المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (80): الفقيه ومنطق الخلافة

majed algharbawi9مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

 

ماجد الغرباوي: في مقابل منطق العبودية الذي تقدم الحديث عنه، هناك منطق الخلافة، الذي يختلف جوهريا في رؤيته للإنسان وللدين وأحكام الشريعة. وهو فهم يستمد شرعيته من الكتاب والقيم الإنسانية الرفيعة.

منطق الخلافة

يؤكد هذا الاتجاه على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض، ويقيم علاقته بالخالق، وفق ثنائية الخالق والمخلوق. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية، تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا متوقدا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، ليس فيها تمرد أو اختيار. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي.

وأيضا نسب العبّاد لنفسه حينما راهن على قدرتهم في استخلاف ووراثة الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، رغم ضعف الإنسان كما يًستشعر من آية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على مخلوقات سابقة، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كل تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حقق تطورا حضاريا كبيرا.

فالغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع.

وهذا الاتجاه كسابقه أيضا يؤمن بوجود ملاكات حقيقية وراء تشريع الأحكام، لكنها ملاكات تراعي الإنسان وشروطه الحياتية، فيدور الحكم مدار مصلحته في ضوء دوره التاريخي. فالأصالة له، لا للتشريع. وليس من مصلحته محاصرته بفتاوى وأحكام تصادر حريته وعقله، وتتركه مشلولا أسيرا لفتاوى الفقهاء، حتى في أبسط أفعاله، خاصة أن الاتجاه الأول حرم الإنسان حريته عندما اعتبر مساحات الإباحة الواسعة حكما شرعيا، فيتمكن الفقيه التحكم به متى شاء واقتضت ضرورات فتاواه.

وبهذا يتضح أن ما زاد على التشريعات القرآنية ليست بحجة ما لم يدل الدليل عليها. لذا تمسكوا بمطلق السيرة النبوية، وبعضهم وسع مدارها لغيره، وسعوا إلى تأسيس قواعد عقلية تساعدهم على استنباط الحكم الشرعي، وتكسبه شرعية دينية. فإذا ناقشنا أدلتهم ستنهار شرعية الأحكام الزائدة، باستنثاء ما كان له جذر قرآني، وهنا سيكون دور الفقيه اجتهاديا. تارة يستدعي السيرة النبوية فيكون مقلدا وليس مجتهدا إلا في حدود فقه النص، وتطبيق كلياته على مصاديقها، دون التشريع بعيدا عن الكتاب الكريم.

وأصوليا ينطبق على الشك في حجية السنة في غير الأحكام القرآنية، تفصيلا وبيانا، قاعدة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، لأن معنى حجية السنة في الزائد، حجية ما فيها من تكاليف وأحكام، فيكون الشك فيها شك في المكلف به، وهو مجرى البراءتين العقلية والشرعية. كما أن الأصل عدم حجية الزائد، لاختصاص التشريع بالله إلا ما ثبت بالدليل، وهو منتفٍ قرآنيا بشكل صريح واضح. وثالثا أن الأصل في الإنسان حريته، وكل قيد وحكم هو تققيد لها، فيحتاج إلى دليل وعند الشك في الأصل عدم التقييد. بل يمكن استصحابها في حالات الشك لاثبات عدم الحجية.

مهام الرسالة قرآنيا

اتفق الجميع أن الولايتين التكوينية والتشريعية مختصة بالله تعالى. لكنهم اختلفوا في جعلهما لغيره، حيث قال غلاة الشيعة بجعل الولاية التكوينية للأئمة من أهل البيت وفقا لمعتقدهم، وهو رأي لا يستحق التوقف عنده أبدا، فالكون يسير وفق قوانين منضبطة، لا يمكن لأي أحد التأثير عليها. لكنهم اتفقوا إلا ماندر على جعل ولاية تشريعية للنبي، بأدلة لا تصمد أمام النقد الموضوعي. وهذه المسألة يمكن حسمها قرآنيا بسهولة، رغم إصرارهم على حجية مطلق السنة النبوية. فوظائف النبي قرآنيا: بشير، نذير، مبلغ، معلم، هادٍ، داعٍ، سراج. في مقابل: لست عليهم بمسيطر، ليس لك من الأمر من شيء. وآيات أخرى. ولا دليل على أن المراد بالحكمة خصوص السنة النبوية، لأن الأولى مفسّرة قرآنيا كما في الآية 39 / سورة الإسراء، حيث ترجعها لمبادئ إنسانية، فتختلف عن الوحي، لكن أيضا لا يدركها سوى الحكيم من الناس. والطاعة المفترضة للرسول في الإجرائيات. وقد مر تفصيل كل هذا. يبقى سؤال مهم يحسم هذه القضية بالذات: لو كانت سنة النبي كالقرآن في حجيتها ووجوب الإلتزام بها مطلقا، فلماذا لم تُضف له، وتُضبط كغيرها من الآيات، وينتهى الجدل حول حجيتها؟ لماذا فتحت علينا أبواب الجحيم، وراح كل فريق ينسب لرسول لله ما يشرعن عقائده، ويخدم مصالحه السياسية والمذهبية، حتى اختلط الديني بالسياسي، والمقدس بالمدنس، والعقلي بالخرافي؟ ألا يدل هذا على وجود فارق نوعي، واختلاف جوهري بينهما؟ وبالتالي فالجذر القرآني للرواية هو الذي يحدد مدى حجتها، وما تبقى فله دلالته القوية التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الفهم الديني.

فالتشريع منحصر بالله تعالى لذا جاءت آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، مسبوقة بمصفوفة أحكام، وتلتها أحكام. وفي هذا اشارة بليغة لكمال الدين، واكتمال التشريع، بما يكفي ليكون الكتاب حجة على الناس، وهذا دليل على عدم حجية غيره. وعدم وجود دليل صريح واضح على جعل الولاية التشريعية للنبي، سوى تأويلات واستظهارات واجتهادات شخصية، ومع الشك فالأصل عدم جعلها، فتبقى مقتصرة على أصلها، أي الباري تعالى. ودليلنا على محدودية الأحكام الشرعية بما جاء في الكتاب، دليل قرآني، (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، كما في هذه الآية والتي سبقتها وغيرهما من شواهد. هذا إضافة لما تقدم من كلام حولها. والتمادي قد يصدق عليه قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

فرسالات السماء تواكب مسيرة الإنسان حتى بلوغ هدفه، فهي من جهة تربطه بالخالق، ومن جهة أخرى تخوله خلافة الأرض، فدور الأديان هو دور حاضن للإنسان، حتى يتقوّم عوده، فلا يعقل أن يطارده من خلال الفقيه وفتاواه التي تنأى عن المشاعر الإنسانية حينما تتعامل معه كآلة تقتصر مهمته على تطبيق ما يملى عليه من فتاوى وأحكام اجتهادية. وهذا دليل آخر على عدم حجية أي حكم ليس له جذر قرآني، ما لم يدل الدليل الشرعي الصريح عليه، وهو مفقود بالضرورة.

الحرية قدر الإنسان

إذا لم تكن الحرية من ذاتيات الإنسان فهي من أخص خصائصه أعارضه. وقد لا أجازف حينما أعتبرها فصلا في الحد المنطقي، لأنها ليست أقل خطورة من الناطقية. فكما يصدق في الحد التام أن الإنسان حيوان ناطق، كذلك يصدق: الإنسان كائن حر. ولا عيب في استخدام الجنس البعيد، فهو أكرم للإنسان من تعريفه بالجنس القريب أي الحيوان. وحريته تدخل في صميم كينونته. فلاتصدق الصفة مع غيره إطلاقا، لأنها تعني توظيف العقل والقدرة على اتخاذ القرار، وهذا لا يتحقق لغير الإنسان، ولا يمكنه التخلي عنها. فهي صفة إرادية في استخدامها لا في أصل وجودها: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالشكر والكفر متفرعان على حرية وإرادة الإنسان. وما إبداعات البشرية خلال تاريخها إلا دليل على حريته التي هي ركيزة قدراته في مختلف مجالات الحياة. لذا قلت يصدق أنها فصل منطقي، لأنها من ذاتياته، ولا معنى له بدونها. وبهذا يتضح أن العبودية صفة طارئة بفعل عوامل خارجية: سياسية واقتصادية وبيئية وثقافية. وقد جاء في المأثور: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). فالأصل ملازمة الحرية لوجود الإنسان، بشكل يمتنع سلبها إياه إلا لضرورات تتعلق بحياته وعلاقاته الاجتماعية. ومهما كانت قدسية الأحكام الشرعية فهي قيود لا تطيقها حرية الإنسان، لذا كان الرهان القرآني على خطاب الترهيب والترغيب في ضمان إلتزام الإنسان، علما أنها مشرّعة لمصلحته. فهناك تمرد داخلي يحتاج لترويض.

وبالتالي فكما يصدق تعريف الإنسان بأنه: ذات مفكرة، حينما يُشك في أصل وجوده استنادا إلى قول الفيلسوف الفرنسي، رينه ديكارت: "أنا أفكر إذا أنا موجود". فكذلك يمكن تعريف الإنسان بإنه: ذات حرة، حينما يشك في حريته وإرادته وقدرته على اتخاذ القرار. ويصدق أيضا: "أنا حر إذا أنا موجود". والحرية هنا بمعنى الاستعداد فتكون سابقة على التفكير بمعنى وعي الذات، ولو من حيث الرتبة لا من حيث تعدد العلل. أي أن لحظة وعي الإنسان لذاته هي لحظة وعيه لإرادته. فتكون الأصالة لحريته دائما. ومقتضى هذه الأصالة عدم قدرة أية جهة سلبها إياه، بما فيهم الخالق تعالى. بل لا معنى للسلب لأنها بهذا المعنى من ذاتيات الإنسان، لا فقط من أخص خصائصه. لكن يمكن تقييدها وتحجيمها وترشيدها، حينما يتوقف على الترشيد مصلحة عامة. فالإنسان هو المسؤول الأول عن نفسه وسلوكه ومواقفه، لذا لم يشترط أي شيء في خلافته قرآنيا. وقد عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن بعيدا عن الأديان، بانسجام حقق مصداق الأمة الواحدة، وقد امتدحت الآية تلك الفترة حينما قالت: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)، لأن إقامة الأمة الواحدة هدف مهم بالنسبة للأديان وقد تحققت على يد الإنسان بمعزل عن السماء. لكن حينما وقع الاختلاف بعث الله الأنبياء، بعثة مغياة لحين عودة الناس لرشدهم: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فتكون المهمة الدينية في بعدها التشريعي مهمة ترشيدية، حيث يحتضن الدين الإنسان كي يتمكن من مواصلة حياته ويكتشف قابلياته وقدراته. والآية دقيقة جدا، فهي لم تفرض أي قيّم على الإنسان، ولم تشترط نبيا أو إماما أو فقيها، بل ليقوم الناس بأنفسهم بالقسط.

وتتوقف على الحرية مسؤولية الإنسان عن عمله واختياره، خاصة مسؤولية الأمانة التي تحدثت عنها الآية السابقة. فمنطق العبودية يسلب الإنسان حريته حينما يفرض عليه أحكاما تغلق جميع منافذ الحياة، ويضعه بين خياري: الطاعة المطلقة أو الخلود في النار. على عكس منطق الخلافة الذي يرهن الحكم الشرعي بفعلية موضوعه. وهذا ما أكده الفكر الوجودي حينما اعتبر الحرية مقوما ذاتيا لوجود الإنسان، فهي ليست خيارا بل قدرا لا يمكنه انتزاعه، فهو موجود حر. والحرية تستلزم الإرداة، فيتحمل الإنسان مسؤولية عمله وسلوكه وموقفه، وهذا مبعث قلقه.

فنخلص إلى نتيجة أن منطق الخلافة يقتضي وضع سقف للأحكام الشرعية بما يتناسب مع مهمة الإنسان في الحياة. وهذا لا يتنافى مع إيمان الفرد، فالحرية لا تعني الكفر، والتنصل عن القيم والمبادئ الدينية. بل تعنى أن يكون الإنسان أكثر مسؤولية عن قراراته ومواقفه. ولا تتقاطع كما يعتقد البعض مع آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ). لأن الكلام حول المقدار الزائد من الأحكام التي يستنبطها الفقيه، والفتوى التي يفتي بها. كما أن الكلام حول مدى فعلية أحكام الشريعة. فالقول بعدم فعلية حكم بسبب عدم فعلية موضوعه ليس فيه إنكار لأصل التشريع، كي يحكم على قائله بالردة والكفر.

نعود للسؤال، اتضح أن الأحكام الشرعية الزائدة عما هو مدون في الكتاب الكريم مشكوك في حجيتها وشرعيتها ما لم يكن لها جذر قرآني، وعند الشك فالأصل حاكم، وهو القدر المتيقن منها، أي الأحكام الشرعية القرآنية. غير أن الفقهاء اضطروا لشرعنتها من خلال قواعد عقلية، يمكن مناقشتها وتفنيدها.         وليس هذا محلها.

كما وظف الفقهاء خطابا أيديولوجيا صارما، يقمع أي تمرد على سلطتهم الدينية. بشكل أصبح الفرد لا يفرق بين الحكم الشرعي القرآني، والحكم الشرعي الفقهي / الفقاهتي. فالجميع بالنسبة له مقدس، رغم تداعياتها على حرية الفرد.

ثقافة الفرد

ينبغي أن يتسلح الفرد بثقافة دينية قرآنية، تمكنه من اتخاذ موقف من الفقيه وفتاواه، بشكل يستطيع السؤال عن دليل الفتوى مقارنة بما هو مشرّع قرآنيا، على صعيدي العقيدة والشريعة. فالفقه رغم أنه تخصص له مناهجه وأدواته لكن يمكن للفرد التوفر على قدر من المعرفة التي تمكنه من إدراك مباني الفقهاء ولو بالحد الأدنى. فبإمكان الفرد تحري عقيدة الفقيه، ومصادر معرفته، ومنهجه في الاستنباط. وينبغي تحري صدقية أن الفقيه لا يفتي إلا طبقا للكتاب والسنة، بينما مصادر الاستنباط أوسع من ذلك. بل حتى في دائرة السنة فإن من يؤمن بحجية مطلق روايات كتب الصحاح مثلا، تختلف فتواه عمن يخضع كل رواية للنقد، والجرح والتعديل. أو من يعتقد بانسداد باب العلم والعلمي يختلف عمن يؤمن بحجية روايات الآحاد. وبالتالي ستشكل ثقافة الفرد هاجسا، تجعل الفقيه يتأنى في فتاواه وإملاءاته، التي تتحكم بمصير الإنسان.

الفارق بين الاتجاهين

إن الفارق بين منطق العبودية، ومنطق الخلافة فارق جوهري في وعي علاقة الإنسان بخالقه، وبدوره في الحياة. فمن يعتقد أن دوره يقتصر على العبودية المطلقة، فهو بحاجة مستمرة للحكم الشرعي، كمحدد لوعيه وسلوكه، وقد يستدل على هذا الاتجاه بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهذا الاستدلال غير تام، حتى اضطر بعضهم توجيه الآية، بما يكرّس معنى العبودية، حينما اعتبر جميع سلوك وفعل الإنسان هو عبادة، وليس المقصود منها خصوص التعبد بالعبادات.

وهذه الآية لا يمكن الاستدلال بها على تكريس مطلق العبودية، للأسباب التالية:

أولا: حينما تقرأ الآية الكريمة ضمن سياق الآيات، قد يفهم منها نفي الإطلاق، تقول: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ). فالنفي واضح، تقول الآية، ما خلقت الجن والإنس لمجرد العبادة، ولا نريد منهم رزقا، ولا نريد منهم أن يطعمون. فالعبادة إذا جزء من سلوك الإنسان وليست هي تمام ملاك خلقه. وهذا القدر من الشك، مهما كانت قيمته الاحتمالية يمنع انعقاد الإطلاق.

ثانيا: يصدق أن الآية مجملة، فنحتاج لفهمها وفقا للمنطق القرآني، إلى آية محكمة واضحة. وآيات الخلق قد بينت الهدف من خلق الإنسان وقالت صريحا أنه خليفة الله في أرضه. إني جاعل في الأرض خليفة. وخليفة الله ليس مخلوقا للإمتحان والافتتان وتكريس وقته لأداء العبادات، وإنما هي مسؤولية ربانية. ويمكن بآية خلافة الإنسان فهم جميع الآيات التي تتحدث عن افتتان الإنسان في الحياة الدنيا، فهو ليس افتتانا ماكرا، كافتتان السيد بعبده. وانما افتتان مسؤول، لتحفيز الإنسان ليكون بمستوى الحدث والمسؤولية التاريخية.

ثالثا، لم يقل أحد بوجوب تفرغ الإنسان للعبادة، وترك الحياة الدنيا. وقد جاء في الخبر: (إن لله عليك حق، وإن لنفسك عليك حق، وإن لعيالك عليك حق، فاعط كل ذي حق حقه). 

ولا شك في وجود فهم مغاير للآية يتسق مع مرتكزات الكتاب الكريم، والهدف من خلق الإنسان فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أن المراد من "إلا ليعبدون"، أي إلا ليعرفون. فتكون معرفة الحقيقة هدف أساس لخلق الإنسان.

 

...............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يوجد شيء يمكن ان يعترض به القارئ على السوال المناسب و الجواب المناسب، فالحرية و المسوولية هما في صلب فكرة اختيار طريقة التعبير عن ايمانك و اساليب تصوير هذا الايمان عمليا في الاخلاق و الواجبات،
لكن وردت اشارة غير اساسية لديكارت عن الشك، و الواقع ان كوجيتو الشك وظفه طه حسين توظيفا عاما لينتقل منه الى مشكلة لغوية، و الحقيقة ان ديكارت مفكر تنويري حاول التخلص من اثار الميتافيزيقا و الاحتكام الى الحواس و هي تعمل، بمعنى انه فرض برهانا تجريبيا على كل برهان عقلي.
ووضع التجربة و الملاحظة في اساس اية مناقشة،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لدوام متابعتك وقراءتك حلقات الحوار الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

أتفق معك فيما قلته شواهد وتحليلاً سعادة الأخ المحترم الأستاذ ماجد الغرباوي وأتوقف عند مسألتين، الأولى مسألة الحرية :
لا شك في أن الحرية تقتضي المسؤوليّة، تلزم عنها بالضرورة. وإذا كانت الضرورة واجبة بوجوب التحرر بلا قيد وبلا شرط، فالحرية تعني الاستقامة لأنها تتطلبها بالمفهوم الديني القرآني (فاستقم كما أمرت) فليس هناك حرية مطلقة بلا فروض، وبلا تبعة مسؤلة. فالشعور بالتبّعة وازع الاستقامة على الأمر، وإذا غاب هذا الشعور أصبحت الحرية فوضى من فوضى ولها بالفوضى نسبٌ عريق، فهاهنا شرط في حدود الاستقامة على الأمر ، وفيما عدا ذلك فللحر أن يمارس فعله كيفما شاء وشرطه أن يكون مسؤولاً عما يأتي أو يدع . هذه واحدة
أمّا الثانية فهى مسألة العبادة، فالغاية من خلق الإنسان ليس كما تبديه ظاهر الآية ولكن هى (المعرفة) على اتساع لفظ المعرفة في اطلاق ملكات الإنسان العقلية وطاقاته المعرفية وأنشطته الفاعلة، وإن كانت العبادة مما لا يُخفى مطلوبة قصداً لكنها ليست هى الغاية من الخلق بل الغاية من الخلق المعرفة، وقد سُئل ابن عباس، أعرف الناس بتأويل القرآن عن قوله تعالى : (وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون) فقال معناها إلّا ليعرفون. وعليه؛ فمن تعبّد ولم تسفر عبادته عن معرفة الله فقد سقط دون تحقيق الغاية ولم يُرى لعبادة أثراً منشوداً يعوّل عليه.
مع خالص تحياتي لشخصكم النبيل

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاخ الاستاذ الدكتور مجدي ابراهيم، اسعدني رضاك على الإجابة، وشكرا لتفاعلك معه.
كان الجواب ناظرا للحرية من حيث هي ملكة وجودية، فهي استعداد وقدرة على الاختيار، سواء تحقق الفعل خارجا، ام لا بسبب ما يواجهه الفرد من إكراهات، تحول دونها. وانت تنظر لها من حيث هي فعل خارجي، وسلوك يترتب عليه أثر اجتماعي، وكلامك دقيق في بعده الديني الإيماني. أي ان الحرية من حيث فعليتها، تتطلب هذا الشعور الذي تفضلت به. لكن كلامي كان حول اصل الاستعداد الذي أحالت عليه آية إما شاكرا وإما كفورا. فنخلص الى اصل نرجع له في حالة الشك. هذا كان هو الهدف من الكلام
وما تفضلت به حول الآية، هو تأويل يتفق مع مرتكزات الكتاب الكريم، والهدف من خلق الإنسان، وانا ناقشت الآية من حيث ظهورها، الذي يتمسك به التفسير التراثي. شكرا للاستشهاد برواية ابن عباس واسمح لي اضافتها للحوار: كرأي في مقابل آراء أخرى، لتعم الفائدة، لك خالص التقدير والاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي المحترم
تحية احترام و اعتزاز و بعد
فقد ورد التالي و هو شائع"الورود"ان صح القول:[(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)] انتهى
السؤال بأي صورة من صور الحرية ولدتنا امهاتنا؟
فلا بيولوجياً و لا اقتصادياً و لا روحياً و لا اجتماعياً
او السؤال بصيغة اخرى: هل حالة الولادة فيها شكل من اشكال الحرية غير الحركات اللاارادية الاكثر و الإرادية الاقل؟
و هل هذه الحركات من الحرية؟
اكرر الشكر لكم ايها الكريم على ما تتفضل به من دقيق التوضيح

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاستاذ القدير عبد الرضا حمد جاسم. الكلام عن الحرية هنا من حيث هي استعداد فطري. وليس الكلام حول فعليتها واقعا. انت تسال عن الواقع، والكلام في الحوار عن الاستعداد. تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4317 المصادف: 2018-07-01 03:47:49