 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (106): الفقيه والولاء

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق14) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

المجال التداولي

ماجد الغرباوي: ثمة مبادئ يتخذ منها الفقيه مرجعية أساسية في رؤيته العقدية، ومنهجه في ملء الفراغ التشريعي، بحكم وظيفته. وقد مرَّ الكلام حول مبدأ القريشية والاصطفاء. ونشير هنا للولاء، كمفهوم ملتبس تم توظيفه كأصل ديني، رتبوا عليه أحكاما شرعية، وموقفا من الآخر المختلف دينيا أو طائفيا، وفقا لبعض الاجتهادات. فيتعين بيان مدى شرعية توظيفه والارتكاز له، عندما يكون بمعنى الولاية، لتفادي تزوير الوعي، واستغلال العواطف الدينية لأغراض طائفية. سيما التلاعب في مصاديق آيات الولاء، عبر تفسيرات أيديولوجية يراد لها تعضيد المباني العقائدية للطوائف والمذاهب الدينية. فمثلا عندما تقول الآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وقع الخلاف حول مصداق الذين آمنوا، رغم إطلاق اللفظ، لتوظيفها دليلا على ولاية هذا الطرف أو ذاك. ولازمها بطلان أية ولاية دينية وسياسية تتعارض معها. وهذه الآية استدل بها الشيعة على أحقية الإمام علي بالخلافة، باعتباره المصداق الوحيد لنزولها، فتكون الخلافة متعينة فيه، ولازمها بطلان خلافة غيره. فالمتكلم الشيعي اختزل مفهوم الولاء بالولاية بمعنى القيمومة والسلطة وصلاحيات مطلقة يستمدها من صلاحيات النبي، الذي يستمد صلاحياته من الله تعالى، لحاجته الماسة لها، في ظل صراع مرير على السلطة، ثم عمد للمصاديق واستدل بروايات أسباب النزول التي عضدت ما يريد. وحينما جاء الفقيه رتب عليها أحكاما الولاء والتبري. بينما حافظ الطرف الثاني على إطلاق الآية واستدل بها على وجوب الولاية لكل من يتصدى لأمور المسلمين، فتشمل بإطلاقها خلافة الخلفاء، بل من باب أولى باعتبارهم صحابة الرسول. وهذه الآية مجرد نموذج، يكشف حجم تداعيات الولاء حينما يخرج عن سياقه. فهو سلاح ذو حدين، قد يعمّق روح المحبة والوئام بين أبناء الأمة الواحدة، وقد يكون سببا للفِرقة والتنابذ والاحتراب. فلسنا أمام مفهوم عادي، يمكن تجاوزه، بل أمام منظومة فكرية وعقائدية ينبثق عنها الولاء، يجب تفكيكها، ونقد مرجعياتها، وإعادة تشكيل المفهوم في إطار قيم الدين والقيم الإنسانية النبيلة.

تاريخ المفهوم

إن المجال التداولي لمفهوم الولاء، يضعه في سياق دلالات لغوية، يقتصر فيها التبادر على معنى النِصرة والولاية أو القيمومة، كمفاهيم مألوفة وشائعة، ضمن النسق الاجتماعي القَبلي، المسكون بالعنف، وتكريس ثقافة "المولى / السيد" و"المولى / العبد". وكلاهما جوهره الولاء. غير أن المجال الدلالي للمفهوم أعمق ضمن سياقات دينية، فيشمل لوازمه، حتى اكتسب أهمية في صراع الهيمنة الأيديولوجية، إبان البعثة النبوية، وتموضع داخل خطوط التحدي لمنظومة العقيدة الإسلامية. ثم وظّفه الخطاب الطائفي لاحقا، ورتّب عليه ثنائية الإيمان والكفر، ارتكازا لمقولتي: (التولي والتبرئ). من هنا سيكون تحري شرعية هذه المقولات وغيرها واجبا، لردم إحدى بؤر اللاتسامح الديني، ومصدرا لنبذ الآخر وتكفيره وحرمانه من حقوقه. فثمة أحكام إقصائية ترتبت على المفهوم لا فقط مجرد رؤية نظرية أو مشاعر إيمانية، ونحن بصدد التعرّف على مرجعيات الفقيه، ومقولاته التي يتكئ عليها في استنباط الأحكام الشرعية، والتي تسببت في تضخم الفتوى والأحكام، وظهور الفقه السلطاني، والحيل الشرعية والالتفاف على قيم الدين، وتدجين الأخلاق، سيما عندما يرتّب أحكاما على المقولتين المتقدمين، تستوجب موقفا دنيويا، وجزاء أخرويا. وما كان للفقيه كل ذلك لولا مرونة النص، فينبغي ضبط دلالاته وشروطه، تفاديا لأي توظيف طائفي، يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية.

الولاء لغة واصطلاحا

الولاء لغة: التتابع بغير فاصلة. المحبة والصداقة. وفي مفردات غريب القرآن: (ولي: الولاء والتوالي، أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. الولاية النصرة). وجاء الأصل اللغوي للكلمة بصياغات واشتقاقات مختلفة: كالولاية، الولي، المولى، ولكل مفردة معنى ضمن سياق الكلام يظهر جليلا في القرآن، فتعددت معانيه، كما أشار في معجم الفروق اللغوية. كالقيمومة والتدبير والصحبة والنصرة والادارة والمحبة وحق التملك والتصرف.

والولاء اصطلاحا: ميل نفسي للتعاطف يستوجب النصرة والوفاء والإخلاص.. ومنحه ولاءه، أي نصره وثَبت معه.

لكن يمكننا صياغة تعريف أعمق دلالة:

 "الولاء: مبدأ أخلاقي يفرض موقفا أيديولوجيا، يستلزم الانحياز والمسؤولية". وعندما يكون مبدأ أخلاقيا سيفرض محدداته، ويصبح قيمة عليا، لا يشترط مطابقته للحق بل الحق ما تمليه قناعته وإرادته، (إنصر أخاك ظالما أو مظلوما).

وعلى صعيد السياسة يعني الولاء: تبني الموقف الحزبي، والعمل وفق مقتضيات مصالحه. والمراد بالولاء الوطني: تكييف الموقف الشخصي مع مقتضيات ومصالح البلد. وهكذا الولاء الديني، يعني التضحية في سبيل مبادئه وقيمه. والولاء الإيماني، تضامن حد الإيثار مع المؤمنين: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). فيكون في جميع هذه الأصناف موقفا أيديولوجيا ينبثق عن قناعة نفسية، ورؤية محددة لعلاقة الأنا بالآخر، قائمة على تفسير وجودي وأخلاقي. فولاء الفرد ينبثق من حب الذات ومصالحه التي ترتبط بانتمائه ومكانته الاجتماعية والاعتبارية. فيكون ضربا من الإخلاص للنفس، وانحيازا مطلقا لاستقلاليتها ووجودها. فليست ثمة خسارة أو تضحية من طرف واحد، بل ولاء متبادل. أنت تعطي لتنتزع اعترافا رسميا بشخصيتك واعتبارك، في مجتمع تقوم فيه العلاقات العامة على مبدأ الولاء والعصبية القبلية. فهو سعي حثيث لتفادي تداعيات التهميش، الاجتماعية والنفسية.

قلق الولاء

يدشن الدين، أي دين، مشروعه الدعوي بطرح مفاهيم ورؤى مغايرة لما هو مألوف ومتعارف، عن الخالق والكون والإنسان والعقيدة والتشريع، والعلاقات الشخصية والاجتماعية. ويضفي معانٍ جديدة لنسق المفاهيم المتداولة، والتي منها مفهوم الولاء، من خلال سلب شرعية ما يتعارض مع عقيدته، وجعله خالصا لله: (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). وفق فهم جديد للمفهوم يقوم على ذات المبدأ العقدي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). لا أن شرعية الثاني تتوقف على سلب شرعية الأول، بل لأن الولاء بمعنى القيمومة والنصرة يكون أصالة وبالذات لله تعالى، باعتباره خالق السماوات والأرض وقادر على كل شيء. فالآية لا تسمح بأي ولاء خارج منظومة التوحيد، وسعت لاسترداده، فتكون ناظرة له باعتباره فعلا إراديا، يمكن للدين إعادة توجيه بوصلته، وإثرائه بدلالات تخدم مقاصده وغاياته. فعندما تقول الآية "ما لكم" تؤكد قدرة الفرد على التصرّف بولائه،  فيكون فعلا إراديا، يبعث على القلق ما لم يحرز ضمانه بشكل مطلق. لذا يأتي اهتمام القرآن بالولاء انسجاما مع رسالته، الهادفة إلى إعادة تشكيل المفاهيم وفق مبدأ توحيدي لضمان ولاء الفرد، يقوم على مركزية الخالق في العبادات، ومركزية الإنسان في التشريعات. وبالفعل أولى المشاعر اهتماما فريدا، وسعى إلى أدلجتها وفق ذات المبدأ، خاصة مشاعر الولاء، التي هي تجلٍ لموقف أيديولوجي مسبق، يستلزم الانحياز والمسؤولية. لذا لم يقتصر الخطاب القرآني على مكافحة ولاء الأديان والثقافات المناوئة لعقيدة التوحيد، بل سعى إلى تعميق الولاء الديني، وحذر من آثار الموروث الثقافي والقَبلي، مما يكشف عن ريبة ومعاناة سببها قلق الولاء لدى حديثي الإسلام، ممن وجدوا أنفسهم في مواجهة آبائهم وأبنائهم وعشيرتهم وجها لوجه. الأخ يقتل أخاه، ويقتل الإبن أباه أوالعكس، وفق معادلة جديدة لم يعهدها الفرد العربي فيبدو قلق الولاء أمراً طبيعيا ما لم ينسلخ الفرد من ولاءاته القديمة. حيث ينتمي لشعوب متخمة بالولاء القَبلي، حدا لا يمكن انتزاعه بسهولة. لأنه أساس تكوينهم العقلي، ومصدر قوتهم وعصبَتِهم. فعملت الآيات على تحديد المفهوم ولوازمه وانعاكساته على التربية وما يترتب عليه من أحكام وتشريعات. واستأثر بمصفوفة آيات، شنت حربا نفسية ضد الآخر. لتكشف عن خوف وتوجس سببه حساسية الولاء وعدم القدرة على الإمساك به خارج إطار قبلياته وظروف نشأته، وهو يقيم علاقة جدلية بينه وبين مشاعر ومواقف الإنسان. فكما يفرض محدداته وسلطته على المشاعر، كذلك تسعى المشاعر لتكييفه وفقا لميولاتها، مهما اختلفت مناشئها. 

دلالات المفهوم

الولاء مفهوم مألوف، قد يبدو بسيطا في دلالاته، غير أنه موارب، ينطوي على فلسفة عميقة، ورؤية فكرية بغض النظر عن مدى صوابها ومطابقتها للواقع. فالولاء  كما تقدم تعريفه موقف أيديولجي، ينبثق عن قناعة نفسية، تتشكل في مرحلة التلقي الأولى، حيث تترسب المعاني والمفاهيم لا شعوريا، وتترعرع المشاعر وما يرافقها من دلالات لغوية ومشاعر نفسية، لتواكب إدراك الطفل ثقافيا ومعرفيا. ورغم بساطتها ونزعتها النفسية اللاشعورية، غير أنها تنتمي لصورة ذهنية، مهما كانت بسيطة وساذجة، تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية المحيطة به. فترى الذهن ينسج صورا وهمية تتوالد في ظل تفاعلات نفسية تتطور مع كل مناسبة وحدث، وجميعها ترسو لا شعوريا، وتتداخل مع مقولاته الأساسية، وبنية الوعي الأولى، فتكون راسخة، لا تتزعزع، لصعوبة رصدها وتحديد أسبابها لاحقا. وكما تؤثر المشاعر في مواقف الإنسان من الأنا والآخر، وتتحكم بعواطفه، واتجاهات علاقته، فأيضا تتحكم في تكوين الولاء واتجاه بوصلته. فالمشاعر القَبلية تفرز ولاء عصبويا، يتفاعل معها الضمير، الذي هو الآخر وازع نفسي. فتفرز المشاعر الإنسانية ولاء إنسانيا، وتفرز الدينية ولاء يماثلها. وعلى جميع المستويات يعمل الضمير مجسا لقيم الفضيلة حينما تتهاوى أو تضعف، أمام أنانية الإنسان، ومصالحه الشخصية مهما كانت تداعياتها على غيره، فتكون على حساب قيم العدل والفضيلة.

نخلص أن الانقلاب المفاهيمي لقبليات الفرد لا يكفي لتحييد ولائه مطلقا، فضلا عن الرهان عليه، وهذا سرّ قلق الولاء الذي توحي به بعض الآيات وهي تخاطب المؤمنين بنبرة تحذيرية شديدة. لأن الإرادة لا تخضع للعقل دائما، وتفرض حولها يقينا نفسيا تتماهى معه، وقد تستدرج العقل لتحقيق مآربها، رغم أنها لا تستغني عنه، فيكون مثلها مثل جهاز صغير، يعمل بالطاقة الكهربائية، مهمته قطع التيار الكهربائي. فهو يستمد منها طاقة لحركته الذاتية، لكنه يعمل وفقا لنظامه الخاص. فكذا الإرادة، فإنها لا تنثني مهما كانت موضوعية المبررات العقلية، ما دامت تنتمي لمنظومة مختلفة، ترتبط بالجانب الشعوري، وتتأثر باللاشعور والخزين العاطفي والنفسي، وترتكز لليقين الداخلي أكثرمن اليقين العقلي الاستدلالي، فتجد انسجاما تاما معه، فلا تعارضه، بل تتماهى معه، وتنطلق عن قناعة نفسية، خالصة تارة وأخرى مزيجا من اليقينَين العقلي والنفسي. وهذا أحد أسباب قلق الولاء، إذ كيف يمكن سلخ المؤمن من ولاءاته القديمة اللاشعورية، واستبداله بولاء جديد، في المواجهات العسكرية، ضد قومه وأهل بيته؟ ولاؤه الأول نمى وترعرع داخل فضاء النفس وخلجات الروح. وارتبطت به مشاعره ومصالحه، فكيف يمكن للدين الجديد سلخه عنه بهذه السهولة، ما لم تتزعزع قناعاته النفسية فضلا عن عقيدته ومبادئه التي قام عليها الولاء.

وأما السبب الثاني لقلق الولاء هو أولوياته، التي يتقدم بعضها على الآخر، شعوريا ولا شعوريا، ويكون وفاؤه دائما للمشاعر الأصيلة التي اختبر حقيقتها وصدقيتها. فولاؤه أولا لدائرته الخاصة، بيته الذي ترعرع فيه، واستنشق أول مرة بين جدرانه رحيق الحنان والحب والعطف والاهتمام به وبمصالحه ومستقبله. ثم عائلته الأكبر وعشيرته حتى قبيلته على المستوى الاجتماعي. ويتعاطف مع معتقداته الموروثة، قبل أن يعي حقيقتها، ولن يتنازل عنها إلا بالنقد والمراجعة، وتمحيص النفس في كل مناسبة، فقد ارتبطت بها هواجسه ومخاوفه وآماله، وهي نافذته على الغيب والسماء، فكيف يستغنى عنها وقد انعجنت بوجدانه وروحه ومشاعره؟. وعلى صعيد العلاقات الإنسانية، يتضامن مع أترابه ورفاقه، ثم حبيبته. وفي جميع هذه العلاقات يعتبر نفسه ملزما بالولاء، فهو تضحية في مقابل منفعة تحقق مصالح شخصية، بعضها يتوقف عليها وجوده بمعنى التحقق وليس الكينونة. فالولاء مقابل الاعتراف وعدم التهميش، وتعميق الانتماء الاجتماعي، وهي قضايا مصيرية في المجتمعات القبلية، التي يكون الفرد فيها ابن عائلته وبيته وقبيلته، ولا قيمة له خارج منظومة القيم الاجتماعية، فيندفع لا شعوريا لتعزيز انتمائه ووجوده الاجتماعي، كشرط أساس لتأكيد الذات واشباع حاجتها للاعتراف. فينطلق الولاء عن قناعة، ارتبطت بمصالحه ووجوده الاجتماعي. فهو كما يمنح عائلته وقبيلته ولاءه، يكسب اعترافا رسميا به، ويضمن حمايته الاجتماعية والأمنية، في ظل مجتمعات متوحشة، يسودها العنف، وصراعات الهيمنة، فهو بحاجة ماسة لها. حاجة تكبر معه وتتطور. ولا يقتصر الأمر على الانتماء القبلي بل الأمر ذاته في جميع المجتمعات، مهما اختلفت ثقافاتها وتوجهاتها العقدية، ولا يتنازل الفرد عن ولائه، ما لم يضمن بديلا يحقق له مصالح أكبر، من منطلق حب الذات، الذي هو مبدأ فطري. فهو وفقا للمنطق البراغماتي النفعي، قد تحقق من جدواها، فأخذ وأعطى.

 ثمة سبب آخر يجعل الفرد ينحاز لا شعوريا لولاءاته الأصيلة، المتمثلة بالتضامن حد التضحية لأفراد عائلته، فهم الحاضنة العاطفية التي تربى في أجوائها، ونهل من صدق مشاعرها، وتعاطفها معه، فارتوت بالوفاء حد اليقين المطلق، ساعد على ذلك الأعراف والتقاليد الاجتماعية، مما عزز وحدة الولاء. فالدفاع عن أهله دفاع عن نفسه، والدفاع عنهم وفاء لأخلاصهم ومحبتهم ومعروفهم. فهناك ثمن قيمي يجعله مرتهنا في ولائه لهم، وهناك مصالح مشتركة واعتراف متبادل.

كل ما تقدم وغيره يجعل الولاء أمرا فائق الخطورة ما لم يضمنه الدين الجديد، فلا غرابة حينئذٍ في اهتمام الكتاب الكريم بموضوع الولاء، وطريقة معالجته، وإعادة تشكيل مفهومه، ارتكازا لمبدأ الوحدانية، الذي هو قوام الدين الإسلامي. فالولاء خطير في دلالته كما يظهر من الآيات وسياقاتها المختلفة. وكان الولاء قبل البعثة، يمثّل هوية الفرد في النظامين العبودي والقَبلي، وكان يتوقف عليه وجوده وانتماؤه واعتباره الاجتماعي. وثمة ارتباط نفسي ومصيري، يدفعه للتضحية والانتصار لأجله، فكيف يمكن للدين سلخه ومصادرته، ما لم تتشكل قناعة كافية من قبل المؤمنين أنفسهم.

لكن ثمة سبب أهم يتعلق بقلق الولاء، سببه:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

يعزف الاستاذ الغرباوي في هذه الحلقة على نغمة النظر و العمل التي خصص لها امس حسن حنفي مقالة في جريدة الاتحاد الاماراتية و اكد فيها مثل حوار الغرباوي: ان اصول الدين ليس الذات الالهية بل الطبيعة و جوهرها. فالعقيدة افكار ووحي و لكن الدين عمل و تفكير. و النبوة فعل في التاريخ و الدين استعداد لهذا الفعل.
و المذاهب الدينية هي استدلال كما يبدو و لكن الكتاب او القرآن نشأ في مكانه و زمانه. و كما يضيف حنفي تحدد تشريعاته اسباب النزول بالاضافة للناسخ و المنسوخ. فهو كائن متطور و يقيس الفكرة على تطبيقاتها.
فإجماعه يكون طبقا لظروف العصر دون الزام اللاحق بالسابق.
اعتقد ان الاستاذ الغرباوي واضح جدا في ضرورة التعامل مع النص على اساس تطبيقاته و سيرة هذه التطبيقات و العوامل المتداخلة و المعقدة التي تحدد الماهيات و تفصلها عن المفاهيم.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

و احب ان اضيف لاكون اقرب لمشكلة الولاء التي تناولتها الحلقة ان الجماعات الاسلامية الروحية لا تهتم بأصحاب الثقة و لكن بأهل المعرفة و الايمان. بينما الجماعات الحركية فهي تفضل الولاء على شدة الايمان و اتساع المعرفة.
و هذا الجدل بين النظرية و تطبيقاتها مشكلة كل الاحزاب الدنيوية و الايديولوجية.
فهل كان الدين الاسلامي حزبا او حلقة من حلقات الدولة و فارغة من الايمان و معبأة بالعلاقات و الروابط الشخصية؟..
انه سؤال اشكالي يساوي بين الدين و الدنيا. و مثلما طرحه السروريون اعاد طرحه انصار العقيدة الطحاوية و جماعة اهل السنة.
و لا شك نجم عن ذلك تناحر و تكفير كما يجري في سوريا حاليا بين داعش و النصرة.
و هذا مصدر قلق ايماني و روحي لا ينتهي.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الدين قابل للتوظيف بفعل مرونة النص، وتاثر التفسير بقبليات الفرد، بل وحتى توجهاته واهدافه، فتجد الاتجاه التكفيري يفهم غير ما يفهمه الاخر. وهذه مشكلة حقيقية تواجه الدين لا يمكن حلها الا من خلال النقد واعادة تأسيس مرجعيات صالحة تحياتي لتعليقك

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع المتعلق بالفقه و الولاء و شكراً للأخ المعلق الدكتور صالح الرزوق.

نعم انا اتفق معك في كل ما جاء في هذا المقال من مناقشة رائعة لفقه السلف الصالح و للولاء و العوامل المؤثرة به.

ان الدين الاسلامي دين ايماني لكل البشرية و قيادته تعتمد على الانسان التقي الذي يتميز بالعدل و المساواة و النزاهة بين كل اطياف المسلمين مهما كانت قومياتهم و قبائلهم و وضعهم الاجتماعي. و كل آيات القرآن تصب في هذا الاتجاه ؛ و مثال على هذا:

الحجرات 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير.

ان الاية اعلاه توضح بشكل جلي من ان "اكرم الناس" عند الله هو "الانسان التقي" و ليس قربه او بعده عن الرسول او انتمائه الى القبيلة الفلانية او من القومية الفلانية.

و النقطة المهمة جداً و التي اكدتها اغلب الايات القرآنية هو الاعتماد على القرآن الكريم و ليس غيره كطريق ايماني للمسلمين ؛ مثال على هذا:

الانعام 153
وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون

هذه الاية توصي المسلمين بالالتزام "بكتاب الله" و ليس بالمرويات و آراء الفقهاء لكي لا نضيع كما هو حالتنا الحالية.

آل عمران
وكيف تكفرون وانتم تتلى عليكم ايات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم

الاية اعلاه تشير الى الاعتصام بالله. و هنالك الكثير من الايات في هذا الشأن.

نأتي الى الاية التي تقول "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ".

النقاط التي يمكن ان نستنتجها من الاية اعلاه:
1- انها جاءت في وقت وجود الرسول و تبين للمسلمين من ان لا "ولي" ؛ مساعد؛مخلص لكم؛ عون؛ مرجعية دينية ايمانية الاّ الله و الرسول و العارفين بأمور الدين " المؤمنين التقاة". و لم يحدد من هم هؤلاء؟؟. تشمل جميع المسلمين الذين يمتازون بالتقوى و النزاهة و العدل و الصدق---الخ.

2- ان كلمة "و ليكم" جاءت بصيغة "الجمع" و ليس "بالمفرد" و لم يحدد اي اسماء بها (تشمل كل المسلمين). و لو اراد الله ان يحددها بأسم معين او اسماء معينة لبينها لنا؛ و لأختلفت صيغتها " كأن تكون " انما و ليكم الله و رسوله و الذي آمن الذي يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة و هو راكع"؟.
اذاً الاية اعلاه جاءت بشكل عام و صيغة الجمع.

و لو كانت بالامام علي حسب الادعاء او بالخلفاء لأعلنها الرسول للمسلمين بشكل واضح و صريح لانه "كلام الله" لا يمكن عصيانه لكي يكونون على اطلاع بهذا الامر.
و اذا حدث هذا فأنه يتناقض كلياً مع غالبية آيات الدين الاسلامي و عالميتها؛ و هذا سوف يؤدي الى انفضاض المسلمين من حول الرسول لتشكيكهم بأن الدين ليس سماوي و هدفه تسليط بني هاشم او قريش على القبائل الاخرى من العرب و غير العرب.

الاية التالية مشابهة للاية اعلاه:

النساء 59
يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا

اولي الامر هنا يقصد بها "المؤمنيين التقاة" الذين يأخذون على عاتقهم قيادة المسلمين و نصحهم في الجوانب الايمانية.

نعم القرآن اعطى حيزاً كبيراً لتأثير الولاء على قناعات القبائل العربية و غير العربية لأقناعها بأن الدين الجديد فوق كل الاعتبارات القبلية و العرقية. لذلك قال "جعلناكم قبائل و شعوباً و ان اكرمكم عند الله اتقاكم.
و اعتقد انه يوجد حديث للرسول "لا فرق بين عربي و اعجمي الاّ بالتقوى" لطمأنة المسلمين من ان الدين عالمي لكي يتخلوا عن قبلياتهم و اعراقهم. الاخ الدكتور الغرباوي ذكر اهم الاسباب التي تؤثر على الولاء.
ثقافة الفرد و محيطه الاجتماعي لها دور اساسي في هذا الامر.
شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقلات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الدين اعاد تشكيل قيم الولاء على اساس ايماني كما سياتي بيانه،لكن في نفس الوقت ثمة مساحة يمكن من خلال توظيف المفهوم، حدا لا ينفع معه ايات التسامح وغيرها. تحياتي للاخ ثائر عبد الكريم دوام حضوره وتفاعليه

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اعادة تشكيل المفاهيم الدينية الملتبسة وفقا لجوهر الديـــن وغايته المتمثلة في طمأنة النفس وهدؤها امر في غاية الاهمية والمشكلة باعتقادي ان الاجواء المشحونة بالصراع والتنافس والقمع لم تتح للفقيه ان يجتهد بحريــة ويعبر عن رأيه بدون خوف وقلق ، او يتجرد من موروثاته القبلية ليصل الى اجتهادات يتوافق عليها المسلمين تحد من تمزقهم وتمنحهم التوازن النفسي . ان هذه الاجواء المشحونة بالصراع لا تزال قائمة حتى يومنا الحاضر وربما ازدادت سوءاً . ان المسلمين الاوائل لا سيما الفقراء والضعفاء ومن ثم الموالي لم يجدوا على صعيد الواقع تمثلاً حقيقيا لقيم الدين الجديد التي بشر بها القرآن ، وانما بقيت القيم الموروثة هي من تتحكم في التوجه العام للسلطة وهذا ما جعل الكثير منهم يميلون الى الخليفة الرابع باعتباره النموذج الامثل الذي نادى بالعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق وظهر ذلك جلياً على سلوكياتــه ومعاملاته . . . يبدو ان النبي محمد كان يدرك صعوبة انسلاخ المسلمين عن ولاءاتهم القبلية واندماجهم في الولاء الايماني للدين الجديد فقد ورد في الاحاديث انه في أواخر ايامه ولما كان مريضا خرج الى ظاهر المدينة وهو يقول : أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها .. ) وهو ما حدث فعلاً . تقديرنا واحترامنا للاستاذ الغرباوي مع اطيب الامنيات له بالصحة والعافيـــــــــــــة .

طارق ..
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاستاذ طارق الربيعي، قلة من الفقهاء كما وصفتهم واما الغالبية المطلقة فمنغمسو
ن بالطائفية، وينطلقون منها في بناء منظومتهم العقائدية. من الطبيعي ان يواجه الدين الجديد قلق الولاء، ستاتي افكار اكثر صراحة عن كيفية معالجته لهذه المسالة. خالص احترامي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4548 المصادف: 2019-02-17 05:35:56