المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (82): تجديد مناهج التوثيق

majed algharbaw10مجدي ابراهيم

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س82: د. مجدي ابراهيم: لئن كان رواة الحديث بشراً يتأثرون بمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية؛ ولئن كانوا نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي؛ فلا أقلّ من أن يكون علم الجرح والتعديل له قواعده الثابتة في إطار وضعية قائمة لم تفلت إذْ ذَاَكَ من قبضته، ولا من وضع هذه الأولوية في وضعها الصحيح؛ فشواهد الوضع كما ذكر الأستاذ ماجد ليست تنفي صدور الحديث تماماً كما لا تبقيه هنا بغير جرح أو تعديل.

والسؤال هنا: ما قيمة هذا العلم اليوم في ضوء مكتسبات المناهج الحديثة والمعاصرة، كالبنيوّية والتفكيكية وما شابهها؟

ج: ماجد الغرباوي: يكتسب علم الجرح والتعديل أهميته من مكانة السُنة النبوية، التي تشكّل مرجعية نهائية ومطلقة للتفكير الديني أسوة بالكتاب الكريم، وثاني مصدر للتشريع من بعده. وكان المحفّز وراء تأسيسه لاحقا، تراكمات الوضع والكذب على رسول الله، فجاء لتمييز الحديث الصحيح عن غيره بعد دراسته متنا وسندا وفق ضوابط علمية حسب الفرض،. وقد صنّفوا الأحاديث تارة بلحاظ المتن وأخرى بلحاظ السند ورجاله، ووضعوا مصطلحات لمختلف حالاته، وراحت تظهر معالمه بشكل تدريجي منذ القرن 3 هـ، حتى اكتماله في القرن السابع الهجري، ونضوجه في القرن العاشر الهجري. وأما قبل عصر تدوين الحديث فكانت جهودا متواضعة، لم ترق لمستوى العلم، رغم حاجة السُنة إليه، حيث كان الغالب هو التداول الشفاهي للأحاديث، مما أتاح اختراقه، من خلال توظيف بعض الأسانيد الصحيحة، التي تدفع الريبة والشك. وكان وراء هذا الوضع أسباب عدة، منها: خصوم الدين. تداخل المرويات الدينية بين الأديان المختلفة، خاصة ما يعرف بالإسرائيليات. عدم الدقة في النقل. تآكل الذاكرة. موت الصحابة. والأهم الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية لحسمه، الذي دفع باتجاه انتحال الأحاديث تعضيدا لهذا الطرف أو ذاك، حتى شرعنوا السياسي بالديني من خلال السُنة وقوة تأثيرها على الوعي الجمعي. فجاء علم الجرح والتعديل لتدارك هذا الضعف، ووضع ضوابط لفرز الأحاديث وتمييزها. لكنه كرّس الاستبداد السياسي والديني، وتمت صياغته بشكل يخدم المذاهب والفرق الدينية المتصارعة أساسا. فالمشكلة ليس في علم الحديث كعلم يدرس كليات موضوعاته، بل المشكلة في تباين ضابطة الدلالة، التي تأثرت بالصراع بين المذاهب والفرق. فمثلا عندما يعرّفون الصحيح بأنه "الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه"، يختلفون في معنى العدالة، ومدى انطباقها على المناوئ المذهبي والسياسي. وبعضهم يقف عند حدود التعريف وآخر يوسع من دائرته، للتوفر على عدد أكبر من الأحاديث الصحيحة التي تخدم هدفه. خاصة في باب العقائد التي تتوقف على وفرة روايات الفضائل. فتمت أدلجة هذا العلم بما يخدم رؤية الفقيه وأهدافه السياسية. وأحيانا يلتفون على المصطلح. فمثلا الجميع يحكم بضعف الروايات المرسلة، لكن تجد من يسعى لتصحيح بعضها، اعتمادا على الراوي الأخير، وما يرد في كتبه ومدوناته. فاحتالوا على ضعف السند بتصحيح ذات الكتاب. وهذا يؤكد أن علوم الحديث لا يمكن التعويل عليها مطلقا، لذا اختلف المسلمون حول القيمة العلمية لأحاديث الصحاح، واختلفوا حول عدالة أو وثاقة عدد كبير من الرواة، وشروط التحديث. والأخطر تسقيط بعض الرواة لأسباب طائفية، فيخرج عن كونه ثقة بسبب انتمائه المذهبي. أو بسبب قناعة فقهية مغايره. فتجد ضمن ألفاظ الجرح كلمات مثل: شيعي، مغالٍ، خبيث. مجسّم، ناصبي، بتري، وغير ذلك، وهي ألفاظ لا تخفى دلالتها السياسية - الطائفية.

مصداقية علوم الحديث

حينما تتحكم متبنيات الفقيه، الأصولية والفقهية بهذا العلم، ويتأثر بخلفيته العقيدية فلا يمكن الاعتماد عليه مطلقا وفي جميع الأحوال مما يبعث الريبة في قيمته المعرفية. ويمكن الاستشهاد ببعض النماذج:

اولا: اختلاف وثاقة بعض الرواة من مذهب إلى آخر. وسقوط اعتباره بمجرد اكتشاف مذهبه.

ثانيا: ليس الاختلاف مصداقيا، كي لا يؤثر على موضوعية العلم وحياديته، بل أن الشرط العقيدي مأخوذ في أصل بعض المفاهيم، صرّحوا أو لم يصرحوا بذلك، فعندما يعرّفون الحديث الصحيح بقولهم: (الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه)، يشترطون في مفهوم العدل صحة عقيدته، لفسق المخالف عندهم. علما أن العدالة صفة لا علاقة لها بعقيدة الفرد، فكم من شخص عادل لا دين له. وبالعكس. العدالة ملكة تمنع صاحبها عن إرتكاب الكذب. غير أن العدالة عند بعضهم تُختزل طائفيا. فبعض علماء الشيعة يعتقد أن فاسد المذهب، وهو المخالف للمذهب الشيعي وعقيدته، لا يتصف بالعدالة، فينبغي الإكتفاء بها شرطا في التعريف، وعدم الحاجة لذكر شرط "الإمامي" في قولهم: الحديث الصحيح (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي)!!. فيجب تعريفه: (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بالعدل).

ثالثا: الرواة بشر، مهما كان إيمانهم وإلتزامهم الديني، بما فيهم الصحابة والتابعون ومن تلاهم. بشر لهم مصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية. والمرء يتأثر لا شعوريا بثقافته وبيئته، وينحاز لقبلياته وثوابته. يختلف في مستوى وعيه وإدراكه واستيعابه. وهم نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي. لكن الجرح والتعديل لا يأخذ بهذه الحيثيات، ويكتفي بوثاقة الراوي، ما دامت روايته تخدم هدفه.

رابعا: طالما يتأثر الراوي بعقيدته، فينقل ما يوافقها من أحاديث. وهذه مؤاخذة صريحة، لكن هذا العلم يتجاوزها. فالراوي الشيعي يروي الروايات التي تؤكد مسح الرجلين في الوضوء مثلاً، وفقا لمبناهم، بينما يؤكد الراوي السني على غسلهما. وكل فقيه يعتمد ما يوافقه من هذه الروايات، رغم مخالفتها لضوابط هذا العلم، بل يكيّفونه بشكل يخدم مبانيهم الفقهية. فلا يبق للعلم أية موضوعية.

خامسا: التخلي عن ضوابط هذا العلم عندما تخدم الرواية هدفه العقيدي، خاصة في مجال الفضائل، حيث تعتبر الرواية اعترافا وشاهدا قويا من الخصم الطائفي.

سادسا: إن توثيق الرواة قائم على الشهادات الحسية والقرائن. فكيف يمكننا الاطمئنان لتوثيقات كتب الجرح والتعديل مع عدم معاصرته للطبقات المتقدمة من رجال سند الحديث؟

سابعا: لو اطلعنا على ما يعتمده الرجلي من قرائن قد لا نتفق معه حول قيمتها المعرفية، وربما ما يراه قرينة على الوثاقة قد نراه عكس ذلك، كل حسب ركائزه في الجرح والتعديل.

مناهج التوثيق

هناك من يعتقد بصحة جميع روايات المصادر الحديثية، كالصحاح عند السُنة وكتب الأصول عند الشيعة. فهو مستغنٍ عن مناهج التوثيق، اعتمادا على توثيقات الكتاب. وهذا منهج أصحاب الحديث والسلفيين. فيضطر لتأويل غرائب الروايات، حينما تخالف القرآن والمنطق والعقل، دون طرحها. فيؤمن بكل خرافة، ويجد في اللامعقول الديني سبيلا للهروب من سؤال العقل. وهؤلاء لا يتورعون بتكفير من يشكك بصحة مطلق السُنة النبوية. ويتمسكون بحرفية النصوص، ويرفضون كل تجديد، ويتمسكون بكل ما اشتملت عليه السنة النبوية، مهما تغيرت الظروف الزمكانية.

وبشكل عام هناك منهجان في توثيق الروايات، منهج الوثاقة ومنهج الوثوق. الأول يشترط وثاقة جميع رجال سند الحديث في صحته. ثم ينتقل للمتن للتأكد من خلوه من الشذوذ والغرابة، ليكون حجة في مؤداه. وهذا الاتجاه يرى أن نفس وثاقة الراوي هي موضوع لحجية الخبر، أو كما يعبرون: (أنّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الموضوعيّة). فمتى ما تحققت يكون حجة، مهما كانت نوع القرائن الحافة به، كإعراض مشهور العلماء عنه مثلا. ويقصد بالوثاقة الأعم من العدالة، بما يشمل مطلق عدم الكذب، فتشمل الثقة الفاسق. على العكس من العدالة المستفادة من مفهوم آية النبأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). فإن ارتكاب المعاصي فسق، لا يصح معه توثيق صاحبه. ومن يشترط خصوص العدالة في وثاقة الراوي عليه أن يتحرى سلوك الراوي أيضا. وهناك من لا يرى أي مفهوم للآية فتسقط دلالتها وحجيتها في هذا المجال.

وأما منهج الوثوق، فلا يكتفي بوثاقة الراوي، بل يعتمد القرائن في الجرح والتعديل، فالخبر الذي تحفه قرائن دالة على ضعفه يحكم بضعفه مهما كانت وثاقة رواة سنده. مما يعني أن الوثاقة عنده أحد طرق وثاقة الراوي، وليست هي موضوعا لحجته. وأيضا بإمكانه تصحيح الخبر الضعيف من خلال القرائن. فعمل المشهور بالخبر يُعد قرينة دالة على صحته، ولو كان ضعيفا وفقا للمبنى الأول.

إن منهج الوثوق بهذا الشكل يبدو بريئا، علميا، أقرب للمناهج الحديثة في نقد النصوص، لكنه ليس كذلك حقيقة، بل هو معدّ لتكريس التحّيز، فيحاول قدر المستطاع تضعيف ما هو قوي من الروايات أو بالعكس مجاراة لخلفيته وانطباعه. فهذا المنهج يبقى رهن عقيدة الفقيه وتوجهه السياسي والطائفي ورأيه الفقهي. أي أنه يؤسس لمرجعيات تتحكم بصحة الخبر. فيبتعد عن البراءة والعلمية.

اتضح مما تقدم أن كلا المنهجين تنتهي مهمته بفرز الحديث الصحيح عن غيره وفقا لضوابطه، تارة بلحاظ السند وأخرى بلحاظ المتن، أو معا. وهذا كل ما يحتاجه الفقيه بناء على فهمه للدين وموقفه من السُنة النبوية. غير أن هذه المناهج لا تحقق هدف من يختلف معهم حول أصل حجية السُنة. وبالتالي فالدعوة لتجديد المناهج النقدية في علوم الحديث، الدراية والرجال له مبرراته.

تجديد المنهج

ثمة ضرورات موضوعية لتجديد مناهج علوم الحديث، تفرضها نظرة مغايرة للدين، تحدّ من إطلاقات الأحكام، عندما ترتهن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، وهذه الضرورات، هي:

أولاً - شخصيا اعتمد منهجا آخر في توثيق الروايات يبدأ من المتن عكسا لما هو متعارف من دراسة السند أولا. فأطرح ما خالف كتاب الله. ولا اعتني بحديث يخالف: العقل والمنطق والقوانين الكونية والقيم الإنسانية. أو يكرّس الظلم والاستبداد والاستهانة بالإنسان وعقله ووعيه. أو يؤسس لمذاهب تنأى عن هدف الدين، أو يكرّس الجهل والأمية والخرافة على حساب العقل ووعي الإنسان. ولو صح عندي صدورها فستكون مادة خصبة لدراسة مراحل تطور العقل الديني، ومدى وفائه لقيمه ومبادئه. وأما في نقد النص والدراسات النقدية فأأخذ بنظر الاعتبار قوة تأثير الحديث. واستدعي المهمش والمتروك والضعيف وجميع التراث كي اكتشف المستبعد والمسكوت عنه، واتقصى مساحات اللاوعي، وأدرس براعة النص وقدرته على خلق حقيقته. وهذا المنهج يوظف كل المناهج الحديثة في نقد النصوص للتعرف على ما وراء النص، ومساره الدلالي، ومدى علاقاته بغيره من النصوص، وما هي إيحاءاته. بينما تقتصر مهمة المناهج القديمة على فرز الصحيح من الموضوع. كما أنها لا تصمد أمام النقد العلمي. فالمناهج القديمة لا تحقق ما نصبو له من دراسة الحديث وفهمه.

ثانياً: إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه وما ترتبط به من قرائن وقيود. مما يعطيه قدرة على التحكم بفعلية الحكم، مهما كان مصدره. وهذا مبدأ أصولي، يرتكز لفهم قرآني للأحكام الورادة في الكتاب الكريم، فنحتاج إلى مناهج تساعد على دراسة موضوعات الأحكام دراسة تفصيلية، ضمن ظرفها الزماني والمكاني، للتأكد من فعليتها، وهذا تعجز عنه المناهج القديمة التي ينتهي دورها بتمييز الأحاديث من حيث صحتها أو عدمها. ثم أن معرفة موضوعات الأحكام ليس أمرا بسيطا، خاصة المواضيع الاجتماعية التي جاء الحكم فيها تلبية لضرورات تاريخية، فنحتاج للتأكد من فعليتها أو عدمها. كأحكام الإرث والنشوز بالنسبة للمرأة. فهل مازالت الموضوعات فعلية، وما زالت الأحكام مثلها، أم أن موضوعاتها قد تغيّرت بفعل التحولات الثقافية والاجتماعية الكبيرة، وحينئذٍ ينبغي إعادة النظر في فعليتها؟

ثالثاً: إن حجية السُنة كما تقدم تقتصر على ما له جذر قرآني، وهذا يفترض توظيف مناهج حديثة لأمرين مهمين:

1- دراسة حيثيات الحكم الشرعي قرآنيا، ومن ثم تفكيك المنهج النبوي في التفصيل والبيان، لمعرفة خلفياته، ودوافعه والكشف عن بشريته. إذ لا يمكن أن تكون تفصيلاته وحيا، لأن الوحي ما اشتمل عليه الكتاب الكريم، "ما فرطنا في الكتاب من شيء". وإذ لم يكن وحيا فهو اجتهاد شخصي. وحينئذِ ينبغي لنا دراسة الواقع وحاجاته وضروراته وثقافته وأساليبه الاجتماعية، ومستوى الوعي، وأثر الديانات السابقة، للتأكد من استمراره ومن ثم ضرورة استمرار الحكم الشرعي. وهذا النوع من الدراسات من خلال مناهج نقد النص الحديثة ستساعد الفقيه على تقديم فهمٍ مغاير للحكم الشرعي وفقا لراهنه الثقافي والاجتماعي. وهنا يتضح بجلاء دور مناهج النقد الحديثة وقدرتها على كشف الأنساق الثقافية آنذاك، والفوارق الجوهرية بينها وبين واقعنا وفقا لحاجاتنا وضروراتنا، وفهمنا للدين ومقاصد التشريع.

2- لا يمكن إهمال ما زاد على الأحكام الشرعية النبوية ذات الجذر القرآني، ولا بد من دراسة دوافعها وضروراتها، كي يستفيد منها الفقيه، وهو يستنبط أحكاما شرعية. فما تبقى من روايات تتوزع على مستويات، فالأحكام الولائية، أحكام اقتضتها مصالح المسلمين وضرورات الأمن القومي. ودراستها ضمن ظرفها الزماني والمكاني يوفر للفقيه رؤية تساعده على فهم الموقف الصحيح من القضايا الكبرى. وأيضا بالنسبة للقضايا الأخلاقية، فإن دراسة مرتكزاتها، والخلفية الثقافية والاجتماعية تساهم في كشف ما هو نسبي وما هو مطلق منها، كي لا تفرض على المسلمين قيم أخلاقية هي معطى ثقافي لبيئة اجتماعية مختلفة. كما سنفرز ما يخص النبي من أحكام شرعية، وما يفعله كبشر له رغباته وحاجاته.

رابعا: إن فهم الدين يلعب دورا كبيرا في تحديد مقاصد الشريعة وغاياتها، فيتأثر بها الحكم الشرعي، وفتوى الفقهاء، وهنا تلعب المناهج النقدية الحديثة دورا مهما جدا، للتعرف على مسار الأديان تاريخيا، وكشف تاريخية بعض الأحكام، في ضوء هدف الدين والغاية من وجود الإنسان على الأرض.

خامسا: لا تخفى مكانة رجل الدين بشكل عام والفقيه بشكل خاص، ولا تخفى قدسية الفتوى دينيا واجتماعيا وسياسيا. وقد كرّست بعض الفتاوى مشاعر الطائفية والتكفير والتنابذ والخرافة واللامعقول الديني. والأخطر دور الفتوى في تعميق روح التبعية والانقياد لا إراديا لخدمة مصالح شخصية وسياسية ومذهبية. فالمتبادر لدى الناس أن الفتوى تمثل رأي الدين وقيم السماء، وهذا خطأ فادح، فالفقيه كأي إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته وتوجهاته السياسية والطائفية، في عملية استنباط الحكم الشرعي أو بيان الموقف العملي من الحكم المشكوك، مهما كان ورعه. فنحن بحاجة للكشف عن حقيقة الفتوى وفضح خلفية الفقيه وأهدافه وغاياته، وهذا يؤكد حاجتنا لمنهج النقد الحديث.

 

س83: د. مجدي ابراهيم: إذا نحن اعتبرنا أن مسألة رواية الراوي علامة ضعف تثير استفهاما كرواية الصحابي لعدد كبير من الأحاديث؛ فلا ننسى دخولها في ما عُرف من خشية وتوق وحذر أن يكون هذا الحديث أو ذاك قد ورد بالفعل عن الرسول الكريم، فيخشى الراوي من عدم ذكره تورعاً، حتى ولو كان ضعيفاً، فصحاح السّنة بها الضعيف لأجل هذا السبب. وأعتقد أن أحدَ رواة الحديث الكبار ردَّد هذا المعنى عن نفسه : الخشية من أن يكون هذا الحديث أو ذاك ورد فعلاً عن رسول الله؛ فكيف لا يذكره؟.

ج83: ماجد الغرباوي: قد يبدو هذا مبررا لشمول الروايات الضعيفة في الصحاح، لكن:

- إن شمول كتب الصحاح للروايات الضعيفة فيه نقض للغرض من تأليفها، إذ الهدف من هذه الكتب كما هو عنوانها التعهد بصحة صدور رواياتها عن النبي الكريم، فما فائدة العنونة بالصحة مع وجود الروايات الضعيفة؟. فينتفي غرض تصنيفها.

- تارة نجزم ونقطع بصدور الرواية عن النبي، فتكون حجة بمعنى المنجزية والمعذرية، لحجية القطع والجزم الذاتية. شريطة أن يكون القطع مستوفيا لكافة شروطه العلمية، فيخرج قطع القطّاع، والقطوعات المتولدة عن ميل لا شعوري لدى الفقيه. وقد بينت سابقا مدى تأثر التوثيقات بالانتماء العقيدي بشكل تخرجها عن الموضوعية. وهذا لا يصدق إلا في الحديث المتواتر، وهو نادر جداً، وقد مر الكلام حول القيمة المعرفية للروايات. وماعداه تبقى الآحاديث محتملة الصدور، فتشمل المضنون والمشكوك والمحتمل. وليس لهذه الأخبار والأحاديث أية حجية ذاتية، لكن قالوا بأن الشارع قد جعل الحجية لروايات الآحاد الخاصة بالأحكام الشرعية، بموجب أدلة لا تقاوم النقد العلمي وفقا لمعطيات علوم الحديث. فالأصل في هذه الأحاديث عدم حجيتها، فتكون مجرى للبراءتين العقلية (قبح العقاب بلا بيان)، والشرعية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا). والرسول هنا بمعنى البيان.

لقد تحول هذا النوع من الروايات عبئا ثقيلا على الوعي، خاصة وهم يستميتون من أجل توثيقها، فقالوا بالتسامح في أدلة السنن، من أجل إحيائها. وليتهم لم يقولوا، فمن يقرأ رواياتهم يجزم بعدم صدورها، مثلا يستحب أن تصلي كل ليلة ألف ركعة، في كل واحدة تقرأ سورة الحمد مرة وسورة ياسين مرة. وبعضهم يروي بدلا من الواحدة ألف مرة، وغيرها من السنن التي قد تكون صدرت لكن ضمن ظرفها ولا تكون حجة علينا. نحن بحاجة للتحلل من ثقل التراث وسلطته القاسية على العقل التراثي، وفتح آفاقا معرفية جديدة للعقل الديني أو نختار التخلف ملاذا إلى الأبد. فهذا النوع من الروايات لا يخدم الدين، ويعيق التنمية الحضارية، عندما يكرّس الكسل، وكراهة الحياة، واقتصار العمل الصالح على الدعاء والصلوات الطويلة المرهقة لجهد الإنسان ومشاعره، والعزوف عن مسؤولياته التاريخية والرسالية.

 

....................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

نحن هنا حتى الان نتكلم عن النص بمبناه و ليس معناه.
و لا ننظر لمسألة الاختزال العمد و الانتقائية. و اعتقد ان من طبيعة الامور ان يلجا الانسان للاختزال دون الاخلال، او التلخيص. و هذه ايضا مشكلة اجرائية يعزى لها التحريك و التحوير.
و اذا كانت المشكلة معروفة في الشعر فهي ليست شائعة في الحديث و الكتاب.
و ربما نحتاج كما تفضل الاستاذ الغرباوي لتطبيق ثنائية الوثاقة و الوثوق.
و اغتنم اافرصة لاشكر المثقف على مواصلة السلسلة و لا سيما هذه الحلقة التي تناقش زاوية جديدة.

This comment was minimized by the moderator on the site

والشكر ايضا لك ولمتابعتك المستمرة وهذا يفرحني الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع و شكراً الى الدكتور صالح الرزوق على تعليقه. و احب ان اضيف التعليق التالي:

هذه المقالة تبين مديات التصحر العقلي عند رجال ديننا الذين نسميهم علماء يا له من علم يحملونه!!!. ورد في المقالة انه " يشترطون في مفهوم العدل صحة عقيدته لفسق المخالف عندهم".

لا ارى اية علاقة بين العدل والدين او العقيدة ابداً. ان رأي هؤلاء هو سفسطة و اعتداء صارخ على المباديء الانسانية و كذلك على المباديء الانسانية للدين الاسلامي. امّا المعصوم فلا يوجد انسان معصوم اطلاقاً. العصمة و الكمال ترجع الى الله فقط.

اعطيكم مثلاً بسيطاً من الدين على بطلان هذه الآراء المتخلفة و التي تتناقض مع مباديء الدين الاسلامي:

سورة الكهف- 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا

الآية اعلاه تتكلم عن "الايمان و عن الكفر" و لكن النقطة المهمة جداً التي يجب ان نلاحظها هي: بالرغم من انها تتكلم بشكل جوهري عن الايمان و عن الكفر بالدين و لكنها تقول "انا اعتدنا للظالمين ناراً" و لم تقل " للكافرين".
و هذه الآية لها معنى عميق و هو ان "الكفر" اهون عند الله من "الظلم". و هنالك الكثير من الآيات التي تتحدث في هذا المجال.

و نحن نعرف ان تأثير الظلم على الانسان مميت و كارثي و هو ضد العدالة. و ما اكثر الناس من المسلمين هم ظالمين و الكثير من الملحدين و المشركين هم عادلين.
و من تجربتي الشخصية وجدت الكثير من الناس الملحدين الاجانب الذين عملت معهم يمتازون بقيم انسانية رائعة جداً من عدل و نزاهة و حب الاخرين و تقييم جهودهم لا تتوفر عند اغلب رجال ديننا المسلمين.

ليس هذه التفاهات فقط و لكن ليسمح لي الدكتور عدنان عويد (احد كتّاب هذا الموقع) لأستعير من مقالته فتاوي بعض رجال الدين السعوديين و هي وردت في مقالته المنشورة قبل اسبوع ما نصّه:

(فهذا الشيخ عبد العزيز الباز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية يفتي رضي الله عنه وبكل ثقة وإيمان بالله من أجل محاربة العقل والعقلانية معاً، حيث يقول : (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.). كما يقول في فتوى أخرى حول كروية الأرض قائلاً: ( يجوز قتل من يقول بدوران الأرض وكرويتها ومصادرة أموال وأملاك من استتاب.).

أما الشيخ المشهور والداعية "صالح بن العثيمين"، فهو يحذر في فتوى له من استخدام الدش (الساتلايت)، والاحتفاظ به في خطبة الجمعة الثانية يوم 25/ 3/ 1417 هـ/ قائل: (من مات وَخَلَفَ في بيته "دش" غش" رعيته فَحَرَمَ عليه الجنة). والمشكلة أن الكويت التي تتبنى دستورا علمانياً تبنت هذه الفتوى. ) انتهى.

هؤلاء هم سبب دمار المسلمين!!!. و امّا خرافات رجال الدين الشيعة فهي مشابهة الى هذه و اكثر.

ورد في هذه المقالة ما نصه:
"فالراوي الشيعي يروي الروايات التي تؤكد مسح الرجلين في الوضوء مثلاً، وفقا لمبناهم، بينما يؤكد الراوي السني على غسلهما. وكل فقيه يعتمد ما يوافقه من هذه الروايات". انتهى.

في الحقيقة انا مستغرب جداً جداً من هذه الامور و لا استطيع ان افهم لماذا يحصل هذا الاختلاف؟.
و السبب يعود الى ان "مستلزمات الصلاة" شاهدها هؤلاء "بعيونهم" عن رسول الله كيف كان يؤدي مستلزمات الصلاة و من بعدها يصلي بالمسلمين ؟؟. و هذه بطبيعة الحال تنتقل من جيل الى جيل ؛ فكيف و صلت لنا هكذا و اختلفنا عليها؟؟. و كيف وصلت لنا بالطريقتين؟؟. و الآذان و الايات التي تقرأ في الصلاة و غيرها من الامور؟

اذا اختلفنا على هذه الامور التي شاهدناها بعيوننا و سمعناها بآذاننا فكيف نتفق على احاديث الرسول و مرويات رجال الفقه التي نقلت لنا؟؟؟.
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ د. ثائر عبد الكريم. شكرا لتعليقك، تعجبني مقارناتك والتفاتك الى نقاط القوة. وهذا دليل الوعي. فرح بوجودك ومتابعتك لك كبير احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4331 المصادف: 2018-07-15 05:00:36