المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (69): النص والحقيقة العقائدية

majed algharbawi3خاص بالمثقف: التاسعة والستون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق24- س73) الحديث عن مفهوم النص.

 

الحقيقة العقائدية

ماجد الغرباوي: لعب التراث دورا خطيرا في تشييد الهيكل العقائدي للفِرق والمذاهب الدينية عامة، والإسلامية خاصة. وأقصد بالتراث الأعم من الروايات. ثم تطورت وانتشرت في ظل ثنائية السلطة والمعارضة. ويكفي في صدق هذه الحقيقة مقارنة أولية بين عقيدة القرآن، وما يؤمن به الناس. الكتاب يكتفي بـ(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) . غير أن التراث نظّر لعقائد اتسمت بغرائبيتها، وارتفعت بالرموز الدينية أسطورياً. وأقامت التفاضل على أسس قبلية، وفئوية. وتقدم الحديث عن: أصحابي كالنجوم، وتداعيات تعميمه لجميع الصحابة. بل حتى مع ثبوت صحة صدوره يبقى الإطلاق مشكوكا، فربما كان النبي يقصد مجموعة محددة. فيكون الخبر ناظرا لهم، على نحو القضية الخارجية. غير أن التراث وسع موضوع الحكم لغايات سياسية وطائفية، فتكون حقيقتهم حقيقة تراثية.

في الضفة الأخرى، نجح التراث الشيعي في تأسيس حقائق دينية وعقيدية، فرضت نفسها على وعي الفرد والمجتمع، وتحكمت في مسار التفكير الفقهي، كما بالنسبة لمفهوم العصمة. وإن الأئمة نور واحد، وحقيقة واحدة ، هي جوهر الإمامة المعصومة. حيث رتب الفقهاء عليهما آثارا مهمة، منها:

- امتد عصر التشريع بعد النبي حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي 320 هـ. بينما يصرح القرآن باكتمال الدين تشريعيا عندما جاءت الآية بعد مصفوفة أحكام شرعية، حيت تقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .

- تفاقمت الروايات الموضوعة، وبات قول الإمام كقول النبي في حجيته وشرعيته. بناء على ذات الحقيقة المطلقة. وأصبحت روايات الغلو تنتسب للأئمة الإثني عشر.

- طمست هذه المفاهم البعد البشري في الإمام، ودور الظروف التاريخية في صياغة وعيه.

- فرضت هذه الحقيقة سلطتها على وعي الفقيه، فاضطر لإلغاء الفواصل التاريخية بين الأئمة، والمؤثرات الثقافية، واعتبر حياتهم مقطعا زمنياً واحدا، تنتقل فيه ذات الحقيقة المطلقة من إمام إلى آخر. فهم حقيقة متعالية تسري فيهم، فيلزم التعامل مع رواياتهم على أساس وحدة المصدر "الإمامة المعصومة"، لا على أساس تعدد الأشخاص. لذا وضع الفقهاء الشيعة ما يعرف بقواعد رفع التعارض بين الروايات، وهي كثيرة، يلجأ لها الفقيه من وحي تلك الحقيقة، متناسيا دور الثقافة وقبليات المجتمع في وجودها، وحجم تأثيرها على وعي الإمام. فما نراه تناقضا في نصوصهم لا يراه الفقيه كذلك، بل يجري عليه تلك القواعد للحفاظ على كلا النصين، مثلها مثل الآيات القرآنية، حيث يرفع التعارض بالتخصيص والتقييد. وبالتالي فكل حقيقة عقيدية تصبح سلطة موجهة، رغم نسبيتها. وهذا هو الخطر. ولو أن الفقهاء تعاملوا مع رواياتهم وفقا للمنطق البشري، فسوف تتغير بعض الأحكام الفقيه، وتصبح آراؤهم اجتهادات شخصية، يمكن مقارنتها واكتشاف مرتكزاتها. غير أن الروايات تؤسس لعصمتهم، فهم نور واحد، وحقيقة واحدة، وهدف واحد رغم تعدد أدوارهم، كما يعتقد السيد محمد باقر الصدر . فالإمامة المعصومة بنظر الشيعة، حقيقة مطلقة.

- تطور مفهوم العصمة فتولدت مفاهيم جديدة، وعقائد أقرب للخرافة، ترتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية. كالقول بالولاية التكوينية التي تعني قدرة الإمام على التصرف بالكون .

وقد مر الكلام أن الحقائق الدينية حقائق نسبية، لا يمكن الاستدلال عليها خارج النص، وتقنيات الإيمان. بل أن تعدد مناشئه يكفي في نسبية الحقائق التي تراهن عليه في وجودها وسلطتها. من هنا أجد أن تكثيف نقد الحقائق الدينية غير القرآنية يفتح آفاقا معرفية واسعة، ويعيد تشكيل وعي الفرد بذاته والآخر، رغم بطء الاستجابة للقراءات النقدية ما لم تمس المترسب في أعماق النفس، ويزحزح النقد تدريجيا قدسية النصوص المؤسسة. حينئذٍ يمكن أن يستعيد الإنسان وعيه، ويعود لقراءة التاريخ والتراث للتخلص من عبء نصوصه. لكن حراس مختلف العقائد يتداركون ضعف الروايات بالخرافات والطقوس وتزيين المعابد، خوفا من انهيار العقيدة بانهيار نصوصها. لذا لا يشكل النص سوى رافدا من روافد الإيمان، وتبقى الروافد الأخرى أكثر تأثيرا وفاعلية، حينما يستدل بها على صدق عقيدته. إن إيمان الناس بعقائدهم إيمان نفسي موروث، فيكون راسخا. ويقينهم يقين سلبي يكرس اللامعقول الديني، ويستمرئ الخرافة، ويغلق منافذ الوعي.

قرأت تعليقا على منشور في الفيسبوك كان صاحبه يستدل بآيات قرآنية على نفي علم الغيب عن الأنبياء، كمقدمة لنفيه عن غيرهم، كالأئمة. فكتب المعلّق:

(نعم لقد نفى القرآن علم الأنبياء بالغيب وهذا لا شك فيه. لكنني أتحداك أن تنفي علم أئمة أهل البيت بالغيب!!!).

وهذا تصريح خطير، ينطوي على ما أصفه بأوهام الحقيقة. والرجل لم يتكلم عن فراغ، فهناك رواية مفصّلة تذكر فضل الأئمة، خاصة الإمام علي، على جميع الأنبياء ما عدا محمد . حيث ترى، وإنْ لم تصرّح بذلك، أن الآيات التي نفت علم الغيب عن الأنبياء كانت ناظرة للمفضولين (أي الأنبياء) قياسا بالأفضل علي بن أبي طالب!!. فلا تشمله أساسا، فهو أعلى رتبة وقرباً إلى الله تعالى. فكان دليله وهو يصرّح بكل ثقة روايات موضوعة، نجحت في فرض حقيقتها، كقوله: (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم) ، حيث مهّدت لقبول رواية التفضيل. فعندما نفكك كلامه، ونتقصى من خلاله مداراته الفكرية سنقف على مرجعياته العقيدية، وما تضمر من مفاهيم ومقولات وأنساق معرفية. فالنقد ينبغي أن يتوجه لحقله المعرفي، وعدم الاشتباك معه حول تجلياته والظاهر من كلامه. فهو حتى لو تراجع عنه، فسيكون تراجعا آنياً، ما دامت البنى التحتية لم يقاربها النقد.

إن العقل التراثي وضمور الحس النقدي ورثاثة الوعي هي التي ساعدت على مرور الروايات الموضوعة، فهذا الشخص لم يع تقنيات النص حينما رفع عليا إلى مصاف الأنبياء، حيث غيّب ضمن استراتيجيته في التستر والتاثير، آلية الاصطفاء، التي هي من اختصاص الله تعالى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) وعلي ليس منهم بالضرورة. فالمتلقي تعامل مع الطرفين بذات المستوى من القداسة بناء على قبلياته، دون الرجوع للكتاب الكريم. وفضل عليا، باعتباره بريئا سلوكيا من هفوات الأنبياء، بناء على العصمة تلك الحقيقة المطلقة التي هيمنت على تفكير العقل الشيعي برمته، فمررها النص كمسلمة من خلال مقارنته بالأنبياء، رغم انتفاء شروطها. فعلي ليس نبيا كي يُقارن بهم، لولا قدسية رواية التفضيل التي تقمع السؤال بناء على إرتكازها على نصوص مؤسِسٍة، كالرواقة المتقدمة: (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم). فالمتلقي الذي يؤمن بعصمة الأئمة وقدسيتهم يكتفي بالإصغاء والتسليم دون الإعتراض، فمرت المقارنة وتفضيل علي على جميع الأنبياء كحقائق نهائية. وأصبحت حقيقة مطلقة تؤثر في وعي المتلقي وفهمه للدين ومختلف الظواهر الحياتية. وليس له دليل سوى روايات تراثية. وهذه هي براعة النص، حينما يضمر أكثر مما يظهر، فيجب استدعاء ما يتستر عليه، وما لا يريد قول، لاكتشاف ما تبدو حقيقة، ورصد أوهامها وفخخها.

 

النقد والحقيقة

النقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغاته، خاصة مراوغات الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة، وإقناع المتلقي بها، وترسيخها، وتحصينها. فمهمة الخطاب مهمة أيديولوجية، تستبعد نقد ومراجعة الذات، وتكتفي بالعزف على وتر العواطف، وتزوير الوعي، بفعل العقل الجمعي، وما تختزنه قبليات الفرد والمجتمع. فالخطاب يمارس دورا خطيرا حينما يتستر على حقيقة رسالته، من خلال تقنياته واستراتيجياته في التأثير. قد لا يتفاعل المتلقي مع النص مباشرة، ولا يدرك أهدافه، وربما لا يترك أي أثر في نفسه، لولا قوة الخطاب، وأسلوبه في تمرير ما يبدو أنها مسلّمات. فالحقيقة الدينية تراهن على قدرة الخطاب في ترسيخ الإيمان وإقناع المتلقي. وهو عندما يعجز في الإرتكاز للمقدمات العقلية والبرهانية، يبالغ في خطابه العاطفي والأيديولوجي.

النصوص المقدسة لا تضع بين يديك حقائق علمية يمكنك من خلالها الاستدلال على صدقية إخباراتها وحقائقها، بل تراهن على الإيمان، والذي هو بدوره خطاب عاطفي، تتوهج معه النفس، وتتفاعل حد الاستشهاد بكل يقين. قوة النص المقدس في خطابه، وطريقة أدائه، بشكل يشد مشاعرك حداً يدخل العقل في سبات. خاصة مرحلة التلقين، حيث تترسب المفاهيم الأولية والمقولات الأساسية لا شعوريا، بفعل التربية والمحيط والخطاب العاطفي والمقارنات البسيطة وإثارة الكمائن النفسية. وهذه المرحلة لا يغادرها الإنسان إلا بيقظة حقيقية تقاوم إغراءت الخطاب وهو يمرر مسلّماته، ويحجب دوره في التأثير. لذا تجد بعض الناس مرابطا في هذه المرحلة حتى مماته، مهما كان مستواه العلمي والأكاديمي. فالوعي غير العلم والمعرفة.

إن قوة النص تقاس بقدرته على حجب دوره في تكوين حقيقته، ودوره في تشكيل حقائق أخرى. وتقاس قوة الخطاب ببراعته وقدرته على حجب آليته في التأثير والإقناع. فحينما تستولى قدسية الخطاب على مشاعر المتلقي، يتستر على براعته في استخدام أدواته وتقنياته اللغوية. وهذه خصوصية جميع الخطابات الأيديولوجية والتعبوية. فرهان الخطاب الأكبر على قبليات المتلقي وثقافته، ومساحة اللامعقول الديني في ذهنه، وكيفية تفاعله مع مضامين النصوص وغرائبيتها. فالبنية الأسطورية تفتح آفاق الأسطرة واللامعقول. وتقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

 

القراءة التأويلية

إن القراءة التأويلية للنص تقيم علاقة جدلية بين منظومتين معرفيتين، ينتج عنهما فهم متجدد، يتأثر بظرفه، وبمناهج قراءته وأدواته المعرفية. فالنص ينقلب خلال تفكيكه واكتشاف أعماقه إلى بركان يلقي بحمولته الدلالية ضمن سياق النص ودواله. وقد تتفتت سلطته وهي تمارس مركزيتها باحتكار الحقيقة أو بجزئها. وليست سلطة النص سوى هيمنته معرفيا، وأي زعزعة نقدية وتفكيكية أو تحليلية، تفقده مقاومة التأويل، فيعاد تشكيل العقل وفقا لنسق معرفي آخر، قد يقع على الضد منه. وهذا ما نحتاجه لمقاومة ثقافة التراث ويقينياته التي تعبث بحياتنا واستقرارنا. لا بد أن تخبو سلطة النصوص التراثية، وتتوارى خلف أسوار المراجعة النقدية المستمرة، وطرح البديل العقلي، الذي يستمد وعيه من معطيات العلوم والثقافة الحديثة.

إن التأكيد على نقد النصوص الدينية والتراثية باعتبار مركزيتها، ودخولها بقعة اللامفكر فيه، المتواري داخل خطوطه الحمراء وجزره المغلقة، فيلعب دورا فتاكا في تزوير الوعي، ما لم يلاحقه النقد. تلك النصوص، خاصة الموضوعة لتلبية حاجات نفسية وطائفية، ترسو في بنية العقل المسلم، وتمارس دورها في اللاوعي، على صعيد التحكّم بمسار الثقافة والمعرفة، في عملية التكفير. فتستقطب ما يؤازرها من نصوص، وترفض ما لا ينسجم مع منطقها. كما أنها تواصل ترسيخ حضورها من خلال كل قراءة تخضع لرقابتها. ففي مرحلة التلقين يتلقى الإنسان المفردة اللغوية على شكل وحدة لغوية، مشحونة بدلالاتها، وقدرتها على الارتباط بغيرها.

إن إشكالية العقل عندنا في ثقافته ومقولاته ومفاهيمه المعرفية التي تأنس بالخرافة، وترفض العقل وتقدم عليه النص مهما كانت قيمته المعرفية. وهي ثقافة مكتسبة غير أنها راسخة بفعل تقادمها. وفاعلة بحكم نسقها، فهي غير خاضعة للنقد، وخارج وعي المتلقي، رغم قوة حضورها. فكل نص ينطوي على نصوص، وخلف كل عملية عقلية، عدد هائل من العمليات التقنية المترابطة. فالمعرفة رغم بساطتها أحيانا لكنها تمر بشبكة معقدة من الدوائر والروابط الداخلية، أشبه بعمل جهاز الكامبيوتر، الذي يبدو بسيطا في أدائه، لكن في داخله عددا كبيرا من الدوائر الكهربائية والضوئية والألكترونية.

فالطفل عندما يسمع كلمة الله، يسمعها بمختلف الهيئات، والأساليب، فترسو في لا وعيه بشكل راسخ وفاعل جدا. تارة يسمعها مع الرجاء، وأخرى مع: التصبّر، الشكر، العفو، التوكل، الخشية، الرزق، المطر، الموت، العقاب، ... والأهم الدعاء باعتباره متفردا باستجابته، وحاجة الإنسان الملحّة له، مع قساوة الحياة والظروف التي يعيشها الفرد. وهو الأمل في الدنيا والآخرة. فالصورة المثالية للخالق استقرت حتى وإن تجاوزها الفرد لأي سبب، فتراه لا شعوريا ينطق بها عند الشدائد والكُربات واستجابة الدعاء والضيق. وأوضح مثال على رسوخها وقوة فاعليتها وحضورها كنهائية غير قابلة للنقد والمراجعة والتفكيك، هو عودة الفرد لنقد الذات وتقريعها بدلا من الشك بأية صفة من صفاته تعالى عند عدم استجابة الدعاء. فالمؤمن لا يراوده شك مطلقا بأن الله يستجيب الدعاء، وهو القائل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، لكن يشك بإخلاصه ويقينه، فيقرّع نفسه، ويمارس جلد الذات، ومحاسبتها. وسبب كل هذا يقينياته، ولو أنه أعاد النظر بمفهوم الدعاء، وفقا للخطاب القرآني ذاته، ربما تتغير وجهة نظره، ويفكر بطريقة أخرى، لكن الخطاب الإسلامي تمادى في تشدده، وبيان شروطه، دون التحرش بحقيقة الاستجابة الإلهية للدعاء. بل حتى لو تحرش به لا أحد يتفاعل معه، لقوة مركزية وسلطة مفهوم الخالق وصفاته التي منها الاستجابة. وربما لو أعدنا النظر في مفهوم الدعاء والاستجابة، سوف نستغني عن تبريرات الخطاب الديني، المثقل بنصوصه التي تصادر العقل وتكرّس الكسل والتواكل. وسنستغني عن التشفّع بأي مخلوق من أجل استجابة الدعاء، ونكف عن التوسل والرجاء الذي يصل حداً يسحق فيه الإنسان كرامته وحيثيته. وسأتحدث عن هذا الموضوع لأهميته وتأثيره في مناسبة قادمة. وربما ما أقوله غريب لكنه أقرب لفهمه قرآنيا. وهذا مثال حي يعيشه الإنسان، وفيه تتجلى سلطة النص. والنص هنا لا يتحدد بعدد الكلمات بل بمداليله ورمزيته ومعانيه. فكل صفة تلحق باسم الجلالة هي نص يمارس سلطته ومحدداته، في مرحلة التلقين. ولا مانع من مراجعتها ونقدها في مرحلة النقد والاستدلال.

 

قبليات الوعي التراثي

وما دمنا بصدد النصوص الدينية، والروايات الموضوعة نضرب مثلا على تأثر القراءة وفهم النص بالأحكام المسبقة للمتلقي، وخلفيته وقبلياته وثقافته. فآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ، جعلت الولاية لله ورسوله والذين آمنوا. وهذا متفق عليه، لكن دبّ الخلاف حول جملة الوصف: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فهل الآية بصدد مواصفات خاصة، أم تعريف عام بصفات المؤمن المؤهل؟. الآية الكريمة أخفت دلالاتها ولم تصرّح بأكثر مما قالت، رغم أنها مصدر شرعية جعل الولاية بعد الله ورسوله. وقد لجأ لها الطرفان كشاهد على شرعية أو عدم شرعية السلطة بعد وفاة الرسول، وقد لعبت الخلفية الفكرية والعقائدية دورها في توظيف هذه الآية بالذات. فالشيعة قالوا أنها نزلت بعلي بن أبي طالب خاصة، فهو من تصدق راكعاً. وقد استعانوا لإثبات دعواهم بروايات لا نعرف عن حقيقتها شيئا لكنها تبقى محتملة وفقا للتصنيف السابق بين صحيحة ومحتملة الصدور، فراحت تصف كل شيء حتى نوع الخاتم حينما تصدق به الإمام علي وهو راكع. وشكل الرجل الفقير، وكيف استعطى وعلي كان في صلاته فدفع إليه زكاته. وكيف دخل النبي، وسأل الفقير، وأشار لعلي وهو يصلي، إلى غير ذلك من تفصيلات تأباها شخصية علي لمن يعرفه، خاصة وهو خاشع في صلاته . فليس للشيعي طريق للجزم بصحة الرواية، لكن خلفيته الفكرية والثقافية صدقتها، لتكون قرينة على إرادة المطلوب واختصاص الآية بعلي دون غيره. وأما السني فاعتبر الجملة حالا لوصف المؤمنين، فهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، أي خاضعون مستسملون لأمر الباري تعالى، فالتعبير مجازي. وهذا مثال بسيط يبين كيف تلعب خلفية المتلقي دورا معرفيا في فهم النص.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

فالبنية الأسطورية تفتح آفاق الأسطرة واللامعقول. وتقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

تعليقات (10)

  1. صالح الرزوق

لا يسعني الا ان اشكر الاستاذ الغرباوي على توضيحه، و هذا يدخل فيما يسميه طلال سلمان في كلمته امس في السفير الالكترونية بتفكيك العقل الطارد للحداثة،
و كما تفضل الاستاذ الغرباوي لا توجد سلطة تعلو على سلطة الحقيقة التاريخية،
فما يناسب عالمنا في الامس لا يناسبنا اليوم،
و المعايير كلها متبدلة،
و لكل زمان كما يقول المثل دولة و رجال،
و لا اعتقد انه يمكننا ان نرتدي جبة الخليفة عمر و ننام في ظل شجرة و نترك امور العباد لربها.
فوسائل نقل المعلومات تغيرت و تغيرت معها اشياء كثيرة و منها سلطة المكان على العلاقات الاجتماعية و السياسية،
و اضيف ان النازية كانت تعتقد انها تبني امجاد اوروبا و لكن لليهود و ضحايا الحرب كلام اخر،
و هذه هي نسبية الحقيقة و العقيدة، فهي وضعية، و فهمها ينبع من تجربة الانسان او البشر مع المقدس و خبراتهم به و طرائق فهمهم له.

 
  1. ماجد الغرباوي    صالح الرزوق

تحياتي لمتابعتك الاخ د.صالح الرزوق، المشكلة كيف نقنع الاخرين أن ما يؤمنون به حقائق نسبية؟ هذا ما نعانيه ونبقى بسبب رثاثة الوعي. خالص احترامي

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع و المتعلق بنصوص الفقه و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق. و احب ان اضيف التعليق التالي:

ان طريقة الدكتور الغرباوي في محاكمة نصوص الفقه و حتى احاديث الرسول المشكوك بها مع آيات القرآن ( المتفق عليها) سيخرجنا من هذه الفوضى الفقهية. انها خطوة رائعة جداً و هي تسير في الاتجاه الصحيح و تطبق المنهج العلمي في البحث.

كل البحوث العلمية و الاجتماعية تقارن نتائجها مع نظريات معتمدة للتحق من مدى صحة هذه النتائج. في حالتنا هذه يمكن ان نعتبر ان روايات الفقه و احاديث الرسول المشكوك بها هي نتائج و لكي نتأكد من مدى صحتها (اذا كانت تتناقض مع العقل البشري) ؛ يجب علينا ان نقارنها مع نظرية المسلمين المتفق عليها و هو القرآن الكريم.

اذا عملنا هذا اعتقد يمكن ان نستطيع ان ننضف الفقه و كذلك السنة النبوية من الغش و التزوير و اللامعقول الذي ضيع المسلمين.

احسنت بارك الله بك و مزيداً من العطاء التنويري؛ و شكراً
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

البركة فيك يا اخي. د. ثائر تحياتي لك وانت تتابع باستمرار حلقات الحوار. توجد مقاييس للصحة والاختبار حتى في داخل التراث، ستاتي بعد حلقتين تفصيلات كافية عن الموضوع. احترامي

 
  1. طارق ..

تحية تقدير واحترام للاستاذ الغرباوي : لقد وصل العقل العربي الاسلامي اليوم الى مستويات متدنية جدا ومخجلة في سلم الرقي المعرفي والحضاري ، بسبب تلك النظرة الاسطورية للتراث المتمثل باجتهادات بشر ما توا قبل مئات السنين لم يكونوا بمنجاة عن الشهوات والاطماع والنفاق والتحزب المذهبي وتفاوت بدرجات الوعي في اجتهاداتهم التي اصبحت مرجعيات يقينية لا تتزعزع . وان حاول احد المسلمين قراءة التراث الديني بعين العقل والبصيرة قامت القيامة عليه وتم الصاق التهم المختلفة به .. ان روح الامة العربية مثقلة بأعباء كبيرة ، جعلتها غير قادرة على النهوض ومواكبة التطورات الراهنة بفعل ذلك الموروث الممتد في عمق التاريخ والذي يلعب دورا خطيرا في تشكيل شخصية الانسان المسلم بالصورة التي نراها عليه اليوم ونلمس نتائجها الكارثية في مختلف جوانب الحياة . الانسان المسلم واقع تحت وطأة استبدادين ،الاول هو استبداد السلطة السياسية ، والثاني استبداد السلطة الدينية ، وهاتان السلطتان تجدان الكثير من الاسباب التي تحتم عليهما التماسك والتوحد لاجل الهيمنة واستحمار الشعوب.. الشكر الجزيل للاستاذ الغرباوي وهو يحاول ان يمسح بقلمه ما تراكم من طبقات الاتربة الكثيفة على تراثنا الديني ويحفز العقل على استعادة دوره في التحليل والنقد . وفقكم الله .

 
  1. ماجد الغرباوي    طارق ..

مشكلتنا الاساسية هي مشكلة وعي قبل كل شيء، فالوعي عندنا بدائي وهو في عصر الحداثة.يوما كتب احدهم حديثا عن ملك زار النبي بمئة وعشرين الف جناح، بعض المعلقين استنكر وبعضهم صدق، وقال عصر الانترنيت يجعلنا نصدق هذا الكلام اكثر فلماذا تستهجنون؟؟ تحياتي لك اخي العزيز الاستاذ طارق، وتكملة الحديث أدهى فلم اذكرها

 
  1. علي محمد اليوسف

كل المودة والتقدير للاستاذ المبدع ماجد الغرباوي في تصديه لمعضلة واشكالية ليست سهلة التناول, والاكثر اهمية ان تاتي بجديد غير مسبوق طرحه او جرى مجانبة طرحه لما يمتلكه من حساسية تتعلق بموروثنا الديني, ان القراءات السابقة النقدية انما كانت منحازة بمعنى عدم امتلاكها الحيادية في المعالجة النقدية, اغلب النقودات التراثية استوعبتها الايديولوجيا السياسية او التمذهب الطائفي او الليبرالية الاستعلائية على الموروث, لذا كانت عوامل الشد والجذب المنحازة تضيع محصلة البحث النقدي الهادف, النقد التراثي لا يحتاج قطعا الى مراكمة تنظيرية بل يحتاج الى نقد هادف يتجاوز النظرة الاحادية المنحازة في ارساء اسس تفكير نقدي علمي يغربل الموروث بما علق به من يقينيات زائفة اخذت مرتكزات اليقين المقدس, قد لا نعدم مثل هذا التوجه لدى مفكرين عرب واسلاميين ربما سبقوا الغرباوي, لكن يبقى الفارق في وضع عينات من المحذور مقاربته او المسكوت عنه تحت المراجعة النقدية المسؤولة التي لاتتوخى التفريط بالتراث ولا اعتماده مرتكزا في تغييب معاصرتنا. اعتذر فالموضوع يحتاج الى اكثر من تعقيب سريع, مع كل التقدير لجهود الاستاذ الغرباوي.

 
  1. ماجد الغرباوي

احد مشاكلنا هي المنهج في فهم التراث، ننتهي الى نتائج ملتبسة. فما تفضلت به صحيح. العملية فكرية تحتاج لعمل نقدي شاق، ومتابعة متواصلة. نامل ان تتضافر الجهود لانجاز هذه المهمة، مع شكري واحترامي للاستاذ الجليل علي محمد اليوسف

 
  1. عبد الرضا حمد جاسم

تحية و امتنان
كما السابقات المفيدات هذه كانت و ستكون
ورد و تكرر لأهميته اعرف التالي :
"أصحابي كالنجوم،": السؤال منهم هؤلاء ...من صاحبه او سيصاحبه؟ هل كان منهم احد او كان يتمنى ان يجد من يصاحبه؟
ورد :- امتد عصر التشريع بعد النبي حتى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي 320 هـ. بينما يصرح القرآن باكتمال الدين تشريعيا عندما جاءت الآية بعد مصفوفة أحكام شرعية، حيت تقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).انتهى
السؤال لماذا؟ أبسبب فتح باب الاجتهادحتى وصل التعظيم او التقديس حد الإساءة ؟هل كان من الممكن ان يُحدد الاجتهاد بوصف و اسس؟
ورد:"النقد هو الوحيد القادر على تحدي النص في مراوغاته، خاصة مراوغات الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة، وإقناع المتلقي بها، وترسيخها، وتحصينها. فمهمة الخطاب مهمة أيديولوجية،...الخ"انتهى
اعتقد ان نجزء الخطاب الى علني و سري الاول كما اتصور و الحماسي منه اقل تأثيراً عما يحيكه السري الخطير...
الحل اعتقده في تأسيس منهج يحاكي"يرد" على ذلك الخطاب بشقيه رغم الفارق الكبير في الامكانات و المساحات المفتوحة امام القائم و المقترح...الكثير و منذ القديم قالوا و عرضوا و تقدموا لكن كما اتصور لم يؤسسوا...
ورد :" وليست سلطة النص سوى هيمنته معرفيا، وأي زعزعة نقدية وتفكيكية أو تحليلية، تفقده مقاومة التأويل، فيعاد تشكيل العقل وفقا لنسق معرفي آخر، قد يقع على الضد منه. وهذا ما نحتاجه لمقاومة ثقافة التراث ويقينياته التي تعبث بحياتنا واستقرارنا. لا بد أن تخبو سلطة النصوص التراثية، وتتوارى خلف أسوار المراجعة النقدية المستمرة، وطرح البديل العقلي، الذي يستمد وعيه من معطيات العلوم والثقافة الحديثة....الخ" انتهى
نعم ...و لكن كيف؟ و قد سبقنا البعض بما تفضلتم به لكن الملموس هو عدم التأثير و لا نغتر بارتفاع بعض الاصوات هنا و هناك لسببين هما ان من سبقونا مروا بمثل ما نمر به و الثاني الفارق الهائل بين النسبتين المئويتين بين هذا و ذاك لصالح سلطة النص.
لكم فضل فيما تقدمون يُقَّدر و سَيُقَّدر
لكم تمام العافية

 
  1. ماجد الغرباوي

تحياتي لاثاراتك النقدية القيمة الاخ الاستاذ د. عبد الرضا حمد جاسم، غلق باب التشريع لا يعني فتح باب الاجتهاد بالضرورة، ربما لي راي اخر غريب او متطرف في رؤيته، لا استعجل طرحه، حتى بيانه بشكل واضح وتفصيلي كي لا يكون صادما.والثاني، بالفعل ما اعتمده هو التفكيك والحفر، اي النقد الذي يتوغل في اعماق النص والحقيقة. لاكتشاف الية الخطاب وتقنيته في التاثير. وثالثا، بالنسبة للغرب حقق كل شيء، وبالنسبة لنا، فالرهان على المثقف والخبة في التغيير، واعرف ثمة اشكالات كثيرة حول هذا الرهان، لكن مشكلتنا في حكوماتنا وساستنا، الذين يفضلون شعبا متخلفا ينتخبهم ولا يتمرد عليهم، افضل من شعب واع يحقق تقدما حضاريا حقيقيا، مشكلتنا معقدة نامل في اضافة ما هو مفيد. تحياتي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4219 المصادف: 2018-03-25 07:03:53