المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (75): الكذب المقدس

majed algharbawi4صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س75: د. صالح الطائي: إن النص المقدس تعرّض إلى التحريف والتغيير بدوافع سياسية، وهذا التحريف هو الذي تسبب في ولادة المذاهب الإسلامية، التي تبنى كل منها وجهة نظر من وجهات النظر الكثيرة التي طرحت على الساحة.

ج75: ماجد الغرباوي: تناولت موضوع تحريف القرآن سابقا، كما تحدثت عن الوضع وتحريف الروايات مرارا، وأشرت إلى خطورتها حينما تقع ضمن المقدس الديني، رغم افترائها على الدين، فيصدق أنها من (الكذب المقدّس)، كما اسميه. وما دام السؤال في سياق المراجعة النقدية، فالمناسب تناول التحريف من زاوية أخرى للوقوف على حقائق الأمور، كي لا تبقى عالقة، موضوعا للجدل الطائفي المرير الذي أرهق الخطاب الإسلامي. فكم من قضية شتت مشاعر المسلمين لا أصل لها. فنحن بحاجة للتحقيق في دعوى السؤال، فهل حقا تعرّض النص المقدس للتحريف، بما يعني أننا الآن نتداول نصوصا مقدسة محرّفة؟ وهذه دعوى خطيرة. أما أنها حُرّفت ثم أعيد تقويمها؟ وما هي حدود التحريف، وما هي حقيقة قدسيه؟ بل يمكننا العودة خطوة إلى الخلف لدراسة دوافع السؤال، حينما نسب التحريف لبعض النصوص المقدسة؟ فهل السؤال ينقل عن واقع موضوعي، أم هو بدوره عبارة عن نصوص تاريخية، وما هي قيمتها المعرفية، ودرجة وثاقتها؟ بعبارة أوضح هل لعبت خلفية السائل دورا في صياغة السؤال، خاصة أنه ساق الخبر كمسلمات نهائية يريد من خلالها ترتيب نتائج تخدم هدفا محددا؟. وإنما أقول ذلك لعدم وجود اتفاق بين الجميع حول تحريف الكتاب الكريم. رغم اتفاقهم على اختراق الحديث النبوي. لكن المشكلة أن السؤال مطلق، فيشمل بإطلاقه النص القرآني. وبالتالي فإن كل واحدة من هذه المفردات ستؤثر في الإجابة. وليس أمامنا سوى نص السؤال للتنقيب والحرث في أعماقه للكشف عن مضمراته، وما يريد أن يقوله. فمحور السؤال هو السياسة، بمعنى عودة جديدة لموضوع الخلافة. لكن السؤال شئنا أم أبينا يشي بدوافع أيديولوجية ووجود أحكام مسبقة حول الموضوع، يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

يتضمن السؤال مفاهيم، تتوقف الإجابة على معرفتها:

أولاً- المقدّس: هو المطلق، المتعالي. أو ما يصدر عن العقل الكامل، وهو مصدر المعرفة، لا يجوز نقده ومراجعته. فالقداسة، كما ذكرت سابقا، سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، المؤمن بقداسة النص، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث الديني أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن إيمانه، يفرض عليه التحيّز، بشكل تقتصر قراءته على التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءة الباحث الإسلامي منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته ومطابقته للواقع. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدس وقوة سلطته المعرفية. فهو مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة. وليس في هذا ذم للباحث الديني، لأنها تقنية المقدس وآلية سلطته، ومعنى الإيمان وحدوده.

ثانياً: ما المراد بـ"النص المقدس"؟ هل خصوص القرآن، أم بإضافة السيرة النبوية (قوله وفعله وتقريره)؟ أو يضاف لهما سيرة الصحابي على الرأي السُني. وسيرة الأئمة من أهل البيت على الرأي الشيعي؟. وهذا قضية مبنائية، تختلف حسب المباني العقيدية، وعدد مصادر تشريع الأحكام الشرعية، بل ما هي مصادر المعرفة بشكل عام. فيبقى غيرها رؤية شخصية، قد تكون إرشادا لحكم شرعي أو حكم عقلي أو مبدأ إنساني. والسؤال ليس حول التشريع وقدسية نصوصه، بل بقرينة السياسة أن المراد به ما يخص السياسة. وتحديدا موضوع الخلافة ولوازمها. فالسؤال يفترض وجود نصوص، ثابتة، مقدسة في الشأن السياسي للمسلمين، وقد تم تحريفها بعد وفاته، فتسببت في تعدد المذاهب الإسلامية. ومر أن القرآن لم يتحدث بالشأن السياسي بشكل صريح واضح لا لبس فيه. واكتفى مبادئ وقيم تضبط الأداء السياسي، وتضعه على طريق العدل والاستقامة، بما يحفظ مصلحة الإنسان، وضمان حريته وأمنه واستقراره. ولم يبق سوى الروايات، ومدى حجيتها وفقا لشروط صحتها. وقد تكفلت الحلقة السابقة ببيان الموقف النبوي من الخلافة. كما أن اجتهادات الفكر الإسلامي لا ترقى لمستوى المقدس، مهما كان مصدرها، وتبقى وجهات نظر شخصية. فالنصوص السياسية، لا يوجد ما يؤكد قدسيتها كقدسية نصوص الأحكام الشرعية، آيات أو روايات. فلا يصدق عليها تحريف النص المقدس.

وعندي أن النص المقدّس هو النص المفتوح على التأويل، لثرائه وتعدد دلالاته، القادر على فرض سلطته ومحدداته من خلال تقنياته، وانتسابه للمطلق المتعالي. فينحصر بالكتاب الكريم، وتأتي روايات الأحكام بيانا وتفصيلا وشرحا من قبل الرسول ضمن مهمته القرآنية فتكون ملزمة حينما تكتمل شروط القراءة. وما عداها يبقى اجتهادا وقراءة وإرشادا محكوما بظرفه ومتطلبات عصره. وهذا الفهم سيحد من سلطة مطلق النص ما لم ينتمٍ للكتاب المجيد. ويحافظ على ديمومة قداسته وتعاليه، كمرجعية عليا. فهو لا يستسلم مطلقا، ويسعى لتحري أسباب التشريع والبحث عن شروط فعلية الأحكام الشرعية، فثمة طيف منها لم يعد فعليا رغم وجوبها، لعدم فعلية موضوعاتها، وفق قراءة لا ترفض النص وتأخذ بنظر الاعتبار دواعي التشريع، وترهن فهمه وفعليته لمتطلبات العصر والزمان وحاجات الناس، في إطار الهدف الكلي للدين ودور الإنسان في الحياة.

ثالثاً: هناك فرق بين النص وتأويله أو تفسيره. النص، هو الآية قرآنيا، وحديث الرسول روائيا. أما القرآن فلا يوجد دليل على تحريف آياته. وهل يعقل سكوت جميع الصحابة بما فيهم الإمام علي لو كان هناك تحريف حقيقي لبعض آيات الكتاب الكريم؟؟ وإنما أذكر الإمام علي باعتباره الخليفة الرابع، وقد احتفظ بنسخته الخاصة من القرآن الكريم. وكان بإمكانه فضح التحريف وتصحيحه أيام ولايته، حينما كان مبسوط اليد، قادرا على اتخاذ القرارات، وهذا لم يحصل. رغم ذلك كل شيء ممكن سيما التصحيف بعد تنقيط المصحف العثماني. وأقول ممكن، لأن حفظ الكتاب سوف لا يتأثر بأي تحريف أوتصحيف وفقا لمفهوم مختلف لمعنى الحفظ في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، مر بيانه وتفصيله.

ثم أن الكتاب الكريم لم يهتم بموضوع السياسة ولم ينظّر لها بما يكفي لبناء نظرية في السياسة والحكم، سوى مبادئ وقيم يمكن توظيفها فكريا وفقهيا، لكنها تبقى اجتهادات شخصية، ووجهات نظر خاصة. فتنسب لأصحابها. لذا لم يتفق الفكر السياسي للمسلمين على نظرية واحدة، فإذا كانت الشورى مبدأ الحكم في الفكر السياسي السني، فهناك ثمانية نظريات حول السلطة والحكم لدى فقهاء الشيعة، كلها تتمحور حول الإمامة، وأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى. وسبق لصحابة الرسول التنازع حول السلطة، ولم يهتدوا لمرجعية تحسم الصراع، فلاذوا بمبدأ قبلي، ولما عاد الجدل حول شرعية الخلافة في عهد الدولة الأموية وبعد مقتل الإمام الحسين، تركز النزاع حول تأويل بعض ما يمكن تأويله من الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، اعتمادا على بعض الروايات، كآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، مثالاً لا حصراً. فإذا وقع تحريف كما يشير السؤال فربما يقصد خصوص تأويل الآيات، حينما وظفت بمساعدة الروايات لمراكمة الفضائل، كدليل على شرعية الخلافة أو الإمامة، أو لتعضيد الرأسمال الرمزي لكل من طرفي النزاع. فالآيات بنفسها مطلقة، لكن الرواية هي التي تخصصها. فلا يمكن تصور تحريف الآيات لأغراض سياسية، لعدم وجود آيات صريحة في المقام. ولو أن السؤال ذهب لوجود تحريف في آيات تخص الإمامة الدينية فربما يمكن مناقشتها، فهناك من يدعي ذلك، خاصة أصحاب التفسير الأثري، الذين دأبوا على تفسير الآيات وفق مقاسات الرموز الدينية والمذهبية. فبعض التفاسير الشيعية لم تبق آية إلا وأوّلتها بأحد الأئمة، وهناك من يدعي تحريف آية (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، حيث يقول أن أصلها "كنتم خير أئمة" وليس أمة. وأيضا في الجانب السني مثله، فهو صراع حول الرأسمال الرمزي لأطراف النزاع.

المشكلة أن الرواية تمثل سلطة قدسية هائلة، وكان لها دور في كل الخراب الذي حلّ بالمسلمين، منذ أحداث السقيفة التي كرّست سلطة قريش من خلال رواية لم يروها سوى الخليفة الأول. وليس انتهاء بالدولة العباسبة بل بقيت الرواية تلعب دورا سلبيا في ثقافة المجتمع. وما الأحكام السلطانية سوى روايات ومقولات كلامية واجتهادات شخصية لكنها تحولت إلى مرجعية لشرعنة السلطة. ويكفي أن تنقلب معادلة السلطة من تقديم الكفاءة على الولاء إلى تقديم الولاء على الكفاءة. فخسر العالم الإسلامي شخصيات كان ينبغي لها أن تكون في قمة الهرم لتؤدي دورها الرسالي والإنساني.

إن خطورة النص / الحديث دفعتني لتقسيم الروايات في مجال نقد النص، إلى رواية صحيحة الصدور، وأخرى محتملة الصدور، ما لم نجزم بنفيها. فالمعيار قوة حضور النص، لدراسة ونقد مرجعيات التفكير الديني، فبعض الروايات تتسم بقوة حضورها رغم ضعف سندها، كروايات الفضائل، مثل رواية العشرة المبشرة بالجنة وغيرها. وإنما أقول محتملة لأنها قد تكون قد صدرت فعلاً، وحينئذٍ نسعى للكشف عن علة ومناسبة صدورها، كي تدور فعليتها مدار علتها، ثبوتا وعدما. وتقدم أن ملاك فضيلة الصحابي في هذه الرواية استقامته، لا خصوصيته. غير أن الناس لا تفهم هذا، وتتشبث بظاهر الرواية وإطلاقها، رغم وضعها. فالأسلوب الأمثل لسلب هذه الروايات سلطتها، هو نقد أساس قدسيتها. فتسقط بسقوطها. وما قدمته من تقسيمات للسيرة النبوية في الحلقة (72) يخدم هذا الهدف، وسنحدد القيمة الحقيقية لهذا النمط من الروايات.

قد تقول إن رأي الرسول وإن لم يكن حكما شرعيا فهو أيضا مقدس حينما يكون إرشاديا. وهذا صحيح. فيبقى مرتهنا لشرطه الذي هو أساس الحكم الإرشادي، فثناء النبي على أيٍ من الصحابة يدور مدار استقامته، وإلا فليس من المعقول أن يمنح النبي تزكية مطلقة ويتحمل مسؤولية تصرفاته وسلوكه ومواقفه، لكائن من كان، وتصبح فوضى. خاصة ما من خليفة إلا وهو مشمول برواية أو أكثر من روايات الفضائل، فهل نغض الطرف عن كل أفعالهم بحجة هذه الرواية وغيرها؟ وهذا ما وقع فيه الفكر السلفي الذي راح يؤول ويبرر سلوكهم وأخطاءهم. وعليه فملاك روايات الفضائل استقامة الصحابي، وليست هي تزكية مطلقة، وصك غفران. ودليل الاستقامة، سلوك الفرد، ومدى تقواه في تعامله مع الناس، خاصة عندما يكون في السلطة، ويكون مبسوط اليد، وقراراته نافذة. المنهج القرآني واضح في فرزه بين الحق والباطل، وبين العمل الصالح والطالح، بين المؤمن وغيره. ويؤكد مسؤولية كل إنسان عن عمله وسلوكه وموقفه.

ولادة المذاهب الإسلامية

اعتبر السؤال أن تحريف النص المقدس لصالح السياسة كان وراء ولادة المذاهب الإسلامية. ولا شك أن المذاهب الإسلامية ولدت متأخرة متأثرة بالوضع السياسي وانقساماته. وليس العكس. إذ لم يحتج المتنازعون بعد وفاة الرسول بأي نص قرآني أونبوي، ثم جاء التنظير ليكرّس شرعية هذا الطرف أو ذاك من خلال روايات ظهرت فجأة. فتأثرت جميع الاتجاهات الفكرية والفقهية والكلامية بالموقف السياسي للصحابة.

كان الإفتاء منحصرا بالنبي، ثم بعد وفاته كان الناس يرجعون لأحد الصحابة لمعرفة الحكم الشرعي. وكانت أدلة أجوبتهم إما آية من القرآن أو رواية عن رسول الله مع اجتهادت محدودة. ثم مع تطور الحياة وتراكم الأسئلة اضطروا للتفقه في الدين، كتطبيق القواعد الفقهية الكلية على مصاديقها حتى ظهور عصر الفقهاء وبداية الاجتهاد والنظر الفقهي. غير أن عهد عثمان يُعد بداية نشوء تحيّز الصحابة والحفاظ ورواة الأحاديث، عندما استبعدوا ابن مسعود ومصحفه، وعدم إشراكه وغيره من أجلاء الصحابة في عملية جمع القرآن. والاكتفاء بلجنة من قريش يرأسها زيد بن ثابت بمعية: عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وربما هذا سبب الشك في وجود تحريف بالكتاب الكريم. بعد إتلاف جميع النسخ الأخرى، والرقاع التي كانت تدون عليها آيات الكتاب عند نزولها. لكن يبقى عدم اعتراض الصحابة دليلا على عدم وجود تحريف حقيقي، باستثناء التصحيف والقراءات. وهذا متفق عليه تقريبا. حيث اختار عثمان لغة قريش لغة رسمية للكتاب الكريم عند اختلاف القراءات.

وقد تجلى الانقسام واضحا بموالاة طرفي النزاع السياسي، علي ومعاوية. وبعد مقتل الخليفة الشرعي، بدأ معاوية، الذي راحت تلاحقه تهمة الخروج على الخلافة الشرعية، وشق جماعة المسلمين، بدأ يكرّس النص لتكريس شرعية سلطته، وسلب شرعية الإمام علي، ثم ظهر علم الكلام ليعزز سلطة معاوية، ويقمع كل تشكيك حول شرعيتها (إضافة لمهامه العقيدية الأخرى)، فتم تداول مقولات نظّرت لبراءة الخليفة، ونسبة أفعاله لله تعالى، كالقدر، الإرجاء، فاعل الكبيرة، الجبر، وغيرها، فخدمت السياسة، ودفعت باتجاه نشوء مذاهب فقهية، موالية للسلطة، أو تقف مع المعارضة ضدها. فاختلفت بعض الفتاوى باختلاف المبنى العقائدي، فمن يؤمن بعدالة الصحابة مطلقا أو يقول بعصمة الأئمة، يختلف عمن لا يؤمن بهما. فالمذاهب لم تختلف بسبب تحريف النصوص المقدسة بدوافع سياسية، لكن السياسة فرضت أولوياتها على مناهج الاستنباط، والمبادئ العقيدية القائمة عليها. فمن يؤمن بالجبر والإرجاء لا يؤاخذ الحاكم على سلوكه مهما كان ظالما مجرما، كما بالنسبة لموقف فقهاء المسلمين من معاوية ويزيد قاتل أهل البيت ومن تلاهم. وأما أحكام العبادات والقضاء فالاختلاف بين المذاهب الإسلامية قليل، يقول الشيخ المفيد، أن استقلال كل مذهب من المذاهب الإسلامية في مسائله الخلافية لا يتعدى أصابع اليد. فـ 95 بالمئة متفق عليه، لذا لا تجد اختلافا حقيقيا في الصلاة والصوم والحج وباقي العبادات، سوى أشياء لا تمس صميم العبادة. لكن الاختلاف في الموقف الفقهي السياسي. فالفقه السلطاني فتاوى فقهاء السلطة، لشرعنة الاستبداد، وسلطة الخليفة القائمة على الظلم والعدوان، وحرية التصرف بالثروات، وتبرئة مسؤوليتهم عن إراقة الدماء. فالفقيه وفقا لهذا المبنى لا يحكم بفسق الخليفة، مهما تمادى في ظلمه وتجاوزه، لأنه مجبر على فعله، وليس حرا كي يختار ويحاسب على فعله، وبما أن التكليف مشروط بالقدرة والاستطاعة، فيُرجأ أمر المجبر (مسلوب الإرادة) أي الخليفة الظالم إلى الله. لكن لماذا يحاسب غيره من العباد ولا يحاسبه؟ ولماذا فرض الكتاب الكريم عقوبات مطلقة كالحدود والقصاص إذا كان الإنسان مجبرا على فعله؟. ثم أليس في تأسيس هذه المقولات التفاف على حكم العقل وذائقة العقلاء بل والناس جميعا؟ فالظلم قبيح من أي شخص صدر، وغير المؤمن أيضا يحكم بقبحه. وما حكم به العقل حكم به الشرع.

ليست المشكلة في التنوع المذهبي، بل له الفضل في تراكم الثراء الفكري والكلامي والفلسفي والفقهي، لكن المشكلة في توظيف الشريعة لتفسيق الآخر، ورفضه وتكفيره، خاصة المعارضة السياسية. حيث نالت ظلما عظيما بسبب فتاوى فقهاء السلطة. وقد تمادى فقهاء السلطة حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على آوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة.

يتصح مما تقدم، لم يثبت تحريف أية آية قرآنية، وقد اتفقت المذاهب الإسلامية على سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. وما ينقل من روايات تمس الجانب السياسي للمسلمين تقع ضمن دائرة الرأي الشخصي للنبي، فليست ملزمة شرعا. لاختصاص حجية السيرة بما له جذر قرآني وهي الأحكام الشرعية. وهذا الفهم سيعمّق قيم التسامح ورفض منطق التنابذ بين المسلمين.

ثم أن وضع الروايات وتحريفه، وتوظيف النص وتأويله، ليس مقتصرا على السلطة دون المعارضة، فربما الثانية أكثر اندفاعا، لحاجتها الماسة لنصوص تسلب السلطة شرعيتها، وتكريس شرعيتها كمعارضة. السلطة عادة تتحرك من موقع القوة فلا تحتاج لوضع النصوص، لولا تحريض المعارضة. وبالتالي فالجميع متهم بالوضع وليس طرفا دون آخر. فما نحتاجه في مسيرتنا وضع فاصلة مع التاريخ والتراث وجميع هذه الروايات، كي نحتكم للعقل في مواقفنا، فـ(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وهذا لا يعني تبرئة النص من مسؤولياته، بل الروايات الموضوعة كانت وما تزال وراء كل الخراب الديني والأخلاقي، ولها تنسب رثاثة الوعي والخرافة واللامعقول الديني والتسيب الأخلاقي، في مجال السياسة وغيرها. وما يرومه الحوار وضع النقاط على الحروف، والتعامل مع القضايا التاريخية بقدرها، كي نتدارك تبعاتها وانعكاساتها على صعيد العلاقات العامة، وعلاقة الناس بالدين، ونساهم في لملمة الجراح. فليس ثمة ما يتوقف على هذه الروايات وغيرها، وطريق السلطة وشرعيتها اليوم يختلف عما حدث قبل قرون متمادية، فلا حاجة لتلك الآراء والنظريات. لذا تجدني حريصا على تحديد دائرة المقدس، ومن له حق التشريع. للحد من قدسية الروايات. فأغلب الروايات الموضوعة تنسب لغير النبي لكنها مقدسة، ويصدق عليها مفهوم (الكذب المقّدس)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (4)

  1. صالح الرزوق

لا يوجد عندي شيء اضيفه لهذا الحوار التخصصي. فالسائل و المجيب من خامة واحدة، و ان تباينت المفردات، و العقل المنتج هو بيئة متشابهة تلعب دورا في توجيه الوعي و ادراك الظواهر و تفسير المدونة ايضا.
و لكن استطيع ان اقول ان ما اتفقنا عليه هو الذاكرة الجماعية، و القرآن جزء منها. سواء هو محرف ام منقول بحذافيره. و سواء هو وحي ام انه ايحاء. لا مشكلة، المهم ان الاجيال التي يمكننا التواصل معها اتفقت عليه بشكل كتاب مقدس. و بقيت المشكلة في التأويل و القراءات. و هذا لا يوجد ما يلم شملها بسبب تعدد المصالح و المراجع و القوى الفاعلة و المؤثرة. المشكلة اذا ليست بنص القرآن و لكن بالفضاء الذي يحيط به.
و شكرا.

 

يكفي قراءتك ومتابعتك المتواصلة لما ينشر، وانت المثقف الزاخر بالوعي. تحياتي لحضورك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق

 
  1. د. مجدي ابراهيم

أسعد الله صباحكم بكل خير
بعتقد أن الأسئلة المفاهميّة الأولى تدور كلها حول اليقينيان، وجودها وعدمها. وبداهة النظر تشير إلى مُفارقة عجيبة يطرحها في هذا السؤال : كيف يكون الباحث موسوماً بأنه باحث ديني وهو في نفس الوقت لم تزل لديه بدائه اليقين محاطة بالشكوك؟
المفروض في البحث الديني أن تكون البديهة الدينية حاضرة من أول وهلة في لمحات اليقين، لكن غيابها يؤكد حقيقة وهى : أن هذا اليقين لا يمكن الوصول إليه بالبحث، ولكن مع ذلك يمكن الوصول إليه بطريق آخر غير بحث العقول المحدودة، وبحث ما تفكر فيه، لأن هذا اليقين نفسه منقسم علي ذاته؛ فما يُقال فيه من جهة العقل لا يُقال فيه من جهة الإيمان، وبما أن هنالك يقيناً برهانياً قائماً على العقل؛ فهنالك على المستوى الديني يقينٌ إيمانيٌ لا يمكن الوصول إليه بطريق العقل المحدود بحدود ما يفكر فيه.
ومع الإصرار بمنح العقل سلطة فوق سلطته يجيئ تصرفنا هذا ضد عمل العقل نفسه.
كبار الفلاسفة أمثال كانط كان جعل العقل النظري غير قادر بحكم طبيعته وموضوعه على التدليل بوجود اليقين الإيماني، حتى إذا ما افلحت العقلية النظريّة في إقامة اليقين فيما هو مشروط محدود، فلن تفلح في المقابل في إقامته في المسائل المُفارقة كوجود الله وخلود النفس ومسائل الحريّة، لأنها مسائل يلزمها عقل آخر لإقامة اليقين فيها.
خالص تحياتي لحضرتك سعادة المفكر الكبير ماجد الغرباوي .

 
  1. ماجد الغرباوي

وأسعد الله أوقاتك بالخير والعافية الاستاذ الدكتور مجدي ابراهيم. شكرا لحضورك وتفاعلك. كما تفضلت الإيمان واليقين الحقيقي لا يأتي من الأدلة النظرية، بل من الرياضات الروحية، والتأملات النفسية. أو بعارة أدق هو حصيلة التجربة الإيمانية والروحية، لذا تتفاوت مستويات اليقين عند الناس. فتجده مفكرا يفند حجج المنكرين، لكنه عملا لا يختلف عن أي شخص غير ملتزم دينيا. وترى انسانا بسيطا طافحا بروح اليقين والايمان، صادقا في لهجته وحبه للخير والناس. دمت مباركا اينما كنت. مع تقدير

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4261 المصادف: 2018-05-06 04:42:14