المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (70): النص والمهيمن الرمزي

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة السبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل في (ق25- س73) الحديث عن مفهوم النص 

 

المهيمن الرمزي

ماجد الغرباوي: باتت تداعيات الصراع على السلطة بعد وفاة النبي معروفة للجميع. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان) . ذلك الخلاف الذي مزق الأمة وقطّع أشلاءها، حتى ضمرت معالم الدين، وتعددت قراءاته وفهمه تبعا لهذا الإنقسام. ومازالت تداعيات الصراع تحكم سلوك الناس وثقافتهم ومواقفهم، وستبقى بعد أن أكتسى لباس الدين، وانقلبت وجهته من صراع سياسي إلى صراع ديني مرورا بالصراع السياسي - الديني. ثم تأصّل ليكون ركيزة التفكير، وأداة العقل الجمعي في تفسيره لمختلف الظواهر الحياتية والاجتماعية والدينية. فالإمامة والخلافة اليوم خطان متوازيان، تنعدم بينها مساحات الإلتقاء إلا مجاملة وتسامحا شكليا. وخطوط التماس بين الطرفين قائمة على الإلغاء والتنافي المحكوم بمبدأ الفرقة الناجية ، وفريضة التولي والتبري ، مهما تظاهروا بالوحدة وعقدوا لها مؤتمراتهم. والأخطر التداعيات العقيدية والفكرية التي ظهرت في ظل الصراع المستحكم بين الفِرق والمذاهب الإسلامية. فالشعور الطائفي المترشح عن الصراع التاريخي أحد أهم أسباب تخلف العرب والمسلمين. لا باعتباره حدثا تاريخيا بل لأن المنظومة القيمية والعقيدية والفكرية والثقافية القائمة على مبدأ الفِرقة الناجية باتت تمثّل البنية المعرفية للفرد والمجتمع، وتستأثر بمرجعياتها وأنساقها. لأنها تأسست على مفاهيم ومقولات استمدت حقيقتها ووجودها من حديث الفرقة الناجية، ولوازمه وتداعياته. فهي تنتمي بالضرورة لحقل معرفي مفارق للعقل. قوامه وهم الحقيقة وخرافية الجوهر، بعيدا عن منطق العقل والعقلانية. فالصراع بات سلطة ومرجعية، أفرزت مذاهب وفٍرق وعقائد ومدارس فقهية وأحزاباً سياسية ومجتمعات طائفية وشعورا إقصائيا ومناهج تفكيرية وأدوات معرفية. فهو الكل المعرفي والسلوكي والأخلاقي، وهو العقل الذي تشكل في إطاره. فالثقافة اليوم تكرّس قيم الصراع حتى وهي تجدد مقولاتها في ظل الحداثة وآفاقها الواسعة القائمة على العقل والاستدلال والبرهان المنطقي. والحالات الاستثنائية تمرد ما زال محدودا لم يشكل تيارا ضاغطا باتجاه النهضة، والتخلي عن قيم حديث الفٍرقة الناجية.

وبما أن أزمتنا الحضارية أزمة عقل أولاً، فنحتاج لتفكيكه وإعادة تشكيله وفق مبادئ ومناهج منتجة للمعرفة والقيم الحضارية. وهذا لا يتحقق ما لم نعد خطوة ما قبل الصراع، لتعرية الأسيجة القدسية، والأسوار الدينية. فلم يعد الصراع صراعا على سلطة زمنية – بشرية. سياسة كانت أو دينية، بل صراعا حول سلطة إلهية مقدسة. فينبغي كشف العناصر البشرية فيها، ونزع قدسيتها. أي نحتاج للتعرف على القيمة الحقيقية لجميع ما نؤمن به من حقائق دينية ومذهبية، ومدى علاقتها بالمقدس، وتفكيك المهيمن الرمزي وإيحاءاته. فنحن اليوم نواجه مشكلة "وهم الحقيقة"، حيث ينسى الفكر الديني دور الصراع التاريخي في تأصيل العقائد ومقولاتها ومفاهيمها، ويحسب أن الفكر الاجتهادي حقيقة مطلقة، رغم أنه فكر بشري نسبي، يختلف من شخص إلى آخر، وفقا لخلفياته وثقافته ومستوى وعيه وعلمه وقدرة أدواته على التنظير. فهو يُخطئ عندما يعتبر الفقيه والمفكر مجرد طريق للحقيقة. ويرتكب خطيئة حينما يرمي المخالف بالانحراف والردة والكفر. الفكر الديني فكر بشري، اجتهادي، نسبي، لا يتعالى على النقد والمراجعة، وأصدق دليل تعدد الآراء والفتوى حتى في المذهب الواحد. لا شك أن المهيمن الرمزي والإيمان النفسي والوعي التراثي واليقين السلبي لهم دور في سلب الآراء الاجتهادية نسبيتها، واعتبارها حقائق نهائية، كتعامل المسلمين مع التراث، وتعامل الإسلامين مع المنجز الفكري للرموز الدينية والإسلامية. كموقف الحركات الإسلامية، سنة وشيعة، من تراث سيد قطب ومحمد باقر الصدر، على التوالي. وهي أوهام الحقيقة ترافق الخطابات الأيديولوجية، خاصة في حقبة المعارضة. وقد عجزت إيران عن طرح بديل إقتصادي إسلامي، وعادت بعد 9 سنوات من المعاناة للاقتصاد العالمي وحركة السوق بمسحة شرعية بسيطة جدا، لا تخرج المعاملات البنكية عن ربويتها. وهي مجازفة لولا طلب المرشد علي خامنئي في حينها إعادة النظر في مفهوم الربا. فوجد فيه رؤساء المؤسسات المالية إيذاناً بالعودة لنظم البنوك العالمية. وأيضا تراجعت إيران عن مشروع أسلمة العلوم الإنسانية الذي كانت تعوّل عليه في وجود علوم إنسانية إسلامية في موازاة العلوم الإنسانية الغربية. وهو مشروع خاطئ، سببه تباين المبادئ الفلسفية لكلتا المنظومتين. لكنه أحد رهانات الإسلامين، ومشروع الدولة الإسلامية، حتى انسحاب رضا داوري اردكاني. وهو من أشهر مفكري إيران المعاصرين في هذا المجال، وقد كرّس ثلاثين عاما من حياته لأسلمة العلوم. فأحدث قراره ضجة كبيرة في حينها ، عندما أعلن رسميا انسحابه من مشروع أسلمة العلوم في رسالة وجهها الى (المركز الحديث للعلوم الإسلامية) في مدينة قم الإيرانية. ثم أعقبه رئيس الجمهورية د. حسن روحاني بعد أسبوع بتصريح بنفس الاتجاه. كل هذا يؤكد عدم وجود مطلقات في الفكر الديني. لكن متى يكف الخطاب الأيديولوجي من خداعه وتضليله؟. الأسلمة لا تنتج معرفة حقيقية بل علوم ترقيعية مشوّهة، لأنها في الغرب قائمة على مبادئ فلسفية مغايرة، وأسلمتها وفق مبادئ فلسفية أخرى يفقدها قيمتها المعرفية، وتصبح علوما شوهاء تفقد أصالتها. وما زال الفكر الإسلامي يراوح في دائرة الإنغلاق المعرفي، بسب عدم فهمه لدور الدين والإنسان في الحياة. وبالتالي فالتمييز بين البشري والإلهي، والمقدس والمدنس، والسماوي والأرضي، يساعد على فهم الحقيقة، ليستعيد المجتمع وعيه، ويعيد النظر بمسلّماته ويقينياته، ورموزه، وفقا للواقع وحقائقه. فثمة هالة قدسية ينبغي اختراقها وكشف حقيقتها. وتعالي يجب استدراجه ومحاكمته، وهذا ما نسعى له ضمن مشروعنا الحضاري النهضوي. ونطالب بإعادة النظر بالحقائق التراثية، عقيدية وفكرية، كي يتسنى لنا اكتشاف الواقع، وتخطي أزماته وتحدياته باتجاه حداثة عقلانية تقوم على مبادئ حضارية – إنسانية. والدين في حقيقته لا يخرج على المبادئ الإسلامية بل يؤكدها. ويبقى تفكيك الخطاب السياسي – الديني مهمة أساسية. فصراع الناس اليوم حول قضايا لا يعرفون عن حقيقتها شيئا. قضايا موروثة بفعل الثقافة والتربية والبيئة والخطابات الأيديولوجية. وعليه يجب العودة للبدايات التاريخية لفرز ما هو ديني عما هو بشري، من أجل وعي جديد يعزز طموحات النهضة.

 

الرسالة والسلطة

تعتبر بعثة النبي نقطة تحول في تاريخ العرب عامة وقريش خاصة. وكان تاريخ المسلمين قبل وفاته تاريخا للرسالة، ومكابدات الرسول مع الملأ من قريش، ومَن حالفهم من أهل الكتاب. بدأت المرحلة المكية سلمية واستمرت حتى هجرة المسلمين للمدينة. فكانت حصيلة المرحلة الثانية مجموعة غزوات وحروب خاضها الصحابة. ثم بدأت تستتب بعد عام الفتح معالم مجتمع جديد، يتمثل قيما وأخلاقا، هي مزيج من قيم دينية وقبلية، تجلت بوضوح في نزاع المسلمين حول السلطة. فتركت أسئلة حائرة حول قدرة الدين على صقل الروح القبلية، وتشكيك مرير حول صدقية التفاضل على أساس التقوى والكفاءة في الحكم، عندما فرض الصحابة القريشية شرطا في السلطة ("الخلافة" أو "الإمامة" في قريش). فاستأثروا بخلافة المسلمين واستبعدوا غيرها من الصحابة رغم كفاءتهم، ومكانتهم في الإسلام. بل استأثرت قريش بالرأسمال الرمزي للمقدس من خلال عدد كبير من روايات الفضائل، كحديث العشرة المبشرة بالجنة كلهم من قريش!!. وغيرها من الأحاديث التي خصتهم على إنفراد أو مجموعات . لكنها أقواها روايات التفاضل بين الخلفاء الأربعة، كخبر معجزة تسبيح الحصى في يد الرسول، ومن ثم بيد الخلفاء الثلاثة واحدا بعد الآخر، حسب الرواية السنية . وتسبيحه بعد الرسول في يد علي خاصة، وفقا للرواية الشيعية . ولهذه الروايات وقعها آنذاك، في مجتمع ثقافته السحر والمعاجز والكرامات. والإسراف باللامعقول والغيبيات. فهي حديثهم وزادهم اليومي. ولها قيمة رمزية عالية. رغم تنويه القرآن بالامتناع الذاتي للغيب بالنسبة للإنسان. لكن العقلية العربية عقلية خيالية وهمية، انتجت لنا تراكما شعريا هائلا، لم يساعدنا في نهضتنا، بل وكرّس قيم الاستبداد الديني والسياسي، وتستر على الظلم والعدوان. واستغرق في وصف الخمور والمجون والجواري . فالأدب العربي لم يساهم في نهضتهم. بينما ينسب للأدب العالمي دوره في الثورات الاجتماعية. وهذا الكلام لا ينفي وجود نماذج أدبية مثالية لكنها لم تؤثر حقيقة، فهناك جو عام عصي على النهضة والتحوّل، له أسبابه التي نسعى لمعالجتها نقديا.

إن الصراع حول السلطة بعد النبي يعود لأسباب عميقة، ترتبط بالقيم القبلية، والرأسمال الرمزي ومهيمنه، وإيماءاته وقوة حضوره. فالصحابة على درجة واحدة من الإيمان والإلتزام حسب الظاهر، وأما التقوى والنوايا الشخصية فلا يعلمها إلا الله. كما أن القرب من رسول الله لا يعني كفاءة الصحابي سياسيا، بل ثمة أسباب والتزامات جعلت بعضهم أقرب، كقدم الصحابي، ومنزلته الاجتماعية، وقوة تأثيره، وقرابته. وفي المعارك تتغير خارطة العلاقات على أساس الشجاعة وكفاءة القائد العسكري، فيكون هو الأقرب لرسول الله بحكم الظرف العسكري. وهكذا بقية الاختصاصات. والشاهد أن الكتاب الكريم لم يصرح باسم أحدهم، وجاءت آياته مطلقة في مصاديقها. وهذا لا يمنع أن يكون أحدهم مصداقا لها، لكن لا يمكنه احتكارها ما دامت مطلقة، فكما تنطبق عليه تنطبق على غيره. لذا لم تُطرح هذه الخصائص على بساط البحث عندما دار الحديث حول السلطة بين المهاجرين والأنصار، إلا كلاما عاما. أقصد لم تكن بذاتها محورا للمفاوضات السياسية. بل الانتماء القبلي هو الذي حسم الموقف السياسي، واحتكرت قريش بموجبه السلطة، بعد استبعادها للأنصار الأقرب لرسول الله، وفقا لمجموعة أحاديث، يثني عليهم وتعكس مدى اهتمامه بهم: "أوصيكم بالأنصار خيرا" . وكأنه يعلم أن السيادة ستكون دائما للمنطق القبلي، وستكون التقوى والمواقف الرسالية المشرّفة في آخر قائمة أولويات التفاضل. وهذا ما حصل فعلا. وبدأت مرحلة توظيف الديني لخدمة السياسة وأهدافها في تكريس السلطة، فالتبس الديني بالسياسي. لذا ينبغي كشف البعد البشري في السلطة، سواء السلطة الدينية أو السياسية. وتحديد وجهة الصراع منذ نشوبه حتى اليوم، لنتمكن من تفكيك البنية المعرفية للعقل المسلم عامة والعربي خاصة، القائمة على يقينيات تسودها الخرافة واللامعقول، تقدس الرموز الدينية، بدوافع طائفية وأيديولوجية.

لقد انتهت بوفاة النبي مرحلة الإسلامي الديني، وبدأت مرحلة الإسلام السياسي، لحظة توظيف النص الديني لشرعنة الموقف السياسي. فالدين لم يهتم بموضوع السياسة، وكل ما يشتمل عليه الكتاب الكريم مبادئ وقيم تصلح أن تكون قاعدة أخلاقية لضبط الأداء السياسي والاقتصادي. ولم ترد أية إشارة لمفردات الفكر السياسي، بما في ذلك مفهوم الشورى، فهو لم يخرج عن معناه اللغوي، ولا يرقى به لمعنى الديمقراطية بالمصطلح الحديث. ولم يعهد من الرسول عهدا سياسيا لأحد من الصحابة بنص صريح واضح لا لبس فيه يؤكد استمرار السلطة السياسية بشخص أحد منهم. وقد مات وهو على ذات الموقف. والمعروف تاريخيا أن بعض القبائل العربية قد ساومت النبي حول السلطة، ورفض طلبهم، لأنه نبي وليس ملاكا أو سلطانا، والنبوة أمر إلهي واصطفاء رباني: "الله أعلم حيث يجعل رسالته"، كما كان يرد عليهم. ولو كان مشروعه مشروعا سياسيا أو سياسيا - دينيا لتفاوض معهم على الحد الأدني، أو ترك الباب مفتوحا للمتغيرات السياسية، هذا هو مقتضى العمل السياسي. لكن مواقفه كانت حدية، مبدئية، دينية خالصة، حتى في أساليبه السياسية. وقد سبق لقبيلته أن عرضت عليه السلطة، ورفض. وكان يؤكد دائما أنه نبي مبعوث، لا يريد منهم سوى الإيمان بالله ووحدانيته والإلتزام بأوامره ونواهيه، من أجلهم، ومن أجل مجتمع يسوده العدل والسلام. وهذه الحقائق التاريخية تنهي جدل السلطة والدين، مطلق السلطة. لكن ثمة رغبة ملحّة دفعت التنظير الفكري والفقهي إلى تأويل الآيات والروايات والسيرة، من أجل التوفر على أدلة لشرعنة السلطة دينيا. وكل هذا لم يجد نفعا، فالسلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية. حاولت نظرية ولاية الفقيه إن تستدل بأدلة شرعية لفظية لكنها فشلت، فاستدل عليها بعض الفقهاء بدليل عقلي، باعتبارها ضرورة دينية – سياسية. وآخرون استدلوا بروايات ضعيفة وسيرة تاريخية لذات الهدف . السياسة والاقتصاد من أهم وأخطر الموضوعات، وعدم اهتمام القرآن له دلالته. كي تواكب السياسة والاقتصاد تطورات الحياة، وعدم الجمود على صيغة واحدة. وتبقى المبادئ حاكمة، كسيادة العدل والقسط والروح الإنسانية وغير ذلك. وبالتالي فدعوى دينية السلطة يحتاج إلى أدلة قطعية الدلالة والسند، صريحة، واضحة لا لبس فيها. فالمسألة خطيرة وليست عادية. وقد سفك الإسلاميون التكفيريون دماء غزيرة من أجل مشروع سياسي باسم الدين وشريعة سيد المرسلين، وهم لا يملكون أي دليل شرعي صريح في المقام!!.

فالسؤال المهم كيف التبس الديني بالسياسي؟ وكيف غادرت السلطة بشريتها وأصبحت منصبا إلهياً؟ وكيف تم تزوير الوعي، وخداع الناس؟. وما هو مصير العلوم والعقائد التي تأسست على مقولة إلهية السلطة عندما نستعيد بشريتها، سواء كانت السلطة دينية أم سياسية؟. فثمة آثار واسعة ستترتب عليها. وستتلاشى كثير من المفاهيم التي لها مساس بحياة الناس، ومصيرهم في اليوم الآخر.

 

المهيمن الرمزي

أقصد بالمهيمن: نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، تعمل كموجه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي، فيرتهن لها وعي الفرد، وطريقة إشتغاله لا شعوريا.

وبهذا يتضح أن فهم المهيمن يتوقف على فهم أنساقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية، ومناشئ وجودها، ومدى صدقيتها. وهي مقولات تأسيسية، مكتسبة، تترسب لا شعوريا في بواكير الوعي، عبر التربية والتعليم والبيئة والعقل الجماعي والأجواء الثقافية المحيطة به. فيتعامل معها العقل كحقائق رغم عدم وعيه لمدى مطابقتها للواقع ونفس الأمر. وهذا النوع من المقولات يتعذر نقدها وتفكيكها بسهولة، لأنها تنتظم ضمن أنساق مضمرة، فتكتسب مناعة ذاتية، وهذا سر مقاومتها للنقد. فهي قناعات لا شعورية، يحار المرء في اكتشاف سببها، ويعاني في استعادة وعيه، ما لم يرهقه القلق والتردد والشكوك والاستفهامات. وتقاس فعلية كل مهيمن بقوة حضوره، حينما يباغت الوعي، ويطفو لا شعوريا، ويضع الفرد في موقف حرج أمام صدقية وعيه. وقدرته على التحرر من سلطة مهيمناته وأنساقه المعرفية.

ويتنوع المهيمن بتنوع مقولاته وأنساقه ومهامه وتقنياته وطريقة اشتغاله وأدائه وتأثيره بوعي الفرد والعقل الجمعي. فكما هناك مهيمن ثقافي هناك مهيمن دلالي، وهناك مهيمن رمزي يتحكم بالعلاقات الاجتماعية والدينية، وتفسير ظواهرهما. يستمد وجوده من أنساق المهيمنين الثقافي والدلالي، ويرتبط بمهيمن ثالث نفسي ينفرد بطريقة وعيه واشتغاله، وهيمنته اللاشعورية، في تجلياتها المختلفة. وتعمل هذه الأنساق بطريقة جدلية، فتؤثر وتتأثر، وتعيد تشكيل نفسها باستمرار. وتكون العلاقة بينها علاقة تشابك مستمر. وهي الوسط الذي تتجلى فيه حقيقة مختلف الدلالات الرمزية للرموز الدينية والاجتماعية والسياسية والتاريخية، وغيرها. وليس لها أية حقيقة خارج وعي الفرد والمجتمع. ولا سلطة وسيادة لها خارج الفضاء المعرفي للعقل. فقيمة الرأسمال الرمزي لأية شخصية أو جهة اجتماعية وغير اجتماعية تتحدد من خلال ما تمتلك من رصيد رمزي، وقوة حضوره في الوعي المرتكز لمختلف قبلياته، سواء كان فردا أو جماعة. الفرد بخصوصيته وثقافته، والمجتمع بالوعي الجمعي، الذي يتصف بقوة تأثيره عندما يهيمن على الموقف العام رغم تمرد بعض أفراده. فرهان الحقيقة الرمزية وسلطاتها على الوعي الجماعي أكبر من رهانها على الفرد. الأول يخلو من القلق والتردد وعدم القناعة، ويتصف بقوة يقينياته، التي هي سمة عامة ليقنيات الأفراد وليست تفصيلاتها الملغومة بالشكوك أحيانا.

ثمة ملاحظة أن المهيمن الرمزي يتفاعل لا شعوريا مع الغيبيات واللامعقول، ويستلهم منها دلالات وإيحاءات. بل ليس لها خارج فضائه الدلالي أية حقيقة، فهي من مخلوقاته، يتولى الوهم تصويرها، وصياغتها ضمن قوالب ثقافية ونفسية. فالحديث عن الميتافيزيقيا ومصاديقها حديث داخل فضاء العقل، وما يلتقطه النسق الدلالي، ويتمثله المهيمن الرمزي. وخلاصة الكلام أن المهيمن الرمزي يعيش وهم الحقيقة المطلقة دائما، وليس له سوى الوهم يستمد منه مقوماته، ومنهم يتأثر الموقف النفسي، فيتجلى عبر المهابة، والتقديس والتبجيل والإيحاءات الغيبية. فتتباين القيمة الرمزية من شخص إلى أخر، وهو سر السلوك المختلف والمشاعر المتفاوتة تجاه الرموز الدينية والاجتماعية. فالتنقيب في أعماق المهيمن الرمزي تفكيك لمفاهيمه ومقولاته، القائمة على الوهم، وما تحتفظ به قبليات الفرد من ثقافات وعادات وتقاليد وأشياء أخرى. فتجد الفرد الذي يتعامل بكل قدسية وخشوع مع هذا الرمز الديني، يتعامل بكثير من اللامبالاة مع رمز آخر. بسب قبلياته وتصوراته وأوهامه عن كلا الرمزين رغم انتمائهما الديني.

وبما أننا بصدد التمييز بين البشري والإلهي للسلطتين الدينية والسياسية، فيهمنا التعرف على الرأسمال الرمزي لكل من محمد بن عبد الله وقبيلة قريش. محمد باعتباره نبياً مرسلا، وقريش باعتبار مركزيتها وسلطتها القبلية. من أين أتى؟ وما هي روافده وتقنياته في فرض حقيقته؟

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (14)

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم المهم في انتاج الافكار ان تكون المعايرة مع الهدف و السياق. فاذا ثبت ان لفكرة مردودا سلبيا على مجمل اشكال الحياة لا بد من اعادة النظر بها لأن الدين اتى اساسا لتحقيق نهضة شاملة، و لا يمكن للدين ان يكون قيودا تكبل الانسان و الارض و المؤسسات.

This comment was minimized by the moderator on the site

الان اقرأ لجاك دريدا حمى الأرشيف الفرويدي، و مع انه ترتيب لأفكار متعارضة و بلغة مجازية تكاد تقلب موازين التفكير العلمي رأسا على عقب و تسبب للانسان للشرود و الخروج عن حدود التفكير البشري و يدخل في مجال الروبوتات و الذكاء الصناعي، الا انه يؤكد في الخلاصة،
ان كل ارشيف و هذا يعني كل تراث هو صناعة، نقتل بها الحقيقة احيانا من خلال منح الديناميكية لجزء من القول على حساب بقيته،
بمعنى ان الحقيقة تندثر مع الزمن و يحل محلها تأويلنا للتراث و رواسب الماضي،
و هذا هو حالنا مع تاريخ للاسلام، فهو ما تناقلناه و ليس ما نعيشه الآن.

This comment was minimized by the moderator on the site

دائما تتحفنا بالجديد، شكرا لمتابعتك د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

اجد ان اشكاليتنا مع الحداثة والمعاصرة تتمحور حول مركزية نقد الفكر الديني بمنهج عقلاني جريء, وهو ما اجده في مسعى المفكر الغرباوي وجهده المثابر
تحية لك استاذ وبوركت في معاك النبيل

This comment was minimized by the moderator on the site

تشخيص دقيق، نقد الفكر الدين سيسمح بزعزعة اليقينيات، واستبدال زاوية النظر كي نكتشف الحقيقة، وهذا ما نطمح له. شكرا لحضورك ومشاركتك مع احترامي لك الاستاذ الباحث الجليل علي محمد اليوسف

This comment was minimized by the moderator on the site

الفاضل ماجد الغرباوي الاستاذ
دمتم بتمامها ايها الكريم
نعم : "فالإمامة والخلافة اليوم خطان متوازيان، تنعدم بينها مساحات الإلتقاء إلا مجاملة وتسامحا شكليا."
لكن ما ذنب الاجيال و نحن المغادر منها؟
انه صراع سياسي./اقتصادي..منذ اليوم الاول بين قريش و الدعوة الجديدة...لم ينتصر فيه احداً منهم...حاولوا تزويقه و تغليفه دون حسم واضح لذلك ظل اللون الرمادي الذي فصل و يفصل بين السكتين المتوازيتين...كان قطار بدون محطات و لا يزال...السؤال لماذا؟ هل قصور في التأسيس ام قصور في التطبيق أم قصور في الحسم و اتخاذ القرار الصائب؟
ما ذنبي انا الغارب و ما ذنب القادم المبهم مصيره؟ فتحنا و تفتحنا على نوع من التسامح و الالفة و المحبة و الوئام سواء كان عميقاً او ظاهرياً لكن ماذنب القادم الذي فتح و سيفتح عينيه على العودة لتلك الايام القبيحات من التناحر و التحازب و التحارب؟؟؟؟؟؟؟
..............
اوجعتنا ايها الكريم و لكن لابد من لسعة النحل لكل من يحاول جمع او جني العسل
....................
دمتم بتماام العافية
انتظر القادمات الموجعات ...التي فيها الامل او بصيصه

This comment was minimized by the moderator on the site

اكرر التحية و التقدير
ورد:[ ولو كان مشروعه مشروعا سياسيا أو سياسيا - دينيا لتفاوض معهم على الحد الأدني، أو ترك الباب مفتوحا للمتغيرات السياسية، هذا هو مقتضى العمل السياسي. لكن مواقفه كانت حدية، مبدئية، دينية خالصة.]انتهى
أعتقد انه صراع سياسي من لحظة التفكير بالهجرة...و بعدها اطلاق مفهوم او مصطلح الانصار و المهاجرين مروراً بالتصالح او الصلح او الاتفاق في المدينة و مروراً في صلح الحديبية و من ثم من دخل بيت ابو سفيان.
ورد:[لقد انتهت بوفاة النبي مرحلة الإسلامي الديني،]انتهى
أعتقد انهما لازما المسيرة و لليوم فهناك اسلام ديني و اسلام سياسي و الصراح المستمر بدرجاته المتفاوته يلقي بظلاله على كل حياة هذه المجموعة البشرية.
و دليلي ما تفضلت به حيث ورد :[فالسؤال المهم كيف التبس الديني بالسياسي؟ وكيف غادرت السلطة بشريتها وأصبحت منصبا إلهياً؟]انتهى
اكرر التمنيات لكم بتمام العافية

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمشاركتك الاخ الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم، طالما تحدثت حول الموضوع، وقلت ان القران أهمل عصبي الحياة السياسة والاقتصاد ومات الرسول ولم يوصي لاحد صريحا، ومقتضى التحرك السياسي من خلال الدعوة، التنويه بها او بنظام سياسي او لا اقل التحدث عن نظرية. كل هذا مفقود بالضرورة. وطالما اكد النبي انه نبي، فلم يخاطبه القران باي خطاب تشريفي ملك زعيم وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ . الدعوة بقيت دينية حتى وفاته.
ستقرأ تكملة هذا الموضوع في الحلقة القادمة المخصصة لكشف البشري داخل الديني في السلوك السياسي للمسلمين. تحياتي لك مجددا

This comment was minimized by the moderator on the site

مع كل حلقة من حلقات هذه السلسلة التنويرية أشعر بأن الكثير من القيــود المكبلة لعقلي وروحي تتفكك واصبح أكثر حريــة من السابق .. الشكر والتقدير لاستاذنا الكبير الغرباوي .. وفقك الله .

This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني ان تجد كتاباتي صدى في وعي الاخ الاستاذ طارق الربيعي، تمنياتي بمتابعة ما تبقى من حلقات كي نستفيد من ملاحظاتك القيمة مع التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالات التنويرية الرائعة. و شكراً الى الاخوة المعلقين؛ و احب ان اضيف التعليق التالي:

كل شيء واضح وضوح الشمس في القرآن الكريم من ان الدين و الايمان لله فقط ثم فقط ثم فقط . و لا يوجد اي انسان آخر يشارك الله في هذا الايمان سواء كان صحابي او من آل البيت . و حتى الرسول كان مبشراً و نذيراً بتكليفه من الله لحمل الرسالة السماوية الجديدة " وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لا يعلمون" ".

و كان الرسول في وقته مرجعاً لتوضيح بعض الاستفسارات الدينية المتعلقة بالرسالة السماوية. و هو لا يعرف في ما في الغيب و ماذا ستكون حالة الدين و المسلمين بعد وفاته " لو كنت اعرف ما في الغيب لاستكثرت من الخير".

و هنالك آية اخرى مهمة جداً تؤيد ان الرسول لا يعرف ما في الغيب و هي " لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون في العلم". و من هذه الاية نفهم ان الله ترك القرآن لكي يؤله المسلمون حسب حقباتهم الزمنية و لن نتوقف على حقبة زمنية ثابتة.

لا استطيع ان افهم من هؤلاء رجال ديننا ربط عقولنا في كهوف الماضي و هذا تناقض فضيع مع المغزى القرآني.

الفقهاء بشر مثلنا و لماذا نتمسك بآراهم و نعطيهم القدسية.؟
لقد فقدنا الطريق و نحن في مرحلة التيه ؛ و السبب يعود الى رجال ديننا الافاضل و فقه السلف الصالح الذي يجترون به على مدار السنة.

ماذا نفهم من الايات القرآنية التالية:

الانعام 71
قل اندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له اصحاب يدعونه الى الهدى ائتنا قل ان هدى الله هو الهدى وامرنا لنسلم لرب العالمين

لماذا تتروكون الله و تدعون غيره؛ هل توجد فائدة او مضرة من دعوة بشر مثلكم؟؟؟؟

الاعراف 194
ان الذين تدعون من دون الله عباد امثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صادقين

و هؤلاء الذين تدعونهم عوضاً عن الله هم عباد مثلكم ؛ هل يستجبوا الى دعواتكم ان كنتم صادقين؟؟؟؟. هل اكثر من هذا الوضوح في الاية اعلاه.

الزمر 44
قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

الشفاعة الى الله فقط ثم فقط و لا لأحد غيره يشاركه في هذا الامر حسب ما هو واضح جداً في الاية اعلاه؟؟؟.

هل ان اصحاب الفقه اطلعوا على آيات القرآن ؟ و اذا كان الجواب بنعم ؛ هل فهموها؟؟؟.

محطات تلفزيونية و كتّاب و صحف كلها تدور في فلك السلف الصالح و مذاهبه العتيدة ؛ تاركين كتاب الله على الرفوف. يا لها من عقول عقيمة !!!. و شكراً

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التعليق

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لشهادتك وتفاعلك وثقتك ومتابعتك الدائمة الاخ الاستاذ د. ثائر عبد الكريم المحترم

This comment was minimized by the moderator on the site

"...مجتمع ثقافته السحر والمعاجز والكرامات. والإسراف باللامعقول والغيبيات. فهي حديثهم وزادهم اليومي. ولها قيمة رمزية عالية..." ما تقدم من المقال هو تحديد دقيق لطبيعة مرض المجتمع إذا صح التعبير والذي ينطبق على الفرد كذلك وتكبل يديه وتأتي على فكره وتصادر حريته ليبقى أسير هؤلاء السحرة الذين فضح الله أمرهم في المباراة التي دارت بين موسى والسحرة والتي انتهت بسجود السحرة لله وخرجوا على فرعون رغم جبروته وكما هو معلوم ان القصة تتردد في أكثر من مكان في الكتاب الكريم وهنا نرى أن الطلاق الواقع بين القرآن والمسلمين هو أحد استمرار هيمنة ثقافة السحر والشعوذة والمعاجز والكرامات وغيرها مما لم ينزل الله بها من سلطان وقد تم تسليط الضوء من قبل الأستاذ ماجد على الجانب الاقتصادي والسياسي حيث يقول:" السياسة والاقتصاد من أهم وأخطر الموضوعات، وعدم اهتمام القرآن له دلالته. كي تواكب السياسة والاقتصاد تطورات الحياة، وعدم الجمود على صيغة واحدة". واللبيب من الإشارة يفهم كما يقول المثل لماذا يتم الابتعاد عن النص عند سحرة العصر الحديث!

This comment was minimized by the moderator on the site

خالص محبتي لقراءتك الممعنة للحوار، وتعليقك القيم. بالفعل ثقافة السحر وادمان الغيبيات احد تحديات تطورنا ونهضتنا. اجدد شكري للاخ الاستاذ عباس علي مراد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4226 المصادف: 2018-04-01 00:45:06