يضفي الطمأنينة والاستقرار النفسي ويعمق شعور الإنتماء.

 شاهدت فديو لحُجاج أفارقة اجتمعوا بعد انتهاء اليوم الأول من أعمال الحج تحت خيمة في منى، أخذوا يرقصون بطقس غريب وهم يرتدون ملابس الحج، تعبيرا عن فرحهم وسعادتهم باتمام الفريضة بسلام دون أخطاء. علما أن الرقص ليس طقسا عباديا عند المسلمين، بل ويتنافى مع تعاليم دينهم. لكنها حركات لا شعورية، إنطلقت تعبيرا عن مشاعر عجزت اللغة عن ترجمتها، فاستعانوا بالجسد وقدرته على ذلك رمزيا. فالطقوس تعبر عن مختلف المشاعر الإنسانية: الفرح، الحزن، الألم، المأساة، الشقاء، الافتخار، التباهي، التبجيل، التشفي الثأر والشماتة والخوف والقلق، التهجد والتعبّد. فلازمت الجماعة طوال التاريخ، وقد يختص بها شخص بمفرده، كالطقوس الدينية والروحية، والأغلب تقام بشكل جماعي. وهناك طقوس مدهشة في تفصيلاتها، وبعضها رغم قسوته يبعث الراحة والسعادة بعد أدائها، كطقوس التطهير الجسدي، وجلد الذات، والتكفير. ولم تقتصر الطقوس على حقل خاص، وقد استثمرتها المشاعر الروحية والتجارب الدينية للتعبير عن عمقها وهلاميتها التي تضيق بها لغة الكلام، فتجد في الطقوس متنفساً، ومعبّرا حقيقيا عن مضامينها. بل وتجد فيها مُلهماً، يستغرق فيه الفرد حد الثمالة والتوحّد، ويفارق شعوره ليدخل غيبوبة الهيام وسكرة الوجد، ومذاق التجلي، فيتفجر قلبه تألقا وسموا في عالم الروح والمشاهدة. فالنظرة السلبية للطقوس دليل الجهل بمداليلها، ومدى ارتباط الإنسان والجماعة بها، رغم خلفيتها الخرافية غالبا. وتبدو ضرورة الطقوس أوضح حينما تعجز الشعائر الدينية عن تلبية حاجات الفرد الروحية، فيلجأ لابتكار طقوس يعبّر فيها عن مشاعره ومكنوناته. وقد يرى الفرد في طقوسه قدسية تضاهي قدسية شعائره وعباداته. لكن للأديان أحكامها، خاصة حينما يتولى الفقيه خطابها الرسمي، فيتحكم بالفرد وفقا لمقاساته، ويحرمه لذة الإنصات لهدير الروح حينما تعانق الغيب وتبحث عن المجهول لتستقر وتهدأ. خاصة عندما يجفو القلب وهو يمارس شعائره العبادية. لذا تجد القرآن يتحدث عن الصلاة باعتبارها شعيرة وطقسا روحيا، بأساليب مختلفة. القرآن له رؤيته التي تتمرد على الفقيه وقسوة فتاواه. فتارة يذكرها كفعل / إقامة، وأخرى مطلقة كطقس روحي يحلق من خلالها الإنسان في فضاء الرحمن، فيمتلئ قلبه حبا وشوقا لخالقه، ويحث الخطى في عمل الخير والصلاح كي يمهد للقائه. ليس ألذ للروح المعذبة من طقس الهيام، وهو يعانق عوالم الغيب، ويرى في قلبه ما تعجز العيون عن رؤيته. إنه الإنسان المتيم بمعرفة ذاته، فوجد في الطقوس ما يساعد على طمأنة نفسه حتى وهو يعجز عن اكتشاف حقيقته. فالدين يمنح الإنسان معنى لحياته ووجوده، لكنه سرعان ما يُستغل فينقلب وبالاً على الوعي.

ولكل شعب طقوسه التي تعبر عن ثقافته ومعتقداته وإيمانه ورؤيته. بعضها ينتمي لمجتمعات وديانات ضاربة بالقدم، وربما بعضها متوارث عن أساطير الحضارات والديانات القديمة. وكما هناك طقوس تعبر عن ذاتها وهويتها وانتمائها، هناك طقوس تقام لأجل غيرها، كالأفراح والمراسم، أو الاحتفالات الدينية الكبرى، كالنحر المقدس عند الفراعنة احتفالا بالنيل، والاحتفالات الدينية قرب الأنهار المقدسة، كنهر الغانغ في الهند، والنهر الأصفر في الصين، ونهر الأمزون، والمسسبي. والتعميد في الماء عند الصابئة المندائيين، طقس ديني مقدس، وأنواع أخرى مدهشة، حيث لا ينقضي شغف الإنسان بالغموض ومحاولة اكتشاف أسراره، فيمارس طقوسه، بقدسية تستمد قوتها من الحكايات التي تنسج حول الأماكن والأشخاص، وقوة إنسياقه اللاشعوري مع العقل الجمعي المرتهن لطقوسه وعاداته وتقاليده. ولكل طقس رقصاته وأناشيده وترنيماته وأزياؤه وحركاته ومكانه وزمانه، وثمة طقوس غرائبية، تجدها في المجتمعات البدائية، مثل سكان أستراليا الاصليين "الآبروجينز"، والهنود الحمر، وشعوب الهند. وتبقى الطقوس السرية تثير فضول المتابع للكشف عن أسرارها ومناسباتها، خاصة ما تمارسه المنظمات السرية، كما يشاع عن الماسونية، وعبدة الشيطان. وطقوس الجنس الجماعية، والعبادية لدى بعض التجمعات السكانية البعيدة، حينما تمارس بخشوع وقدسية عالية.

وقد كشفت القراءات الأنثربولوجية للطقوس عن عمق دلالالتها، وقوة حضورها وتأثيرها. فهي تؤثر في ثقافة الفرد والمجتمع وتتأثر بهما. بل وتؤثر في حياتهم ومستقبلهم، يتفاءلون أو يتشاءمون. فثمة علاقة جدلية تسمح بتطورها، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بها، وهذا سر تناسل بعض الطقوس، خاصة الدينية، وانتشارها، حيث تعتبر محفزا إيمانيا لا شعوريا. فهي تواكب حاجة متوارية في أعمق الفرد، فينشرح لها، ويتمسك بها، أو يذهب في نوبة بكاء أو رقص هستيري. فلا غرابة في انسياق العقل الجمعي مع الطقوس وتعهدها بكل سخاء وكرم. ولعل في شغف الإنسان وانتظاره للطقوس الموسمية خاصة ما يؤكد دورها وأهميتها. وبالتالي فلكل طقس جذره الثقافي، قد نراه خرافة في نظرنا وفي نظر العقل النقدي، لكنه ليس كذلك في نظر من يمارسه، فهو يعتقد بثيمته، ويتفاعل مع إيحاءاته ودلالاته. فلا يجوز نقدها مهما كانت خرافية ما لم تشكل خطرا على وعي الإنسان والمجتمع، بحيث تصبح تلك الخرافة مصدرا للمعرفة على حساب العقل والتجربة العلمية، أو تشوّه معالم الدين وتخضعه للاستغلال. فالنقد يتوجه عادة لا لذات الطقس بل لثيمته ومضمونه، حينما يوجه وعي الناس ويتحكم بعقولهم. كطقوس النحر المقدس للأنهار، كي لا تطغى وتقتل الحرث والنسل، فهذا خطأ، ضحيته نفس محترمة في كل عام. الفيضانات تجري وفقا لقوانينها الطبيعية، ومعالجتها ليس بنحر إنسان بريء، بل بإقامة السدود، والنواظم. فالنقد يريد نقل المعرفة من حقلها الخرافي – الطقوسي إلى حقلها العقلاني. فيكون نقدا إيجابيا، تفرضه القيم الإنسانية والحضارية. وإما الطقوس المسالمة التي لا تشكل خطرا على وعي الإنسان فتبقى محترمة، لأنها مبادرة تلقائية، ليست خاضعة للتعقل بل حالة روحية نشأ عليها الإنسان، وعاشها بكل مشاعره ضمن بيئته وتربيته، فترسخ في أعماقه. ويكون التخلي عنها أشبه بالمستحيل ما لم يمارس الفرد نقدا ذاتيا. فلا غرابة أن يمارس كبار الشخصيات طقوسا تارة تكون بالية. لكنه يجد نفسه منشدا لها بجميع مشاعره، من خلال استجابة تلقائية قد لا يعي سرها وسببها، لكنه ينقاد لها لا إراديا.

إن تأثير الإيمان بغض النظر عن موضوعه، قضية محيرة، فالمؤمن يفكر بعقل باطني، يهيمن على وعيه وإرادته، فتجده مدفوعا بثقة ويقين مدهش. ولا يهمه التخلي عن عقله لصالح إيمانه وعقيدته. والإيمان حالة نفسية، تستمد حضورها من مقولات ومفاهيم راسخة في عمق البنية المعرفية، وهي مفاهيم ومقولات المرحلة الأولى في حياة الإنسان، لا تتزعزع، وتبقى تؤثر مدى الحياة لا شعوريا. كما أن الإيمان يتوهج بالطقس، ويستعيد نشاطه وقوته. فالمؤمن يبحث عن طقس يجدد فيه إيمانه. وبالتالي فممارسة الطقس ممارسة إيمانية، يتجلى فيها خشوع المؤمن، فلا يستهان بها كظاهرة إنسانية وروحانية واجتماعية. بل حتى الشعائر الدينية هي نوع من أنواع الطقوس العبادية المفروضة أو المسنونة؟

 

فلسفة الإيمان بالطقوس

أجد في حرص الناس على ممارسة الطقوس بعدا أعمق، يتجاوز مسألة الإيمان وضمأ الروح وحاجتها لما يروي عطشها، ويفتت حيرتها، ويعيد لها استقرارها، وطمأنينتها، فثمة قلق مصيري يستبد بالإنسان يدفعه للتشبث بها، منشأه سؤال الحقيقة عن مآل المصير البشري، وكيفية النجاة. فالإنسان مفجوع بكوارث الطبيعة، ومفاجآت الحياة منذ القدم، ومصدوم بالموت، تلك الظاهرة التي حار العقل البشري في تفسيرها، والأكثر ما بعد الموت، حينما راحت أرواح الرموز العائلية والأبوية تطوف حول أبنائها، فاضطروا لعبادتها، وتقديم القرابين ضمن طقوس خاصة، لدفع شرورها، وكسب مرضاته، ورعايتها، وعطفها. والتمهيد لما بعد الموت، بما يكفل نجاته. وبهذه الطريقة تشكل الإيمان. فقلق المصير البشري، وهاجس النجاة، وراء ممارسة الطقس، وهو سبب دفين في أعماق النفس البشرية. وقد غذى الخطاب الديني روح الخوف من الآخرة وعواقبها، ضمن منهجه التربوي القائم على الترغيب والترهيب. فالشعائر الدينية  في نظره تعبير آخر عن حاجة الإنسان لدفع غضب الله تعالى عليه، وضمان نجاته في دار المعاد. وهي نظرة تراثية، شوّهت الرؤية القرآنية القائمة على مجازاة المفسد، والظالم لحقوق الناس. ومن يسعى في الأرض الفساد. كما أن بعض العقائد رسمت صورة قاتمة لله تعالى وعقاب الآخرة، وأضافت لها عذاب القبر وما قبل الموت، وحصرت النجاة بها دون غيرها. وقد أثّر هذا المنطق على فهم العلاقة بين الإنسان وربه، ودفعه للتشبث بكل ما هو خرافي لضمان نجاته. فالخوف أحد الأسباب، وربما أقواها، يتجلى ذلك بالقرابين البشرية التي تقدم للآلهة عبر طقوس دينية، رغم عنف المنظر الدموي.

وهناك من يمارسها لتأكيد الذات والهوية والإنتماء، أو ينساق مع العقل الجمعي في إحيائها، ضمن شروطها. وبالتالي فتحت مشاعر التبجيل والفرح والحزن خلال ممارسة الطقوس ثمة بنية أعمق تدفع إلى أدائها بإيمان منقطع النظير. بنية قائمة على سؤال الحقيقة، وقلق المصير البشري ومآلته. غير أنه متوارٍ، ضمن اللامفكر فيه، يتجلى بمواصلة التنقيب في أخاديد البنية المعرفية. فطالما يتستر بعناوين أخرى، وينطلق من  منصات مختلفة كالفرح والحزن، وجلب الخير، ودفع الضرر. لكن تبقى الحقيقة أنه ينتظر ما يبدد خوفه بفيض روحي، يبعث فيه الطمأنينة والإرتياح النفسي. لذا يشعر بعد أدائه الطقس أنه أنجز عملا لا يخضع للمقاييس المادية، فتجده مليئاً بالغبطة والسعادة والارتياح بما في ذلك طقوس الحزن. كأنه يقوم بمراجعة عميقة مع النفس، ليواجه خوفه الدفين بما يطمئنه. خاصة الشعوب التي لازمها القهر والظلم والحرمان، ويلاحقها الخطاب الوعظي باستمرار، يترصد كل حركاتها، ويحصي عليها أنفاسها، ويتوعدها بالويل والثبور على قضايا لم يرتكبها الإنسان، فهو مسكون بالخوف، مهدد بمفاجآت الحياة. بل حتى المجتمعات المستقرة يعاني فيها الفرد خوف المصير، وقلق سؤال الحقيقة، فيعالجه بمعاقرة الخمر وتعاطي المخدرات، والإسراف في ملذاتها، وكلما استفزه سؤال الحقيقة، عاودته هستريا تتلبسه لا شعوريا. من هنا تجد مجاميع كبيرة من الشعوب الأوربية تلجأ للمعابد ورياضة التأمل (اليوغا)، وتسافر هروبا من المادة وأجوائها إلى الهند والصين. فثمة فراغ، ولا جدوى طاغية على الحياة، وليس كالدين والطقوس الروحية، يمنح الإنسان المعنى ويضفي الجدوى على حياته. لكن للأسف عطلوا وظيفة الدين الحقيقية، ووظفوه لمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية.

 

الآثار المختلفة للطقوس

يمكن الاشارة إلى أهم الآثار الاجتماعية والسكلوجية والثقافية والدينية للطقوس.

1- تساهم الطقوس في تعميق روح الإنتماء، ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، فقديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمق روح الإنتماء ويعطي معنى له. ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا. وليس كالمناسبات والطقوس والشعائر الدينية أداة أمضى في قدرتها على تعميق روح الإنتماء للجماعة. والسبب أن الشعائر والطقوس والمناسبات الشعبية الكبرى، لها عمق روحي وثقافي وفكري وعقيدي، فهي لا تمثل جهة، بل تمثل العقل الجمعي، والذاكرة المشتركة، وأحد مقومات الهوية، فالتفاعل معها يكون تلقائيا، وقد لا يكتفي الفرد بممارسة الطقوس بل يستعد لها، ويساهم في نشاطاتها. فبعض الناس يقطع مسافات طويلة للمشاركة في بعض الطقوس الشعبية التي يجد فيها ذاته، ويحقق من خلالها حضوره. والمدهش أن بعض الطقوس تتجاوز قناعات الفرد الأيديولوجية، فيتخلى عنها ويمارس طقسه مع الجماعة رغم شدة تقاطعها مع متبنياته الفكرية والعقيدية. شاهدت هذا مرارا خلال طقوس عاشوراء، حيث تجد شخصاً طاعنا بإلحاده، ورفضه لكل مظهر ديني، ولا يتردد برمي الدين بالتخلف والرجعية، لكنه يمارس طقس عاشوراء بكل تفاعل، فأترصده من بعيد، أبحث عن سرّ إندفاعه ومدى صدقه، فأجده يتفاعل بكل جوارحه حد التماهي التام، اعتبارا من اللباس، ثم اللطم على الصدور، وتناول وجبة الغداء، والغريب حينما يتكلم مع الناس يتحدث بنفس لغتهم ومصطلحاتهم. فيؤدي التحية والرد عليها بطريقة دينية، ودعواته المستمرة لمخاطبيه بالشفاعة وقبول الأعمال من قبل الله تعالى وشفاعة الحسين بن علي!!!!. والأمر واضح بالنسبة لي، أن الطقوس أعمق جذرا، حتى من العقل الجمعي. لذا تجد الأديان تؤكد على الشعائر التي هي طقوس مشرّعة، لها فلسفتها الدينية، ورهانها إلايماني حينما ينقاد الفرد للعقل الجمعي في توجهه للخالق، كالصلوات الجماعية والمناسبات الدينية الكبرى المشرعة وفقاً لشريعة ذلك الدين. فيتعمق إيمان الفرد ويألف العبادة وأداء الشعائر.

2- تعمل الطقوس على حماية وتحصين الذاكرة المشتركة للشعوب والجماعات البشرية، التي تقوم بدورها في تعميق روح الإنتماء. فحماية الذاكرة المشتركة من الإنقراض ضرورة اجتماعية، نحن نعيش تجلياتها، حينما نشعر بانتمائنا المشترك للتاريخ والأحداث الكبرى. فهي جزء الهوية، وأحد معالمها. لهذا تسعى الشعوب لترميم ذاكرتها المشتركة، وتحفيز التلاحم معها.

المجتمعات تتقوم بعناصر عدة، تقع الذاكرة المشتركة في مقدمتها، إضافة للغة ورابطة الدم والجغرافية والعادات والتقاليد. من هنا أجد اهتماما كبيرا رسميا وشعبيا في أستراليا وغيرها من الدول حديثة التأسيس التي تعاني فقر التاريخ والذاكرة المشتركة بين شعوبها المهاجرة، فتهتم اهتماما بالغا لإحياء مناسباتها الوطنية التي ظهرت بعد اكتشافها ومن ثم تأسيس دولتها، لأهميتها اجتماعيا، وبناء ذاكرتها المشتركة، فتجد الجميع يشارك فيها برغبة عارمة. وهذا يعني أن الجميع بحاجة لتلك الذاكرة المشتركة، والتاريخ الموحد.

3 - الطقس منظومة ثقافية اجتماعية، وليس مجرد حركات ومشاعر نفسية، يمكن من خلالها دراسة البيئة الفكرية والثقافية للمجتمع، ورؤيته للكون والحياة، وفلسفته للموت وما بعده، وموقفه من مختلف المظاهر الاجتماعية والسياسية والدينية. فعندما يخضع الأنثربولوجي الطقوس للدراسة، يريد اكتشاف المضمر من أنساقها المعرفية، والمهيمن الثقافي حينما يستبد بوعي الفرد والمجتمع، حيث يخبو العقل عند ممارسة الطقس لتحل الذاكرة المشتركة محله. لذا تؤكد الأديان على بعض الشعائر، لقدرتها على تطويع الإيمان من خلال العقل الجمعي. فالإيمان بالمطلق واليوم الآخر لا يتأتى من حسابات رياضية، بل من خلال الروح وقدرتها على اكتشاف الحقائق والتفاعل معها. فكم من مؤمن لا تجد عنده حرارة الإيمان. والعكس صحيح.

وللطقوس أيضا وجه آخر

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا شك ان الطقوس تعبر عن علاقة اجتماعية بين افراد الجماعة المؤمنة.
والواقع يؤكد أن الدين هو الذي فرض نفسه على العقول المستنيرة،
و استطيع ان اقول انه ربح الجولة، فقد انتزع من الماديين اعترافا باهميته في تحريك الافراد و الجماعات،
و كل ثورات العالم الثالث تستغل الدين لتحقيق مآربها، و تختفي وراء ستارته، و لا توجد حالة واحدة تحركت بها الجموع لنشر افكار مستنيرة او لتنفيذ برنامج نهضوي،
و ما نسميه بحركات التحرر هو مجرد تحالف بين العسكر و افراد الطبقة المتوسطة لانتزاع السلطة من الارساقراطية المحلية،
و برأيي كل الافكار و البرامج تنافق الدين و تستغله، فالقوميون يجدون في الاسلام خلفية تاريخية لهم، وواقعا لا بد منه، لمد جسور الثقة مع الجماهير،
اما الشيوعيون فيقرون بأهميته، و كل من انكر دور الدين يشعر بالندم و يعض اصابعه الآن خجلا من قصور نظره،
و حتى في الغرب الذي فصل السلطة عن الكنيسة يحملون شعارات ايمانية و مسيحية واضحة، و الدولار الامريكي له شعار: بالله نحن مؤمنون.
طبعا انا لا اروج للميتافيزياء و الاتكال على النظريات الروحية، و لكن اعطوني البديل. كيف يمكن للمجتمع ان يتواصل مع افراده بهذا التماهي،
لا يمكن ان يكون الخطأ في برنامج الانسان، السوفت وير الروحي و الوجداني الذي لديه، و لكن في اساليب التربية، التي ألقت مسؤولية كل شيء على قوة غير منظورة، و هي الله، او واسطتنا اليه، و هو الوحي و الدين. و دور العبادة، و هي على فكرة عبادة اجتماعية او تقليد اجتماعي و تتحكم به آليات و طقوس مادية، و نادرا ما تكون العبادة من خلال تواصل عقلي و تنويري مع مضمون الأداء الروحي للانسان. و لنأخذ الأعياد و صلاة الجمعة، حتى من ليس له دين يحتفل بالعيد، و حتى من لا يصلي خمس مرات في اليوم ينضم للجماعة في صلاتهم الاسبوعية،
و يبقى دورنا في تفكيك سلبيات الاتكال على هذه القوة و ضخ مزيد من التوعية و الاعتماد على الموهبة الفردية و نفعيتها للمجتمع و للذات.
و هي مهمة صعبة، أعتقد ان الاستاذ الغرباوي يحب ان يكلمنا عنها في وقت لاحق،
بعد ان برع في تحليل القوة الروحية الموجبة للايمان و خلق مضمون انساني للفرد البسيط و الضعيف يعيد اليه به ثقته بنفسه، نحن بحاجة لنعرف كيف نحول الايمان الى معرفة و ليس لمحبة فقط.
و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك المسهب، ستكتمل الصورة عن الموضوع في الحلقة القادمة اتمنى ان تروق لك، مع خالص احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

اثار الاستاذ ماجد الغرباوي تساؤلا هاما حول التطفل على الطقوس الدينية خاصة من البعض الذين لايؤمنون بها، والسؤال الذي لا بد ان طرحه هنا : ما الذي يدفع شخص ملحد لا يعتقد بوجود الله أصلا ان يشارك في طقوس لا تنسجم مع فلسفته المادية، هل ممكن ان نصف سلوكه هذا بالنفاق الاجتماعي، ان هو المسايرة ومراعاة تقاليد المجتمع، من اجل الحصول على القبول والاستحسان، ويحدث ذلك عادة في المجتمعات ذات العلاقات الأولية ( المجتمعات الصغيرة) حيث يعرف الناس بعضهم البعض،، ولكن عندما يكون الشخص نفسه بعيدا عن أنظار الجماعة فانه لا يجد حرجا في التصرف وفق قناعته الفكرية، وقد تحدث المشاركة في الطقوس الدينية خاصة بتأثير العدوى ( السلوك الجمعي) الحماس، التعاطف( التماهي مع الطقوس العاشورائية مثلا ) لانها تحرك المشاعر العاطفية لدى الفرد الشيعي بغض الطرف عن عقيدته الفكرية ، انسجاما مع جذر الطقس التاريخي المحاط بأحداث مأساوية( حادثة ألطف) وقد لا يشعر الشخص بأي نوع من التناقض في سلوكه ، بعكسه يشعر بالانتماء للجماعة والمشاركة في طقوسها من منطلق الواجب الاجتماعي.

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي للاديب والروائي المرموق صالح البياتي حضوره وتفاعله مع الحوار، وهذا يسعدني. نعم هذه الامثلة ليست عزيزة، وهناك تفسيرات عدة كما تعلم، لكن ذكرت هنا تفسيرا اعمق يغور بعيدا عن الانظار في اعماق النفس البشرية، يحتاج لحفر متواصل كي ندركه. ليس سهلا الاقتناع به لكن التأمل الفلسفي يهدي لهذه النتجية. خالص احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع؛ و شكراً الى الاخوة المعلقين. و احب ان اضيف التعليق التالي:

1- نعم؛ كل شعوب الارض لها عاداتها و تقاليدها في احياء طقوسها ؛ علماً ان هذه الطقوس تتجدد من جيل الى جيل. و لكن الشيء الاساسي ان كل هذه الطقوس يغلبها الفرح؛ كالطقوس الدينية كالاعياد و كذلك المناسبات الوطنية و غيرها.

و ان هذه الطقوس لها فائدة هي تقريب الناس مع بعضهم البعض و اثارة روح المحبة و التآخي بين ابناء المجتمع.

و لكن احببت ان اعلق على نقطتين اساسيتين و هما الشفاعة و الطقوس الدينية الاسلامية المذهبية؛ و هما الشفاعة و الشعائر الحسينية .

حسب فهمي المتواضع للدين هو علاقة روحية بين الانسان و خالقه و هذه العلاقة تعضد بأداء الانسان الملتزم متطلبات الدين الاسلامي و هي الصلاة و الصوم و الحج --- الخ و ان الله سمى هذه المتطلبات "بالشعائر الدينية او شعائر الله". و يجب الالتزام بكل قيم الدين الاسلامي اي ان الانسان المسلم يجب ان يكون عنصراً خيراً يساهم في تطور المجتمع و يخدم جميع افراده بغض النظر عن اديانهم و اعراقهم. لان فلسفة الدين هي خدمة البشر و اسعادهم.
الانسان مهما عمل لا ينال الكمال ؛ لان الكمال لله فقط. وان الانسان يعرف ان تقييم عمله الانساني خلال فترة حياته متروك الى الله لا احد يستطيع ان يضمن له الجنة ؛ لان كل مفاتيح الغيب عند الله.

و ان الله اوجد الشفاعة عن الانسان و هو المسؤل عن هذه الشفاعة لا احد غيره كما في الاية التالية:

سورة الزمر آية 44:
44- قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

الاية اعلاه واضحة بشكل صريح ان الله تعود اليه الشفاعة عن اي بشر اخطاً.

و توجد آية اخرى تقول :

الزمر الاية 109

109- يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا

الاية اعلاه افهمها ان الله اعطى "سماحاً مشروطاً" بقبول الشفاعة التي يطلبها الانبياء للناس الذين عايشوهم..!!!. و هذا يمكن تبسيطه على انه تزكية من قبل الانبياء لاشخاص معيين؛ و لكن هذه التزكية يجب ان تقترن بموافقه الله؟؟.. قد نقبل هذا لان الانبياء نفرضهم يعرفون سيرة الناس الذين عايشوهم؟؟.
و لكن الشيء الذي نعرفه من القرآن ان الرسول لا يعرف بالغيب؛ و لم يعاشر الاجيال التي جاءت بعد وفاته لكي يحكم عليها و يقيمّها؛ فكيف يكون الانسان الذي لا يعرف سيرته مشمول بالشفاعة؟؟؟.

هذه النقطة استغلت استغلالاً خاطئاً و فضيعاً من قبل المسلمين و بالاخص من قبل الحكّام و رجال الدين و الاحزاب الاسلامية ؛. اقتل و اسرق و اعمل كل شيء مخالف لقيم الدين و للقيم الانسانية فأنك ستكون مشمول بشفاعة الرسول لانك مسلم؟؟.

و اعتقد ان هذا هو سبب الفساد السائد في مجتمعاتنا. نحن نقتل الانسان البريء و نسرق الناس و نعمل كل شيء مخالف لقيم الدين و نذهب الى الحج او الى الاماكن المقدسة لطلب المغفرة و الشفاعة و كأن شيء لم يكن!! و نعيد الكّرة مرة اخرى؛ و هكذا. و اعتقد ان هذه الشمّاعة اي شمّاعة الشفاعة و سوء الفهم للدين هي التي دمرتنا و جعلتنا افسد شعوب الارض.

هذا فهمي لها اذا كان احد لديه رأي آخر فليوضحه .

الشعائر الدينية لقد وضحتها اعلاه و هي تتناول شعائر عبادة الله من الصلاة و الصوم و الحج—الخ و ان القرآن سمّاها "شعائر الله" في آية الحج. و هي كانت سائدة في زمن الرسول.
و لكن في الوقت الحاضر ظهرت لدينا ظاهرة جديدة ليس لها علاقة بالعبادات ابداً تسمى "الشعائر الحسينية".
نحن نعرف ان مقتل الحسين جريمة لا تنسى و بالاخص من الناس الذين بايعوه ثم انقلبوا عليه كما انقلبوا على ابن عمه من قبله. و هؤلاء الذين يتاجرون بقضية الحسين هم احفاد الذين قتلوه.
من الممكن ان نعيد هذه الذكرى الاليمة و لكن ليس بالطريقة التي وضعها هؤلاء من لطم و تطبير و زناجيل و غيرها من الامور البعيدة عن روح الدين.
من الممكن ان نجعل هذا اليوم هو يوم جمع تبرعات للفقراء و زيارة المرضى و القاء محاضرات تدعم التآخي بين ابناء المجتمع العراقي.
رسمياً كان من الممكن ان ينزل العلم العراقي و توقف حركة السير و العمل في كل العراق لمدة دقيقة او دقيقتين ؛ و تعزف الموسيقى الحزائنية. بدلاً من هذه الفوضى و تعطيل الدوام و صرف الاموال التي يمكن استغلالها في دعم فقراء العراق و ايتامه و ارامله.

الشعائر الحسينية الشائعة عندنا منعها الخميني( و هي ممنوعة في الدستور الايراني و يسجن 6 اشهر كل من يمارسها) و سبق ان منعها سيد محسن الحكيم في العراق و كذلك منعها السيد محمد حسين فضل الله في لبنان لانها داخلة على الدين من اقوام اخرى.

ان الاية التي يتبجح بها دعاة هذه الشعائر هي الاية 32 من سورة الحج:

" ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"


هذه الاية جاءت في موسم الحج و هي تتناول مناسك الحج و عبادة الله و ليس لها لا من قريب و لا من بعيد بالشعائر الحسينية.

لكي نوضح هذه الاية (اي 32 ) بشكل اكثر علينا ان نلاحظ الايات التي قبلها و التي بعدها كما موضحة ادناه.

سورة الحج الايات 31؛ 32 و 33.

31- حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ

32- ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

33- لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ

من هذه الايات يبدو واضحاً انها تتعلق بمناسك عبادة الله في وقت الحج. اذاً لماذا نغالط الحقيقة؟؟؟؟. و شكراً

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للتعقيب والتعليق الاستاذ الدكتور ثائر عبد الكريم. وشكرا للشهواهد القرانية دمت بخير وعافية

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4191 المصادف: 2018-02-25 02:10:29