 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (102): الفقيه والتكوين العاطفي

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الثانية بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق10) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

الإيمان النفسي

ماجد الغرباوي: لم يكن نزاع الصحابة مجرد صراع سياسي، يمكن تسويته بتقاسم السلطة، بل اتخذ  مسارا آخر، وتحكّمت به مضمرات وعي قَبَلي متجذّر، وقيم كافحت من أجل البقاء. تكيّفت مع الوافد الثقافي والديني، دون المساس بجوهرها أو هدر سلطتها ومحدداتها بانتظار لحظة تصدّرها واجهة المفاوضات. فكانت تتحدى ثم كسبت المعركة. قد يُغتَفر تذبذب ولاء مَن دخل دين الله أفواجا، لكن موقف نخبة الصحابة لا يكف عن طرح الأسئلة، ومدى نجاح الدين في قلب موازين القيم السائدة. باعتباره منظومة قيمية، وتصور شامل للوجود والإنسان، وقد طرح بدائل عن الولاء القَبَلي، رغم عدم اعتراضه على التواصل مع غير المحاربين. فكيف تفوّق مبدأ ينتسب لقيم الجاهلية حسب التصنيف القرآني، على مبدأ ديني سماوي، وواصل حضوره عبر المدونات الكلامية والفقهية والسلوك العام للخلفاء المسلمين، وما زال يفرض محدداته على العقل المسلم والتفكير الحركي؟.

يفترض أن مَن خاض مفاوضات السلطة كان مصداقا لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ)، الذي يشير إلى اختلاف نوعي في الإيمان. لكن أين مصداق هذا الإيمان عندما تنهدم قيم الدين على مستوى الولاء لصالح قيم قَبَلية؟ فالخلل إما في بنية الوعي، أو قدرة قيم العبودية على التخفي والحضور في اللحظة الحاسمة؟ وهذا ما نسعى لفهمه كمقدمة لتفسير بعض الظواهر ذات العلاقة بالاستبداد، ومركزيتها في النظريات السياسية للمسلمين والفقه السياسي. بل أن قيم الاستبداد التي تلبّست لباس الدين هي سبب رئيس وراء فشل نظريات الحكم والدولة المنسوبة له. وهي وراء جملة خرافات على مستوى العقيدة، كما سيتضح لاحقا.

ما كان للمبدأ القَبلي أن يتفوّق، لولا وجود خلفية ثقافية تمهّد له باستمرار، وانقياد لا شعوري يتكيف مع كل وافد ليستعيد مركزيته. قد يبدو الأمر طاعة خالصة للنبي عندما انصاع الصحابة لرواية: "الخلافة في قريش"، غير أن ظرفها لا يساعد على قبولها كمسلّمة دينية، فقد ظهرت فجأة، خمدت مع سماعها الأنفاس واستطاع عمر بلباقته كسب الموقف، وتفويت الفرصة من خلال مبايعته لأبي بكر. وقد مرَّ تحديد دلالتها على فرض صحة صدورها، وهل هي أمر مولوي وحكم شرعي ملزم، أم مجرد وجهة نظر غير ملزمة، وقد ناقشتها جميعا. وذكرت لا يمكن أن تكون الرواية ملزمة، ولا يمكن للرسول تزكية أحد، إذ يلزم من تزكيته تبنٍ مطلقٍ لسلوكه ومواقفه، وهذا لا يفعله نبي، فكيف يزكّي قريشاً، كما هو صريح الرواية، خاصة في القضايا السياسية التي لم يورّط نفسه بها، وكان بإمكانه تثقيف الرأي العام بمجموعة أحاديث تتناسب مع خطورتها، فقضية الخلافة ليست مسألة عادية كي تحسمها رواية مرشح رئيس للخلافة!!، شهادته ستكون مجروحة. أو لا أقل تبعث على الريبة، وإن كان صادقا. وبالتالي فثمة ثقافة متوارية، تتحكم بوعي الفرد، ومضمرات تنتمي لقيم العبودية وتكريس الاستبداد توجه العقل الجمعي. فيتعين تحري حقيقته، وحجم تأثيره. والتعرّف على الأسباب الكامنة وراء رسوخه. كيف نفهم ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وأين دور الدين وقيمه؟ وماذا عن موقف الرسول من هذه القيم؟ وكيف واصل الفقه السلطاني والطائفي ترسيخها بمختلف الصيغ الفقهية.

إذاً أمامنا قضيتان، الأولى: ما سرّ رسوخ القيم القَبَلبية التي تمثّل جوهر النظام العبودي القائم على ثنائية سيد / عبد. والقضية الثانية: كيف استطاعت تلك القيم الالتفاف على الدين وتصدّر المشهد السياسي،  حتى غدت القريشية من مسلمات الفقه السياسي للمسلمين؟ وهذا يحيل على المنهج في مكافحة قيم العبودية، وهل كان ضمن استراتيجية الدين ذلك أم لا؟ وأسئلة أخرى.

التلقي اللاشعوري

يتقوّم نظام المعرفة البشرية في إطار استعداداتها الفطرية، بقاعدة معلومات أساسية، تمثّل له مبادئ ومنطلقات وخارطة طريق. ثم تتطور قدراته وإمكانياته من خلال تراكم معلوماتي، تترسّب على شكل طبقات جيولوجية، تُخفي بعضها الأخرى. وتتولى بنفسها بناء أنساقها ومضمراتها ومنظوماتها، عبر مختلف الأنشطة الإدراكية الشعورية واللاشعورية، التي تساهم في بناء مهيمن ثقافي، وتأسيس نطاق مداري لحركة المعلومات، ضمن عمليات عقلية وشرائح مشفرة تمثل مقولات أساسية يرتكز لها في إدراك الحقائق الممكنة، وتوجيه المعلومات والوعي الفردي والجمعي. كما يقوم بتوزيع وتنظيم معارفه واستنتاجاته وأحكامه، فتدب الحياة منذ الطفولة باللاشعور والعقل الباطني، ضمن البنية المعقدة للعقل وطريقة عمله.

إن طبيعة المقولات الأولية التي يرتكز لها العقل في بداية نشاطه، أنها مقولات خام، ترسبت بعيدا عن المحاكمات النقدية، باستثناء حزمة عواطف ومشاعر ترافق معلومات بسيطة، قد تقتصر على إشارة، لمحة، كلمة أو حركة تصدر عن شخص، غير أنها تساهم في برمجة العقل وتعمل لا شعوريا، فتكون راسخة، لا يطالها النقد، لافتقاره إلى رصيد معلوماتي مغاير، وهو مفقود بالضرورة. فالنقد حالة متطورة، يعجز عن إدراك المقولات الأساسية ما لم يمارس الحفر الجيولوجي، في أعماق البنية العقلية والفضاء المعرفي للفرد، واكتشاف خارطة الأنساق المعرفية، وعلاقتها بالجانب الشعوري، وكيفية تحييده.

وكما يمتاز الإنسان بعقله وقوة إدراكه ووعيه، يمتاز أيضا بمشاعر وأحاسيس تشارك فضاءه المعرفي ومخيلته وأداءه اللغوي. تتكيف مع تفكيره وتشارك في عملية تواصله، قد تخضع لسيطرة العقل وقد تتمرد على إرادته وفقا للحالة النفسية التي يمر بها الشخص، لكن بشكل عام يمكن زعزعتها، غير أن مشاعر مرحلة التلقي الطفولي، مشاعر راسخة برسوخ يقينياته، تستمد ثباتها من البيئة والثقافة التي تفرض عليه محدداتها باستمرار، فهو محاصر بثقافة أحادية هي مصدر يقينياته، لذا تستفزها التحرشات النقدية البسيطة. وهذا النوع من التلقي مقوّم أساس لمنظومة القيم والأخلاق والعقائد التي ينسجها العقل في مختلف مراحل التلقي. وهي رد فعل يتناسب مع قبليات الفرد، لا فرق في ذلك بين شخص وآخر، وفقيه وغيره. هذا بالنسبة للانفعالات النفسية.

 وللمشاعر دور يرتبط بنظام اللغة وعلاقتها بالنفس البشرية، فلكل نسق لغوي إيقاعه النفسي والشعوري الذي يساعد على إدراكه، قد يتمثله الفرد أويعيد انتاجه، لذا يقلّد الطفل حركات ومشاعر والديه عندما يردد ذات الجمل والكلمات، وأحيانا ترافقه مدى الحياة. وهي إحدى علامات الانتساب، فيقال هذا يشبه أباه في أسلوب حديثه. وهي أوضح في مراحل الطفولة، لذا تجد القيم والعادات والتقاليد والعقائد راسخة، برسوخ مشاعرها التي تتولى إدارتها وتوجيهها. والمشاعر أقوى من العقل قبل أن تنمو مداركه وتتسع أفاقه ومعرفته. وهذا ينطبق على قيم السيادة والعبودية، في طريقة نموها، ورسوخها، حينما تشكل أنساقها في أعماق النفس البشرية. لأن المعارف العقلية تجريدية لا علاقة لها بالعاطفة، بينما المشاعر حزمة امتدادات تتغلغل في أعماق النفس وترتبط بمكامن الفطرة، ومختلف تمظهراتها، كالخوف والحب والارتياب وغيرها التي يتجاوب معها الكيان البشري برمته. ولها امتداداتها في النفس البشرية، وارتباطها بضمير الفرد، واستعداداته الفطرية، وتتصف بسرعة استجابتها، وتأثيرها على جملة الشبكة العصبية للجسد، فتتجلى على سطحه بأشكال مختلفة، بل وتضغط على منطقة القلب، فكأنها تصدر عنه، لا أنها تصدر عن دماغ الإنسان كما هو الواقع. إذ المعروف علميا أن الجزء الثالث فيه مسؤول عن التركيز والذاكرة والعواطف والمشاعر، كالحب والبغض والخوف والفرح والحزن إلى غير ذلك. فالتلقي العاطفي تلقٍ معقد، مهما حاول الفرد تجاوزه يعود يلقي بظلاله على مشاعر الإنسان، فقد تتظاهر أو تحاول جادا التظاهر بالبغض لشخص عزيز عندك لكن قلبك ينبض حبا، لا يسمح لك بالتمادي. وهنا تكمن خطورة التلقي العاطفي للعقائد والأيديولوجيات وقيم العبودية، وقيم العشيرة، فإنها ستكون راسخة من هذه الناحية، ولسبب آخر يأتي.

كما ترتبط المشاعر بمخيلة الإنسان، وتستجيب لمغامراتها، وتساهم في تنشيطها وخصوبتها، ومنحها صفة الديمومة والبقاء والرسوخ والتألق والتفاعل المستمر مع المحيط الخارجي. والخيال هنا لا يعني نظرة محدودة، تقتصر على اللايقين، درجة دون اليقين المنطقي، بل باعتباره مجالا خصبا للإبداع والعطاء الفكري والمعرفي والأيديولوجي، وفضاء واسعا للتصور، وتشكيل الصور المثالية. فالمشاعر جزء من الفضاء المعرفي، تتولى توجيه التواصل وتحديد إحداثياته وفق معادلة معقدة ترتبط بمنظومة قيمه ومعاييره وأهدافه ورؤيته للواقع والآخر. فتمنح وجوده معنى واعتبارا. ويتوقف عليها انتماؤه وتماسكه الاجتماعي. بل أن جملة من القضايا الميتافيزيقية وغيرها لا حقيقة لها خارج الفضاء المعرفي والذي تشكل المخيلة قوامه. وهي القضايا التي يتعذر الاستدلال عليها حسيا.

وكدليل على قوة التلقي العاطفي ممارسة بعض الناس طقوسا وممارسات لايؤمن بها عقلا، لكن يجد نفسه منساقا معها لا شعوريا، لأن الإدراك  العقلي إدراك مجرد، بينما التلقي العاطفي شبكة من العلاقات، فمن يؤمن بقدسية رمز ديني، يؤمن بلوازمها الميثيولوجية، فليس من السهل التخلي عن عقائده وتصوراتها مهما كانت خرافية لارتباطها الوثيق بمشاعره وحياته ونجاته في اليوم الآخر. فتطوقه الوساوس النفسية وقلق لا شعوري عندما يتحرش بها أو يتخلى عنها. وساوس مصدرها حزمة تصورات موروثة، استقرت في أعماقه، تحكي عن كرامات ومعاجز مزعومة. وقد صوّر القرآن الكريم الإيمان النفسي بالعقيدة بقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). فالمقدسات والقيم قضايا موروثة تستبد بيقين النفس دون العقل. فكأنهم يقولون: نحن نتاج بيئة ثقافية واجتماعية، وأسارى منظومة قيم ارتبطت بها مكانتنا وحياتنا ومستقبلنا وانتماؤنا. فنحن جزء من أمة، وللأمة عقائدها وثقافتها ومتبنياتها. فالآية تعكس حقيقة الإيمان النفسي ومدى رسوخه. وهذا ينطبق على مختلف القيم، الدينية والاجتماعية.

وبالتالي، لا يمكن انتزاع تصورات وأوهام وعقائد، ترسخت بعيدا عن محاكمات العقل، وتدثرت بعواطف ومشاعر ارتبطت بها مكانتهم وانتماؤهم وهويتهم ومصالحهم ومستقبلهم الاجتماعي.

رؤية قرآنية

لا يتجاهل الخطاب القرآني العقل، عندما يركّز على القلب، كمصدر للمعرفة، وإنما يحيل على مشاعر الناس، فيصف المعاندين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)، رغم أن قضية العقيدة قضية عقلية حسب الفرض، غير أن دور المشاعر / القلب أكبر وأقوى، فيصغي ويتأثر المتلقي لأيقاع الخطاب، فقد يتأثر به أو لا يتأثر. قد يرد الاشكال على القرآن الذي يطرحه محمد إركون، حيث يؤاخذه على عدم تأكيده على النظر والتفكير العقلي الاستدلالي وتركيزه على القلب والجانب العاطفي للمخاطب. رغم تأكيد الكتاب الكريم على الدليل: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وكثرة مقارناته الفلسفية، لكن القلب رهان الإيمان، لقوة تأثير الجانب العاطفي. والدين أساسا يبحث عن قلب يصغي، وليس عقلا مجردا يتعامل معه بالأرقام والمعادلات الرياضية، فهو لا يكتفي بالإيمان بالغيب ما لم يترتب عليه أثر نفسي واجتماعي يدفع للعمل الصالح ومواصلة مسيرة الإيمان . يُريد مشاعر تحرك الناس نحو أهدافه الإيمانية والإنسانية. فهي قوام العقل الجمعي، أحد أهم رهانات الدين، وعندما يشرّع الشعائر يطمح لكسب مشاعر الناس عبر الوعي الجمعي (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). ورهان الدين على القلب لا يقف عند حدود القيم الأخلاقية، بل ويراهن على معرفة الفرد، حينما يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). بل نسب للنفس قضايا فطرية هي من اختصاص العقل، لكن النفس تدركها من خلال أنساقها العاطفية التي تسير بموازاة الأنساق العقلية أو المعرفية بشكل عام، فقال: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). فربما لا يدرك العقل أو لا يعقل بعض القضايا، بينما يدرك خفاياها قلب مستنير، مفعم بالحيوية والحياة. والقضايا الدينية والروحية، خاصة الميتافيزيقية لا سبيل للإذعان بها سوى مشاعر النفس البشرية، فتجد من يعش مشاهد يوم القيامة كما يصفها القرآن تهتز جوانبه، ويرتعد قلبه، وتتجاوب مشاعره مع إيقاع آياته. بينما يختلف الأمر عندما تقرأ تلك المشاهد بمعزل عن مشاعرك. لكن أليس عدم إدراكها عقليا دليلا على عدم صدقيتها ومطابقتها للواقع، فتكون مجرد أوهام تتعامل معها النفس كحقيقة مطلقة؟ أقول نعم هذا ممكن جدا، فالإنسان يتفاعل مع أوهامه أكثر من تفاعله مع يقينياته العلمية!!. وكلامنا لا عن عقلية أو عدم عقلية القضية بل عن كيفية رسوخ القيم مهما كانت غير إنسانية، وتنتمي لمنظومة قيم العبودية؟.

التلقي العبودي

يقتصر الطفل في بداية حياته على التلقي الحسي حتى تنمو معارفه وتكتمل مداركه ويستقل العقل بإدارة عمليات التفكير المعقدة. وعندما يتلقى الوليد أي معلومة جديدة يتلقاها ضمن حزمة مشاعر، تتجاوب معها أحاسيسه، كانبساط أو انقباض الوجه، أو التوقف والتركيز، وقد تكون ردة الفعل ابتسامة أو دمعة تقفز لا شعوريا من عينيه. ومعنى التلقي الشعوري، تفاعل النفس البشرية في قبولها أو رفضها، ولا تبدو الصورة واضحة في السنين الأولى، غير أنها جلية بعد رسوخ المعارف وتحكم العقل. فالأم مقدسة لأنها أول من امتزجت مشاعر الطفولة البريئة النقية بمشاعرها، وأول من برهنت على صدقها وإخلاصها وتفانيها لأجل ولدها، واستجابتها لكل مطالبه ولو على حساب راحتها. وهكذا يبدأ التراكم المعرفي، وتتشكل القضايا الذهنية التي تعكس الخارج، أو التي يقوم الذهن بتصورها. من جملتها القيم التي تتحكم بالعلاقات الخارجية، حينما يدرك تأثيرها على مكانته، وقدرتها على تعميق إنتمائه وتحقيق ذاته. من هنا تصبح لديه قاعدة أخلاقية توجّه وعيه وعلاقاته، وفق مصالحه الشخصية ومن ثمة الاجتماعية، بشكل يتناسب مع ركيزتي تحقيق الذات وتعميق الانتماء. وكلاهما تعبير آخر عن حب الذات، الذي هو قيمة فطرية، والدافع الأساس وراء حركة الفرد في المجتمع.

ليست القيم الاجتماعية خيارا للإنسان بل هي قَدَره، يبدأ بتمثّلها منذ نعومة أظفاره، بدءا بتلقين مفاهيم الخضوع والاستسلام، والإلتزام بقواعد الاحترام والطاعة والانصياع، كرهان يتوقف عليها ترسيخ الانتماء وتدارك التهميش، الذي يعني هدر اعتباره، جوهر تحققه الوجودي. فالفرد كيان قيمي ترتعد فرائصه دفاعا عندما تتضرر مكانته وحيثيته الاجتماعية، وهو مستعد للتنازل عن مبادئه أو بعضها لضمان وجوده. فمثلا حينما يرتكز المجتمع الى العنف في تسوية الخلافات وانتزاع الحقوق، فإن الاحتكام الى العقل والتسامح، من قبل بعض الأفراد، يصبح جبنا، وعارا، تنهار معه قيمته الاجتماعية، فيشارك لا قناعة بجدوى العنف بل دفاعا عن وجوده، وهروبا من تهمة الجّبن. وهو ليس جبنا وإنما شجاعة فائقة أن يتروى الإنسان في مواقفه، ويتخلى عن العصبية، ويحتكم الى الشرع والعقل والقانون بدلا من العنف والخصام. بل أن بعض القبائل تعتبر عدم السرقة ليلا جبنا، وهو عمل محرم شرعا لكن يمنح الفاعل قيمة اجتماعية، على أساسه يتخذ مواقفه. وكم من حق ضيعته سلطة القيم، وكم من دم أريق تعصبا لها. وكثيرا ما يقوم الإنسان بعمل لا أيمانا وانما من إرضاء للمجتمع ومجاراة لقيمه وتقاليده، حتى وإن لم يستند العمل الى مبدأ عقلي أو شرعي أو قانوني. كما في حالات دفع الاتاوات والغرامات التي تفرضها القبيلة لخدمة الشيخ أو لتسوية خلافات قبلية راحت ضحيتها دماء بريئة (كضريبة الفصل عند العراقيين)، فيجب على كل أبناء القبيلة دفع المبلغ المقرر حتى وإن وقع القتل ظلما وعدوانا، لكنه حكم القيم المستبدة والمهيمنة.

هكذا يبدأ تبني قيم العبودية والاستبداد، كمكون أساس لبنية الوعي الفردي والجماعي، فلا يشعر معها الفرد بالظلم، ولا يتمرد ضدها، لأن تمرّده نقض لوجوده الاعتباري الذي يمثّل القيمة الحقيقية له.

هذه المقدمة كانت ضرورية للتعرف على دور المشاعر في تلقي اللغة، التي من خلالها سنطل على موضوع القيم العبودية في ظل الثقافة الإسلامية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه المقدمة تتفق مع باختين في كلامه عن الفعل الجمالي او وظيفة اللغة و طريقة ارسال و تلقي الافكار،
فالاستاذ الباحث يقسم طرق الارسال و الادراك الى مستوى تعبيري يعبر عن الكينونة و مستوى انفعالي يعبر عن الاسلوب و الشكل،
و من الواضح ان الشكل المكاني او السياق يحتاج لشكل قيمي له علاقة بشيء خارج الكينونة الدلالية،
او بما معناه شكل الروح و مساحتها،
و نحن ننتظر الحلقة القادمة لتحديد التطبيقات الشرعية و الفقهية،
و شكرا،

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لاطلالتك المنيرة، نعم اللغة تخلق الحقيقة، وكم حقيقة لاوجود له لولا اللغة. شكرا لك اخي العزيز د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم
تحية و شكر على ما كان من طروحات في هذه السلسة المفيدة.
ورد التالي:"وقد صوّر القرآن الكريم الإيمان النفسي بالعقيدة بقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)" انتهى
للقول هذا تأثير عميق فيما جرى بعده سواء على الاشخاص او الاقوال...فهل كان هذا القول ينتهي بعلامة استفهام بمعنى ماذا نفعل و نريد الجواب او كان بتسليم به و انه مغروس فيهم لا يتخلون عنه فيكون التخلي عنه ظاهرياً...و نحن نتكلم بعد اكثر من 1400 عام على طرح هذا القول مع السيل الجارف للحكايات و الروايات التي لا مستقر لها لا بطارحيها و لا بناقليها و لا بمتقبليها...لو تمت العناية بهذا القول و سمحت الظروف وقتها باعطاءه الاهمية القصوى لما كان الحال كما حال هذه الايام.او لكان الحال افضل من هذا الحال
اعرف ان قولي هذا جرد القول من الظروف التي احاطت به لكني اعتقد ان له تأثير هائل على ما جرى.
قيل ان المقصود بالقلب او القلوب في النص هو العقل و العقول...وربما كما اعتقد ان القصد هنا تحكيم العقل لكن دون ترك العاطفة المرموز لها بالقلب.
اعتقد ان المُرْسَلْ و المُرْسَلْ اليه هم من ثقافة اجتماعية واحدة او متداخله
اكرر التحية و الشكر
دمت بتمام العافية

This comment was minimized by the moderator on the site

ذكرت مايمكن تأويله من الاية، لكنه ليس تاويلا حكرا، بل يمكن لمن لديه ادلة اضافية تقديم فهم اخر لها. تحياتي لمتابعتك التي تسعدني الاخ الاستاد عبد الرضا حمد جاسم

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقة الرائعة المتعلقة بالفقيه و التكوين العاطفي. و شكراً الى الاخوة المعلقين.

الاخ الغرباوي طرح سؤالين مهمين و هما:

1- ما سرّ رسوخ القيم القَبَلبية التي تمثّل جوهر النظام العبودي القائم على ثنائية سيد / عبد؟

2- كيف استطاعت تلك القيم الالتفاف على الدين وتصدّر المشهد السياسي، حتى غدت القريشية من مسلمات الفقه السياسي للمسلمين؟ وهذا يحيل على المنهج في مكافحة قيم العبودية، وهل كان ضمن استراتيجية الدين ذلك أم لا؟

انا اعتقد ان الرسول كان الحاضنة التي تجمع كل المسلمين بشتى قبلياتهم و قومياتهم و هو كان الملهم لكل المسلمين. و بالرغم من وجود الرسول فأن الكثير من المسلمين كانوا ليس صادقين في ايمانهم و لا زالوا متمسكين في قبلياتهم و هنالك عدة آيات تشير الى هذا الموضوع.
ان اسس الحكم و السلطة التي تأسست بعد وفاة الرسول اعتقد كانت خاطئة و بعيدة عن روح الرسالة السماوية. فليس من المعقول ان تكون الخلافة في قريش فقط ؛ و ماذا عن بقية المسلمين من القبائل الاخرى؟؟؟. كانت هذه الاسس الخاطئة هي التي بني الفقهاء عليها فقههم و تبرير احقيتهم للحصول على السلطة. و من هنا نشأ لدينا مبدئين مختلفين كلياً و هما الخلافة و الامامة. و كلاهما على خطأ.
القبليات من الصعوبة الانتصار عليها و هي سائدة في مجتمعاتنا لحد هذه اللحظة. علاقة شيخ العشيرة او رجل الدين و بقية افراد المجتمع هي علاقة السيد بالعبد. المجتمع يتقبلها لان اغلب افراده اميين. الدين استغل استغلالاً بشعاً من قبل رجال الدين و نحتاج الى وقت طويل لكي يعي المجتمع انه مخدّر من قبل هؤلاء.
الانسان العربي انسان كسول و اتكالي و يمتاز بالسذاجة لا يجهد نفسه في التفكير و البحث عما يقال له من قبل رجال الدين.
الدين الاسلامي لم يفهمه رجال ديننا و لذلك تراهم غاطسين في فقه السلف الصالح و تاركين القرآن. هنالك الكثير من الايات تشير الى ان لكل امة ظروف حياتهم تختلف و تتغير مع الزمن . و بالرغم من ان الدين ايماني ان الله ترك تأويل الايات الى "الله و الراسخون في العلم". و هذا يعني حركية الايات مع الاجيال البشرية. ان الله يقول "تلك امة قد خلت لا تسألوا عمّا كانوا يعملون".
ان رجال ديننا يتبجحون على اتباع فقه السلف الصالح و عدم الخروج عنه اعتماداً على الاية الايمانية التالية.

الزخرف 22
بل قالوا انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثارهم مهتدون

هذه الاية لا تتعلق بالمسلمين و انما بالامم الاخرى التي عاشت قبل الاسلام و هذا يمكن فهمه من الايات التي بعدها. الزخرف من 23 الى 25.

23- وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ

24-قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ

25-فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

ان الفهم الخاطيء لهذه الاية و كذلك ايات اخرى من قبل رجال الدين هو الذي جعلنا نرواح في مكاننا و نرفض كل ماهو جديد يؤدي الى تقدم مجتمعاتنا التي عانت كثيراً من آراء اصحاب فقه السلف الصالح.

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

نقاط مهمة تتناولها مداخلات الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم. بل فعلا هناك اسئلة كثيرة تطرح في المقام نسعى للاجابة على اهمها بما يخدم البحث والوعي تحياتي وخالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية وتقدير للاستاذ الغرباوي : ان اكثر المسلمين ايمانا بدعوة النبي محمد هم الفقراء والعبيد المستضعفين لان مبادىء الدين الجديد جاءت متوائمة مع رغباتهم واحلامهم في الحرية والمساواة وملبية لطموحهم المشروع في الانعتاق من ربقة الظلم والاستبداد . وهؤلاء استطاعوا ان يتحرروا من قبلياتهم او سجونهم الذهنية . لكن الملأ من قريش نظروا للدين الجديد نظرتهم للمُلك والسلطة بعدما امتزجت قيمه بقيمهم المعتقة فنتج عن ذلك تشوه للدين وابتعاده عن مساره الصحيح . وذلك ما يعبر عنه فرانسيس بيكون باوهام القبيلة المتمثلة بتحيز النفس البشرية لميولها الذاتية وما نشأت عليه من ثقافة . والمشكلة ان الملأ من قريش هم الذين كانوا يحركون الاحداث ويرسمون ملامح التدين للناس بحسب ( أوهامهم ) وعقلياتهم التي لم تغادر سجونها ... مع وافر التقدير والاحترام للمفكر الغرباوي ..

This comment was minimized by the moderator on the site

مشاركة قيمة من الاخ الصديق الاستاذ طارق الربيعي. بالفعل الطبقة المسحوقة اساسا لا رصيد لها اجتماعيا، والمتضرر الاول الملأ من قريش لكن استعدوا مكانتهم باسم جديد قريش المؤمنة. تحياتي لوعيك الزاخر

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4520 المصادف: 2019-01-20 00:58:13