المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (74): الانقلاب التاريخي

ماجد الغرباوي2صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س78: د. صالح الطائي: من خلال متابعتي التاريخية بت على يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة، وأن تداعيات هذا الانقلاب السياسي هي التي مهدت الظهور للدولة الأموية ثم الدولة العباسية.

ج78: ماجد الغرباوي: عميق شكري واحترامي للباحث الإسلامي الجدير د. صالح الطائي، وشكرا لأسئلته ومشاركته في إغناء الحوار.

واضح أن السؤال يقصد موضوع الخلافة السياسية بعد وفاة الرسول. حيث يعتقد خط الإمامة أنها نص وتعيين من الله تعالى، وأن النبي قد أوصى بها لعلي بن أبي طالب من بعده. والطرف الثاني نفى وجود وصية بالخلافة، وارتكز لشورى شكلية في تنصيب الخلفاء، بعد حسم النزاع لصالح قريش ضد الأنصار في سقيفة بني ساعدة وفقا لمبدأ قبلي (قريش أولى بالنبي). هذا هو الشطر الأول من السؤال. والباحث الجدير يقول أنه على (يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي).

تعرضت لهذه القضية أكثر من مرة. وسأتوقف هنا مع "يقين" الباحث، إذ لازم يقينه إنقلاب الحقيقة النسبية إلى مطلقة. وتقدم مفصلا لا تكون الحقيقة مطلقة ما لم يمكن الاستدلال عليها حسيا، وبالتجربة أو بالدليل الرياضي المفضي لليقين. وتبقى القضايا الدينية والتاريخية قضايا نسبية، مرتهنة في وجودها للنص وقبليات المتلقي، الذي هو شريك النص في وجودها كما تقدم بيانه. فالحقائق التراثية تختلف عن الحقائق الموضوعية التي من السهل الاحتكام لها في حالات الشك. لكن كيف نحتكم لحقيقة لا يوجد طريق لها سوى النص، ولا وجود لها إلا في الذهن؟. فثمة فرق بين الحقيقة المتولّدة عن اليقين، واليقين المتولّد من الحقيقة. الأولى تكون نسبية لنسبية مناشئ الإيمان، لذا يختلف المؤمنون حولها، وما تعتبره ضرورة، ليس كذلك عند غيرك. أما الثانية فتكون مطلقة، يمكنك الاستدلال عليها وحسم النزاع عند الشك بدليل يورث اليقين والجزم. ثم لا يمكن الوثوق بصحة الأخبار التي تتحدث عن الوقائع التاريخية بعد مرور قرون، لانسداد باب العلم، ما عدا أخبار آحاد، لا تورث سوى الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، بفعل التداول الشفاهي للأحاديث والروايات سنين طويلة، وتأخر تدوين كتب التاريخ والسيرة أكثر من مئة وثمانين عاما، مع وجود دواعٍ للوضع والتزوير والإضافة والنقصان. وهي أسباب عامة، تعاني منها جميع القضايا التاريخية. وإنما يأخذ الفقهاء بأخبار الآحاد لا لأنها حجة بذاتها، بل يعتقدون أن الشارع المقدس قد جعل الحجية لها، فيُقتصر على موردها، وهي روايات الأحكام الشرعية. وموضوع السؤال قضية تاريخية، فتنطبق عليها قوانينها.

لا يمكن الوثوق بالوقائع التاريخية بعد مرور قرون، لانسداد باب العلم، ما عدا أخبار آحاد، لا تورث سوى الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئا، بفعل التداول الشفاهي للأحاديث والروايات سنين طويلة، وتأخر تدوين كتب التاريخ والسيرة أكثر من مئة وثمانين عاما، مع وجود دواعٍ للوضع والتزوير والإضافة والنقصان. وهي أسباب عامة، تعاني منها جميع القضايا التاريخية. وإنما يأخذ الفقهاء بأخبار الآحاد لا لأنها حجة بذاتها، بل يعتقدون أن الشارع المقدس قد جعل الحجية لها، فيُقتصر على موردها، وهي روايات الأحكام الشرعية. وموضوع السؤال قضية تاريخية، فتنطبق عليها قوانينها.

وهذا يختلف عن اليقين القرآني الذي يقصد به التسليم والإذعان المتفرع عن الإيمان القلبي والروحي. أنت تقصد من يقينك الجزم بوقوع القضايا خارجا، وهذا يحتاج إلى أدلة حسية وهي منتفية، أو دليل قطعي السند والدلالة يورث الجزم واليقين، كالخبر المتواتر، عندما يرويه عدد كبير من الرواة في كل طبقة، يمتنع تواطؤهم على الكذب. ورغم صرامة القيد إلا أنه لا يكفي، بل ولا تكفي حسابات الاحتمالات في صدقه، بل ينبغي لنا معرفة قبليات كل راوٍ من الرواة في جميع الطبقات، وندرس شخصياتهم وتوجهاتهم. وهذا أشبه بالمستحيل في قضايا مختلف حولها أساسا. فشروط التواتر تعجيزية عندي. خاصة حساب الاحتمالات حيث تتدخل قبليات الفقيه في تحديد نسبة وثاقة الرواة والوسائط الخبرية. فالخبر المتواتر منتفٍ في المقام، وحتى مع ثبوته فهو تواتر معنوي وليس لفظيا، لاختلاف الآراء والتفصيلات، وهنا تتدخل ثقافة المتلقي وتوجهاته العقيدية في ترجيح هذا الخبر على ذاك. ثم أن حجية خبر المتواتر ليس على أساس انكشاف الواقع، بل على أساس الحجية الذاتية للقطع والجزم الذي يورثه الخبر المتواتر. فاليقين في هذه القضايا يقين نفسي، وليس برهانيا أو منطقيا قائما على مقدمات علمية تامة. فلا ينتج معرفة بل إيمانا واطمئنانا نفسيا. وهذا لا يحسم الخلاف حول مسألة الخلافة التي مازالت غير محسومة رغم مرور 1450 عام، لعدم وجود قدر متيقن حول أساسياتها، ببسب اختلاف الروايات التي تصل حد التباين، واختلاف توجهات الباحثين، وفهمهم للدين ولدور النبي الكريم. كما لثقافة المتلقي وعقائده وقبلياته في ترجيح الأخبار دور. ولعل أفضل شاهد على عدم انكشاف الواقع من الإمارات الشرعية، قول النبي في القضاء (انما اقضي بينكم بالبينات والايمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار). فالبينة لم تكشف له الواقع، لكنه حكم في ضوئها لحجيتها شرعا، ولو كانت البينة تكشف عن الواقع فلا معنى لقوله هذا. والخبر المتواتر ليس أفضل حال، مهما كان عدد الرواة، على فرض تمامية جميع الشروط.

 

الانقلاب التاريخي

ثم أن موضوع اليقين وهو الانقلاب في قوله: (بت على يقين أن هناك انقلابا سياسيا وقع في المدينة المنورة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة)، يدعو للتساؤل، كيف يمكن الانقلاب على موضوع بحجم الخلافة السياسية لو كان النبي قد حسمها فعلا، وبين شروطها، وأبلغ الصحابة بها؟ بل كيف نفهم تصدي الأنصار لها لولا أحداث السقيفة التي حسمتها لصالح قريش دونهم؟ لا يمكن للأنصار وعموم الصحابة وهم ما عليه من مكانة ومنزلة في الإسلام أن يخالفوا رسول الله، وليس هذا من سلوكهم، ولا المعروف من مواقفهم. بل حرمهم رسول الله من غنائم حُنين وقد ملأت ساحة المعركة، ولم يعترضوا عليه وسلّموا له تسليما. وهم الذين أوصى بهم خاصة، (أوصيكم بالأنصار خيرا). فكيف ينسجم تصدي الأنصار للخلافة مع وجود تخطيط مسبق لها من قبل النبي؟ بل كيف يسكتون وهم الثقل العسكري والاجتماعي آنذاك بتمرير انقلاب فيه خيانة للرسول الكريم وقراراته الشرعية؟. وهذه أسئلة مشروعة. لا بد لنا التعرّف على خلفيات الحدث، من أجل تحليل يقترب من الواقع.

بل لماذا يطلب النبي كتابة كتاب حولها (لا دليل على أنه أراد كتابة كتاب حول الخلافة سوى ما هو شائع أو ما هو مرتكز، لكن الرواية تقول: أتوني بكتف ودواة أكتب لكم ما لن تضلوا بعدي أبدا). ثم لماذا لم يكتب النبي إذا كانت القضية تخص خلافة مشرعة من قبل الله تعالى؟ وهل النبي طفل يزعل على المسلمين ويرفض كتابة الكتاب؟. وهو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم؟ ولماذا لم يكتبه ويأتمن عليه جماعة إذا كان حقا يخاف من بعض الصحابة؟ رغم ما في الكلام الأخير من توهين بشخصه الكريم. ثم كيف نتصور مخالفة الرسول لله تعالى إذا كانت الخلافة نصا وتعيينا. ولماذا لم يبلّغ به بشكل يتناسب مع أهميتها وخطورتها؟ وأين الروايات الكثيرة التي يفترض وجودها حول الموضوع؟ وكل ما لدينا روايات الفضائل لا غير؟.

من حق الباحث طرح الأسئلة على الأحدث لمعرفة حقائق الأمور ولست معنيا بأي توجه سياسي أوطائفي. فبني هاشم كانوا كغيرهم من الصحابة المقربين قلقين على مستقبلهم السياسي، وقد ذكر الطبري أن عليا وعمه العباس همّا بالدخول على النبي وسؤاله، لكنهما لم يدخلا. لكن رواية الشيخ المفيد وهو زعيم الطائفة الشيعية ومؤسس مدرستها العقائدية، يقول في كتابه الإرشاد: (لما أفاق النبي في مرضه الأخير، ... فقال له العباس: يا رسول الله، إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نُغلب عليه فأوصي بنا. فقال: "أنتم المستضعفون من بعدي"، وأصمت). فكيف نفهم هذه الرواية في سياق الأحداث؟ هل تؤكد وجود أية وصية مسبقة؟. ثم ما الذي أخّر الإمام علي عن الاستشهاد بوصايا النبي في خلافه مع الخليفة الأول، وهو بأمس الحاجة لها؟ وقد اكتفى في احتجاجه بالإرتكاز لنفس المبدأ القبلي الذي حسم به المهاجرون الخلافة لصالح قريش، حيث قال: إذا كان المعنى بها قرابة رسول الله، فنحن أهل بيته وخاصته، ومعدن علمه. ولم يذكر شيئا آخر، وقد خاطب أبا بكر عند لقائه: (كنا نرى أن لنا في الأمر حقا، فاستبددتم به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم، فلم يزل يقول ذلك حتى بكى أبو بكر). ولم يتعرض لهذه القضية طوال خلافته، وأيضا لم يتعرض لها الإمام الحسين في حركته التاريخية. فعلى ماذا يدل كل هذا؟

وهناك استفهامات كثيرة ستذكر في محلها. وهذا لا يقلل من قيمة الإمام علي وشخصيته، وكفاءته. لكن الكلام حول وجود وصية بالخلافة قد انقلبوا ضدها بعد وفاته؟. وكيف انعقد اليقين للباحث الكريم مع وجود هذه الاستفهامات؟.

منهجي لا يسمح بالخوض في الروايات التاريخية لسبب علمي، هو عدم الإطمئنان لأية رواية بعد قرون متمادية. كما أن الشواهد والقرائن لا تكفي لترجيح الأخبار، مهما كان عددها. وكل رواية تجد ما يخالفها. بل حتى حديث الغدير وأهميته وخطورته، هناك ثلاث صيغ للخبر، مما يجعل الباحث يتوقف ويبحث عن مرجحات من خارج الروايات. لذا عادة لا أخوض كثيرا في التاريخ، وأركز على دراسة القضية من حيث إمكانياتها أولاً، فإذا لم تكن ممكنة دينيا (إذا كانت القضية دينية)، فلا طائل من البحث التاريخي والروائي. فما هي علاقة الدين بالسياسة؟ وهل كان النبي بصدد تأسيس دولة ونظام حكم يتطلب وجود من يخلفه في ممارسة السلطة؟ أقصد هل تأسيس دولة دينية تكليف شرعي، يتطلب الإتيان بمقدماته؟ هذا هو السؤال المهم الذي تتفرع عليه جميع القضايا. أو يبقى الأمر لو صح مجرد إرشاد ووجهة نظر غير ملزمة.

أكدت مرارا أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية. أي ليست من ضمن التكليفات الشرعية، ولا مانع أن يتصدى المسلمون لقيام دولتهم، والكتاب الكريم يمدهم بقيم ومبادئ وتشريعات. والفرق واضح. في الحالة الأولى يجب التحرك سياسيا، بل وحتى عسكريا من أجلها، وأسقاط كل سلطة يقع ضدها. وهذا ما تؤمن به داعش وقد أراقت دماء غزيرة، وهو مبنى الحركات الإسلامية السياسية قاطبة. وما دولة المدينة سوى استجابة لتطور المجتمع إدارايا. ولو كانت الدولة ضرورة دينية ينبغي أن ينظّر لها الكتاب الحكيم كثيرا. بينما أهمل عصَبي الحياة، السياسة والاقتصاد. وما تقرأه من تنظيرات الإسلاميين هي وجهات نظر اجتهادية محترمة، لكن لا يمكن أن تكون تكليفا شرعيا. فالقرآن قد حدد مهام الرسول بالتبليغ والبيان والشرح والتفصيل والتبشير والإنذار وتعليم الناس الكتاب والحكمة، وأن يكون أسوة له. فكان بصدد بناء مجتمع يدين بدين التوحيد، ويلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه. الخلافة قضية مهمة ومصيرية، وإهمالها من قبل الكتاب والنبي دليل على ترك موضوع السياسة للتطور التاريخي، لتتكيف مع متطلبات العصر والزمان..

ثم لا يمكن للنبي التورط في تعيين أي شخص بأي منصب بعد وفاته، كي لا يلزم منه تزكية مطلقة لذات الخليفة، فيكون حجة في أقواله وسلوكه ومواقفه، فيسلب حق الرعية في الاعتراض والنقد والمحاسبة، ويصادر حق الأكفأ لو ظهر فيما بعد عدم جدارة الخليفة. وهذا لا يفعله النبي مطلقا، خاصة السياسة ومزالقها. فيحمل رأيه إذا ثبت صدوره على الإرشاد لا على الإلزام. كما سيكون لروايات الفضائل دور في تزكية الصحابي، لكنها لا تدل على الخلافة بالضرورة.

الخلافة ليست قضية شخصية، بل قضية المسلمين ومستقبلهم السياسي. وعدم الاهتمام بها من قبل مرجعياتها الأساسية يجعلنا نفكر بطريقة جديدة، وفهم الواقع وفقا لظرفه. لنتجاوز هذه القضية التي قطّعت أوصال الملسمين. يقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لا يمكن الوثوق بالروايات التاريخية، فأغلبها روايات ما بعد الوقوع، بعد انقضاء الحدث. وقد لجأ الجميع لوضعها والكذب على الله ورسوله، من أجل تعضيد الرصيد الرمزي لأطراف النزاع، ومراكمة شواهد على تفاضلهم لعدم وجود دليل مرجعي يحسم الخلاف بينهم. فكان الجميع يطمح لحسم شرعية الخلافة من خلال الروايات. وقد كلف هذا المنهج المسلمين حياتهم.

 

الانقلاب المفاهيمي

رغم جسامة الأحداث لكن لم يصدر أي تجريح من الصحابة، ولم يشكك أحد بإيمانهم أو يقدح بتقواهم وعدم إخلاصهم. فكانت معارضة الإمام علي معارضة سلمية، مؤقتة، تم تسويتها بعد أشهر. وقد رفض عرضا سخيا من أبي سفيان لاستعادة الخلافة، حيث قال له: "أبسط يدك أبايعك، لأملأنها خيلا وركبانا". وهو زعيم العرب وقادر على تعبئة الجيوش، واجتياح المدينة، وهذه المرة تحت غطاء الشرعية الدينية، لكن عليا رفض كل هذا، وبايع أبا بكر، وعادت المياه إلى مجاريها. وشارك علي بشورى يعلم أنه الخاسر فيها، بدافع الشعور بالمسؤولية. وقد وافق على نتائجها وبايع عثمان كغيره من المسلمين. فالإمام علي لم يطرح نفسه بديلا شرعيا بل منافسا سياسيا. والفرق واضح بينهما.

يمكن رصد قضيتين تعد انقلابا حقيقيا بعد وفاة الرسول:

الأولى: انقلاب المفاهيم والتمسك بالقبلية وبقريش خاصة، حتى أصبحت القريشية شرطا في السلطة. حيث روى أبو بكر في سقيفة بني ساعدة عن النبي حديثا حسم الموقف لصالح قريش، جاء فيه: (الخلافة في قريش) أو (الإمامة في قريش). ولم يذكر مناسبة قول الرسول، ولماذا لم يكن حديثا شائعا بين الصحابة. وهل يعقل هناك حديث معروف بين الصحابة حول اختصاص الخلافة بقريش ويتصدى الأنصار لها. فالمبدأ القبلي هو الذي حسم النزاع، علما أن القبلية ليست من قيم التفاضل إسلاميا، بل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). وأما في السياسة فإن الأولوية للأقدر والأكفأ، وهو ذات المنهج النبوي في تعامله مع صاحبته. فالحكم بحاجة لرجل كفوء، ولا يكفي إخلاصه وزهده وتقواه، رغم ضرورة البعد الأخلاقي في شخصية الخليفة. يشهد لهذا اعتراف عمر فيما بعد "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فلا تعودوا لمثلها". وهو اعتراف وتحذير لرجل أدار اللعبة السياسية في سقيفة بني ساعدة بمهارة فائقة. وكان طول حياته أشد إصرارا على شرط القريشية، وسيادة قريش للمسلمين دون غيرهم.

الثانية: إنقلاب المهاجرين وقريش خاصة على الأنصار، تلك الشريحة التي احتضنت الرسالة وصاحبها، وعززتهما ودافعت عنهما. وفيهم كبار الصحابة والفضلاء والأكفاء. وقد أقصاهم أبو بكر نهائيا، حداُ رفض تقاسم السلطة، حينما اقترحوا في سقيفة بني ساعدة: (منا أمير ومنكم أمير). وبقيت الخلافة شأنا شخصيا لقريش وخلاف بين بيوتها من دون المسلمين. وقد أقصى عمر جميع الصحابة من الشورى، وقد أسند لهم إقامة الصلاة مؤقتة وحماية الشورى وقتل من خالف قرارات الأغلبية التي يعلم أنها محسومة سلفا، ويعلم علم اليقين أنها لا تخرج من قريش.

ثم تطور المبدأ القريشي فصارت القريشية قيمة تنافس الإيمان والسبق في الإسلام، ورفقة النبي الكريم، ولا تميّز بين من نصر الدين ومن حاربه، فعادت قريش للحكم وكانت مقاليدها في عهد عثمان بيد قريش الذين عبثوا بالسلطة واستأثروا بالثروات، واستغلوا المناصب، ونهبوا أموال المسلمين، فضجوا، وثاروا ضد الخليفة الذي رفض التخلي عن مبدأ الولاء القبلي، ورفض تقديم الكفاءة عليه. غير أن مقتله لم يحقق شيئا وقد تفاقمت القبلية، وأصبحت قانونا رسميا في الدولة الأموية التي كانت وراء مآسي المسلمين. وجاءت الدولة العباسية لترث ذات القيم القبلية لترسوا خلافتها على أساس قربهم من رسول الله من دون المسلمين.

ولا يخفى تداعيات شرط القريشية في السلطة، حيث تم إقصاء كل القيم الأخرى، بما فيها الكفاءة التي هي قوام الحاكم السياسي. ففضلوا القريشي مهما كان ضعفه وسوء أخلاقه وسلوكه، وفاء لهذا الشرط، الذي لم يشر له الكتاب الكريم. فإذا كان هناك انقلاب بعد النبي فهذا هو الانقلاب. انقلاب مفاهيمي، قيمي، أخلاقي، واستبعاد الأنصار، خاصة رسول الله وحماة رسالته، وفيهم طاقات وكفاءات مشهود لها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (20)

This comment was minimized by the moderator on the site

السؤال على قدر من الأهمية من باحث له باع في تشريح ذهن الدعوة و ما انى بعدها.
و اتت الاجوبة بشكل واضح و صريح و من مفكر لديه نظرية متماسكة في العلاقة الروحية بين رسالة الاسلام و السيف و تنظيم العلاقات.
و قد تعلمت من كليهما الكثير من الافكار ان لم نقل طريقة التفكير مع النص و من فوق النص بمعنى من داخل الظروف المحيطة به.
و بكل تواضع ارى ان الرسول لم يفصل في الخلافة من بعده حتى لا يقع في مشكلة التفضيل بين اصحابه و من شد ازره، و ترك المسألة للظروف، هذا ان لم تكن وفاته فجأة و حصلت على حين غرة و لم تكن موجودة في ذهنه و باله.
رقم ٢، كانت الشورى اجتماعا لحل خلافات سكتوا عنها نتيجة الاجماع على قيادة الرسول و تفجرت بغيابه.
و هذا شيء مفهوم، تفجر نزاع في عهد خروتشوف بعد دور ستالين الدكتاتوري مؤسس مفهوم القوة في ادارة الدولة، و حصل نزاع بعد تيتو ادى لتمزيق الاتحاد اليوغوسلافي، و نزاع مماثل خلال السنوات الثمانية من حكم غورباتشوف ادى لتمزق السوفييت و نشوء الاتحاد الروسي.
حين يكون للقائد دور مفصلي في ادارة الجماعة او الدولة يسبب غيابه اشكالات عديدة، و العرب المسلمون ليسوا استثناء.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ صالح الرزوق، اخجلتني بتواضعك وانت الاديب والناقد القدير، لكنها شهادة اعتز بها، اتمنى البقاء عند حسن ظنكم. اسعدني أنك وجدت في كتاباتي ما ينفع. لك خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأستاذ ماجد الغرباوي المحترم
لا أخفيك اني أغبطك على سعة اطلاعك وجرأتك في تناول أشد المواضيع حساسية، وهو أمر يتهيب من خوضه الباحثون بسبب (التابو) الذي حولة إلى قناعة مقدسة لا يجوز لأحد مناقشتها أو الخوض في جزئياتها وكليتها.
وأنا يا سيدي أرى أن الوقت قد حان لأن نمتحن أشد المواضيع قدسية بقلم محايد مطلع معتدل علمي فالإسلام يبدو اليوم محاصرا من جهات عديدة وصلت الجرأة ببعضهم إلى أن يتهموه بالرجعية والتخلف وأنه مجرد كيان موروث آيل للسقوط لا قدرة له للدفاع عن نفسه أو عن أتباعه. إن هذا التوجه وليد حراك سياسي وفكري أيديولوجي ضخم وموجه نجح في تحويل العالم إلى مسرح كبير له قوة مفرطة لم تكن في الحسبان، لها قدرة التأثير على الأشخاص ومنحهم قوة لا يملكونها، وكل الذين تجرأوا على اتهام الإسلام، ليسوا أقوياء بنظري، لأنهم استمدوا قوتهم من قوة المسرح (Power Theater) أو (Power Stage ) وهو مصطلح وضعته مؤخرا واستخدمته في كتاب أعمل عليه يكاد يشبه أسلوبك في التفكيك والامتحان، ومتى ما أسدلت الستارة، يفقدون قوتهم ويعودون إلى طبيعتهم.
نحن أيها الأخ الفاضل لا نريد الدخول في مهاترات كلامية مع أحد ولا نبغي إثارة النعرات أو العمل على ترجيح عقيدة على أخرى، فهذا المشروع الذي شغل بال المسلمين على مدى أربعة عشر قرنا هو الذي أوصل الإسلام والمسلمين إلى ما هم عليه اليوم، وهدفنا الحقيقي هو التصحيح، تصحيح المنهج لا العقيدة، فمما لا شك فيه أن هناك عقيدتان واحدة دينية، تم الحجر عليها أو على أغلب جزئياتها لأسباب سياسية منذ فجر الإسلام، والأخرى سياسية، هي مشروع سياسي عبقري وذكي جدا تمكن من تطويع الدين لتقبل الطروحات السياسية ثم بمرور الزمن تحولت إلى عقيدة نتعبد بها.
إن مناقشة جميع ما جاء في موضوعك الرائع يستغرق وقتا وجهدا كبيرين أدخرهما للكتاب الذي أبغي وضعه ردا على حوارياتك ولذا سأكتفي بمناقشة موضوع (يقينيتي) دون الخوض في النسبية والحقيقية لأعلن سببها:
كنت قد تطرقت في كتابي (جزئيات في السيرة النبوية) إلى قضية جد مهمة وهي أن رسول الله(ص) لم يترك المدينة مرة إلا وترك عليها خليفة له يدير شؤنها، حتى أنه ترك عبد الله بن أم مكتوم (رض) وهو صحابي أعمى ليدير شؤون أهلها حينما انشغل هو في الاستعداد لحرب الخندق، بمعنى أنه كان على أطراف المدينة وليس بعيدا عنها ومع ذلك ترك خلفا يدير شؤون أهلها. وحينما خرج لفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، عين أحد الصحابة على المدينة، وبعد الفتح وصلته أخبار تجمع القبائل في الطائف لمحاربته فخرج إليهم، وعين عتاب بن أسيد الأموي على مكة. كل هذا ورسول الله كان يعرف أنه سيعود إلى المدينة وأن سفره لن يطول. وهنا سألت: إذا ما كان النبي (ص) يعين على المدينة من يدير شؤون أهلها في كل مرة يخرج منها، هل يعقل أن لا يخلف من يقود الأمة بعد موته؟
وبالتأكيد أنا لا أميل إلى أحد الطرفين لأن ذلك ما لا أتمكن من التوثق منه ولكني أبقى مؤمنا أن النبي لا يمكن أن يترك الناس هملا بلا راع ومن هنا جاء يقيني.
لك خالص محبتي وعذرا للإطالة التي منعتي عن متابعة باقي النقاط.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الباحث الاسلامي الجدير صالح الطائي، سعدت برضاك على جواب السؤال، مهما اختلفت وجهات النظر، فالحوار يسعى لبلورة رأي جديد، فيحتاج لتعدد الآراء، والنقد المتواصل. وبمقدمتك بل مداخلتك الرائعة ما يؤكد أهمية النقد والمراجعة، سنبقى معا نواصل طريقنا، علنا ننير شمعة في آخر النفق. دمت موفقا باحثا، وبارك الله بجهدك. افتخر بمثابرتك وجديتك وحرصك على معرفة الحقيقة، وملاحقة التزوير والخداع باسم الدين، وتعجبني روحك النقية ودعواتك المتواصلة للتسامح والمحبة.
أما بالنسبة لمنشأ اليقين، فما تفضلت به جدير بالمراعاة، كدليل على اهتمام النبي بالشأن العام، عند غيابه. فدعني استثمر هذه الفرصة الطيبة لأضيف: إن اليقين بمعنى الإنكشاف التام لا يتحقق من هذا المثال، لأن مقدمات كبرى القياس استقرائية، والاستقراء الناقص ليس بحجة. وليس لدينا ما يؤكد أن النبي، ينوب غيره عند غيابه في كل حادثة، فجميع كتب السيرة هي روايات آحاد، تبقى كاشفيتها ناقصة، حتى مع تراكم الأدلة على حساب الاحتمالات، بفعل التداول الشفاهي لها، وتأخر تدوين كتب التاريخ والسنة، ووجود مختلف الدوافع للتزوير والوضع والكذب. فلا يمكننا الجزم بمفاد أي رواية. فكيف إذا كانت الإنابة تعني شيئا بالنسبة للمسلمين، فأكيد ستدخل بورصة مراكمة الفضائل. وهذا القدر من الشك يكفي لانخرام اليقين، بمعناه المنطقي. لكن عادة هكذا اخبار تستعين بالايمان النفسي لتصبح يقينية.
والشي الثاني، أننا لا نعلم تفصيلا ما هي مهمتهم بالضبط؟. والأهم: أن الخلافة السياسية تعني شيئا كبيرا، لا يمكن مقارنتها بالإنابة. نعم تكشف اهتمام النبي بالموضوع، وهذا متوقع من رسول الله، لذا احد الاحتمالات انه ترك الموضوع ليواكب تطورات الزمان. أو أنه يعلم أن قريشا سوف لن تتخلى عن ولعها بالقيادة والسيادة، وستفعل كل شيء، فسكت عندما ساله العباس عنها. خالص احترامي وتقديري.

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأستاذ ماجد الغرباوي
جميل منك أن تنزل إلى أدق شعيرات الموضوع فتشبعها بحثا ونقدا وتوضيحا وشرحا وتفكيكا، فتلك وربلي شيم الباحثين الأصلاء والرجال العظماء.
أما حديثك عن روايات الآحاد فهو بالرغم من أهميته النظرية إلا أن رفض الأخذ بروايات الآحاد سوف ينسف 70% من الروايات ومثلها من الاعتقادات والسنن وبالتالي نجد أنفسنا قد أفلسنا وحقك، ولذا تجد المذاهب تتمسك بها وتروج لها وتدعمها، من هنا أكاد لا أطيقها وأحاول تفكيكها وامتحانها بل والتشكيك بصحتها، لكني اقف باحترام لروايات الآحاد التي تتفق عليها المدارس الإسلامية، فذلك يعطيها زخما يقربها من اليقينية.
وأما موضوع استخلاف النبي(ص) من ينوب عنه لإدارة المدينة المنورة حينما كان يغادرها لأمر ما فمتقف عليه من جانب، وهو محاولة منه لتربية الأمة على موضوع الخلافة والاستخلاف من جانب آخر، وتنوع الأشخاص وانحداراتهم القبلية والطبقية يجعله بعيدا عن توظيفه في صفحة تراكم الفضائل.
لقد كان النبي في منتهى الذكاء لأنه اختار نماذج مختلفة بمواصفات خاصة ولم يركز على فئة بعينها، وأبعد فئات أخرى ممن كانوا يتشوفون إلى الخلافة والملك، ففي يوم أبواء استخلف على المدينة سعد بن عبادة سيد الخزرج خمس عشرة ليلة إلى أن عاد إليها. وسعد كما هو معروف خزرجي أنصاري من سادات المدينة. وفي غزوة بواط استخلف سعد بن معاذ، وهو أوسي أنصاري من سادة الأوس. وفي غزوة طلب كرز بن جابر الفهري الذي أغار على سرح المدينة، استخلف مولاه زيد بن حارثة، وزيد مولى. وفي غزوة العشيرة استخلف أبا سلمة المخزومي، وأبو سلمة هو ابن برة بنت عبد المطلب عمة النبي، وأخو النبي من الرضاعة. وفي غزوة بدر الكبرى استخلف عليها عبد الله بن أم مكتوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، وكان ضريراً أعمى. واستخلف آخرين منهم أبا ذر الغفاري.
بمعنى أن موضوع الاستخلاف لم يكن مهملا ولم يترك ليواكب تطورات الزمان. واعدو وأكرر القول: إن المنطق والعقل يحكمان بوجوب وضرورة تعيين النائب في أبسط الأمور وأقلها أهمية فكيف بأمة مقدر لها أن تقود العالم يتركون هملا بلا راع؟

This comment was minimized by the moderator on the site

- يخجلني اطراؤك اخي العزيز حتى اعجز عن شكرك ايها الباحث الجليل. دمت استاذا محترما. قبل التعقيب على ملاحظاتك القيمة، انبه الحوار كان بصدد مناقشة مناشئ اليقين، وفقا للمبادئ المنطقية. واليقين يعني في المنطق الكلاسيكي الانكشاف التام، وما دونه، يتراوح بين الاطمئنان والوهم مرورا بالشك والظن. فخبر الآحاد لا يكشف بنفسه عن الواقع، بل حتى مع جعل الحجية له، وقد ذكرت الشاهد في قضاء النبي، حيث لم تكشف له الامارة الشرعية عن الواقع، فحكم وفقا لها. وأنا مع مبنى الوثوق لا مع مبنى الوثاقة في دراسة الروايات، في مجال التشريعات، واما في مجال نقد النص، انظر لاهمية الرواية وقوة تأثيرها، بقطع النظر عن صحة صدورها، فاية رواية لم يثبت نفي صدورها تبقى محتملة الصدور. ولا طريق لنا لاثبات صحة أونفي الصدور. فندرس آثارها وتداعياتها. وهذا المنهج اشتغلت عليه على مدى الحوار، وربما تابعت ذلك.
- يتوقف الاخذ او عدم الاخذ بالروايات على فهم المتلقي لمعنى السيرة، وهل هي تشريعات ام شرح وبيان وتفصيل للاحكام؟ ففي غير مجالها لا حجية لها. والقضية مبنائية. ومشكلتنا الحقيقية هي الروايات التي لم تبق شيئا للعقل، فلا يمكن لقيام نهضة حقيقية تعمل وفقا لروايات تاريخية. انت لا يمكنك تجريد الرواية من تاريخيتها بل هي اساسا اجتهاد وفهم في ضوء الواقع ومتطلبات العصر والزمان. الموضوع مفصل، وهنا مجرد اشارة بسيطة. وليس المهم كم يبقى منها، المهم ان ما يبقى ممكن توظيفه بما يساعد على فهم متجدد للدين ودوره في الحياة. قيمة الروايات التي لا يمكن الجزم بصدورها بقيمة دوافعها، فتحتاج كما تفضلت الى دراسة وتفكيك وفهم فلسفتها وغاياتها. وظرف صدورها واشياء اخرى.
اضرب مثلا توضيحيا، اتفق الجميع أن العبادة توقيفية، تتوقف شرعيتها على وجود إذن من الشارع المقدس. غير أنهم خالفوا هذا المبدأ عندما أسسوا قاعدة (التسامح في أدلة السنن)، فصار بابا واسعة لوجود مختلف الصلوات والزيارات وما الى غير ذلك، بعضها اشبه بالهذيان عندم يشترط قراءة سورة ياسين مئة مرة في الركعة الواحدة!!. فكيف تتفق توقيفية العبادة مع التسامح في ادلة السنن، وهم يؤكدون ايضا، إن الله يريد أن تعبده من حيث يريد لا من حيث تريد!!. وكل روايات هذا النوع من العبادات هي روايات آحاد. لا تقل لي هي عبادات مستحبة برجاء المطلوبية، الاستحباب حكم شرعي كما تعلم، فيتوقف على تشريعه.
الشيء الخطير في قبول ورفض هذا العدد الهائل من الروايات تدخل قبليات المتلقي، ومختلف دوافعه المذهبية والسياسية. فتنعدم الضابطة. فلماذا تقبل الروايات التي تؤيد هذا الاتجاه ولا تؤيد الاخر؟ إذن هناك ما هو فوق الروايات يتحكم بها. والمقصود من الاخذ بالرواية توظيف مضمونها. فمع اي اتجاه نوظف مضامينها؟
حتى الاجماع تارة لا قيمة له، فقد يكون مدركيا ولا قيمة للاجماع المدركي، ويبقى رهن مدركه وقيمته التشريعية. كما أن الاجماع غير المدركي ليس بالضرورة يكشف عن راي تشريعي، فرب مشهور لا اصل له. ورب اجماع اصله قول واحد منهم. وقلت سابقا وإن كان رايا غريبا، ان الايمان لا يكشف عن الواقع بل يكشف عن البنية الايمانية المشتركة، وفرق كبير بينهما.
- ما تفضلت به من معلومات حول الاستخلاف قيم، شكرا لك، لكن ليست المشكلة في ثبوت او عدم ثبوت الاستخلاف، بل في غاياته ومقاصده ضمن مهمة النبي، وليس كيف ما كان. وقد ذكرت ما فيه الكفاية من علامات الاستفهام حول الموضوع. يمكن من خلالها فهم معنى الاستخلاف واهدافه، فهو من متطلبات الامن والرعاية، خاصة وهو في حركة رسالية ومحاط بالاعداء. لكن بعد وفاته قد لا يجد نفسه ملزما بالخوض في مسالة السياسة والحكم لانه شان بشري. واختصر الكلام نحن والأدلة، واما الاستحسانات فليس فيها الزام، لهذا اختلفوا حولها.
- انت تنقتل هنا الى موضوع الخلافة الكبرى للمسلمين، وهي موضوع اخر لا يستدل عليه باستخلاف الرسول. اي ان الاستخلاف لا يشكل سوى شاهد او مؤيد للأدلة، حينما يثبت صدورها. ومسالة الخلافة لا تخضع للقياسات البسيطة. فالانسان قد حمله الله تعالى خلافة الارض ومهامه كبيرة وكبيرة جدا. وقد عاش الانسان بلا دين سنين قد تكون قرون، كان الناس امة واحدة. وهي صفة ايجابية رغم عدم وجود نبي معهم.
قضية الخلافة إذا كنت تعتقد انها قضية دينية، تشريعية، فتتوقف على وجود جعل شرعي، وهنا نطالب بإدلة قرآنية، صريحة، واضحة، لا لبس فيها، وهو منتف بالضرورة. واذا كنت تقصد انها ضرورة اجتماعية فهذا هو رايي، فنستفيد من قول الرسول لو ثبت صحة أي صدور عنه، نستفيد الارشاد. فـ"لا يمكن" التي ذكرتها في كلامك، فتدل على الضرورة الاجتماعية، اي من ناحية اجتماعية لا يمكن للمجتمع ان يبقى بدون قيادة تدير شؤونه، اي انك قست الموضوع على ما هو عليه المجتمع. فثمة ارتكاز لا شعوري... او ان وراءها عقل سياسي، تستر على سياسيته، ونسب نفسه لمطلق العقل. الامر يحتاج تفصيلات اكثر.
المهم مداخلات قيمة، يمكن اعادة ترتيب الاسئلة والاجوبة وتطويرهما، كي تضاف حلقة للحوار، اكيد ستغني الموضوع، والامر لك. اخي العزيز شكرا للمتابعة ولاهتمام، وشكرا لمناقشاتك القيمة

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الدكتور صالح الرزوق المحترم حياك الله
شكرا جزيلا لك ولإطرائك وكلماتك العذبة
جلب انتباهي قولك: ان الرسول لم يفصل في الخلافة من بعده حتى لا يقع في مشكلة التفضيل بين أصحابه ومن شد أزره، وترك المسألة للظروف، هذا ان لم تكن وفاته فجأة وحصلت على حين غرة ولم تكن موجودة في ذهنه وباله.
سيدي العزي أؤيدك كامل التأييد فيما ذهبت إليه في الجزء الأول من القول، فالنبي (ص) شرح للصحابة أسس القيادة الشرعية عقديا ولكنه لم يفصل في جزئياتها بما يجعلها موضوعا ساخنا قابلا للحوار لأنه كان ادرى بالمحيطين به وبتطلعاتهم الكبيرة، وهذا المنهج امتد إلى أواخر أيام البعثة، حيث كان الحديث في العموميات لا الخصوصيات، مثل أي حديث عقدي تعليمي آخر دون الخوض في التفاصيل، لكن بالرغم من ذلك نجده قد توسع وفصل وحدد في خطبته الشهيرة في منطقة (غدير خم) وهو موضوع كتبت عنه آلاف بل ملايين المواضيع ولا نريد الخوض فيه.
أما فيما يخص حديثك عن الموت المفاجئ للنبي، فالنبي أيها الأخ العزيز لم يمت فجأة إذ مرض أياما، وفي يوم الخميس وقع ما يعرف بـ(رزية الخميس) وبعد الرزية امتد به العمر ليتوفاه الله يوم الاثنين، بمعنى أنه حتى لو كان قد مرض يوم الخميس ـ وهذا مستحيل ـ فبينه وبين الموت (5) أيام وهي مدة كافية لشرح الكثير من الأمور وأكبر من أن تكون مدة احتضار يوصيهم خلالها ـ على حد زعمهم ـ بثلاثة أمرة ينسون إحداها وهي آخر وصاياه لهم!
المهم أننا بحاجة اليوم إلى عقلنة تلك الرؤى وتحويلها من موضوع مختلف عليه إلى تراث نعتز بوجوده لدينا دون ان يتحول إلى تابوهات مقدسة
أكرر شكري وأمتناني الكبيرين لحضرتك

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الباحث الدكتور صالح الطائي، نعم اطلعت على بعض ما تفضلت به في خصوص الوفاة و ما جرى حلال المرض و لكن بلا تعمق. و ربما اجد الفرصة لمزيد من التفاصيل في اقرب وقت، التاريخ عبر و مواعظ و يخسر من يتجاهله، و لا زلت اعتقد ان من لا يعرف ما حصل امس يقف على حفرة عميقة او هوة بتعبير الحداثيين، و هي الهوة المعرفية، حمانا الله من شرورها.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الغرباوي تحية طيبة
قلت [ لكن عليا رفض كل هذا، وبايع أبا بكر]
اقول هل تستطيع ان تُثبت أن عليا بايع ابي بكر ؟
وشكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

مربحا بك الاستاذ قاسم الخفاجي، انت مطالب بدليل على نفي البيعة، فالثابت تاريخيا بيعته. ثم لم يذكر التاريخ اي سلوك معارض للإمام خلال خلافة الاول، وكانت الاوضاع طبيعية.

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكاتب ماجد الغرباوي تحية طيبة
كيف تطالبني بدليل على النفي وجنابك المدّعي وليس انا ؟!؟!؟. هذا اولاً.
ثانياً انا لم أُعطي رأيي، ولم أنفي ولم أُثبت، فقط طالبتك بإثبات لأنك انت المدّعي.
تقول: [الثابت تأريخياً بيعته..]. هذه... انت مُطالب بإثباتها تأريخياً وبالدليل وليس مجرد قول وخلص.
ثالثاً اذا لم يكن هناك سلوك معارض من الإمام عليه السلام ضد الخليفة الأول، [مع التنزّل لك] بأن الأوضاع فعلاً طبيعية، فهل هذا يعني رضاه وموافقته وثم بيعته له كما تدعي؟.

وشكراً

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك ثانية، انما قلت ذلك لان الامر واضح تاريخيا، ولم ينفه احد كحدث تاريخي، وقد اكدت هذا في ردي السابق.
ثم نحن لا نعلم الغيب ونتعامل مع الظاهر، وهذا هو ظاهر موقف الامام مع الخليفة الاول.
وأساسا لست معني بالامر، سوى اني باحث، و كلما اردت قوله ان معارضة الامام كانت سلمية، وهو مورد اجماع، واذا كانت لديك تحفظات تاريخية فلا باس احتفظ به.
واذا كنت تقصد بكلامك لم يكن مقتنعا بخلافة ابي بكر، فهذا ممكن، والا لماذا طرح نفسه للخلافة في مقابله. اجدد احترامي وشكري

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحباً مرة اخرى
قلت [[ لكن عليا رفض كل هذا، وبايع أبا بكر] وقلت ايضاً [الثابت تأريخياً بيعته..] وهذه بدت كنتيجة ثابتة ومنتهية عندك. وقد بنَيت عليها الكثير لاحقاً. كل هذا جئت به متشبّثاً برأيك وتأكيداً له كرد ونفي وعدم إقرار لوصية النبي [ص] بالإمام علي عليه السلام بدءاً من قولك [حيث يعتقد خط الإمامة أنها نص وتعيين من الله تعالى، وأن النبي قد أوصى بها لعلي بن أبي طالب من بعده].
اعتقد حتى يكون رأيك او رؤيتك لهذه القضية مقبولة وراجحة عليك ان تناقش وتُثبت وبالدليل ان علياً عليه السلام بايع ابي بكر وهذا من منطلق كونك باحث، وإلا لو كنت فعلاً غير معني بنفيه او إثباته فلماذا إذاً تتعرّض لهذه القضية وتُعطي نتيجة وكأنها من المنتهيات النتيجة التي انت تريدها وكأنها مُسلَّم بها ؟.
ما زلت مصرّاً عليك وأُطالبك بأن تُثبت ان علياً بايع ابي بكر وإلا عليك سحب كل كلامك الذي قلتَه ازاء هذه القضية والتراجع عنه.
فهل تستطيع ؟
ردّك الاخير فيه تناقض وتراجع واضح. منه قلت سابقاً [لم يذكر التاريخ اي سلوك معارض للإمام خلال خلافة الاول]
والآن تقول [ن معارضة الامام كانت سلمية، وهو مورد اجماع] !!!.

This comment was minimized by the moderator on the site

اتمنى عليك اعادة قراءة الحوار، وسيكون هذا اخر رد بالنسبة لي، وعدم جر التلعيقات الى قضايا لا علاقة لها بالموضوع، ونقاشها في محلها. رغم اني تناولتها اكثر من مرة خلال حلقات الحوار.
جاء هنا:
- (وقد رفض عرضا سخيا من أبي سفيان لاستعادة الخلافة، حيث قال له: "أبسط يدك أبايعك، لأملأنها خيلا وركبانا". وهو زعيم العرب وقادر على تعبئة الجيوش، واجتياح المدينة، وهذه المرة تحت غطاء الشرعية الدينية، لكن عليا رفض كل هذا).
فهل لديك ما يثبت أن الامام عليا قبل عرضا لأبي سفيان؟ أو نسق مع اي جهة لاسقاط خلافة الاولى؟
- (وبايع أبا بكر، وعادت المياه إلى مجاريها)، هل بامكانك الاستشهاد بمواقف سلبية للامام من الخلفاء الثلاثة لا فقط ابي بكر؟ معلوم للجميع ان علاقة الامام معهم كانت علاقة طيبة ومواقفه ايجابية، ولم يتخذ اي موقف معاد خلال خلافتهم. وماذا عن موقفه من بيعة عمر، وبيعة عثمان.
لك الحق ان تناقش الحوار ضمن سياقاته. اما الخروج عن سياقات الحوار. بيعة الامام للخليفة ثابتة تاريخيا بامكانك مراجعة المصادر، واما قناعته بخلافة ابي بكر فيمكن التشكيك بها باعتباره ندا سياسيا له. حقيقة استغرب من الاصرار على جدل تاريخي ليس له علاقة بتدين الانسان وايمانه ومستقبله واخرته. قضايا اصبحت تاريخا ليس اكثر، ولدينا مسؤوليات جمة، اولها تخلفنا حضاريا وثقافيا
تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

بامكانك الاستاذ الكريم المشاركة بالحوار من خلال اسئلتك وساجيب عليها بكل صراحة وموضوعية، وسنستفيد من ارائك في اثراء الحوار، وهناك اسئلة كثيرة تنتظر الجواب بعضها له علاقة بالموضوع ايضا. حقل التعليقات لا يسمح بنقاش جميع القضايا والاجابة على جميع الاسئلة خاصة التي تحتاج الى تفصيلاات وادلة
اجدد شكري

This comment was minimized by the moderator on the site

في ردك ما قبل الأخير، انت تفترض قضايا تريد مني الاجابة عنها لم أسأل عنها ولم أشير لها البتة.... اعتقد سيكتشف القارىء ان هذا تهرب واضح منك!
لم أتحدث خارج سياق الموضوع...... لكن السؤال هو لماذا التهرب ؟

سأكتب مجموعة مقالات وربما بحوث للرد عليك حول هذه النقطة [بيعة الإمام علي عليه السلام للخليفة الأول المزعومة] وسأُثبت لك ولغيرك خلاف ما تذهبون إليه من ان الإمام بايع ابي بكر، وربما أتناول تباعاً نقاط كثيرة سُجّلت عليك في هذا الحوار. وسأنشرها هنا في صحيفتك هذه..... لكن السؤال هل ستكون نزيها وتنشر لي؟؟
كن منصفاً واعطني ردك موافق او لا ؟

This comment was minimized by the moderator on the site

نحن صحيفة حرة، واي مقال يستوفي شروط النشر ينشر، بامكانك الاطلاع على ضوابط النشر في باب اتصل بنا. لكن لا نسمح بنشر اي قضية فيها اثارات طائفية، نحن ندعو للتسامح الديني، والتعددية والاعتراف بالاخر. فيرجى مراعاة ذلك

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 2 اشهر بواسطة admin admin
This comment was minimized by the moderator on the site

جيد
اذا سأكتب
لا توجد إثارة لأي مواضيع طائفية إنما هي ردود وإشكالات موضوعية على الكاتب لا اكثر.

This comment was minimized by the moderator on the site

فقط أتمنى عليك كتابة شيء جديد غير مطروق، والا يصبح هدر للطاقات في قضايا مستهلكة, نطمح للاستفادة من الراي الاخر لاثراء الحوار، وإعادة ما موجود في المصادر والكتب لا فائدة منه وبإمكان أي شخص العودة له مباشرة، والقضية برمتها قناعات، لا يمكن فرضها على الاخرين. ونبقى نحن والدليل قطعي السند والدلالة، نص صريح في مورده، لا لبس فيه، ولا يتقاطع مع العقل والكتاب الكريم. ولا اخفيك وفقا لمنهجي لا اضع الرواية فوق القران والعقل، ولا اعتبر روايات الآحاد دليلا مهما كثرة. الا في سياق الدليل لمن يعترف بها. والقضية علمية لان خبر الاحاد لا يورث العلم واليقين، وجعل الحجية له مقتصر على مورده وهي روايات الاحكام الشرعية.

This comment was minimized by the moderator on the site

ورد من المعلق قاسم الخفاجي اعتراض على تقديم وتاخير التعليقت، يرجى بيان ماذا تقصد والاشارة للتقديم والتاخير كي يمكن تداركها فورا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4254 المصادف: 2018-04-29 05:03:06