 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (155): فلسفة الخلق ومواربات الحقيقة

ماجد الغرباوي1احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

تعارض الأدلة

ماجد الغرباوي: كان الافتراض: لو دلت الأدلة أن أصل الإنسان حيوان، وأن التطور حقيقة علمية، لا تقبل الشك بعد بلوغها درجة اليقين المنطقي. حينئذٍ يأتي السؤال المتقدم، كيف نفهم التعارض بين نظريتي التطور والخلق، على فرض وحدة المصدر وفقا للنظرية الدينية، التي تؤكد أن الله خالق كل شيء، وقد استودع في كونه أنظمة وقوانين تضبط حركته وأداءه. بيده كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فيكون التطور أحدها؟: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ). فكيف نفهم التنافي بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية، ومدى إمكانية التوفيق بينهما دون هدر قدسية الكتاب والإذعان للعلم ومعطياته؟.

لا ريب لا يمكن تسوية التعارض المستقر بين الأدلة، كما هو مقرر عندهم أصوليا. فثمة تنافٍ بين تطور الإنسان وأصله الحيواني. واستقلالية خلقه وأصله الترابي: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فأصل الإنسان وفقا لهذه الآيات يعارض ظاهرا ما تقوله النظرية الوضعية. ولا يخفى أن الحقائق العلمية تزعزع قدسية النص عندما يتعارضان. وتفضي إلى تهميشه وسلبه سلطته وهيمنته والتعامل معه كنص تأريخي. واستبدل زاوية نظر المتلقي من المطلق إلى النسبي، ومن الإطلاق إلى الشك، ومن الشرح والبيان إلى النقد والمراجعة، ومن الجزم إلى احتمال الصدق والكذب في كل قضية خبرية فيه. وهذا ما ترفضه الأديان والكتب المقدسة، التي تمثل القداسة جوهرها: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (َإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). قداسة الكتاب رهان الأديان، فكيف يتخلى المؤمن عنها لصالح رأي بشري، مهما كان حقيقة علمية؟.

ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل تكون أكثر استعدادا لشطب قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على التماهي معها. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم أن بعضها موضوع، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. فيصدق أن سلطة النص ترسم مسار التفكير، وقداسته تخضع المتلقي لإكراهاتها.

إن سلطة النص سلطة معقدة، من خلالها تتجلى قوة النص وقدرته على فرض حقيقته. فالنص ليس مجرد نسيج لغوي بل يتمتع بسلطة يستمد بعضها من قوة بيانه، وقدراته البلاغية التعبيرية، وأسلوبه في توظيف المجازات داخل النسق اللغوي. وحجم الإحالات المرجعية في إيحاءاته ورمزيته وقدرته على استغفال القارئ. لذا تجد النصوص الدينية أثرى وأقدر على مقاومة النقد والتفكيك، حينما تستجيب لكل قراءة، وتتجدد مفاهيمها مع كل مقاربة نقدية. فثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالاته. والجزء الثاني من سلطته يستمدها من طبيعة النص وتقنياته الدلالية والتعبيرية. فيعمل ببراعة على مستويين ويحقق كامل أهدافه في التأثير. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

فالتعارض يشكّل تحديا لا تنفع معه أية تأويلات سلبية. فينبغي فقه النص، وعدم الاكتفاء بشرحه وتفسيره، ما دامت القوانين والسنن والحقائق العلمية ثابتة لا تتغير، لكن فهم النص نسبي، يمكن تداركه بمنهج مغاير. وعليه يبقى الرهان على قدرتنا على تقديم فهم مختلف للنص القرآني وفقا للغة الدين ومعطياتها ووظيفتها، يزعزع استقرار التعارض، حينئذٍ، يمكن تسوية التعارض من خلال فهم تأويلي، داخل ذات الحقل الدلالي للغة الدينية.

الخلق والحقيقة

إن مطابقة الواقع في الجمل الخبرية هو المائز بين القضية المطلقة والنسبية. الأولى يمكن الاستدلال عليها حسيا أو برهانيا أو رياضيا. وتعني منطقيا: (دوام ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه مادام الموضوع بذاته موجودا) (كتاب المنطق). وأيضا تقع في مقابل المقيّد والمشروط، فتكون متحررة من إكراهات القيود والشروط. والإطلاق في هذه الحالة يسلب القضية تاريخيتها. فالنتيجة واحدة في القضايا المطلقة، هو (ثبوت المحمول للموضوع). بينما يختلف الحكم في القضية النسبية تبعا لزاوية النظر، فتختلف من شخص إلى آخر. مثال الأولى جميع القضايا التي تخبر عن الواقع الموضوعي، بدليل حسي أو برهاني ورياضي. ويمكن للذهن انتزاع مفهوم عنها. أما القضايا النسبية، ومثالها الواضح القضايا الدينية الميتافيزيقية / الغيبية. أو اللامعقول الديني، الذي يتعذر الاستدلال على صدق قضاياه خارج النص والفضاء المعرفي للفرد. وقد فصلت الكلام حول القضايا في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يمكن استدعاء بعض المقاطع لأهميتها هنا:

إن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي. فاتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيماناً نفسياً، قائماً على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالقضايا التي يمكن الاستدلال عليها حسيا، أو الحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

والنص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالنص، خاصة النص الميتافيزيقي، يخشى الفضيحة المعرفية، حفاظاً على سلطته، وهيمنة مفاهيمه، فيرتكز في أدائه وسلطته إلى بُنيتين، ظاهرية تستمد وجودها من نسق دواله، وترابط كلماته وجمله، وأسلوبه التعبيري، وطبيعة المرجعيات التي تحيل عليها، والمراوغات التقنية التي توظفها في تمرير مداليلها. وبُنية مضمرة يرتكز لها عادة في تمرير ما يريده دون أن يبوح بها. (المصدر نفسه)

إن جميع المفردات الغيبية تصنّف ضمن القضايا النسبية التي لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، لأنها تنتمي لوجود مغاير، وعالم ميتافيزقي، لا يمكن الاستدلال عليه وإثبات صحة وجوده بدليل حسي أو برهاني. والمصدر الوحيد لثبوته إيمان الفرد بقدسية الكتاب الكريم. كما بالنسبة للملائكة والجن والشيطان وإبليس والجنة والنار، وما جاء في قصة الخلق. وبما أن هذه القضايا جزء من  عالم آخر فإن اللغة المعبّرة عنها هي لغة دينية وليست لغة عرفية، يمكن الوقوف على حقائقها بقراءة تأويلية لفك شفرة الترميز.

إن تفسير القرآن حرفيا أو تراثيا يفقد قيمته، ويتحول إلى عبء على الدين والوعي، وما لم يمارس التأويل دورا واسعا سيفضي إلى إنغلاق العقل، كما في آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). التي تكرّس العبادة هدفا أساسا لخلق الإنسان. أو تظهر الخالق بمظهر الضعف فيحتاج لمخلوق يكشف عن عظمته كما في الرواية المتداولة: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف). والأغرب الخطاب الشيعي، والمغالي منه خاصة يعتقد أن وراء فلسفة الخلق التعريف بالأسرة المقدسة، محمد وآل محمد. وقد مرَّت الإشارة إلى بعض الشواهد الروائية: (يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء). ويعرفون الكلمات التي علم الله آدم هي أسماء محمد وآل محمد، وبها تاب الله على آدم!!!. ولا يخفى خطورة هذا اللون من التفكير، ومدى خطورته اتجاه العبودية وقد بينت كثيرا من خصائصه، وطرحت في قباله نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان، ومازلت أؤصل لها، كي نخرج من دوامة التراث إلى نور العقل والعقلانية، ونواصل مسيرتنا بعيدا عن الخطاب التراثي والطائفي والخرافي.

لغة الدين

لا ريب أن اللغة وعاء الفكر، وأنها أداة للتواصل والتفاهم بين الناس، ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس. ولكل لغة في جانبها الأدائي أسلوبها الخاص في التعبير عن مضامينها، فاللغة العلمية، لغة صريحة، واضحة، تستخدم  لغة الأرقام والرياضيات أو المعادلات، لبيان حقائقها، التي هي حقائق كونية تريد إيصالها للمتلقي حرفيا، بعيدا عن المجاز والاستعارة والتمثيل والكناية والإشارات والإيماءات. بينما اللغة الأدبية تستهدف مشاعر الإنسان، فتلجأ للصور البلاغية للتعبير عن مضامينها، دون الصريح والواضح. استجابة لطبيعة النفس البشرية التي توقظها الصور الأدبية، وتنقلها لأفق الخيال، حيث تستغرق في تمثلاتها لتمتلئ وتتوازن وتروي حاجة عميقة. والصور الشعرية لا تقتصر على الخطاب الأدبي، وبإمكان الفرد انتزاع مختلف الصور من مشاهداته اليومية وأحلامه وطموحاته، وهذه إحدى أسباب ثراء اللغة الأدبية وقدرتها على تسويق الثيمة الفكرية بأداء أدبي زاخر بصوره الشعرية. وبالتالي فإن أداء اللغة تحددها قصديتها والغاية من توظيفها. فهدف اللغة العلمية بيان الحقائق العلمية، وهدف اللغة الأدبية النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها. وهكذا هي لغة التاريخ واللغة الفلسفية والعلوم الإنسانية.

وبالتالي فالجامع بين هذه اللغات أنها أداة للتعبير عن الواقع، تارة بألفاظ وتركيبات لغوية واضحة صريحة ِأو وصفية وأخرى مختزلة وثالثة مجازية ورمزية. وجميعها تعبّر عن حقائق واقعية أو مفترضه يمكن إدراكها وتمثلها من خلال مشتركات يدركها الوسط الثقافي للغة عبر أحد وجودين: خارجي أو ذهني، من خلالهما ينتزع المفاهيم ويحكم عليها.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للغة الدينية، فهي لغة رمزية، ولغة إشارة وإيحاء، تسخدم المجاز، تستثمر ثراءه للتعبير عن معاني مفارقة، لا يمكن للعقل البشري إدراكها، فيكتفي بتمثلها، من خلال مشتركات، لا تفك أسرارها تماما، وتبقى معانٍ هلامية يصعب الإمساك بها، وهو سرّ نسبيتها وارتهانها في دلالاتها لخلفية الفرد وثقافته ومضمراته العقدية وأنساقه المعرفية، فتختلف من شخص إلى آخر، ومن فضاء معرفي إلى ثانٍ. وللغة خصوصيتها وقدرتها على تجريد النص من تاريخيته، فيوحي بإطلاقه، بعيدا عن غياهب سجون اللغة والتاريخ. وهو أسلوب فذ، تعجز عن بلوغ مستواه لغات أخرى توظّف ذات التقنية، غير أن هيمنة القداسة وأسلوب التعبير تتجاوز حدود اللغة المألوفة، لتنقلك إلى عولم، تعيشها بكامل أحساسيسك.

وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد أيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية. فيتصف المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز بقوة حضوره داخل الحقل التداولي للغة الدينية، فهي لغة رمزية، يتوقف فهمها على تأويل خطابها أو تقلب الحقائق، وتتقاطع مع معطيات العلوم التي هي معطيات علمية، وقوانين كونية.  بل قد يقع المتلقي في فخ التجسيم حينما يعرض عن لغة التأويل، وهناك آيات صريحة بنفي جميع الصفات الجسدية للخالق على الضد من الآيات التي تجسمه. وحينما نحمل المتشابه على المحكم، نضطر لتأويل الآيات المتشابة لتتوافق مع الآيات المحكمات، فتحمل اليد على القوة ومجيئ عرشه، مجيء سلطانه، وغير ذلك. وهنا نؤكد أن موضوع النص تارة يكون قضية خارجية محددة، يمكن الاستدلال عليها بالدليل الحسي. وهي جميع المفردات الصريحة في معناها في سياق استخدامها، متداولة ومتفق على دلالتها، تأبى الاختلاف، كالإنسان، الرجل، المرأة، الشجر، الجبل، النهر والبحر عندما يكونان مطلقين، أما إذا دلت القرائن على إرادة معنى آخر، فينصرف له بفعل القرينة، كنهر من عسل. أو عندما يقصد بالبحر، غزير العلم، فيقال عالم بحر. لكن الأمر مختلف بالنسبة للمعاني المفارقة التي لا يمكن تصور حقيقتها، ومعرفة ماهيتها تماما، باستثناء مقاربتها من خلال خلفيتنا الثقافية، وما تختزن من حقائق مشابهة يمكن القياس عليها.

وأجد في القرآن ما يؤكد خصوصية اللغة الدينية، باستخدامه كلمة (يفقهون) التي تعني بذلك بذل الجهد لإدراك ما وراء ظاهر الألفاظ. أو التنقيب في أعماق النص لتحري معان ومفاهيم، تتطلب جهدا تأويليا لإدراكها. وقد وردت كلمة "يفقهون" في آيات عدة، بعضها واضح من خلال سياق الآية، والآخر يحيل إلى ما هو أبعد من ظاهر اللفظ:

 (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، والآية كما مر تؤكد عدم قدرة التفسير على بيان مضمونها، وتتطلب جهدا تأويليا لفقه النص وفك رموزه.

(انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)

(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

ومثال آخر: تجد الآيات تصف الخالق بصفات الكمال، حدا يتوهم المتلقي بتجلي الذات، لا فقط الصفات، ثم فجأة تأتي آية وتقول: ليس كمثله شيء، للتلاشى جميع الأوهام حول حقيقته، ويبقى يتجلى من خلال صفاته وهيمنته. فاللغة الدينية تحتفظ بمرونة عالية، وقدرة على أداء وظيفتها التأويلية والرمزية بمهارةً يتعذر معها سجن الآيات في سجون اللغة المتداولة. فهي لغة مرنة، تهدر جميع أسيجة اللغة العرفية لتنقل المتلقي إلى عوالم مغايرة.

ومثال ثالث: لقد استعرض الكتاب الكريم مئات الآيات حول يوم المعاد، والجنة والنار، بأساليب بلاغية مدهشة، تشد القارئ لها، وتجعله يعيش أجواءها، ويتوق لها، خاصة وهي تصف الحور العين والخمر والعسل والجنان وكل ما يشتهي الإنسان المحايث. أو يتزلزل عند قراءة آيات العذاب، ويخشى أن يقترف سيئة، تودي به إلى النار. لكن فجأة تأتي الآية لتقول: ورضوان من الله أكبر. (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فالفوز العظيم ليس الجنة وما فيها بل رضوان الله، فتتلاشى المعاني المادية، لترقي بالمؤمن إلى رضوان الله حدا يستهين بكل ما عداه، فنفهم أن الوصف جاء لتقريب مفاهيم يتعذر فهمها بدونها، فيستعين الكتاب بالمثال والتشبيه والكناية والإيماء والترميز. وهنا سنفهم أن رضوانه هو الفوز العظيم، وما الجنة والنار سوى تعبير رمزي عن رضى الله. فسواء كانت هناك جنة ونار حقيقية أم لا. وسواء كان المعاد جسماني أم روحاني، لا يؤثر في الحقيقة الكبرى. غير أن العقل التراثي، عقل مغلق يدور حول نفسه، وحول ظواهر النصوص، ومحكوم لعقول أضفى عليها صفة العصمة لتحقيق مآربه. وبالتالي  فعندما نتعاطى مع ظواهر النصوص ننتهي إلى نتيجة لا تتفق مع آيات أخرى، محكمة واضحة صريحة.

فينبغي تحديد ووظيفة لغة الدين، كمقدمة لمعرفة ماهيتها. فما هي وظيفتها؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مع أنني اذهب مع الأستاذ الغرباوي فيما يقوله عن الخبيئة في لغة أي نص و بالذات النص المقدس (الوحي و السيرة في الإسلام). لا زلت اعتقد اننا بحاجة لتحديد شبهة الأصل الحيواني للإنسان عند دارون.
سبق دارون علماء كثيرون فسروا الحياة تفسيرات مضحكة. لكن دارون لم يذكر ان اصل الإنسان حيوان بل هو يدخل كحلقة ضمن سلسلة التطور . و السلسلة لا يمكن ان تنشأ من العدم و إنما من خلية ذات مكونات عضوية و غير عضوية نجمت عن انفجار بعض الكواكب و برودتها. وذلك وفق الثوابت التالية:
* الأفراد في مجموعة تختلف اختلافاً كبيرًا عن بعضها البعض (حقيقة).
* الكثير من هذا الاختلاف هو قابل للتوريث (حقيقة).
* الأفراد الأقل ملاءمة للبيئة هم الأقل عرضة للبقاء على قيد الحياة وأقل عرضة للتكاثر؛ الأفراد الأكثر توافقا مع للبيئة هم الأكثر عرضة للبقاء على قيد الحياة والأكثر عرضة للتكاثر وترك سماتهم القابلة للتوريث للأجيال القادمة، والتي تنتج عملية الانتقاء (استدلال).
* هذه العمليات التي تنفذ ببطء تُنتِج تغيرات في الجماعات للتكيف مع بيئاتهم، وفي نهاية المطاف، هذه الاختلافات تتراكم مع مرور الوقت لتشكيل أنواع جديدة (استدلال).
و اود ان اضيف ان دارون اثر في تكوين الفكر الفلسفي في اوروبا. فجيل دولوز اقتبس منه فكرة الاختلاف بين الانواع و ان التشابه لا يعني التكرار.
و قبله اقتبس سلامة موسى في مصر ثم لويس عوض في مصر ايضا اشكالية انحراف البنية للتعبير عن مؤثرات طبيعية فائقة من خارجها و تقود لانتقال متدرج ينتهي ببنية مختلفة.
و أضيف ان البروفيسور هيرل و هو واحد من اهم الأسماء في دراسة بنية البلورات و التركيب تحت المجهري للمواد اقترح التدرج في البنية حتى تحقيق تبدل نوعي. مع التأكيد على تعايش و تجاور المراحل في التركيب نفسه (و هذا هو موضوع محاضراتي في جامعة حلب قبل السفر).
لا شك ان ما سلف ليس مهما في هذا الحوار لكن دارون كان دقيقا بكلامه و حذرا جدا. و تكلم عن خلايا و ليس عن انتقالات و قفزات نوعية.
هذا الحوار بعد تراكم حلقاته يشكل ركيزة لتأويل جديد و اجتهادات مزودة بالأدلة و نحن بحاجة لها في فترتنا هذه على الخصوص.
شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك العلمية النافعة. كان الفرض في هذه الحلقة انا التطور حقيقة عليمة، فكيف يمكن التعارض بينها وبين الحقيقة القرآنية؟ فالاشتغال على النص الديني، وليس على نظرية التطور التي هي خارج اختصاص الحوار الان. شكرا لمتابعتك واهتمامك الاخ الاستاذ صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4933 المصادف: 2020-03-08 04:10:39