المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (66): النص والتاريخ

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق21- س73) الحديث عن مفهوم النص ولوازمه.

 

النص والتاريخ

ماجد الغرباوي: التاريخ: هو حركة الإنسان في الواقع، وصراع الأضداد حول الشرعية والحقيقة والمصالح الاستراتيجية، التي وظِّفت لها مختلف القدرات، بضمنها النص المقدس، الذي كان الأساس في صناعة التاريخ السياسي للمسلمين. فالنص، مطلق النص أداة لدراسة التطورات التاريخية والفكرية. ولقد بات للروايات الموضوعة قيمة توثيقية لدراسة مسارات الفكر السياسي والعقيدي للمسلمين، وتطورهما تاريخيا. ومقياس لوعيهم دينيا وفكريا وسياسيا. جدير بالذكر أن الموقف السياسي بعد وفاة الرسول لم يتأسس على أية وثيقة دينية، آية أو رواية صحيحة، بل أن الفكر السياسي والعقيدي المنبثق عنه، تأسسا على موقف سياسي. وكان أحد أسباب التطور الفكري. بل أن الفكر الإسلامي انشغل بالموقف السياسي لعدة قرون، فكان المنجز الفكري والعقائدي تأصيلا للموقف السياسي وشرعنته، وليس العكس. من هنا تفهم القيمة العلمية والمعرفية للروايات التي يتبارى بها المسلمون، شيعة وسنة. فجميع ما صدر منها هي نصوص ما بعد الوقوع. 

وقد لعبت مدونات التأسيس، أو النصوص المؤسسة دور البطل في صناعة التاريخ الإسلامي. وكانت المرجعية الفكرية الأساس للنشاط الحضاري عبر القرون الأولى. وأيضا كان لها دور في تراجعه، عندما أُسيء فهم الدين ومقاصده وغاياته، وعدم مراعاة تاريخية النص، وشروط فعليته. وفي مجال السياسة كان النص الأخطر بين العوامل المؤثرة فيها. ومن يروم قراءة التطور الفكري والعقيدي والسياسي للمسلمين عبر القرون الأولى، يمكنه ذلك من خلال متابعة النصوص وتاريخ ظهورها. فالروايات كانت تلبّي مختلف الضرورات، وفقا لمصالح شخصية وسياسية وعقيدية. وكانت بوصلة الوعي السياسي. وقد واكب النص جميع التطورات وعلى أكثر من صعيد، فدراسة الرواية بشكل عام يكشف عن مراحل التطور الفكري والعقائدي والسياسي لتاريخ المسلمين. خاصة أن الفكر السياسي، فكر اجتهادي، فرضته ضرورات السياسة. وقد استأثرت الروايات الموضوعة بالدور الأهم، تأسيساً واستمراراً، ولا علاقة لها بالدين، سوى المبادئ العامة، والقيم التي لا دليل على وجود الإلتزام بها من قبل خلفاء المسلمين. أي أن القضايا التي شرعتها وفرضتها الروايات لا دليل على صحتها وصدورها، وليس لها جذر قرآني صريح، سوى تأويلات لبعض الآيات. فيمكن من خلال خارطة صدور النصوص التعرّف على الخط البياني للتطور الفكري والعقيدي، والكشف عن جميع الضرورات السياسية والعقيدية التي دفعت لوضع الروايات والكذب على رسول الله بطريقة لبقة أخفت كذبها وتدليسها. فعلاقة النص بالتاريخ علاقة جدلية، فكما أثر النص بالتاريخ، كذلك حفز التاريخ وضروراته على صدور النص وانتشاره لمختلف الدواعي، خاصة في خضم الصراع حول شرعية السلطة، والتنافس الحاد على احتكار الحقيقة. حيث قوة تأثير الروايات في وجدان المسلمين باعتبارها أقصر طرق النجاة، مما يفرض تقديسها والإذعان لها.

مما تقدم يتضح أهمية دراسة النص باعتباره محركا للتاريخ والأحداث الكبرى، وكان وراء مختلف التطورات، فينبغي لنا كشف الحقائق كي لا نتهاون في نقد النصوص التي ما زال المسلمون يتشبثون بها رغم كل تداعياتها التاريخية. وهنا نلقي نظرة على مفاصل النصوص وتأثيراتها عبر تاريخ المسلمين، وسأصطلح على ما عدا الصحيح منها بالروايات المحتملة. وهي كل رواية لا يمكن الجزم بصحة صدورها أو نفيها، كي لا نتهم أية رواية بالكذب والوضع، خاصة عندما يكون الراوي ثقة، سواء كان صحابيا أم غيره. فاحتمال الصدور يشمل بإطلاقه الروايات الموضوعة، وكل نص لا يمكن الجزم بكذبه وعدم صدوره. فيبقى محتمل الصدور. إضافة إلى الروايات المظنونة، والمشكوكة، والمحتملة، وفقا للتصنيف المنطقي:

لقد دشنت الدعوة المحمدية بعد وفاة الرسول مرحلة الإسلام السياسي. فانتهت بذلك حقبة التنزيل لتبدأ مرحلة التأويل. الإسلام ولد دينيا، وانتهى سياسيا. يظهر هذا جليا من خلال التوظيف الدلالي للآيات لصالح الموقف السياسي، وترسيخ السلطة، ومرجعياتها الفكرية والعقائدية. فتعددت دلالاته تبعا لزاوية النظر، حتى بات من السهل متابعة حركة أهل البيت وشرعيتهم ومراحل حياتهم السياسية، حينما تنظر للقرآن من زاوية عقائدية شيعية، خاصة الرؤية المغالية التي لا تسمح بأي شريك للكتاب ما عداهم. والتراث الشيعي زاخر بالتفسير الأثري للقرآن، الذي يخص أهل البيت بمصداقية جميع الآيات. كما ستقرأ تأويلا حركيا، ثوريا، لا يفهم سوى العنف والإرهاب طريقا، عندما تتدبر آيات الكتاب بمنظار الحركات الإسلامية، خاصة التكفيرية، المتطرفة. وأيضا تضعك الرؤية السنية في مدار معتقداتها السياسية، وشروطها التي أسست لها منذ بداية سلطة المسلمين، ووجوب طاعة أولي الأمر طاعة عمياء، وإقصاء مختلف المعارضة. وهكذا الاتجاهات الأخرى. فالتجرد في فهم وتفسير القرآن بات بعرف المذاهب الإسلامية تجاوزا على حرمته، ومخالفة صريحة لنبي الإسلام. فكل التفاسير متحيزة، وقد أسقطت قناعتها السياسية والعقيدية بلا تريث وخشية من الله تعالى. وبات الدين مورد استقطاب، كل يسعى لاحتكار الحقيقة والشرعية دون خصومة. ومزقوا الأمة الإسلامية شيعاً، فصدق عليهم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ). الكل انغمس في لعبة تقطيع أوصال المسلمين، ولا يمكن لأي منهم تبرئة ساحته، مهما بالغ في احتكاره الحقيقة دون غيره.

وبالتالي انتهت بوفاة الرسول مرحلة الإسلام الديني لتحل محلها مرحلة الإسلام السياسي، ولا يمكن اعادة الاعتبار للدين إلا برؤية نقدية، تتوغل في أعماق المقدس، بحثا عن تاريخيته، كي نتمكن كحد أدنى تعطيل مرجعيات الزيف الديني والمذهبي الذي استباح دماء الناس، ونهب ثرواتهم، وعمق فيهم روح الإتكال والتبعية والانقياد، والتخلف المرير. وقد مر الإسلام السياسي بمراحل، بدأت سلمية لتنتهي مرحلة الخلافة الأولى بدموية قادها صحابة رسول الله، فكان جميع القتلى من الصحابة والتابعين. ثم مرحلة الاستبداد السياسي، المؤطر دينيا. وهي مراحل عدة، يهمنا المقطع التاريخي الأول منها. وفي جميع المراحل تجد النص / الروايات دليلهم، وقد تطورت بعض النصوص تاريخيا تبعا لتطور الحالة السياسية، فصار النص الأول يواكب حركة التطور السياسي – الديني عبر نصوص جديدة تنتمي له في مضامنها، وتتفرع على أحكامه وقراراته. ونظرب بعض الأمثلة تؤكد تطور النص تاريخيا:

 

رواية: الخلافة في قريش

لقد دشن الإسلام السياسي مرحلته بصراع لم يحسم إلا بنص / رواية لصالح المهاجرين وقريش ضد الأنصار، حينما قلب حديث "الخلافة في قريش" موازين القوى. فقد روى أبو بكر رواية عن النبي، لا نعرف ماهي مناسبة الحديث عنها، وما هي القرائن الحالية والمقامية التي رافقتها. وقد أكدت في أكثر من مناسبة، عدم إمكانية صدور هذه الرواية التي تحمل الرسول مسؤولية استناد السلطة لقريش دون باقي الصحابة، بما فيهم طاقات كفوءة، طالما اعتمد عليها في انجاز مشاريعه الدعوية والقتالية. لكن رغم ذلك تبقى الرواية ضمن الروايات المحتملة، وفقا للتصنيف الذي ذكرته.

ليس المهم صدور الرواية، لكن ما يهمنا معرفة آثارها وتداعياتها، وكيف طورت الرؤية السياسية، وهنا نكتفي ببعضها، مثالا لبيان علاقة النص بالتاريخ، وكيفية مواكبته للأحداث والضرورات السياسي والعقيدية.

- تعتبر رواية " الخلافة في قريش"، بجميع صيغها، أول تأسيس للفكر السياسي الإسلامي بعد وفاة الرسول، سواء صدرت فعلا عنه أم لا، فهي رواية محتملة الصدور لكن وقعها كان كبيرا. وهذا ما نريد بيانه، لمعرفة حجم تداعيات الروايات الموضوعة، سياسيا وفكريا وعقيديا. فهذه الرواية هي التي حسمت موضوع الخلافة، باعتبارها رواية نبوية مقدسة، ولها سلطة التشريع والبت في القضايا الخلافية. فالرواية كانت انعطافة حقيقية، أخرجت الإسلام من طوره الديني إلى طوره السياسي، ورسخت الوعي السياسي للدين . ولم يعارضها أي نص (آية أو رواية). فصدى الرواية وهي تحسم الموقف يكشف عن وجود فراغ تشريعي، فضح جميع ما صدر من نصوص لاحقا تريد شرعنة الخلافة أو الإمامة لطرف دون آخر، رغم حاجة جميع الأطراف آنذاك لوثيقة ترجح أحدهما.

- تعتبر هذه الرواية الأساس الشرعي لشرط القريشية في الخلافة، وفقا للفقه السياسي السني، الذي أدرجها ضمن الأحكام السلطانية. فكرست الرواية نخبوية السلطة في دائرة ضيقة، وضاعت في ظلها قيم الكفاءة. فالشرط القبلي تقدم على كل شرط عقلائي يفترض توفره في المتصدي للحكم. وهكذا عندما حصر الشيعة الخلافة بأهل البيت وفقا لهذه الرواية بالذات، فلم يتغير شيء وبقي شرط القريشية هو المبدأ الأول في الفكر السياسي للمسلمين، فأهل البيت جزء من قريش. فيصدق أن النظام السياسي للمسلمين نظام ثيوقراطي، عنصري، مهما حاولت الأدلة تبرير نخبوية الخلافة أو الإمامة، ومهما سعت لتقديسها وأسطرتها. ولم يتغير أي شيء بظهور روايات فيما بعد راحت تشرعن الخلافة والإمامة. فنظام المسلمين نظام قبلي، يؤمن بقريش عنصرا بشريا متعاليا مؤهلا للسلطة دون غيره. لذا لم يناقش أحد مبدأ السلطة خلال الخلافة، وكانت المفاوضات أحيانا حول شروط الحكم وأولوياته.

- إن النخبوية التي أسست لها هذه الرواية تبرر استبداد الحاكم وإطلاق صلاحيته، لأنه استمد سلطته من طريقين، شموله بهذه الرواية، والبيعة أو التعيين. وهذا نظام يواكب التطور الحضاري، ونظرة العالم لحقوق الإنسان. فالدم والقومية ليست من قيم التفاضل قرآنيا، بل إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وأضيف: وأفضلكم في السلطة أكفأكم، والثاني مبدأ عقلي وأخلاقي. فلماذا لا تشمل السلطة الأكفاء من صحابته، من غير القريشيين؟.

- كرّست هذه الرواية الحس القبلي، بل وفضحت أصالته في الشخصية العربية رغم إسلامها، فالرواية لا يمكن لها المرور لو لا وجود أرضية تتقبل زعامة قريش، وهو حس شائع آنذاك، وكان الخلاف حول إمكانية تزعم الأنصار لقيادة جماعة المسلمين، غير أن سطوة قريش هيأت الأجواء لاحتكار السلطة. وهذا يؤكد تجذر الحس القبلي، خاصة حينما لا يتقاطع مع الدين. ويبقى السؤال عن مدى نجاح الدين في تحرير الإنسان من قيمه القبلية الموروثة؟.

- جسّدت هذه الرواية سلطة النص المقدس، وقدرته على حسم الأمور، وهذا مكمن خطر الروايات التي تتطلب مزيدا من النقد والتدقيق في كل رواية ينصاع لها المسلمون، بدوافع دينية أو عقيدية أو سياسية. فالمتلقي يفهم من الرواية قول الرسول الواجب طاعته، ولا يهتم كثيرا للسند، ومدى صحة الرواية. لذا تؤكد الروايات الموضوعة نسبتها للنبي لتتجاوز محنة السند والتوثيق. بمعنى آخر أنها تلوذ باسم النبي لتمرير مضمون الخبر. فمصدر الخبر هو الذي لعب دور التأسيس والحسم. لذا ينبغي دراسة المتن بعيدا عن خدعة المصدر، فالكذّاب لا يهمه على مَن يكذب.

وبالتالي فهذه الرواية أسست المبدأ الأول في النظام السياسي للمسلمين، وفق قيم قبلية بعيدا عن الدين وقيمه الإنسانية، ثم راح يتطور تاريخيا وفقا لحاجات سياسية وطائفية.

 

التطور التاريخي للنص

لم يتوقف الأمر على رواية (الخلافة في قريش)، لترسيخ الملازمة بين قريش والسلطة، بحيث تبدو نظرية السلطة في فكر المسلمين نظرية ثيوقراطية من صميم الدين، فلا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، سوى التخصيص في الدائرة الأصغر، لكنهما لا يختلفان حول قريشية السلطة. فشجعت هذه الرواية على صدور روايات أخرى لصالح قريش وسلطتها، كرواية (الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء 12 كلهم من قريش)، وقد مر تفصيل الحديث حول عدم صحة صدورها، وهي رواية موضوعة لكنها تبقى محتملة. فإذا كان دور الرواية الأولى تأسيسيا فإن دور هذه الرواية شرعنة سلطة قريش على امتداد 12 خليفة. اي ستة أجيال وهو أقصى مدى للحياة كان العرب يتصورونه. فمضمون النص الأول (سلطة قريش) طور نفسه ليواكب تطورات التاريخ، فكانت الرواية الثانية. فهذه الرواية متولده من الرواية الأولى لتعكس تطور الفكر السياسي تاريخيا.

ثم جاء دور تحصين سلطة قريش من خلال نصوص هي الأخرى لا يوجد دليل على صحة صدورها، سوى روايات آحاد، ظهرت بعد الخلافة الراشدة. والدليل على وضعها عدم الاستشهاد بها رغم حاجة الخلفاء لها في جميع مفاصل السلطة، ففي كل مرحلة من مراحل الخلافة ثمة أزمة شرعية تمر بها الخلافة الإسلامية، سببها عدم وجود نص يحسم النزاع، فهذه الروايات لو كانت صحيحة الصدور عن النبي، وكانت مشهورة بين الصحابة لاستشهدوا بها، وهي روايات ظل للروايات التأسيس، فيصدق عليها التطور التاريخي للنص. كحديث العشرة المبشرة بالجنة. الذي يمضي بشكل غير مباشر جميع سلوك هذه المجموعة، ويعتبره مقياسا للحق، الذي هو أساس ممارسة السلطة في الفكر السياسي الإسلامي في مراحله الأولى. وحاله كسابقه بالوضع، وكلا الحديثين بصدد منح قريش حصانة، تحرّم منافستهم سياسيا، وتمنع محاسبتهم سلوكيا. فهم فوق النقد والمحاسبة. ورواية: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). وأيضا: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر).

ثم جاءت رواية الحصانة الذاتية للخلافة والسلطة، وهي أيضا من روايات الظل للنصوص التأسيسية: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).. (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك). وهناك روايات أخرى كثيرة راحت تكرس سلطة قريش بل حتى سلطة بني أمية، وجميعها ظهر في عهد الدولة الأموية، وانتقال الخلافة ليزيد وراثة، في عدول خطير عن مبدأ الشورى، رغم شكليته، فلم تشهد الشورى حضورا حقيقيا في قرارات تنصيب الخلفاء. فأبو بكر نصبته قريش، والثاني عينه الأول، والثالث تمخض عن شورى قريشية بامتياز، واستولى عليها معاوية بالقوة والسيف، بعد صراع مع السلطة الشرعية المتمثلة بالإمام علي. فأين الشورى الحقيقية؟. فتلاحظ من مسار الخلافة والنصوص التي رافقتها أن سلطة قريش هي بحد ذاتها كانت هدفا للخلفاء، فكل الملاك بالنسبة لهم أن تكون قريش في أعلى السلطة. فالأولويات الدينية تأتي بعدها، والكفاءة تأتي ثالثة.

وأما على الصعيد الشيعي فقد لعبت ذات الرواية (الخلافة في قريش)، دورا أساسا في بلورة مفهوم السلطة، وراح النص يواكب التطور التاريخي، وحاجة المشروع الشيعي لنصوص تؤصل للإمامة بدلا من الخلافة، فكانت أكثر التصاقا بالنص، خاصة حينما انطلق المخيال الشيعي يرسم صورة غرائبية لرموزه الدينية وأئمته. وكانت نقطة الخلاف في الرواية بين قريش وأهل البيت أن الرواية السنية لم تشترط سوى القريشية، بينما الرواية الشيعية جعلت السلطة حكرا على جزء من قريش، وهم أهل البيت. وهذا هو مدار الخلاف على طول التاريخ. وبالتالي فرواية الخلافة في قريش يعد نصا تأسيسا للسلطة بامتياز، لا فرق في ذلك بين السنة والشيعة، وكان نواة تطور النص وتشعبه. فجميع الروايات الشيعية والسنية ركيزتها الأساس هذا النص. فالنص لم يكن ساكنا يوما، بل راح يمد أزمة شرعية السلطة بحلول عملية رغم انحيازه، من خلال تطوره، وتطور أدائه. وهذه الرواية هي التي أوجدت حقيقتها، من خلال أدائها، وإرتكازا لخلفية المتلقي القائمة على قَبَلية السلطة ومركزية قريش، ولولا هذه الخلفية لأخفق أبو بكر في روايته. وقد بينت مرارا أن الكتاب الكريم قد أهمل موضوعي السلطة والإقتصاد، ووضع مبادئا لضبط أداء السلطة، ترتبط بالعدل، والتقوى والإخلاق. وقد حذا الرسول حذو الكتاب الكريم، فلم يصدر منه ما يؤكد اهتمامه بالسلطة الزمنية، وكان جهده وهمه منصباً على الرسالة والدين. السلطة موضوع خطير وكان ينبغي للرسول التأكيد عليه بجميع تفصيلاته، ولا يكتفي بحديثه عن فضائل الصحابة، والاشارات المبهمة، وهو يعلم تداعيات الوضع. فعدم اهتمامه له دلالات بليغة.

 

رواية: من ارتد عن دينه فاقتلوه

تمثل هذه الرواية موقف السلطة من المعارضة، وتعلن الحرب ضدها، مهما كانت مبرراتها، وهي من الروايات التأسيسية أيضا. وبهذا يتبين أن النظام السياسي للمسلمين يقوم على ركيزتي: شرط القريشية، وحرمة المعارضة. فهو نظام شمولي، استبدادي، يتدخل في جميع مناحي الحياة، وخصوصيات الأفراد، فيحرّم المعارضة باسم الدين والتشريع، ويسلب الناس حقهم في تقرير مصيرهم. وقد اضطروا لهذه الرواية لقمع الردة في زمن أبي بكر، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة لسبب ما. فكان بحاجة ماسة لمبرر شرعي، لترسيخ السلطة وقمع المعارضة، فكان هذا الحديث. وقد اقتدى به كل من جاء بعده من الخلفاء. فأصبح قتل المرتد، وهو المعارض السياسي مبدأ في النظام السياسي للمسلمين.

أول ما يسجل على رواية "من ارتد عن دينه فاقتلوه" مخالفتها للكتاب الكريم، و"ما خالف كتاب الله فهو زخرف"، "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدال". (إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه فإنه حديث باطل لا أصل له) وهي ضوابط نبوية. والمسألة لا تحتاج لحديث رادع، فالقرآن أصل التشريع، ومخالفة أحكامه مخالفة لله تعالى. وعقوبة المرتد في الكتاب الكريم عقوبة أخروية وليست دنيوية، لأنها تتعلق بعقيدة الفرد. (..مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ..). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِي)، والآية الثانية واضحة في نفي العقوبة الدنيوية، حيث لم ترتب أي عقوبة على الارتداد الأول. لأن الآية تتحدث عن إيمان ثم كفر ثم إيمان وكفر، ولو كانت هناك عقوبة دنيوية يجب أن تنفذ به بالردة الأولى. لكنه لم يحصل لتدل الآية صراحة على نفي أية عقوبة دنيوية.

كما توأخذ الرواية حينما جعلت ناكر الضرورة (الصلاة، الزكاة، الصوم ..)، من مصاديق الردة، وحكمت بقتله مع عدم وجود دليل قرآني على ذلك. والمعروف أن موضوع الارتداد هو الإيمان والكفر وليس نكران الضرورة. وعدم اتيان الزكاة لا ينفي إيمان المرء. فمن لا يصلي لا يقال أنه مرتد يجب قتله، بل يشمله مفهوم مقترف الكبيرة بتركه للصلاة. لكن السبل ضاقت بهم لقمع المعارضة، وليس سوى الوضع سبيلا لتدارك نقص التشريع لتبرير القتل.

ومضمون هذه الرواية راح يتطور هذه المرة عبر التنظيرات الفقهية، وبمساعدة الفقهاء، الذين راحوا يبررون قتل المرتد عبر أدلة لا علاقة لها بالقرآن، أدلة تعتمد مقدمات، هي بالأساس صناعة بشرية، جعلوا منها سلطة مقدسة، تفرض عليهم محدداتها. وعمدة الدليل في قتل المرتد هو الاجماع، لكنه اجماعي على رواية معلومة لابن عباس، مختلف حولها، وكل أجماع ناظر لضرورات السلطة وحاجتها لبسط الأمن وقمع المعارضة، فهو اجماع مشبوه، متحيز، لا يمكن الوثوق به. الإجماع الحجة هو الإجماع الذي يكشف عن رأي الشارع المقدس أي الرسول مع عدم وجود رواية في مورده، أما مع وجودها فالحكم وحجيته يدور مدارها، ولا معنى للإجماع حينئذٍ. ولو صح قتل المرتد في زمن النبي فله ضروراته التي ترتبط بحداثة الدين، وتهديد أمن المجتمع المسلم وأسباب نجهلها. ولا يمكن للنبي أن يخالف كتاب الله.وبشكل عام لا يمكن للاجماع أن يكون دليلا شرعيا، رغم اتفاق الغالبية على حجيته، لأن الاجماع المدركي، أي القائم على وجود رواية، يكون مرهونا بحجيتها، ولا قيمة له مستقلا عنها، وإذا لم يكن مدركيا لا نعرف شيئا عن مناشئه، وليس بالضرورة أن تكون شرعية ومن خلال دليل غاب عنا، فدوافع التشريع متعددة، والفقهاء يتأثرون بقبلياتهم وثقافتهم ويقينياتهم، ومع وجود هذا الاحتمال كيف تبقى للاجماع حجية مطلقة؟

فالرواية التي نقلت الخبر لم تنقل تفصيلاته وقرائنه وخلفياته، فيجمد الفقيه على ظاهر النص دون البحث عن أسباب صدوره وفلسفته مما يعمق الشك بالحكم. لذا يبقى القرآن هو الأصل في حالات الشك كما بالنسبة لحكم المرتد، والقرآن واضح جدا في موقفه من المرتد. لكنهم قالوا أن آية السيف قد نسخت الحكم. ونعود ثانية لنقول لا يوجد نسخ في القرآن، ومن الصعب تحديد مصاديقه بذات الدليل القرآني لو قلنا بصحته. فلا توجد آية صريحة تقول أن آية السيف قد نسخت جميع آيات الرحمة والتسامح والآيات القرآنية، بل هو مجرد اجتهاد، وضروروات السلطة لتبرير الفتوحات الإسلامية.

 

تاريخ النص

إن دراسة تطور النص تاريخيا يساعدنا على فهم حقيقة الأمور، وكيفية تطور السلطة عبر التاريخ من خلال النص / الرواية / الحديث / الخبر. غير أن مشكلة المسلمين في دراستهم للتاريخ ينطلقون من قبليات مثيولوجية، ترسم صورة مثالية للسلطة ورموزها، فيتم تفسير الأحداث تفسيرا بعيدا عن الواقع، حينما يربطونه بمشيئة الله وإرادته، ويعتبرون الإمامة نصا وتعيينا كما بالنسبة للشيعة. لقد بدأ تاريخ المسلمين موقفا سياسيا، راح يتطور، والنص يواكب تطوره، يشرعن السلطة ويقمع المعارضة، ويؤسطر الرموز التاريخية. وبالتالي فثمة فارق في فهم الأحداث بين من يتابع حركتها ويتقصى أسبابها، بعيدا عن تحيزاته وقبلياته، وبين من يقرأها من خلال خلفيته وتصوره ومثيولوجيته. وهذا هو سبب الصراعات الطائفية بين المسلمين، ولن تنتهي ما لم يتغير منهج قراءة التاريخ والأحداث الكبرى. فالنقد مفتاح الحقيقة، وهو ما نسعى له دائما. القراءة الموضوعية للأحداث تلاحق الحدث عبر مفاصله المختلفة، وفهم نتائجه عبر التعرف على أسبابه وظرفه ومختلف دوعي حدوثه. بينما القراءة المتحيزة، تقرأ الحدث عبر قبليات القارئ، فتهمل جميع الأسباب الموضوعية أو تفسرها بشكل يلائم متبنياتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.............

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (12)

  1. صالح الرزوق

لدينا في تعاملنا مع النص اكثر من مشكلة لكن اهمها برأيي :
اسقاط معنى معاصر على مفردة قديمة، فالمعاني تتحرك، و احيانا تنتقل من معنى الى معنى، و كمثال عيونهم ناظرة، انها دليل عند اهل السنة على المشاهدة، و لكن لو عدت الى القاموس ستجد انها تتضمن معنى الانتظار ايضا. او الامل او التعلق بفكرة ما،
المشكلة الثانية هي اختراع شخصيات ليس لها وجود، و نحن حتى الان نختلف في معنى و مصدر الحب العذري، و هل هو حب شريف فعلا، ام ان المسألة مختلقة، و هذا يصح في كل الأمم، ففي انكلترا يوجد خلاف حقيقي حول شخصية شكسبير و مهنته، و مصداقية النصوص التي تعزى له،
و يوجد جدل حول كافكا و صديقه ماكس برود و باحثه فورد مادوكس فورد، فالمخطوطات التي حققها برود عليها شبهات اكثر من الشبهات التي تدور حول كافكا،
و لدى التمحيص لم اجد لديه اسرائيليات، بينما صديقي فيليب تيرمان المتخصص بكافكا يقدم ادلة من رسائل ضعيفة موجودة في اعماله الكاملة انه في نهايات حياته و بعد ان اشتد عليه المرض كان يهذي كثيرا بإسرائيل، و ينفصل عن وضعية اليهودي التائه و يقترب من الايمان بإله موسى و ارض الميعاد،
و لدينا في مجال الاديان المقارنة المزيد من الشكوك حول التوراة و الانجيل، هل هي صحيحة فعلا ام لحقها تحريف يخدم التطورات الاجتماعية للرسالة،
و اعتقد ان القرآن اذا كان عليه اتفاق، و خطأ مفيد افضل من صحيح ضار، لا يمكن ان نتفق على الاحاديث المنقولة.
و كتاب (صحيح البخاري نهاية اسطورة) اقرب مثال، فقد تعرض للسحب من الاسواق و المصادرة لتعويم مصداقية البخاري على حساب الحقيقة التاريخية.
لقد هاجمنا جرجي زيدان بما فيه الكفاية و اتهمناه بتشويه التاريخ للاسلامي و تلوينه بألوان دامية، لماذا لا نفعل نفس الشيء مع من اعاد صياغته وفق منهج ساكن، و استعمل غربالا مثقوبا.
و في المقدمة المعجزات الاي لها مدلوا رمزي و نأخذها حرفيا و نعتقد بها و نسمح للمشعوذين بتكرارها و نحميهم بانون استثناء اصحاب الكرامات،
في كل الامم توجد قدرات خارقة و لكن ليس بالضرورة للمسلمين من اصحاب المقامات، و التنبؤ موهبة شخصية لا يشير لتقى وورع الانسان، و قس على ذلك،
لست ضليعا بالاديان، و لكن بوسعي ان أسأل، كيف يمكن لكافكا الذي لديه شك بالعدالة الالهية ان يؤمن بدولة دينية مثل اسرائيل، و ازعم ان ماكس برود و من بعده فورد مادوكس فورد اضافا و صحفا ما يفيد حماستهما للمشروع الاسرائيلي، و ربما حورا في رسائل كافكا،
و اود ان اضرب مثالا من حياتي الشخصية،
لدي مراسلات مع المرحوم الدكتور العجيلي، و حينما فكرت بنشرها بعد وفاته، حذفت منها ما اعتقد انه يضر او يسبب المشاكل،و لا اخفيكم سرا ان الحذف اساء للمعنى الحقيقي احيانا.
ان متاهة كافكا في المحاكمة ثم في امريكا لا تدل على بحث حقيقي عن ارض ميعاد او ركون للعدالة الالهية، و الضد هو الصحيح. فقد كان لديه احساس انه مدان و كانت خيبة امله اقوى من طموحه،
و شخص من هذا النوع لن يجازف لاحتلال ارض او شن حرب لبناء مستعمرة فما بالك بدولة متكاملة الاركان.
فاذا كان تصنيع و تلفيق المضامين يطال شخصيات من القرن العشرين او السادس عشر فكيف و نحن نتكلم عن امور من القرن السادس و حتى العاشر على ابعد تقدير،
انها معضلة، و بحاجة لترسانة من اللغويين و الباحثين في حفريات المعرفة لنعيد للاسلام نصاعته و نقاءه و روحه الثورية،
و اعتذر اذا خرجت عن الموضوع و لكن كلام الاستاذ الغرباوي واضح و يحرك الشجون و يفتح صفحات دفاترنا الصفر القديمة.

 

تحية طيبة، المفهوم الذي تناولته الحلقة واضح مفهوما، رغم الاختلاف حول سعته ومصاديقه، فليس هناك اسقاط للحاضر على الماضي بالنسبة لمفهوم السلطة، مهما كانت سعتها ومصاديقها، بين سلطة القبيلة والدولة. لكن المفهوم هو المفهوم لم يتغير. كلامك دقيق د. صالح الرزوق اذا كنت ناظرا للمفهوم من خلال مصاديقه، فسابقا كانت لا تعدو كونها سلطة قبلية مع بعض التطور بلحاظ تطور المدينة والاطراف. والحوار يدور حول مفهوم السلطة وشرطها القاهرة. تحياتي

 

احترام و اعتزاز و امتنان لكم استاذنا الفاضل ماجد الغرباوي
تفضلتم بالقول: [فكما أثر النص بالتاريخ، كذلك حفز التاريخ وضروراته على صدور النص وانتشاره لمختلف الدواعي، خاصة في خضم الصراع حول شرعية السلطة]انتهى
اعتقد ان البحث او الصراع حول شرعية الاشخاص كان قبل البحث او الصراع حول شرعية السلطة
و اعتقد ان بداية السياسة كانت منذ تشكيل تنظيم الخارج و اقصد الهجرة الاولى الى الحبشة
و منذ اول واردات بيت المال
و منذ او تشكيل مسلح منظم
...........
صحيح كانت تحت قيادة النبي دون تنازع واضح على السطح لكنها كانت تغور في الصدور بين مسلم الامس و مسلم اليوم في تلك الايام
كل كلمة خرجت عن لسان النبي تفرعت الى فصول بعد وفاته
..................
ورد ايضاً:[السلطة موضوع خطير وكان ينبغي للرسول التأكيد عليه بجميع تفصيلاته، ولا يكتفي بحديثه عن فضائل الصحابة، والاشارات المبهمة، وهو يعلم تداعيات الوضع. فعدم اهتمامه له دلالات بليغة.]انتهى
و هذه درة التاج...من هنا تبدأ مسيرة البحث...هل يُعقل ان رجل كما محمد و هو الواقف على كل دقائق المسيرة الصعبة الدامية لم يفكر في ذلك؟؟
.....................
انها رحلة عميقة مشيتم خطاها ...لكم تمام العافية لاتمامها...لنستفيد

 

تحياتي لحضورك الكريم الاخ عبد الرضا حمد جاسم، وشكرا لمتابعتك الحوار. ما تفضلت به في السؤال الاول سوف يكون محور سؤال مطروح حول نفس الفكرة، اتمنى الاجابة عليه في حينه، وبشكل اولي. لا تخفى ردود فعل قريش من النبي ودعوته، خوفا على سلطتها ومكانتها واقتصادها، وبالتالي كانت تخشى على رموزها ورمزيتها التي هي اساس شرعية سلطتها. وقد اشتد هذا الامر بعد الانتقال للمدينة حيث بدأت قوة المسلمين تتبلور وتتخذ شكل التنظيم. اما حول شرعية الافراد منذ بدء الدعوة، فصحيح، لأن الدعوة استفزتهم، وهي ردة فعل طبيعية لكن لم تزل لم تتبلور في وعي المجتمع القرشي على انها سلطة مضادة. وهذا لا ينفي هاجس الملأ من قريش

 
  1. طارق ..

تحية تقدير واحترام لاستاذنا الكبير ماجد الغرباوي : كان النبي محمد يقول : لقد كثرت عليّ الكذابة . وايضا في حديث آخر : اذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى ، فاذا وافقه فاقبلوه ، وإلا فردوه . وجاء في مقالك : ان القرآن يبقى هو الأصل في حالات الشك كما في حكم المرتد ... وبذلك يعتبر القرآن هو الميزان الحق ، لكننا امام مشكلة فهم القرآن نفسه ، حيث انه وكما قال الامام علي : هذا الكتاب لا ينطق انما ينطق به الرجال وهو حمال أوجه . و بالمحصلة سيكون نتيجة لفهم الفقيه ودوافعه وحمولته من المؤثرات الذاتية والخارجية . يقول الشيخ جلال الدين السيوطي : قال بعض العلماء إن لكل آية ستين الف فهم !! . هذه مشكلة كبيرة . لكن يبقى الرأي الذي تفضلت به هو الاقرب الى حلها والتخلص من ملابساتها العويصة حيث ( الفراءة الموضوعية للاحداث وتلاحق الحدث عبر مفاصله وفهم نتائجه عبر التعرف على اسبابه وظرفه ومختلف دواعي حدوثه ..) وهذا من شأنه ان يجعلنا نعيش عصرنا الحاضر بقيمه ومفاهيمه الحديثة دون ان تكبلنا النصوص باسبابها وظروفها أو نصبح اسرى لرؤية رجال ماتوا منذ اكثر من ألف عام ... تحية لك استاذنا المحترم وشكرا جزيلا لجهدك الكبير المثمر ..

 

تحياتي القلبية للاخ الاستاذ الكاتب الجدير طارق الربيعي، وشكرا لقراءتك الممعنة للحوار. ما ذكرته سؤالا جديرا بالحوار، ربما سيطرح عبر الأسئلة للاجابة عليه بشكل مفصل. فهذه نقطة مهمة، اما حول تأثير قبليات المفسر والفقيه على فهم النص فقد تطرقت له كثيرا خلال هذا الحوار وفي مختلف كتبي تقريبا. هنا بالذات كان الحديث عن الأحكام الشرعية باعتبار الردة حكم شرعي، وقد أفتوا بقتل المرتد، رغم أن القرآن لم يصرح بذلك، فالتفوا عليه وقالوا أن اية السيف قد نسخت هذه الاية، فالحكم هو القتل. وبما ان النسخ غير ثابت، ومع ثبوته فايضا لا يمكن تحديد مصاديقه قرآنيا، فيبقى القرآن هو الاصل في حالات الشك.
للقرآن منطق خاص، ينبغي لنا التزام به لفهم اياته، وربما يتسبب استخدام مناهج من خارج القرآن في ارباك فهم المتلقي اذا لم يكن خبيرا ويلتزم مبادئ البحث العلمي، وذكرت في ردي على كتاب الشخصية المحمدية في الحلقات 28 – 44 كيفية التعامل مع القرآن اتمنى الاطلاع عليها، تحياتي لك ثانية

 
  1. ابو سجاد

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي لك منا الف تحية على هذا الجهد الاستثنائي في هذه السلسلة التي طال انتظارها لتوضيح السيرة التاريخية للاسلام والوقوف على حقيقة ماجاء منه وما نسب اليه وتحية الى جميع المشاركين من خلال طرح ارائهم لاضفاء متعة كبيرة لهذه السلسلة
نود ان نسأل الاستاذ الغرباوي ماهو موقف الامام علي خصوصا من كل هذا الانحراف الذي اصاب الاسلام بعد وفاة الرسول وهو امين الوحي وحافظ للقرأن واحاديث النبي وهو مستودع سره ...وان الخلفاء كانوا يرجعون للامام في كل صغيرة وكبيرة والتاريخ يشهد على ذلك وكما قال عمر ابن الخطاب مامن معضلة الا ولها ابو الحسن ولولا علي لهلك عمر . وهذه الاقوال صحيحة باجماع المسلمين كما جائتنا ولكن لانعرف رأيك الصريح فيها . المهم هل عمل الامام علي كما عمل الخلفاء
ثم تقول جنابك....
ولو صح قتل المرتد في زمن النبي فله ضروراته التي ترتبط بحداثة الدين، وتهديد أمن المجتمع المسلم وأسباب نجهلها. ولا يمكن للنبي أن يخالف كتاب الله. .... سؤالنا هل هناك رواية تؤكد ذلك ان في زمن الرسول يقتل المرتد وما هو مصدرها .
ودمتم سالمين

 

شكرا لك ابا سجاد، وشكرا لاثاراتك المهمة. في نهاية الحلقة ردا وافيا على سؤالك. صحيح ليس ردا مباشرا، لكن يبين لك لماذا تطرح هذا النوع من الأسئلة. وعندما تاخذ الانحراف كقضية موضوعة، اي مسلمة، فالسؤال سينتقل للادلة التي اعتمدتها. فالكلام بدءا حول الانحراف، لياتي سؤالك مباشرة.
رواية ابن عباس معتمده لديهم حول قتل المرتد وهي حالة خاصة، عندما تقارنها بكتاب الله، وتتضح مبرراتها، وارتباطها بامن الجماعة. خالص تحياتي

 

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقات المضيئة التي تهدف الى وضعنا على الطريق الصحيح في فهم ديننا. و شكراً لكل الاخوة المعلقين ؛ و احب ان اضيف التعليق التالي:

مقالات الاخ الغرباوي مقالات علمية رصينة متسلسلة الافكار و مقنعة تماماً لانها تمتاز بعلميتها. اشكر الاخ الغرباوي على هذا الجهد الاستثنائي المتميز.

اضافة اسيجة القداسة على تراث السابقين ولدت لدينا الجمود الفكري و الثقافي و الديني و السياسي. بالاضافة الى هذا التزوير الذي ادخل تحت عنوان القداسة في سبيل كسب السلطة.

الدين الاسلامي فقد ماهيته الدينية و اصبح دين سياسي بأمتياز بعد ان ترك رجال الدين الحقل الديني و اصبحوا ينظرون في السياسية حسب اهوائهم و طوائفهم وقبلياتهم الخاصة. و الهدف من كل هذا هو السلطة ثم السلطة ثم السلطة.

للاسف الشديد ان رجال ديننا و الغالبية العظمى من المسلمين لا يقرؤن القرآن لفهم مغزى آياته و التمعن بها و انما يستمدون كل معلوماتهم من آراء بشر سبقونا بأكثر من 1400 سنة. و يعتبرون ان هذه الاراء اصبحت مسلمات يجب ان لا نتجاوزها ابداً. و هذا ولد لدينا ثقافة دينية اتكالية مبنية على فهم الاخرين للدين و ليس على فهمنا نحن للدين. و هو قاد الى تخلفنا مقارنة مع دول العالم الاخرى.

اذا اردنا ان نفهم الدين الاسلامي علينا ان نركّز على القرآن الكريم و هو نظرية المسلمين المتفق عليها. بغير هذا نبقى نلف و ندور في حلقة مفرغة.

بنظرة سريعة للقرآن نستطيع ان نفهم ان الدين الاسلامي ليس دين "وراثي يخص قريش او بني هاشم". انه دين موحد للبشرية جمعاء و هو دين عقيدة و ليس دين سياسي " اكرمكم عند الله اتقاكم".

توجد آية مهمة تقول "---لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون في العلم----". هذه الاية تعني ان الله ترك تأويل الآيات القرآنية للاجيال اللاحقة جيل بعد جيل. و حتى ان الرسول لم يذكر اسمه في هذه الاية لانه بشر لا يعلم في الغيب "لو كنت اعلم ما في الغيب لأستكثرت من الخير" . و هذا يدل على مصداقية آيات القرآن. و لو قالت الاية " لا يعرف تأويله الاّ الله و الرسول و الراسخون في العلم---" لاصبح هنالك تناقض في آيات القرآن. هذه حقيقة يجب ان نعرفها. لأن الرسول لا يعرف ماذا سيحصل في العالم بعد 2000 او 3000 سنة.

الاخ طارق يقول " يقول الشيخ جلال الدين السيوطي : قال بعض العلماء إن لكل آية ستين الف فهم" . هذا كلام غير علمي اطلاقاً و تعجيزي . الكثير من آيات القرآن واضحة في هدفها و مغزاها و ماذا تريد؛ و لكن تحتاج الى انسان مستقل عن طائفيته و قبلياته و ينظر نظرة ثاقبة متطابقة مع المغزى العام للقرآن. علينا ان ننظر الى البعدين الزماني و المكاني في فهم الايات القرآنية.

شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الابداع و مزيداً من العطاء التنويري الذي يصقل عقولنا من تراكمات الماضي السحيق.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير.

 

وشكر لك ولاضافاتك ، مع كبير احترامي للاخ الاستاذ د. ثائر عبد الكريم

 

شكرا للسيد الغرباوي على متابعة هذه السلسة المعرفية التي قد تنير الدرب للكثيرين الذين لا زالوا يجهلون متابعة دراسة النص واهميته ومدارسه فوقعوا في غالبيتهم في خطأ التقدير.
يتجه الرأي اليوم الى أهمية النص التاريخي كموضوع حيوي لذاته،وبحاجته الى تفسير مقارن لكتابة الاحداث التي اوردتها النصوص ،من هنا اصبحت له خطورته في حقول المعرفة.
لو ان النص العربي الاسلامي ترجم بعلمية مستقلة ورأي علمي وواقعي صحيح ،لأختفت الكثير من هذه الاختلافات التي جرت على الناس الفرقة والتدمير.
نعم ،اننا بحاجة ماسة الى فهم سبب نشأة الكتابة التاريخية المعتمدة على النص،لاسيما ان التدوين قد بدأ بعد 150 سنة من الدعوة الدينية .
توجه الاخ الغرباوي توجها نرجو له ان يدوم لخدمة الحقيقة التاريخية للنص المختلف عليه،والتي لا زالت حقيقة تحريره مجهولة الى اليوم.
من النصوص المهمة التي نرجوا التوجه لها هي: نصوص حقوق المرأة ونصوص السلطة وحقوق الناس في عهد الخلافة الراشدة وما تلاها التي اوقعتنا في تداخل الاشكاليات التي لازالت تنخر في جسد الامة.شكرا مرة اخرى,

 
  1. ماجد الغرباوي

خالص التقدير والاحترام للاخ الاستاذ الدكتور عبد الجبار العبيدي، وشكرا لتعليقه المفعم بالوعي والمعرفة، وقدرة على التشخيص وهذا ليس غريبا عليه وهو استاذ الحضارة الاسلامية والتاريخ وله حضوره في الكتابات النقدية والمعرفية. نتمنى تضافر الجهود لعلنا نضيء شمعة في آخر النفق. اجدد شكراي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4208 المصادف: 2018-03-14 05:15:31